ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > أرشيف لمواضيع قديمة

الملاحظات

 
 
أدوات الموضوع
  #71  
قديم 28-08-04, 05:06 PM
سلطان العتيبي
 
المشاركات: n/a
افتراضي

شيخنا الفاضل النقاد , جعلنا الله وإياه ممن إذا سمع الحق انقاد:
قلت حفظك الله :
(ما فعله بابك الخرمي هو أنه انحاز إلى دار الحرب وغزا المسلمين من هناك . فهل هذه هي مسألة إعانة الكفار على المسلمين , أم هي تتعلق ببعض الخوارج الذين يستبيحون دماء المسلمين وينحازون إلى بلد الحرب ليغزو المسلمين من هناك )
( لو سلمنا بأن فعل بابك كان من إعانة الكفار على المسلمين , فينبغي أن يراعى أن ذلك كان منه بعد انحيازه إلى دار الحرب)
والسؤال:
أليست هذه صورة جديدة للكفر الظاهر يحكم على صاحبها دون النظر إلى الباطن؟
  #72  
قديم 29-08-04, 07:19 AM
النقّاد
 
المشاركات: n/a
افتراضي

الأخ الكريم سلطان العتيبي وفقه الله
لو أتممتَ قراءة كلامي لوجدتني قد أجبتك على سؤالك هذا ..
(( وثالثا : لو سلمنا بأن فعل بابك كان من إعانة الكفار على المسلمين , فينبغي أن يراعى أن ذلك كان منه بعد انحيازه إلى دار الحرب , وكلام الإمام أحمد كان على هذه الصورة , وقد قال أبو محمد بن حزم قريبا من قوله .
وهذا الحكم ( مع أنه أخص من القول بالتكفير بمطلق الإعانة ) اجتهاد منهما لم يتبين (( لي )) مستنده من الأدلة . فهما مأجوران عليه أجر الاجتهاد , وليس قولهما ملزما لأحد لم يتبين له دليلهما .
وأنا لم أزعم أن ما أقوله محل إجماع . وقد بينت ذلك أكثر من مرة . فالاعتراض بمجرد قول لعالم ليس حجة قائمة , بل هو محتاج إلى الحجة
))
  #73  
قديم 29-08-04, 10:08 AM
محب العلم
 
المشاركات: n/a
افتراضي

أخي الفاضل سلطان العتيبي

الأخ الكريم النقاد من فضلاء أهل السنة الأطهار ، وليس من المرجئة الأغمار ، فلاتمتحنه بارك الله فيك بهذه الأسئلة التي هي خارج محل النزاع ، فهو لايرجع المكفرات الظاهرة إلى الاعتقاد كماظننت ، وإنما ينازع في كون إعانة الكفار كفرا ظاهرا ، فهو عنده معصية من جملة المعاصي لابد في التكفيربها من مناط آخر للتكفير كالاستحلال أو بغض الشرع ونحوها ، وهذا وإن كان موافقة للمرجئة في هذه المسألة إلا أنه لايكون بها مرجئا خالصا .


===========================

أخي الكريم ابن وهب

أعتذر لك عن مشاركتي في هذه المسألة وأنت تبين ماأشكل فيها وتوضح ، إلا أنني لما رأيت أخانا النقاد لايريد الاجابة عما سألته عنه ، ظننته سيواصل الكلام في الاجماع مع غيري ، إلا أنكما قفزتما الاجماع إلى الاستدلال بالأدلة وأقوال أهل العلم ، وقد أخطأ أخونا النقاد في الاعتراض بمسألة الجاسوس قبل تقرير كون الاعانة كفرا بالاجماع أو بالأدلة ، وهو وفقه الله ترك مواصلة تقرير ذلك إلى الاعتراض بالجاسوس فانحصر الكلام فيه .
فأعتذر منك في طلب مواصلة الكلام مع أخي النقاد في الاجماع على التكفير بالاعانة إذ لازال عندي نقول مهمة في الباب .

============================

أخي المفضال النقاد

دعنا من بابك الخرمي وأجبني عن هذا السؤال :

ماحكم إعانة الكفار على حرب( النبي صلى الله عليه وسلم ) كمافعل حاطب رضي الله عنه في زعم االمخالفين ؟

وأرجو أن تجيب لنواصل الحوار بصورة منضبطة بعيدا عن كثرة النقول والخروج عن محل النزاع .

وتذكر أني قد أجبتك عن كل أسئلتك ، وأنك إن لم تجب على هذا السؤال فقد أظن أن لاجواب عندك عليه .

ودع الامور تسير هكذا بهدوء .

تنبيه مهم : تذكر أني لم أقل ماحكم إعانة الكفار على المسلمين وإنما قلت ماحكم إعانة الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم كمافعل حاطب في زعم المخالفين .
  #74  
قديم 29-08-04, 01:56 PM
النقّاد
 
المشاركات: n/a
افتراضي

الأخ الكريم ( محب العلم ) وفقه الله ..

إعانة الكفار على النبي لا يختلف حكمها عن إعانة الكفار على المسلمين , إلا أنها أشنع وأغلظ وأعظم إثما .

لكن هناك صورة من إعانة الكفار على النبي تعتبر كفرا , لا لأنها إعانة مجردة , ولكن لمناط آخر , لا يوجد في غيره , وهي إذا كانت هذه الإعانة ستؤدي إلى قتل النبي نفسِه , والمُعِين يعلم ذلك , ثم عاون الكفار على قتله أو ترك نصرته من القتل وهو قادر , فهو كافر , لأن قتله للنبي أو معاونته على قتله تتناقض ولا تجتمع مع الإيمان به وتصديقه ومحبته أبدا .

وهو المناط نفسه في كفر من سبَّه . كما قرره شيخ الإسلام في مواضع من كتبه .

أما ما عدا ذلك من صور الإعانة عليه , فلا يكفر بها إذا كان قد فعلها للدنيا وقلبه مطمئن بالإيمان , وإن كان قد ارتكب إثما عظيما وضل عن سواء السبيل , لأن ذلك لا (( يتناقض )) مع الإيمان به وتصديقه ومحبته , وإن كان يدل على ضعف هذا الإيمان والمحبة , وهذا هو ما وقع من حاطب رضي الله عنه عندما خابر المشركين بأمر رسول الله ورسول الله يريد غرتهم , فإنه أعانهم بذلك وهو يعلم أنها إعانة لهم , وإلا لما حاول إخفاءها عن أعين المسلمين وبعثها مع تلك المرأة التي خبأتها في عقاص شعرها , إلى غير ذلك من القرائن , لكنه يعلم أيضا أن تلك الإعانة لن تؤدي إلى قتل النبي .

وكما هو ظاهر , فالمناط الذي حكمنا لأجله بالكفر في الصورة الأولى ليس هو مجرد الإعانة , ولذا فهو غير موجود فيما لو أعان الكفار على المسلمين .

وتوضيح ذلك : أن من سب النبي يكفر ؛ للمناط الذي ذكرناه .
فهل من سب أحد المسلمين يكفر ؟ أم نقول : فعله معصية , وإن كان إنما سبه لدينه وإسلامه فهو يكفر لا لمجرد سبه , ولكن لمناط آخر ؟

وهكذا : من قتل النبي أو أعان على قتله يكفر ؛ للمناط الذي ذكرناه .
فهل من قتل مسلما يكفر ؟ أم نقول : فعله معصية , وإن كان قتله لإسلامه ( مثلا ) فهو يكفر لا لمجرد قتله , ولكن لمناط آخر ؟



( ملاحظة على الهامش : لا داعي لتكبير الخط , لأنه مزعج , وأنا أفهم عنك مرادك بدون هذا )
  #75  
قديم 29-08-04, 02:34 PM
أبو خالد السلمي.
 
المشاركات: n/a
افتراضي

مشايخنا الكرام أحسن الله إليكم أجمعين

كنت ولا زلت أحد المتابعين لهذا الحوار الممتع ، واستفدت بكل ما كتب هنا سواء في الانتصار لتكفير مُعين المشركين على المسلمين بإطلاق ، أو في الانتصار للتفصيل الذي أورده الشيخ الشريف حاتم وشيخنا النقاد ، واحببت أن أسجل شكري وتقديري لطرفي الحوار ، فجزاهما الله خيرا وجميع المداخلين على ما أمتعونا به من فوائد قيمة .

وللفائدة فقد نقل أحد الأفاضل في موقع الساحات مايلي :

تكلم الشيخ صالح بن فوزان الفوزان على أقسام مظاهرة المشركين
فقال في كتابه (دروس في شرح نواقض الإسلام / طبع دار أطلس 1425)(ص 157)

(القسم الثالث : من يعين الكفار على المسلمين وهو مختار غير مكره مع بغضه لدين الكفار وعدم الرضا عنه فهذا لاشك أنه فاعل كبيرة من كبائر الذنوب ويُخشى عليه من الكفر لولا أنه يبغض دينهم ولا يحبهم لحكم عليه بالكفر ، فهو على خطر شديد) اهـ

قلت : لا يخفى على الجميع أن أقوال العلماء يستدل لها لا بها ، ولكن المقصود من هذا النقل بيان أن المسألة لا إجماع فيها بين علماء أهل السنة المعاصرين ، حتى لا يشنع على أحد طرفي هذا الحوار بأنه تفرد بهذا القول بين معاصريه .
  #76  
قديم 29-08-04, 02:58 PM
عبدالله بن عقيل عبدالله بن عقيل غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-03-04
المشاركات: 154
Lightbulb سؤال وجواب عن حاطب بن أبي بلتعة –رضي الله عنه-

أرى أن ما سأرفقه مفيدا في هذا الموطن .. !

--------------------------------------------------

الأخ والشيخ علوي السقاف - حفظه الله -
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد كثر الكلام والنقاش بين بعض الرواد في أنا المسلم عن قصة حاطب بن أبي بلتعة عندما أرسل برسالة إلى كفار قريش مع المرأة التي حملت الرسالة فلحق بها بعض الصحابة بأمر من الرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك عن طريق الوحي وقد اختلف المناقشون في الحكم على حاطب هل يعد فعله الذي قام به من النفاق الأكبر أم من النفاق الأصغر؟
ونرغب منكم حفظكم أن تبينوا لنا بما يفتح الله عليكم في هذه المسألة بياناً شافياً وافياً.
وجزاكم الله خيرا
محبكم في الله: عبد الله زقيل
صفر 1422هـ


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
اعلم أخي الكريم -وفقني الله وإياك- أنَّ هذه المسألة –أعني هل فعل حاطب رضي الله عنه يُعدُّ كفراً أم لا؟- من مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف، وأصل منشأ الخلاف هو: هل الموالاة بجميع صورها تُعدُّ كفراً أم أنَّ منها ما هو كفر ومنها ما دون ذلك؟ وهل هناك فرقٌ بين الموالاة والتولي؟ وهل قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} أي كافر مثلهم، أم هو كقوله صلى الله عليه وسلم ((من تشبه بقوم فهو منهم)) ومعلوم أن ليس كلُّ تشبهٍ بالكفار يعد كفراً، فإذا علمت ذلك تبين لك خطأ من يجعل هذه المسألة من مسائل العقيدة ويبدع من لم يقل بقوله، فإما جعله مرجئاً أو خارجياً، وهذا مما ابتليت به الأمة في الآونة الأخيرة.
أما مسألة الموالاة والمعاداة ومظاهرة الكافرين على المسلمين فهي من مسائل العقيدة بل أصلٌ من أصول التوحيد، وأما تكفير حاطب -رضي الله عنه- فلم يقل به أحدٌ من أهل السنة فهو صحابي بدري قد وجبت له الجنة، وإليك البيان بشيء من الإيجاز والاختصار:
الموالاة: أصلها الحب كما أن المعاداة أصلها البغض، وتكون بالقلب والقول والفعل، ومن الموالاة النصرة والتأييد، فمن جعل الموالاة نوعاً واحداً مرادفاً لمظاهرة الكافرين عدَّ فعل حاطب -رضي الله عنه- كفراً، ومن جعلها صوراً مختلفة وأدخل فيها: مداهنتهم ومداراتهم، واستعمالهم، والبشاشة لهم ومصاحبتهم ومعاشرتهم وغيرها من الصور؛ جعلها نوعين موالاة مطلقة عامة أو (كبرى) وموالاة خاصة دون موالاة. ومن هؤلاء من عدَّ فعل حاطب -رضي الله عنه- من النوع الأول ومنهم من عَدَّه من النوع الثاني، وأكثر العلماء على أن الموالاة نوعان: مُكفِّرة وغير مُكفِّرة، وسواء قلنا هما نوعان أو نوع واحد فالذي يهمنا هنا هو هل فعل حاطب -رضي الله عنه- من النوع المُكفِّر أم لا؟ -وسيأتي-، كما أنَّ منهم من فرَّق بين الموالاة والتولي وجعل التولي موالاة مطلقة ومنهم عددٌ من علماء الدعوة النجدية -رحمهم الله-، وهناك من لم يفرق بينهما كالشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسيره وهذا أقرب والله أعلم، وعلى كلٍ فهذه مصطلحات لا مشاحة فيها، لأن الذين فرَّقوا بينهما يعنون بالتولي الموالاة المطلقة وأنها كفر ولا يقولون بتولي غير مُكفِّر بل يقولون أن هناك موالاة غير مُكفِّرة فآل الأمر إلى وجود موالاة مُكفِّرة يسميها البعض تولي وأخرى غير مُكفِّرة وهذا كله على قول من يقسم الموالاة إلى قسمين.
وعمدة من يقول أن الموالاة نوع واحد وأنها كفر، قوله تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فأؤلئك هم الظالمون} قالوا لم ترد الموالاة في القرآن إلا بوصف الكفر، قال ابن جرير: ((ومن يتولى اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا هو به وبدينه))
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (11/138): ((وصح أنَّ قول الله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حقٌ لا يختلف فيه اثنان من المسلمين))
وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في ((مجموع الفتاوى)) (1/274): ((وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم)) ثم استشهد بالآيتين السابقتين.
هذه مقدمة لابد منها قبل الإجابة على سؤالكم: هل فعل حاطبٍ -رضي الله عنه- كان كفراً أم لا؟
واعلم أن قصة حاطب -رضي الله عنه- رواها البخاري في الصحيح(3007،4272،4890،6259) ومسلم في الصحيح(4550) وأبو داود في السنن(3279) والترمذي في الجامع (3305) وأحمد في المسند (3/350) وأبو يعلىفي المسند (4/182) وابن حبان في صحيحه(11/121) والبزار في مسنده(1/308) والحاكم في المستدرك(4/87) والضياء في الأحاديث المختارة(1/286) وغيرهم، وقد جمعت لك ما صحَّ من رواياتهم في سياق واحد –وأصلها من صحيح البخاري- ليسهل تصور القصة واستنباط الأحكام منها، والذي يهمنا منها ألفاظ حاطب وعمر رضي الله عنهما أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم،
[فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا الْكِتَابُ فَقَالَتْ مَا مَعَنَا كِتَابٌ فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ عُمَرُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ)) ((دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ)) ((فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ))
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْت.
َ قَالَ حَاطِبٌ: ((وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) ((وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلام)) ((وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا)) ((وَمَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ))ِ ((مَا كَانَ بِي مِنْ كُفْرٍ وَلا ارْتِدَادٍ)) ((أَمَا إِنِّي لَمْ أَفْعَلْهُ غِشًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا نِفَاقًا قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمٌّ لَهُ أَمْرَهُ)) ((فقلت أكتب كتاباً لا يضر الله ولا رسوله)) أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلاَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِه.
ِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ وَلا تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا.
فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلأَضْرِبَ عُنُقَهُ.
فَقَالَ: أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَال:َ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.]
فأنت ترى أنَّ حاطباً -رضي الله عنه- شعر بخطئه في إفشاء سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وموالاته لكفار قريش، وظهر له أنَّ هذا كفرٌ وردة لكنه يعلم من نفسه أنه لم يفعله ارتداداً عن دين الله فقال: ((ولم أفعله إرتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، وما غيرت ولا بدلت -أي ديني- أما إني لم أفعله غشاً يا رسول الله ولا نفاقاً)) إذن هذا العمل بمجرده يُعَدُّ كفراً وارتداداً وغشاً ونفاقاً، وكأنه -رضي الله عنه- ذُهل عن هذا الأمر أثناء الوقوع في المعصية بعذر قدَّمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله: ((أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي)) فإمَّا أن يقال كان جاهلاً وما تبين له هذا إلا بعد أن استجوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقال كان -رضي الله عنه- متأولاً وهذا أصوب بدليل أنه قال كما صحت به رواية أحمد وأبو يعلى وابن حبان: ((أَمَا إِنِّي لَمْ أَفْعَلْهُ غِشًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا نِفَاقًا قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمٌّ لَهُ أَمْرَهُ)) فهو يعلم أن المولاة كُفر لكنه لا يَعِدُّ ما فعله موالاة -تأولاً- لثقته أن الله ناصرٌ رسوله صلى الله عليه وسلم، وكما صحت به رواية البزار والحاكم والضياء من قوله: ((كان أهلي فيهم فخشيت أن يغيروا عليهم فقلت أكتب كتاباً لا يضر الله ولا رسوله)) فهو لثقته الكبيرة بربه ونصره لرسوله صلى الله عليه وسلم وأن كتابه سيفرحُ به كفار قريش ويحموا له أهله لكن لن يضر الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، لذلك قال الحافظ في الفتح (8/634): ((وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ مُنَافِقًا لِكَوْنِهِ أَبْطَنَ خِلاف مَا أَظْهَرَ , وَعُذْر حَاطِب مَا ذَكَرَهُ , فَإِنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلاً أَنْ لا ضَرَر فِيهِ))، ويؤكد ذلك لفظ الخِطاب –إن صح- فقد قال الحافظ في الفتح (4274): ((وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْمَغَازِي وَهُوَ فِي (تَفْسِير يَحْيَى بْن سَلام) أَنَّ لَفْظ الْكِتَاب: ((أَمَّا بَعْد يَا مَعْشَر قُرَيْش فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَكُمْ بِجَيْشٍ كَاللَّيْلِ , يَسِير كَالسَّيْلِ , فَوَاَللَّهِ لَوْ جَاءَكُمْ وَحْدَهُ لَنَصَرَهُ اللَّه وَأَنْجَزَ لَهُ وَعْده. فَانْظُرُوا لأَنْفُسِكُمْ وَالسَّلام)) كَذَا حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ)) وفيه كما ترى تخذيل وتخويف لقريش، كلُّ ذلك جعل حاطباً -رضي الله عنه- يتأول أن ليس في هذا موالاة لكفار قريش وكيف يواليهم وهوالصحابي البدري؟! والواقع أن قصة حاطب وقصة قدامة ابن مظعون -رضي الله عنهما- الذي استباح شرب الخمر متأولاً أنه لاجناح على الذين آمنوا أن يطعموها من أقوى ما يمكن أن يستشهد به على أنَّ التأويلَ مانعٌ من موانع التكفير.
أمَّا عمر -رضي الله عنه- فقد كفَّر حاطباً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ حاطباً لم يفعل الكفر، بل بيَّن له أنَّ حاطباً كان صادقاً ولم يكفر، ومعلوم لديك أنَّ ثَمَّتَ فرقٌ بين الحكم على الفعل بالكفر وتكفير المعين الذي صدر منه الكفر، وهذا مبسوط في كتب العقائد والتوحيد، وقد وصف عمر حاطباً -رضي الله عنهما- بأوصاف ثلاثة يكفي الواحدُ منها للقول بأنه كفَّره، فوصفه بأنه: منافق، كفر، خان الله ورسوله؛ وعمر -رضي الله عنه- وإن كان قد أخطأ في تكفير حاطب -رضي الله عنه- إلا أنَّ خطأه مغفورٌ له لأنه ناتج عن غيرة لله ورسوله وهذا معروف عن عمر -رضي الله عنه- ولأنه حكم بالظاهر وهذا هو الواجب على المسلم، ولم يكلفنا الله بالبواطن. قال ابن حزم في ((الفصل)) (3/143): ((وقد قال عمر رضي الله عنه - بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم - عن حاطب: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فما كان عمر بتكفيره حاطباً كافراً بل كان مخطئاً متأولاً)) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (3/282): ((إذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك)) ثم استشهد بتكفير عمر لحاطب -رضي الله عنهما-.
أمَّا تصديق النبي صلى الله عليه وسلم لحاطب فليس فيه دلالة على أنَّه لم يفعل الكفر بل فيه أنَّه لم يكفر ولم يرتد لأن عمر -رضي الله عنه- قال عنه أنه كفر ونافق وخان الله ورسوله وحاطب يقول لم أكفر ولم أرتد وما غيرت وما بدلت –أي ديني- فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم في أنه لم يكفر ولم يرتد، أمَّا قتله وعقوبته فقد شفع له فيها شهوده بدراً.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنَّ هناك من العلماء من عَدَّ ما بدر من حاطب -رضي الله عنه- من الموالاة الخاصة غير المكفِّرة، ومن هؤلاء: شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في مجموع الفتاوى (7/523): ((وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه ولا يكون به كافراً، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيه { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة})) والشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ كما في ((عيون الرسائل والأجوبة على المسائل)) (1/179).
لكن ليُعلم أنَّ هذا النوع من الموالاة شيء ومظاهرة المشركين على الكافرين ونصرتهم وتأيدهم والقتال معهم شيء آخر، فكما سبق في أول الحديث أنَّ هذا (الثاني) كفر وردة والعياذ بالله ويكون بالقول والفعل كما يكون بالاعتقاد، قال الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب في نواقض الإسلام: ((الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} المائدة:51)) وقال الشيخ حمد بن عتيق في ((الدفاع عن أهل السنة والاتِّباع))(ص32): ((وقد تقدم أنَّ مظاهرة المشركين ودلالتهم على عورات المسلمين أو الذب عنهم بلسان ٍ أو رضى بما هم عليه، كل هذه مُكفِّرات ممن صدرت منه من غير الإكراه المذكور فهو مرتد، وإن كان مع ذلك يُبْغض الكفار ويحب المسلمين)، وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- في ((مجموع الفتاوى)) (1/274): ((وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم))

والخلاصة:
أنْ نقول إنَّ حاطباً -رضي الله عنه- حصل منه نوع موالاةٍ للكفار، فمن قال أنَّ الموالاة كلها كفر قال إنه وقع في الكفر ولم يكفُر لأنه كان متأولاً، ومن قال أنَّ هناك موالاة مُكفِّرة وموالاة غير مُكفِّرة عدَّ ما بدر منه -رضي الله عنه- من النوع غير المُكفِّر، وليعلم أنه لم يقل أحدٌ من أهل السنة أنَّ حاطباً -رضي الله عنه- كَفَر، أو أنَّ ما صدر منه ليس موالاةً أو ذنباً، أو أنَّ مظاهرة الكافرين على المسلمين ليست كفراً، فكلُّ ذلك متفقون عليه فلا ينبغي أنَّ يحدث نوع خلافٍ وشرٍ فيما كان من مسائل الاجتهاد طالما أنَّ الجميع متفقون على مسائل الاعتقاد، ولذلك لَمَّا سئل الشيخ سليمان بن عبدالله آل الشيخ عن مسألة سبَبت خلافاً بين أهل السنة في زمانه عن الموالاة والمعاداة هل هي من معنى لا إله إلا الله، أو من لوازمها؟ أجاب: ((الجواب أنَّ يقال: الله أعلم، لكن بحسب المسلم أنْ يعلم أنَّ الله افترض عليه عداوة المشركين، وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، 000و أمَّا كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلفنا بمعرفة أنَّ الله فرض ذلك وأوجبه، وأوجب العمل به، فهذا هو الفرض والحتم الذي لا شك فيه، فمن عرف أنَّ ذلك من معناها، أو من لازمها، فهو خير، ومن لم يعرفه، فلم يُكلف بمعرفته، لاسيما إذا كان الجدل والمنازعة فيه مما يفضي إلى شرٍ واختلافٍ، ووقوع فرقة بين المؤمنين الذين قاموا بواجبات الإيمان، وجاهدوا في الله وعادوا المشركين ووالوا المسلمين، فالسكوت عن ذلك متعين)) انتهى كلامه. انظر: ((مجموعة التوحيد)) (ص69)

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
  #77  
قديم 30-08-04, 10:23 AM
محب العلم
 
المشاركات: n/a
افتراضي

أخي الكريم الشيخ النقاد وفقه الله

سأخفي إعجابي بفهمك لمقصود السؤال وإبداعك في الجواب عليه وعدم حاجتك - كما كنت أظن - لكثرة الألوان وتكبير الخط لأقفز إلى مضمون الجواب مباشرة

# قد حصرت أخي الكريم صور الكفر في الاعانة على النبي صلى الله عليه وسلم في الاعانة على قتله فقط .

وعللت ذلك بأن هذا يتنافى مع الايمان به وتصديقه منافاة تامة بخلاف غيرها من صور الاعانة عليه .

وقد رأيتك في جوابك هذا قد خرجت عن شرطك في ( الحجة الواضحة ) و ( الدليل المعتبر ) على التفريق إلى التعليل الذاتي والاجتهاد الخاص ، لأن القول بأن كل إعانة على النبي صلى الله عليه وسلم كفر أكبر يتعارض مع قولك بأن حاطب رضي الله عنه قد أعان الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكفر فاحتجت إلى هذا الاجتهاد .

وقد استغربتَ سابقا من مخالفك القول بأن إعانة الكفار على المسلمين لاتجتمع البتة مع الايمان في قلب المسلم الموحد وجعلت هذا تحكما بلا دليل ولاحجة صحيحة ثم أنت تقول به الآن في الاعانة على قتل النبي صلى الله عليه وسلم .

فما رأيك لو قال لك مخالفك المرجئ : قتل النبي صلى الله عليه وسلم أو الاعانة عليه ليست كفرا مخرجا من الملة إذا كان ذلك لغرض دنيوي وإنما هو كفر أكبر إذا كان مبغضا لدين الرسول صلى الله عليه وسلم محبا لدين الكفار ودليل ذلك حديث حاطب لأنه أعان كفار قريش بما يمكن أن يباغتوا النبي صلى الله عليه وسلم به فيقتلوه أو يقاتلوه ومع ذلك لم يكفر !

لا أظنك ستجد جوابا على إيراده مادمت تترنح بهذه الطريقة بين الاجتهاد المطلق والتقليد المقيد .

فأنت تجتهد في التفريق بين الاعانة على قتل النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيرها من صور الاعانة عليه في نفس الوقت الذي تقلد فيه شيخ الاسلام في قوله بأن قتل النبي صلى الله عليه وسلم يتنافى مع الإيمان به .

فإن كان مناط التفريق عندك بين صور الاعانة هو أن شيخ الاسلام رحمه الله قد نص على أن قتل النبي صلى الله عليه وسلم يتنافى مع الايمان به ، فهذا المناط موجود في كل صور إعانة الكفار على المسلمين ، فقد قال شيخ الاسلام نفسه كما في مجموع الفتاوى ( 8/350) عند رده على أهل الفناء في توحيد الربوبية :

" ... والمقدور عندهم هو محبوب الحق ، فإذا غلب الكفار كانوا معهم ، وإذا غلب المسلمون كانوا معهم ، وإذا كان الرسول منصورا كانوا معه ، وإذا غلب أصحابه كانوا مع الكفار الذين غلبوهم .
وهؤلاء الذين يصلون إلى هذا الحد غالبهم لايعرف وعيد الآخرة ، فإن من أقر بوعيد الآخرة وأنه للكفار لم يمكنه أن يكون معاونا للكفار مواليا لهم على مايوجب وعيد الآخرة ".

وإن كان مناط التفريق هو الاجماع الذي نقله اسحاق بن راهوية على كفر من قتل نبيا وإن أقر بكل ماأنزله الله ، فما الذي ألحق الاعانة على قتل النبي صلى الله عليه وسلم به واخرج الاعانة على قتاله كمافعل حاطب في زعم المخالف .

وإن كان مناط التفريق هو شناعة فعل من قتل النبي صلى الله عليه وسلم فشناعة ضربه وتعريضه للأسر أعظم عند النفوس الشريفة من مجرد قتله وقد نقل القاضي عياض رحمه الله إجماع أهل العلم على تكفير من فعل شيئا من هذا في حقه صلى الله عليه وسلم .

فإن كان حاطب رضي الله عنه قد قصد إعانة الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم كماتقول فما الذي أخرجه من هذه الاجماعات ؟!

وإن سلمنا بأن فعل حاطب إعانة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي غير مكفرة ، فهل الاعانة على الجيش الذي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أذى له أم لا ؟
إن كانت أذى له ، فقد نص أهل العلم ومنهم شيخ الاسلام في الصارم المسلول على أن أذى الرسول صلى الله عليه وسلم كفر أكبر وإن لم يقارنه اعتقاد .
وإن لم تكن أذى للرسول صلى الله عليه وسلم فما ذا تكون ؟





========================================

هل يكفر من سب أحدا من المسلمين ؟

سؤالك هذا أخي النقاد و تمثيلك بمسألة سب النبي صلى الله عليه وسلم وسب غيره وأن الأول كفر وماعداه دون ذلك قد أصبت به كبد الحقيقة ، ووضعت يدك فيه على موجب التفريق بين إعانة الكفار على المسلمين و إعانتهم على مسلم واحد .

فقد سبق ان ذكرت لك أن أهل العلم رحمهم الله لم يختلفوا في أن من أعان كافرا على مسلم أو مسلمين بمالايكسر شوكة المسلمين في الأصل فهو آثم غير كافر بخلاف إعانة الكفار على المسلمين في حالة الحرب على فئة منهم لهم شوكة تكسرها الحرب وتعلي أحكام الكفر عليهم بعد كسرها .

فكما أن سب النبي صلى الله عليه وسلم فيه معنى زائد عن سب غيره من آحاد المسلمين ، فكذلك سب المسلمين بلفظ العموم فيه معنى زائد على سب آحادهم ، فمن سب المسلمين بلفظ العموم فلا شك أنه كافر من جملة الكفار وإن زعم أنه أراد بعضهم ، وينفعه زعمه في قبول توبته ، واما من سب مسلما من المسلمين فهو ليس بكافر عند الجميع لاحتمال قصده لمعنى في المسلم غير الاسلام .

وكما يقال هذا في صور السب السابقة وهي محل إجماع ، فهو يقال في الاعانة وهي كذلك محل اجماع ، فإعانة الكفار على فرد من المسلمين ليست كإعانتهم على المسلمين جميعا ، فالأول قد يقع من المسلم لرغبة في الدنيا وأما الثاني فإنه لايكون إلا مع عدم الاقرار بوعيد الآخرة كماذكره شيخ الاسلام .

فمحل الاجماع في الاعانة الذي هو محل البحث هو إعانة الكفار المحاربين على المسلمين ، لا كل إعانة لكافر على مسلم ، فتلك الاعانة التي هي محل البحث كفر بجميع صورها لايستثنى منها صورة سواء قلت الاعانة أم كثرت ، كما ان سب المسلمين جميعا كفر أكبر بجميع صوره .

وكما أن سب النبي صلى الله عليه وسلم كفر أكبر وإن لم يستحل فاعله ذلك فكذلك الاعانة عليه كمايزعم من وصف حاطب بذلك وإن لم يستحل حاطب هذه الاعانة

ويقال في الاعانة ماقاله شيخ الاسلام في السب :

" فلايظن ظان أن في المسألة خلافا يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد ، وإنما ذلك غلط ، لايستطيع أحد أن يحكي عن واحد من الفقهاء وأئمة الفتوى هذا التفصيل البتة "



فهل يستطيع المخالفون أن ينقلوا هذا التفصيل في الاعانة عن أحد من الفقهاء وأئمة الفتوى بالصورة التي يحكونها !


ولو أن المخالف تأمل مسألة اشتراط الاستحلال للتكفير بسب النبي صلى الله عليه وسلم ونظر في كلام شيخ الاسلام في تقرير الاجماع على كفر الساب وإن لم يستحل فإنه سيتبين له بإذن الله وجه الاجماع على التكفير من أعان الكفار على المسلمين وإن لم يحب دينهم .

فإن اشتراط الاستحلال في التكفير بالسب قد نقله القاضي أبو يعلى من كتاب بعض المتكلمين الذين حكوها عن الفقهاء ، وهؤلاء - كما قال شيخ الاسلام في الصارم - نقلوا قول الفقهاء بماظنوه جار في أصولهم أو بما سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لايعد قوله قولا !
فهوحكاية للخلاف ب ( الفهم ) لا ب( النقل ) ! كماهو اصطلاح أخي النقاد وطريقته في حكاية الخلاف في مسألة الاعانة ، ومع هذا فإن شيخ الاسلام رحمه الله لم يعتبر هذا خلافا بل جعله خطأ لايجوز القدح في الاجماع به ، ثم ذكر أنه لايستطيع أحد أن يحكي عن الفقهاء هذا التفصيل في السب البتة وجعله وجها لتقرير الاجماع ورد دعوى الخلاف .

فقال كمافي الصارم المسلول ( 3/960) :
" والحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلا كفر وإلا فلا ، ليس لها أصل ، وإنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين حكوها عن الفقهاء ، وهي كذب ظنوها جارية على أصولهم ، فلايظن ظان أن في المسألة خلافا ، إنما ذلك غلط "

فتأمل كيف أنكر الخلاف وعده غلطا ولم يضرب هذا الغلط بما تقرر عنده من إجماع وأدلة وأقوال لأهل العلم ، فكيف بمن لايحكي هذا الغلط عن غيره وإنما يغلط هو في فهمه ثم يطلب دليلا بينا يكشف النقاب عن وجه غلطه !

وقد احتج شيخ الاسلام على قتل الساب بإجماع الصحابة على ذلك وادعى هذا الاجماع بكونه قد نقل عنهم قتل الساب في قضايا متعددة منشرة مستفيضة لم ينكرها أحد منهم فصارت إجماعا وقال :
" واعلم أنه لايمكن ادعاء إجماع الصحابة على مسألة فرعية بأبلغ من هذه الطريق ".

فكيف لو كان خصمه هو من نحتج عليه بنقول ثابتة للاجماع وبقضايا متعددة منتشرة مستفيضة لم ينكرها أحد من أهل العلم ولم يشترطوا فيها شرط المحبة القلبية لدين الكفار للتكفير بإعانتهم على المسلمين ، ولم يذكروا هذا التفصيل في الاعانة ، وهل يمكن ادعاء إجماع أهل العلم على مسألة أصلية بأبلغ من هذه الطريق .


ويبقى السؤال في الاعانة على النبي صلى الله عليه وسلم قائما :

هل هي أذى للنبي صلى الله عليه وسلم أم إكرام ؟

====================================

الشيخ الفاضل أبو خالد السلمي
متابعتك لحوار إخوانك شرف لهم ، ولولا تشجيع أمثالك لأمثالهم لما كان لهم في هذه المباحث قبيل ولادبير .

وإني لأعتذر من فضيلتك على انقطاعي عن مراسلتك على البريد الخاص لأشغال عرضت لي أشغلتني عن مواصلة أمثالك من أهل العلم والفضل .

وأما ماذكرته من فتوى الشيخ صالح الفوزان فهي لاتقدح فيه ولا في الاجماع فلا يخفى على مثلك أن مخالفة من تأخر لاتقدح في إجماع أهل العلم ولا صريح أقوالهم ، فكيف إذا كان المتأخر له في المسألة قولان ؟!، قول قبل الفتن وقول في أثنائها ، فلاشك أن انتظار هذا حتى تزول الفتن أولى من نقض كلام المتقدمين بكلامه على جلالة قدره واستفاضة علمه .

فإن الشيخ حفظه الله قد أطلق القول بتكفير من اعان الكفار في الطبعة الأولى من كتابه : " إعانة المستفيد " كما حدثني أحد الاخوة ثم عدل هذا في الطبعة الثانية ، وزاد في شرحه على النواقض بتقسيم جديد متناقض في نفسه غير متماسك .

وكذلك بعض طلبة العلم كصالح آل الشيخ أطلق القول بالتكفير في شريطه : " موقف المسلم من الفتن " وأكده في الشريط بنقل عن ابن باز رحمه الله في هذا الباب ، ثم لما طبع كتابه زاد فيه شرط قصد ظهور الكفار على المسلمين !

وقل مثل هذا في غيرهم من أهل العلم المتأخرين ، وهو الذي دفعني لذكر إيراد من قال بأن مثل هذا يرجع فيه للعلماء الكبار في أول المقال وبيان أوجه رده .
ولو سكت الناس عند كل مسألة تغير في الدين لأجل ضغط الواقع لما بقي في الأرض سنة يعمل بها
فإن هؤلاء المشايخ لايخلو حالهم من أمرين :
إما أن يكونوا قد أطلقوا القول بالتكفير أول الأمر وهم لم يحرروا المسألة وإنما قلدوا فيها غيرهم
وإما أنهم كانوا يعتقدون ذلك ثم تغير رأيهم .

فإن كانت الأولى فتلك مصيبة !
وإن كانت الثانية فلماذا لايكون التمحيص والتحقيق والتحرير إلا في الأزمات !
ولو أننا عند كل فتنة سنستحدث شرطا يناسب الحال ثم نطبق على السكوت عليه ونجعل المسألة اجتهادية لاينكر على المخالف فيها بحجة الحكمة والمصلحة لما بقي من الدين إلا رسوم

هذا مع حسن الظن بمن له قدم صدق في الأمة كهؤلاء المشايخ ممن نحسبه لم يخالف الاجماع إلا لشئ توهمه دليلا صادف عنده رغبة في إخراج الأمة من مأزقها وخوفا عليها من هفوات أبنائها.


وهاأنت ترى أنه لولا الرد على أصحاب هذا الشرط لكان المكفر بمطلق الاعانة غاليا في الولاء والبراء كماظنه بعضهم .
وهاأنت ترى أن المكفر بتحكيم القوانين أصبح غاليا في هذا الباب عند المتأخرين لأنه لم يضف شرط الاستحلال الذي زل في اشتراطه بعض أساطين العلم في زمانه قياسا على الحكم بغير ماأنزل الله لهوى كماكان يقع عند السلف ثم تتابع الناس على زلته !


فإن أردت عدم الانكار على المقلد من العوام فحق وهو في ذمة من أفتاه ، و إن أردت طالب العلم المتمكن من البحث والاستدلال فهذا لايجوز له أن يتكلم في مسألة ليس له فيها إمام فضلا عن المسألة التي هي محل البحث .

والله الموفق .
  #78  
قديم 30-08-04, 11:50 AM
المقرئ.
 
المشاركات: n/a
افتراضي

قد أكون ثقيلا وأعتذر جدا على التطفل
وأريد أن أشيد بالشيخين الفاضلين على فوائدهما وطريقة حوارهما
شيخنا محب العلم : ليتك لم تجنح إلى الأسماء والدخول في النوايا وولوج باب قيل وزعموا واترك النوايا لربها ومبحثك هذا سيطول بقاؤه ويكثر مراجعه فليتك حذفت منه مالا نفع فيه إن لم يكن فيه مضرة في مشاركتك الأخيرة مع علمي والله بحسن مقصدك وعلو أدبك ولكن هي مشورة
وليتكم إن أردتم تذكرون ما هو الذي ينقض الإجماع في نظركم هل ينقضه :
تفسير عالم قبل ابن حزم لآيات الموالاة بأن فسرها على ما ذكره الشيخ النقاد ؟
أو ينقضه أحاديث غير حديث حاطب وفسر من قبل أهل العلم ؟
أرجو تبيين مرادكم إن أردتم
ثم إني أكثرت -وما حيلتي فكرمك وعلمك أضني إلى ذلك - هل صورة الإجماع منعقدة عندك فيما إذا عاون المسلم الكفار على المسلمين عامة في الكرة الأرضية أم متى ما عاون المسلم الكافر على دولة مسلمة فقط ولا يعينها على أخرى يكفر بذلك
مع أسفي واعتذاري وإعجابي
المقرئ
  #79  
قديم 30-08-04, 05:44 PM
محب العلم
 
المشاركات: n/a
افتراضي

أخي الأديب الأريب الشيخ المقرئ
أشكر لك نصحك وحسن سريرتك لأهل العلم ، ولو أن الأمر من أمور الدنيا لما رضيت في هذين الشيخين ولا في غيرهما إلا كل ذكر حسن ، ولا يخفى على مثلك أن زلة العالم أو مخالفته لاتسقط حرمته ولاتجيز لسقط المتاع أن يقعوا في عرضه ، وليس في نفسي أدنى أدنى حرج مماقلته ، والأمر في حذفه وإبقائه راجع لأهله وليس لي ، وإن كنت كماذكرت لك أقدر لك - والله - نصحك ومشورتك وأعرف موجبها ولكن عارض هذا الموجب مانع آخر أظنه مما تبرأ به ذمتي إن شاء الله ، ولم أدخل في النوايا ولا في الخبايا وإنما حكيت واقعا ، ومن ذكر لي التعديل الحاصل في الطبعة الثانية من الكتاب هو أحد الشيوخ الأجلاء المعروفين الورعين ممن أحسبه لايؤذي مؤمنا بغير مااكتسب ، والأمر يسير ، فمن شاء فليراجع وليفدنا ، وما أنا ومن أنا أو غيري عند العلامة الجليل الشيخ الزاهد الورع صالح الفوزان أو عند طلاب العلم كصالح آل الشيخ فاربع على نفسك فإنما هي مذاكرة ، ودين الله فوق الجميع ، ولولا أن لهذه نظائر لما رقمت فيها سوادا في بياض .
===========================
أما الإجماع أخي المقرئ فلا أريد لنقضه إلا ذكر مخالف معتبر في محل الاجماع ، وإن كان خلاف الواحد والاثنين لاينقض إجماعا عند أهل العلم كماهو ظاهر صنيع ابن المنذر وابن عبدالبر وغيرهما
إلا أنني أكتفي لفض هذه المحاورة بعالم معتبر ينص على أن إعانة الكفار في حربهم على المسلمين مختلف فيها أو هي معصية من جملة المعاصي لاكفر ، فهل طلبت عسيرا ؟!
وأما الخلاف الذي يحكيه المتأخرون بفهمهم هم لحديث حاطب أو لكلام عالم ليس في محل النزاع أو كان حمال أوجه فليس بخلاف معتبر على الحقيقة وإنما هو انبطاح علمي وإن احمرت أنوف .
وأما محل الاجماع فقد أوضحته وذكرت أنه إعانة كفار محاربين لمسلمين لهم شوكة ، وليست كل إعانة لكل كافر على كل مسلم .
وأنت تقصد أن من لم يعن الكفار على كل المسلمين في الارض فهذا ليس بكافر ، إذ قد تكون إعانته على بعض المسلمين لعلة غير إسلامهم .
وهذا أخي الفاضل راجع إلى الخطأ في مناط التكفير في هذه المسألة ، إذ مناط التكفير هنا هو الإعانة لا بغض المسلمين ولا الاسلام ولا اختيار الكفر على الاسلام وإنما هذه الأخيرة لوازم لاينفك عنها المعين حال ملابسته للاعانة ، فإن انتفاء انقياد القلب لايعني انتفاء تصديقه ولا رضاه القلبي بالدين .
وإلا فإن هذا المعين للكفار لو أعان الكفار في حربهم على دولة مسلمة واحدة مرة واحدة ثم أبى المشاركة لحصوله على كفايته من الدنيا فإنه كافر بهذه الإعانة مالم يحدث توبة ، وكل معين للكفار لغرض دنيوي سيقف عن الاعانة إذا حصل غرضه وإلا فإنه سيلتزم الاعانة حتى ينال مراده ولو قاتل كل مسلم على الأرض فالتزام الاعانة على كل مسلم كفر أكبر ، وهذا أمر باطن لاسبيل لنا إليه ، ولذلك فإن الأمر الظاهر الذي علق به الحكم هو الاعانة لاغير فإن حصلت أجرينا على صاحبها - إن كانت ظاهرة - حكم الظاهر والله يتولى السرائر ، ولا يخفاك أن من طلب منه قتل نفس وإلا قتل فإنه سيلتزم القتل عند كل تهديد بالقتل ، وقل مثله في المعين كلما خشي على ماله وسلطانه التزم الاعانة وهكذا فإن رأينا منه غير مرة تحقق الاعانة كلما مر به حال يكون له فيها غرض فماذا يكون هذا ، وهل ننتظر حتى يفرغ من كل مسلم على الأرض ليحقق غرضه ثم نجزم حينها بكفره ، هذا لم يقله حتى أبو مرة !
وأنت تعلم أن أكثر المعينين للكفار إنما هم طلاب دنيا ، ولا يكاد يوجد فيهم مبغض للدين على الحقيقة إلا أن استعلاء أحكام الكفر على أحكام الإسلام لايرضى به مسلم انقاد قلبه لله البتة كما نقلت لك عن شيخ الاسلام وعن غيره .
================================
تنبيهات مهمة في خاتمة هذه المعالم :
أولها : سبق وأن ذكرت لأخي النقاد أني اعتمدت طريقة النسخ واللصق في نقل بعض الأقوال وقد أوقعني هذا في خطأين :
الأول نبه إليه أخي النقاد وهو من كلام ابن حزم رحمه الله
والثاني من كلام الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن رحمه الله في عيون الرسائل والأجوبة على المسائل" (1/179) ، حيث نقلت كلاما لغيره على أنه له عند ذكري لنقله الاجماع على المسألة وتعقيبي بهذا النقل عليه .
وكلا الخطأين لم يؤثرا على مانقله الإمامان من إجماع في المسألة ، وإنما نبهت إليهما خشية التبعة على الدين .
وثانيها :
أن ما أذكره قبل حكاية الاجماع بقولي ( النص الأول ...) إنما أعني به الموضع لا مااصطلح عليه بعض أهل الأصول.
وثالثها :
أن البحث مع الشيخ النقاد إنما هو في ثبوت الاجماع من عدمه ولم نصل بعد لمبحث الأدلة وأقوال أهل العلم فإن رام ذلك مع غيري فهو وشأنه وأما أخوه فقد قال مافي نفسه وزيادة وإن كان شحيح النقل للمعنى الذي ذكرته له سابقا ولخشية تكرر الخطأ في النقل كما حصل في مواضع .
اللهم اسلل سخيمة صدورنا واغفر لنا وارحمنا .
  #80  
قديم 31-08-04, 03:19 AM
النقّاد
 
المشاركات: n/a
افتراضي

الأخ الكريم ( محب العلم ) وفقه الله ..
هذه تعليقات مختصرة على تعقيبك الأخير ..

أولا : تقول : « وإن سلمنا بأن فعل حاطب إعانة على النبي وهي غير مكفرة ، فهل الاعانة على الجيش الذي فيه الرسول أذى له أم لا ؟
إن كانت أذى له ، فقد نص أهل العلم ومنهم شيخ الاسلام في الصارم المسلول على أن أذى الرسول كفر أكبر وإن لم يقارنه اعتقاد .
وإن لم تكن أذى للرسول صلى الله عليه وسلم فما ذا تكون ؟ » .

شيخ الإسلام يقصد بالأذى : السب والاستهزاء والطعن والعيب وما في هذا المعنى مما ينافي التعظيم والإيمان بنبوة النبي . وهو ظاهر من سياقات كلامه ومن موضوع كتابه .

وإلا .. فهل (( كل )) فعل فيه أذى للنبي يكون فاعله كافرا ؟ ويكون فعله منافيا للإيمان به ؟
أليس قذف زوجة النبي في عهده قبل أن ينزل القرآن ببراءتها أذى له ؟
هو أذى له , ولا ريب , بنص النبي .
ومع ذلك فقد وقع هذا القذف من بعض الصحابة , كمسطح وحسان رضي الله عنهما , ولم يكن ذلك منهما كفرا , ومع ذلك استوجبا الحد ؛ لقيام موجبه .
بينما فعل نفس فعلهما الظاهر ( القذف ) بعض المنافقين , فكانوا به من أهل الجحيم .

فما الذي جعل الأول ليس بكفر , والثاني كفرا ؟

الجواب : أن الأولين وإن وقع منهم الأذى بالقذف ( الفعل الظاهر ) فهم لم يقصدوا به عيب النبي بعيب أزواجه ؛ لأن هذا القصد ( العيب والطعن ) لا يصدر إلا من منافق لا يؤمن بالنبي , وهو لم يقع منهما , بينما الفعل الظاهر ( القذف ) وقع من مسلم , ولذا استوجب العقوبة .

والذي وقع من حاطب رضي الله عنه هو نظير هذا تماما ..
فهو قد أفشى سر النبي , وخابر أعداءه , وفي ذلك إعانة لهم وأذية له صلى الله عليه وسلم , كما فعل مسطح وحسان رضي الله عنهما من القذف , فاستوجب العقوبة الدنيوية ( الحد أو التعزير ) على فعله ( التجسس ) , كما استوجبها مسطح وحسان على فعلهما , لكن منع من هذه العقوبة في حق حاطب رضي الله عنه الحسنةُ العظيمة التي معه وهي شهوده بدرا .

كما قال ابن القيم في « بدائع الفوائد » ( 1536 – 1537 ) : « وتأمل قوله لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب , فقال : وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم . كيف تجده متضمنا لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون , وهي : أن التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي ؟ فعلل النبيُّ عصمة دمه بشهوده بدرًا دون الإسلام العام ؛ فدل على أن مقتضى قتله كان قد وُجِد وعارضَ سبب العصمة , وهو الجس على رسول الله , لكنْ عارضَ هذا المقتضي مانعٌ منع من تأثيره وهو شهوده بدرًا وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها . وعلى هذا فالحديث حجةٌ لمن رأى قتل الجاسوس ؛لأنه ليس ممن شهد بدرًا وإنما امتنع قتل حاطب لشهوده بدرًا » .

ولم يكفُر حاطبٌ رضي الله عنه بفعله هذا - مع أنه قد يفعله غيره ويكون به كافرا - لأنه لم يقصد به المعنى الأقبح ( كما عبَّر الشافعي ) وهو الشك في الإسلام والرغبة في ظهور الكفر .

فتبين أن الإعانة قد تقع من مسلم حال ضعف إيمانه , إذا لم يقصد بها نصرة دين الكفار وظهوره , لكنه مع هذا يكون قد ارتكب إثما وضلالا مبينا , ويستحق عليها العقوبة .
وقد تقع من منافق يريد ظهور دين الكفار وليس للإسلام في قلبه نصيب .
والسبيل للحكم على كل منهما بالكفر ( في الدنيا , لإجراء الأحكام ) الاستفصال عن القصد , كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع حاطب .

وبهذا يعلم أننا قد نحكم في الظاهر بإسلام أحد المُعِينين ؛ لأنه أظهر عدم قصده نصرة دين الكفار , واعتذر بذلك , وقد يكون في الباطن منافقا كذب في هذا الاعتذار .
وإنما نحكم على الظاهر والله يتولى السرائر , كما قال الشافعي .

ثانيا : احتجاجك بأن أي إعانة للكفار على المسلمين تتنافى ( تتناقض ) مع الإيمان , ولذلك هي كفر , احتجاجٌ بالدعوى نفسها , وهو مصادرة على المطلوب . فما الدليل على هذه المنافاة ؟
هل هو الإجماع ؟ قد تقدم عدم وجود إجماع معتبر .
دليل نقلي ثابت الصحة والدلالة ؟ فأين هو ؟
دليل عقلي ؟ فأين هو ؟

ثالثا : لا أدري لم تصر على إقحام التقليد في كل مقام , بمناسبة وبغير مناسبة ؟!
تقول : « فأنت تجتهد في التفريق بين الاعانة على قتل النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيرها من صور الاعانة عليه في نفس الوقت الذي تقلد فيه شيخ الاسلام في قوله بأن قتل النبي صلى الله عليه وسلم يتنافى مع الإيمان به » .
فهل عندما أقول : إن قتل النبي يتنافى مع الإيمان به , لا بد أن أكون قلته تقليدا لشيخ الإسلام ؟! وبالتالي يجب علي أن أقلده في كل ما يقوله , وإلا صرتُ « أترنح » بين الاجتهاد المطلق والتقليد المقيد !
فهل هو قوله وحده ؟! أم هو إجماع الأمة ودلائل الكتاب والسنة المتظاهرة .
ثم .. أليس هناك أخذ للقول بدليله , يسميه بعضهم « الاتباع » , وهو مرتبة وسطى بين الاجتهاد والتقليد ؟ أم أنه إما مقلد أو مجتهد ؟! وإما أخذ جميع أقوال إمامٍ أو اطراحها ؟!


رابعا : الحمد لله أنك عرفت الفرق بين تحصيل الإجماع وأقوال العلماء بالفهم وتحصيله بالنقل , وأن العبرة بالثاني .



( تنبيه من محب : هذا الأسلوب العذب والبيان المشرق الذي منحك الله إياهما , كم سيكونان أجمل لو تنزها عن عبارات وألفاظ تتفلت منهما بين الحين والحين , من مثل قولك في تعقيبك الأخير : « تترنح بهذه الطريقة ... » , و « انبطاح علمي ... » ) ..
 

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:58 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.