ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى السيرة والتاريخ والأنساب

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 09-11-11, 01:43 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أقرّبُ بين أيديكم هذه الورقات المتواضعة في سيرة نبيّ الله الخليل إبراهيم عليه السّلام
والتي جعلتُ مرجعي فيها إلى كتاب الله عز وجل وصحيح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم
واعتمدتُ فيها على كُتب التّفاسير كتفسير ابن كثير والسّعدي وكذلك محاضرات متفرّقة للمشايخ الدّعاة كالشيخ عثمان الخميس وناصر الأحمد وغيرهم من الفضلاء.

وسوف أقوم إن شاء الله تعالى برفع السّير الأخرى لأنبياء الله عز وجل.

أسأل الله عز وجل أن ينفعكم بهذه المادّة المُتواضعة ولا تنسوني من دعائكم وجزاكم الله خيراً.
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-11-11, 01:47 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

سيرة ابراهيم عليه الصلاة والسلام

• ولد إبراهيم عليه السلام بأرض بابل في العراق في عهد النمرود الذي كان حاكما لتلك البلاد مستبدا جبارا وقد نصّب نفسه الها لقومه الذين كانوا يعيشون في دياجير الجهل والضلال وعبادة الأصنام. وكان أب ابراهيم وهو ازر نجارا وينحت الأصنام ويبيعها. ولما شبّ إبرهيم عليه السلام تزوج امرأة اسمها "سارة" وكانت عقيما لا تلد.ولد لازر ابراهيم عليه السلام وهاران وولد لهاران لوط عليه السلام.

• ولم يذكر لنا شئ في الكتاب والسنة عن نشأة ابراهيم في قومه وكيف كان حاله مع قومه في الصغر بل أول ما ذكر لنا هو مخاطبة ابراهيم لقومه ومجادلتهم في الهتهم التي يعبدونها من دون الله.

• انتسب الى ابراهيم عليه السلام ثلاث طوائف , المسلمون واليهود والنصارى بل انتسب اليه المشركون ايضا, فبين الله تعالى من هو المستحق بالانتساب الى امام الحنيفية عليه السلام فقد قال الله تعالى عن ذلك : "ام تقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط كانوا هودا او نصارى قل أأنتم أعلم أم الله "وقال عز وجل :"ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين" , فكان عليه السلام متحنّفا عن الشرك أي بعيدا منحرفا عنه.وبين من أحق بابراهيم عليه السلام من غيره فقال عز وجل : " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين "
ويبين الله تعالى حقيقة دعوة ابراهيم في قوله :" إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين *شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم * وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين *ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" وقال عز وجل : " قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين"وقال تعالى : " قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين"وقال تعالى : "وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم هو سماكم المسلمين "

فأكد الله عز وجل واخبر ان ابراهيم كان حنيفا مسلما بريئا من الشرك وأهله.ولما فتح الله عز وجل مكة لنبيه عليه السلام دخل الكعبة فوجد انهم قد رسموا ابراهيم واسماعيل وهما يستقسمان بالازلام , روى الامام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنها:
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم ، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة ، فأمر بها فأخرجت ، فأخرجوا صورة إبراهيم فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الآزلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قاتلهم الله ، أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط"

فضل إبراهيم عليه السلام

في كتاب الله تعالى :


• الاصطفاء : " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين"

• واتمّ نعمته عليه : " ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم"

• نبي صدّيق : " واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا"

• ونعته ربه بالصلاح : "وانه في الاخرة لمن الصالحين"

• ووصفه بانه حليم أواه منيب :"إن إبراهيم لحليم أواه منيب"

• وأخبر عن سلام القلب : " وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم"

• واتاه الله رشده وهو صغير فضلا من الله ومنّة :" ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين" أي : أعطيناه رشده، واختصصناه بالرسالة والخلة، واصطفيناه في الدنيا والآخرة، لعلمنا أنه أهل لذلك، وكفء له، لزكائه وذكائه،

• ورفع الله درجته في الدنيا والاخرة في ان اتاه الله العلم وفقه الدعوة الى توحيد الواحد العلاّم والدعوة الى دار السلام : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم" (فائدة : قال ابن مسعود : ليس العلم بكثرة الرواية ; وإنما هو خشية الله تعالى)

• واتخذه الله خليلا : "واتخذ الله ابراهيم خليلا"

• وزكّى الله دعوته بالرسالة وأنه قد وفّى ما عليه عليه السلام : "وابراهيم الذي وفى"
أي بلغ الرسالة على أتمّ وجه.

في سنة النبي صلى الله عليه وسلم

• وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكريم فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهماعن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (صحيح البخاري)

• وأنه خير البرية : فعن انس بن مالك رضي الله عنه قال : " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا خير البرية ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذاك إبراهيم عليه السلام " . (صحيح مسلم)

• وانه اول الخلائق يُكسى يوم القيامة , فعن ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال : " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" يا أيها الناس ، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا ، ثم قال : { كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين } . إلى آخر الآية ، ثم قال : ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا رب أصيحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد } . فيقال : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم "

• وفي حديث المعراج من حديث انس بن مالك رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال :" ثم عرج إلى السماء السابعة . فاستفتح جبريل . فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل . وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا . فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم ، مسندا ظهره إلى البيت المعمور . وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه "(صحيح مسلم) .وفي رواية البخاري من حديث مالك بن صعصعة الاتصاري قال: " قال(اي جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم) : هذا أبوك فسلم عليه ، قال : فسلمت عليه فرد السلام ، قال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح"

• وسمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه باسم ابيه ابراهيم عليه السلام , فعن انس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ولد لي الليلة غلام . فسميته باسم أبي إبراهيم " (صحيح مسلم)
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-11-11, 02:09 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

بداية دعوة ابراهيم عليه السلام لأبيه وقومه في بلاد بابل

بدأ ابراهيم عليه السلام بدعوة أبيه الى نبذ الأصنام وتوحيد الله تعالى الذي اليه المرجع والماب ,
وذلك مصداق قوله عز وجل :"وانذرعشيرتك الاقربين" فبدأ باقرب الناس اليه , قال عز وجل :

" واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا *يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا * يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا *يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا* قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا *قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا"

يخبر الله تعالى عن محاورة ابراهيم عليه السلام لأبيه آزر يدعوه الى عبادة الله وحده , فبيّن له ضلال ما هو عليه من عبادة من لا يملك نفعا ولا ضرا , وقال له :
وإن كنت تراني صغيرا فاعلم ان الله آتاني من العلم ما لم يؤتك, يا أبت.. اتبعني واستجب لما ادعوك اليه هو عبادة الله وحده لا شريك له, وطاعته في جميع الأحوال . ولم يقل له انا عالم وانت جاهل بل نسب العلم لنفسه بدون ذكر ما عليه أبوه من الجهل والضلال وهذا قمّة الأدب واللين وتمام البرّ للوالد. ثم قال له :
"لا تطع الشيطان في عبادتك هذه الأصنام فهو الداعي لعبادتها ثم إن ابيت واصررت على ما انت عليه صرت وليا للشيطان في الدنيا والآخرة" وهذه هي الخسارة العظمى والكسادة القصوى" وطاعة الشيطان المذكورة في الاية تسمى بعبادة الطاعة وذلك قوله تعالى : " لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " فكل كافر هو ولي للشياطن كما بين الله تعالى : "انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون الله"

وتحلّت دعوة ابراهيم مع ابيه ازر بالنصح والرفق واللين ومحبة الخير له بخلاف قسوة قلب ابيه الذي خاطبه باسمه العلم ولم يخاطبه بلغة الوالد لولده بأن يقول له : يا بني ..لا! وهذا يُشعر بما في قلب الوالد من قسوة على ابنه ابراهيم عليه السلام وكذلك هي قلوب الكفار التي نسيت ربها وأشربت بالكبر والهوى والشهوات "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة" فرد عليه بجلافة وقسوة وكلام ملؤه العناد والاستكبار وحذّره بان يرجمه ان لم ينته عن شتم الهته وسبها ثم امره بأن يهجره ولا يراه ولا يكلمه أبدا فقال له : "واهجرني مليا" اي زمن طويلا.

إلا ان ابراهيم قابل هذه القسوة بأن قال له : "سلام عليك" أي: ستسلم من خطابي إياك بالشتم والسب وبما تكره, وزاده خيرًا فقال : " سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا " أي: فإن الله لطيف بي رحيم رؤوف بحالي, معتنيا بي . وقد أوفى بوعده فقال : " واغفر لأبي إنه كان من الضالين"

ولكن لما تبين لابراهيم عليه السلام ان اباه عدو لله ولدينه تبرّأ منه وهذا هو الواجب على كل مؤمن موحد بأن يتبرّء من الشرك وأهله , قال عز وجل : " وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلاّ عَن مّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للّهِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ"
لمّا استغفر ابراهيم عليه السلام لأبيه وذكره الله عز وجل في كتابه , استغفر بعض الصحابة رضي الله عنهم لموتاهم من المشركين واستغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعمه ابي طالب وقال :"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " وكان يصلى على بعض المنافقين , فأنزل الله تبارك تعالى :"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم"وقال عز وجل : " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء "
فيه استثناء الاقداء بإبراهيم عليه السلام في استغفاره لأبيه وقد كان كافرا عدوا لله عز وجل.

وروى الامام البخاري في صحيحه من حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة ، وعلى وجه آزر قترة وغبرة ، فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني ، فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك ، فيقول إبراهيم : يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون ، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ؟ فيقول الله تعالى : إني حرمت الجنة على الكافرين ، ثم يقال : يا إبراهيم ، ما تحت رجليك ؟ فينظر ، فإذا هو بذيخ متلطخ ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار"
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-11-11, 02:20 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

تكسير الاصنام وإقامة الحجة الدّامغة على قومه

ثم أخذ ابراهيم عليه السلام يدعو قومه وينكر عليهم عبادة الأوثان وأنهم على ضلال من امرهم اذ اشركوا بالله الواحد العلام , فناظرهم وأقام الحجة عليهم وكسر الهتهم الباطلة وأهانها بين أظهرهم .فجاءهم عليه السلام في معبدهم فحقّر أصنامهم وصغّرها وتنقصها ,قال الله عز وجل في سورة الأنبياء:

" وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ "

وقال في سورة الشعراء: " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ* وَاجْعَل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنّةِ النّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأبِيَ إِنّهُ كَانَ مِنَ الضّآلّينَ * وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ"

وقال تعالى في سورة الصافات:" وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ "

• قال عز وجل "وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ " ابتدأ عليه الصلاة والسلام بالدعوة مع قومه بأن قال لهم متعجبا من جهلهم : ما هذه التماثيل التي أنتم معتكفون عندها وخاضعون لها؟! تصرفون لها من أنواع العبادة ما لا يحق صرفه إلا الى الله تعالى؟! فما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد "قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ".

• فقال لهم مبينا ما كان عليه الاباء من الضلال والشرك برب السماء :"لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ" وقال: "أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ" ثم قال :" فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ " اي: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟(كما قال قتادة) وقد بين ان رحمته وسعت كل شئ وسوف يحظى بها كل مؤمن موحد وسيُمنع منها كل أفّاك كفور قد نسب لله عز وجل الهة اخرى فعبدها من دونه فتجده إذا ضاق به الحال وألمّت به الكربات وتقطعت السبل وضاقت الحيل نادى ربّه وتخلّى عن المعبودات دونه , فلما ذهب ما به من كرب وبلاء عاد ليكفر بخالق الارض والسماء "فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير"

• فاستمر واجتهد في المقال مع أولائك الجهّال ليبين عيب وعجر تلك الحجارة الصمّاء التي أصمّت اذانهم عن الحق ويبين انها لا تدفع عن نفسها شئا فكيف عن غيرها : " قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ "

سبحان الله ,أنظر كيف سلّموا له أنها لا تسمع داعيًا، ولا تملك ضرا ولا نفعا , إذ انهم لم يدفعوا سبّه لها بأي كلام بل ذهبوا يحتجون بأسلافهم الضٌّلال وأنهم على اثارهم المُعتمة مُقدون.
ولهذا قال لهم: " قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ " وهذا برهان قاطع على بطلان آلهيّةِ ما ادّعوه من الأصنام، لأنه تبرّأ منها وتنقّص بها ولم يُصبه أيُّ ضرر ولا تأثير منها ، فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لأثرت فيه.فنظروا اليه واحتقروه بأعينهم لكونه فتى وقالوا له :"أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ " يقولون: هذا الكلام الذي تقوله لنا، وتنتقص به آلهتنا، وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقًّا جادًا فيه أم لاعبًا مستهزءا؟فردّ عليه عليه الصلاة والسلام ردّا يرتجف له قلب المؤمن وجلا وتعظيما ," قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ " فيا للعجب من قلوب أولائك القوم , حسبهم هذه المقالة من إمام الحنيفية عليه الصلاة والسلام ليرتدعوا ويرعووا ولكن قست قلوبهم فعلاها الرّان وغشيها العمى والضلال.فقال عليه السلام :إني لست من اللاعبين كما تظنون بل أقول لكم ذلك جادًا محقًا، وإنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شيء، فاطر السماوات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين, وهذه من أعلى الشهادات لأنه من أولي العزم من الرسل خليل الله عليه الصلاة والسلام.

• ثم أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها، بعد أن يولوا مدبرين إلى عيد من أعيادهم فقال : " وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ" قال هذا خفية في نفسه، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: سمعه بعضهم ,فلما جاء اليوم الذي كان فيه عيدهم عرّض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم، ونصرة دين الله الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام، التي تستحق أن تكسر، وأن تهان غاية الإهانة فقال عز وجل مخبرا عن ذلك : " فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ " فأرد بهذا عليه السلام ان يتخلّف عنهم ليكيد بالهتهم ويهينها, ومعنى" فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ" أي انه تفكّر في الأمر ثم ادّعى أنه لن يشاركهم في عيدهم لأنه سقيم مريض وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: قوله :إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وقوله عن زوجته :إنها أختي"

• فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم، ذهب إلى آلهتهم مسرعًا مستخفيًا، فوجدها في بيت عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعًا من الأطعمة قربانًا إليها فقال لها على سبيل التهكم والازدراء: " أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ "
فما لبث إلا ان راغ(أسرع وعجّل) عليها ضربا بقَدوم في يمينه القويّة فجعل يضربها بقوته ضربا شديدا حتى جعلها جذاذا أي قطعا صغيرة فكسّرها كلها ولم يبقي منها شيء الا صنمهم الكبير فلم يمسه بشئ لمقصد حكيم يريده عليه السلام كما قال تعالى: " فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ " فترك إبراهيم تكسير صنمهم هذا لأجل أن يرجعوا إليه ليأسألوه او يستفتوه في الخبر, فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم " قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ"
أنظر كيف رموْا ابراهيم عليه الصلاة والسلام بالظلم الذي والله هم أولى به حيث اتخذوا هذه الأصنام الهة تعبد من دون الله ولو كانت هذه آلهة لدفعت عن نفسها من أرادها بسوء، لكنهم قالوا من جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة ضلالهم وخبالهم: " قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ" ولم يدروا ان من عدله عليه الصلاة السلام وكمال توحيده علوّ شأنه عند الله عز وجل أن كسّرها وجعلها جذاذا. ثم : "قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ" أي : سمعنا ان هناك فتىً كان يعيبها ويزدريها يقال له ابراهيم فلا شك أنه هو الذي فعل هذا بالهتنا , وعلى قول ابن مسعود: سمعهم احدهم لمّا قال : "وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ "

" قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ " أي: احضروا هذا الفتى على مرأى من الناس ليروا ما حلّ في الهتهم ثم ليشهدوا مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينوا ما يُصنع بمن كسّر الهتنا من القصاص والحكم عليه. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عبّاد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه، كما قال موسى عليه السلام لفرعون: " مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى "فلما اجتمعوا وجاؤوا به عليه الصلاة والسلام , فتأمل رحمك الله وقوف رسول الله عليه السلام بين أولائك المشركين وقد احاط الناس به من كل جانب , فلم يرتجف ولم يتأتأ في الكلام بل ناظرهم بكلام موزون سديد وأبطل حجتم جميعا ,وكيف له أن يخاف من ذلك الجمع الرّهيب وقد اتاه الله رشده وملأ قلبه بالإيمان والتوكّل واليقين بأن الله عز وجل ناصره, قال سبحانه :"ومن يتوكل على الله فهو حسبه" فثبّت الله عز وجل قلب ابراهيم عليه السلام وسدد لسانه.

• فلمّا اجتمع الناس الى ذلك البنيان الذي فيه الأصنام المُحطّمة , وقد جاؤوا بابراهيم عليه الصلاة والسلام وأوقفوه على مرأى من الناس ف : "قَالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ" يعني : ما الذي جرّأك على ان تفعل هذا بالهتنا ؟! فصرف الفعل الى صنمهم الكبير فقال : "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا " أي هو الذي كسّرها غضبا عليها لمّا عُبدت معه, فإنه لا يرضى ان يكون هناك اًصناما أخرى تُعبد معه, فأراد ان تكون العبادة خالصة له من دون تلك الأصنام. وأراد إمام الحنيفية ان يلزم خصومه ويقيم عليهم الحجة بصورة واضحة جلية ليعيها أولائك الخصماء والناس من حولهم. لذلك أتبع قائلا : "فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ " قال لهم : لماذا نختصم في الكلام ونطيل .. فلنسمع من ذلك الصنم الكبير فإنه كان شاهد عيان على كل ما جرى حوله.. فهو صاحب الفعلة ومدّبر الجريمة...ثم بعد ان تسمعوا حجته وقولته نحيل الكلام الى الأصنام التي كٌسّرت فلنصغي لكلامها. فقال لهم على رؤوس الملأ : فاسألوهم إن كانوا يرجعون اليكم بالكلام.
" فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ " , عادوا على أنفسهم بالملامة وأقروا على أنفسهم بالظلم والشرك فهذه الأصنام بين أيديهم قد أصبحت جذاذا فلاهي دفعت عن نفسها ولا هي تتكلم لتخبرهم عن الحدث وهذا ابراهيم الفتى يقف بينهم لم يمسسه سوء بل يناظرهم بكلام واضح جلي لا يخفى على أولي العقول السليمة والفطرة السوية أنّ ما هم عليه من عبادة الأوثان والأنداد والشرك بخالق العباد هو الظلم بعينه والسفه الخبال. فأقروا على انفسهم بالظلم العظيم لكن ما هي الا لحظات حتى رجعوا الى الفتنة , قال عز وجل : " ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ " فانقلب الأمر عليه وضلت عقولهم وأدركتهم حيرة سوء فأطرقوا رؤوسهم وقالوا : لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق، فكيف تستهزئ بنا وتأمرنا بسؤالها؟

• فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام على رؤوس الأشهاد : " قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ" وقال:" أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ *وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ " فلا هي تنفع ولا هي تدفع, فيا للعجب أي سفه هذه العقول في طيّاتها تجمع؟!. ثم وبّخهم على مسمع من الناس أجمعين قائلا : "أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" أي : قُبحا وبعدا لكم وللالهة التي اتخذتموها من دون الله عز وجل, أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ؟!

• فلمّا بان الحق وبطل ما كانوا يعتقدون وأقام عليه الصلاة والسلام الحجة عليه وأفحمهم , جنحوا عن الجدال والناظرة الى استعمال القوّة والتهديد والسلطان والوعيد بأن يؤذوا الخليل عليه السلام قال الله تعالى مخبرا عن ذلك : "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ" و-" قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ" فأجمعوا على ان يكيدوا بإبراهيم عليه الصلاة والسلام ويقتلوه أشنع القتلات بقولهم : "حرّقوه" وهذا من صور المبالغة في الحرق ,قال أهل اللغة : الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى. ولاحظ , يرحمك الله, الى قبيح ما هم عليه من الضلال في قولهم :"وانصروا الهتكم" كيف عبدوا من هو مفتقر إلى نصره؟!

• فعمدوا إلى بنيان قد بنوه لإحراق ابراهيم عليه السلام فأضرموا فيه النار، فاضطربت وتأججت والتهبت وعلاها شرر عظيم وجاؤوا بابراهيم عليه السلام يسوقونه ثم ألقوه في النار وهو يقول : حسبنا الله ونعم الوكيل كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قيل له: " إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ "فأمر الله عز وجل النار التي هي جند من جنوده ان تكون على خليله بردا وسلاما فلم تمسسه بمكروه ولم ينله منها أذى فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته، ودينه ونجّى خليله ابراهيم عليه الصلاة والسلام ونصره على أولائك الطغاة قال عز وجل " قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ" وقال عز وجل : "فجعلناهم الأسفلين"
قال ابن كثير رحمه الله كلام نفيس في ذلك
: فأرادوا أن ينتصروا فخُذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتّضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغُلبوا ففازوا بالخسارة والسّفال,هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردًا ولا سلامًا ,ولا يلقّون فيها تحية ولا سلامًا ,بل هي كما قال تعالى: " إنْهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامَا".

• روى الامام البخاري عن أم شريك أن رسول الله أمر بقتل الوزغ، وقال: " وكان ينفخ على إبراهيم "
• وروى ابن ماجة رحمه الله في سننه عَنْ سَائِبَةَ مَوْلاةِ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ رضي لله عنها فَرَأَتْ فِي بَيْتِهَا رُمْحًا مَوْضُوعًا فَقَالَتْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا قَالَتْ نَقْتُلُ بِهِ هَذِهِ الأَوْزَاغَ فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ لَمْ تَكُنْ فِي الأَرْضِ دَابَّةٌ إِلا أَطْفَأَتْ النَّارَ غَيْرَ الْوَزَغِ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخُ عَلَيْهِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ
ه" (صَحِيح رِجَاله ثِقَات)

• وقتل الوزغ في أول ضربة أكثر أجراً وثواباً من قتله في المرة الثانية جاء هذا في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قتل وزَغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة . ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية "
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-11-11, 02:24 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

· مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع النّمرود الذي ادّعى الربوبية

وذكر الله عز وجل في كتابه مناظرة وقعت بين ابراهيم عليه السلام وبين ذلك الطاغية النمرود الذي كان حاكما لبلاد بابل فادّعى الربوبية واستكبر في الأرض وكفر برب العالمين. قال الله عز وجل عن ذلك :
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"

قوله عز وجل : "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ" , أي هل أتاك خبر الذي خاصم وجادل إبراهيم في ربه؟! وهذا تعجيب من الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وكل مؤمن بعده من ذلك الطاغية .. ألأن الله عز وجل اتاه ملكا لم يؤته احدا غيره من قومه يدفعه ذلك الى ان يكفر بربّه الذي أسبغ عليه النعم ظاهرة وباطنة ؟! بل لم ينته الأمر الى ذلك حيث ادّعى الربوبية وجعل يخاصم ويجادل إمامَ الحنيفية عليه السلام في ربّه عز وجل.

فجعل ابراهيم عليه السلام يبيّن ان الله عز وجل هو المنفرد بأنواع التصرف فقال عليه السلام : " رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ" [فخص من انواع التصرّف الإحياء والإماتة لكونهما أعظم أنواع التدابير، ولأن الإحياء مبدأ الحياة الدنيا والإماتة مبدأ ما يكون في الآخرة](السعدي)
فقال المُعاند مستكبرا : " أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ" قال أهل التفسير : "وذلك أنه إذا آتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر"
وهذا حقيقة ليس بمعارضة للخليل وليس بحجة ولا كلام في مقام المناظرة، بل هو تشغيب محض ، فإن الخليل استدل على وجود الله سبحانه وتعالى بأيجاد كل هذه الحيوانات وموتها أنه لا بد من موجد لها ومصرّف ومدبّر لها. فلما رآه إبراهيم يغالط في مجادلته ويتكلم بشيء لا يصلح أن يكون حجة، اطرد معه في الدليل فقال إبراهيم:" فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ" اذا كنت كما تدعي من أنك أنت الذي تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في كل ما خلق فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب." فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ" فبين ضلاله، وجهله، وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه، وتبجّح به عند جهلة قومه، ولم يبقَ له كلام يجيب الخليل به، بل سكت وبهت وتحير فلم يرجع إليه جوابا وانقطعت حجته"وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"بل يبقيهم على كفرهم وضلالهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك ورضوا به.

فالمقام الأول من المناظرة يكون كالمقدمة للثاني, فإن الدليل الثاني الذي ذكره ابراهيم عليه السلام على تفرّد الله عز وجل بالتصرّف والتدبير يبَيّن بطلان ما ادعاه النمروذ في المقام الأول , لأن الذي لا يتصرّف بالمخلوقات نُفِيَ عنه فعل الإحياء والإماتة.

يتبع ان شاء الله ...
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 09-11-11, 06:37 PM
عيسى بنتفريت عيسى بنتفريت غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-08-06
الدولة: المملكة المغربية.
المشاركات: 7,357
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

بارك الله فيك ونفعك بك، ووفقني وإياك لما يحب ويرضى.
__________________
الا بذكر الله تطمئن القلوب.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 09-11-11, 07:44 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عيسى بنتفريت مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك ونفعك بك، ووفقني وإياك لما يحب ويرضى.
آمين, وفيك بارك ربّي أخي عيسى.
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 09-11-11, 07:53 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

دعوة ابراهيم عليه السلام لقوم حرّان في بلاد الشام

خرج إبراهيم عليه السّلام من قومه وليس معه إلا شخصان، زوجه سارة وابن أخيه لوط عليه السلام فصار يتنقل في أرض الله تعالى داعياً إلى الله غير مكترثٍ بالقِلّة.
سار إبراهيم ومن معه حتى وصلوا إلى أرض حرّان في بلاد الشام, قال عز وجل : "ونجيناه ولوطا الى الارض التي باركنا فيها للعالمين" أي ارض الشام. وكان أهلها يعبدون الكواكب من دون الله فدعاهم إبراهيم إلى توحيد الله تعالى وترك ما هم عليه من الشرك :قال عز وجل :

" وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ*فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ *إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"
فيه أن الله عز وجل أراه ملكوت السموات والارض أي عظمة الله تبارك وتعالى في خلق السموات والارض ليكون من الموقنين أي ليثبت فؤاده ويزيد ايمانه بالله تعالى ويعظم يقينه بالله جل وعلا.ومن أهل العلم من فسر الملكوت بالربوبية والإلهية.
وفيه مناظرة ابراهيم عليه السلام بينه وبين قومه واقامة الحجة عليهم , فبين لهم عجز أولائك الاله الباطلة وأنها تغيب مرّة وتطلع مرّة فأنا لها ان تكون ربا والها تستحق ان تعبد , فان الاله الحق لا يغيب عنه شئ ولا تخفى عليه خافية بل هو القائم على كل نفس, الباقي بلا زول , لا اله الا هو لا رب سواه.

وقول ابراهيم عليه السلام في مناظرته مع أولائك الضلال : "هذا ربي" إنماعلى وجه التّنزُل مع الخصم وعلى سبيل الاستفهام المُشبع بالتوبيخ والإزدراء, أي كأنه يقول لهم :لننظر إلى هذه الأجرام والكواكب هل تستحق الربوبية كما تدّعون؟! فإنه لا ينبغي لعاقل أن يتخذ إلهه هواه، بغير حجة ولا برهان , كقوله عز وجل : "أفإن مت فهم الخالدون".
فبدأ ابراهيم عليه السلام بالكواكب الصغيرة ثم الأكبر فالأكبر وكان ينتظر حتى تذهب وتنطفئ ليُظهر حجته على قومه وليبيّن أن فيها عيبا مشتركا واضحا جليّا لا يخفى على أولي الفطر السليمة ,وذلك أن المعبود لا بد أن يكون قائما بمصالح من عبده، ومدبرا له في جميع شئونه، فأما الذي يمضي وقت كثير وهو غائب، فمن أين يستحق العبادة؟!
وهل اتخاذه إلها إلا من أسفه السفه، وأبطل الباطل؟!

ولا يظن ظان ان ابراهيم عليه السلام اعتقدر في ربوبية هذه الأجرام , بل بلا يظن ذلك إلا واهٍ مُتعثّر الفهم , وذلك من وجوه :

1. ان الانبياء معصومون عن الشرك وذلك ان الله عز وجل اصطفاهم لدعوته وليخرجوا الناس من ظلمات الشرك الى نور التوحيد وقد اخبر عن ابراهيم عليه السلام : "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين"

2. ان الله عز وجل ذكر ان ابراهيم عليه السلام انكر على أبيه وقومه عبادة الاصنام إذ قال: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين"

3. ان الله عز وجل أراه ملكوت السموات والارض ليعلم عظم الخالق تبارك وتعالى وهذه رؤيا البصيرة والعلم التي تحصل بالتفكر واليقين , كقوله تعالى : " أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض".

4. ان الله عز وجل ذكر في اخر هذه الايات انها كانت حجة لابراهيم على قومه , قال تعالى : "تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ"

5.أنّه عليه السّلام دحضَ ادّعاءِ المُعاند المُستكبر النّمرود وثلغ رأسه بحجر الحُجّة وأصّل وفصّل أن الله عز وجل هو النفردُ بالخلق والملك والتّدبير .
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 09-11-11, 08:04 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

• هجرة ابراهيم عليه السلام إلى مصر وابتلاء اللهُ عز وجل له بملك تلك البلاد

مكث الخليل عليه السلام هو وزوجه سارّة في حرّان ما شاء الله له أن يمكث، ثم رحل بعدها إلى أرض بيت المقدس وما والاها ثم ارتحل بعدها إلى مصر وهناك ابتلاه الله عز وجل في زوجه , وهكذا الأنبياء والرسل لا يزالون يُبتلون في حياتهم إلى ان توافيهم المنيّة, وذلك ليرفعهم الله عز وجل عنده درجات ويجعلهم أئمة يُهتدى بهم في الصبر والمصابرة على البتلاءات والحكمة في التصرف في المحن والكربات.

ذكر الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ما مُلخّصه :

أن ابراهيم عليه السلام لما قدم بلاد مصر علم أن فيها ملكا جبّارا فخاف على زوجه ونفسه فقال لها: " إن هذا الجبار ، إن لا يعلم أنك امرأتي ، يغلبني عليك . فإن سأل فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام , فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك" فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار , فأتاه فقال له :" لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك ". فأمر جنوده فسُلبت من ابراهيم عُنوة , فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة لائذاً بالله سبحانه وتعالى يدعو ربه عز وجل أن يحفظ له زوجه، وهل له وسيلة أخرى غير الدعاء في مثل هذه المواقف، وأن يسأل الله تعالى الذي نجّاه من النار أن يحفظه كذلك من وصمة العار. فأدخلها الطاغوت إلى قصره فلما رأها لم يتمالك أن بسط يده إليها لهتك عرضها والاعتداء على شرفها وهي لا تملك حولا ولا قوة لتدافع بها عن نفسها، فلما بسط يده اليها قُبضت يده قبضة شديدة , فقال لها : "ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك" ففعلت ذلك , فعادت يده سليمة كما كانت ثم عاد إلى فعلته الأولى, وكذلك عادة الغدّارين, فلما بسط يده اليها قبضت أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل المرّة الأولى فدعت الله عز وجل أن يطلق يده , فعادت يده كما كانت , ثم عاد إلى فعلته القبيحة , قبّح الله وجهه, فقبضت يده أشد من القبضتين الأوليين فقال : "ادعي الله أن يطلق يدي . فلك الله أن لا أضرك" ففعلت . وأطلقت يده, ثم دعا الرجل الذي جاء بها إليه فقال له : "إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر تخدمها"
فعادت سارة معها هاجر إلى ابراهيم عليه السلام وهو يصلّي فأومأ بيده أن ما الخبر , فقالت : " كف الله يد الفاجر في نحره وأخدم هاجر , قال أبو هريرة في نهاية الرواية : فتلك أمكم يا بني ماء السماء.


• مولد اسماعيل عليه السلام وهجرة ابراهيم عليه السلام إلى مكة مع هاجر وابنها

مكث إبراهيم عليه السلام في مصر مدة من الزمن ثم غادرها راجعاً إلى الشام الى أرض بيت المقدس ومعه زوجه والجارية هاجر, وكان ابراهيم عليه السلام قد رغبت نفسه بالولد على كبر من سنّه وكانت زوجه سارة عقيما لا تلد, فدعا ربّه عز وجل أن يهبه ولدا صالحا فقال كما أخبر الله عز وجل : "ربّ هب لي من الصالحين" فقدّر سبحانه وتعالى أن يتزوج ابراهيم عليه السلام هاجر (قيل أن سارّة هي التي زوجته اياها ونصحت له بذلك) فولدت له اسماعيل عليه السلام , ثم أمره الله تعالى ان يأخذ هاجر وابنها الرّضيع انذاك ويرتحل بهما إلى مكّة , فسار بها حتى وضعها عند البيت (ولمّا يُبنى) وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هنالك ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء, ثم تركها وقفل راجعاً، تبعته هاجر عليها السلام وهي ملتاعة وقالت له: إلى أين تذهب ولمن تتركنا في هذا الوادي الموحش المقفر، وهو يمضي في سبيله لا يلتفت إليها، عندئذ قالت: آالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا الله - عز وجل -. ثم رجعت إلى المكان الذي وضعهما إبراهيم فيه مع ولدها , سبحان الله أي ثبات عند أم اسماعيل؟! وانظر الى حال النّساء اليوم فسينقلب البصر إليك وهو حسير إلاّ من رحم الله تعالى.

،ثمّ انطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ، ورفع يديه فقال : " رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" امتثلت هاجر لأمر الله عز وجل وتحلت بالصبر ومكثت تأكل من الزاد وتشرب من الماء الذي تركه إبراهيم عليه السلام إلى أن نفد كله، فعطشت وعطش ولدها، وجعلت تنظر إليه وهو يتلوى من الظمأ فلم تحتمل هذا المشهد المؤلم وهبت قائمة وسارت تعدو وتهرول, صعدت مكاناً مرتفعاً يعرف بالصفا فنظرت لعلها ترى ماء فلم ترى شيئا فهبطت ورفعت طرف درعها وسعت سعي الإنسان المرهق المجهود حتى أتت مكاناً مرتفعاً آخر يعرف بالمروة فنظرت فلم ترى شيئاً ثم رجعت إلى الصفا فنظرت لعلها ترى شيئاً أو أحداً فلم ترى شيئاً فعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فذلك سعي الناس بينهما " ثم لما أشرفت أخيراً على المروة سمعت صوتاً فتلفتت فإذا بملك من الملائكة عند موضع بئر زمزم فبحث بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف . قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله أم إسماعيل ، لو كانت تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا " فشربت وأرضعت ولدها ، ثم قال لها الملك :
" لا تخافوا الضيعة ، فإن ها هنا بيت الله ، يبني هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يضيع أهله"
ولما نبع الماء اجتذب الطير إليه، وكان قوم من قبيلة جُرهم يسيرون قرب هذا المكان فرأوا الطير تحوم حوله، فقالوا: بأن هذا الطير يحلق على ماء وقد علمنا ان هذا الوادي ليس به ماء. فأرسلوا أحدهم ليستطلع الخبر لعلمهم بعدم وجود الماء في هذا الوادي، فرجع إليهم يزف البشرى في وجود الماء فجاءوا إلى هاجر فقالوا لها: لو شئت كنا معك والماء ماؤك، فرحبت بهم فاستوطنوا بجوارها قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس " حتى شبّ إسماعيل عليه السلام ، ثم تزوج بعد ذلك بامرأة جرهمية وتعلم العربية منهم.
(من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما كما في صحيح البخاري)
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 09-11-11, 08:12 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

• البلاء المبين في ذًبْح ابراهيم لابنه الأكبر اسماعيل , (عليهما السلام).

كان إبراهيم عليه السلام يزور زوجه هاجر وابنه اسماعيل عليه السلام من حين لآخر، وفي إحدى هذه الزيارات رأى إبراهيم عليه السلام في منامه أن الله عز وجل يأمره بذبح ولده إسماعيل, ورؤية الأنبياء حق لأنها بمثابة الوحي من الله عز وجل . قال الله تعالى مخبرا عن ذلك البلاء المبين:
" رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ"
لمّا رغب ابراهيم عليه السلام بالولد دعا ربّه قائلا : رَبِّ هَبْ لِي ولدا يكون مِنَ الصَّالِحِينَ ينفعني في حياتي، وبعد مماتي. فاستجاب اللّه له وقال: "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ" وهذا إسماعيل عليه السلام بلا شك وذلك من عدّة وجوه منها :

1. هذه الايات تشير إلى أن البكر هو الغلام الحليم ثم ذكر بعده البشارة بإسحاق فدل على أن إسحاق غير الذبيح ، ووصف اللّه إسماعيل عليه السلام بالحلم ، وهو يتضمن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر والعفو عمن جنى. وأما اسحاق عليه السلام فوصفه الله عز وجل بالعليم يقول تعالى : "فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ"

2. ولأن اللّه تعالى قال في بُشراه بإسحاق "فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ" فكيف يامر بعد ذلك بذبحه‏؟‏ والبشارة بيعقوب تقتضى ان اسحاق يعيش ويولد له يعقوب

3. واسماعيل وصف بالصبر في قوله تعالى‏:‏ "‏واسماعيل وادريس وذا الكفل كل من الصابرين‏" وذلك انه قال عز وجل في الذبيح ‏:‏ ‏"‏يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين‏" والقران يفسر بعضه بعضا.

4. ووصف الله تعالى اسماعيل عليه السلام ايضا بصدق الوعد في قوله تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا" لانه وعد اباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به‏ .

"فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ" أي:لما أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنّا يكون في الغالب، أحب ما يكون لوالديه، قد ذهبت مشقته، وأقبلت منفعته، قال له إبراهيم عليه السلام: "إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ" ورؤيا الأنبياء وحي "فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى" فإن أمر اللّه تعالى لا بد من تنفيذه، قَالَ إسماعيل عليه السلام صابرا محتسبا، مرضّيا لربه، وبارا بوالده: "يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ" يعني امض لما أمرك اللّه "سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" فأخبر أباه أنه موطّن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة اللّه تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة اللّه تعالى."فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" يعني لما انقاد واستسلم إبراهيم وابنه إسماعيل لأمر الله عزو جل،فالوالد انقاد واستسلم لامر الله بقتل ابنه وثمرة فؤاده، امتثالا لأمر ربه، وخوفا من عقابه، والابن قد استسلم بأن وطَّن نفسه على الصبر، وهانت عليه في طاعة ربه، ورضا والده وطاعته، تلّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينه، ليضجعه فيذبحه، وقد انكب لوجهه، لئلا ينظر إلى وجه ابنه وقت الذبح , وفي تلك الحال المزعجة، والأمر المدهش ناداه الله عز وجل: "أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا" أي: قد فعلت ما أمرت به، فإنك وطَّنت نفسك على ذلك، وفعلت كل سبب، ولم يبق إلا إمرار السكين على حلق ابنك اسماعيل , قال الله تعالى "إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" في العبادة والاستسلام والتسليم لأوامر الله عز وجل، والمحسنين في تقديم رضا الله عز وجل على شهوات أنفسهم.

قال تعالى : "إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ " أي:ان هذا الذي امتحنا به إبراهيم عليه السلام هو الإمتحان الواضح، الذي تبين به صفاء إبراهيم، وكمال محبته لربه وخلته، فإن إسماعيل عليه السلام لما وهبه اللّه لإبراهيم، أحبه حبا شديدا، وهو خليل الرحمن، والخلة أعلى أنواع المحبة، وهو منصب لا يقبل المشاركة ويقتضي أن تكون جميع أجزاء القلب متعلقة بالمحبوب، فلما تعلقت شعبة من شعب قلبه بابنه إسماعيل، أراد تعالى أن يصفي وُدَّه ويختبر خلته، فأمره أن يذبح من زاحم حبه حب ربه، فلما قدّم حب اللّه، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبح لا فائدة فيه، فلهذا قال: "وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" فصار بدله ذبح من الغنم عظيم، ذبحه إبراهيم، فكان عظيما من جهة أنه كان فداء لإسماعيل عليه السلام، ومن جهة أنه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قربانا وسنة إلى يوم القيامة.

"وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ"
أي: وأبقينا عليه ثناء صادقا في الآخرين، كما كان في الأولين، فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام، فإنه محبوب مُثني عليه وعليه التحية من الله عز وجل وهو الثناء والمباهاة بالخليل عليه السلام , "إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" في عبادة اللّه، ومعاملة خلقه، أن نفرج عنهم الشدائد، ونجعل لهم العاقبة، والثناء الحسن. ثم قال عز وجل : "إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ" بما أمر اللّه بالإيمان به، الذين بلغ بهم الإيمان إلى درجة اليقين، كما قال تعالى: "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ "
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 09-11-11, 08:17 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

• بشارة ابراهيم بإسحاق نبيّا من الصالحين عليهما الصلاة والسلام

ذكر الله عز وجل في كتابه عن بشارته لخليله إبراهيم عليه السلام على كبره بالولد الثاني وهو اسحاق عليه السلام من زوجه سارة التي كانت عجوزا وعقيما لا تلد , أخبر الله تعالى عن ذلك في عدة مواضع من كتابه العزيز وفي كل موضع يبيّن عز وجل الله البشارة بكلام مؤثّر يزداد المؤمن فيه أيمانا ويقينا بقدرته سبحانه وتعالى , يقول الملك جل في عُلاه :"وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَاوَيْلَتَى آلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ*فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرّوْعُ وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَىَ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مّنِيبٌ * يإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـَذَآ إِنّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبّكَ وَإِنّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ"

وقال عز وجل : "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ "

وقفات عند الآيات:

يخبر سبحانه وتعالى أن البشارة بإسحاق عليه السلام كانت بإرسال الرسل من الملائكة لإبراهيم الخليل وزوجه سارة, وكان الله عز وجل قد أرسلهم إلى مدائن قوم لوط ليُدمّروا عليهم ويُنبّؤوا رسول الله لوطا عليه السلام بذلك لِيَنْجو هو والذين امنوا معه, فمرّوا عليهم السلام بإبراهيم قبل ذهابهم إلى لوط عليه السلام, قال عز وجل : " وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ" دخلت الملائكة على ابراهيم عليه السلام على صورة بشر فحسبهم الخليل عليه السلام أضيافا فعاملهم معاملة الأضياف فراغ إلى بقرات عنده وشوى لهم عجلا سمينا , فجاء به عليه السلام إليهم ووضعه بين أيديهم " فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً" وذلك لأن الملائكة ليس فيهم الحاجة إلى الطعام ,فنكرهم عليه السلام وظنّ أنه ثمّ أمر مكروه قد جاء به هؤلاء الضيوف, وذلك قبل أن يعرف أمرهم , فهدّؤوا من روعه قائلين " لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ" فسمعت ذلك امرأته سارة فضحكت واستبشرت غضبا لله على قوم لوط وعلى أفعالهم القبيحة, قال عز وجل : "وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ" عندها جائت البشارة من الملائكة إلى ابراهيم وزوجه بالولد وبالذريّة من بعده, قال عز وجل : " وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ" فتعجّبت سارّة من ذلك وفعلت كما يفعل النساء عند التعجب وصكّت وجهها وقالت متعجّبة وقد طار فؤادها بالبشرى : " قَالَتْ يَاوَيْلَتَى آلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ" وفي اية أخرى : " وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ " فذكرت ثلاثة موانع من وجود الولد ,عندها قالت الملائكة : " أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ " أخبرتها الملائكة أن أمر الله عز وجل لا عجب فيه، لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء قال عز وجل : " إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئًا أن يقول لَهُ كُنْ فَيَكون" وأنه سبحانه وتعالى لا تزال رحماته وبركاته واحسانه تتنزل عليها وعلى زوجها الخليل عليه السلام , وانه يفيض على عباده المتّقين من خيراته وجوده فهو الحميد في صفاته ذات الكمال والجمال والجلال وهو محمود سبحانه وتعالى على كل افعاله التي فيها الإحسان والجود والكرم والعطاء بغير حساب , وهو سبحانه المجيد عظيم الصفات المتناهية في الكمال والسّعة وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها.

فتأمّل رحمك الله قول الملائكة : " أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ" لتعلم أنه ليس هناك أمر مُستبعد في أفعاله سبحانه وتعالى ,فكل كرب مهما اشتد وتلبّد فإن فرج الله قريب وكلّ ذنب مهما عظم وتراكم فإن عفو الله واسع قال عز وجل : "وتوكّل على الحيّ الذي لا يموت وسبّح بحمده".

ثم قال عز وجل : "فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرّوْعُ وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَىَ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مّنِيبٌ * يإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـَذَآ إِنّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبّكَ وَإِنّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ"سبحان الله , وهذا حال إبراهيم عليه السلام مع ابن أخيه لوط عليه السلام والذين امنوا معه , خاف عليهم من أن يكون العذاب قد عمّ الجميع فصار يُجادل الملائكة في ذلك قائلا : " إن فيها لوطاً" فطمأنته الملائكة بقولها : " نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين" , عند ذلك سكنت نفس إبراهيم عليه السلام وسكن روعه , ثم بيّن سبحانه وتعالى الخصال الحميدة في خليله بأنه "حليم " أي ذو خلق حسن وعَدَمِ غَضَبٍ عند جهل الجاهلين وأنه واسع الصدر, صبور عن المحن والإبتلاءات ووصفه بأنه "أوّاه" أي متضرع إلى الله بالدعاء في جميع الأوقات والأحوال , وبال"منيب" وهو الرجّاع إلى الله عز وجل بمعرفته ومحبته والإقبال عليه والإعراض عمّن سواه وذلك أن كل شيء بيد الله عز وجل وأنه هو الأول والاخر , فلمّا اجتمعت هذه الخصال في ابراهيم عليه السلام صار يجادل في إهلاك قوم لوط , سلام على إبراهيم. وسيأتي إن شاء الله الكلام عن نبي الله لوط عليه السلام في موضعه.
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 09-11-11, 08:25 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

ابراهيم وابنه اسماعيل عليهما السلام يبنيان البيت العتيق وبيان فضل ابراهيم في الدنيا والاخرة

لقد ذكرنا أن ابراهيم عليه السلام كان يذهب من الفينة إلى الأخرى يتفقّد حال زوجه هاجر وولده اسماعيل في مكة وذكرنا ما كان من إبتلاء الله عز وجل ابراهيم في ذبح ابنه اسماعيل عليه السلام. قال ابن عبّاس رضي الله عنهما كما جاء في الصحيحين بما ملخصّه :

أن إبراهيم عليه السلام قدِم يوماً إلى مكة وأتى بيت إسماعيل عليه السلام فلم يجده ووجد امرأته وكانت تجهل أنه والد زوجها فسألها عن إسماعيل عليه السلام فأخبرته أنه خرج يصطاد، ثم سألها عن حالهم، فقالت: نحن في شدة وضيق وشكت إليه سوء الحال، ثم قال لها: هل عندك ضيافة من طعام وشراب؟ فقالت: لا ليس عندي، ولما لقي منها إبراهيم عليه السلام من البخل وعدم الرضا بقسمة الله قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه. انطلق إبراهيم عليه السلام وجاء الزوج وكأنه آنس أن أمراً حدث خلال غيابه، فقال: هل جاءكم أحد؟ فقالت: نعم، جاءنا شيخ كبير صفته كذا وكذا وسألني عنك فأخبرته بالواقع، فقال لها: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام وطلب مني أن أقول لك أن تغير عتبة بابك، فقال إسماعيل: ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، ثم طلقها - عليه السلام - وتزوج امرأة أخرى.

غاب إبراهيم عليه السلام عن إسماعيل عليه السلام بعض الزمن ثم أتاه بعد فترة فلم يجده كذلك، ووجد امرأة أخرى فاستقبلته ورحبت به، فسألها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فضيفته وأكرمته ثم سألها عن حالهم، فقالت: نحن بخير وسعه والحمد لله، وأثنت على الله - عز وجل -، فقال لها إبراهيم عليه السلام : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: أن يثبت عتبة بابه، ثم انصرف. رجع إسماعيل عليه السلام بعد زمن إلى منزله فأخبرته بمجيء شيخ كبير في غيبته ووصفت له هيئته وأخبرته بوصيته له، فقال لها إسماعيل عليه السلام: إنه أبي وقد أمرني أن أحتفظ بك ولا أفارقك فلازمها إسماعيل طوال حياته، وكانت أماً لأبنائه.
لبث إبراهيم عليه السلام فترة من الزمن ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يَبْري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد (يعني من الإلتزام والتّقبيل وغير ذلك)، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فأصنع ما أمرك الله، قال: وتعينني؟ قال وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال فعند ذلك، رفعا القواعد من البيت,قال الله تعالى في ذلك :

" وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"قال عز وجل: " وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"

أخبر الله عز وجل في هذه الايات البيّنات انه ابتلى خليله ابراهيم عليه السلام بكلمات وهي أوامر ونواهي كالتي ذكرنا من ابتلاء الله تعالى له كالكفّ عن الاستغفار لأبيه بعد ما تبين له انه عدوّ لله والارتحال بزوجه وابنه الوحيد البكر إلى أرض جذباء ليس فيها انس ولا ماء وابتلاه الله سبحانه بذبح ابنه البكر المحبوب وغيرها من الأمور مما علمنا ومما لا نعلم , فأتم ابراهيم عليه السلام كلّ ما ابتلاه الله به وأكمله ووفّاه , قال عز وجل : "وإبراهيم الذي وفّى" فجزاه الله خير الجزاء وشكر له صنيعه وصبره وثباته فأكرمه ورفعه أن جعله للناس إماما يُقتدى به على مرّ الأزمان وترك عليه في الاخرين فلا يُذكر عليه السلام إلاّ أثنى عليه ذاكره ودعى الله عز وجل أن يتوفّاه على ملّته وهديه ,فسمّي بأبي الانبياء وجعل الله عز وجل الأنبياء والكتب في ذريّته إلى خاتم النبيين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.

ولم يكتف ابراهيم أن جعله الله عز وجل إماما بل طلب أن تكون هذه الإمامة في عقبه وذريّته وهذا يدلّ على محبّة ابراهيم الخليل أن يكثر في ذريّته الدّاعين المُرشدون إلى سعادة الدنيا والاخرة,فأخبر سبحانه أن الإمامة لا تكون إلاّ لمن سعى في تحصيل أسبابها وكابد لمنالها وصبر كما صبر ألو العزم من الرّسل.

ثم بيّن سبحانه وتعالى انّه وكّل ابراهيم ببناء البيت الحرام الذي أصبح قصدهُ ركنا من أركان الإسلام ومن شعائرة الكبار , قال عز وجل : " وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى" فجعله سبحانه وتعالى مثابة أي مَرجعا يترددون إليه في كل آن وحين فإذا قضوا مناسكهم من حج وعمرة وعادوا إلى بلاهم زاد شوقهم إلى ذلك البيت أن يعودوا إليه فسبحان من حبب تلك البلاد إلى قلوب المؤمنين.

وجعله سبحانه وتعالى بيتا امنا , قال عز وجل : " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ" وقال عز وجل :"ومن دخله كان امنا" أي لا يجوز التعدّي على من دخل البيت الحرام بشوكة, فمن دخله فأمنّوه ولا تمسوه بسوء. وهذه الفضيلة والميزة هي استجابة من الله عز وجل لدعوة ابراهيم عليه السلام حين قال : " رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ" فدعى ابراهيم عليه السلام لتلك البلاد في الأمن والبركة في الخيرات مع قلّة المياه والأشجار والزروع والثمار, فستجاب الله عز وجل له دعوته.

وشرع سبحانه ان يُتخذ مقام إبراهيم مُصلى وأن يكون احد مناسك الحج والعمرة , روى الامام البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال : "وافقت ربي في ثلاث : فقلت : يا رسول الله ، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ، فأنزلت : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " . وآية الحجاب ، قلت : يا رسول الله ، لو أمرت نساءك أن يحتجبن ، فإنه يكلمهن البَرًّ والفاجر ، فنزلت آية الحجاب ، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه ، فقلت لهن : عسى ربه إن طلقكن ، أن يبدله أزواجا خيرا منكن ، فأنزلت هذه الآية .".

ثم وصف الله عز وجل لنا حال ابراهيم وابنه عليهما السلام وهما يرفعان القواعد من البيت حجرا حجرا قال عز وجل : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" هذا هو إمام الحنيفية قامع الشرك والأوثان هازم الطواغيت بالحجّة والبرهان , يرفع القواعد من البيت الحرام الذي هو رمز للتوحيد وتجريد العبادة والإخلاص لرب العبيد , مع كل ما ذكرناه من الخصال والمِلَح التي يحملها ابراهيم وابنه عليهما السلام إلاّ انّهم في حال خوف ورجاء يدعون الله ربهما أن يتقبل منهما العمل وينفع به من بعدهم من الموحدين المخلصين.

ثم دعوا لأنفسهما وذريتهما بالإسلام الذي هو الاستسلام والخضوع لله عز وجل بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله قالا : " رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" وزادا في الدعاء أن يعلمهم ربّهم العبادات التي يحبّها ويرضاها ليتقرّبوا بها إليه من علم نافع وعمل صالح ثم ختما ذلك بالتوبة والإنابة لان العبد مهما كان مقامه ورفعته لا بد أن يعتريه التقصير , وثبت عندنا في الأحاديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله ويتوب اليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة.

وسأل ابراهيم وابنه عليهما السلام ربّهما ان يبعثم فيهم رسولا منهم , من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة يدلوهم إلى السعادة الأبدية, قالا : " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" أي: فبعزتك وحكمتك ابعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفون صدقه وأمانته وعفّته وأخلاقه السّامية يعلمهم الكتاب لفظا, وحفظا, وتحفيظا ويزكيهم بالأخلاق الحميدة والأعمال الصالحة وينقيهم من العادات والأعمال الرّدية السافلة, فاستجاب الله لهما, فبعث الله هذا الرسول الكريم, الذي رحم الله به ذريتهما خاصة, وسائر الخلق عامة,وهو محمد بن عبد الله القريشي الهاشمي صلى الله عليه وسلم الذي قال : " أنا دعوة أبي إبراهيم ، و كان آخر من بشر بي عيسى ابن مريم" وقد سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المسلك في الدعاء فدعا للمدينة كما دعا ابراهيم عليه السلام لمكة ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد الأنصاري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها . وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة . وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة .".

وتمّ بناء البيت العتيق ومات ابراهيم عليه السلام, وتتابعت السنين والأيام, حتى بعث الله عز وجل خاتم النبيين وسيد المرسلين وجائت ليلة المعراج فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يرى ابراهيم عليه السلام في السماء السابعة مُسندا ظهره إلى بيت هناك يُسمى بالبيت المعمور ... سبحان الله ... تأمل العلاقة بين هذا المقام الذي رُفع اليه ابراهيم عليه والسلام وبين البيت الحرام الذي بناه ابراهيم لأهل الأرض ... قال ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه اللّفتة اللطيفة : " ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام إذ كان باني الكعبة لأهل الأرض أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السموات، ورفيع الدرجات عند البيت المعمور، الذي هو كعبة أهل السماء السابعة، المبارك المبرور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور."

ولا عجب في ذلك فإن الله عز وجل يقول : "انا كذلك نجزي المحسنين* إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ" , "وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان".
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 09-11-11, 08:33 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

• ابراهيم عليه السلام ومعاينة إحياء الموتى

ذكر الله عز وجل في كتابه براهين كثيرة على قدرته سبحانه وتعالى في إحياء الموتى كقصة بني اسرائيل الذين كانوا مع موسى عليه السلام فأخذتهم الصاعقة بجرمهم ثم أحياهم الله عز وجل فضلا منه ومنّة وقصة الرجل الذي أماته الله عز وجل مئة عام ثم بعثه, ومن تلك القصص والبراهين أخبر سبحانه وتعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه دعا ربّه أن يريه كيف يحيى الموتى ليحصل له الإطمان في القلب ويصل إلى درجة عين اليقين ويعاين قدرة الله تعالى في إحياء الموتى.

قال عز وجل : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"

لما طلب ابراهيم عليه السلام من ربّه ان يعاين كيفية إحياء الموتى قال الله عز وجل له :" أَوَلَمْ تُؤْمِن" قال عليه السلام : " بَلَى" وفيها أن الله عز وجل بيّن لكل الخلق أن ابراهيم عليه السلام لم يكن شاكّا قط في إحياء الله عز وجل للموتى وإنما طلب المعاينة , وذلك أن النّفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به, كيف يدعّي مدّعٍ ان ابراهيم كان شاكّا في ذلك وهو الذي حاجّ النّمرود في قوله :"رب الذي يحيى ويميت" فإن الأمر لا يستقيم , ثم إن الشكّ يَبعُد عن من تثّبت قدمه في الإيمان من غير النبوّة والرسالة فكيف بمرتبة النبوّة والخلّة. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم في الصحيحين أنه قال : "نحن أحق بالشك من إبراهيم ، إذ قال : رب أرني كيف تحيي الموتى ؟ قال : أولم تؤمن . قال : بلى ، ولكن ليطمئن قلبي" ومعناه أنه لو كان شاكا ابراهيم عليه السلام لكنا نحن أحق بهذا الشّك ونحن لا نشك,يقصد نفسه صلى الله عليه وسلّم وأصحابه الأبرار ثم الذين من بعدهم, فإبراهيم عليه السلام أحرى ألا يشك , فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام.

وما أجمل ما روي عن حبر الأمّة الفقيه ذاك الغاص الغوّاص ,عبد الله بن عبّاس , لما التقى بعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص :
أي آية في القرآن أرجى عندك ؟ فقال عبد الله بن عمرو : قول الله عز وجل " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم" فقال ابن عباس : لكن أنا أقول قول الله عز وجل " وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى " وقال : مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَرْجَى عِنْدِي مِنْهَا.

وقول ابن عباس انها أرجى اية في كتاب الله لعدة أسباب منها :

1. قال الإمام القرطبي رحمه الله في ما معناه : ان الله عز وجل قبل من ابراهيم عليه السلام قوله :"بلى" أي انّ الإيمان كاف لا يُحتاج معه إلى تنقير وبحث وطلب معاينة ومشاهدة .

2. ان النّفوس قد يعترض فيها وسوسة الشيطان وإلقاء الشبه في الصدور الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك صريح الإيمان" أي انه لا يضر المؤمن بل فيه إشارة على ثباته ويقينه.

3. هذه الاية فيها الإدلال على الله عز وجل في إحياء الموتى عيانا أمام البشر وتجلّي قدرته سبحانه وتعالى في إعادة الخلق كما بدأه أول مرّة, فتبارك الله أحسن الخالقين.

فالحاصل أن براهيم عليه السلام أراد ان يرتقي إلى درجة عين اليقين في إحياء الله عز وجل للموتى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس الخبر كالمعاينة", فاجاب الله عز وجل دعوته محبّة له ورحمة لعباده ليظهر لهم من دلائل وبراهين قدرته سبحانه وتعالى ليزداد الذين امنوا ايمانا , قال عز وجل : "فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" أي :خذ أربعة من الطير ولم يبيّن أي الطيور هي فآية الإحياء حاصلة بأي نوع من الطيور, ثم أمره سبحانه وتعالى أن يضمّهن ويذبحهن ويمزقن , ثم يفرّق أجزاءها على الجبال. فلما فعل ذلك عليه السلام أمره الله عز وجل أن يدعهّن بأسمائهن , فلما دعاهن أقبلن إليه مسرعات طائرات لا ماشيات , لأن السعي هو الإسراع لا المشي, وإنما أقبلت الطيور التي كانت ممزقة ومتفرّقة على رؤوس الجبال على ابراهيم عليه السلام طائرات على أكمل ما يكون من الحياة ليكون ذلك ظاهرا علنا, يشاهد من قرب ومن بعد , قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى : " وفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته وسعة سلطانه, وتمام عدله وفضله."

انتهى هذا البحث المُتواضع في سيرة الخليل عليه السّلام وسوف يتبعه سيَر إخوانه من الأنبياء والمرسلين إن شاء الله تعالى , أسأل الله عز وجل أن يجعل ما كتبته لكم زاداً إلى حسن المصير إليه وعتاداً إلى يُمن القدوم عليه إنّه بكلّ جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلّى الله وسلّم على خاتم النّبيين والحمد لله ربّ العالمين.
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 25-11-12, 08:01 PM
حسن مدخلي حسن مدخلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-09-09
المشاركات: 11
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

بارك الله في جهدك الرائع وجعله في ميزان حسناتك
لماذا لاتجمع هذا العمل في ملزمة كاملة وترفعه عاى المواقع
جزاك الله كل خير
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 25-11-12, 10:40 PM
محمد حاج يحيى محمد حاج يحيى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-09-11
الدولة: palastine
المشاركات: 263
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

وفيك بارك, ليس لدي خبرة في عمل الملزمات وكنت أودّ ذلك, فإن كان لديك المجال فأرجو أن لا تتردد في ذلك وهذه أيضا سيرة يوسف عليه السلام من هنا
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...24#post1873124
__________________
"أَيُّهَا الْطَّالِبُ عِلْمًا ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ فَاسْتَفِدْ حِلْمًا وَعِلْمًا ثُمَّ قَيّدْهُ بِقَيْدِ" الإمام المُبارك ابن المُبارك
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 30-06-13, 07:23 PM
ثروت عبدالحميد ثروت عبدالحميد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-06-13
المشاركات: 1
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

بارك الله فيك اخى الكريم وجعله فى ميزان حسناتك انت وكل ساعى وحب لسيرة الأسلام العطره على مدى الزمان..اللهم اهدنا وبارك لنا وثبتنا على الحق ..وفرج هموم قلوبنا واجعلها خالصه لوجهك الكريم يا ارحم الراحمين..اميين
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 07-04-14, 10:43 PM
سليم الشابي سليم الشابي متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 02-01-12
المشاركات: 753
افتراضي رد: سيرة الخليل إبراهيم عليه السّلام

بارك الله فيك
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الدليل , السّلام , سيرة , عليه , إبراهيم

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:35 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.