ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
القسم الانجليزي التقويم .

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #31  
قديم 07-06-17, 06:29 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

سأواصل رفع دروسي بنفسي وجزى الله الأخ خيرا.
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 07-06-17, 06:33 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس السابع والعشرون- مباحث الكتاب

تكملة الحروف


الحادي والعشرون: لو، حرف شرط غير جازم، وأكثر وقوعه للحصول في الماضي، مثل: لو جاءني البارحةَ لأكرمتُهُ، ويقلّ للمستقبل، مثل: لا تهجرْ أخاكَ ولو أساءَ، أي وإن أساء في المستقبل، فأساء فعل ماض ولكنه صرف إلى الاستقبال بسبب لو وتكون حينئذ بمعنى إنْ.
وترد لمعان هي:
1- العَرْضُ، أي الطلب برفق، ولا بد أن يكون لها حينئذ جواب شرط منصوب بعد فاء السببية بأن مضمرة، نحو: لو تأتينا فنُكرِمَكَ، وقد يحذف جوابها لدليل يدل عليه كقول عائشة رضي الله عنها لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تخبر أبيها أن يؤم الناس فقالت: فلو أَمَّرْتَ عُمَرَ. متفق عليه. أي فلو أمرّت عمر فيكون أقدر من أبي بكر؛ لأنه رجل رقيق القلب كثير البكاء.
2- التحضيض، أي الطلب بشدة، ولا بد أن يكون لها حينئذ جواب شرط منصوب بعد فاء السببية بأن مضمرة أيضا، كقول الأب لولده: لو تجتهدُ في دروسِكَ فتنجحَ.
3- التمني، أي طلب ما لا مطمع في حصوله، ولا بد أن يكون لها حينئذ جواب شرط منصوب بعد فاء السببية بأن مضمرة أيضا، مثل: ( فلو أَنَّ لنا كرةً فنكونَ من المؤمنينَ ).
4- التقليل، مثل: اتقوا النارَ ولو بِشِقِّ تمرَةٍ، أي ولو كان ما تتقون به النار نصف تمرة تعطونها.
5- المصدرية، مثل أَنْ المصدرية فتنسبك مع ما بعدها بمصدر، مثل: ( يودُّ أحدُهم لو يعمّرُ ألفَ سنةٍ ) أي يود أحدهم تعمير ألف سنة، وعلامتها أنه لو حذفتها ووضعت محلها أَنْ المصدرية لاستقام المعنى.
6- الشرطية، وهو المعنى الغالب عليها -وإنما أخرتها لطول الكلام عليها- والشرط هو الربط بين أمرين بحيث لو وقع أحدهما لوقع الآخر، وهي على ثلاثة أنواع:
أ- السببية وهي: التي تدل على انتفاء الجواب في الواقع بسبب انتفاء الشرط، مثل: لو حضرتَ لأكرمتُك، انتفى الإكرام في الواقع بسبب انتفاء الحضور. فهي تذكر لبيان السببية.
ب- الاستدلالية وهي: التي يستدل بانتفاء جوابها على انتفاء شرطها، مثل أن يقال لك: هل زيدٌ في البلد؟ فتقول: لا إذْ لو كان فيها لحضرَ مجلسنا، فتستدل بعدم حضوره في المجلس على عدم كونه في البلد، فهي تذكر في مقام الاستدلال لا لبيان السببية، وذلك إذا كان انتفاء الجواب معلوما وانتفاء الشرط غير معلوم فيوتى بلو للاستدلال بالمعلوم وهو انتفاء الجواب على المجهول وهو انتفاء الشرط، ومنه قوله تعالى: ( لو كانَ فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لفسدتا ) فيستدل بعدم انتفاء الفساد واختلال النظام في السموات والأرض على أنه لا إله إلا الله، لأن امتناع الفساد في السموات والأرض معلوم بالمشاهدة لديهم فاستدل به على نفي تعدد الآلهة المجهول لديهم.
ج- ما تدل على ثبوت جوابها على تقدير انتفاء شرطها وعلى تقدير وجوده أيضا، مثل قولك لمن سألك مالًا: لو كان لي مالٌ ما أعطيتكَ منه، أي فكيف وأنا لا مال لي، فالجواب وهو عدم الإعطاء ثابت في الحالتين والشرط وهو وجود المال منتف، والمقصود بهذا النوع هو الإخبار عن تحقق الجواب واستمراره دائما سواء وجد الشرط المذكور أم انتفى.
وهذا النوع له ثلاثة أقسام:
1- أن يكون انتفاء الشرط أولى من الشرط، نحو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أو عمر رضي الله عنه قال لصهيب رضي الله عنه: نعم العبدُ صهيبٌ لو لم يخف اللهَ لمْ يعصِه، أي أنه حتى لو لم يخف الله سبحانه لم يعصه؛ لأنه يستحي منه حق الحياء، وليس معناه أنه لا يخافه سبحانه بل هو يخافه ولكن على معنى أن هنالك سببا آخر يحول بينه وبين العصيان، فلو قدر أنه انتفى أحدهما ثبت الآخر، فهنا نقيض الشرط وهو الخوف من الله وما يلزمه عدم العصيان أولى من وجود الشرط وهو عدم الخوف بأن يكون لا يعصيه حياءً، ووجه الأولوية أن أكثر خلق الله ممن يمتنعون عن المعاصي يحملهم على ذلك الخوف، أما من يحمله خالص الحياء والحب فهم أقل عددا، فالأولوية هي بين الامتناع عن المعاصي خوفا وبين الامتناع عن المعاصي حياء وحبا، هذا وذكر الحافظ العراقي والسيوطي وغيرهما أن الأثر المذكور لا أصل له.
2- أن يكون انتفاء الشرط مساويا للشرط، نحو قوله صلى الله عليه وسلم لما بلغه تحدث النساء أنه يريد أن يتزوج بنت أم سلمة أم المؤمنين- بناء على تجويزهن أن ذلك من خصائصه التي ينفرد بها عن الناس-: ( لو لم تكنْ ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة ) رواه الشيخان. فهنالك سببان يمنعان حلها عليه كونها ربيبته، وكونها بنت أخيه بالرضاعة فإذا قدر انتفاء الأول فالثاني موجود فهي محرمة عليه على كل حال، فهنا نقيض الشرط وهو كونها ربيبته وما يترتب عليه من عدم حلها عليه مساو لوجود الشرط بأن لم تكن ربيبته بل كانت بنت أخيه من الرضاعة وما يترتب عليه من عدم حلها عليه، فهما متساويان إذْ الحرمة بالمصاهرة مساوية للحرمة بالرضاع.
3- أن يكون انتفاء الشرط أدون من الشرط، نحو: لو لم تكن أختي من الرضاعة لما حلت لي إنها أختي من النسب، فهنالك سببان يمنعان حلها عليه كونها أخته من الرضاعة، وكونها أخته من النسب، فإذا قدر انتفاء الأول فالثاني موجود فهي محرمة عليه على كل حال، فهنا نقيض الشرط وهو كونها أخته من الرضاعة وما يترتب عليه من عدم حلها عليه أدون من وجود الشرط بأن لم تكن أخته من الرضاعة بل كانت أخته من النسب فقط وما يترتب عليه من من عدم حلها عليه، ومعلوم أن الحرمة بالرضاع أدون من الحرمة بالنسب.

( شرح النص )


ولو شرطٌ للماضي كثيرًا، ثُمَّ قيلَ: هيَ لمجردِ الرَّبْطِ، والأصحُّ أَنها لانتفاءِ جوابِها بانتفاءِ شرطِها خارجًا، وقدْ تَرِدُ لِعَكْسِهِ عِلْمًا، ولاثباتِ جوابِها إنْ ناسَبَ انتفاءَ شَرْطِها بالأولى كـ لو لمْ يَخَفْ لمْ يعْصِ، أَو المساوي كـ لو لمْ تكنْ ربيبةً ما حَلَّتْ للرّضاعِ، أَو الأَدونِ كـ لو انتفتْ أُخوَّةُ الرّضاعِ ما حلّت للنسبِ، وللتَّمَنِّي، وللتَّحضيضِ، وللعَرضِ، وللتَّقليلِ نحو: ولوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، ومصدَرِيَّةً.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
( و ) الحادي والعشرون ( لو شرطٌ ) أي حرف شرط ( للماضي ) أي للحصول في الزمن الماضي ( كثيرًا ) نحو : لو جاءَ زيدٌ لأكرمتُهُ، وللمستقبل قليلا نحو: وليخشَ الذين لو تركوا ذرية ضِعافًا خافوا عليهم، أي إن تركوا ذرية.. ( ثُمَّ قيلَ ) في معناها على كونها حرف شرط للماضي أما على كونها حرف شرط للمستقبل فهي بمعنى إن التي لمجرد الربط لا تدل على انتفاء أو ثبوت ( هيَ ) أي لو ( لمجردِ الرَّبْطِ ) أي ربط الجواب بالشرط من غير دلالة على انتفاء أحدهما، وما يستفاد من الانتفاء هو مستفاد من خصوص الأمثلة وليس من أصل وضع لو، فتكون لو مثل إنْ التي لمجرد ربط الجواب بالشرط لكن إن للربط في المستقبل ولو للربط في الماضي، وهو قول ضعيف لأن كل من يسمع لو فعل كذا يعلم مباشرة انتفاء وقوع الفعل من غير تردد ( والأصحُّ أَنها ) ترد لأحد ثلاثة معان، المعنى الأول هو الأصل فيها أي الكثير الغالب في الاستعمال العربي الفصيح وهو ( لانتفاءِ جوابِها بانتفاءِ شرطِها خارجًا ) أي في الواقع الخارجي نحو: لو حضرتَ لأكرمتُك، انتفى الإكرام في الواقع بسبب انتفاء الحضور ( وقدْ تَرِدُ ) بنحو أقل من الأول وهو المعنى الثاني ( لِعَكْسِهِ ) أي عكس المذكور أي انتفاء شرطها بانتفاء جوابها ( عِلْمًا ) أي بانتفاء العلم بجوابها، مثل أن يقال لك: هل زيدٌ في البلد؟ فتقول: لا إذْ لو كان فيها لحضرَ مجلسنا، فتستدل بعدم حضوره في المجلس على عدم كونه في البلد ( و ) ترد أيضا بنحو أقل من الأول والثاني على ما قاله السيد الشريف في حواشي المطول وهو المعنى الثالث لها ( لاثباتِ جوابِها ) مع انتفاء شرطها وذلك ( إنْ ناسَبَ ) ثبوتُ جوابها ( انتفاءَ شَرْطِها ) أي إن تحققت مناسبة بين ثبوت الجواب ونقيض الشرط مثل: لو كان عندي مال ما أعطيتك، فثبوت عدم العطاء لا ينافي عدم وجود المال، بل على العكس هو أنسب فمن لا يملك المال لا يرجى منه العطاء، وهذا بخلاف أمثلة القسم الأول والثاني فمثلا إذا قلنا: لو حضر زيدٌ لأكرمته، فالإكرام لا يناسب عدم الحضور، ولو كان في البلدة لحضر مجلسنا، حضور المجلس لا يناسب عدم الوجود في البلدة بل ينافيه، وتلك المناسبة بين ثبوت الجواب وانتفاء الشرط على ثلاثة أنحاء إما ( بالأولى ) أي بطريق الأولى بأن يكون نقيض الشرط أولى من الشرط في ترتّب الجواب عليه ( كـ لو لمْ يَخَفْ لمْ يعْصِ ) يشير إلى أثر قيل لصهيب ولا أصل له: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، رتب عدم العصيان على عدم الخوف، ونقيض الشرط وهو الخوف من الله وما يترتب عليه من الكف عن المعاصي أولى من عدم الخوف بأن وجد بدله الحياء والحب وما يترتب عليه من عدم المعاصي ووجه الأولوية كون المعنى الأول أكثر أفرادا في الواقع ( أَو المساوي كـ لو لمْ تكنْ ربيبةً ما حَلَّتْ للرّضاعِ ) المأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم في دُرَّة بنت أم سلمة لما بلغه تحدث النساء أنه يريد أن ينكحها بناء على تجويزهن أن ذلك من خصائصه: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة. رواه الشيخان. رتّب عدم حلها على عدم كونها ربيبته، فهنا نقيض الشرط وهو كونها ربيبته وما يترتب عليه من عدم حلها عليه مساو لوجود الشرط بأن لم تكن ربيبته بل كانت بنت أخيه من الرضاعة وما يترتب عليه من عدم حلها عليه، فهما متساويان إذْ الحرمة بالمصاهرة مساوية للحرمة بالرضاع ( أَو الأَدونِ كـ ) قولك في امرأة عرض عليك الزواج منها ( لو انتفتْ أُخوَّةُ الرّضاعِ ) بيني وبينها ( ما حلّت ) لي ( للنسبِ ) بيني وبينها بالأخوّة، رتب عدم حلها على عدم أخوتها من الرضاع، فهنا نقيض الشرط وهو كونها أخته من الرضاعة وما يترتب عليه من عدم حلها عليه أدون من وجود الشرط بأن لم تكن أخته من الرضاعة بل كانت أخته من النسب فقط وما يترتب عليه من من عدم حلها عليه لأن حرمة الرضاع أدون من حرمة النسب ( و ) ترد ( للتَّمَنِّي ) نحو قول الفقير المعدم: لو كان لي مالٌ فأحجَّ ( وللتَّحضيضِ ) نحو: لو تجتهدُ في دروسِكَ فتنجحَ ( وللعَرضِ ) نحو: لو تأتينا فنُكرِمَكَ ( وللتَّقليلِ نحو ) خبر: ردُّوا السائلَ ( ولوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ ) والمعنى تصدقوا بما تيسر من كثير أو قليل ولو بلغ في القلة إلى الظلف مثلا فإنه خير من العدم، والظِلف هو بمنزلة الظفر لقدم البقر والغنم والمعز، والمحرق أي المشوي أي لا تردوا السائل إلا بشيء ولو لم تجدوا إلا ظِلفا محرقا، والأثر المذكور قال عنه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي واللفظ له من حديث أم بُجَيْدٍ وقال ابن عبد البر مضطرب. اهـ ( و ) ترد ( مصدَرِيَّةً ) نحو: يودُّ أحدُهم لو يعمّرُ ألفَ سنةٍ، أي يود أحدهم تعمير ألف سنة.
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 07-06-17, 06:34 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثامن والعشرون- مباحث الكتاب

خاتمة الحروف


الثاني والعشرون: لنْ، حرف نفي ونصب واستقبال، أي ينفي المضارع وينصبه ويخصصه لزمن الاستقبال بعد أن كان صالحا للحال والاستقبال، مثل: ( ولنْ يفلحَ الساحرُ ) ولا تفيد لن توكيد النفي ولا تأبيد النفي خلافا للعلامة الزمخشري، وتأتي أيضا لإفادة الدعاء على ما ذكره العلامة ابن عصفور وغيره نحو: لنْ تزالَ بخيرٍ، أي لا زلت.
الثالث والعشرون: ما، وترد اسمية وحرفية، فالاسمية ترد:
1- موصولة، بمعنى الذي مثل: ( ما عندكم ينفدُ وما عندَ اللهِ باقٍ ) أي الذي عندكم ينفد والذي عند الله باق.
2- نكرة موصوفة، أي تفسر باسم نكرة ويقع بعدها صفة لها مثل: ربَّ ما كرِهتَهُ تحقّقَ فيه نفعُكَ، أي ربّ شيءٍ كرهته.
3- تعجبية، مثل: ما أحسنَ قولَكَ!.
4- تمييزية، وهي اللاحقة لنعم وبئس، نحو: ( إنْ تُبْدوا الصَّدقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) فما نكرة تامة- أي لا تحتاج صفة بعدها- مبنية على السكون في محل نصب تمييز، أي نعم شيئًا هيَ أي ابداؤها.
5- مُبالَغِيَّة، وهي للمبالغة في الإخبار عن أحد بالإكثار من فعل، نحو: إنَّ زيدًا مِمَّا أَنْ يكتبَ، أي أن زيدا مخلوق من أمر وذلك الأمر هو الكتابة، فخبر إن محذوف تقديره مخلوق ومِن الجارة متعلقة به، وما نكرة تامة بمعنى أمر في محل جر بمن، وأن المصدرية والفعل بعدها بتأويل مصدر مجرور هو بدل من أمر، ومثل: إني مما أنْ أفيَ بعهدي، أي أنني مخلوق من أمر وذلك الأمر هو الوفاء بالعهد، فجعل نفسه لكثرة وفائه كأنه مخلوق منه وذلك على سبيل المبالغة، مثل قوله تعالى: خلق الإنسان من عجل، جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق منها.
6- استفهامية، مثل: ( فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ ) ؟.
7- شرطية، وهذه إما زمانية مثل: ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، أو غير زمانية مثل: ( وما تفعلوا من خيرٍ يعلَمْهُ اللهُ ).
والحرفية ترد:
1- مصدرية، وهذه إما زمانية مثل: ( فاتقوا الله ما استطعتم ) أي مدة استطاعتكم، أو غير زمانية مثل: ( فذوقوا بما نسيتم ) أي بنسيانكم.
2- نافية، وهذه إما عاملة عمل ليس مثل: ( ما هذا بشرًا )، أو غير عاملة مثل: ( ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا ).
3- زائدة، وهي إما كافة عن العمل مثل: ( إنما اللهُ إلهٌ واحدٌ ) فما كفّت إنّ عن عملها، أو غير كافة مثل: ( فبما رحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم ) وأصله فبرحمة.
الرابع والعشرون: مِنْ، حرف جر يرد للمعاني الآتية:
1- ابتداء الغاية في المكان مثل: ( مِن المسجدِ الحرامِ )، والزمان مثل: ( لمسجدٌ أُسِّسَ على التقوى مِن أولِ يومٍ ).
2- انتهاء الغاية، فتكون مثل إلى، تقول: اقتربَ العدوُّ منكَ، أي إليكَ.
3- التبعيض، مثل: ( لنْ تنالوا البرَّ حتى تُنفِقوا مما تحبونَ ) أي من بعض ما تحبون.
4- التبيين، مثل: ( فاجتنبوا الرِّجْسَ من الأوثانِ ) أي الذي هو الأوثان.
5- التعليل، مثل: ( يجعلونَ أصابعَهم في آذانهم من الصواعقِ ) أي لأجل الصواعق.
6- البدل، مثل: ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرةِ ) أي بدلها.
7- تنصيص العموم، مثل: ما في الدار من رجل، هي للعموم بدون مِنْ لكن بزيادة مِن تنصيص للعموم.
8- توكيد التنصيص على العموم، مثل: ما في الدارِ من أحد، فإن المثال بدون مِن يفيد التنصيص على العموم فإذا زدت مِن أكدت ذلك.
9- الفصل، أي للتمييز بأن تدخل على ثاني المتضادَّين مثل: ( واللهُ يعلمُ المفسِدَ مِنَ المصلِحِ ).
10- بمعنى الباء، مثل: ( ينظرون إليك من طرف خفيّ ) أي بطرف.
11- بمعنى عَنْ، مثل: ( قد كنا في غفلةٍ من هذا ) أي عن هذا.
12- بمعنى في، مثل: ( إذا نودي للصلاةِ من يومِ الجمعة ) أي فيه.
13- بمعنى عند، مثل: ( لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللهِ شيئا ) أي عند الله.
14- بمعنى على، مثل: ( ونصرناه من القومِ الذينَ كذّبوا بآياتنا ) أي نصرناه عليهم.
الخامس والعشرون: مَنْ، وتكون:
1- موصولة، مثل: ( وللهِ يسجد مَن في السموات والأرض ).
2- نكرة موصوفة، مثل: رُب مَنْ نصحتهُ استفاد من نُصْحك، أي ربّ إنسان.
3- شرطية، مثل: ( من يعمل سوءً يجز به ).
4- استفهامية، مثل: ( مَن بعثنا من مرقدنا )؟.
السادس والعشرون: هل، حرف استفهام يطلب به التصديق كثيرا مثل: هل جاء زيدٌ؟، وقد يطلب بها التصور قليلا مثل: هل جاءَ زيدٌ أم عمرٌو ؟ فتكون بمعنى الهمزة حينئذ.
السابع والعشرون: الواو العاطفة، وهي لمطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، ولا تفيد ترتيبا ولامعيّة، تقول: جاءَ زيدٌ وعمرٌو، إذا جاء الاثنان، سواء جاءا معا، أم جاء زيدٌ قبل عمرو أو بالعكس، وسواء جاء الثاني بعد الأول مباشرة أو بعد مهلة.

( شرح النص )


ولَنْ حرفُ نصبٍ ونفيٍ واستقبالٍ، والأَصحُّ أنَّها لا تفيدُ توكيدَ النَّفيِ ولا تأبيدَهُ، وأنَّها للدُّعاءِ.
وما ترِدُ اسمًا موصولةً، أو نكرةً موصوفةً، وتامَّةً تعجبيّةً وتمييزيّةً ومُبَالَغِيَّةً ، واستفهاميّةً، وشرطيَّةً زمانِيَّةً وغيرَ زمانيَّةٍ، وحرفًا مَصْدَرِيَّةً كذلكَ، ونافيةً، وزائدةً كافَّةً وغيرَ كافَّةٍ.
ومِنْ لابتداءِ الغايةِ غالبًا، ولانتهائِها، وللتبعيضِ، وللتبيينِ، وللتعليلِ، وللبدلِ، ولتنصيصِ العمومِ، ولتوكيدِهِ، وللفَصْلِ، وبمعنى الباءِ، وعَنْ، وفي، وعِندَ، وعلى.
ومَنْ موصولةً، أَو نكرةً موصوفةً، وتامَّةً شرطِيَّةً، واستفهاميَّةً، وتمييزيَّةً.
وهلْ لطلبِ التَّصديقِ كثيرًا، والتَّصوُّرِ قليلًا.
والواوُ العاطِفَةُ لمطلقِ الجمعِ في الأصحِّ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
( و ) الثاني والعشرون ( لَنْ حرفُ نصبٍ ونفيٍ واستقبالٍ ) للمضارع ( والأَصحُّ أنَّها لا تفيدُ ) مع ذلك ( توكيدَ النَّفيِ ولا تأبيدَهُ ) لقوله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: لن تراني، ومعلوم أنه كغيره من المؤمنين يراه في الآخرة، وقيل: تفيدهما ( و ) الأصح ( أنَّها ) ترد بواسطة الفعل بعدها ( للدُّعاءِ ) وفاقا لابن عصفور وغيره، خلافا لمن نفى ذلك ( و ) الثالث والعشرون ( ما ترِدُ اسمًا ) إما أن تكون ( موصولةً ) نحو: ما عندكم ينفد وما عند الله باق، أي الذي، وهي حينئذ تكون معرفة بخلاف البواقي ( أو نكرةً موصوفةً ) بمعنى شيء ويقع بعدها صفة لها مثل: ربَّ ما كرِهتَهُ تحقّقَ فيه نفعُكَ، أي ربّ شيءٍ كرهته ( وتامَّةً ) معطوفة على موصوفة أي ونكرة تامة أي التي تكون مستغنية عن الصفة بعدها مثل: أكرمْ رجلًا ما ( تعجبيّةً) نحو: ما أحسنَ زيدًا ! فما: نكرة تامة تعجبية بمعنى شيء عظيم مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وأحسنَ: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر يعود على ما، وزيدًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره ( وتمييزيّةً ) معطوفة على تعجبية أي وتامة تمييزية وهي اللاحقة لنعم وبئس، نحو: إنْ تُبْدوا الصَّدقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، فما نكرة تامة مبنية على السكون في محل نصب تمييز، أي نعم شيئًا هيَ أي ابداؤها، ونحو: بئس ما اشتروا به أنفسهم، أي بئس شيئا ( ومُبَالَغِيَّةً ) معطوفة على تعجبية أي وتامة مبالغية وهي للمبالغة في الإخبار عن أحد بالإكثار من فعل، نحو: إنَّ زيدًا مِمَّا أَنْ يكتبَ، أي أن زيدا مخلوق من أمر وذلك الأمر هو الكتابة، فخبر إن محذوف تقديره مخلوق ومِن الجارة متعلقة به، وما نكرة تامة بمعنى أمر في محل جر بمن، فجعل لكثرة كتابته كأنه مخلوق منها على سبيل المبالغة، نظير قوله تعالى: خلق الإنسان من عجل ( واستفهاميّةً ) نحو: ما هو عملك؟ ( وشرطيَّةً زمانِيَّةً ) نحو: فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم ( وغيرَ زمانيَّةٍ ) نحو: وما تفعلوا من خيرٍ يعلَمْهُ اللهُ ( و ) ترد ( حرفًا مَصْدَرِيَّةً كذلكَ ) أي زمانية نحو فاتقوا الله ما استطعتم، أي مدة استطاعتكم، وغير زمانية نحو: فذوقوا بما نسيتم، أي بنسيانكم ( ونافيةً ) إما عاملة عمل ليس مثل: ما هذا بشرًا، أو غير عاملة مثل: ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا ( وزائدةً كافَّةً ) أى مانعة من عمل ما قبلها لما بعدها نحو: إنما الله إله واحد ( وغيرَ كافَّةٍ ) نحو: فبما رحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم، وأصله فبرحمةٍ ( و ) الرابع والعشرون ( لابتداءِ الغايةِ ) بمعنى المسافة من مكان نحو: من المسجد الحرام، وزمان نحو: من أول يوم، وغيرهما بان ترد لمحض الابتداء من غير اعتبار زمان أو مكان نحو: إنه من سليمانَ ( غالبًا ) أي ورودها لهذا المعنى وهو الابتداء أكثر من ورودها لغيره ( ولانتهائِها ) أي انتهاء الغاية نحو: اقتربَ منكَ، أي إليك ( وللتبعيضِ ) نحو: حتى تنفقوا مما تحبونَ، أي بعضه ( وللتبيينِ ) نحو: فاجتنبوا الرِّجْسَ من الأوثانِ، أي الذي هو الأوثان ( وللتعليلِ ) نحو: يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، أي لأجلها ( وللبدلِ ) نحو: أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، أي بدلها ( ولتنصيصِ العمومِ ) وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي نحو: ما في الدار من رجل، فهو بدون مِنْ ظاهر في العموم محتمل لنفي الواحد فقط، وبها يتعين النفي لاستغراق الجنس ( ولتوكيدِهِ ) أي لتوكيد تنصيص العموم وهي الداخلة على نكرة تختص بالنفي نحو: ما في الدار من أحد، فإن كلمة أحد نكرة لا تستعمل إلا في النفي على ما ذكر بعض النحاة، فإذا قلت: ما في الدار أحدٌ، كان هذا نصا في العموم فإذا زدت مِن أفادت توكيده ( وللفصلِ ) أي للتمييز بأن تدخل على ثاني المتضادّين نحو: والله يعلم المفسد من المصلح ( وبمعنى الباءِ ) نحو: ينظرون من طرف خفي، أي بطرف ( و ) بمعنى ( عنْ ) نحو: قد كنا في غفلة من هذا، أي عنه ( و ) بمعنى ( في ) نحو: أروني ماذا خلقوا من الأرض، أي فيها ( و) بمعنى ( عندَ ) نحو: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، أي عند الله ( و ) بمعنى ( على ) نحو: ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا، أي نصرناه عليهم ( و ) الخامس والعشرون ( مَنْ ) إما أن تكون ( موصولةً ) نحو: ولله يسجد من في السموات والأرض ( أو نكرةً موصوفةً ) رُبَّ مَنْ نصحتهُ استفاد من نُصْحك، أي ربّ إنسان ( وتامَّةً ) معطوفة على موصوفة ( شرطيةً ) نحو: من يعمل سوءً يجز به ( واستفهاميةً ) نحو: فمن ربكما يا موسى ؟ ( وتمييزيةً ) نحو قول الشاعر يمدح بشر بن مروان: ونِعْمَ مَنْ هُوَ في سِرٍّ وإعلانِ، ففاعل نعم ضمير مستتر يعود على بشر، ومن تمييز بمعنى رجل، والضمير هوَ هو المخصوص بالمدح راجع إلى بشر، وهذا على مذهب الإمام أبي علي الفارسي، وأما غيره فنفى ذلك وقال إن ما اسم موصول بمعنى الذي فاعل نعم، وهذا هو المشهور ( و ) السادس والعشرون ( هلْ لطلبِ التَّصديقِ كثيرًا ) مثل: هل جاء زيدٌ؟ ( و ) لطلب ( التَّصوُّرِ قليلًا ) مثل: هل جاءَ زيدٌ أم عمرٌو ؟ فتكون بمعنى الهمزة حينئذ كما قال الإمام ابن مالك رحمه الله ( و ) السابع والعشرون ( الواوُ العاطِفَةُ لمطلقِ الجمعِ ) بين المعطوفين في الحكم نحو جاءَ زيدٌ وعمرُو، سواء أجاء عمرو مع زيد أو بعده أو قبله ( في الأصحِّ ) وقيل تفيد الترتيب، وقيل تفيد المعية.
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 07-06-17, 06:34 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس التاسع والعشرون- مباحث الكتاب

الأمر


أولا: اللفظ المنتظم من أحرف ( أ-م- ر ) حقيقة في اللغة للقول المخصوص وهو افعل كذا، مجازٌ في الفعل؛ لأن المتبادر من لفظ الأمر إلى الذهن هو القول دون الفعل والتبادر علامة الحقيقة، مثال القول: ( وأمرْ أهلكَ بالصلاة ) أي قلْ لهم: صلوا، ومثال الفعل: ( وشاورهمْ في الأمرِ ) أي في الفعل الذي تعزم عليه، وكذا هو مجاز في الشأن نحو: ( وما أمر فرعون برشيد ) أي شأنه، وفي الشيء نحو: لأمرٍ ما حصل هذا، أي لشيء ما، وفي الصفة نحو: لأمر ما يسودُ مَنْ يسودُ، أي لصفة من الصفات.
ثانيا: حدّ الأمر هو: اللفظُ الدالُّ على طلبِ فعل ٍغيرِ كَفٍّ مدلولٍ عليه بغيرِ نحوِ كُفَّ. مثل: ( اتَّقُوا اللهَ ).
قولنا: ( طلب ) الطلب معناه بديهي يفهم بمجرد التفات النفس إليه بلا نظر إذْ كل عاقل يفرق بينه وبين غيره من أنواع الكلام كالخبر فلا يحتاج إلى تعريف.
وقولنا: ( فعلٍ غيرِ كَفٍّ ) احتراز عن النهي فقد تقدم أنه طلب كف النفس وهو فعل لا ترك محض، فحينئذ إذا لم نضف قيد غير كف دخل فيه النهي فأفسد التعريف فـ ( غير كفّ ) قيد يراد منه الإخراج.
وقولنا: ( مدلول عليه بغير نحوِ كُفَّ ) أي مدلول على الكف بغير صيغة كفّ، وهذا قيد يراد منه الإدخال، وذلك أن الكف عن الفعل تارة يُدل عليه بصيغة لا تفعل نحو: لا تشربْ الخمرَ، وتارة يدل عليه بلفظ كُفَّ نحو: كُفَّ عن شربِ الخمر، أو ما في معنى كُفَّ نحو: ذَر الخمرَ، ودع السرقةَ، واترك فعلَ المنكراتِ، فالكف بصيغة لا تفعل هو النهي، والكف بصيغة كُفَّ هو من الأمر.
فاتضح أن الأمر نوعان:
1- اللفظ الدال على طلب الفعل بغير لفظ كُفَّ ونحوها، مثل: اكتب وصلّ ولينفقْ وصَهْ.
2- اللفظ الدال على طلب الفعل بلفظ كُفَّ ونحوها، مثل: كُفَّ ودعْ وذرْ واتركْ، فإنها أوامر اصطلاحا وإن كانت في المعنى نهيا، فكُفَّ عن شرب الخمر، ولا تشرب الخمر، بمعنى واحد والأول أمر والثاني نهي.
ثالثا: لا يشترط في الأمر ( العلو- الاستعلاء- إرادة الطلب ).
فالعلو بأن يكون الطالب عالي الرتبة على المطلوب منه، كالسيد وعبده، والأمير ورعيته.
والاستعلاء بأن يكون الطلب فيه تعاظم أي فيه إظهار نوع سلطة على المأمور، ويظهر الاستعلاء في كيفية النطق باللفظ بأن يكون بصوت مرتفع مع غلظة.
والدليل على عدم اعتبارهما في حد الأمر قوله تعالى حكاية عن فرعون: ( فماذا تأمرونَ ) فليسوا بأعلى منه رتبة لا حقيقة ولا ادعاءً لأنه يستبعد أن يظهروا الاستعلاء عليه في وقت المشورة وهم كانوا يعدونه إلها، فقد وجد الأمر من غير علو ولا استعلاء.
وأما إرادة الطلب بأن يكون الطالب قد قصد بلفظه توجيه الطلب للشخص فقد قيل إذا لم يقصد الطلب لم يكن أمرا لأنه يستعمل في غير الطلب كالتهديد، وأجيب بأن الأمر متى ما خرج لغير الطلب كالتهديد كقوله تعالى: ( افعلوا ما شئتم ) عدّ مجازا، وتعريفنا المتقدم للأمر هو تعريف لحقيقة الأمر لا لمجازه فلا حاجة لاعتبار قيد إرادة الطلب في حد الأمر.
رابعا: الأمر بشيء لا يستلزم إرادة وقوعه، بيانه:
إن الإرادة نوعان: إرادة كونية تقتضي وجود الشيء في الواقع، وإرادة دينية تقتضي محبة الشيء، فإذا أمر الله تعالى عباده بأمر كالإيمان والصلاة والزكاة اقتضى أمره هذا محبته لوجود ذلك الشيء وإلا لما أمر به، ولا يقتضي دائما إرادة وقوعه في الواقع فإن الله أمر أبا لهب بالإيمان ولم يرد وقوعه.
خامسا: قد تقدم أن الأشاعرة قالوا بالكلام النفسي الأزلي ومعلوم أن الأمر والنهي هما قسمان من الكلام فيكون هنالك أمر نفسي ونهي نفسي فالأمر النفسي هو: اقتضاء- أي طلب- فعل غير كفّ مدلول عليه بغير نحو كُفَّ.
وأهل الحديث والمعتزلة لا يثبتون من الأمر والنهي إلا افعل ولا تفعل أي الصيغة اللفظية الدالة على معنى الطلب.

( شرح النص )


الأمرُ


أَ مَ رَ حقيقةٌ في القولِ المخصوصِ مجازٌ في الفعلِ في الأَصَحِّ، والنَّفْسيُّ اقتضاءُ فعلٍ غيرِ كَفٍّ مدلولٍ عليهِ بغيرِ نحوِ كُفَّ.
ولا يُعْتَبَرُ في الأَمرِ عُلُوٌّ ولا استعلاءٌ ولا إرادةُ الطَّلبِ في الأصحِّ، والطَّلبُ بديهيٌّ، والنَّفْسِيُّ غيرُ الإرادةِ عِندَنا.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
شرع في مباحث الأقوال بادئا بالأمر فقال: ( الأمرُ ) أي هذا مبحث الأمر ( أَ مَ رَ ) أي اللفظ المنتظم من هذه الأحرف المسماة بألف ميم راء وتقرأ بصيغة الماضي مفككا للتنصيص على إرادة لفظه ( حقيقةٌ في القولِ المخصوصِ ) نحو: وأمر أهلك بالصلاة، أي: قل لهم صلوا ( مجازٌ في الفعلِ في الأصحِّ ) نحو: وشاورهم في الأمر، أي الفعل الذي تعزم عليه، لتبادر القول دون الفعل من لفظ الأمر إلى الذهن، وقيل هو مشترك بينهما يقال على كل منهما حقيقة، وقيل غير ذلك، ولما كان الأمر عند الأشاعرة على نوعين نفسي ولفظي بيّن ذلك بقوله: ( و ) الأمر ( النفسيُّ اقتضاءُ ) أي طلب ( فعلٍ غيرِ كفٍّ ) خرج بالكف النهي لأنه طلب كفّ ( مدلولٍ عليهِ ) أي الكفّ ( بغيرِ نحوِ كُفَّ ) لأن ما دلّ عليه بكف ونحوها كذر ودع من الأمر لا النهي، وأما حد الأمر اللفظي فيؤخذ من تعريف النفسي فهو: اللفظ المقتضي لفعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كُفَّ ( ولا يعتبرُ في الأمرِ ) بقسميه النفسي واللفظي فلا يعترض على عدم اشتمال التعريف عليها ( علوٌّ ) بأن يكون الطالب عالي الرتبة على المطلوب منه ( ولا استعلاءٌ ) بأن يكون الطلب بعظمة أي تعاظم لإطلاق الأمر بدونهما قال تعالى حكاية عن فرعون فماذا تأمرون ( ولا إرادةُ الطلبِ ) باللفظ لأن استعمال الأمر في غير الطلب كالتهديد مجاز فلا حاجة إلى اعتبار إرادة الطلب فيه ( في الأصحِّ ) وقيل: يعتبر العلو، وقيل يعتبر الاستعلاء، وقيل يعتبر إرادة الطلب ( والطلبُ بديهيٌّ ) أي متصوّر بمجرد التفات النفس إليه بلا نظر، إذ كل عاقل يفرق بالبديهة بينه وبين غيره كالإخبار وما ذاك إلا لبداهته، وهذا جواب سؤال تقديره إن معرفة المحدود متوقفة على معرفة الحد، فلا بد أن يكون الحد بجميع أجزائه معلوما وأجلى من المحدود، وقد أخذ الاقتضاء الذي معناه الطلب في تعريف الأمر وهو خفي يحتاج إلى بيان فالتعريف به تعريف بالخفي وهو لا يجوز، والجواب إن قولكم هذا مبني على أن الطلب نظري يحتاج إلى تعريف ولا نسلم ذلك بل هو بديهي ( و ) الأمر ( النفسيُّ ) المعرَّف باقتضاء فعل إلى آخره ( غيرُ الإرادةِ ) لذلك الفعل ( عندنا ) خلافا للمعتزلة فإنه تعالى أمر من علم أنه لا يؤمن كأبي لهب بالإيمان ولم يرده منه لامتناعه والممتنع غير مراد، أما عند المعتزلة فاقتضاء الفعل معناه إرادته لأنهم ينكرون الكلام النفسي ويثبتون الإرادة فردوا الطلب إلى الإرادة الكونية، فاعترض عليهم بأن الله إذا أراد شيئا وقع فيلزم أنه أراد الإيمان من أبي لهب ولم تتحقق إرادته، وهذه المسألة يعبرون عنها بأن الطلب هل هو عين الإرادة أو غيرها؟
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 07-06-17, 06:35 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثلاثون- مباحث الكتاب

صيغة افعل


أولا: هل للأمر النفسي- وهو الطلب القائم في النفس- صيغة لفظية وضعت في اللغة لتدل عليه ؟
فقال بعض القائلين بالكلام النفسي: ليس للطلب صيغة مخصوصة تدل عليه، وصيغة افعل نحو اكتب وقم وصهْ ولينفق تستعمل حقيقة على نحو الاشتراك في الطلب وغير الطلب، فلا تدل صيغة افعل على الأمر إلا بقرينة كأن يقال: صلّ لزوما، فالنتيجة لم تضع العرب صيغة افعل لتدل على خصوص الطلب.
وصحّح آخرون من القائلين بالكلام النفسي أن صيغة افعل موضوعة للأمر النفسي الذي هو الطلب، لا يفهم منها غيره عند تجردها عن القرائن، فالنتيجة للأمر النفسي صيغة لفظية مخصوصة تدل عليه.
وأما غير القائلين بالكلام النفسي فهذه المسألة لا موقع لها؛ لأن الأمر والنهي وسائر أقسام الكلام ليس إلا العبارات اللفظية نحو ادرسْ ولا تتكاسلْ.
ثانيا: ترد صيغة افعل لستة وعشرين معنى وهي:
1- الوجوب، مثل: ( وأقيموا الصلاةَ ).
2- الندب، مثل: ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا )
3- الإباحة، مثل: ( كلوا من الطيّباتِ ).
4- التهديد، مثل: ( اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ).
5- الإرشاد، مثل: ( واستشهدوا شهيدينِ من رجالكم ) والفرق بينه وبين الندب أن المصلحة فيه دنيوية بخلاف الندب، ويترتب عليه أنه لا ثواب في الإرشاد فإن قصد الشخص بالاستشهاد مثلا الامتثال والانقياد إلى الله تعالى أثيب عليه لكن لأمر خارج، وكذا إن قصد الثواب ومصلحة دنيوية كحفظ ماله من الضياع فإنه يثاب عليه لكن ثوابه فيه دون ما قبله.
6- إرادة الامتثال، كقولك لصاحبك وأنت عطشان: اسقني ماءً، فإنه لا غرض للآمر هنا إلا إرادة الامتثال.
7- الإذن بالفعل، كقولك لمن يطرق الباب: ادخلْ، وهذا يكون في غير الشارع كي يتميز عن الإباحة لأنها حكم شرعي، وبعضهم أدرج هذا في الإباحة.
8- التأديب، مثل: قوله صلى الله عليه وسلم للغلام: ( كلْ مما يليكَ ) رواه الشيخان، وهو غير مكلف فيحمل على التأديب أي تهذيب الأخلاق وإصلاح العادات.
9- الإنذار، مثل: ( قلْ تمتّعوا فإن مصيركم إلى النار ) فليس القصد إباحة التمتع للكفار بل القصد تخويفهم، والفرق بينه وبين التهديد ذكر الوعيد - كالنار- بخلاف التهديد، وبعضهم لم يفرق بينهما وجعل الإنذار من التهديد، وهو الأظهر.
10- الامتنان، مثل: ( وكلوا مما رزقكم اللهُ ) والفرق بينه وبين الإباحة أنه في الامتنان يذكر ما يحتاج إليه الخلق كالرزق في الآية فإنه به قوام حياتهم ولا غنى لهم عنه.
11- الإكرام، مثل: ( ادخلوها بسلام آمنين ) فالسلام والأمن المذكوران في الآية قرينة على أن القصد بالأمر هو الإكرام.
12- التسخير، أي الذلة والامتهان والانتقال من حالة حسنة إلى حالة ممتهنة مثل: ( كونوا قردةً خاسئينَ ).
13- التكوين، أي الإيجاد من عدم بسرعة، مثل: ( كنْ فيكون ) والفرق بين التسخير والتكوين أن التكوين فيه سرعة الانتقال من عدم إلى وجود وليس فيه انتقال من حالة إلى حالة بخلاف التسخير.
14- التعجيز، أي إظهار العجز، مثل: ( فأتوا بسورةٍ من مثله ).
15- الإهانة، مثل: ( ذقْ إنكَ أنت العزيزُ الحكيمُ ).
16- التسوية، مثل: ( فاصبروا أو لا تصبروا ).
17- الدعاء، مثل: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ).
18- التمني، مثل: انجلِ أيها الليل الطويل.
19- الاحتقار، وهو عدم المبالاة، مثل: ( ألقوا ما أنتم ملقون ) والفرق بينه وبين الإهانة أن الإهانة تكون بقول أو فعل أو تركهما كعدم إجابته أو عدم القيام له، بخلاف الاحتقار فإنه يكون في القلب مع خلو الصيغة بما يشعر من إهانتهم فإن قوله ألقوا إنما يدل على عدم الاكتراث بشأنهم وقلة المبالاة.
20- الخبر، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ ) رواه البخاري، أي صنعتَ ما شئت.
21- الإنعام، أي تذكير النعمة،مثل: ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) والفرق بينه وبين الامتنان أن فيه ذكر لأعلى ما يحتاج إليه كطيبات الرزق، بخلاف الامتنان ففيه ذكر أدنى ما يحتاج إليه كالرزق في الآية السابقة، وبعضهم لم يفرق بينهما وهو أقرب.
22- التفويض، وهو رد الأمر إلى غيرك ويسمى التسليم، مثل: ( فاقض ما أنت قاضٍ ).
23- التعجيب، مثل: ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) والمقصود بانظر هو طلب التعجب من صنيعهم.
24- التكذيب، مثل: ( قل هلمّ شهدائكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ).
25- المشورة، مثل: ( فانظر ماذا ترى ).
26- الاعتبار، مثل: ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر ) .
ثالثا: ذهب الجمهور إلى أن الوجوب هو المعنى الحقيقي لصيغة افعل وبقية المعاني مجازية تحتاج لقرينة، وهل الوجوب مستفاد من الصيغة لغة أو شرعا أو عقلا ؟ أقوال: فقال بعضهم: إن الوجوب مستفاد من اللغة بدليل أن أهل اللغة يحكمون بالمخالفة على من قال له أبوه مثلا: افعل كذا، فلم يفعل، وقال بعضهم: إن الوجوب مستفاد من الشرع لأن استحقاق العقاب على العاصي إنما هو بحكم الشرع به، وقال بعضهم: إن الوجوب مستفاد من العقل بدليل أنها لو لم تكن للوجوب لكان معناها افعل إن شئت.
رابعا: الصواب أنه يجب اعتقاد الوجوب في صيغة افعل قبل البحث عن القرائن الصارفة، فإن ثبتت قرينة تغير الاعتقاد وإلا فلا.

( شرح النص )

مسألةٌ


الأَصحُّ أَنَّ صيغةَ افعَلْ مختصةٌ بالأمرِ النفسيِّ، وترِدُ للوجوبِ، وللندبِ، وللإباحةِ، وللتهديدِ، وللإرشادِ، ولإرادةِ الامتثالِ، وللإذنِ، وللتأديبِ، وللإنذارِ، وللامتنانِ، وللإكرامِ، وللتسخيرِ، وللتكوينِ، وللتعجيزِ، وللإهانةِ، وللتسويةِ، وللدعاءِ، وللتمني، وللاحتقارِ، وللخبرِ، وللإنعامِ، وللتفويضِ، وللتَّعَجيبِ، وللتكذيبِ، وللمشورةِ، وللاعتبارِ.
والأَصحُّ أنها حقيقةٌ في الوجوبِ لغةً على الأصحِّ، وأَنهُ يجبُ اعتقادُ الوجوبِ بها قبلَ البحثِ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
هذه ( مسألةٌ ) في صيغة افعل ( الأصحُّ ) على القول بإثبات الكلام النفسي ( أنَّ صيغةَ افعلْ ) والمراد بها فعل الأمر نحو: اكتب وصلّ، واسم فعل الامر نحو: صهْ، والفعل المضارع المقرون باللام نحو: لينفق ( مختصةٌ بالأمرِ النفسيِّ ) الذي هو طلب الفعل القائم بالنفس، ومعنى اختصاصها به بأن تدل عليه وضعا دون غيره من المعاني كالتهديد، وقيل لا تختص به فلا تدل عليه إلا بقرينة كصلّ لزوما، أو صمْ وإلا عاقبتك، أما المنكرون للنفسي فلا حقيقة للأمر وسائر أقسام الكلام عندهم إلا العبارات ( وتردُ ) صيغة افعل لستة وعشرين معنى على ما في الأصل، وإلا فقد أوصلها بعضهم لنيّفٍ وثلاثين معنى، ويتميز بعضها عن بعض بالقرائن ( للوجوبِ ) نحو: أقيموا الصلاةَ ( وللندبِ ) نحو: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ( وللإباحةِ ) نحو: كلوا من طيبات ما رزقناكم، إن أريد بالطيبات المستلذات، فإن أريد بها الحلال كان الأمر للوجوب ( وللتهديدِ ) نحو: اعملوا ما شئتم ( وللإرشادِ ) نحو: واستشهدوا شهيدين من رجالكم، والمصلحة فيه دنيوية بخلافها في الندب ( ولإرادةِ الامتثالِ ) كقولك لصاحبك عند العطش: اسقني ماء ( وللإذنِ ) كقولك لمن طرق الباب: ادخل، وبعضهم أدرج هذا في الإباحة (وللتأديبِ ) كقولك لغير مكلف: كل مما يليكَ، وبعضهم أدرج هذا في الندب، والأوّل- أي القائل بعدم إدراج الأدب في الندب- فرق بأن الأدب متعلق بمحاسن الأخلاق وإصلاح العادات، والندب بثواب الآخرة ( وللإنذارِ ) نحو: قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار، ويفارق التهديد بوجوب اقترانه بالوعيد كما في الآية فقد اقترنت بذكر المصير ( وللامتنانِ ) نحو: وكلوا مما رزقكم الله، ويفارق الإباحة باقترانه بذكر ما يحتاج إليه كالرزق فإنه يضطر الخلق إلى تحصيله ( وللإكرامِ ) نحو: ادخلوها بسلام آمنين ( وللتسخيرِ ) أي التذليل والامتهان نحو: كونوا قردة خاسئين ( وللتكوينِ ) أي الإيجاد عن العدم بسرعة نحو: كن فيكون ( وللتعجيزِ ) أي إظهار العجز نحو: فأتوا بسورة من مثله ( وللإهانةِ ) ويعبر عنها بالتهكم نحو: ذق إنك أنت العزيز الكريم (وللتسويةِ ) بين الفعل والترك نحو: فاصبروا أو لا تصبروا ( وللدعاءِ ) نحو: ربنا افتح بيننا وبين قومنا ( وللتمني ) نحو: انجلِ أيها الليل الطويل ( وللاحتقارِ ) نحو: ألقوا ما أنتم ملقون، إذ ما يلقونه من السحر وإن عظم محتقر بالنظر إلى معجزة موسى عليه الصلاة والسلام، وفرق بينه وبين الإهانة بأن محل الإهانة القلب ومحله الاحتقار الظاهر ( وللخبرِ ) كخبر إذا لَم تَستحِ فاصْنَعْ ما شئتَ. رواه البخاري، أي صنعت، ويمكن أن يكون هذا للتهديد، وبعضهم فرق بأن التهديد فيه قرينة نحو اعملوا ما شئتم لاقترانه بقوله: إنه بما تعملون بصير بخلاف هذا. اهـ حاشية العطار على الجمع ( وللإنعامِ ) بمعنى تذكير النعمة نحو: كلوا من طيبات ما رزقناكم ( وللتفويضِ ) وهو ردّ الأمر إلى غيرك ويسمى التحكيم والتسليم نحو: فاقض ما أنت قاض (وللتعجيبِ ) نحو: انظر كيف ضربوا لك الأمثال ( وللتكذيبِ ) نحو: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ( وللمشورةِ ) نحو: فانظر ماذا ترى ( وللاعتبارِ ) نحو: انظروا إلى ثمره إذا أثمر، قال العلامة العطار: وبالجملة فلا يخلو عد هذه المعاني من تسامح اهـ حاشية العطار ( والأصحُّ أنها ) أي صيغة افعل ( حقيقةٌ في الوجوبِ ) فقط مجاز في الباقي كما عليه الشافعي والجمهور، لأن الأئمة كانوا يستدلون بها مجردة عن القرائن على الوجوب، وقيل هي حقيقة للندب فقط، وقيل هي لطلب الفعل الشامل للوجوب والندب، وقيل غير ذلك، وعلى الأصح هي حقيقة في الوجوب ( لغةً على الأصحِّ ) وهو المنقول عن الشافعي وغيره، لأن أهل اللغة يحكمون باستحقاق مخالفِ أمر سيده مثلا للعقاب، وقيل شرعا لأنها لغة لمجرد الطلب وأما الجزم المحقق للوجوب بأن ترتب العقاب على الترك إنما يستفاد من أمره أو أمر من أوجب طاعته، وقيل عقلا لأن ما يفيده الأمر لغة من الطلب يتعين أن يكون هو الوجوب دون غيره لأن حمله على الندب يصير المعنى افعل إن شئت، وليس هذا القيد أعني إن شئت مذكورا في الكلام فهو خلاف الأصل، واعترض عليه بمثله في الحمل على الوجوب فإنه يصير المعنى افعل من غير تجويز ترك، وليس هذا القيد أعني من غير تجويز ترك مذكورا فهو خلاف الأصل أيضا ( و ) الأصح ( أنهُ يجبُ اعتقادُ الوجوبِ ) في المطلوب ( بها قبلَ البحثِ ) عما يصرفها عنه إن وجد الصارف، وقيل لا يجب.
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 07-06-17, 06:35 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الحادي والثلاثون- مباحث الكتاب

مسائل في الأمر


أولا: إذا ورد أمرٌ بفعل شيء ما بعد ورود نهي عن فعله فهل الأمر المذكور يفيد الوجوب أو الإباحة أو غيرهما ؟
الأصحّ أنه للإباحة وهذا قول أكثر العلماء لغلبة الاستعمال في ذلك؛ فإن المتتبع للأوامر التي وردت بعد نهي يجدها تفيد الإباحة، من ذلك قوله تعالى: ( وإذا حللتم فاصطادوا ) ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) بعد النهي عن البيع عند النداء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وكنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وادّخروا ما بدا لكم ) رواه مسلم.
وكذا يكون للإباحة بعد استئذان، كما لو قيل لك: هلْ أفعلُ لكَ كذا ؟ فقلتَ: افعلْ.
أما إذا ورد العكس أعني وردَ نهيٌ عن فعل شيء بعد ورود أمر بفعله فالأصح أنه للتحريم على ماهو الأصل في النهي، فلو قال السيد لغلامه: ادخلْ هذه الدارَ، ثم قال له: لا تدخلها، فإنه يعتبر للتحريم.
ثانيا: الأصحّ أن صيغة افعل لطلب الماهية فقط لا لتكرار ولا لمرة ولا لفور ولا لتراخ.
فإذا قيل لك: اكتبْ الدرسَ، فاكتب موضوعة في اللغة لطلب حقيقة الفعل فقط وهو الكتابة، فلم يطلب منك إلا أن توجد الكتابة ولم يتعرض لبيان فعلها مرات عديدة أو مرة واحدة فقط، وكذا لم يتعرض لبيان هل يجب الامتثال على الفور أو على التراخي.
واعلم أن صيغة افعل إن قيدت بتكرار أو بفور أو تراخ كانت بحسب ما قيدت به بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما إذا لم تقيد فتحمل على ماذا.
فإن قيل: يجب أن تكون صيغة افعل موضوعة لطلب المرة الواحدة لأنه لا يمكن أن تتحقق الماهية في الخارج بأقل من فعلها مرة واحدة.
قلنا: نعم إن المرة ضرورية لتحقق الماهية في الخارج ولكن دلالة صيغة افعل على المرة من جهة الالتزام لا أن المرة جزء من مدلولها الوضعي.
ثالثا: مَنْ امتثلَ الأمر فورا فقد برأت ذمته وعدّ ممتثلًا، وقيل لا يكون ممتثلا بناء على أن الأمر موضوع للتراخي وجوبا فمن بادر لم يمتثل، وليس بشيء.
رابعا: الأمر بشي مؤقت لا يستلزم الأمر بقضائه إذا لم يفعل في وقته، بل إنما يجب القضاء بأمر جديد، كالأمر في خبر الصحيحين: ( مَنْ نامَ عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ).
خامسا: الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به يستلزم الإجزاء أي الكفاية في سقوط الطلب.
سادسا: الأصح أن أمر المخاطَب بأن يأمر غيره بفعل ليس أمرًا لذلك الغير.
مثاله أمر الله للولي بأن يأمر ولده غير البالغ بالصلاة، فلا يكون أمرًا من الله للولد بالصلاة وإلا صار مكلفا.
سابعا: مَن أمرَ غيره بلفظ عام يتناول الآمِر كما يتناول غيره لا يدخل الآمر فيه لأنه يبعد أن يريد الآمر نفسه بأمره.
مثال: لو قال زيدٌ لغلامه: أَكرمْ مَن أحسنَ إليكَ، فقوله: مَن أحسن، لفظ عام يتناول زيدًا كما يتناول غيره، فهل يكون أمر زيدٍ هذا يتناوله هو أيضا في حالة لو أحسن هو لغلامه ؟ والجواب: الأصح لا لأنه يبعد أن يقصد الآمر نفسه.
ثامنا: الأصح أنه يجوز عقلا للمكلف بعبادة بدنية أن ينيب غيره بفعلها بدلا عنه.
وكلامنا هو من حيث الجواز العقلي إذ لا مانع منه عقلا، وأما في الشرع فلم تقع النيابة في العبادة إلا في الحج والعمرة وكذا في الصوم بعد الموت، وأما في العبادة المالية كالزكاة فيجوز ذلك اتفاقا.

( شرح النص )


وأَنَّها إنْ وردتْ بعدَ حظرٍ أَو استئذانٍ فللإباحةِ، وأَنَّ صيغةَ النَّهيِ بعدَ وجوبٍ للتَّحريمِ.
مسألةٌ

الأَصحُّ أَنَّها لطلبِ الماهيَّةِ، والمرَّةُ ضروريةٌ، وأَن المبادِرَ ممتَثِلٌ.
مسألةٌ

الأصحُّ أَنَّ الأمرَ لا يستلزِمُ القضاءَ بل يجبُ بأمرٍ جديدٍ، وأَنَّ الإتيانَ بالمأمورِ بهِ يستلزِمُ الإجزاءَ، وأَنَّ الأمرَ بالأمرِ بشيءٍ ليس أمرًا بهِ، وأَن الآمِرَ بلفظٍ يصلُحُ لهُ غيرُ داخلٍ فيهِ، ويجوزُ عندنا عقلًا النيابَةُ في العبادةِ البدَنِيَّةِ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
( و ) الأصحّ ( أَنَّها ) أي صيغة افعل ( إنْ وردتْ بعدَ حظرٍ ) نحو: وإذا حللتم فاصطادوا ( أَو ) بعد ( استئذانٍ ) كأن يقال لمن قالَ لكَ أَفعلُ لكَ كذا ؟ افعلْ ( فللإباحةِ ) الشرعية، وقيل للوجوب كما هو الحال في غير ذلك من الحالات، وقيل للوقف فلا نحكم بشيء ( و ) الأصح ( أَنَّ صيغةَ النَّهيِ ) أي لا تفعلْ الواردة ( بعدَ وجوبٍ للتَّحريمِ ) كما هو الحال في غير ذلك من الحالات، ويختلف هذا عما سبق في المسألة السابقة من القول بأن الأمر بعد النهي يفيد الإباحة وذلك لأن النهي لدفع المفسدة والأمر لتحصيل المصلحة، واعتناء الشارع بالأول أشد، وقيل للكراهة، وقيل للإباحة ( مسألةٌ الأَصحُّ أنَّها ) أي صيغة افعل ( لطلبِ الماهيَّةِ ) لا لتكرار ولا لمرة ولا لفور ولا لتراخ، وقيل للمرة، وقيل للتكرار، وقيل للفور، وقيل للتراخي ( والمرَّةُ ضروريةٌ ) إذ لا توجد الماهية بأقل منها، ولكن هذا لا يعني أنها وضعت للمرة بل يدل على أنها تستلزم المرة وفرق بين الأمرين ( و ) الأصح ( أَن المبادِرَ ) بالفعل ( ممتَثِلٌ ) وقيل لا يكون ممتثلا بناءً على أن الأمر للتراخي وجوبا، وردّ بأنه مخالف للإجماع ( مسألةٌ: الأَصحُّ أَنَّ الأمرَ ) بشيء مؤقت ( لا يستلزمُ القضاءَ ) له إذا لم يفعل في وقته ( بل ) إنما ( يجبُ ) القضاء ( بأمرٍ جديدٍ ) كالأمر في خبر الصحيحين: مَنْ نامَ عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، وقيل: الأمر يستلزم القضاء لإشعار الأمر بطلب استدراكه فإن القصد منه الفعل فحيث لم يفعل في وقته يطلب منه القضاء ( و ) الأصح ( أَنَّ الإتيانَ بالمأمورِ بهِ ) على الوجه الذي أمر به ( يستلزِمُ الإجزاءَ ) للمأتي به أي سقوط الطلب، وقيل لا يستلزم الإجزاءَ بناء على أن الإجزاء هو سقوط القضاء وقد يمتثل الشخص الأمر ولا يسقط القضاء عنه كمن صلى الظهر وهو يظن طهره ثم تبين له بعد الصلاة أنه محدث، وأجيب بأن من صلى على ظن طهارته فقد أتى بالمأمور به وسقط الطلب عنه فإذا تبين له بعد ذلك حدثه فقد توجّه له أمر آخر ( و ) الأصح ( أَنَّ الأمرَ ) للمخاطب ( بالأمرِ ) لغيره ( بشيءٍ ليس أمرًا ) لذلك الغير ( بهِ ) أي بالشيء كما في أمر الله الولي بأمر ولده بالصلاة لا يكون أمرًا من الله للصبي، نعم قد تقوم قرينة على أن ذلك الغير مأمور بذلك الشيء كما في خبر الصحيحين أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: مره فليراجعها. فيكون ابن عمر رضي الله عنهما مأمورًا منه صلى الله عليه وسلم بمراجعتها، وقيل هو أمر لذلك الغير ورد بأنه يلزم عليه تكليف الصبي ( و ) الأصح ( أَن الآمِرَ بلفظٍ يصلُحُ لهُ ) أي يصلح للآمر نفسه ( غيرُ داخلٍ فيه ) أي في ذلك اللفظ، فإذا قال السيد لغلامه: أَكرمْ مَن أحسنَ إليكَ، فأحسن السيد لغلامه، لا يكون أمرًا بالإحسان لنفسه، وقيل: يكون داخلا فيه ( ويجوزُ عندنا عقلًا النيابَةُ في العبادةِ البدَنِيَّةِ ) ومنعه المعتزلة، وكلامنا هو في الجواز العقلي إذْ لا مانع عقلا مِن أَن يأمر الله بالصلاة ويجيز لهم أن يأمروا غيرهم بفعلها نيابة عنهم، وأما في الشرع فلم تقع النيابة البدنية إلا في الحج والعمرة والصوم عن الميت، وأما في المالية فجائزة اتفاقا، فيجوز للمأمور بالزكاة أن يكلف غيره بأن يزكي عنه، فلو وجبت الزكاة على زيد فطلب من عمرو أن يزكي عنه من مال عمرو الخاص فزكى عنه صح وسقطت الزكاة عنه.
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 07-06-17, 06:36 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثاني والثلاثون- مباحث الكتاب

الأمر بالشيء نهي عن ضده- تكرر الأمر


أولا: الأمر بشيء ما هل هو نهي عن فعل ضده أو لا ؟
بداية ما هو المقصود بالضد هنا ؟
والجواب: تارة يراد بالضد هو ترك ذلك الفعل وهذا هو الضد العدمي، فضد الصلاة هو تركها، وضد الحج هو تركه. وتارة يراد بالضد كل فعل ينافي الأركان والشرائط المعتبرة فيه، فيكون للفعل الواحد أضداد كثيرة جدا وهذا هو الضد الوجودي، فمن أضداد الصلاة مثلا: المشي، والنوم، والأكل، والكلام، وغير ذلك.
فالأمر بالشيء نهي عن تركه قطعا. هذا هو الضد بالمعنى الأول.
وأما الضد بالمعنى الثاني فوقع الخلاف فيه بين العلماء والكلام فيه في مقامين:
1- الأمر النفسي- على القول به- وفيه أقوال:
أ- الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، فمثلا إذا أراد السيد أن يأمر غلامه بالكتابة فطلبه الكتابة هو عين طلبه الكف عن النوم والمشي ونحوهما، بمعنى أنهما حصلا بطلب واحد لا بطلبين، فطلب فعل الشيء هو نفسه طلب ترك أضداده.
ب- الأمر بالشيء ليس هو عين النهي عن ضده، إذْ أَن طلب هذا غير طلب الكف عن ذاك كما هو ظاهر، ولكنه يستلزمه فطلب الكتابة يستلزم الكف عن أضدادها.
ج- الأمر بالشيء لا هو عين النهي عن ضده ولا يستلزمه، لأنه قد لا يخطر بقلب الآمِر ضده أصلا فكيف يكون قاصدا للنهي عن ضده!.
2- الأمر اللفظي، كأن يقول السيد: اكتب، فهذا قطعا ليس هو عين لا تنم ولا تمش ونحوهما؛ فإن الأمر اللفظي غير النهي اللفظي ولكن قيل:
أ- هو يستلزمه، بمعنى أنه إذا قيل اكتب فكأنه قيل: لا تنم، لا تمش؛ لأنه لا تتحقق الكتابة بدون الكف عن النوم والمشي.
ب- هو لا يستلزمه، لأنه وإن توقف تحقق الكتابة على الكف عن أضدادها إلا أنها قد لا تخطر ببال الآمر.
واعلم أن القائل بهذا القول أعني عدم الاستلزام يسلم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن الضد تركه واجب لتحقيق الأمر الواجب ولكن يقول تسميته نهيا يقتضي أن الناهي قاصد لتوجيه النهي عن تلك الأشياء وكيف ينهى عن شيء وهو لم يخطر بباله.
ومثل ما قيل في الأمر يقال في النهي بقسميه النفسي واللفظي.
فقد قيل إن النهي عن شيء هو أمر بفعل ضده، كالنهي عن الزنا أمر بالزواج أو التعفف، وقيل هو يستلزمه، وقيل ليس نهيا عن ضده ولا يستلزمه؛ لأن تلك الأضداد قد لا تخطر ببال الناهي.
ثم إنه في الأمر بفعل شيء لا بد من ترك جميع الأضداد، أما في النهي عن فعل شيء فيكفي فعل واحد من الأضداد.
ثانيا: إذا ورد أمر بعد أمر- كأن قيل: اكتبْ الدرسَ اكتبْ الدرسَ- وجب أن ننظر فيما يلي:
1- هل ورد الأمران متعاقبينِ أي ورد أحدهما بعد الآخر مباشرة، أو غير متعاقبين، أي ورد أحدهما بعد الآخر بمهلة؟
2- هل كان الأمران بشيئين متماثلين، كتكرار الأمر بالصلاة مثلا، أو بشيئين متخالفين، كالأمر بالصلاة والأمر بالصدقة؟
3- هل ورد الثاني معطوفا على الأول نحو: صلّ ركعتين وصل ركعتين، أو لا نحو: صلّ ركعتين صلّ ركعتين.
4- هل هناك مانع من حمل المعنى على التكرار وتعدد الفعل والمانع قد يكون عقليا مثل: اقتلْ زيدًا اقتل زيدًا، فإن إزهاق الروح شيء واحد فإزهاقه ثانيا لا يمكن لأنه تحصيل للحاصل، وقد يكون شرعيا مثل: اعتقْ عبدَك اعتقْ عبدَك، فإن الاعتاق إذا حصل أول مرة لم يتأت حصوله مرة أخرى، وقد يكون عاديا مثل: اسقني ماءً اسقني ماءً، فإن العادة جرت باندفاع الحاجة وهي العطش بأول شربة فلا حاجة للتكرار، أو لا يكون هنالك مانع مثل: صلّ ركعتين صل ركعتين فأي مانع من أن يراد منه أن يصلي أربع ركعات.
فإذا تقرر هذا فإليك الأحكام:
1- إذا ورد الأمران غير متعاقبين فهما متغايران فيجب العمل بهما، سواء كانا متماثلين كأن يقال لك: صلّ ركعتين، وبعد مهلة يقال: صلّ ركعتين، فيجب أن تصلي أربع ركعات، أم كانا متخالفين مثل: صلّ ركعتين، تصدّق بدرهم، فيجب أن تصلي وتتصدق.
2- إذا ورد الأمران متعاقبين فهنا أحوال:
أ- أن يكونا متخالفين فهما متغايران فيجب العمل بهما، سواء كانا متعاطفين نحو: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، أو غير متعاطفين نحو: اضربْ زيدًا أعطه درهما.
ب- أن يكونا متماثلين ولم يمنع من التكرار مانع فهما متغايران أيضا فيجب العمل بهما، سواء كانا متعاطفين نحو: صلّ ركعين وصلّ ركعتين، فيلزمه أربع ركعات، أو غير متعاطفين نحو: صلّ ركعتين صلّ ركعتين.
ج- أن يكونا متماثلين ومنع مانع عادي من التكرار وكانا متعاطفين فيتوقف حينئذ فيهما، مثل: اسقني ماءً واسقني ماءً، فهنا مانع عادي من التكرار فالحمل على التوكيد - أي بأن يراد بالأمر الثاني تقوية الأمر الأول لا تحصيل الفعل مرتين- هو الظاهر، وهذا الظاهر عارضه أمر آخر وهو العطف فإن العطف يقتضي المغايرة فحينئذ يتوقف في الأمر فلا ندري أيراد بالأمر الثاني هو التوكيد أو التأسيس بأن يراد تحصيل الفعل مرتين.
د- أن يكونا متماثلين ومنع مانع عقلي أو شرعي، أو عادي ولم يعارضه عطف، فالأمر الثاني للتوكيد.
مثال المانع العقلي: اقتل زيدًا اقتل زيدًا بدون عطف أو مع عطف فالحكم واحد وهو أن الأمر الثاني للتوكيد لاستحالة الذهاب للتأسيس.
ومثال المانع الشرعي: اعتق عبدك اعتق عبدك بدون عطف أو مع عطف فالحكم واحد وهو أن الأمر الثاني للتوكيد لامتناع الذهاب للتأسيس.
ومثال المانع العادي الذي لم يعارضه عطف: اسقني ماءً اسقني ماءً، فالأمر الثاني يراد به التوكيد.

( شرح النص )

مسألةٌ

المختارُ أَنَّ الأمرَ النفسيَّ بمُعَيَّنٍ ليسَ نهيًا عن ضِدِّهِ ولا يستلزِمُهُ، وأَنَّ النهيَ كالأمرِ.
مسألةٌ

الأمرانِ إنْ لم يتعاقَبَا، أو تعاقَبَا بغيرِ متماثلينِ فغيرانِ، وكذا بمتماثلينِ ولا مانعَ مِنَ التَّكرارِ في الأَصحِّ، فإنْ كانَ مانعٌ عاديُّ وعارضَهُ عطفٌ فالوقفُ، وإلَّا فالثاني تأكيدٌ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
هذه ( مسألةٌ ) في أن الأمر بالشيء نهي عن ضده أو لا، القول ( المختارُ ) تبعا لإمام الحرمين والإمام الغزالي والنووي وغيرهم رحمهم الله ( أَنَّ الأمرَ النفسيَّ ) وهو طلب الفعل القائم في النفس ( بـ ) شيء ( مُعَيَّنٍ ) إيجابا أو ندبا ( ليسَ نهيًا عن ضِدِّهِ ولا يستلزِمُهُ ) لجواز أن لا يخطر الضد بالبال حال الأمر، سواء كان الضد واحدا كضد السكون وهو الحركة، أو متعددا كضد القيام وهو القعود والاضطجاع، فالأمر بالسكون مثلا ليس نهيا عن ضده وهو التحرك ولا يستلزمه على المختار أي أن طلب السكون ليس هو نفس الكف عن التحرك ولا مستلزما له، وقيل: نهي عن ضده، وقيل: يستلزمه، وخرج بالأمر النفسي الأمر اللفظي فليس هو عين النهي اللفظي قطعا بلا خلاف، ولا يستلزمه أيضا على الأصح، وقيل: يستلزمه ( و ) المختار ( أَنَّ النهيَ ) النفسي عن شيء معين تحريما أو كراهة ( كالأمرِ ) فيما ذكر فيه فالنهي عن فعل ليس أمرا بضده ولا يستلزمه، وقيل: عينه، وقيل: يستلزمه، والنهي اللفظي كالأمر اللفظي فليس هو عين الأمر اللفظي قطعا، ولا يستلزمه على الأصح، وقيل: يستلزمه، هذه ( مسألةٌ ) في تكرر الأمر ( الأمرانِ إنْ لم يتعاقَبَا ) بأن تأخر ورود الثاني عن الأول، سواء أكانا متماثلين كالأمر بالصلاة أو متخالفين كالأمر بالصلاة والزكاة ( أو تعاقَبَا ) لكن ( بغيرِ متماثلينِ ) أي بمتخالفين سواء أكانا متعاطفين كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، أو غير متعاطفين كاضربْ زيدًا أعطِه درهما ( فغيرانِ ) أي فالأمران غيران يجب العمل بهما ( وكذا ) إن تعاقبا ( بمتماثلينِ ولا مانعَ مِنَ التَّكرارِ ) من عقل أو شرع أو عادة، فهما غيران ( في الأَصحِّ ) من الأقوال سواء مع العطف نحو صلّ ركعتين وصل ركعتين أو بدونه كصل ركعتين صل ركعتين، وقيل: الأمر الثاني للتوكيد ( فإنْ كانَ ) ثَمَّ ( مانعٌ عاديُّ ) من التكرار ( وعارضَهُ عطفٌ ) مثل: اسقني ماء واسقني ماء ( فـ ) حكم الأمر الثاني هو ( الوقفُ ) عن التأسيس بأن يراد تكرار الفعل وعن التوكيد، لأن وجود المانع العادي يقتضي التوكيد، ووجود العطف يقتضي التأسيس فتعارضا فتوقف فيهما حيث لا مرجح فإن وجد مرجح فيصار إليه ( وإلَّا ) بأن كان ثَمّ مانع عقلي نحو اقتل زيدا اقتل زيدا أو شرعي نحو اعتق عبدك اعتق عبدك، أو كان ثَمَّ مانع عادي ولكن لم يعارضه عطف نحو اسقني ماء اسقني ماء ( فـ ) الأمر ( الثاني تأكيدٌ ) للأمر الأول.
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 07-06-17, 06:37 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثالث والثلاثون- مباحث الكتاب

النهي


أولا: حد النهي هو: اللفظ الدال على طلب كف عن فعل لا بلفظ كُفَّ ونحوه.
فدخل في الحد نهي التحريم ونهي الكراهة، وخرج بقوله: طلب كفّ عن فعل، طلب فعل غير كف نحو: أقيموا الصلاة.
وخرج بقوله: لا بلفظ كفّ ونحوه، نحو: كُفَّ عن المعصية، اتركْ شربَ الخمر، دعِ السرقةَ، ذروا ظاهرَ الإثمِ وباطنه، فإنها أوامر وليست بنهي كما سبق إيضاحه في الأمر.
ثانيا: النهي كالأمر لا يعتبر فيه علو ولا استعلاء على الأصح.
وإذا ورد نهي عن فعل شيء فهو نهي عنه دائما. هذا في النهي المطلق. أما المقيد فيلزم منه الدوام مدة القيد فقط، مثل: لا تسافر اليومَ.
ثالثا: ترد صيغة النهي لا تفعل لمعان منها:
1- التحريم، مثل: لا تقربوا الزنا.
2- الكراهة، مثل: ولا تيمموا الخبيث منه تنفقونَ، أي لا تعمدوا إلى الخبيث أي الرديء كالخبز اليابس الذي تعافه النفس فتتصدقوا به إذْ المطلوب أن يتصدق الإنسان بما يستحسنه لنفسه كما قال تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون.
3- الإرشاد، مثل نهيه صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الشراب. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، فالمقصود هو الإرشاد إلى ترك النفخ في الطعام مخافة أن يقع فيه شيء من ريقه فيتقذره الآكل منه.
والفرق بين الكراهة والإرشاد أن المفسدة المطلوب درؤها في الكراهة دينية وفي الإرشاد دنيوية.
4- الدعاء، مثل: ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعدَ إذْ هَدَيتَنا.
5- بيان العاقبة، مثل: ولا تحسبَنَّ الذين قُتِلوا في سبيلِ اللهِ أمواتًا، أي عاقبة الجهاد الحياة لا الموت.
6- التقليل، مثل: ولا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم، أي فهو قليل بخلاف ما عند الله.
7- الاحتقار، مثل: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم، أي فأنتم أحقر شأنا من أن يسمع لكم.
والفرق بين التقليل والاحتقار أن الأول متعلق بالمنهي عنه وهو في المثال مد العينين إلى متاع الدنيا، والثاني متعلق بالمنهي أي المخاطب بالنهي كالكفار في آية لا تعتذروا.
8- التأييس: مثل: لا تعتذروا اليومَ.
ثالثا: لا يشترط في النهي إرادة الطلب بأن يكون الطالب قد قصد بلفظه توجيه الطلب للشخص فقد قيل إذا لم يقصد الطلب لم يكن نهيا لأنه يستعمل في غير الطلب كبيان العاقبة، وأجيب بأن النهي متى ما خرج لغير الطلب عدّ مجازا، وتعريفنا المتقدم للنهي هو تعريف لحقيقة النهي لا لمجازه فلا حاجة لاعتبار قيد إرادة الطلب في حد النهي.
رابعا: ذهب الجمهور إلى أن التحريم هو المعنى الحقيقي لصيغة لا تفعل وبقية المعاني مجازية تحتاج لقرينة، وهل التحريم مستفاد من الصيغة لغة أو شرعا أو عقلا ؟ أقوال: فقال بعضهم: إن التحريم مستفاد من اللغة بدليل أن أهل اللغة يحكمون بالمخالفة على من قال له أبوه مثلا: لا تفعل كذا، ففعل، وقال بعضهم: إن النهي مستفاد من الشرع لأن استحقاق العقاب على العاصي إنما هو بحكم الشرع به، وقال بعضهم: إن النهي مستفاد من العقل بدليل أنها لو لم تكن للتحريم لكان معناها لا تفعل إن شئت.
خامسا: النهي قد يكون عن فعل شيء واحد نحو لا تنم عن واجبك وهو الغالب، وقد يكون عن أكثر من واحد.
وما نهي فيه عن أكثر من واحد قد يكون المنهي هو الجمع بينهما وهو الحرام المخيّر نحو لا تفعل هذا أو ذاك، فعليه ترك أحدهما فقط فلا مخالفة إلا بفعلهما فالمحرم فعل الجميع لا فعل أحدهما فقط.
وقد يكون المنهي هو التفريق بينهما بأن يفعل أحدهما فقط فالواجب فعلهما معا أو تركهما معا ولا يفرّق، ومثال هذا ما ورد في الصحيحين من النهي عن المشي بنعل واحدة، فالواجب إما لبسهما معا أو نزعهما معا.
وقد يكون المنهي هو الجميع فيحرم فعل الجميع نحو: لا تزنِ ولا تسرق، فكل منهما منهي عنه.

( شرح النص )

مسألةٌ

النَّهيُ: اقتضاءُ كفٍّ عن فعلٍ لا بنحوِ كُفَّ، وقضيتُهُ الدَّوامُ ما لم يُقَيَّدْ بغيرِهِ في الأصحِّ، وترِدُ صيغتُهُ للتَّحريمِ، وللكراهةِ، وللإرشادِ، وللدُّعاءِ، ولبيانِ العاقبةِ، وللتقليلِ، وللاحتقارِ، ولليأسِ، وفي الإرادةِ والتحريمِ ما في الأمرِ، وقد يكونُ عن واحدٍ، وعن متعدِّدٍ جَمعًا كالحرامِ المُخَيَّرِ، وفَرْقًا كالنَّعلينِ تُلبسانِ أَو تُنزعانِ ولا يُفَرِّقُ بينهما، وجميعًا كالزِّنا والسَّرِقَةِ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
لما فرغ من الأمر شرع في النهي فقال: ( مسألةٌ النَّهيُ ) النفسي ( اقتضاءُ ) أي طلب ( كفٍّ عن فعلٍ لا بنحوِ كُفَّ ) ودع واترك وذر فإنها أوامر، وأما النهي اللفظي فهو اللفظ الدال على طلب كف عن فعل لا بنحو كُفّ، ولا يشترط في النهي علو ولا استعلاء في الأصح كالأمر ( وقضيتُهُ الدَّوامُ ) أي لازم معناه وهو المنع الدوام على الكف ( ما لم يُقَيَّدْ بغيرِهِ ) أي بغير الدوام بأن يقيد بمدة كأن يقال: لا تسافر اليوم، فيكون قضيته حينئذ هو الكف عن السفر ذلك اليوم فقط ( في الأصحِّ ) وقيل قضيته الدوام مطلقا وتقييده بغير الداوم يصرفه عن قضيته الموضوع هو لها فيكون مجازًا، بخلافه على الأصح فإنه يكون حقيقة متى قيد بمدة ( وترِدُ صيغتُهُ ) أي النهي وهي لا تفعل ( للتَّحريمِ ) نحو: ولا تقربوا الزنا ( وللكراهةِ ) نحو: ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، والخبيث هنا هو الرديء لا الحرام ( وللإرشادِ ) كالنهي عن النفخ في الشراب ( وللدُّعاءِ ) نحو: ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعدَ إذْ هَدَيتَنا ( ولبيانِ العاقبةِ ) نحو: ولا تحسبَنَّ الذين قُتِلوا في سبيلِ اللهِ أمواتًا، أي عاقبة الجهاد الحياة لا الموت ( وللتقليلِ ) نحو: ولا تمدنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم، أي فهو قليل بخلاف ما عند الله ( وللاحتقارِ ) نحو: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم، أي فأنتم أحقر شأنا من أن يسمع لكم، والفرق بين التقليل والاحتقار أن الأول متعلق بالمنهي عنه، والثاني متعلق بالمنهي أي المخاطب بالنهي ( ولليأسِ ) أي إيقاع اليأس في نفوسهم ولو عبر بالإياس أو التأييس لكان أولى، نحو: لا تعتذروا اليومَ ( وفي الإرادةِ والتحريمِ ما في الأمرِ ) من الخلاف فقيل لا تدل صيغة لا تفعل على الطلب إلا إذا أريد بها الطلب، والأصح أن الصيغة تدل على الطلب بلا إرادة، وأنها حقيقة في التحريم لغة وقيل شرعا وقيل عقلا ( وقد يكونُ ) النهي ( عن ) شيء ( واحدٍ ) نحو: لا تزنِ ( وعن متعدِّدٍ جَمعًا كالحرامِ المُخَيَّرِ ) نحو: لا تفعل هذا أو ذاك، فعليه ترك أحدهما فقط فلا مخالفة إلا بفعلهما فالمحرم فعلهما لا فعل أحدهما فقط ( وفَرْقًا كالنَّعلينِ تُلبسانِ أَو تُنزعانِ ولا يُفَرِّقُ بينهما ) بلبس أو نزع إحداهما فقط فإنه منهي عنه أخذا من خبر الصحيحين: لايمشين أحدكم فى نعل واحدة لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا. فهما منهي عنهما لبسا أو نزعا من جهة التفريق بينهما فى ذلك ( وجميعًا كالزِّنا والسَّرِقَةِ ) فكل منهما منهي عنه فبالنظر اليهما معا يصدق أن النهي عن متعدد، وإن صدق بالنظر إلى كل واحد منهما أن النهي عن واحد.
رد مع اقتباس
  #39  
قديم 07-06-17, 06:37 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الرابع والثلاثون- مباحث الكتاب

اقتضاء النهي الفساد


أولا: النهي قد يكون مقيدا وقد يكون مطلقا، فالمقيّد هو الذي قيّد بما يدل على فساد أو صحة كأن يقال: لا تفعل كذا وإلا بطل عملك، أو لا تفعل كذا فإن فعلت أجزأك، فهذا حكمه معلوم وهو أنه ما دل على فساده الدليل فهو فاسد وما دل على صحته فهو صحيح، من ذلك النهي عن الطلاق في الحيض مع أمره صلى الله عليه وسلم ابن عمر بمراجعة زوجته لمّا طلقها وهي حائض. رواه الشيخان. فإن الأمر بمراجعتها دليل على انتفاء الفساد إذْ لو لم يصح لما احتيج إلى مراجعتها فيقع الطلاق في الحيض.
وأما النهي المطلق فهو الذي لم يقيّد بما يدل على فساد أو صحة.
ثانيا: النهي المطلق عن شيء إن رجع النهي فيه إلى عينه أو جزئه أو لازمه المساوي أو جهل مرجعه فهو مقتض للفساد، وإن رجع إلى أمر خارج عنه فهو غير مقتض للفساد. توضيحه:
إن الشيء إنما ينهى عنه لمفسدة فيه فتلك المفسدة هي علة النهي، فمعنى رجوع النهي إلى شيء كون ذلك الشيء هو علة وسبب النهي عنه أي أن مرجع النهي علته فإذا كانت علة النهي عن فعل شيء ما هي نفسه وعينه قيل إن النهي يرجع إلى عينه أو كانت علة النهي جزءًا من ذلك الفعل قيل إن النهي يرجع إلى جزئه أو كانت العلة هي لازمة لذلك الشيء قيل إن النهي يرجع إلى لازمه أو كانت العلة غير لازمة قيل إن النهي يرجع إلى أمر خارج.
وبعبارة مختصرة إن علة النهي إما أن تتعلق بذات الشيء أو بخارج عنه فما كان لذات الشيء يشمل العين والجزء وما كان لخارج عنه يشمل اللازم له وغير اللازم.
مثال ما رجع النهي فيه إلى عينه: الزنا فهو قبيح لذاته فنفس الزنا هو قبيح لم يشرع أصلا في أي حال من الأحوال.
ومثال ما رجع النهي فيه إلى جزئه: ما فقد فيه ركن أو شرط من شروطه كالصلاة بلا ركوع أو طهارة، ومثل: النهي عن بيع الملاقيح أي الأجنة في بطون الأمهات رواه البزار وفيه مقال. فهنا النهي لانعدام المبيع وهو ركن من أركان البيع.
ومثال ما رجع النهي فيه إلى أمر خارج لكنه لازم له: صوم العيدين فإن الصوم في أصله مشروع ولا يوجد خلل في أركان أو شروطه ولكن اقترن به في ذلك الزمان وصف هو الإعراض عن ضيافة الرحمن سبحانه هو علة النهي عنه، وهذا الوصف خارج عن حقيقة الصوم ولكنه لازم له فكلما وجد الصيام في العيدين وجد الإعراض، وكلما وجد الإعراض عن ضيافة الرحمن وجد الصوم في العيدين فهو لازم مساو لتحققه من الطرفين.
ومثال ما رجع النهي فيه لأمر خارج: البيع في وقت النداء فإن النهي فيه لمخافة تفويت الجمعة وهو أمر ليس بلازم لجواز العقد على بيع شيء وهو في طريقه إلى الجمعة ولا تفوته، وكذا لو كان النهي لأمر لازم ولكنه لازم أعم مثل النهي عن الصلاة في المكان المغصوب للغصب فكلما صلى في المكان المغصوب فقد تحقق الغصب وشغل حيز الغير ظلما ولكن هذا اللازم ليس مساويا بل هو أعم؛ لأن الغصب كما يتحقق بالصلاة في الأرض المغصوبة يتحقق بغير الصلاة كمن ينام ويجلس في أرض مغصوبة فليس كلما وجد الغصب وجدت الصلاة بل قد يتحقق الغصب مع الصلاة ومع غيرها فيكون لازما أعم فلا يقتضي فساد المنهي عنه أي تصح الصلاة في المكان المغصوب لأن النهي لم يتوجه للصلاة بل إلى الغصب بأي صورة كان، فظهر أن النهي لأمر خارج يشمل صورتين ما ليس بلازم أصلا وما كان لازما أعم.
فإن جهل مرجع النهي هل هو راجع إلى ذاته أو لخارج عنه غير لازم فيقتضي الفساد أيضا تغليبا لجانب الفساد على ما لا يقتضيه احتياطا مثل نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه رواه الشيخان أي أن يشتري شخص طعاما وقبل أن يقبضه إليه يعقد صفقة أخرى ويبيعه لشخص آخر فيحتمل أن النهي لأمر داخل فيه إن كان الركن هو المبيع المقبوض ويحتمل أن يعود إلى خارج عنه إن كان الركن هو ذات المبيع فيكون القبض وصفا خارجا عن ذات المنهي عنه فهنا حكموا بفساد البيع تغليبا لجانب الفساد.
ثالثا: لا فرق في اقتضاء النهي الفساد بين كون النهي عن الشيء نهي تحريم أو نهي كراهة؛ لأن كون الشيء مكروها لا إثم فيه إنْ فعلَ لا يمنع من فساد ما فعل وعدم الاعتداد به كالنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة فقد قيل إن النهي للتحريم وهو الأصح وقيل للكراهة وعلى القولين لا تصح الصلاة في تلك الأوقات.
رابعا: الفساد المذكور هو من حيث الشرع؛ إذْ لا يفهم ذلك إلا من حيث الشرع. وقيل: من حيث اللغة؛ لأن أهل اللغة يفهمون فساده من مجرد اللفظ. وقيل من حيث العقل؛ لأن الشيء إنما ينهي عنه بسبب ما اشتمل عليه مما يقتضي فساده لو وقع.
خامسا: ما نفي القبول فيه عن شيء فقيل: دليل على صحته لو وقع؛ لأن الظاهر أن المقصود هو نفي الثواب دون الاعتداد. وقيل: دليل على فساده؛ لأن نفي قبوله يدل على عدم الاعتداد به.
مثال الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: مَن أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة. رواه مسلم. والظاهر أن نفي القبول في هذا الحديث ونحوه لنفي الثواب لا لنفي الاعتداد به.
ومثال الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. متفق عليه.
والظاهر هو عدم الترجيح لأن نفي القبول ورد تارة بالمعنى الاول وورد تارة بالمعنى الثاني.
أما إذا نفي الإجزاء عن فعل فحكمه حكم نفي القبول فيما تقدم من الخلاف وقيل بل هو أولى بالفساد لتبادر عدم الاعتداد بالفعل الذي حكم بأنه غير مجزئ.
مثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بأمّ القرآن. رواه الدارقطني وابن خزيمة وابن حبان وصححه ابن قَطَّان.

( شرح النص )


والأصحُّ أَنَّ مطلقَ النهيِ ولو تنزيهًا للفسادِ شرعًا في المنهيّ عنه إنْ رجعَ النهيُ إليهِ أو إلى جزئِه أو لازمِه أو جُهِلَ مَرْجِعُهُ.
أمَّا نفيُ القبولِ فقيلَ: دليلُ الصحةِ، وقيلَ: الفسادِ، ومثلُهُ نفيُ الإجزاءِ، وقيلَ أولى بالفسادِ.
......................... ......................... ......................... ......................... ...
( والأصحُّ أَنَّ مطلقَ النهيِ ) احتراز عن النهي المقيد بما يدل على فساد المنهي عنه أو صحته فإن حكمه معلوم ( ولو تنزيها ) أي كان النهي للكراهة وليس للتحريم ( للفسادِ ) أي مقتض لعدم الاعتداد في المنهي عنه ( شرعًا ) أي يفهم ذلك من الشرع، وقيل لغة لفهم أهلها ذلك من مجرد اللفظ، وقيل عقلا وهو أن الشيء إنما ينهى عنه إذا اشتمل على ما يقتضي فساده ( في المنهيّ عنهُ ) مطلقا من عبادة أو معاملة ( إنْ رجعَ النهيُ إليهِ ) أي إلى عين المنهي عنه كالنهي عن الزنا ( أو إلى جزئِهِ ) كالنهي عن بيع الملاقيح أي الأجنة في بطون الأمهات لانعدام المبيع وهو ركن في البيع ( أو ) إلى ( لازمِهِ ) كالنهي عن صوم العيدين للاعراض عن ضيافة الرحمن، واعلم أن المقصود باللازم في هذا الموضوع هو اللازم المساوي الذي يتحقق من الطرفين كاللزوم بين الشمس والنهار، أما اللازم الأعم كلزوم الزوجية للأربعة وغيرها فهو مندرج في ما كان النهي فيه إلى أمر خارج فتنبه ( أو جُهِلَ مَرْجِعُهُ ) فلم يدر أهو يعود إلى داخل فيه فيقتضي الفساد أو خارج عنه فلا يقتضي الفساد وذلك من باب الاحتياط لأن الأصل في النهي هو الفساد ولا يخرج عنه إلا لدليل بأن كان النهي غير لازم له أصلا كالنهي عن البيع بعد النداء أو هو لازم أعم كالنهي عن الصلاة المغصوبة، مثال ما جهل مرجعه النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فيحتمل أن النهي لأمر داخل فيه إن كان الركن هو المبيع المقبوض ويحتمل أن يعود إلى خارج عنه إن كان الركن هو ذات المبيع فيكون القبض وصفا خارجا عن ذات المنهي عنه فنحكم عليه بالفساد ( أمَّا نفيُ القبولِ ) عن شيء (فقيلَ دليلُ الصحةِ ) له لظهور النفي في عدم الثواب دون الاعتداد كما حمل عليه نحو خبر مسلم: مَن أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة. والظاهر أن نفي القبول في هذا الحديث ونحوه لنفي الثواب لا لنفي الاعتداد به ( وقيلَ ) دليل ( الفسادِ ) لظهور النفي في عدم الاعتداد ولأن القبول والصحة متلازمان فإذا نفي أحدهما نفي الآخر كما حمل عليه خبر الصحيحين: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، قال العلامة البرماوي: فهذان القولان متكافئان لا ترجيح لأحدهما على الآخر؛ لأن نفي القبول ورد تارة في الشرع بمعنى نفي الصحة، وأخرى بمعنى نفي القبول مع وجود الصحة. اهـ نقلا عن حاشية العطار ( ومثلُهُ ) أي نفي القبول ( نفيُ الإجزاءِ ) في أنه دليل الصحة أو الفساد قولان ( وقيلَ ) هو ( أولى بالفسادِ ) من نفي القبول لتبادر عدم الاعتداد منه إلى الذهن كخبر الدارقطني وابن خزيمة وابن حبان وصححه ابن قَطَّان: لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بأمّ القرآن.
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 07-06-17, 06:38 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الخامس والثلاثون- مباحث الكتاب

العام


أولا: حد العام هو: لفظ يستغرق الصالح له بلا حصر.
مثل قوله تعالى: قدْ أفلحَ المؤمنونَ، فالمؤمنونَ لفظ عام يشمل جميع أفراد المؤمنين.
قولنا: ( يستغرق الصالح له ) أي يتناول المعنى الذي يصلح له دفعة واحدة، بخلاف المطلق كالنكرة في سياق الإثبات نحو: أكرمْ رجلًا، فإنه لا يشمل جميع أفراد الرجال دفعة واحدة، بل على البدل أي أكرمْ هذا أو ذاك فلا يسمى عاما.
وقولنا: ( بلا حصر ) خرج به اسم العدد كعشرة نحو أكرم عشرة رجال فإنها تستغرق الأفراد العشرة ولكن مع حصر فشرط العام أن لا يكون اللفظ محصورا بمقدار معين.
ثانيا: هل يتناول العام الصورة النادرة وغير المقصودة أَوْ لا ؟ الأصح أنه يتناولهما.
مثال الصورة النادرة: ما ورد في حديث أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن القَطَّان: لا سَبَقَ إلا في خُفٍّ أَو حَافِرٍ أو نَصْلٍ. أي لا مسابقة بمال إلا فيما ذكر من الحيوانات ذوات الأخفاف كالإبل، أو ذوات الحافر كالخيل أو بالرمي بالسهام.
والفيل من ذوات الأخفاف فالصحيح دخوله في عموم ذوات الأخفاف وإن كان السباق فيه نادرًا فيصح السَبَقُ فيه.
ومثال الصورة غير المقصودة للمتكلم: ما لو وكّل زيد شخصا بشراء عبيد فلان وفيهم مَن يعتق على زيد لزوما من أقربائه كأولاده وأولاد أولاده ولم يعلم بكونهم عبيدا عند فلان فإذا اشتراه الوكيل فإنه يعتق على زيد وإن لم يقصده بالشراء.
ثالثا: العام كما يكون في الحقيقة كالمؤمنين في الآية السابقة يكون في المجاز أيضا نحو: جاءني الأسودُ الرماةُ.
رابعا: العموم من عوارض الألفاظ أي توصف به الألفاظ حقيقة فيقال هذا لفظ عام وهذا محل اتفاق ولكنهم اختلفوا هل توصف المعاني بالعموم أيضا فيقال هذا المعنى عام ؟
ذهب بعضهم إلى أن العموم يعرض للمعاني أيضا، وذهب بعضهم إلى أنه يعرض للألفاظ فقط ووصف المعاني به مجاز.
كالإنسان فكما يقال لفظ الإنسان عام يتناول جميع أفراده كزيد وعمرو وهند، هل يقال معناه وهو الحيوان الناطق عام ؟
خامسا: إذا وقع العام في جملة محكوما عليه بحكم ما فإن الحكم يتعلق بكل فرد من أفراده على وجه المطابقة.
مثال: جاءَ المؤمنونَ، فهنا اللفظ العام المؤمنونَ وقع في الجملة محكوما عليه بالمجيء فيتعلق الحكم بكل أفراده مطابقة أي تكون عندنا قضايا كثيرة بعدد الأفراد أي جاءَ زيدٌ، وجاءَ عمرٌو، وجاءَ بكرٌ.. فقولنا: جاءَ المؤمنونَ، قضيةٌ كلية موجبة.
مثال: لنْ يفلحَ الكفّارُ، أي لن يفلح هذا الكافر، ولن يفلح ذاك الكافر.. فقولنا: لن يفلح الكفّارُ، قضية كلية سالبة.
سادسا: دلالة العام على أصل معناه دلالة قطعية وعلى كل فرد ظنيّة.
أي أن اللفظ العام كالرجال مثلا يدل على كل فرد من أفراد الرجال دلالة ظنية؛ لاحتمال أن يكون قد خصص بمخصص وإن لم يظهر لنا لكثرة التخصيص في العام. أما دلالته على أصل معناه أي على أقل الجمع وهو ثلاثة أفراد فهو دلالة قطعية.
فإذا قيل: أكرمْ رجال القرية، فشمول الحكم لجميع الأفراد هو الظاهر المعمول به لكن تبقى دلالته على إكرام الجميع ظنية لاحتمال وجود مخصص للمتكلم استثنى فيه المتكلم زيدًا مثلا من الإكرام. ولكن التخصيص لا يمكن أن ينتهي إلى حد لا يستوعب ثلاثة من الرجال وإلا كان نسخا لا تخصيصا.
وذهب الحنفية إلى أن دلالته على كل فرد قطعية كدلالته على أصل معناه.
ومن المتفق عليه أنه إذا قام دليل على انتفاء التخصيص في قضية ما فالدلالة قطعية، كدلالة العقل والنقل على انتفاء التخصيص في قوله تعالى: ( والله بكل شيء عليم ).
سابعا: عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والأمكنة.
أي أن ثبوت الحكم في العام على كل شخص- كما سبق- يستلزم أن يكون الحكم على أية حال وفي أي مكان أو زمان، فقوله تعالى: ( ولا تقربوا الزنا ) يعني لا يقربه أي أحد في أي وقت وفي أي زمان وعلى أية حال.

( شرح النص )


العَامُّ

لفظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لهُ بِلا حَصْرٍ، والأصحُّ دخولُ النَّادِرَةِ وغيرِ المقصودةِ فيهِ، وأَنَّهُ قدْ يكونُ مجازًا، وأَنَّهُ مِن عوارضِ الألفاظِ فَقَطْ، ويقالُ للمعنى: أَعمُّ، ولِلَّفظِ: عامٌّ، ومَدلولهُ كُليّةٌ أي محكومٌ فيه على كلِّ فردٍ مطابقةً إثباتًا أو سلبًا، ودلالتُهُ على أصلِ المعنى قطعيَّةٌ، وعلى كلِّ فردٍ ظَنِّيَّةٌ في الأصحِّ، وعمومُ الأشخاصِ يستلزمُ عمومَ الأحوالِ والأزمنةِ والأمكنةِ على المختارِ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
لا زال الكلام في مباحث الأقوال وقد فرغ من الأمر والنهي وشرع في العام فقال: ( العَامُّ ) أي هذا مبحث العام، وهو ( لفظٌ يَسْتَغْرِقُ ) المعنى ( الصَّالِحَ لهُ ) معنى استغراق اللفظ هو تناوله لمعناه الموضوع له دفعة واحدة فتخرج النكرة في الإثبات نحو: أكرمْ رجلا، فإنه لا يشمل كل رجل دفعة بل المقصود أكرم رجلا على البدل أي هذا أو ذاك ( بِلا حَصْرٍ ) يخرج اسم العدد نحو: أكرم عشرة رجال، فإنها تستغرق الأفراد العشرة ولكن مع حصر ( والأصحُّ دخولُ ) الصورة ( النَّادِرَةِ وغيرِ المقصودةِ ) للمتكلم ( فيهِ ) أي في العام فيشملهما حكمه نظرًا لعموم اللفظ، وقيل: لا يدخلان فيه نظرًا للمقصود عادة في مثل ذلك فإنه لم تجر العادة بقصد الصورة النادرة، مثال الصورة النادرة : حديث: لا سبَق إلا في خُف أو حافر أو نصل، فيدخل السبق على الفيل لأنه من ذوي الخف وإن كانت المسابقة فيه نادرة، ومثال الصورة غير المقصودة للمتكلم: ما لو وكّل زيد شخصا بشراء عبيد فلان وفيهم مَن يعتق على زيد ولم يعلم به فإذا اشتراه الوكيل فإنه يعتق على زيد وإن لم يقصده بالشراء ( و ) الأصح ( أَنَّهُ ) أي العام ( قدْ يكونُ مجازًا ) بأن يستعمل اللفظ العام في المعنى المجازي نحو: جاءني الأسودُ الرماةُ، وقيل: لا يكون العام مجازًا إلا بقرينة كما لو قيل: جاءني الأسود الرماة إلا زيدًا، فإن الاستثناء دليل على إرادة العموم ( و ) الأصح ( أَنَّهُ ) أي العموم ( مِن عوارضِ الألفاظِ فَقَطْ ) أي دون المعاني، وقيل: من عوارض الألفاظ والمعاني معا ( ويقالُ ) اصطلاحا ( للمعنى: أَعمُّ ) وأخص ( ولِلَّفظِ: عامٌّ ) وخاص، وهذا اصطلاح أصولي فرقوا فيه بين اللفظ فخصوه بالعام والمعنى فخصوه بأفعل التفضيل فقالوا أعم فيقال للفظ المؤمنين عام ولمعناه أعم، فإن قيل فيلزم على هذا أن يكون المعنى يوصف بالعموم وقد صحح المصنف أن العموم من عوارض الألفاظ؟ قلنا إن المراد بالعموم هنا هو الشمول لمتعدد ولا شك أن المعنى الكلي يصدق على متعدد، بخلافه عند قولهم إن العموم من عوارض الألفاظ فالمراد به العموم الاصطلاحي فتأمل ( ومَدلولهُ ) أي العام إذا وقع في التركيب من حيث الحكم عليه ( كُليّةٌ أي محكومٌ فيه على كلِّ فردٍ مطابقةً إثباتًا أو سلبًا ) فقولنا: جاءَ أولادي، في قوة قولنا: جاءَ زيد وعمرو وسعيد، وقولنا: لم يجئ أولادي، في قوة قولنا: لم يجئ زيد ولا عمرو ولا سعيد، وفي ذلك رد على قول العلامة القرافي إن دلالة العام على كل فرد فرد من أفراده خارجة عن الدلالات الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام؛ لأنها مندرجة في دلالة المطابقة ( ودلالتُهُ ) أي العام ( على أصلِ المعنى ) أي أصل معنى اللفظ بدون عموم فقولنا: أكرم العالم، إذا أريد بأل فيه الاستغراق كان المعنى أكرم كل عالم، فأصل المعنى هو العالم الواحد، وقولنا: أكرم العلماء، أصل المعنى هو أقل الجمع وهو ثلاثة ( قطعيَّةٌ ) اتفاقا ( و ) دلالته ( على كلِّ فردٍ ) منه بخصوصه ( ظَنِّيَّةٌ في الأصحِّ ) لاحتماله التخصيص وإن لم يظهر مخصص لكثرة التخصيص في العمومات، وقيل: قطعية فيشمل كل فرد قطعا حتى يظهر خلافه من مخصص للعام ( وعمومُ الأشخاصِ يستلزمُ عمومَ الأحوالِ والأزمنةِ والأمكنةِ على المختارِ ) أي أن عموم العام لجميع أفراده يدل بالإلتزام لا بالمطابقة على عموم الأحوال والأزمنة والأمكنة لأنه لا غنى للأشخاص عنها فقوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، أي على أي حال من طول أو قصر وبياض أو سواد وغير ذلك من الأحوال وفي أي زمان كان وفي أي مكان كان، وخصّ منه المحصن فيرجم أي خرج المحصن من عموم الأحوال لكل زان، وقيل: إن العموم هو في الأفراد فقط ويكون مطلقا في الأحوال والأزمنة والأمكنة لانتفاء صيغة العموم فيها، فقوله تعالى في الآية السابقة يعم كل زانية وزان لكن لا يعم الأحوال حتى يجلد في حال الإحصان وعدمه ولا يعم الأمكنة حتى يعم الزنا في كل بقاع الأرض ولا الأزمنة حتى يعم جميع الأيام، فالدليل المبين لخروج المحصن مخصص للعام على القول الأول، مبين للمطلق على القول الثاني فإن الزاني مطلق من حيث الإحصان وعدمه فإذا دل دليل على خروج المحصن حمل الزاني في الآية على غير المحصن فلا يوجد تخصيص من أصله.
رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:04 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.