ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين
القسم الانجليزي التقويم .

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  #21  
قديم 27-07-03, 08:05 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 881
افتراضي

المحدِّث العلاّمة الشيخ/ أحمد محمّد شاكر:



كناه والده شمس الأئمة أبا الأشبال، ولد سنة (1892 م)، ولما عيّن والده قاضيا للقضاة في السودان سنة (1900م) رحل بولده معه هناك وألحقه بكلية "غوردن" - وهي كلية أسسها الإنجليز سنة ( 1903م) في الخرطوم، وسميت باسم الضابط الإنجليزي "تشارلز غوردن" الذي يعرف باسم "غوردن باشا"، وكان قد قُتل في السودان لما استولى المهدي السوداني على الخرطوم سنة (1885م) - فبقي أحمد شاكر تلميذاً بها حتى عاد أبوه من السودان، وتولى مشيخة علماء الإسكندرية سنة (1904) فألحق ولده أحمد من يومئذ بمعهد الإسكندرية الذي يتولاه، وكان لوالده أكبر الأثر في تربيته، فقد قرأ له ولإخوانه تفسير "البغوي" وتفسير "النسفي"، وقرأ لهم صحيح مسلم وسنن "الترمذي" والشمائل له وبعض صحيح البخاري، وقرأ لهم في أصول الفقه جمع الجوامع "للسّبكي" وشرح "الأسنوي" على المنهاج "للبيضاوي" وقرأ لهم في المنطق شرح "الخبيصي" على القطبيّة، وقرأ لهم في الفقه الحنفي كتاب الهداية "للمرغيناني"، وحين انتقل والده إلى القاهرة سنة 1909م التحق أحمد شاكر بالأزهر، وهناك بدأ الطلب على يد مشايخ الأزهر وعلماء القاهرة، وفي سنة 1917م حاز أحمد شاكر على الشهادة العالمية من الأزهر وعُيِّنَ في بعض الوظائف، ثم أصبح قاضيا سنة 1951 ثم رئيساً للمحكمة الشرعية العليا وهي آخر وظائفه وقد كانت هذه الفترة هي فترة التقنين للتشريعات الجاهلية وتسويغها عن طريق أزلامها في الصحافة والمنتديات، فكان خلال ذلك كله يكتب المقالات والرسائل التي تهاجم هذه الرِّدة الجديدة، وقد جمعت هذه الأبحاث في كتابين له هما: ( كلمة حق) و (حكم الجاهلية).

وكان اهتمامه بالسُّنة عظيماً حيث بدأ في تحقيق كتبها والعناية بها، فحقق كتاب الإمام العظيم / محمد بن إدريس الشافعي في أصول الفقه المسمى بـ " الرسالة" وقدم له مقدمة ضافية، ونشر كتاب (جماع العلم) وهو في الأصول كذلك، وكتاب ( الخراج) ليحيى بن آدم القرشي، وخرَّج أحاديثه، واعتنى بشرح "الطحاوية لابن أبي العزِّ الحنفي"، ونشر مجلدين من سنن "الترمذي" والمجلد الأول من صحيح "ابن حبان"، والمحلى/ لابن حزم والإحكام في أصول الإحكام له، وفي سنة 1946 م شرع الشيخ - رحمه الله- في تحقيق مسند الإمام "أحمد بن حنبل" والذي لم يتم منه إلا ثلثه حيث وافته المنية قبل الإنتهاء منه، وشارك أخاه محموداً في تحقيق تفسير "الطبري" الذي لم يتم واختصر تفسير "ابن كثير" بروح نقدية عالية سمَّاه "عمدة التفسير"… والشيخ/ محمود شاكر يعتبر أن كتاب (الطلاق في الإسلام) الذي كتبه أخوه/ محمد شاكر، هو من أفضل كتبه لما تحلى به من روح الإجتهاد وقوة الملكة الفقهية، وما زال الشيخ / أحمد شاكر يعتبر إماماً في الحديث، وتزداد مرتبة التقدير له من المهتمين بالسُّنَّة يوما بعد يوم.

وكان لأحمد شاكر - رحمه الله تعالى- جهود في نشر كتب اللغة والأدب حيث نشر كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة و " لباب الآداب" لأسامة بن منقذ و " المعرَّب" للجواليقي، و " إصلاح المنطق" لابن السُّكيت و " الأصمعيات" و " والمفضلّيّات"، وكان يستعين في تحقيق كتب الأدب بأخيه محمود، وهذه الكتب الأخيرة شاركه فيها ابن خاله عبد السلام هارون. وفي يوم السبت 14/6/1958م أتته منيته ومضى لسبيله - رحمه الله تعالى- وأسبغ عليه رحمته ورضوانه-.

وللشيخ شقيق آخر اسمه علي كان قاضياً شرعياً.



عودة إلى الشيخ محمود شاكر:



ولد سنة 1909 م وتلقّى أول تعليمه في مدرسة الوالدة / أم عباس في القاهرة سنة 1916م. وبعد ثورة 1919 . انتقل إلى مدرسة القربيّة بدرب الجماميز، ثم دخل المدرسة الخديوية الثانوية سنة 1921 م، ولنترك محمود شاكر يحدثنا عن هذا النظام المدرسي المسمى بـ ( الأكاديمي) وكيف كانت نظرته له وما هي مشاعره عندما انتظم طالباً في هذه المدارس.



مدارس ( دنلوب) وجرائمها في حق النشء تعليماً وتربية:



يقول -رحمه الله تعالى-: فمنذ بدأت أعقل بعض هذه الدنيا، وأرى سوادها وبياضها بعين باصرة شغلتني الكلمة وتعلق قلبي بها، لأني أدركت أول ما أدركت أن ( الكلمة) هي وحدها التي تنقل إلى الأشياء التي أراها بعيني وتنقل إلي أيضاً بعض علائقها التي تربط بينها، والتي لا أطيق أن أراها بعيني.. ثم قذف بي أبي - رحمه الله- إلى المدرسة.

فلا أزال أذكر أول ساعة دخلتها، ولا أزال أذكر ذلك الرّعب الذي فض نفسي وهالني، حين صك سمعي ذلك الصوت المبهم البغيض إليّ منذ ذلك الحين، صوت الجرس! صوت مصلصل مؤذي، جاف، أبكم، أعجم لا معنى له، وإذا هو غل يطوقني ويشلّ إرادتي، رنين منكر سري بالفزع في نفسي، وردد الوجيب الوخاز في قلبي، كدت أكره المدرسة من يومئذ من جرّاء هذا الجرس الأعجمي الخبيث... هكذا أخذني أول البلاء، ثم زاد وربا حين ساقونا إلى الفصول كالقطيع صفوفاً، ولكن لم يلبث فزعي أن تبدد بعد أن دخلنا الفصل، واستقر بنا الجلوس، ثم بدأ الدرس الأول على الرِّيق، وهو درس اللغة الإنجليزية! ونسيت كلّ ما نالني حين سمعت هذه الحروف الغربية النطق التي لم آلفها، وفتنتني وغلبني الاهتمام بها، وجعلت أسارع في ترديدها وحفظها. اغتالت هذه الحروف الجديدة وكلماتها كلّ همّتي، اغتالتها بالفرح المشوب بطيش الطفولة، وكان حبُّ الجديد الذي لم آلفه قد بزّ حسن الانتباه إلى القديم الذي ألفته منذ ولدت، فقلَّ انتباهي إلى لغتي العربية، قصر انتباهي إليها، بل لعلي استثقلتها يومئذ وكدت أنفر منها، وكذلك صرت في العربية ضعيفاً جداً، لا أكاد اجتاز امتحانها إلا على عسر، وعلى شفى، وهكذا أنفذَ ( دنلوب) ا للعين أول سهامه في قلبي من حيث لا أشعر، ودرجت على ذلك أربع سنوات في التعليم الإبتدائي، ولبلاء يطغى علي عاما بعد عام، ولكن كان من رحمة الله بي أن أدركتني ثورة مصر في سنة 1919 م وأنا يومئذ في السنة الثالثة، فلما كانت السنة الرابعة سقطت في امتحان - الشهادة الإبتدائية -... وصنع الله حيث سقطت، وأحسن بي إذ ملأ قلبي مللاً من الدروس المعادة، واتسع الوقت فصرت حراً أذهب حيث يذهب الكبار إلى الأزهر، حيث أسمع خطب الثوار، وأدخل "رواق السنارية" وغيره بلا حرج، وفي هذا الرواق سمعت أول ما سمعت مطارحة الشعر، وأنا لا أدري ما الشعر إلا قليلاً، وكتب الله لي الخير على يد أحد أبناء خالي ممن كان يومئذ مشتغلاً بالأدب والشعر، فأراد يوما أن يتخذني وسيلة إلى شيء يريده من عمته، التي هي أمي - رحمها الله-، فأبيت إلا أن يعطيني هذا الديوان الذي سمعتهم يقرؤون شعره ويتناشدونه، وقد كان، فأعطاني ديوان المتنبي بشرح الشيخ "اليازجي"، وكان مشكولاً مضبوطاً جيد الورق، فلم أكد أظفر به حتى جعلته وردي، في ليلي ونهاري، حتى حفظته يومئذ، وكأن عيناً دفينة في أعماق نفسي قد تفجرت من تحت أطباق الجمود الجاثم، وطفقت أنغام الشعر العربي تتردد في جوانحي، وكأني لم أ جهلها قط، وعادت الكلمة العربية إلى مكانها في نفسي.

وما قاله الشيخ هو تصوير لواقع التعليم في بلادنا المنكوبة بسياسة زنادقة همهم نزع مقومات وجودنا، وخصائص هويتنا، حتى ينشأ جيل مبتورٌ عن تاريخه ودينه، وإن أقصر الطرق لهذه الجريمة البشعة هو حرف الناس عن العربية والتي هي وعاء هذا الوجود وحامية هذه الهوية، وبدونها لن يكون إحساس المسلم بدينه ولن يدرك تاريخه كما هو، وهذا هو واقع من اضطلع في آداب الغير وانتهج سبل علومهم في البحث والدراسة، رأيناه من أشد الناس نقمة على هذا الدين، وإذا بحث فيه فإنه يزوره ويكذب عليه ولا يخرج منه بالهداية التي هي معقد هذا الدين ولبه وحقيقته.

ثم بين الشيخ أن هذا الإحساس بالكلمة العربية لم يزحزح شيئاً من الكلمة الإنجليزية التي غرسها "دنلوب" اللعين في غضارة الفتى اللَّيِّن، ثم ازداد إحساسه في الرياضيات كمنافس جديد في نفسه، فآثره محمود شاكر على غيره، ولأجل ذلك التحق بالقسم العلمي ونال درجة البكالوريا سنة 1925م.



تتلمذ الشيخ على أئمة الأدب...



وفي أثناء ذلك اتصلت أسباب محمود شاكر بأسباب اثنين من كبار العلم بالأدب هما:- سيد بن علي المرصفي، ومصطفى صادق الرّافعي، والمرصفي إمام من أئمة العربية في زمانه، وحامل أمانتها، كان من جماعة كبار العلماء في الأزهر، وتولى تدريس العربية فيه إلى أن نالت منه الشيخوخة، وكسرت ساقه فاعتكف بمنزله بالقاهرة يدرِّس طلابه الذين كانوا يقصدونه إلى أن توفي (سنة 1931 م). وقد انتفع به الكثير من الأدباء والنقاد والمفكرين كأحمد حسن الزّيّات، وحسن السندوبي، وأحمد محمد شاكر وعلي الجارم، وعبد الرحمن البرقوقي وهو صاحب كتاب " رغبة الآمل في كتاب الكامل" و " أسرار الحماسة"، ففي سنة 1922 م اتصل محمود شاكر بالمرصفي، فحضر دروسه التي كان يلقيها بعد الظهر في جامع السلطان برقوق، ثم قرأ عليه في بيته "الكامل" للمبرد و"الحماسة" لأبي تمام وشيئا من "الأمالي" لأبي علي القالي، وبعض أشعار الهذليين.

أما الرافعي ( 1881-1937م) فهو من هو، وصفه شاكر بقوله: - "الرافعي" كاتب حبيب إلى القلب، تتنازعه إليه أسباب كثيرة من أخوّة في الله، ومن صداقة في الحبّ، ومن مذهب متفق في الروح، ومن نية معروفة في الفن، ومن إعجاب قائم بالبيان.." وقال عنه في رسالة وجهها إليه أنه: ملجأ يعتصم به المؤمنون حين تناوشهم ذئاب الزندقة الأدبية التي جعلت همها أن تلغ ولوغها في "البيان القرآني".. وقد قويت الصلة بينهما جداً حتى قال شاكر عن "الرافعي" بعد وفاته في مقدمة كتاب "حياة الرافعي" إنه صار: ميراثاً نتوارثه، وأدباً نتدارسه، وحناناً نأوي إليه.

وبعد انتهاء البكالوريا التحق شاكر بالجامعة كما تقدم في كلية الآداب- قسم اللغة العربية- وهناك كانت البداية في معركته التي عاشها إلى يوم وفاته، معركته ضد أعداء الأمة، وكانت ساحة هذه المعركة هي ساحة اللغة والثقافة والأدب، فإنه بعد أن اكتشف أمر أستاذه وسقطت هيبة الجامعة من نفس الفتى قرر تركها وراءه غير آسف، قد حاول أساتذة ثنيه، ولكن صلابة الفتى أبت إلا الفراق، فكان له.

وفي سنة 1928 م شدّ الرحال إلى الحجاز، وهناك أنشأ مدرسة (جدة) وعمل مديراً لها ولكن بعد سنتين عاد إلى القاهرة.

وخلال المدة (1929-1935م) كان شاكر يعيش في شبه عزلة أعاد خلالها قراءة التراث طلباً لليقين في قضايا كثيرة، وكانت قضية الشعر الجاهلي تستبد بمعظم اهتمامه فأجاز لنفسه أن يسمي هذه المرحلة من حياته بـ ( محنة الشعر الجاهلي)، وخلال هذه الفترة كان يكتب بعض المقالات في الصحف والمجلات، وقد وصف معاناته في تلك الأيام أنها كانت ( تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ويقوض كل قائم في نفسي وفي فطرتي).



تأليف كتاب "المتنبي"...



سنة 1935م انتدبته مجلة ( المقتطف - لصاحبها فؤاد صرّوف- إلى كتابه كلمة عن " المتنبي" في الذكرى الألف لوفاته، فلبّى شاكر الدعوة، وتم الإتفاق على أن تكون الكلمة ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة من صفحات المقتطف، وقد وصف هذه التجربة في المقدمة الجديدة لكتابه " المتنبي" وأفاض فيها.. كما ذكر أنه مزّق ما كتب عدة مرات لعدم اقتناعه بما كتب حتى استقر على اكتشاف في شخصية المتنبي.

وقد استخدم في كتابه هذا كلّ أدواته الإبداعية، ومارس قدرته النقديّة والبحثية في دراسة المتنبي بصورة لم يسبق إليها، وهو الفن الذي سماه بالتذوق، وانتهى إلى نتائج لم يقل بها أحد قبله منها:_

1 - القول بعلوية المتنبي وهي التي تم اكتشافها بعد ذلك من خلال المخطوطات التي ترجمت له.

2 - اكتشافه حبّ المتنبي لـ "خولـة" أخت سيف الدولة " الـحمدانـي".

وقد عمد شاكر إلى الدخول في النصوص الشعرية ودراستها دراسة تحليلية من داخلها للوصول إلى هذه النتائج، وهو الأمر الذي يخالف منهج الكثيرين في اعتماد الأخبار فقط لمعرفة نفسية الشخصية وما يحيط بها من ظروف.

وهذا الأمر هو الذي ميّز شاكر في اعتماده للمبدأ العلمي والذي سماه ( التذوق)، ويعني به فيما يعني الغوص في كلام القائل وتحليله للخروج بالنتائج المطلوبة.

وبكتابه هذا نشأت معركة جديدة بينه وبين الآخرين، خاصة بينه وبين طه حسين بعد سنتين من صدوره إذ أخرج هذا الأخير كتابا سماه " مع المتنبي" واندلعت هذه المعركة في مجلة البلاغ تحت عنوان ( بيني وبين طه) بيّن فيها شاكر ( عدم بصر) طه حسين بالشعر وبسطوه على بعض ما قاله شاكر في الشّك حول والد المتنبي سطواً فجاً قبيحاً.. وبلغت اثنتي عشرة مقالة حتّى جاءه نعي أستاذه وصديقه "مصطفى صادق الرافعي" (1937 م) ( فانهدم في نفسي كلّ ما كان قائماً، وذهب الدكتور "طه" وكتابه جميعاً من نفسي تحت الهدم فــ:-



ليت الحوادث باعتني الذي أخذت مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي



في سنة 1940 م شرع الشيخ شاكر في قراءة التراث وشرحه، فنشر كتاب " إمتاع الأسماع بما للرسول - صلى الله عليه وسلم- من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع" للمقريزي، و " المكافأة وحسن العقبى" لأحمد بن يوسف بن الداية الكاتب، وفي هذه السنة عهد صاحب " الرسالة" أحمد حسن الزيات إلى شاكر بتحرير باب " الأدب في أسبوع"، فأجاب إلى ذلك وكتب طائفة من التعقيبات والتعليقات.. وفي هذه الفترة ألف الشعر ومنه قصيدته " تحت الليل" التي قال فيها:-



أهيم وقلبي هـائمٌ وحشاشـتـي تهيمُ فهل يبقى الشّقـي المبعثــرُ؟

لئن أبقت الآمـال مني لطالـما تقلّبتُ في آلامِـــها أتـضــوّر

تنازعني من كلِّ وجـه سـاحـر يمثل لي إقبــالهــا ويصــور

فيهوى لها بعضي، وبعضي موثق بأشواقـه الأخـرى إلى حيث تنظر



ومن شعره كذلك:



ذكـرتـك بين ثنايـا السطـور وأضمـرت قـلبـي بيـن الألـم

ولسـتُ أبـوح بـما قد كتمت ولـو حـزَّ فـي نفسـي حدّ الألم

فـكـم كـتـم اللَّيل من سـرنا وفـي اللِّيلِ أسـرارُ مـن قد كتـم



القوس العذراء ...



وفي سنة 1952م نشر الشيخ/ محمود شاكر قصيدته الرائعة ( القوس العذراء) وهي قصيدة طويلة تبلغ مائتين وثمانين بيتاً استلهمها من قصيدة الشماخ- رضي الله عنه- التي مطلعها:



عفا نطن قوٍّ من سليمى فغالز فذات الغضا فالمشرفات النوافز



والشماخ هو ابن ضرار الغطفاني، شاعر فحل، صحابي، أدرك الجاهلية ثم أسلم، كان أعوراً، وعلى عوره كان وصّافاً، أجاد وصف الحمر الوحشية، غزا في فتوح عمر - رضي الله عنه، وشهد القادسية ثم غزا أذر بيجان مع سعيد بن العاص، فاستشهد في غزوة موقان سنة أربع وعشرين من الهجرة في عهد عثمان - رضي الله عنهما-

وفي زائيّته التي نسج الشيخ/ شاكر على منوالها، وصف الشماخ قصّة قوّاس صنع قوسا فأتقنها حتى كانت رميتها لا تخيب، ثّم اضطره فقره إلى بيعها، فأخذ الشيخ شاكر هذه القصة ونسج عليها رائعة من روائع الشعر المعاصر.. جعلها واسطة بينه وبين صديق له لم تبلو مودته وصداقته:



فدع الشماخ ينبئك عن قوَّاسها البائس من حيث أتاها

أين كانت في ضمير الغيب من غيلٍ نماها؟

كيف شقت عينه الحجب إليها فاجتباها؟

كيف ينغل إليها في حشا عيصٍ وقاها؟

كيف أنحا نحوها مبراته، حتى اختلاها؟

كيف قرت في يديه واطمأنت لفتاها؟

كيف يستودعها الشمس عامين تراه ويراها؟

وفي هذه القصيدة القصصية استودع شاكر نظرته للحياة، وبيّن فيها صراع العاطفة مع العقل، وكيف يهزم المال الحب؟، وكيف يتحطم المثال على صخرة الواقع.. وشاكر في هذه القصيدة كأنه يبرر لنفسه ما أصابه من اضطراب بين مواقفه الجريئة الواضحة وبين ما كان يقع فيه من أعمال لا تستقيم مع رؤاه:-



وفاضت دموع كمثل الحميم لذاعة نارها تستهل

بكاء من الجمر، جمر القلوب، أرسلها لاعج من خيل

وغامت بعينيه واستنزفت دم القلب يهطل فيما هطل

وخانقة ذبحت صوته وهيض اللّسان لها واعتقل

وأغضى على ذلّة مطرقا عليه من الهم مثل الجبل

أقام وما أن به من حراك تخاذل أعضاؤه كالأشل

ولكن الشيخ يختم قصيدته بالأمل وبوجوب ترك اليأس بعد السقوط على خلاف ختم الشماخ قصيدته:_



أفق يا خليلي أفق لا تكن حليف الهموم صريع العلل

فهذا الزمان وهذي الحياة علمتنيها قديما.. دول!!

أفق لا فقدتك ماذا دهاك؟ تمتع! تمتع بها لا تُبَل

بصنع يديك تراني لديك، في قدِّ أختي! ونِعْمَ البدل

صدقت! صدقت! وأين الشّباب؟ وأين الولوع؟ وأين الأمل؟

صدقت! صدقت!! نعم صدقتُ! سِرُّ يديك كأن لم يزل

حباك به فاطر النّيرات، وباري النّبات، ومرسي الجبل

فقم واستهِلّ، وسبّح له ! ولبَّ لرب تعالى وجل

كانت هذه القصيدة وما زالت صفعة في وجه الراحلين عن ثقافتنا وتراثنا، مصعرين خدودهم باحتقار وازدراء، موجهين هاماتهم نحو اليونان والرومان لا يعرفون إلا الأساطير الوثنية، ولا يتمثلون إلا الصور الشِّركية لآلهتهم النجسة، لقد كانت هذه القصيدة وما زالت محطمة للحواجز الوهمية التي يزعمها أهل الصّغار في عدم فهمهم للتراث وعدم استيعابهم له، فها هو الشيخ/ شاكر يقتحم أكثر الحصون مناعة في الشعر الجاهلي، شعر الشماخ الذي قيل فيه:- ( كان شديد متون الشعر، أشد أسر كلام من لبيد وفيه كزازة) واستخرج منه شاكر هذه اللؤلؤة الصافية، يستخدمها ليبث روحه فيها، ويجللها بمضمون فلسفي رائع، يكشف بها عن نفسه وعن آرائه وقدراته، ولذلك وقف النقاد وقفة احترام وتقدير لهذه القصيدة، وكثرت الدراسات حولها، ومن هؤلاء النقاد: الدكتور إحسان عباس، والدكتور مصطفي هدّارة، وزكي نجيب محفوظ، ومحمد محمد أبي موسى..

يقول الدكتور إحسان عباس عنها: - " ليست في محاولة الإبتكار بقدر ما هي في العودة إلى التراث، وربط الحاضر بالماضي، وإيداع القوة الرمزية فيما يبدو بسيطا ساذجاً لأول وهله. وفي ذلك كله نوع من الإبداع جديد، وبرهان ساطع على أن تطلب الرموز في الأساطير الغربية عن التراث يدل على جهل به، أو على استسهال لاستخدام رموز جاهزة أو عليهما معاً.

وفي سنة 1952 م كذلك، نشر الشيخ/ محمود شاكر كتاب " طبقات فحول الشعراء" وانشغل فيه بتحقيق تفسير الإمام الطبري " جامع البيان وتأويل القرآن"، والذي شاركه فيه أخوه أحمد، فنشر منه ثلاثة عشر مجلداً، ولكن بعد وفاة أخيه تقاعس الشيخ محمود عن العمل في هذا التفسير حيث أنه خلال ثلاثة عشر عاماً بعد وفاة شقيقه لم ينشر سوى ثلاثة مجلدات ثم ترك العمل لخلاف حصل بينه وبين دار المعارف التي تولت نشر الكتاب.

وفي سنة 1958 م كتب شاكر فصلاً في إعجاز القرآن كان مقدمة لكتاب مالك بن نبي " الظاهرة القرآنية" ونشر هذا الفصل في كتاب مستقل " مداخل إعجاز القرآن".





الشيخ في سجن عبد الناصر...



وفي سنة 1959م سُجِنَ الشيخ تسعة أشهر مع إخوانه وذلك عندما تعرض الإسلاميون للمحنة الأولى في صدامهم مع الهالك عبد الناصر.. وكان سبب سجنه - رحمه الله- وقوته ضد ممارسات العسكريين الذين استلموا الحكم بعد انقلاب 1952 م.

وفي سنة 1962 نشر الجزء الأول من " جمهرة نسب قريش" للزبير بن بكّار.

معركة " أباطيل وأسمار" وسجن الشّيخ مرّة أخرى:

في سنة 1964 بدأ لويس عوض - الذي عُيِّنَ مستشاراً ثقافياً لجريدة الأهرام - ينشر مقالات تحت عنوان: ( على هامش الغفران- شيء من التاريخ) مزج في مقالاته خبث الطويّة التي كان مبناها على نصرانية الأصل، وتربيته في الغرب، مع جهل بتاريخ الأمة ولغتها، فاشتعلت حمية الشيخ /محمود شاكر لمّا رأى:-





كشيش أفعى أجمعت لعضٍّ فهي تحك بعضها ببعض



وإذا هو أسود سالخ ( وهو أقتل ما يكون من الحيّات) يمشي بين الألفاظ فيسمع لجلده حفيف، ولأنيابه جرش، فما زلت أنحدر مع الأسطر والصوت يعلو، يخالطه فحيح، ثمّ ضباج، ثم صفير، ثم نباح ( وكلها من أصوات الأفاعي).. بهذا قرر الشيخ أن يترك عزلته عن الكتابة، ويمسح عن قلمه الصدأ الذي أصابه، ويخرج وقد لبس لأمته ليكشف ما يقوم به المزورة لتاريخنا، الداعون إلى تحطيم مقومات هويتنا، فبدأ بنقض ما يقوله لويس عوض، وقام بكشف جهله وجهل جماعته بآداب هذه الأمة، وصال فيهم بثقة اكتسبها من إدراكه العميق لهذه الثقافة، ومن ثقته بهذا الدين، وأرجع هجومهم على هذه الثقافة على أصولها، وأنها هجوم على دين الله تعالى، فربط بين لويس عوض وبين سلامة موسى وبين دوائر الاستشراق التي تربّي أمثالهما على عينها، ثم تخرجهم وقد تبوؤا على مراكز القرار، فعاثوا في الأمة الفساد، وقوضوا أبنيتها الشامخة بألاعيبهم وأكاذيبهم، والشيخ وإن اتخذ لويس عوض نموذجا فإنما أراد بمقالاته التي سمّاها " أباطيل وأسمار" أن يكشف عن جيل كامل حمل معاول الهدم والتدمير، ورضي لنفسه أن يكون تابعاً لدوائر التبشير والإستشراق.

في مقالاته " أباطيل وأسمار" صنع الشيخ/ شاكر ملحمة فكرية رائعة أبان فيها عن قضية المنهج الذي أفسده هؤلاء فقال:-

ولفظ ( المنهج) كما سيأتي يحتاج مني إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصطلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشأن، بل أريد به ( ما قبل المنهج) أي الأساس في تناول المادة، وشطر في معالجة التطبيق.

وتعد كتب الشيخ نموذجاً لتطبيق هذا المنهج بكل أمانة وقوّة.

والعظيم في الأمر أن الشيخ جعل كلّ ذلك من أجل الدين، وجعلها معركة له وتحت رايته..

قال الشيخ واصفاً حال هذه الفترة في عرضه لكتابه:- وقد بدأت أكتب هذه الكلمات بعد عزلة ارتضيتها لنفسي منذ سنين لأني خشيت أن لا أقوم بحق القلم عليّ وبحق الناس عليه، فوجئت بأشياء كنت أراها هينة لا خطر لها، فاستبان لي بعد قليل من مذاكرة أصحابي أن الأمر أهول مما ظننت، فمن أجل ذلك فارقت عزلتي، وبدأت حريصاً على أن لا أخون حق القلم عليّ، ولا حق الناس عليه.

ونعم، لم أكن غافلاً عما يجري من حولي بل كنت مصروفا عن متابعة بعض الحوادث والنوابت، وعن تعليقها بأسبابها، وعن اتباعها بنتائجها، إذ كنت امرءاً ملولاً، وهو مما قضى الله أن أكونه، يسرع إليّ المللُ فأطرح شيئاً كثيراً أعلم عن أصحابه من السخف ما أعلم، فلا أقرأه ولا ألقي إليه بالا. فمن ذلك ما كان يكتبه " أجاكس عوض"، الذي كان يُعرف، فيما غَبَر، باسم " لويس عوض".

كان من سوالف الأقضية أن كتب الله عليّ يوما ما: أن أقرأ له شيئا سماه "بلوتولند"، وقصائد أخرى وكتب تحته " من شعر الخاصة" وأهداه إلى " كريستوفر سكيف" وذلك في 1947 من الميلاد. ولما كنت أعلم حَبْءَ "سكيف" هذا، وأنه كان أستاذاً في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأنه كان جاسوساً محترفاً في وزارة الاستعمار البريطانية، وأنه كان أيضاً مبشراً ثقافياً شديد الصفاقة سيء الأدب، وأنه كان ماكراً خبيثاً خسيس الطباع، وأنه كان يفرق بين طلبة القسم الإنجليزي في الجامعة: يمدّ يداً إلى هذا، لأنه تابع له حاطب في هواه، وينفض يده من ذاك، لأنه يعتصم ببعض ما يعتصم به المخلصون لدينهم ووطنهم، حميّة وأنفة، واستنكافاً أن يضع في عنقه غُلاً للسيادة البريطانية، وللثقافة التبشيرية المسيحية. وكنت أعلم فوق ذلك، أنه " شرلتان" عريض الدعوى، لا يستحق أن يكون أستاذاً في جامعة، ولكن سياة بريطانيا كانت يومئذ هي الغالبة، وكانت كلمتها هي النافذة. فأصبح سرّ " أجاكس عوض" مفضوحاً عندي، بإهدائه " بلوتولند، وقصائد أخرى" إلى هذا الجاسوس المحترف، والمبشر الثقافي الصفيق، و" الشرلتان" الذي صار أستاذاً في الجامعة، " كريستوفر سكيف"!.

لم يمنعني ذلك من الإقدام على قراءة الكتاب، فإذا أوله هذا العنوان" حطموا عمود الشعر" ! وتحته مباشرة هذا الكلام: " لقد مات الشعر العربي، مات عام 1933، مات بموت أحمد شوقي، مات ميتة الأبد، مات".. فتوقفت دهشة، ولم يخامرني شك في أن كاتب هذا داخل فيما يسميه الأطباء: "مانياهلو سينارتوريا"، وهو الهذيان والوسوسة واختلاط العقل. وقلت: ط حاله لُطف"! ومضيت أقرأ هذه المقدمة مشتاقا، لكي أُسَرِّي عن نفسي وكانت أيامنا يومئذ جالبة للغم. وصدق ظني فضحكت ولم أبال بما وجدت فيه من بغض شديد للعرب، ومن حقد آكل على دينهم وكتابهم، ومن غرور فاجر وسوء أدب. ولم اعبأ بالرائحة الخبيثة التي تفوح من تحت ألفاظه، فقد كنت ألفتُ أن أجد ذفرها حين ألقى جماعات المبشرين في ثيابهم المختلفة، حين يستخْفون فيها وحين يستعلنون. وقنعت بما سرَّى عني الهموم من هذيانه ووسوسته واختلاطه، وأنزلت أقواله وأحقاده حيث نزل، إذ كان يومئذ شيئاً مغموراً لا يُؤبَهُ له.

وقد كشف شاكر جهل عوض باللغة العربية، وأنه ومن هم على شاكلته لا يحسنون قراءة التراث ولا يفهمون من ثقافة الأمة شيئاً، بل كشف سوء نواياهم وارتباطهم بالأجنبي، وقد اعترف أنه لا يكشف لويس عوض بمقدار أن يكشف هجمة عاتية على هذه الأمة، لتبصر الأمة حقيقة ما يراد بها من هؤلاء الكتبة .. اقرأ ما يقوله عن لويس عوض:

" إن تكن هذه عجيبة فلويس عوض أعجب منها! فقد ملأه مالئه منذ دهر ثمّ تركه، وضبطه له إلى أهدافه بعينها ثم أطلقه فانطلق يجوس خلال الآداب عامَّة، ثم الآداب العربية خاصة، وهو لا يكاد يرى إلا ما ركب لأجله : لا يكاد يرى إلا اليونان والرّوم، والقرون الوسطى والمثقفين والحضارة الحديثة، والحروب الصليبية والصلبان والخلاص، والفداء، والخطيئة، وكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي، واللغة العامية، والفتح الإنجيلزي لمصر سنة 1882، وما شئت من أمثال ذلك مما ضمنّه كتبه ومقالاته قديماً وحديثاً.

فهذا التركيب الموجَّه (!!) لا يكاد يرى ابن خلدون إلا مقرونا باورسيوس ولا المعرِّي إلا مقروناً براهب دير الفاروس وبالحروب الصليبية والصلبان التي غصّت بها حلب (!!) ولا " وردة الدهان" وهي آيات العذاب يوم القيامة، إلا مقرونة بروزا مستيكا ( مريم العذراء)، ومعاذ الله، وبرَّأها مما في عقله من السمادير ولا يكاد يرى عمر مكرم وعرابي وجمال عبد الناصر إلا مقرونين بالمعلم يعقوب رئيس الخونة المظاهرين للفرنسيين الغزاة أيام نابليون ولا توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور، إلا مقرونين بعقائد الخلاص والفداء والخطيئة . ثم تأتي الطامة الكبرى، فلا يكاد يرى القرآن العظيم إلا مقروناً بترجمته إلى اللغة العامية، كما تُرجِم الإنجيل إلى اللغات الحديثة وهي عامية اللاتينية، وإلا مقرناً بكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي. وهنا وهناك تراه طائشاً، زائغ العينين خفيف العقل سليط اللسان، قد استرخت مفاصل عقله، وانحلت تلافيفه. هذا، والذي أطلقه واقف من بعيد ينظر، وفي عينيه الدهشة ويحك ذقنه بيده، ويفتر ثغرة عن ابتسام، إعجاباً باختراعه المدهش الذي ركّبه وأطلقه، ولم يكن يظن ظناً أنه قادر على أن يتحرك في عمود واحد من إحدى الصحف السرية!! ف إذا به ( يبرطع) في ثمانية أعمدة، في أكبر صحيفة في العالم العربي والإسلامي، هي الأهرام، وعلى أشرف منصة في معهد الدراسات العليا التابع للجامعة العربية ويأتي في خلال

"برطعته" ( وهي البلتعة بالفصحى) بالعجائب التي لا تنقضي س، وقد ارتدى طيلسان أستاذ جامعي، بلا حسيب ولا رقيب. وهذا نجاح مدهش ولا شك وحق لمالئه أن يميد به الغرور وتستخفه الخُيلاء باختراعه هذا العجيب! فهذه هي الفضيحة التي لا تنكر للإختراع المسجل ( لويس عوض)!.


ثم كشف الشيخ/ شاكر في كتابه أصل المسألة الخبيثة وهي الدعوة إلى العامية، وأرجعها إلى أصولها التي خرجت منها- دوائر التبشير والإستشراق"-، وكشف عن اهتمام هؤلاء القوم بالصحافة لأهميتها … ونقل عن المبشر - رولس كاش- قوله:- إن الصحافة لا توجه الرأي العام فقط أن تهيئة لقبول ما ينشر عليه، بل هي تخلق الرأي العام.. ( يقول الشيخ:- فتأمل هذه العبارة تأملاً جيداً)..

وقد استغل المبشرون الصحافة المصرية على الأخص للتعبير عن الآراء المسيحية أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلامي آخر.. يقول الشيخ: تأمل هذا أيضاً.

لقد ظهرت مقالات كثيرة في عدد من الصحف المصرية إما مأجورة في أكثر الأحيان أو بلا أجرة في أحيان نادرة..

واكتشف الشيخ أمر التعليم وما صار إليه بذكر أقوال دهاقنة الكفر مثل قول "زويمر": ينبغي للمبشرين أن لا يغيظوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة، إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين وتحرير النساء.

ومثل قول المبشر " تكلي" : يجب أن نشجع إنشاء المدارس وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي، إن كثيرين من المسلمين قد زُعْزِعَ اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية، إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الإعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمراً صعباً جداً..

يعلق الشيخ قائلاً: وهذا واضح كل الوضوح في أن أمر التعليم على الصورة التي أرادوها والتي أرادها "دنلوب" وأمثاله هي نزع اعتقاد الشباب المسلم في كتاب الله الذي أنزله على نبيه - صلى الله لعيه وسلم-، والذي عبّر عنه " وليام جيفرد بلغراف" بقوله: متى توارى القرآن، ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربية يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه..

( وخسىء المبشر التالف). ثم كشف الشيخ شاكر كيف استأجر هؤلاء المبشرون جماعة من الكتبة الذين يتسمون بأسماء إسلامية لتمرير مخططاتهم وأفكارهم ومناهجهم، ومن هؤلاء الدكتور/ محمد أحمد خلف الله.

وبين الشيخ أن النصارى القبط هم من أعان المستعمرين على تمرير مخططاتهم في هذه الأمة، ورد في كتابه على من سمّى تطبيق الحدود وحشية وذلك في مقالته الثامنة عشرة من الكتاب.

ومن فصول الكتاب الرائع شرحه لكلمة " دين" وذلك في المقالة الرابعة والعشرين، وكشف فيها عن خطأ الناس القاصر في فهمهم لهذه الكلمة.

ومن مقالات الكتاب القيمة ما كشف فيها الشيخ عن جهل هؤلاء الكتبة المستأجرين بلغة أساتذتهم وأئمتهم عن الغرب، فإنه في المقالة الخامسة والعشرين بين فيها جهل لويس عوض لترجمته مسرحية "أرسطو فان" والتي عنوانها الضفادع وهي المقالة الأخيرة في الكتاب حيث توقفت المقالات، فإنه بعدها وفي آب سنة 1965: ( أحاطت بي الأسوار وأظلمت الدنيا، وسمعت ورأيت وفزعت وتقززت… وكان ما كان..





وعلمت، حتى ما أُسائل واحداً عن علم واحدة لكي ازدادها



وتسليت عن كل ما ألقي إلي بقول شيخ المعرة ..



يسوسون الناس بغير عقل فينفذ أمرهم ويقال ساسة

فأفًّ من الحياة وأُفُّ منِّي ومن زمن رئاسته خساسة)



ذلك أن الشيخ سيق إلى السجن مرة ثانية، فقد تكالب عليه الخصوم، وراحوا يتهمونه أنه يدعو إلى فتنة طائفية دينية " ونعمت التهمة"، فاستجابت السلطة لهم وتم سجنه وبقي فيه سنتين وشيئاً حتى كانت جريمة حزيران عام 1967 م .

وقد شهد له إخوانه أنه كان في السجن مثالاً للصبر على كبر سنِّه ومرضه ن وكان كذلك سمح الروح واسع الصدر، وقد طُلِبَ منه أن يعتذر كما كتب ليفرج عنه، فرفض أشد الرفض.





الوحدة الموضوعيِّة للقصيدة في الشعر الجاهلي:



وبعد خروج الشيخ من السجن عاد مرة ثانية إلى دراسة الشِّعر الجاهلي، فكتب مجموعة من المقالات تحت عنوان:- " نمط صعب ونمط مخيف" وذلك على صفحات مجلة " المجلة" في الفترة (1969-1970)، وفي هذه المقالات قام الشيخ/ شاكر بدراسة قصيدة ابن أخت تأبط شراً التي مطلعها:



إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطل

قذف العبء عليَّ وولَّى ن فأنا بالعبء له مستقلُّ

ووراء الثَّأرِ منّي ابن أخت، مصِعٌ عقدته ما تُحلُّ

مطرق يرشح موتاً، كما أطرق أفعى، ينفث السّمّ صلُّ

خبر ما نابنا مصمئلّ! جلّ حتى دقَّ فيه الأجلُّ

وسبب دراسته لهذه القصيدة أن (يحيى حقي) أشاد بترجمة ( جوته) لهذه القصيدة وزعم حقي أن القصيدة الجاهلية تفتقر للوحدة الموضوعيّة..

قام الشيخ بالكشف عن قائلها لاختلاف الرواة في تعيينه، ونفى أن تكون لتأبط شراً أو الشّنفري، وجزم أنها لابن أخب تأبط شرّاً، وحقَّق القول في زمن إنشادها وأن ابن أخت تأبط شرَّا أنشدها بعد أن ثأر لخاله من هذيل، ثم رتَّب الشيخ القصيدة ترتيبا جديدا، وهي مواصلة له لتأكيد صحة نسبة الشعر الجاهلي، وهي المسألة التي بقيت هاجسة إلى آخر أيّامه، فإنه اعتبرها قضيته التي أحس بها وهو طالب عند الشيخ المرصفي، ثم عانى منها ما عانى بعد أن تفجرت هذه القضية على يد طه حسين.

وكان الشيخ شاكر - رحمه الله تعالى- يعتبر أن القضيّة الأولى لإعادة الإعتبار للقصيدة الجاهلية وفهمها بكونها تحمل وحدة موضوعية واحدة، هو ترتيب القصيدة، فقد ذكر الدكتور/ ناصر الدين الأسد أن الشيخ/ شاكر كان في تدريسه للطلاب - الأصمعيات- يبذل جهداً كبيرا في إعادة ترتيب القصيدة بعد تجميعها من مظانِّها ليفهم الناظر وحدة الموضوع فيها.

وفي سنة 1970م أسهم الشيخ/ شاكر في نشر الوحشيات- وهو الحماسة الصغرى لأبي تمام الطائي، وفي عام 1974 أعاد نشر كتاب ابن سلام " طبقات فحول الشعراء"، ثم أعاد نشر كتابه " المتنبي" سنة 1976 مع مقدمة جديدة، تحدث فيها عن الكتاب وقصته وتحدث فيها عن فساد الحياة الأدبية، وعرض صور السرقة التي يقتات عليها بعض المؤلفين، وكشف فيها عن منهجه في تذوق الشعر تذوقا علمياً للوصول إلى ما يريده الباحث، سواء كان المراد من فهم مكنونات الشّاعر النّفسيّة أو معرفة البيئة المحيطة به.

وفي سنة 1975 ألقى الشيخ/ محمود شاكر سلسلة من المحاضرات حول الشعر الجاهلي في جامعة/ محمد بن سعود بالرياض.

في سنة 1982 بدا الشيخ بنشر كتاب " تهذيب الآثار" للإمام أبي جعفر الطبري.

وفي سنة 1984 نشر شاكر " دلائل الإعجاز" وضمَّ إليه " الرسالة الشافعية في الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني.

رسالة الشيخ/ شاكر إلى أمة الإسلام وكتابه " رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، وهذا الكتاب على صغره غنيّ بالفوائد والمعلومات، وجعلها في طبعة " المتنبي" الجديدة مقدمة لكتابه، شرح فيها باسطا مسألة تذوق الشعر ومنهجه فيه، وبين فيه مزية ( الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من النظم والمعرفة، أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظا تكل الفصول على وجوهها. فقد أراد أن يبين عظمة الأوائل وقيمتهم في أبواب العلم، وفي ذلك ردّ على من زعم أن أساليب النقد وعلومه، ومناهج التذوق لا بصر للأوائل بها، وهذا الذي دعا الدكتور / محمد محمد أبا موسى أن يكتب كتابه القيم " الإعجاز البلاغي" درلسة تحليليّة لتراث أهل العلم" ويقول :- إنهم لم يتكلوا في الإعجاز لأن برهانه كان قائما في نفوسهم ومضى الأمر على ذلك حتى تبدلت أحوال العرب، ولانت جلودهم، ونجم في مجتمع المسلمين أهل التشكيك وجاهروا بالزيغ، وكثر القول في القرآن وإعجازه، واندست مقالة أهل الضلالة.

وأشار الدكتور محمد محمد أبو موسى إلى أن الكثير من أهل التحقيق يوهمون الناشئة أن كلام/ شاكر- في اعتبار أن مناهج التذوق والنقد لآداب العربية خاصة لهذه البيئة ولا عبرة بما يقوله الأجانب في هذا الباب- في هذا الباب يمثل موقفه المتشدد. وعلى القارىء الرجوح إلى شرح الشيخ / شاكر لكلمة سيبويه في أول الكتاب: - وأما الغقل فأمثلة أخذت من لفظ أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لا ينقطع.. وشرحه كذلك لكلام الجرجاني في أن ما قاله سيبويه لم يمكن لأحد بعده أن يلحق شأوه، أو أن يتقدم عليه.






( المنهج) عند الشيخ شاكر:



شرح الشيخ في الرسالة بعض ما يعنيه بالمنهج قائلا:-

كان منهجي، كما نشأ واستتبّ في نفسي، كان منهجا يحمل بطبيعته نشأته رفضا صريحا واضحا قاطعا غير متلجلج، لأكثر المناهج الأدبية التي كانت فاشية وغالة وصار لها السيادة على ساحة الأدب الخالص إلى يومنا هذا، كما حدّثتك آنفا.

فلكي تكون على بينة مرة أخرى..

فاعلم، قبل كل شيء، أن تسميتها " مناهج" تجاوز شديد البعد عن الحقيقة وفساد غليظ وخلط، إذا كنت تريد أن تكون على ثقة من معنى هذه الألفاظ التي تجري الآن بيننا، ولكن قد كان ما كان، فهكذا اصطلحوا على تسميتها!

وقديماً تناولت لفظ " المنهج" وحاولت البيان عنه فقلت:

" ولفظ المنهج" يحتاج مني هنا إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصحلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشان، بل أريد به " ما قبل المنهج" أي الأساس الذي لا يقوم " المنهج " إلا عليه.

" فهذا الذي يسمّى " منهجا" ينفسم إلى شطرين: شطر في تناول المادة وشطر في معالجة التطبيق.

" فشطر المادة يتطلّب قبل كل شيء جمعها من مظانها على وجه الإستيعاب المتيسر، ثم تصنيف هذا المجموع، ثم تمحيص مفرداته تمحيصا دقيقا، وذلك بتحليل أجزائها بدقة متناهية، وبمهارة وحذق وحذر، حتى يتيسر للدارس أن يرى ما هو زيف جليا واضحا، وما هو صحيح مستبينا ظاهرا، بلا غفلة، وبلا هوى، وبلا تسرع"ز

" وأما شطر التطبيق، فيقتضي ترتيب المادة بعد نفي زيفها وتمحيص جيدِّها، باستيعاب أيضاً لكلِّ احتمال للخطأ أو الهوى أو التسرع. ثم على الدارس أن يتحرى لكلّ حقيقة من الحقائق موضعا هو حقّ موضعها، لأن أخفى إساءة في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها، خليق أن يشوه عمود الصورة تشويها بالغ القبح والشناعة".

وأزيدك الآن أن " شطر التطبيق" هو الميدان الفسيح الذي تصطرع فيه العقول وتتناصى الحجج، ( أي تأخذ الحجة بناصية الحجة كفعل المتصارعين)، والذي تسمع فيه صليل الألسنة جهرة أو خفية، وفي حومته تتصادم الأفكار بالرفق مرة وبالعنف أخرى، وتختلف فيه الأنظار اختلافا ساطعا تارة أخرى، وتفترق فيه الدروب والطرق أو تتشابك أو تلتقي. هذه طبيعة هذا الميدان، وطبيعة النّازليّة من العلماء والأدباء والمفكرين. وعندئذ يمكن أن ينشأ ما يسمى "المناهج والمذاهب".

وبيَّن أصالة المنهج وأنه ليس بالأمر المبتدع قائلاً:-

تبين لي يومئذ تبيّنا واضحاً أن شطري المنهج:" المادة والتطبيق" كما وصفتهما لك في أول هذه الفقرة، مكتملتان اكتمالا مذهلا يحير العقل، منذ أوليّة هذه الأمة العربية المسلمة خاحبة اللسان العربي، ثم يزدادان اتساعا واكتمالاً وتنوعاً على مر السنين وتعاقب العلماء والكتاب في كل علم وفنّ، وأقول لك غير متردد أن الذي كان عندهم من ذلك، لم يكن قط عند أمة سابقة من الأمم، حتى اليونان، وأكاد أقول لك غير متردد أيضا أنهم بلغوا في ذلك مبلغا لم تدرك ذروته الثقافة الأوروبية الحاضرة اليوم، وهي في قمة مجدها وازدهارها وسطوتها على العلم والمعرفة.

كنت أستشفّ " شطري المنهج"، كما وصفتهما، تلوح بوادره الأُوَل منذ عهد علماء صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ومن حُفِظَت عنهم الفتوى كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر كانت كاللمحة الخاطفة والإشارة الدّالة. ثم زادت وضوحاً عند علماء التابعين كالحسن البصري وسعيد بن المسيّب، وابن شهاب الزهري، والشعبي، وقتادة السّدوسيّ، وإبراهيم النّخعي. ثم اتسع الأمر واستعلن عند جلة الفقهاء والمحدثين من بعدهم، كمالك بن أنس، وأبي حنيفة وخاصبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، والشافعي والليث بن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري ومسلم، وأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وأبي جعفر الطّبري، وأبي جعفر الطحاوي . ثم استقر تدوين الكتب فصار نهجا مستقيما، وكالشمس المشرقة، نوراً مستفيضاً عند الكاتبين جميعا، منذ سيبويه، والفراء، وابن سلام الجمحي، والجاحظ، وأبي العباس المبرد ن وابن قتيبة، وأبي الحسن الأشعري، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، والآمدي، وعبد القاهر الجرجاني، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد الفقيه وحفيده ابن رشد الفقيه الفيلسوف، وابن سينا، والبيروني، وابن تيمية وتلميذه ابن قيّم الجوزية، وآلاف مؤلّفة لا تحصى حتى تنتهي إلى السيوطي، والشوكاني، والزبيدي، وعبد القادر البغدادي في القرن الحادي عشر الهجري.

سُنّة متبعة ودرب مطروق في ثقافة متكاملة متماسكة راسخة الجذور، ظلت تنمو وتتسع وتستولي على كل معرفة متاحة أو مستخرجة بسلطان لسانها العربي، لم تفقد قط سيطرتها على النّهج المستبين، مع اختلاف العقول والأفكار والمناهج والمذاهب، حتى اكتملت اكتمالا مذهلاً في كل علم وفنّ، وكان المرجو والمعقول أن يستمر نموها واكتمالها وازدهارها في حياتنا الأدبية العربية الحديثة راهنا، (ثابتا)، إلى هذا اليوم، لولا … ولكن صرنا، واحسرتاه، إلى أن نقول مع العرجيّ الشاعر: " كان شيئا كان، ثم انقضى".





ارتباط الثقافة بالدين



وربط بين الثقافة والدين ربطا وثيقا، حيث اعتبر ثقافة كل أمة متصلة بدينها، وأن تخلي الأمة عن ثقافتها هو جزء من التخلي عن دينها ن ولذلك فليس هناك ثمة أمة تغلب أخرى إلا وتنشط إلى تسويق ثقافتها عند الأمة المغلوبة، وهذا ما يحاول جمع من المثقفين المضبوعين بالآخر أن يغالطوه، حيث يزعمون وجود ثقافة عالميّة، لا تختص بأمة ولا دين من الأديان.





جذور الفساد الأدبي



ثم صار الشيخ إلى جذور الفساد الأدبي في حياة أمتنا اليوم، وهو فصل مهم جدير بالعناية والإطلاع ودراسته دراسة واعية مستوعبة، حيث ربط الشيخ بين الحروب الصليبية ونشاط الرهبان، واستطرد في بيان المعركة بين الأمتين المسلمة والنصرانية، حتى ربط بين الحروب القديمة وحركة الإستشراق والتي أقبلت مع هجمة الإستعمار، وأعاد التنبيه إلى كتابه " أباطيل وأسمار" حيث جعله فاضحاً لهذه السموم التي قبعت في داخل أمتنا تعمل فيها فتكا وتدميراً، يقول الشيخ - رحمه الله تعالى- واصفاً تلك الهجمات:_

"ومع هذه الأساطيل الفاجرة، خرجت من مكامنها أعداد وافرة من رجال يجيدون اللسان العربي وألسنة دار الإسلام الآخر، ومنهم رهبان وغير رهبان، وركبوا البرّ والبحر، وزحفوا زرافات ووحداناً في قلب دار الإسلام: على ديار الخلافة في تركية، وعلى الشام، وعلى مصر، وعلى جوف إفريقية وممالكها المسلمة = وخرجوا في القلوب حميّة الحقد المكتم، وفي النفوس العزيمة المصممة، وفي العيون اليقظة، وفي العقول التنبه والذكاء، وعلى الوجوه البشر والطلاقة والبرءاة وفي الألسنة الحلاوة والخلابة والمماذقة، ولبسوا لجمهرة المسلمين كل زيّ : زي السائح، وزيّ الصديق الناصح، وزي العابد المسلم المتبل = وتوغلوا يستخرجون كل مخبوء كان عنهم من أحوال دار الإسلام، أحوال عامته وخاصته، وعلمائه وجهّاله. وحلمائه وسفهائه، وملوكه وسوقته، وجيوشه ورعيته، وعبادته ولهوه، وقوته وضعفه، وذكائه وغفلته، حتى تدسّسوا إلى أخبار النساء في خدورهنّ، فلم يتركوا شيئاً إلا خبروه وعجموه، وفتشوه وسبروه، وذاقوه واستشفوه . ومن هؤلاء، ومن خبرتهم وتجربتهم، خرجت أهم طبقة تمخضت عنها اليقظة الأوروبية " طبقة المستشرقين" الكبار، وعلى علمهم وخبرتهم وتجاربهم، رست دعائم " الاستعمار" ورسخت قواعد التبشير ".





الاستشراق



ثم كشف عن طريقة الاستشراق في دراسة أمتنا، ودراسة ثقافتها ودينها وذلك عن طريق الإهتمام بالمخطوطات التي سارع المستشرقون إلى اقتنائها عن طريق الشّراء أو النّهب، ثم عن طريق الرحلات الاستكشافية التي جابت الأماكن بلا كلّ ولا ملل، ووصلوا إلى المجاهيل وأعماق الصحراء والقرى البعيدة النائية، وذلك كله من أجل الإحاطة بهذه الأمة والإطلاع على كل شيء فيها ليسهل التعامل معها وأدراك مكامن قوتها حتى وصلوا إلى خبرة ( بكل ما في دار الإسلام قديماً، وما هو كائن فيها حديثا).

وكان من تنبيهاته المهمة أن ما كتبه المستشرقون لا يمكن أن يكون قاعدة لأهل هذا الدين ولا لقوم هذه الأمة لأن كتب ( الاستشراق) ومقالاته ودراسته كلها مكتوبة أصلا للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره، وأنها كتبت له لهدف معين، في زمان معين، وبأسلوب معين، لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة، بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زخف المسيحية الشمالية على دار الإسلام في الجنوب.

ثم قام الشيخ - رحمه الله- ببيان أنه لا يمكن للمستشرق أن يستوعب ثقافة هذه الأمة، ولا أن يقوم بتحليلها كما هي في نفسها.. يقول: - غاية ما يمكن أن يحوزه ( مستشرق) في عشرين أو ثلاثين سنة، وهو مقيم بين أهل لسانه الذي يقرع سمعه بالليل والنهار، أن يكون عارفاً معرفة ما بهذه (اللغة) وأحسن أحواله عندئذ أن يكون في منزله طالب عربي في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقل منه على الأرجح..

أما إمكانية إحاطة المستشرق لأمر الثقافة فهذا أمر عسير جداً، وهو أبعد من قضية أحاطته للغة .. يقول الشيخ - رحمه الله تعالى-:

" وإذا كان أمر " اللغة" شديداً لا يسمح بدخول " المستشرق" تحت هذا الشرط اللازم للقلة التي تنزل ميدان " المنهج" و " ما قبل المنهج"، فإن شرط "الثقافة" أشد وأعتى، لان " الثقافة"، كما قلت آنفا: " سرٌّ من الأسرار الملثّمة في كل أمة من الأمم وفي كل جيل من البشر، وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى، متنوعة أبلغ التنوع لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كل مجتمع إنساني، للإيمان بها أولاً من طريق العقل والقلب = ثم للعمل بها حتى تذوب في بنيان الإنسان وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحس به - ثم الإنتماء إليها بعقله وقلبه انتماءً يحفظه من التفكك والانهيار"... وهذه القيود الثلاثة " الإيمان" و " العمل" و " الإنتماء"، هي أعمدة " الثقافة" وأركانها التي لا يكون لها وجود ظاهر محقق إلا بها، وإلا انتقض بنيان " الثقافة"، وصارت مجرد معلومات ومعارف وأقوال مطروحة في الطريق، متفككة لا يجمع بينها جامع، ولا يقوم لها تماسك ولا ترابط ولا تشابك.

وبديهي، بل هو فوق البديهي، أن شرط " الثقافة" بقيوده الثلاثة، ممتنع على " المستشرق" كل الامتناع، بل هو أدخل في باب الاستحالة من اجتماع الماء والنار في إناء واحد، كما يقول أبو الحسن التُّهامي الشاعر:





ومكلِّفُ الأيام ضدّ طباعـــها متطلِّـبٌ في الماء جذوة نـــارِ



وذلك أن " الثقافة: و " اللغة" متداخلتان تداخلا لا انفكاك له، ويترادفان ويتلاحقان بأسلوب خفي غامض كثير المداخل والمخارج والمسارب، ويمتزجان امتزاجاً واحداً غير قابل للفصل، في كلّ جيل من البشر وفي كله أمة من الأمم . ويبدأ هذا التداخل والترافد والتلاقح والتمازج منذ ساعة يولد الوليد صارخاً يلتمس ثدي أمِّه تلمساً، ويسمع رجع صوتها وهي تهدهده وتناغيه، ثم يظل يرتضع لبان " اللغة" الأول، ولبان " الثقافة" الأول، شيئاً فشيئا، عن أمه وأبيه حتى يعقل، فإذا عقل تولاء معهما المعلمون والمؤدبون حتى يستحصد ( أي يشتد عوده)، فإذا استحصد وصار مطيقاً إطاقة ما للبصر بمواضع الصواب والخطأ، قادراً قدرة ما على فحص الأدلة واستنباطها فناظر وباحث وجادل، فعندئذ يكون قد وضع قدمه على أول الطريق = لا طريق " المنهج" و " ما قبل المنهج"، فهذا يعيد جداً كما رأيت= بل على الطريق المفضي إلى أن تكون له " ثقافة" يؤمن بها عن طريق العقل والقلب = ويعمل بها حتى تذوب في بنيانه وتجري منه مجرى الدم لا يحسه به = وينتمي إليها بعقله وقلبه وخياله انتماءً يحفظه ويحفظها من التفكك والإنهيار.





مفهوم الثقافة



ثم بين الشيخ ما يكتنف لفظ الثقافة من تزوير وغموض، وبدا يعرف قارئه ما يقصد بلفظ الثقافة وأنها تقوم على شيئين:

أولهما: أصول ثابتة مكتسبة تنغرس في نفس الإنسان منذ مولده حتى يشارف حد الإدراك،وهو ما يتلقاه من أبويه وأهله وعشيرته، وسمّى هذا الطور بأساس التسخير…

وثانيهما:- فروع منبثقة عن الطور الأول، وهو طور النظر والمباحثة وممارسته التفكير والتنقيب والفحص، فعندئذ تتكون النواة الجديدة . ( ويبدأ العقل عمله المتسبب في الإستقلال بنفسه، ويستبد بتقليب النظر والمباحثة وممارسة التفكير والتنقيب والفحص وهذه تسمى "ثقافة"





نفي خديعة الثقافة العالمية



ثم يشرع في بيان ارتباط الثقافة واللغة بالدين، وينفي وجود ثقافة ( عالمية)، أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعا، ويقول: إن هذا ( تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم، هدف آخر يتعلق بفرض سيطرة أمة غالبة على أمة مغلوبة لتبقى تبعا لها… فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلاً يفضي إلى الامتزاج البتة، ولا يأخذ بعضها على بعض شيئاً، إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال.. ويفضي بعد هذا إلى وجوب استبعاد عمل المستشرقين وإقصائه في دراستهم لأمتنا وتاريخها وثقافتها.





رواد النهضة كما يراهم شاكر:



والشيخ شاكر يرى أن الأمة كان بإمكانها أن ( تنهض) وأن تدخل طوراً تجديدياً في تاريخها المعاصر، ولكن كان ما كان… ويعلق أن النهضة كان يمكن لها أن تكون على يد خمسة رجال هم:-

1 - عبد القادر بن عمر البغدادي (1682م) صاحب " خزانة الأدب" في مصر، وهو الذي يعتبره الشيخ شاكر الرائد في تبنّيه إعادة قدرة الأمة على التذوق، تذوق اللغة والشعر والآداب وعلوم اللغة.

2 - الجبرتي الكبير حسن بن إبراهيم ( والد صاحب التّاريخ) ( 1774م) في مصر، ويعتبره الشيخ/ شاكر رائد في تنبيه الأمة إلى الصناعات الحضارية وعلوم الكيمياء والفلك.

3 - محمد بن عبد الوهاب (1792م) في جزيرة العرب، ويعتبره الشيخ شاكر رائداً في تحقيق النّهضة الدينية، وردّ البدع والعقائد الفاسدة.

4 - محمد عبد الرّزّاق المرتضى الزبيدي صاحب " تاج العروس" ( 1790م) في الهند وفي مصر، فهو رائد بعث التراث اللغوي الديني.

5 - محمد بن علي الشوكاني (1834م) في اليمن، ويعده الشيخ شاكر إماماً في إحياء عقيدة السلف ونبذ التقليد والدعوة إلى الوحدة وتجريم التعصبّ.

ثم بين الشيخ شاكر أسباب عدم حصول النهضة، ويربط بين الإخفاق الحاصل وبين جهود المستشرقين في إيجاد الصراعات تحت عناوين:- ( الأصالة والمعاصرة) و ( القديم والجديد) و (الثقافة العالمية) وبالقضية الهزلية ( قضية موقفنا من الغرب).





التوصيف الموضوعي لهجمة نابليون على مصر:-



اعتبر الشيخ أن هجمة نابليون على مصر هي من أجل إجهاض ما كان يمكن أن يكون من نهضة لهذه الأمة .. يقول - رحمه الله- : وئدت ( اليقظة) أو كادت، وخربت ديارها أو كادت،و استؤصلت شأفة أبنائها أو كادت، واقتطعت أسبابها بالسطو أو كادت، والحمد لله على نعماء ( الحملة الفرنسية) التي كان سفاحها المبير ( المتحضر) ينوي أن ييشىء لبقايا السيف والتدبير من أبناء القاهرة العتيقة المهدمة ( قاهرة جديدة) يستمتعون فيها بجمالها وفنونها، ومسارحها وملاهيها، وقصورها ومتنزهاتها، ويتبخترون في شوارعها خدما فارهين للسادة الأحرار أبناء " الحرية والإخاء والمساواة".





بداية التغريب



قد أفاض الشيخ/ شاكر في جرائم محمد علي الألباني المسمى بالكبير، والعجيب أن بعض الإسلاميين اليوم يريدون عد ما فعله هذا الباشا الكبير هو بداية نهضة لهذه الأمة موافقة لهم للتغربيين.

وكتاب الشيخ لمحة خاطفة للصراع الدائر بين الإسلام وخصومه، وكشف للأدوات الجديدة لهذا الصراع، فحري بالشباب المسلم الاطلاع عليه ودراسته.





وبعد



هذا شيء قليل من ترجمة الشيخ الأستاذ/ محمود محمد شاكر - رحمه الله تعالى-، أردنا أن نُعَرِّفَ به، وأن نكشف عن معركة أهل الإسلام ضد زنادقة الأدب الذين ما زالوا يعيثون في عقل الأمة فساداً، وهي تنبيه لهذا الجانب العظيم ( جانب الثقافة واللغة والأدب) وإشارة إلى أهميته، والذين يحتقرون هذه المعركة إنما يستخفون بهذه الأمة، إذ لا حياة لأمة من الأمم دون لغتها ودون آدابها، ولغة أي قوم هي وعاء دينهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وهوية وجودهم، ولذلك صدق الشيخ/ شاكر عندما قال: ونحن نعرف أنك لا تحترم أية أمة ولا تقدرها إلا بعد أن تحترم لغتها وتاريخها، وليس شيءٌ أخطر على هذه الأمة من أن تجعل أبنائها يحتقرون لغتهم.

والمساحة المخصصة لهذا البحث لا تسمح بالتوسع لبيان أكثر عن هذا الشيخ الجليل ومعتقداته ونتائج فكره ونظره، ولكن يكفي أن يخرج قارىء هذه الترجمة بصورة تقريبية عن شيخ العربية في هذا الزمان، وقد رأى البعض أن يسمي الشيخ ( بالمحقق للتراث)، واعتبر هذا من باب التعظيم له، مع أن الشيخ كان يرفض هذا اللفظ واستبدلها بكلمة قراءة كما في مقدمة كتاب " طبقات فحول الشعراء" لمحمد بن سلام الجمحي، فإن القراءة العلمية العملية هي ما تحتاجه أمتنا في هذا العصر، القراءة التي تهضم التاريخ والتراث وتستوعبه على ما هو عليه، ثم تبدأ بعملية إنتاج لا يذهب بعيداً عن حاجات الأمة وضروراتها، ولا يسفه إلى دنايا الأمور وصغائرها، فإن التكرار آفة وإن تجملت بأثواب مصبوغة مزركشة .

لم يترك الشيخ مجلدات كثيرة من قلمه وإنشائه، لكنه ترك الكثير من الفهم والوعي والتدقيق، وكان واضحاً كل الوضوح مع كل كلمة يكتبها .

وقد ابتلي الشيخ بتلاميذ له لم يوفونه حقه كما أوفى تلاميذ الغير لأساتذتهم، فانظر إلى تلاميذ " طه حسين" وماذا فعلوا لأستاذهم، وكيف جعلوا اسمه في أبحاثهم ودراساتهم، فأين تلاميذ الشيخ من هؤلاء ؟!.

وأخيراً، لقد كان الشيخ/ شاكر كما أراده أستاذه / الرافعي حين قال له: " إن من الناس من يختارهم الله فيكونون قمح هذه الإنسانية، ينبتون ويحصدون ويعجنون ويخبزون ليكونوا غذاء الإنسانية في بعض فضائلها.

رحم الله الشيخ شاكر وألحقه بالصالحين


http://alarabnews.com/alshaab/GIF/12...d%20ShAKER.htm
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
  #22  
قديم 27-07-03, 08:07 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 881
افتراضي

ترجمة هامة للعلامة محمود شاكر





لقد رحل "أبو فِهـْر" غـريبـاً!



لعمـرك ما الرزيـة فقـد مــــالٍ ولا شـاةٌ تـموت ولا بعـيـــرُ

ولكـنَّ الـرَّزيـة فَقـــدُ قـَــرْمٍ يمـوت بموتـه بـشـرٌ كـثـيرُ



في يـوم الخميس الثالث من ربيع الآخر 1418 هـ الموافق السابع من شهر (آب) 1997 وافت المنية الشيخ العلامة/ محمود محمد شاكر- أبا فهر - عَلَمَ العربية في هذا الزمان، ورجل اللغة التي وهب نفسه للدفاع عنها وردِّ الإعتبار لها، والوقوف أمام خصومها وخصوم هذه الأمة...

لقد غاب الشيخ/ محمود شاكر دون دمعة وفاء، رحل كأنه طيف جاء ثم ذهب، لم يشعر به إلا القليل ممّن يعرفون للرجال مقاماتهم وحقوقهم، ولو كان الشيخ واحداً من أولئك الذين هجروا أمتهم، ورطنوا بالرموز، ولاكت ألسنتهم الأسماء العجمية وسلك في مسالك الأحزاب العلمانية الكافرة لرأيت لموته رنينا وجلبة، ولتسامعت به النساء في خدورهنّ، ولكن الشيخ مضى غريبا كما تعيش محبوبته ( اللغة العربية) غريبة كذلك بين أهلها.

وفاءً لهذا الإمام الفحل، وقياما بحق الرجل العظيم/ محمود محمـد شاكر فإننا نتقرب إلى الله -تعالى- بتعريف الشاب المسلم به، فكيف يجوز لطلاّب الهدى ورجال هذه المرحلة أن يجهلوا من استشهدوا بكلامه النفيس في تكفير الحاكمين بالياسق العصري؟...

إن الشيخ/ محمود شاكر أحمد عبد القادر هو الذي كتب حكم الله في هذه القوانين الكافرة.. كما في أثر تفسير الطبري رقم ( 12036) وكما نقله عنه الشيخ / أحمد شاكر ( شقيقه) في عمله لعمدة التفسير 4/156 وما بعدها.

وإيماناً منا أن نهضة الأمة وقيامها من كبوتها لن تكون بإزالة طواغيت الحكم وكشفهم فقط مع أنهم أعظم المجرمين جرماً، إنما بإدراك طلاب الهدى أن معركتنا مع خصوم هذه الأمة على جميع الصُّعُد وفي كل الميادين، وأن ميدان اللغة والثقافة والأدب هو من أعظم هذه الميادين.

ألا فليعلم الشباب المسلم من طلاب الهدى والحق أن حصر أبواب الخير والحق في جانب واحد يصفه الشباب المسلم المقاتل هو ظلم لمفهوم الطائفة المنصورة، وظلم لديننا، وظلم للرجال الأوفياء لهذا الدين وهذه الأمة، ولذلك يجب علينا أن نعي طبيعة هذه المعركة وعمق جوانبها وشمول أدواتها، إذ المقصود منها قبل كل شيء هو هذا الإنسان، الإنسان المسلم الذي أُريدَ له أن يتنكّر لدينه وتاريخه ورجاله وثقافته، ولذلك فلنعلم كذلك أنه ما من رجل مسلم أو امرأة مسلمة في هذا العالم غلا ويقف على ثغرة من ثغور الإسلام المتسع الأطراف وفي كل الميادين، وحيث كان هذا المرء وفيّاً صادقاً مخلصاً متقناً لهذه الوقفة فإنّه يستحق منّا المحبة والولاء والأخوة، وهو منّا ونحن منه، بل يشرفنا أن نكون منه وأن نتعلم منه وأن يكون إماماً لنا.

إننا نعتقد وبيقين وصدق أن الشيخ/ محمود شاكر كان إماماً في الحق وصخرة لا تلين أمام أعداء الأمة والدين.

رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جنانه، وليس لنا إلا الصبر، وإن كان ثمّة دمعة تذرف من عيوننا فهي - والله- على أنفسنا أنّنا سنموت وحاجتنا في الصدر لم تقض باللقاء به والجلوس بين يديه وهي حاجة كانت تملأ الجوانح وتعمل في الصّدر، لكنّها سدود الباطل وحواجز الرِّدة التي تعيق هذه الحاجات وتحبسها دون تقريع لها.

ثم هي دمعة أخرى أن لا تعرف الأمة حقَّ الرِّجال وتجهل مقاماتهم، وهي التي تتسمع أخبار حصب جهنَّم، وتملأ أعينها وآذانها صور أهل الشر وأئمة الضلال.

رحم الله أبا فهر وألحقه بالصالحين، آمين آمين.







--------------------------------------------------------------------------------



معركة تحت راية القرآن


--------------------------------------------------------------------------------



كانت معركة اللغة العربية ضدَّ أعداء الأمة والدين أوسع وأرحب وأعنف من كل المعارك التي خاضها أئمة الدين ورجال الأمة على الجبهات الأخرى، بل إن أئمة اللغة كانوا الأسبق والأكثر إحساسا بتيّار الزندقة القادم من غيرهم من المشايخ وأهل الفقه، وقد أرادها هؤلاء الرجال معركة تحت راية القرآن، غير منبتّة عنه، ولعلَّ الشباب المسلم اليوم بحاجة إلى معرفة هذه المعركة ودراسة تاريخها ومعرفة رجالها من أئمة الهدى، وخصومهم من الزنادقة، لأن هذه المعركة مازالت قائمة وتستعر يوما بعد يوم، وأغلبنا في غفلة ولا يعرف شيئاً عن أدواتها وحقيقتها وتطورِّها والنتائج التي تُفضي إليها، وميدان الأدب هو من أهم الميادين "جميعاً وأخطرها، وإن لم يكن كذلك عند كثير من النّاس ومصدر خطورته هو أنه أقدر الأدوات على تطوير الرّأي العام وعلى صوغ الجيل وتشكيله فيما يراد له من صور، وذلك لتغلغله في حياة الناس، وتسلله إلى أعماق نفوسهم عن طريق الصحافة والمسرح والسينما والإذاعات الأثيرية ثمَّ عن طريق الكتب المدرسية وما يناسبها من كتب الأطفال والشباب، والمعركة ذات شقّين: أحدهما يتصل بأساليب الأدب وموضوعاته والآخر يتصل بلغته.



الرافعي يقود المعركة...



كان من أوائل الرجال الهداة في هذه المعركة هو الفارس المجلّى والسيف اليماني المحلى الأستاذ الكبير مصطفى صادق الراّفعي عليه من الله أوفى الرّحمات وأسبغها.

لقد كان الرافعي كاتب الإسلام الأول في هذا العصر وفي هذه المعركة ومع أنه كان واحداً من كثيرين في هذه المعركة، ولكن الرافعي هو العلم المتميز بقوة العاطفة الهادرة وبأسلوبه الناري وقمعه الرادع وصلصلته المرنة التي لا تستمدّ رنينها من قوة الألفاظ وحدها، فالألفاظ في متناول الكاتبين جميعا، ولكنها تستمد قوتها مما وراء الألفاظ من روح غلاّبة قاهرة، هي روح البطل الجبار الذي يثق من قوته الحربيّة، ومهارته الفنية في حلبات الصّيال.





البداية:



تفتحت المعركة من كوَّةٍ فتحها رجل مستعرب أعمى الله بصيرته فخرق في الأمر خرقاً، هو الدكتور "طه حسين" حينما أراد أن يطبق مبدأ "الشك الدّيكارتي" الذي زعمه على القرآن فأعلن في مبحث الشعر الجاهلي أن ورود قصة إبراهيم - عليه السلام- في القرآن ليست كافية للدّلالة على وجود رجل حقيقي اسمه "إبراهيم"، وكان باب هذا الأمر الخطير مدخله عند هذا الرجل التشكيك بالشعر الجاهلي، وأنّ هذا الشعر إنّما هو صنيعة العصور الإسلامية، ولكنهم نحلوه للجاهلين.. وبالرغم من أن ارتباط مسألة نفي الحقائق التاريخية - التي وردت في القرآن- بالدين واضحة المعالم، إلا أن نفس صحة نسبة الشعر الجاهلي لما قبل الإسلام قد تبدو ضعيفة الصلة بالمسائل الدينية ولكنها في الحقيقة من أوثق الصلات بالقرآن الكريم، ذلك لأن الشعر الجاهلي يمثل حقيقة قوة أهله في البيان والبلاغة، والقرآن الكريم تحدّى العرب في أعظم قواها وملكاتهم وهي ملكة البيان والبلاغة، فإذا تمَّ نفي الدليل على هذه القوة والملكة سقط معنى التحدي الوارد في القرآن الكريم.

طه حسين في هذا الكتاب الذي أصدره سنة 1926 م صرح باعتماده على مبدأ "الشك الديكارتي" في مبحثه في أصول الشعر الجاهلي، وقال فيه: إنه للوصول إلى الحقيقة لا بد أن ( يتجرد الباحث من حل شيء كان يعلمه من قبل وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذِّهن ممّا قيل فيه خلوّا تاماً)، وصرّح بأنه يجب علينا ( حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتنا، وأن ننسى ديننا وكلّ ما يتصل به، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين، يجب أن لا نتقيد بشيء، ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح، ذلك أنّا إذا لم ننسى قوميتنا وديننا وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين، وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا؟) وفي نفيه لحقيقة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام- يقول: ( للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي).

إلا أن الشيء الذي كتمه ولم يعترف به أنَّ مسألة التشكيك بالشعر الجاهلي قد سرقها من المستشرق "مرجليوث".

وكان طه حسين يقوم بإلقاء هذه المفاهيم على طلبة السنة الأولى في كلية الآداب في الجامعة المصرية، وقبل أن تقوم العواصف الإيمانية ضد كتاب ( في الشعر الجاهلي) وتتوالى الردود عليه من كل حدب وصوب بعد طباعته، كانت هناك قبل ذلك معركة خفية تدور رحاها داخل الجامعة في نَفْسِ شاب لم يكمل السّادسة عشر من عمره، كان هذا الشاب قد قرأ رأي "مرجليوث" الذي نشره في بحث بعنوان ( أصول الشعر العربي)، وكان لـ "طه حسين" يد على هذا الشاب بإدخاله في كلية الآداب مع دراسته الفرع العلمي، ولكن الطالب وجد في أستاذه الخيانة للعلم ولحقِّ الكلمة، هذا الشاب كان الشيخ / محمود شاكر - رحمه الله تعالى-.





محمود شاكر يصف المحنة:



وقد وصف محمود شاكر - رحمه الله- هذه الفترة تفصيلاً في المقدمة الجديدة لكتابه " المتنبي" حيث يقول: - (... كان ما كان، ودخلنا الجامعة، بدأ الدكتور "طـه" يلقي محاضراته التي عرفت بكتاب في " الشعر الجاهلي" ومحاضرة بعد محاضرة، ومع كل واحدة يرتد إلي رجع من هذا الكلام الأعجمي الذي غاص في يمّ النسيان! وثارت نفسي، وعندي الذي عندي من المعرفة بخبيئة هذا الذي يقوله الدكتور "طـه" = عندي الذي عندي من هذا الإحساس المتوهج بمذاق الشعر الجاهلي، كما وصفته آنفا، والذي استخرجته بالتذوق، والمقارنة بينه وبين الشعر الأموي والعباسي. وأخذني ما أخذني من الغيظ، وما هو أكبر وأشنع من الغيظ، ولكني بقيت زمناً لا أستطيع أن أتكلم.

تتابعت المحاضرات، والغيظ يفور بي والأدب - الذي أدبنا به آباؤنا وأساتذتنا- يمسكني، فكان أحدنا يهاب أن يكلم الأستاذ، والهيبة معجزة، وضاقت علي المذاهب، ولكن لم تخل أيامي يومئذ في الجامعة من إثارة بعض ما أجد في نفسي، في خفوت وتردد. وعرفت فيمن عرفت من زملائنا شاباً قليل الكلام هادىء الطباع، جم التواضع، وعلى أنه من أترابنا، فقد جاء من الثانوية عارفاً بلغات كثيرة، وكان واسع الإطلاع، كثير القراءة، حَسَن الإستماع، جيد الفهم، ولكنه كان طالبا في قسم الفلسفة، لا في قسم اللغة العربية. كان يحضر معنا محاضرات الدكتور، وكان صفوه وميله وهواه مع الدكتور "طه" ذلك هو الأستاذ الجليل " محمود محمد الخضيري". نشأت بيني وبينه مودة فصرت أحدثه بما عندي، فكان يدافع بلين ورفق وفهم، ولكن حدتي وتوهجي وقسوتي كانت تجعله أحيانا يستمع ويصمت فلا يتكلم. كنّا نقرأ معا، وفي خلال ذلك كنت أقرأ له من دواوين شعراء الجاهلية، وأكشف له عما أجد فيها، وعن الفروق التي تميز هذا الشعر الجاهلي من الشعر الأموي والعباسي. وجاء يوم ففاجأني "الخضيري" بأنه يحب أن يصارحني بشيء وعلى عادته من الهدوء والأناة في الحديث، ومن توضيح رأيه مقسماً مفصلاً، قال لي: إنه أصبح يوافقن ي على أربعة أشياء:_

الأول: أن اتكاء الدكتور على "ديكارت" في محاضراته، اتكاء فيه كثير من المغالطة، بل فيه إرادة التهويل بذكر "ديكارت الفيلسوف"، وبما كتبه في كتابه " مقال عن المنهج" وأن تطبيق الدكتور لهذا المنهج في محاضراته، ليس من منهج "ديكارت" في شيء.

الثاني: أن كل ما قاله الدكتور في محاضراته، كما كنت أقول له يومئذ، ليس إلا سطواً مجرداً على مقالة "مرجليوث"، بعد حذف الحجج السخيفة، والأمثلة الدالة على الجهل بالعربية، التي كانت تتخلّل كلام ذاك الأعجمي وأن ما يقوله الدكتور لا يزيد على أن يكون " حاشية" وتعليقاً على هذه المقالة.

الثالث: أنه على حداثة عهده بالشعر وقلة معرفته به، قد كان يتبين أن رأيي في الفروق الظاهرة بين شعر الجاهلية وشعر الإسلام، أصبح واضحاً له بعض الوضوح وأنه يكاد يحس بما أحس به وأنا أقرأ له الشعر وأفاوضه فيه.

الرابع: أنه أصبح مقتنعاً معي أن الحديث عن صحة الشعر الجاهلي، قبل قراءة نصوصه قراءة متنوعة مستوعبة، لغو باطل وأن دراسته كما تدرس نقوش الأمم البائدة واللغات الميتة، إنما هو عبث محض.

وافق أن جاء في حديثه هذا في يوم من أيام العصبية. فالدكتور "طـه" أستاذي، وله علي حق الهيبة، هذا أدبنا. وللدكتور "طـه" علي يدٌ لا أنساها، كان مدير الجامعة يومئذ " أحمد لطفي السيد" يرى أن لاحق لحامل " بكالوريا" القسم العلمي في الإلتحاق بالكليات الأدبية، ملتزما في ذلك بظاهر الألفاظ!! فاستطاع الدكتور " طـه" أن يحطم هذا العائق بشهادته لي، وبإصراره أيضا. فدخلت يومئذ بفضله كلية الآداب، قسم اللغة العربية، وحفظ الجميل أدب لا ينبغي التهاون فيه. وأيضا فقد كنت في السابعة عشرة من عمري، والدكتور طه في السابعة والثلاثين، فهو بمنزلة أخي الكبير، وتوقير السن أدب ارتضعناهُ مع لبان الطفولة. كانت هذه الآداب تفعل بي فعل هوى المتنبي بالمتنبي حيث يقول:



رَمَى واتّقى رَمْيي، وَمِنْ دونِ ما اتقَى هوىً كاسِرٌ كَفَّي، وقَوسي، وأسْهُمي



فذلك ظللت أتجرع الغيظ بحتاً، وأنا أصغي إلى الدكتور "طـه" في محاضراته، ولكني لا أستطيع أن أتكلم، لا أستطيع أن أناظره كِفاحاً، وجهاً لوجه، وكل ما أقوله، فإنما أقوله في غيبته لا في مشهده. تتابعت المحاضرات، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة "مرجليوث"، ويزداد في نفسي وضح الفرق بين طريقتي في الإحساس بالشعر الجاهلي، وبين هذه الطريقة التي يسلكها الدكتور "طه" في تزييف هذا الشعر. وكان هذا " السطو" خاصة ممّا يهزّ قواعد الآداب التي نشأت عليها هزاً عنيفاً، بدأت الهيبة مع الأيام تسقط شيئا فشيئاً، وكدت ألقي حفظ الجميل ورائي غير مُبال، ولم يبق لتوقير السن عندي معنىً، فجاء حديث الخضري، من حيث لا يريد أو يتوقع، لينسف في نفسي كل ما التزمت به من هذه الآداب. وعجب الخضري يومئذ، لأني استمعت لحديثه، ولم ألقه لا بالبشاشة ولا بالحقارة التي يتوقعها، وبقيت ساكناً، وانصرفت معه إلى حديث غيره.

وفي اليوم التالي جاءت اللحظة الفاصلة في حياتي. فبعد المحاضرة، طلبت من الدكتور" طه" أن يأذن لي في الحديث، فأذن لي مبتهجاً، أو هكذا ظننت. وبدأت حديثي عن هذا الأسلوب الذي سماه "منهجا" وعن تطبيقه لهذا "المنهج" في محاضراته، وعن هذا " الشك" الذي اصطنعه، ما هو، وكيف هو؟ وبدأت أدلل على أن الذي يقوله عن " المنهج" وعن " الشك" غامض، وأنه مخالف لما يقوله "ديكارت"، وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم تسليماً سلما يداخله الشك، بروايات في الكتب هي في ذاتها محفوفة بالشك! وفوجىء طلبة قسم اللغة العربية، وفوجىء الخضيري خاصة. ولما كدت أفرغ من كلامي، انتهرني الدكتور "طه" وأسكتني، وقام وقمنا لنخرج. وانصرف عني كل زملائي الذي استنكروا غضاباً ما واجهت به الدكتور " طه"، ولم يبق معي إلا محمود محمد الخضيري ( من قسم الفلسفة كما قلت). وبعد قليل أرسل الدكتور "طه" يناديني فدخلت عليه وجعل يعاتبني، يقسو حيناً ويرفق أحيانا، وأنا صامت لا أستطيع أن أرد. لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضراته التي نسمعها كلّها مسلوخة من مقاله "مرجليوث"، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكني على يقين من أنه يعلم أني أعلم، من خلال ما أسمع حديثه، ومن صوته، ومن كلما ته، ومن حركاته أيضا!! وكتماه هذه الحقيقة في نفسي كان يزيدني عجزاً عن الرد، وعن الإعتذار إليه أيضاً، وهو ما كان يرمي إليه. ولم أزل صامتاً مُطرقاً حتى وجدت في نفسي كأني أبكي من ذلِّ العجز، فقمت فجأة وخرجت غير مودع ولا مبال بشيء. وقضي الأمر! ويبس الثرى بيني وبين الدكتور: "طه" إلى غير رجعة!

ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحياناً بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات، فيأخذني يمينا وشمالاً في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن ذكر سطوه على مقالة مرجليوث، صارفاً همي كله إلى موضوع " المنهج" و"الشك" وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموي والعباسي قراءة متذوقة مستوعبة، ليستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي قبل الحديث عن صحة نسبة هذا الشعر إلى الجاهلية، أن التماس الشبه لتقرير أنه باطل بالنسبة، وأنه موضوع في الإسلام، من خلال روايات في الكتب هي في حد ذاتها محتاجة إلى النظر والتفسير. ولكني من يومئذ أيضاً لم أكف عن إذاعة هي الحقيقة التي أكتمها في حديثي مع الدكتور "طه" وهي أنه سطا سطْواً كريهاً على مقالة المستشرق الأعجمي، فكان، بلا شك، يبلغه ما أذيعه بين زملائي. وكثر كلامي عن الدكتور " طه" نفسه، وعن القدر الذي يعرفه من الشعر الجاهلي، وعن أسلوبه الدال على ما أقول. واشتد الأمر، حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي، بعض الأساتذة كالأستاذ "نلّينو" جويدي من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران. وطال الصراع غير المتكافىء بيني وبين الدكتور "طه" زما ناً، إلى أن جاء اليوم الذي عزمتُ فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها غير مبال بإتمام دراستي الجامعية طالباً للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في "قضية الشعر الجاهلي" بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب. ولطبيعة خاصة لهذا الرجل قرر أن يترك الجامعة بعد أن سقطت هيبتها من نفسه، وعجز أن يحتمل هذا الفساد الذي رآه في أساتذته ومعلّميه.







--------------------------------------------------------------------------------



فمن هو محمود محمد شاكر - أبو فهر- ؟


--------------------------------------------------------------------------------



والده هو محمد شاكر ( توفي سنة 1929م) شيخ أزهري كان وكيلاً للجامع الأزهر (1909 -1912م)، وأمه بنت الشيخ/ هارون عبد الرزّاق ( توفي سنة 1918م) والد المحقق / عبد السلام هارون، والشيخ/ محمود محمد شاكر هو شقيق المحدث الإمام الشيخ أحمد شاكر صاحب الجهود العظيمة في خدمة السُّنة النبوية، ولا بأس من الاستطراد قليلاً في ترجمة الشيخ/ أحمد شاكر شقيق المترجم أبي فهر.



المحدِّث العلاّمة الشيخ/ أحمد محمّد شاكر:



كناه والده شمس الأئمة أبا الأشبال، ولد سنة (1892 م)، ولما عيّن والده قاضيا للقضاة في السودان سنة (1900م) رحل بولده معه هناك وألحقه بكلية "غوردن" - وهي كلية أسسها الإنجليز سنة ( 1903م) في الخرطوم، وسميت باسم الضابط الإنجليزي "تشارلز غوردن" الذي يعرف باسم "غوردن باشا"، وكان قد قُتل في السودان لما استولى المهدي السوداني على الخرطوم سنة (1885م) - فبقي أحمد شاكر تلميذاً بها حتى عاد أبوه من السودان، وتولى مشيخة علماء الإسكندرية سنة (1904) فألحق ولده أحمد من يومئذ بمعهد الإسكندرية الذي يتولاه، وكان لوالده أكبر الأثر في تربيته، فقد قرأ له ولإخوانه تفسير "البغوي" وتفسير "النسفي"، وقرأ لهم صحيح مسلم وسنن "الترمذي" والشمائل له وبعض صحيح البخاري، وقرأ لهم في أصول الفقه جمع الجوامع "للسّبكي" وشرح "الأسنوي" على المنهاج "للبيضاوي" وقرأ لهم في المنطق شرح "الخبيصي" على القطبيّة، وقرأ لهم في الفقه الحنفي كتاب الهداية "للمرغيناني"، وحين انتقل والده إلى القاهرة سنة 1909م التحق أحمد شاكر بالأزهر، وهناك بدأ الطلب على يد مشايخ الأزهر وعلماء القاهرة، وفي سنة 1917م حاز أحمد شاكر على الشهادة العالمية من الأزهر وعُيِّنَ في بعض الوظائف، ثم أصبح قاضيا سنة 1951 ثم رئيساً للمحكمة الشرعية العليا وهي آخر وظائفه وقد كانت هذه الفترة هي فترة التقنين للتشريعات الجاهلية وتسويغها عن طريق أزلامها في الصحافة والمنتديات، فكان خلال ذلك كله يكتب المقالات والرسائل التي تهاجم هذه الرِّدة الجديدة، وقد جمعت هذه الأبحاث في كتابين له هما: ( كلمة حق) و (حكم الجاهلية).

وكان اهتمامه بالسُّنة عظيماً حيث بدأ في تحقيق كتبها والعناية بها، فحقق كتاب الإمام العظيم / محمد بن إدريس الشافعي في أصول الفقه المسمى بـ " الرسالة" وقدم له مقدمة ضافية، ونشر كتاب (جماع العلم) وهو في الأصول كذلك، وكتاب ( الخراج) ليحيى بن آدم القرشي، وخرَّج أحاديثه، واعتنى بشرح "الطحاوية لابن أبي العزِّ الحنفي"، ونشر مجلدين من سنن "الترمذي" والمجلد الأول من صحيح "ابن حبان"، والمحلى/ لابن حزم والإحكام في أصول الإحكام له، وفي سنة 1946 م شرع الشيخ - رحمه الله- في تحقيق مسند الإمام "أحمد بن حنبل" والذي لم يتم منه إلا ثلثه حيث وافته المنية قبل الإنتهاء منه، وشارك أخاه محموداً في تحقيق تفسير "الطبري" الذي لم يتم واختصر تفسير "ابن كثير" بروح نقدية عالية سمَّاه "عمدة التفسير"… والشيخ/ محمود شاكر يعتبر أن كتاب (الطلاق في الإسلام) الذي كتبه أخوه/ محمد شاكر، هو من أفضل كتبه لما تحلى به من روح الإجتهاد وقوة الملكة الفقهية، وما زال الشيخ / أحمد شاكر يعتبر إماماً في الحديث، وتزداد مرتبة التقدير له من المهتمين بالسُّنَّة يوما بعد يوم.

وكان لأحمد شاكر - رحمه الله تعالى- جهود في نشر كتب اللغة والأدب حيث نشر كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة و " لباب الآداب" لأسامة بن منقذ و " المعرَّب" للجواليقي، و " إصلاح المنطق" لابن السُّكيت و " الأصمعيات" و " والمفضلّيّات"، وكان يستعين في تحقيق كتب الأدب بأخيه محمود، وهذه الكتب الأخيرة شاركه فيها ابن خاله عبد السلام هارون. وفي يوم السبت 14/6/1958م أتته منيته ومضى لسبيله - رحمه الله تعالى- وأسبغ عليه رحمته ورضوانه-.

وللشيخ شقيق آخر اسمه علي كان قاضياً شرعياً.



عودة إلى الشيخ محمود شاكر:



ولد سنة 1909 م وتلقّى أول تعليمه في مدرسة الوالدة / أم عباس في القاهرة سنة 1916م. وبعد ثورة 1919 . انتقل إلى مدرسة القربيّة بدرب الجماميز، ثم دخل المدرسة الخديوية الثانوية سنة 1921 م، ولنترك محمود شاكر يحدثنا عن هذا النظام المدرسي المسمى بـ ( الأكاديمي) وكيف كانت نظرته له وما هي مشاعره عندما انتظم طالباً في هذه المدارس.



مدارس ( دنلوب) وجرائمها في حق النشء تعليماً وتربية:



يقول -رحمه الله تعالى-: فمنذ بدأت أعقل بعض هذه الدنيا، وأرى سوادها وبياضها بعين باصرة شغلتني الكلمة وتعلق قلبي بها، لأني أدركت أول ما أدركت أن ( الكلمة) هي وحدها التي تنقل إلى الأشياء التي أراها بعيني وتنقل إلي أيضاً بعض علائقها التي تربط بينها، والتي لا أطيق أن أراها بعيني.. ثم قذف بي أبي - رحمه الله- إلى المدرسة.

فلا أزال أذكر أول ساعة دخلتها، ولا أزال أذكر ذلك الرّعب الذي فض نفسي وهالني، حين صك سمعي ذلك الصوت المبهم البغيض إليّ منذ ذلك الحين، صوت الجرس! صوت مصلصل مؤذي، جاف، أبكم، أعجم لا معنى له، وإذا هو غل يطوقني ويشلّ إرادتي، رنين منكر سري بالفزع في نفسي، وردد الوجيب الوخاز في قلبي، كدت أكره المدرسة من يومئذ من جرّاء هذا الجرس الأعجمي الخبيث... هكذا أخذني أول البلاء، ثم زاد وربا حين ساقونا إلى الفصول كالقطيع صفوفاً، ولكن لم يلبث فزعي أن تبدد بعد أن دخلنا الفصل، واستقر بنا الجلوس، ثم بدأ الدرس الأول على الرِّيق، وهو درس اللغة الإنجليزية! ونسيت كلّ ما نالني حين سمعت هذه الحروف الغربية النطق التي لم آلفها، وفتنتني وغلبني الاهتمام بها، وجعلت أسارع في ترديدها وحفظها. اغتالت هذه الحروف الجديدة وكلماتها كلّ همّتي، اغتالتها بالفرح المشوب بطيش الطفولة، وكان حبُّ الجديد الذي لم آلفه قد بزّ حسن الانتباه إلى القديم الذي ألفته منذ ولدت، فقلَّ انتباهي إلى لغتي العربية، قصر انتباهي إليها، بل لعلي استثقلتها يومئذ وكدت أنفر منها، وكذلك صرت في العربية ضعيفاً جداً، لا أكاد اجتاز امتحانها إلا على عسر، وعلى شفى، وهكذا أنفذَ ( دنلوب) ا للعين أول سهامه في قلبي من حيث لا أشعر، ودرجت على ذلك أربع سنوات في التعليم الإبتدائي، ولبلاء يطغى علي عاما بعد عام، ولكن كان من رحمة الله بي أن أدركتني ثورة مصر في سنة 1919 م وأنا يومئذ في السنة الثالثة، فلما كانت السنة الرابعة سقطت في امتحان - الشهادة الإبتدائية -... وصنع الله حيث سقطت، وأحسن بي إذ ملأ قلبي مللاً من الدروس المعادة، واتسع الوقت فصرت حراً أذهب حيث يذهب الكبار إلى الأزهر، حيث أسمع خطب الثوار، وأدخل "رواق السنارية" وغيره بلا حرج، وفي هذا الرواق سمعت أول ما سمعت مطارحة الشعر، وأنا لا أدري ما الشعر إلا قليلاً، وكتب الله لي الخير على يد أحد أبناء خالي ممن كان يومئذ مشتغلاً بالأدب والشعر، فأراد يوما أن يتخذني وسيلة إلى شيء يريده من عمته، التي هي أمي - رحمها الله-، فأبيت إلا أن يعطيني هذا الديوان الذي سمعتهم يقرؤون شعره ويتناشدونه، وقد كان، فأعطاني ديوان المتنبي بشرح الشيخ "اليازجي"، وكان مشكولاً مضبوطاً جيد الورق، فلم أكد أظفر به حتى جعلته وردي، في ليلي ونهاري، حتى حفظته يومئذ، وكأن عيناً دفينة في أعماق نفسي قد تفجرت من تحت أطباق الجمود الجاثم، وطفقت أنغام الشعر العربي تتردد في جوانحي، وكأني لم أ جهلها قط، وعادت الكلمة العربية إلى مكانها في نفسي.

وما قاله الشيخ هو تصوير لواقع التعليم في بلادنا المنكوبة بسياسة زنادقة همهم نزع مقومات وجودنا، وخصائص هويتنا، حتى ينشأ جيل مبتورٌ عن تاريخه ودينه، وإن أقصر الطرق لهذه الجريمة البشعة هو حرف الناس عن العربية والتي هي وعاء هذا الوجود وحامية هذه الهوية، وبدونها لن يكون إحساس المسلم بدينه ولن يدرك تاريخه كما هو، وهذا هو واقع من اضطلع في آداب الغير وانتهج سبل علومهم في البحث والدراسة، رأيناه من أشد الناس نقمة على هذا الدين، وإذا بحث فيه فإنه يزوره ويكذب عليه ولا يخرج منه بالهداية التي هي معقد هذا الدين ولبه وحقيقته.

ثم بين الشيخ أن هذا الإحساس بالكلمة العربية لم يزحزح شيئاً من الكلمة الإنجليزية التي غرسها "دنلوب" اللعين في غضارة الفتى اللَّيِّن، ثم ازداد إحساسه في الرياضيات كمنافس جديد في نفسه، فآثره محمود شاكر على غيره، ولأجل ذلك التحق بالقسم العلمي ونال درجة البكالوريا سنة 1925م.



تتلمذ الشيخ على أئمة الأدب...



وفي أثناء ذلك اتصلت أسباب محمود شاكر بأسباب اثنين من كبار العلم بالأدب هما:- سيد بن علي المرصفي، ومصطفى صادق الرّافعي، والمرصفي إمام من أئمة العربية في زمانه، وحامل أمانتها، كان من جماعة كبار العلماء في الأزهر، وتولى تدريس العربية فيه إلى أن نالت منه الشيخوخة، وكسرت ساقه فاعتكف بمنزله بالقاهرة يدرِّس طلابه الذين كانوا يقصدونه إلى أن توفي (سنة 1931 م). وقد انتفع به الكثير من الأدباء والنقاد والمفكرين كأحمد حسن الزّيّات، وحسن السندوبي، وأحمد محمد شاكر وعلي الجارم، وعبد الرحمن البرقوقي وهو صاحب كتاب " رغبة الآمل في كتاب الكامل" و " أسرار الحماسة"، ففي سنة 1922 م اتصل محمود شاكر بالمرصفي، فحضر دروسه التي كان يلقيها بعد الظهر في جامع السلطان برقوق، ثم قرأ عليه في بيته "الكامل" للمبرد و"الحماسة" لأبي تمام وشيئا من "الأمالي" لأبي علي القالي، وبعض أشعار الهذليين.

أما الرافعي ( 1881-1937م) فهو من هو، وصفه شاكر بقوله: - "الرافعي" كاتب حبيب إلى القلب، تتنازعه إليه أسباب كثيرة من أخوّة في الله، ومن صداقة في الحبّ، ومن مذهب متفق في الروح، ومن نية معروفة في الفن، ومن إعجاب قائم بالبيان.." وقال عنه في رسالة وجهها إليه أنه: ملجأ يعتصم به المؤمنون حين تناوشهم ذئاب الزندقة الأدبية التي جعلت همها أن تلغ ولوغها في "البيان القرآني".. وقد قويت الصلة بينهما جداً حتى قال شاكر عن "الرافعي" بعد وفاته في مقدمة كتاب "حياة الرافعي" إنه صار: ميراثاً نتوارثه، وأدباً نتدارسه، وحناناً نأوي إليه.

وبعد انتهاء البكالوريا التحق شاكر بالجامعة كما تقدم في كلية الآداب- قسم اللغة العربية- وهناك كانت البداية في معركته التي عاشها إلى يوم وفاته، معركته ضد أعداء الأمة، وكانت ساحة هذه المعركة هي ساحة اللغة والثقافة والأدب، فإنه بعد أن اكتشف أمر أستاذه وسقطت هيبة الجامعة من نفس الفتى قرر تركها وراءه غير آسف، قد حاول أساتذة ثنيه، ولكن صلابة الفتى أبت إلا الفراق، فكان له.

وفي سنة 1928 م شدّ الرحال إلى الحجاز، وهناك أنشأ مدرسة (جدة) وعمل مديراً لها ولكن بعد سنتين عاد إلى القاهرة.

وخلال المدة (1929-1935م) كان شاكر يعيش في شبه عزلة أعاد خلالها قراءة التراث طلباً لليقين في قضايا كثيرة، وكانت قضية الشعر الجاهلي تستبد بمعظم اهتمامه فأجاز لنفسه أن يسمي هذه المرحلة من حياته بـ ( محنة الشعر الجاهلي)، وخلال هذه الفترة كان يكتب بعض المقالات في الصحف والمجلات، وقد وصف معاناته في تلك الأيام أنها كانت ( تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ويقوض كل قائم في نفسي وفي فطرتي).



تأليف كتاب "المتنبي"...



سنة 1935م انتدبته مجلة ( المقتطف - لصاحبها فؤاد صرّوف- إلى كتابه كلمة عن " المتنبي" في الذكرى الألف لوفاته، فلبّى شاكر الدعوة، وتم الإتفاق على أن تكون الكلمة ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة من صفحات المقتطف، وقد وصف هذه التجربة في المقدمة الجديدة لكتابه " المتنبي" وأفاض فيها.. كما ذكر أنه مزّق ما كتب عدة مرات لعدم اقتناعه بما كتب حتى استقر على اكتشاف في شخصية المتنبي.

وقد استخدم في كتابه هذا كلّ أدواته الإبداعية، ومارس قدرته النقديّة والبحثية في دراسة المتنبي بصورة لم يسبق إليها، وهو الفن الذي سماه بالتذوق، وانتهى إلى نتائج لم يقل بها أحد قبله منها:_

1 - القول بعلوية المتنبي وهي التي تم اكتشافها بعد ذلك من خلال المخطوطات التي ترجمت له.

2 - اكتشافه حبّ المتنبي لـ "خولـة" أخت سيف الدولة " الـحمدانـي".

وقد عمد شاكر إلى الدخول في النصوص الشعرية ودراستها دراسة تحليلية من داخلها للوصول إلى هذه النتائج، وهو الأمر الذي يخالف منهج الكثيرين في اعتماد الأخبار فقط لمعرفة نفسية الشخصية وما يحيط بها من ظروف.

وهذا الأمر هو الذي ميّز شاكر في اعتماده للمبدأ العلمي والذي سماه ( التذوق)، ويعني به فيما يعني الغوص في كلام القائل وتحليله للخروج بالنتائج المطلوبة.

وبكتابه هذا نشأت معركة جديدة بينه وبين الآخرين، خاصة بينه وبين طه حسين بعد سنتين من صدوره إذ أخرج هذا الأخير كتابا سماه " مع المتنبي" واندلعت هذه المعركة في مجلة البلاغ تحت عنوان ( بيني وبين طه) بيّن فيها شاكر ( عدم بصر) طه حسين بالشعر وبسطوه على بعض ما قاله شاكر في الشّك حول والد المتنبي سطواً فجاً قبيحاً.. وبلغت اثنتي عشرة مقالة حتّى جاءه نعي أستاذه وصديقه "مصطفى صادق الرافعي" (1937 م) ( فانهدم في نفسي كلّ ما كان قائماً، وذهب الدكتور "طه" وكتابه جميعاً من نفسي تحت الهدم فــ:-



ليت الحوادث باعتني الذي أخذت مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي



في سنة 1940 م شرع الشيخ شاكر في قراءة التراث وشرحه، فنشر كتاب " إمتاع الأسماع بما للرسول - صلى الله عليه وسلم- من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع" للمقريزي، و " المكافأة وحسن العقبى" لأحمد بن يوسف بن الداية الكاتب، وفي هذه السنة عهد صاحب " الرسالة" أحمد حسن الزيات إلى شاكر بتحرير باب " الأدب في أسبوع"، فأجاب إلى ذلك وكتب طائفة من التعقيبات والتعليقات.. وفي هذه الفترة ألف الشعر ومنه قصيدته " تحت الليل" التي قال فيها:-



أهيم وقلبي هـائمٌ وحشاشـتـي تهيمُ فهل يبقى الشّقـي المبعثــرُ؟

لئن أبقت الآمـال مني لطالـما تقلّبتُ في آلامِـــها أتـضــوّر

تنازعني من كلِّ وجـه سـاحـر يمثل لي إقبــالهــا ويصــور

فيهوى لها بعضي، وبعضي موثق بأشواقـه الأخـرى إلى حيث تنظر



ومن شعره كذلك:



ذكـرتـك بين ثنايـا السطـور وأضمـرت قـلبـي بيـن الألـم

ولسـتُ أبـوح بـما قد كتمت ولـو حـزَّ فـي نفسـي حدّ الألم

فـكـم كـتـم اللَّيل من سـرنا وفـي اللِّيلِ أسـرارُ مـن قد كتـم



القوس العذراء ...



وفي سنة 1952م نشر الشيخ/ محمود شاكر قصيدته الرائعة ( القوس العذراء) وهي قصيدة طويلة تبلغ مائتين وثمانين بيتاً استلهمها من قصيدة الشماخ- رضي الله عنه- التي مطلعها:



عفا نطن قوٍّ من سليمى فغالز فذات الغضا فالمشرفات النوافز



والشماخ هو ابن ضرار الغطفاني، شاعر فحل، صحابي، أدرك الجاهلية ثم أسلم، كان أعوراً، وعلى عوره كان وصّافاً، أجاد وصف الحمر الوحشية، غزا في فتوح عمر - رضي الله عنه، وشهد القادسية ثم غزا أذر بيجان مع سعيد بن العاص، فاستشهد في غزوة موقان سنة أربع وعشرين من الهجرة في عهد عثمان - رضي الله عنهما-

وفي زائيّته التي نسج الشيخ/ شاكر على منوالها، وصف الشماخ قصّة قوّاس صنع قوسا فأتقنها حتى كانت رميتها لا تخيب، ثّم اضطره فقره إلى بيعها، فأخذ الشيخ شاكر هذه القصة ونسج عليها رائعة من روائع الشعر المعاصر.. جعلها واسطة بينه وبين صديق له لم تبلو مودته وصداقته:



فدع الشماخ ينبئك عن قوَّاسها البائس من حيث أتاها

أين كانت في ضمير الغيب من غيلٍ نماها؟

كيف شقت عينه الحجب إليها فاجتباها؟

كيف ينغل إليها في حشا عيصٍ وقاها؟

كيف أنحا نحوها مبراته، حتى اختلاها؟

كيف قرت في يديه واطمأنت لفتاها؟

كيف يستودعها الشمس عامين تراه ويراها؟

وفي هذه القصيدة القصصية استودع شاكر نظرته للحياة، وبيّن فيها صراع العاطفة مع العقل، وكيف يهزم المال الحب؟، وكيف يتحطم المثال على صخرة الواقع.. وشاكر في هذه القصيدة كأنه يبرر لنفسه ما أصابه من اضطراب بين مواقفه الجريئة الواضحة وبين ما كان يقع فيه من أعمال لا تستقيم مع رؤاه:-



وفاضت دموع كمثل الحميم لذاعة نارها تستهل

بكاء من الجمر، جمر القلوب، أرسلها لاعج من خيل

وغامت بعينيه واستنزفت دم القلب يهطل فيما هطل

وخانقة ذبحت صوته وهيض اللّسان لها واعتقل

وأغضى على ذلّة مطرقا عليه من الهم مثل الجبل

أقام وما أن به من حراك تخاذل أعضاؤه كالأشل

ولكن الشيخ يختم قصيدته بالأمل وبوجوب ترك اليأس بعد السقوط على خلاف ختم الشماخ قصيدته:_



أفق يا خليلي أفق لا تكن حليف الهموم صريع العلل

فهذا الزمان وهذي الحياة علمتنيها قديما.. دول!!

أفق لا فقدتك ماذا دهاك؟ تمتع! تمتع بها لا تُبَل

بصنع يديك تراني لديك، في قدِّ أختي! ونِعْمَ البدل

صدقت! صدقت! وأين الشّباب؟ وأين الولوع؟ وأين الأمل؟

صدقت! صدقت!! نعم صدقتُ! سِرُّ يديك كأن لم يزل

حباك به فاطر النّيرات، وباري النّبات، ومرسي الجبل

فقم واستهِلّ، وسبّح له ! ولبَّ لرب تعالى وجل

كانت هذه القصيدة وما زالت صفعة في وجه الراحلين عن ثقافتنا وتراثنا، مصعرين خدودهم باحتقار وازدراء، موجهين هاماتهم نحو اليونان والرومان لا يعرفون إلا الأساطير الوثنية، ولا يتمثلون إلا الصور الشِّركية لآلهتهم النجسة، لقد كانت هذه القصيدة وما زالت محطمة للحواجز الوهمية التي يزعمها أهل الصّغار في عدم فهمهم للتراث وعدم استيعابهم له، فها هو الشيخ/ شاكر يقتحم أكثر الحصون مناعة في الشعر الجاهلي، شعر الشماخ الذي قيل فيه:- ( كان شديد متون الشعر، أشد أسر كلام من لبيد وفيه كزازة) واستخرج منه شاكر هذه اللؤلؤة الصافية، يستخدمها ليبث روحه فيها، ويجللها بمضمون فلسفي رائع، يكشف بها عن نفسه وعن آرائه وقدراته، ولذلك وقف النقاد وقفة احترام وتقدير لهذه القصيدة، وكثرت الدراسات حولها، ومن هؤلاء النقاد: الدكتور إحسان عباس، والدكتور مصطفي هدّارة، وزكي نجيب محفوظ، ومحمد محمد أبي موسى..

يقول الدكتور إحسان عباس عنها: - " ليست في محاولة الإبتكار بقدر ما هي في العودة إلى التراث، وربط الحاضر بالماضي، وإيداع القوة الرمزية فيما يبدو بسيطا ساذجاً لأول وهله. وفي ذلك كله نوع من الإبداع جديد، وبرهان ساطع على أن تطلب الرموز في الأساطير الغربية عن التراث يدل على جهل به، أو على استسهال لاستخدام رموز جاهزة أو عليهما معاً.

وفي سنة 1952 م كذلك، نشر الشيخ/ محمود شاكر كتاب " طبقات فحول الشعراء" وانشغل فيه بتحقيق تفسير الإمام الطبري " جامع البيان وتأويل القرآن"، والذي شاركه فيه أخوه أحمد، فنشر منه ثلاثة عشر مجلداً، ولكن بعد وفاة أخيه تقاعس الشيخ محمود عن العمل في هذا التفسير حيث أنه خلال ثلاثة عشر عاماً بعد وفاة شقيقه لم ينشر سوى ثلاثة مجلدات ثم ترك العمل لخلاف حصل بينه وبين دار المعارف التي تولت نشر الكتاب.

وفي سنة 1958 م كتب شاكر فصلاً في إعجاز القرآن كان مقدمة لكتاب مالك بن نبي " الظاهرة القرآنية" ونشر هذا الفصل في كتاب مستقل " مداخل إعجاز القرآن".





الشيخ في سجن عبد الناصر...



وفي سنة 1959م سُجِنَ الشيخ تسعة أشهر مع إخوانه وذلك عندما تعرض الإسلاميون للمحنة الأولى في صدامهم مع الهالك عبد الناصر.. وكان سبب سجنه - رحمه الله- وقوته ضد ممارسات العسكريين الذين استلموا الحكم بعد انقلاب 1952 م.

وفي سنة 1962 نشر الجزء الأول من " جمهرة نسب قريش" للزبير بن بكّار.

معركة " أباطيل وأسمار" وسجن الشّيخ مرّة أخرى:

في سنة 1964 بدأ لويس عوض - الذي عُيِّنَ مستشاراً ثقافياً لجريدة الأهرام - ينشر مقالات تحت عنوان: ( على هامش الغفران- شيء من التاريخ) مزج في مقالاته خبث الطويّة التي كان مبناها على نصرانية الأصل، وتربيته في الغرب، مع جهل بتاريخ الأمة ولغتها، فاشتعلت حمية الشيخ /محمود شاكر لمّا رأى:-





كشيش أفعى أجمعت لعضٍّ فهي تحك بعضها ببعض



وإذا هو أسود سالخ ( وهو أقتل ما يكون من الحيّات) يمشي بين الألفاظ فيسمع لجلده حفيف، ولأنيابه جرش، فما زلت أنحدر مع الأسطر والصوت يعلو، يخالطه فحيح، ثمّ ضباج، ثم صفير، ثم نباح ( وكلها من أصوات الأفاعي).. بهذا قرر الشيخ أن يترك عزلته عن الكتابة، ويمسح عن قلمه الصدأ الذي أصابه، ويخرج وقد لبس لأمته ليكشف ما يقوم به المزورة لتاريخنا، الداعون إلى تحطيم مقومات هويتنا، فبدأ بنقض ما يقوله لويس عوض، وقام بكشف جهله وجهل جماعته بآداب هذه الأمة، وصال فيهم بثقة اكتسبها من إدراكه العميق لهذه الثقافة، ومن ثقته بهذا الدين، وأرجع هجومهم على هذه الثقافة على أصولها، وأنها هجوم على دين الله تعالى، فربط بين لويس عوض وبين سلامة موسى وبين دوائر الاستشراق التي تربّي أمثالهما على عينها، ثم تخرجهم وقد تبوؤا على مراكز القرار، فعاثوا في الأمة الفساد، وقوضوا أبنيتها الشامخة بألاعيبهم وأكاذيبهم، والشيخ وإن اتخذ لويس عوض نموذجا فإنما أراد بمقالاته التي سمّاها " أباطيل وأسمار" أن يكشف عن جيل كامل حمل معاول الهدم والتدمير، ورضي لنفسه أن يكون تابعاً لدوائر التبشير والإستشراق.

في مقالاته " أباطيل وأسمار" صنع الشيخ/ شاكر ملحمة فكرية رائعة أبان فيها عن قضية المنهج الذي أفسده هؤلاء فقال:-

ولفظ ( المنهج) كما سيأتي يحتاج مني إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصطلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشأن، بل أريد به ( ما قبل المنهج) أي الأساس في تناول المادة، وشطر في معالجة التطبيق.

وتعد كتب الشيخ نموذجاً لتطبيق هذا المنهج بكل أمانة وقوّة.

والعظيم في الأمر أن الشيخ جعل كلّ ذلك من أجل الدين، وجعلها معركة له وتحت رايته..

قال الشيخ واصفاً حال هذه الفترة في عرضه لكتابه:- وقد بدأت أكتب هذه الكلمات بعد عزلة ارتضيتها لنفسي منذ سنين لأني خشيت أن لا أقوم بحق القلم عليّ وبحق الناس عليه، فوجئت بأشياء كنت أراها هينة لا خطر لها، فاستبان لي بعد قليل من مذاكرة أصحابي أن الأمر أهول مما ظننت، فمن أجل ذلك فارقت عزلتي، وبدأت حريصاً على أن لا أخون حق القلم عليّ، ولا حق الناس عليه.

ونعم، لم أكن غافلاً عما يجري من حولي بل كنت مصروفا عن متابعة بعض الحوادث والنوابت، وعن تعليقها بأسبابها، وعن اتباعها بنتائجها، إذ كنت امرءاً ملولاً، وهو مما قضى الله أن أكونه، يسرع إليّ المللُ فأطرح شيئاً كثيراً أعلم عن أصحابه من السخف ما أعلم، فلا أقرأه ولا ألقي إليه بالا. فمن ذلك ما كان يكتبه " أجاكس عوض"، الذي كان يُعرف، فيما غَبَر، باسم " لويس عوض".

كان من سوالف الأقضية أن كتب الله عليّ يوما ما: أن أقرأ له شيئا سماه "بلوتولند"، وقصائد أخرى وكتب تحته " من شعر الخاصة" وأهداه إلى " كريستوفر سكيف" وذلك في 1947 من الميلاد. ولما كنت أعلم حَبْءَ "سكيف" هذا، وأنه كان أستاذاً في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأنه كان جاسوساً محترفاً في وزارة الاستعمار البريطانية، وأنه كان أيضاً مبشراً ثقافياً شديد الصفاقة سيء الأدب، وأنه كان ماكراً خبيثاً خسيس الطباع، وأنه كان يفرق بين طلبة القسم الإنجليزي في الجامعة: يمدّ يداً إلى هذا، لأنه تابع له حاطب في هواه، وينفض يده من ذاك، لأنه يعتصم ببعض ما يعتصم به المخلصون لدينهم ووطنهم، حميّة وأنفة، واستنكافاً أن يضع في عنقه غُلاً للسيادة البريطانية، وللثقافة التبشيرية المسيحية. وكنت أعلم فوق ذلك، أنه " شرلتان" عريض الدعوى، لا يستحق أن يكون أستاذاً في جامعة، ولكن سياة بريطانيا كانت يومئذ هي الغالبة، وكانت كلمتها هي النافذة. فأصبح سرّ " أجاكس عوض" مفضوحاً عندي، بإهدائه " بلوتولند، وقصائد أخرى" إلى هذا الجاسوس المحترف، والمبشر الثقافي الصفيق، و" الشرلتان" الذي صار أستاذاً في الجامعة، " كريستوفر سكيف"!.

لم يمنعني ذلك من الإقدام على قراءة الكتاب، فإذا أوله هذا العنوان" حطموا عمود الشعر" ! وتحته مباشرة هذا الكلام: " لقد مات الشعر العربي، مات عام 1933، مات بموت أحمد شوقي، مات ميتة الأبد، مات".. فتوقفت دهشة، ولم يخامرني شك في أن كاتب هذا داخل فيما يسميه الأطباء: "مانياهلو سينارتوريا"، وهو الهذيان والوسوسة واختلاط العقل. وقلت: ط حاله لُطف"! ومضيت أقرأ هذه المقدمة مشتاقا، لكي أُسَرِّي عن نفسي وكانت أيامنا يومئذ جالبة للغم. وصدق ظني فضحكت ولم أبال بما وجدت فيه من بغض شديد للعرب، ومن حقد آكل على دينهم وكتابهم، ومن غرور فاجر وسوء أدب. ولم اعبأ بالرائحة الخبيثة التي تفوح من تحت ألفاظه، فقد كنت ألفتُ أن أجد ذفرها حين ألقى جماعات المبشرين في ثيابهم المختلفة، حين يستخْفون فيها وحين يستعلنون. وقنعت بما سرَّى عني الهموم من هذيانه ووسوسته واختلاطه، وأنزلت أقواله وأحقاده حيث نزل، إذ كان يومئذ شيئاً مغموراً لا يُؤبَهُ له.

وقد كشف شاكر جهل عوض باللغة العربية، وأنه ومن هم على شاكلته لا يحسنون قراءة التراث ولا يفهمون من ثقافة الأمة شيئاً، بل كشف سوء نواياهم وارتباطهم بالأجنبي، وقد اعترف أنه لا يكشف لويس عوض بمقدار أن يكشف هجمة عاتية على هذه الأمة، لتبصر الأمة حقيقة ما يراد بها من هؤلاء الكتبة .. اقرأ ما يقوله عن لويس عوض:

" إن تكن هذه عجيبة فلويس عوض أعجب منها! فقد ملأه مالئه منذ دهر ثمّ تركه، وضبطه له إلى أهدافه بعينها ثم أطلقه فانطلق يجوس خلال الآداب عامَّة، ثم الآداب العربية خاصة، وهو لا يكاد يرى إلا ما ركب لأجله : لا يكاد يرى إلا اليونان والرّوم، والقرون الوسطى والمثقفين والحضارة الحديثة، والحروب الصليبية والصلبان والخلاص، والفداء، والخطيئة، وكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي، واللغة العامية، والفتح الإنجيلزي لمصر سنة 1882، وما شئت من أمثال ذلك مما ضمنّه كتبه ومقالاته قديماً وحديثاً.

فهذا التركيب الموجَّه (!!) لا يكاد يرى ابن خلدون إلا مقرونا باورسيوس ولا المعرِّي إلا مقروناً براهب دير الفاروس وبالحروب الصليبية والصلبان التي غصّت بها حلب (!!) ولا " وردة الدهان" وهي آيات العذاب يوم القيامة، إلا مقرونة بروزا مستيكا ( مريم العذراء)، ومعاذ الله، وبرَّأها مما في عقله من السمادير ولا يكاد يرى عمر مكرم وعرابي وجمال عبد الناصر إلا مقرونين بالمعلم يعقوب رئيس الخونة المظاهرين للفرنسيين الغزاة أيام نابليون ولا توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور، إلا مقرونين بعقائد الخلاص والفداء والخطيئة . ثم تأتي الطامة الكبرى، فلا يكاد يرى القرآن العظيم إلا مقروناً بترجمته إلى اللغة العامية، كما تُرجِم الإنجيل إلى اللغات الحديثة وهي عامية اللاتينية، وإلا مقرناً بكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي. وهنا وهناك تراه طائشاً، زائغ العينين خفيف العقل سليط اللسان، قد استرخت مفاصل عقله، وانحلت تلافيفه. هذا، والذي أطلقه واقف من بعيد ينظر، وفي عينيه الدهشة ويحك ذقنه بيده، ويفتر ثغرة عن ابتسام، إعجاباً باختراعه المدهش الذي ركّبه وأطلقه، ولم يكن يظن ظناً أنه قادر على أن يتحرك في عمود واحد من إحدى الصحف السرية!! ف إذا به ( يبرطع) في ثمانية أعمدة، في أكبر صحيفة في العالم العربي والإسلامي، هي الأهرام، وعلى أشرف منصة في معهد الدراسات العليا التابع للجامعة العربية ويأتي في خلال

"برطعته" ( وهي البلتعة بالفصحى) بالعجائب التي لا تنقضي س، وقد ارتدى طيلسان أستاذ جامعي، بلا حسيب ولا رقيب. وهذا نجاح مدهش ولا شك وحق لمالئه أن يميد به الغرور وتستخفه الخُيلاء باختراعه هذا العجيب! فهذه هي الفضيحة التي لا تنكر للإختراع المسجل ( لويس عوض)!.


ثم كشف الشيخ/ شاكر في كتابه أصل المسألة الخبيثة وهي الدعوة إلى العامية، وأرجعها إلى أصولها التي خرجت منها- دوائر التبشير والإستشراق"-، وكشف عن اهتمام هؤلاء القوم بالصحافة لأهميتها … ونقل عن المبشر - رولس كاش- قوله:- إن الصحافة لا توجه الرأي العام فقط أن تهيئة لقبول ما ينشر عليه، بل هي تخلق الرأي العام.. ( يقول الشيخ:- فتأمل هذه العبارة تأملاً جيداً)..

وقد استغل المبشرون الصحافة المصرية على الأخص للتعبير عن الآراء المسيحية أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلامي آخر.. يقول الشيخ: تأمل هذا أيضاً.

لقد ظهرت مقالات كثيرة في عدد من الصحف المصرية إما مأجورة في أكثر الأحيان أو بلا أجرة في أحيان نادرة..

واكتشف الشيخ أمر التعليم وما صار إليه بذكر أقوال دهاقنة الكفر مثل قول "زويمر": ينبغي للمبشرين أن لا يغيظوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة، إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين وتحرير النساء.

ومثل قول المبشر " تكلي" : يجب أن نشجع إنشاء المدارس وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي، إن كثيرين من المسلمين قد زُعْزِعَ اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية، إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الإعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمراً صعباً جداً..

يعلق الشيخ قائلاً: وهذا واضح كل الوضوح في أن أمر التعليم على الصورة التي أرادوها والتي أرادها "دنلوب" وأمثاله هي نزع اعتقاد الشباب المسلم في كتاب الله الذي أنزله على نبيه - صلى الله لعيه وسلم-، والذي عبّر عنه " وليام جيفرد بلغراف" بقوله: متى توارى القرآن، ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربية يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه..

( وخسىء المبشر التالف). ثم كشف الشيخ شاكر كيف استأجر هؤلاء المبشرون جماعة من الكتبة الذين يتسمون بأسماء إسلامية لتمرير مخططاتهم وأفكارهم ومناهجهم، ومن هؤلاء الدكتور/ محمد أحمد خلف الله.

وبين الشيخ أن النصارى القبط هم من أعان المستعمرين على تمرير مخططاتهم في هذه الأمة، ورد في كتابه على من سمّى تطبيق الحدود وحشية وذلك في مقالته الثامنة عشرة من الكتاب.

ومن فصول الكتاب الرائع شرحه لكلمة " دين" وذلك في المقالة الرابعة والعشرين، وكشف فيها عن خطأ الناس القاصر في فهمهم لهذه الكلمة.

ومن مقالات الكتاب القيمة ما كشف فيها الشيخ عن جهل هؤلاء الكتبة المستأجرين بلغة أساتذتهم وأئمتهم عن الغرب، فإنه في المقالة الخامسة والعشرين بين فيها جهل لويس عوض لترجمته مسرحية "أرسطو فان" والتي عنوانها الضفادع وهي المقالة الأخيرة في الكتاب حيث توقفت المقالات، فإنه بعدها وفي آب سنة 1965: ( أحاطت بي الأسوار وأظلمت الدنيا، وسمعت ورأيت وفزعت وتقززت… وكان ما كان..





وعلمت، حتى ما أُسائل واحداً عن علم واحدة لكي ازدادها



وتسليت عن كل ما ألقي إلي بقول شيخ المعرة ..



يسوسون الناس بغير عقل فينفذ أمرهم ويقال ساسة

فأفًّ من الحياة وأُفُّ منِّي ومن زمن رئاسته خساسة)



ذلك أن الشيخ سيق إلى السجن مرة ثانية، فقد تكالب عليه الخصوم، وراحوا يتهمونه أنه يدعو إلى فتنة طائفية دينية " ونعمت التهمة"، فاستجابت السلطة لهم وتم سجنه وبقي فيه سنتين وشيئاً حتى كانت جريمة حزيران عام 1967 م .

وقد شهد له إخوانه أنه كان في السجن مثالاً للصبر على كبر سنِّه ومرضه ن وكان كذلك سمح الروح واسع الصدر، وقد طُلِبَ منه أن يعتذر كما كتب ليفرج عنه، فرفض أشد الرفض.





الوحدة الموضوعيِّة للقصيدة في الشعر الجاهلي:



وبعد خروج الشيخ من السجن عاد مرة ثانية إلى دراسة الشِّعر الجاهلي، فكتب مجموعة من المقالات تحت عنوان:- " نمط صعب ونمط مخيف" وذلك على صفحات مجلة " المجلة" في الفترة (1969-1970)، وفي هذه المقالات قام الشيخ/ شاكر بدراسة قصيدة ابن أخت تأبط شراً التي مطلعها:



إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطل

قذف العبء عليَّ وولَّى ن فأنا بالعبء له مستقلُّ

ووراء الثَّأرِ منّي ابن أخت، مصِعٌ عقدته ما تُحلُّ

مطرق يرشح موتاً، كما أطرق أفعى، ينفث السّمّ صلُّ

خبر ما نابنا مصمئلّ! جلّ حتى دقَّ فيه الأجلُّ

وسبب دراسته لهذه القصيدة أن (يحيى حقي) أشاد بترجمة ( جوته) لهذه القصيدة وزعم حقي أن القصيدة الجاهلية تفتقر للوحدة الموضوعيّة..

قام الشيخ بالكشف عن قائلها لاختلاف الرواة في تعيينه، ونفى أن تكون لتأبط شراً أو الشّنفري، وجزم أنها لابن أخب تأبط شرّاً، وحقَّق القول في زمن إنشادها وأن ابن أخت تأبط شرَّا أنشدها بعد أن ثأر لخاله من هذيل، ثم رتَّب الشيخ القصيدة ترتيبا جديدا، وهي مواصلة له لتأكيد صحة نسبة الشعر الجاهلي، وهي المسألة التي بقيت هاجسة إلى آخر أيّامه، فإنه اعتبرها قضيته التي أحس بها وهو طالب عند الشيخ المرصفي، ثم عانى منها ما عانى بعد أن تفجرت هذه القضية على يد طه حسين.

وكان الشيخ شاكر - رحمه الله تعالى- يعتبر أن القضيّة الأولى لإعادة الإعتبار للقصيدة الجاهلية وفهمها بكونها تحمل وحدة موضوعية واحدة، هو ترتيب القصيدة، فقد ذكر الدكتور/ ناصر الدين الأسد أن الشيخ/ شاكر كان في تدريسه للطلاب - الأصمعيات- يبذل جهداً كبيرا في إعادة ترتيب القصيدة بعد تجميعها من مظانِّها ليفهم الناظر وحدة الموضوع فيها.

وفي سنة 1970م أسهم الشيخ/ شاكر في نشر الوحشيات- وهو الحماسة الصغرى لأبي تمام الطائي، وفي عام 1974 أعاد نشر كتاب ابن سلام " طبقات فحول الشعراء"، ثم أعاد نشر كتابه " المتنبي" سنة 1976 مع مقدمة جديدة، تحدث فيها عن الكتاب وقصته وتحدث فيها عن فساد الحياة الأدبية، وعرض صور السرقة التي يقتات عليها بعض المؤلفين، وكشف فيها عن منهجه في تذوق الشعر تذوقا علمياً للوصول إلى ما يريده الباحث، سواء كان المراد من فهم مكنونات الشّاعر النّفسيّة أو معرفة البيئة المحيطة به.

وفي سنة 1975 ألقى الشيخ/ محمود شاكر سلسلة من المحاضرات حول الشعر الجاهلي في جامعة/ محمد بن سعود بالرياض.

في سنة 1982 بدا الشيخ بنشر كتاب " تهذيب الآثار" للإمام أبي جعفر الطبري.

وفي سنة 1984 نشر شاكر " دلائل الإعجاز" وضمَّ إليه " الرسالة الشافعية في الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني.

رسالة الشيخ/ شاكر إلى أمة الإسلام وكتابه " رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، وهذا الكتاب على صغره غنيّ بالفوائد والمعلومات، وجعلها في طبعة " المتنبي" الجديدة مقدمة لكتابه، شرح فيها باسطا مسألة تذوق الشعر ومنهجه فيه، وبين فيه مزية ( الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من النظم والمعرفة، أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظا تكل الفصول على وجوهها. فقد أراد أن يبين عظمة الأوائل وقيمتهم في أبواب العلم، وفي ذلك ردّ على من زعم أن أساليب النقد وعلومه، ومناهج التذوق لا بصر للأوائل بها، وهذا الذي دعا الدكتور / محمد محمد أبا موسى أن يكتب كتابه القيم " الإعجاز البلاغي" درلسة تحليليّة لتراث أهل العلم" ويقول :- إنهم لم يتكلوا في الإعجاز لأن برهانه كان قائما في نفوسهم ومضى الأمر على ذلك حتى تبدلت أحوال العرب، ولانت جلودهم، ونجم في مجتمع المسلمين أهل التشكيك وجاهروا بالزيغ، وكثر القول في القرآن وإعجازه، واندست مقالة أهل الضلالة.

وأشار الدكتور محمد محمد أبو موسى إلى أن الكثير من أهل التحقيق يوهمون الناشئة أن كلام/ شاكر- في اعتبار أن مناهج التذوق والنقد لآداب العربية خاصة لهذه البيئة ولا عبرة بما يقوله الأجانب في هذا الباب- في هذا الباب يمثل موقفه المتشدد. وعلى القارىء الرجوح إلى شرح الشيخ / شاكر لكلمة سيبويه في أول الكتاب: - وأما الغقل فأمثلة أخذت من لفظ أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لا ينقطع.. وشرحه كذلك لكلام الجرجاني في أن ما قاله سيبويه لم يمكن لأحد بعده أن يلحق شأوه، أو أن يتقدم عليه.






( المنهج) عند الشيخ شاكر:



شرح الشيخ في الرسالة بعض ما يعنيه بالمنهج قائلا:-

كان منهجي، كما نشأ واستتبّ في نفسي، كان منهجا يحمل بطبيعته نشأته رفضا صريحا واضحا قاطعا غير متلجلج، لأكثر المناهج الأدبية التي كانت فاشية وغالة وصار لها السيادة على ساحة الأدب الخالص إلى يومنا هذا، كما حدّثتك آنفا.

فلكي تكون على بينة مرة أخرى..

فاعلم، قبل كل شيء، أن تسميتها " مناهج" تجاوز شديد البعد عن الحقيقة وفساد غليظ وخلط، إذا كنت تريد أن تكون على ثقة من معنى هذه الألفاظ التي تجري الآن بيننا، ولكن قد كان ما كان، فهكذا اصطلحوا على تسميتها!

وقديماً تناولت لفظ " المنهج" وحاولت البيان عنه فقلت:

" ولفظ المنهج" يحتاج مني هنا إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصحلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشان، بل أريد به " ما قبل المنهج" أي الأساس الذي لا يقوم " المنهج " إلا عليه.

" فهذا الذي يسمّى " منهجا" ينفسم إلى شطرين: شطر في تناول المادة وشطر في معالجة التطبيق.

" فشطر المادة يتطلّب قبل كل شيء جمعها من مظانها على وجه الإستيعاب المتيسر، ثم تصنيف هذا المجموع، ثم تمحيص مفرداته تمحيصا دقيقا، وذلك بتحليل أجزائها بدقة متناهية، وبمهارة وحذق وحذر، حتى يتيسر للدارس أن يرى ما هو زيف جليا واضحا، وما هو صحيح مستبينا ظاهرا، بلا غفلة، وبلا هوى، وبلا تسرع"ز

" وأما شطر التطبيق، فيقتضي ترتيب المادة بعد نفي زيفها وتمحيص جيدِّها، باستيعاب أيضاً لكلِّ احتمال للخطأ أو الهوى أو التسرع. ثم على الدارس أن يتحرى لكلّ حقيقة من الحقائق موضعا هو حقّ موضعها، لأن أخفى إساءة في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها، خليق أن يشوه عمود الصورة تشويها بالغ القبح والشناعة".

وأزيدك الآن أن " شطر التطبيق" هو الميدان الفسيح الذي تصطرع فيه العقول وتتناصى الحجج، ( أي تأخذ الحجة بناصية الحجة كفعل المتصارعين)، والذي تسمع فيه صليل الألسنة جهرة أو خفية، وفي حومته تتصادم الأفكار بالرفق مرة وبالعنف أخرى، وتختلف فيه الأنظار اختلافا ساطعا تارة أخرى، وتفترق فيه الدروب والطرق أو تتشابك أو تلتقي. هذه طبيعة هذا الميدان، وطبيعة النّازليّة من العلماء والأدباء والمفكرين. وعندئذ يمكن أن ينشأ ما يسمى "المناهج والمذاهب".

وبيَّن أصالة المنهج وأنه ليس بالأمر المبتدع قائلاً:-

تبين لي يومئذ تبيّنا واضحاً أن شطري المنهج:" المادة والتطبيق" كما وصفتهما لك في أول هذه الفقرة، مكتملتان اكتمالا مذهلا يحير العقل، منذ أوليّة هذه الأمة العربية المسلمة خاحبة اللسان العربي، ثم يزدادان اتساعا واكتمالاً وتنوعاً على مر السنين وتعاقب العلماء والكتاب في كل علم وفنّ، وأقول لك غير متردد أن الذي كان عندهم من ذلك، لم يكن قط عند أمة سابقة من الأمم، حتى اليونان، وأكاد أقول لك غير متردد أيضا أنهم بلغوا في ذلك مبلغا لم تدرك ذروته الثقافة الأوروبية الحاضرة اليوم، وهي في قمة مجدها وازدهارها وسطوتها على العلم والمعرفة.

كنت أستشفّ " شطري المنهج"، كما وصفتهما، تلوح بوادره الأُوَل منذ عهد علماء صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ومن حُفِظَت عنهم الفتوى كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر كانت كاللمحة الخاطفة والإشارة الدّالة. ثم زادت وضوحاً عند علماء التابعين كالحسن البصري وسعيد بن المسيّب، وابن شهاب الزهري، والشعبي، وقتادة السّدوسيّ، وإبراهيم النّخعي. ثم اتسع الأمر واستعلن عند جلة الفقهاء والمحدثين من بعدهم، كمالك بن أنس، وأبي حنيفة وخاصبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، والشافعي والليث بن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري ومسلم، وأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وأبي جعفر الطّبري، وأبي جعفر الطحاوي . ثم استقر تدوين الكتب فصار نهجا مستقيما، وكالشمس المشرقة، نوراً مستفيضاً عند الكاتبين جميعا، منذ سيبويه، والفراء، وابن سلام الجمحي، والجاحظ، وأبي العباس المبرد ن وابن قتيبة، وأبي الحسن الأشعري، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، والآمدي، وعبد القاهر الجرجاني، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد الفقيه وحفيده ابن رشد الفقيه الفيلسوف، وابن سينا، والبيروني، وابن تيمية وتلميذه ابن قيّم الجوزية، وآلاف مؤلّفة لا تحصى حتى تنتهي إلى السيوطي، والشوكاني، والزبيدي، وعبد القادر البغدادي في القرن الحادي عشر الهجري.

سُنّة متبعة ودرب مطروق في ثقافة متكاملة متماسكة راسخة الجذور، ظلت تنمو وتتسع وتستولي على كل معرفة متاحة أو مستخرجة بسلطان لسانها العربي، لم تفقد قط سيطرتها على النّهج المستبين، مع اختلاف العقول والأفكار والمناهج والمذاهب، حتى اكتملت اكتمالا مذهلاً في كل علم وفنّ، وكان المرجو والمعقول أن يستمر نموها واكتمالها وازدهارها في حياتنا الأدبية العربية الحديثة راهنا، (ثابتا)، إلى هذا اليوم، لولا … ولكن صرنا، واحسرتاه، إلى أن نقول مع العرجيّ الشاعر: " كان شيئا كان، ثم انقضى".





ارتباط الثقافة بالدين



وربط بين الثقافة والدين ربطا وثيقا، حيث اعتبر ثقافة كل أمة متصلة بدينها، وأن تخلي الأمة عن ثقافتها هو جزء من التخلي عن دينها ن ولذلك فليس هناك ثمة أمة تغلب أخرى إلا وتنشط إلى تسويق ثقافتها عند الأمة المغلوبة، وهذا ما يحاول جمع من المثقفين المضبوعين بالآخر أن يغالطوه، حيث يزعمون وجود ثقافة عالميّة، لا تختص بأمة ولا دين من الأديان.





جذور الفساد الأدبي



ثم صار الشيخ إلى جذور الفساد الأدبي في حياة أمتنا اليوم، وهو فصل مهم جدير بالعناية والإطلاع ودراسته دراسة واعية مستوعبة، حيث ربط الشيخ بين الحروب الصليبية ونشاط الرهبان، واستطرد في بيان المعركة بين الأمتين المسلمة والنصرانية، حتى ربط بين الحروب القديمة وحركة الإستشراق والتي أقبلت مع هجمة الإستعمار، وأعاد التنبيه إلى كتابه " أباطيل وأسمار" حيث جعله فاضحاً لهذه السموم التي قبعت في داخل أمتنا تعمل فيها فتكا وتدميراً، يقول الشيخ - رحمه الله تعالى- واصفاً تلك الهجمات:_

"ومع هذه الأساطيل الفاجرة، خرجت من مكامنها أعداد وافرة من رجال يجيدون اللسان العربي وألسنة دار الإسلام الآخر، ومنهم رهبان وغير رهبان، وركبوا البرّ والبحر، وزحفوا زرافات ووحداناً في قلب دار الإسلام: على ديار الخلافة في تركية، وعلى الشام، وعلى مصر، وعلى جوف إفريقية وممالكها المسلمة = وخرجوا في القلوب حميّة الحقد المكتم، وفي النفوس العزيمة المصممة، وفي العيون اليقظة، وفي العقول التنبه والذكاء، وعلى الوجوه البشر والطلاقة والبرءاة وفي الألسنة الحلاوة والخلابة والمماذقة، ولبسوا لجمهرة المسلمين كل زيّ : زي السائح، وزيّ الصديق الناصح، وزي العابد المسلم المتبل = وتوغلوا يستخرجون كل مخبوء كان عنهم من أحوال دار الإسلام، أحوال عامته وخاصته، وعلمائه وجهّاله. وحلمائه وسفهائه، وملوكه وسوقته، وجيوشه ورعيته، وعبادته ولهوه، وقوته وضعفه، وذكائه وغفلته، حتى تدسّسوا إلى أخبار النساء في خدورهنّ، فلم يتركوا شيئاً إلا خبروه وعجموه، وفتشوه وسبروه، وذاقوه واستشفوه . ومن هؤلاء، ومن خبرتهم وتجربتهم، خرجت أهم طبقة تمخضت عنها اليقظة الأوروبية " طبقة المستشرقين" الكبار، وعلى علمهم وخبرتهم وتجاربهم، رست دعائم " الاستعمار" ورسخت قواعد التبشير ".





الاستشراق



ثم كشف عن طريقة الاستشراق في دراسة أمتنا، ودراسة ثقافتها ودينها وذلك عن طريق الإهتمام بالمخطوطات التي سارع المستشرقون إلى اقتنائها عن طريق الشّراء أو النّهب، ثم عن طريق الرحلات الاستكشافية التي جابت الأماكن بلا كلّ ولا ملل، ووصلوا إلى المجاهيل وأعماق الصحراء والقرى البعيدة النائية، وذلك كله من أجل الإحاطة بهذه الأمة والإطلاع على كل شيء فيها ليسهل التعامل معها وأدراك مكامن قوتها حتى وصلوا إلى خبرة ( بكل ما في دار الإسلام قديماً، وما هو كائن فيها حديثا).

وكان من تنبيهاته المهمة أن ما كتبه المستشرقون لا يمكن أن يكون قاعدة لأهل هذا الدين ولا لقوم هذه الأمة لأن كتب ( الاستشراق) ومقالاته ودراسته كلها مكتوبة أصلا للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره، وأنها كتبت له لهدف معين، في زمان معين، وبأسلوب معين، لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة، بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زخف المسيحية الشمالية على دار الإسلام في الجنوب.

ثم قام الشيخ - رحمه الله- ببيان أنه لا يمكن للمستشرق أن يستوعب ثقافة هذه الأمة، ولا أن يقوم بتحليلها كما هي في نفسها.. يقول: - غاية ما يمكن أن يحوزه ( مستشرق) في عشرين أو ثلاثين سنة، وهو مقيم بين أهل لسانه الذي يقرع سمعه بالليل والنهار، أن يكون عارفاً معرفة ما بهذه (اللغة) وأحسن أحواله عندئذ أن يكون في منزله طالب عربي في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقل منه على الأرجح..

أما إمكانية إحاطة المستشرق لأمر الثقافة فهذا أمر عسير جداً، وهو أبعد من قضية أحاطته للغة .. يقول الشيخ - رحمه الله تعالى-:

" وإذا كان أمر " اللغة" شديداً لا يسمح بدخول " المستشرق" تحت هذا الشرط اللازم للقلة التي تنزل ميدان " المنهج" و " ما قبل المنهج"، فإن شرط "الثقافة" أشد وأعتى، لان " الثقافة"، كما قلت آنفا: " سرٌّ من الأسرار الملثّمة في كل أمة من الأمم وفي كل جيل من البشر، وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى، متنوعة أبلغ التنوع لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كل مجتمع إنساني، للإيمان بها أولاً من طريق العقل والقلب = ثم للعمل بها حتى تذوب في بنيان الإنسان وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحس به - ثم الإنتماء إليها بعقله وقلبه انتماءً يحفظه من التفكك والانهيار"... وهذه القيود الثلاثة " الإيمان" و " العمل" و " الإنتماء"، هي أعمدة " الثقافة" وأركانها التي لا يكون لها وجود ظاهر محقق إلا بها، وإلا انتقض بنيان " الثقافة"، وصارت مجرد معلومات ومعارف وأقوال مطروحة في الطريق، متفككة لا يجمع بينها جامع، ولا يقوم لها تماسك ولا ترابط ولا تشابك.

وبديهي، بل هو فوق البديهي، أن شرط " الثقافة" بقيوده الثلاثة، ممتنع على " المستشرق" كل الامتناع، بل هو أدخل في باب الاستحالة من اجتماع الماء والنار في إناء واحد، كما يقول أبو الحسن التُّهامي الشاعر:





ومكلِّفُ الأيام ضدّ طباعـــها متطلِّـبٌ في الماء جذوة نـــارِ



وذلك أن " الثقافة: و " اللغة" متداخلتان تداخلا لا انفكاك له، ويترادفان ويتلاحقان بأسلوب خفي غامض كثير المداخل والمخارج والمسارب، ويمتزجان امتزاجاً واحداً غير قابل للفصل، في كلّ جيل من البشر وفي كله أمة من الأمم . ويبدأ هذا التداخل والترافد والتلاقح والتمازج منذ ساعة يولد الوليد صارخاً يلتمس ثدي أمِّه تلمساً، ويسمع رجع صوتها وهي تهدهده وتناغيه، ثم يظل يرتضع لبان " اللغة" الأول، ولبان " الثقافة" الأول، شيئاً فشيئا، عن أمه وأبيه حتى يعقل، فإذا عقل تولاء معهما المعلمون والمؤدبون حتى يستحصد ( أي يشتد عوده)، فإذا استحصد وصار مطيقاً إطاقة ما للبصر بمواضع الصواب والخطأ، قادراً قدرة ما على فحص الأدلة واستنباطها فناظر وباحث وجادل، فعندئذ يكون قد وضع قدمه على أول الطريق = لا طريق " المنهج" و " ما قبل المنهج"، فهذا يعيد جداً كما رأيت= بل على الطريق المفضي إلى أن تكون له " ثقافة" يؤمن بها عن طريق العقل والقلب = ويعمل بها حتى تذوب في بنيانه وتجري منه مجرى الدم لا يحسه به = وينتمي إليها بعقله وقلبه وخياله انتماءً يحفظه ويحفظها من التفكك والإنهيار.





مفهوم الثقافة



ثم بين الشيخ ما يكتنف لفظ الثقافة من تزوير وغموض، وبدا يعرف قارئه ما يقصد بلفظ الثقافة وأنها تقوم على شيئين:

أولهما: أصول ثابتة مكتسبة تنغرس في نفس الإنسان منذ مولده حتى يشارف حد الإدراك،وهو ما يتلقاه من أبويه وأهله وعشيرته، وسمّى هذا الطور بأساس التسخير…

وثانيهما:- فروع منبثقة عن الطور الأول، وهو طور النظر والمباحثة وممارسته التفكير والتنقيب والفحص، فعندئذ تتكون النواة الجديدة . ( ويبدأ العقل عمله المتسبب في الإستقلال بنفسه، ويستبد بتقليب النظر والمباحثة وممارسة التفكير والتنقيب والفحص وهذه تسمى "ثقافة"





نفي خديعة الثقافة العالمية



ثم يشرع في بيان ارتباط الثقافة واللغة بالدين، وينفي وجود ثقافة ( عالمية)، أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعا، ويقول: إن هذا ( تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم، هدف آخر يتعلق بفرض سيطرة أمة غالبة على أمة مغلوبة لتبقى تبعا لها… فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلاً يفضي إلى الامتزاج البتة، ولا يأخذ بعضها على بعض شيئاً، إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال.. ويفضي بعد هذا إلى وجوب استبعاد عمل المستشرقين وإقصائه في دراستهم لأمتنا وتاريخها وثقافتها.





رواد النهضة كما يراهم شاكر:



والشيخ شاكر يرى أن الأمة كان بإمكانها أن ( تنهض) وأن تدخل طوراً تجديدياً في تاريخها المعاصر، ولكن كان ما كان… ويعلق أن النهضة كان يمكن لها أن تكون على يد خمسة رجال هم:-

1 - عبد القادر بن عمر البغدادي (1682م) صاحب " خزانة الأدب" في مصر، وهو الذي يعتبره الشيخ شاكر الرائد في تبنّيه إعادة قدرة الأمة على التذوق، تذوق اللغة والشعر والآداب وعلوم اللغة.

2 - الجبرتي الكبير حسن بن إبراهيم ( والد صاحب التّاريخ) ( 1774م) في مصر، ويعتبره الشيخ/ شاكر رائد في تنبيه الأمة إلى الصناعات الحضارية وعلوم الكيمياء والفلك.

3 - محمد بن عبد الوهاب (1792م) في جزيرة العرب، ويعتبره الشيخ شاكر رائداً في تحقيق النّهضة الدينية، وردّ البدع والعقائد الفاسدة.

4 - محمد عبد الرّزّاق المرتضى الزبيدي صاحب " تاج العروس" ( 1790م) في الهند وفي مصر، فهو رائد بعث التراث اللغوي الديني.

5 - محمد بن علي الشوكاني (1834م) في اليمن، ويعده الشيخ شاكر إماماً في إحياء عقيدة السلف ونبذ التقليد والدعوة إلى الوحدة وتجريم التعصبّ.

ثم بين الشيخ شاكر أسباب عدم حصول النهضة، ويربط بين الإخفاق الحاصل وبين جهود المستشرقين في إيجاد الصراعات تحت عناوين:- ( الأصالة والمعاصرة) و ( القديم والجديد) و (الثقافة العالمية) وبالقضية الهزلية ( قضية موقفنا من الغرب).





التوصيف الموضوعي لهجمة نابليون على مصر:-



اعتبر الشيخ أن هجمة نابليون على مصر هي من أجل إجهاض ما كان يمكن أن يكون من نهضة لهذه الأمة .. يقول - رحمه الله- : وئدت ( اليقظة) أو كادت، وخربت ديارها أو كادت،و استؤصلت شأفة أبنائها أو كادت، واقتطعت أسبابها بالسطو أو كادت، والحمد لله على نعماء ( الحملة الفرنسية) التي كان سفاحها المبير ( المتحضر) ينوي أن ييشىء لبقايا السيف والتدبير من أبناء القاهرة العتيقة المهدمة ( قاهرة جديدة) يستمتعون فيها بجمالها وفنونها، ومسارحها وملاهيها، وقصورها ومتنزهاتها، ويتبخترون في شوارعها خدما فارهين للسادة الأحرار أبناء " الحرية والإخاء والمساواة".





بداية التغريب



قد أفاض الشيخ/ شاكر في جرائم محمد علي الألباني المسمى بالكبير، والعجيب أن بعض الإسلاميين اليوم يريدون عد ما فعله هذا الباشا الكبير هو بداية نهضة لهذه الأمة موافقة لهم للتغربيين.

وكتاب الشيخ لمحة خاطفة للصراع الدائر بين الإسلام وخصومه، وكشف للأدوات الجديدة لهذا الصراع، فحري بالشباب المسلم الاطلاع عليه ودراسته.





وبعد



هذا شيء قليل من ترجمة الشيخ الأستاذ/ محمود محمد شاكر - رحمه الله تعالى-، أردنا أن نُعَرِّفَ به، وأن نكشف عن معركة أهل الإسلام ضد زنادقة الأدب الذين ما زالوا يعيثون في عقل الأمة فساداً، وهي تنبيه لهذا الجانب العظيم ( جانب الثقافة واللغة والأدب) وإشارة إلى أهميته، والذين يحتقرون هذه المعركة إنما يستخفون بهذه الأمة، إذ لا حياة لأمة من الأمم دون لغتها ودون آدابها، ولغة أي قوم هي وعاء دينهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وهوية وجودهم، ولذلك صدق الشيخ/ شاكر عندما قال: ونحن نعرف أنك لا تحترم أية أمة ولا تقدرها إلا بعد أن تحترم لغتها وتاريخها، وليس شيءٌ أخطر على هذه الأمة من أن تجعل أبنائها يحتقرون لغتهم.

والمساحة المخصصة لهذا البحث لا تسمح بالتوسع لبيان أكثر عن هذا الشيخ الجليل ومعتقداته ونتائج فكره ونظره، ولكن يكفي أن يخرج قارىء هذه الترجمة بصورة تقريبية عن شيخ العربية في هذا الزمان، وقد رأى البعض أن يسمي الشيخ ( بالمحقق للتراث)، واعتبر هذا من باب التعظيم له، مع أن الشيخ كان يرفض هذا اللفظ واستبدلها بكلمة قراءة كما في مقدمة كتاب " طبقات فحول الشعراء" لمحمد بن سلام الجمحي، فإن القراءة العلمية العملية هي ما تحتاجه أمتنا في هذا العصر، القراءة التي تهضم التاريخ والتراث وتستوعبه على ما هو عليه، ثم تبدأ بعملية إنتاج لا يذهب بعيداً عن حاجات الأمة وضروراتها، ولا يسفه إلى دنايا الأمور وصغائرها، فإن التكرار آفة وإن تجملت بأثواب مصبوغة مزركشة .

لم يترك الشيخ مجلدات كثيرة من قلمه وإنشائه، لكنه ترك الكثير من الفهم والوعي والتدقيق، وكان واضحاً كل الوضوح مع كل كلمة يكتبها .

وقد ابتلي الشيخ بتلاميذ له لم يوفونه حقه كما أوفى تلاميذ الغير لأساتذتهم، فانظر إلى تلاميذ " طه حسين" وماذا فعلوا لأستاذهم، وكيف جعلوا اسمه في أبحاثهم ودراساتهم، فأين تلاميذ الشيخ من هؤلاء ؟!.

وأخيراً، لقد كان الشيخ/ شاكر كما أراده أستاذه / الرافعي حين قال له: " إن من الناس من يختارهم الله فيكونون قمح هذه الإنسانية، ينبتون ويحصدون ويعجنون ويخبزون ليكونوا غذاء الإنسانية في بعض فضائلها.

رحم الله الشيخ شاكر وألحقه بالصالحين


http://alarabnews.com/alshaab/GIF/12...d%20ShAKER.htm
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
  #23  
قديم 02-08-03, 10:42 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 881
افتراضي

ترجمة موجزة للعلامة الشيخ أبي عبدالرحمن عبدالله الخياط رحمه الله



بسم الله الرحمن الرحيم
--------------------------------------------------------------------------------



السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...





ترجمة موجزة للعلامة الشيخ عبدالله الخياط رحمه الله



هو من شيوخنا الأفاضل ـ رحمه الله تعالى ـ شيخ الأمراء والوزراء والعلماء، الذي أوتي علماً نافعاً وصوتاً حسناً عذباً جميلاً، لا تكلف في قراءته ولا تقليد في خطبه ، التزم المسجد الحرام مدة من الزمن إماماً وخطيباً، متع المصلين بجمال صوته وبلاغة خطبه، إنه حقاً وحقيقة الإمام والخطيب المثالي، خفيف في صلاته يلدغ في خطبه، محبوب عند الناس.
هو الباكي والخاشع إذا قرأ وصلى، فأبكى الناس وأشجاهم خشوعاً .. هذا هو شيخنا صاحب مزايا متعددة قارىء معروف وخطيب مفوه وكاتب اجتماعي سهل ممتع، إمام أكبر بقعة على وجه الأرض .. فمن هو الشيخ عبدالله خياط رحمه الله تعالى؟


نسبه
هو أبوعبدالرحمن عبدالله بن عبدالغني بن محمد بن عبدالغني خياط، ينتهي نسبه إلى قبيلة بليّ من قضاعة التي هاجرت بعض فروعها من شمال الحجاز إلى بلاد الشام، ثم انتقل أجداده إلى الحجاز في القرن الثاني عشر الهجري.

ولادته
ولد في مكة المكرمة في التاسع والعشرين من شهر شوال عام 1326هـ ونشأ في بيت علم وكان أبوه مثقفاً ثقافة دينية وله إلمام بالفقه الحنفي والتفسير والحديث.

تعليمه
ــ تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الخياط بمكة المكرمة ودرس المنهج الثانوي بالمدرسة الراقية على عهد الحكومة الهاشمية.
ــ درس على علماء المسجد الحرام وحفظ القرآن الكريم في المدرسة الفخرية.

ــ التحق بالمعهد العلمي السعودي بمكة وتخرج فيه عام 1360هـ.


مشايخه
ــ سماحة الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة في الحجاز (وقد لازمه قرابة عشر سنوات).
ــ فضيلة الشيخ عبدالظاهر محمد أبوالسمح إمام وخطيب المسجد الحرام والمدرس فيه.

ــ فضيلة الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة إمام وخطيب المسجد النبوي والمدرس فيه.

ــ فضيلة الشيخ أبوبكر خوقير المدرس بالمسجد الحرام.

ــ فضيلة الشيخ عبيدالله السندي المدرس بالمسجد الحرام.

ــ فضيلة الشيخ سليمان الحمدان المدرس بالمسجد الحرام.

ــ فضيلة الشيخ محمد حامد الفقي المدرس بالمسجد الحرام.

ــ فضيلة الشيخ المحدث مظهر حسين المدرس بالمسجد الحرام.

ــ فضيلة الشيخ إبراهيم الشوري مدير المعهد العلمي السعودي والمدرس فيه.

ــ فضيلة الشيخ محمد عثمان الشاوي المدرس بالمسجد الحرام والمعهد العلمي السعودي.

ــ فضيلة الشيخ محمد بن علي البيز المدرس بالمعهد العلمي السعودي.

ــ فضيلة الشيخ بهجت البيطار المدرس في المعهد العلمي السعودي.

ــ فضيلة الشيخ تقي الدين الهلالي المدرس بالمسجد الحرام والمعهد العلمي السعودي.

ــ فضيلة الشيخ حسن عرب المدرس بالمدرسة الفخرية.

ــ فضيلة الشيخ محمد إسحاق القاري مدير المدرسة الفخرية والمدرس بها.


أهم أعماله
ــ صدر الأمر الملكي بتعيينه إماماً في المسجد الحرام عام 1346هـ وكان يساعد الشيخ عبدالظاهر أبوالسمح في صلاة التراويح وينفرد بصلاة القيام آخر الليل.
ــ عين عضواً في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بموجب الأمر الملكي الصادر في 18/1/1347هـ.

ــ عين مدرساً بالمدرسة الفيصلية بمكة بموجب خطاب مدير المعارف في 12/2/1352هـ.

ــ اختاره الملك عبدالعزيز ليكون معلماً لأنجاله وعينه مديراً لمدرسة الأمراء بالرياض عام 1356هـ واستمر في هذا العمل حتى وفاة الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ عام 1373هـ.

ــ انتقل إلى الحجاز وعين مستشاراً للتعليم في مكة بموجب الأمر الملكي رقم 20/3/1001 في 7/4/1373هـ.

ــ وفي عام 1375هـ أسندت إليه إدارة كلية الشريعة بمكة بالإضافة إلى عمله كمستشار واستمر في هذا العمل حتى عام 1377هـ.

ــ وفي عام 1376هـ كلف بالإشراف على إدارة التعليم بمكة بالإضافة إلى عمله كمستشار.

ــ عين إماماً وخطيباً للمسجد الحرام بموجب الأمر السامي عام 1373هـ واستمر في هذا العمل حتى عام 1404هـ حيث طلب من جلالة الملك إعفائه لظروفه الصحية.

ــ صدر الأمر الملكي بتعيينه رئيساً للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بناء على ترشيح من سماحة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله ـ وذلك عام 1380هـ ولكنه اعتذر عن ذلك وطلب الإعفاء لظروف خاصة.

ــ تم اختياره عضواً في مجلس إدارة كليتي الشريعة والتربية بمكة بموجب خطاب وزير المعارف رقم 1/3/5/4095 في 27/11/1383هـ.

ــ عمل رئيساً لمجلس إدارة دار الحديث المكية وعضواً في اللجنة الثقافية برابطة العالم الإسلامي.

ــ تم اختياره عضواً في اللجنة المنبثقة من مجلس التعليم الأعلى لوضع سياسة عليا للتعليم في المملكة بموجب خطاب سمو رئيس مجلس الوزراء رقم 1343 في 27/5/1384هـ.

ــ تم اختياره مندوباً عن وزارة المعارف في اجتماعات رابطة العالم الإسلامي بمكة بموجب خطاب وزير المعارف رقم 1/2/3/1510 في 13/10/1384هـ.

ــ صدر الأمر الملكي باختياره عضواً في هيئة كبار العلماء منذ تأسيسها في 8/7/1391هـ.

ــ تم ترشيحه عضواً في مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في 28//1393هـ.

ــ صدر الأمر الملكي في 18/6/1391هـ باستثنائه من النظام وعدم إحالته للتقاعد مدى الحياة.


مؤلفاته
(1) التفسير الميسّر (ثلاثة أجزاء).
(2) الخطب في المسجد الحرام (ستة أجزاء).

(3) دليل المسلم في الاعتقاد، على ضوء الكتاب والسنة.

(4) اعتقاد السلف.

(5) ما يجب أن يعرفه المسلم عن دينه.

(6) حِكم وأحكام من السيرة النبوية.

(7) تأملات في دروب الحق والباطل.

(8) صحائف مطوية.

(9) لمحات من الماضي.

(10) الفضائل الثلاث.

(11) الرواد الثلاث.

(12) على درب الخير.

(13) الربا في ضوء الكتاب والسنة.

(14) الحدود في الإسلام على ضوء الكتاب والسنة.

(15) تحفة المسافر ( أحكام الصلاة والصيام والإحرام في الطائرة).

(16) البراءة من المشركين.

(17) قصة الإيمان.

(18) شخصيات إسلامية.

(19) المصدر الثاني للتشريع الإسلامي.

(20) عندما ينعكس الوضع.

(21) قال لي محدثي.

(22) التربية الاجتماعية في الإسلام.

(23) الخليفة الموهوب.

(24) مبادىء السيرة النبوية.

(25) دروس من التربية الإسلامية.

(26) حركة الإصلاح الديني في القرن الثاني عشر.

هذا بالإضافة إلى مشاركات علمية ودعوية متعددة في مختلف وسائل الإعلام.


وفاته
توفي رحمة الله تعالى في مكة المكرمة صباح يوم الأحد السابع من شهر شعبان عام 1415هـ بعد عمر حافل بجلائل الأعمال، وشيعه خلق كثير من المحبين له والعارفين بفضله يتقدمهم الأمراء والعلماء والوزراء ورجال الفكر والثقافة والتربية والتعليم ... رحم الله فضيلته وأسكنه فسيح جناته.

منقول .............
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
  #24  
قديم 02-08-03, 10:49 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 881
افتراضي


http://www.fikr.com/freebooks/afghani/

سعيد الأفغاني

سعيد بن محمد بن أحمد الأفغاني الأصل

ولد عام (1327) للهجرة الموافق 1909م، نحوي بحاثة. ولد بدمشق لوالد جاء من كشمير وتزوج دمشقية، نشأ يتيم الأم، وتعلم في بعض مدارس بلدته، وحضر حلقات علمائها، وتردد على مجالس القراء، وانتسب لمدرسة الأدب العليا (نواة كلية الآداب) بدمشق، وتخرج بها، فعين في سلك التعليم، فخدم عشرين سنة، ثم انتدب للتدريس بالمعهد العالي للمعلمين فكلية الآداب عشرين سنة أخرى، ويُعد من بُناتها، وتولى خلال ذلك عمادة الكلية المذكورة ورئاسة قسم اللغة العربية فيها. وانتخب عضواً في مجمعي القاهرة وبغداد. ولما أحيل على التقاعد درّس في جامعات لبنان وليبيا والسعودية والأردن، ثم عاد إلى دمشق مكباً على المطالعة والكتابة حتى آخر عمره. اشتهر بين أساتذة الجامعة شهرة كبيرة، وعرف بحزمه وشدته على الطلاب، والجرأة في قول الحق، والاعتداد بالنفس والاستقامة والعفة والوفاء والصراحة إلى حد يتجاوز المجاملة، وكان له أثره العلمي في الطلاب الذين خرجهم وتسلموا التدريس في ثانويات سورية وغيرها، وكان مهاباً محبوباً في وقت واحد، صاحب نكتة مُرّة. من مؤلفاته:

ـ معاوية في الأساطير

ـ نظرات في اللغة عند ابن حزم

ـ الموجز في قواعد اللغة العربية وشواهدها

ـ حاضر اللغة العربية في الشام والقاهرة

ـ أسواق العرب في الجاهلية والإسلام

ـ في أصول النحو

ـ الإسلام والمرأة

ـ من تاريخ النحو

ـ ابن حزم ورسالة المفاضلة بين الصحابة

ـ عائشة والسياسة

ـ مذكرات في قواعد اللغة العربية

ومن كتبه التي حققها:

ـ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ((للزركشي))

ـ المفاضلة بين الصحابة ((للزركشي))

ـ الإغراب في جدل الإعراب ((للرماني))

ـ لمع الأدلة ((للأنباري))

ـ تاريخ داريا ((للخولاني))

ـ سير أعلام النبلاء ((للذهبي جزآن، أحدهما بترجمة عائشة رضي اللّه عنها، والآخر بترجمة ابن حزم))

ـ إبطال القياس والرأي والاستحسان ((لابن حزم))

ـ الإفصاح في شرح أبيات مشكلة الإعراب (( للفارقي))

ـ الحجة في القراءات السبع ((لابن زنجلة))

وله تقرير عن أغلاط المنجد، وراجع كتاب مغني اللبيب ((لابن هشام))

توفي عام 1417 للهجرة الموافق 1997 للميلاد في مكة المكرمة ودفن بها رحمه الله تعالى.



مصادر دراسة الأستاذ سعيد الأفغاني


--------------------------------------------------------------------------------

ملاحظة: هذه النبذة عن المؤلف مستقاة من كتاب (إتمام الأعلام) للدكتور نزار أباظة والأستاذ محمد رياض المالح ولمزيد من المعلومات عن المؤلف يمكن الرجوع إلى كتاب (سعيد الأفغاني - حامل لواء العربية وأستاذ أساتذتها) من تأليف الدكتور مازن المبارك






مصادر دراسة الأستاذ سعيد الأفغاني (1)

يوسف عبد الله الجوارنة



المقدّمة
يهدف هذا البحث إلى الوقوف على حياة الأستاذ سعيد الأفغاني وآثاره، ومحاولة استقصائها وإحصائها؛ فقد تشعّب بحثًا وانفلت من قيود الزّمان والمكان، يطوّف في أرجاء الحضارة العربية والإسلامية، بما فيها من آفاق واسعة وميادين رحبة في البحث والتأليف، لا يخرج عن إطار مقوّماتها ودعائمها: اللغة والدّين والتاريخ.

وحدا بي إلى هذا العمل المتواضع تُجاه شخصيّة نادرة المثال، متشعّبة النّتاج، رصينة الأخلاق- إحساسٌ خالجني أنّ سعيدًا رحمه الله عَلمٌ بحاجة أن يكون ميدانًا للدّرس والبحث العلميّ، فحاولت الرّجوع إلى ما توافر بين يديّ من مجلاّت تبيّن لي أنّه كان يكتب فيها، لاستخراج موادّه البحثيّة والإشارة إليها، حتّى تكون سهلة ميسورة للباحثين، فجمعت معظمها، ولم أوفّق في الوصول إلى بعضها.

وجعلت عملي هذا في جزأين: الجزء الأوّل تناول سيرته وحياته: ميلاده ونشأته، وحياته العمليّة، والمجامع اللغويّة التي كان عضوًا فيها، والمجلاّت التي كتب فيها، والمؤتمرات التي شارك بها، وصفاته وأخلاقه كما تبيّنتها في كتابات تلاميذه، وأخيرًا وفاته. أمّا الجزء الثاني فقد خصّصته لأعماله وآثاره، فجاء في سبعة أقسام: المؤلّفات، والكتب التي عُنِي بتحقيقها، والبحوث، والمقالات، والمداخلات، والمحاضرات، والقراءات (قراءاته للكتب وتعليقه عليها).

واتّبعت في هذا كلّه منهجًا تاريخيًّا ووصفيّاً، مستنيرًا بما ورد في آثاره من إشارات متّصلة بحياته وأعماله، وبما ثقفته في كتابات تلاميذه خصوصًا الملحق الشّهري الذي يصدر عن جريدة الأسبوع الأدبي، التي يصدرها اتّحاد كتّاب العرب في دمشق عن الأستاذ سعيد الأفغاني، أو ما كُتب عنه بعد وفاته رحمه الله – ورتّبت موادّ الجزء الثاني (الجزء المهم من البحث) ترتيبًا زمنيًّا بحسب ورودها في المجلاّت كلّ قسم على حدة.

وأشير إلى أنّ ما واجهني من صعوبات في هذا البحث، هو عدم قدرتي في الوصول إلى بعض كتاباته، خصوصًا ما نشرَه في مجلّة رابطة العالم الإسلامي العراقيّة وغيرها من موادّ أخرى أشرت إليها بداية الجزء الثاني، وبعض كتبه المؤلّفة والمحقّقة مثل: الإسلام والمرأة ، وعائشة والسّياسة، والإفصاح للفارقي، وملخّص إبطال القياس لابن حزم.

ولا أنسى أنْ أقدّم شكري وتقديري لكلّ من قدّم يدَ العون والمساعدة لإخراج هذا البحث على وجهه الأكمل، ولا سيّما أخي وزميلي الأستاذ (محمّد فرحان الطّرابلسي)، الذي تفضّل بقراءة البحث، وكانت له ملحوظات مهمّة وقيّمة أفدت منها.

وما توصّلت إليه أرجو أنْ أكون قد وُفّقت فيه وبما نثرته عن حياة الأفغاني وسيرته، فإنْ كان كذلك فللّه الحمد والمـنّة، وإنْ كانت الأخرى فعذري أنّني اجتهدت، وبالله العون وعليه التّكلان.

بين يدي البحث

شاءت إرادة الله أن تكون ( العربيّة ) لغةَ القرآن الكريم، الكتابِ الذي جاء معجزة دالّة أعجزت أمّة اشتهرت بفصاحتها وبيانها، أن يأتوا بمثله "ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ".

كان القرآن يمثّل شِرْعة المسلمين ومنهج حياتهم، ليكون والعربيّةَ أداتين فاعلتين من أدوات العالِم المجتهد، وليزيلا معًا الفوارق بين الأجناس البشريّة، فما كانت العربيّة يومًا حكرًا على العرب وحدهم، وما كان الدّين يومًا ممّا اختصّ به العرب عامّة وعلماؤهم خاصّة.. بل إنّ العربيّة لسانٌ من تكلّم به فهو عربيّ: "ألا إنّ العربيّة اللسان، فمن تكلّم العربية فهو عربيّ"، وليس من عجب أن ترى دهاقنة العربيّة وأساطين علوم الدين من غير العرب أرومة، وإنْ دلّ فإنّما يدلّ على شمولية الإسلام وعالميّة اللغة، التي كانت في زمان غابر لغة الحضارة والفكر.

وإنْ أنسَ لا أنسى أنّني على عتبة عَلَمٍ من أعلام العربية في العصر الحديث، ممّن دأبوا في استظهارها بصبرٍ وأناة، وجدّ وإخلاص، بعيدًا عن أرْوِقة الدّعاية ودهاليز التزلّف والخيلاء، فارتضى لنفسه أنْ يعيش حياة ما اعتادها الناس، وليست هي إلاّ لنفر ترفّع عن المظاهر وسفساف الأمور، ليكون حيث الرّفعةُ والسّموق في رحاب التراث العظيم، إنّه العلاّمة الثّبت (سعيد الأفغاني) عالم العربيّة والنّحو العربيّ في بلاد الشّام.

هو من غير العرب أرومة، و "كان أبوه على صلاحه وتقواه لا يحسن العربيّة"، وليس ذلك أمرًا غريبًا؛ لأنّ الشّواهد في تراثنا العربيّ والإسلاميّ على هذه الظاهرة كثيرة جدًّا، وأمثّل لها بالقرّاء العشرة؛ فثمانية منهم هم من غير أرومة العرب، وقس على ذلك في كلّ العلوم العربيّة الإنسانيّة والتّجريبيّة على السّواء، وهي ظاهرة جديرة بالاهتمام والدّراسة.

كان رحمه الله وغيره من الأعلام في النصف الأول من القرن الماضي (العشرين)، كانوا يشكّلون ظواهر يستغرب لها أنصاف المتعلمين اليوم، ممن لا يزيد علمهم على مجموعة محفوظات لقنوها في كراريس، ظنوا بها أنهم حازوا سبقًا كبيرًا يدفعهم للصّدارة والخطابة والفتوى، فكيف بهم إذا كان لهم نبوغ العقاد، أو الرّافعي، أو محمود شاكر، أو سعيد الأفغاني، أو النفّاخ، أو ...الخ؟؟.

والعجب أنك إذا سألت أحدهم عن واحد من هؤلاء القمم الشوامخ، تنطّع لك بإجابة باهتة كأنه في المنام يهذي أو في المقهى مخمور.. من هذا ومن ذاك؟ لا أظنه يرقى أن يُدرس أو أن تكون فيه رسالة، وهو ليست له بضاعة.

ما بضاعتكم إلى بضاعتهم وأنتم من يحملون اليوم أعلى الشهادات العلمية لم تكن لهم؟ وتتصدّرون هيئات ومؤسسات، ولكم فيها مخصّصات وامتيازات ورثتموها كابرًا عن كابر، وتشيحون بوجوهكم مصعّرين إذا ذكر أحد منهم بخير أو قرّظ وأثني عليه...

والأفغاني واحد من أولئك الدين أحبّوا أن يقوموا للتراث بدأب وصمت وإخلاص، تدفعهم إليه أصالة المنبت وصدق الانتماء، والبعد عن الكِبْر والجاه، ويقينٌ في العودة إلى الله، كأنه يعيد إلى الذاكرة ذلك الجيل الذي حمل دعوة الإسلام في الخافقين، لا يحدوه في ذلك سوى حسن الختام واللحاق بالنبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، لأن العظماء يتعالون عن صغائر الأمور ومحقّراتها، ولا تصلح لهم إلا العظائم، وهي لا تصلح إلا بهم.

لا ننكر اليوم أنّنا نمرّ بأزمات، أزمة فكر، وأزمة أخلاق، وأزمة ضمير، وأزمة هويّة، ... بصرف النظر عن مشاربنا وتعدّد مذاهبنا، واختلاف اتّجاهاتنا. ولعلّ أزمة الفكر والثقافة واحدة من تلك الأزمات المتراحبة التي تمرّ بها الأمم والشّعوب، وهي أزمة لها هيئاتها ومنظّروها وتتّصل بحركة الأمم وتطوّر مجتمعاتها وانحطاطها؛ فالفكرُ، وسبيله العلم، عزٌّ ترنو النّفوس إليه، وتتصارع الدّول النابضة بالحياة والحافظة للجميل، أن تكون في عداده؛ فكلّ عزّ لا يوطّد بعلم فإلى ذلّ يؤول.

استرعت انتباهي عبارة قرأتها ولا أعرف قائلها: إنّ في أيّامنا هذه أناسًا يتساقطون على أرصفة الفكر. وتساءلت يومها: ما أرصفة الفكر؟ وهل للفكر أرصفة؟ ومن أولئك الذين يتساقطون على أرصفته؟ وتمنّيت لو أنّ أحدنا يفعل ما فعل ابن شهيد الأندلسي في رسالته الأدبية (التّوابع والزّوابع)، فيصحب معه تابعًا يعرّج به على طائفة من العلماء والمفكّرين، يحاكيهم ويناكفهم في قضيّة الثقافة والفكر، فقد غدت اليوم في قفص الاتهام في الأقبية في غياهب السّجون.

إذا كان الطّريق الواسع المتراحب، له رصيف تعود قيمته وأهميته إلى بيان حدود الطرق وإعطائها صفة جمالية، وإذا كان الرّصيف لطيفًا جميلاً، فمن باب أولى أن يكون الشّارع كذلك.

أما العلم، فهو ضالّة الناس ينشدونها، إنْ أحسنوا التعامل معها، من حيث الدّخول في مقدّماتها والصّبر على غلوائها؛ لأنّ العلم مهيع لا يقطعه إلا رجل ذو صبر وجلد، وخفر وحياء، وفكر ورويّة. لذلك، فهي بالنسبة للناس كالماء للظمآن يطلبه حثيثًا، وما مقدّمات العلم والفكر إلا تلكم الأرصفة، التي يتزاحم الناس عليها... فلا عجب إذن أن يكون للفكر أرصفة، ليست للعلماء والمفكرين بل للشّادين والمبتدئين، الذين يدّعون علمًا لا يزيد على مجموعة ذخائر اقتنصوها من هنا وهناك.

إنّ الشّدائد عادة تفرز الغثّ من السّمين، والمنتمي من اللامنتمي، ومجاهدَ الفكرة من دعيِّها، ولا تكون ثـمّة أزمات إلا في شدائد، ولا تكون محكّات إلا في نكبات، ولا تكون أشواك إلا في صعاب المسالك ... من هنا، فليس من عجب أن يتساقط الناس على الأرصفة، إذا كان هذا حال العلماء يتساقطون ويتهاوون، علماءِ المناصب والأزياء، والأوسمة والشّهادات.

يعيش الفكر أزمة الكلمة والنّموذج، فنماذج الفكر اليوم وأدعياؤه يَقذِفون بكلماتهم باردةً باهتةً، لأنهم تبع لكل ناعق ناعر، تهون عليهم نفوسهم وثقافتهم إنْ كانت لهم ثقافة وهويّة، في سبيل تحقيق مصلحة عاريّة، أو مطمع بدا لهم خيره في الأفق، يحدوهم إلى ذلك غياب وازع الدّين، عداك عن رقابة العقل والضمير، بله لعنة الناس والتاريخ.

ليس عجبًا أن يتساقط الأدعياء على الأرصفة، في زمن يحمل الفكر فيه هبَنّقات وخواجات، يبتغون ألقابًا ووجاهات، ومناصب وحانات، فالفكر بالنسبة لهم دابّـة يمتطونها، وكفايتهم لذلك أنهم لا يحسنون قراءة الماضي واستكناهه، ويعجزون في تحليل النصوص وسبر غورها، بل في فهمها واستنطاقها. إنّ بضاعتهم من العلم لطائف ونسائم، وأحقاد وضغائن، أَصَمَّها في آذانهم دهاقنة بحق وحقيق، فراحوا بها كمثل الذي ينعِق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء...

إنّ أمتنا اليوم انزلق بها رجالها في غياهب ومتاهات لا يرسون بها على برّ؛ فعلماؤها جهّالها، وعملاؤها قادتها. وأمّة هذه حالها، تنصّلت من ماضٍ مشرق، وانساقت إلى الذيليّة والتبعيّة، ليست بمستأهلة للدّخول في عالم الحاضر والمستقبل، فاستقراء الثابت يدعو إلى استشراف المتحوّل.

ونحن أمّة لسنا بِدْعًا من بين الأمم، فلدينا حضارة ناطحت السِّماكين، وأشرقت على أمم فأنبتت لهم حضارات، يشهد على ذلك كلّ من له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد. فلمّا عَقَقْناها صِرنا نقتات على موائد اللئام، بضاعتنا إليهم أنْ أَذِلّوا رؤوسَنا ونكِّسوا راياتِنا، واحرِقوا تراثَنا، وحطِّموا حصونَنا؛ فأنتم السّادة ونحن العبيد!! لكم العيش الرّغيد، والفراش الوثير، ولنا الحرمان والجوع، نفترش الأرض ونلتحف السّماء.

تحضرني هنا مقالة الفيلسوف الفرنسي المشهور (فولتير)، يوم ذُكر أمامه المصلحان الدّينيان: الرّاهب الألماني مارتن لوثر(1483-1546م)، والرّاهب الفرنسي جون كلفن (1509-1564م) في عصر التنوير في العصور الوسطى، اللذين كانت لهما جَلَبَة وأَوْج... فاستذكر الفيلسوفُ محمدًا صلى الله عليه وسلم وما أحدثه في تاريخ الإنسانية، فقال: والله إنهما لا يصلحان أن يكونا نعلين لحذائه صلّى الله عليه وسلم.

ذلكم محمّد النّبي الأمي، الذي كانت أمّيته حجّة على أمّة اتّصفت بالفصاحة والبيان، فعَجَزت أن تجاري القرآن في أسلوبه؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كابر وعاند فانكفأ على عقبيه خسر الدنيا والآخرة. وهكذا وقف هؤلاء الأدعياء السّفلة عند الرّصيف، يعدّون الفكر بضاعة مزجاة يكترونها بثمن بخس دراهم معدودة، في زمن أُريد فيه للكلمة الناطقة والعبارة الأبيّة، أن تكون حبيسة اللسان، رهينة الجَنان، وهي حالة مرضيّة ابتليت بها الأمّة يوم ظهر هؤلاء من جحورهم ينادون بالتقدميّة ويحذّرون من الرجعيّة.

ومع ذلك، فإنّ التاريخ لا يرحم، ولن يساوم حتى وإنْ مرّت دهور وأزمان، غابت فيها الحقائق وأُرِيد لها أن تكون في غياهب المجهول، أرادها عبيد السّياسة وأدعياء الفكر ومنظّرو (الرّدهات) و (الدّهاليز).... غير أنها أزمة ستؤول إلى زوال، فتظهر ثـمّة الأيادي الخفيّة تلك المتوضّئة، التي آلت على نفسها أن تكون مع الكلمة الصّادقة والحقيقة الناصعة، المغيّبة عن أجيال وأجيال في ظلام دامس وليل حالك - فيبزغ فجر جديد يفترق الناس فيه راغمين إلى فريقين: فريق إلى جنّات التاريخ، حيث الحُبور والجَذَل والسّرور، وآخر إلى (مزابله) والعياذ بالله، حيث الأدعياء المتراصفون.

والذي دعاني إلى بسط هذه العبارات، هو أنّنا حتّى هذه اللحظة ما أنصفنا علماءَنا المخلصين، وتنكّرنا لهم باسم الحداثة والتّقدّميّة، بل وصفناهم بالرّجعيّة والثّرثرة الأخلاقيّة، بحجّة أنّهم كانوا حصونًا راسخاتٍ في الحفاظ على مقوّمات حضارتنا وبيان ثرائها ونصاعتها.. ولو كانوا أبواقًا لخواجات المستشرقين ومراكز التّجهيل والتّضليل، لباتوا بذلك عباقرةَ القرن وسدنةَ العلم يُشار إليهم بالبنان.

أوّلاً: حياة الأستاذ سعيد الأفغاني وسيرته

مولده ونشأته:

ولد الأستاذ سعيد الأفغاني· في أحد أحياء دمشق القديمة المحيطة بالجامع الأموي سنة 1909م، وقد كان والده (محمد جان)[1] رجلاً من الصالحين، هاجر من بلده (كشمير) ميمّمًا شطر بلاد الشام، واستقرّ به المقام في دمشق، وراح يعمل فيها عملاً متواضعًا، وكان الناس يدعونه بالأفغاني وما هو من بلاد الأفغان.

تزوّج والده في دمشق من عائلة (الأبيض)، ورُزق بسعيد وأخت له، ثمّ ماتت زوجه وعُمْر سعيد ثلاث سنوات، ليعيش بعيدًا عن حنان أمّه ورعايتها، ما حدا بوالده أن يقف حياته لولدَيْه مربّيًا وبهما رؤوفًا ولهما معلّمًا، فنشأ سعيد في كنفه رحمهما الله نشأة علم وطلب، يقول عن والده[2]: "كان والدي يصطحبني إلى المسجد الأموي بين المغرب والعشاء، فنحضر حلقة درس ثمّ صلاة العشاء..."، في فترة من أحلك الفترات التي مرّت بها بلاد الشام، وشهدت انحسار الدولة العليّة العثمانيّة، على أيدي جماعة الاتّحاد والتّرقّي ذات المشارب اليهوديّة.

التحق الأفغاني بمدرسة (الأمينية و الإسعاف الخيري)[3]، وكان في السابعة من عمره آخر العهد التركي، ثم دخل الدراسة الابتدائية في التاسعة من عمره سنة 1918 في الحكم الفيصلي، ومنذ سنة 1919 ترافق مع قرينه علي الطنطاوي عند الشيخ صالح التونسي وفي مجالس الشيخ محمد بن بدر الدين الحسني[4]، وهي السنة التي أنشأت فيها الحكومة العربية دروسًا لمواطني الدولة، هدفها تقوية لغتهم العربية والارتفاع ببيانهم[5].

وكان لهذه المجالس أثر طيب في بناء شخصيته وتكوين ثقافته وظهور نبوغه، خصوصًا وأنها مرحلة حرجة في تاريخ الدولة، إذْ قامت الدعوات التحررية والإصلاحية ردَّ فعْلٍ على الدعوات الطّورانية والإقليمية بين أجناس الدولة المختلفة، مما دفع بهم أن يتدافعوا لمتابعة الأخبار من الكتب والاعتكاف عليها، يقول الأفغاني في حديث له عن الشيخ محمد رشيد رضا[6]: "ليس المرحوم الشيخ محمد رشيد رضا بالمجهول عنّا اليوم، قرأنا تفسيره وفتاواه وبحوثه في مجلة المنار منذ نعومة أظفارنا".

ثم دخل الدراسة الثانوية بين سنتي ( 1923-1928) في مدرسة (التجهيز ودار المعلمين)[7]، وكان من أساتذة العربية فيها: الشيخ عبد الرحمن سلاّم، والشيخ محمد سليم الجندي، والشيخ محمد الداوودي، والشيخ أبو الخير القوّاس، والأستاذ الشاعر محمد البزم، الذين كان لهم أثر كبير في إحداث نقلة في عقول الطلاب، خاصة وأن العربية كانت تسابق الزّمن على أيدي هؤلاء في الوقوف أمام الهجمات الشرسة ضدها، يقول الأفغاني[8]: "وعلى جهود هؤلاء وأمثالهم في بقية المدن الشاميّة ارتفع لواء اللغة العربية في الشام وحمله من بعدهم تلاميذهم".

وقد بلغ من غيرتهم على العربية أنّ أحدهم وهو الأستاذ الجندي، كان ينهى تلاميذه عن كتب المنفلوطي وشعر شوقي وحافظ لأنها برأيه تفسد اللغة، يقول الأستاذ سعيد[9]: "إني والله لا أزال أذكر قوله هذا ونحن في الصّف التاسع، وقد جرح بذلك شعورنا لكثرة ما كنّا نحبّ المنفلوطي".

لذلك ليس من عجب أن تجد أحدهم وقد انتهى من الثانوية، ولديه قدرة فائقة في التدريس تضاهي اليوم من يتخرّجون في المراحل الجامعية الأولى بل ويزيد. يقول الأستاذ سعيد[10]: " وأذ كر أننا ونحن طلاب كنا نلتهم مؤلفات طه حسين وأحمد أمين والزّيات والرافعي والعقاد والمازني وهيكل، كما نتخاطف أعداد (السّياسة الأسبوعية)[11]، لئلا يفوتنا موضوع من الموضوعات الأدبية الداخلة في منهج الدراسة الثانوية ".

وكان من أقران الأفغاني في ثانوية دمشق أو قبله أو بعده، مجموعة من التلاميذ الذين صار شأنهم في الحياة كبيرًا، وبلغوا منزلة من الفكر والثقافة والبيان، منهم: علي الطنطاوي، ومحمد الجيرودي، وجمال الفرا، وأنور العطار، ومسلم القاسمي، وعبد الغني الكرمي، وعبد الكريم الكرمي، وجميل سلطان، وزكي المحاسني، وأمجد الطرابلسي، وظافر القاسمي، وغيرهم كثير.

وقد سجّل عن بعضهم الأفغاني في كتابه[12]: "ولا أنسى – وكنت تلميذًا ليليًّا فيها (أي ثانوية دمشق)- أنّ عيني ألفت أن أجد على منضدة رفيقي محمد الجيرودي نقيب المحامين فيما بعد، أمالي القالي وبعض أجزاء الأغاني وهو في السنة الثانية من تحصيله الثانوي، كما ألفت رؤية القاموس المحيط بأجزائه الأربعة أمام زكي المحاسني الأديب الشاعر، ودواوين الشعر القديم أمام أنور العطار، وكتب الأدب واللغة مع عبد الغني الكرمي وعبد الكريم الكرمي، وغيرهم إلى جانب كتبهم الدراسية الثانوية".

وكان لهؤلاء الطلاب (وهم في الثانوية) دراية في النقد ودربة في فنون الكلام، وما جاءت لهم هذه الملكة من فراغ، لولا حرص أساتذتهم وتشجيعهم لهم أن تكون اللغة العربية زادهم وكيانهم، فكانوا في جلساتهم لا يتحدثون إلا الفصحى، ويروي الأفغاني (وقد كان طالبًا في ثانوية دمشق) عن الحفلات والمهرجانات يقول:"حتى لأذكر أننا كنا نرجع من الحفلة أو المهرجان أو المحاضرة، فئة من الطلاب الليليين في ثانوية دمشق، نعلّق على الموضوع، وعلى ضعف المحاضر أو قوته في لغته، وفي ذاكرة كلّ منّا الهفوات التي لحق بها المحاضر أو الخطيب، نتفق في الرأي على أكثرها ونناقش في قليل منها مختلفين[13]".

وإنما جاءت قوّتهم في العربية وقد اكتملت لهم ناصية البيان لأنّهم تعلّموا النحو صغارًا في المرحلة الابتدائية في سلسلة (الدروس النحوية) للمرحوم حفني ناصف ورفاقه، يقول الأفغاني عن هذه السلسلة: " أنهيتها في المرحلة الإعدادية، ولا يحتاج من درس جزأها الأخير (قواعد اللغة العربية) إلى زيادة في نحو ولا صرف ولا بلاغة؛ ما عليه إلا الانصراف إلى أدبنا الصافي وتاريخنا الرائع، يعبّ منهما ما وسعه العبّ، ويتذوّق عبقرية لغته ما أمكنه التذوّق[14] ".

إذن، فثانوية دمشق هي التي أصّلت فيهم محبّة العربية، وهي التي درجت بهم أن يكونوا في يوم من الأيّام أعلامًا في رحابها وكينونتها، إنّها "معقل العروبة وطنيةً ولغة وأدبًا وتاريخًا ونضالاً طويلاً" على حدّ تعبير أستاذنا رحمه الله.

أمّا الجامعة السوريّة، فقد دخلها بين سنتي (1929-1932)، ولم يمضِ على إنشائها سوى عشر سنوات، ولم يتطرّق في كتابه للحديث عن كلّية الآداب، لأنّ الكلام على عروبتها كما يرى من الفضول، في حين كان معنيًّا بالتأريخ لمعهدي الطبّ والحقوق. غير أنّ تلميذه عبد المجيد القادري أشار[15] إلى أنه رحمه الله كان أحد الذين عملوا على وضع الكلمات الطّبيّة والعلميّة التي تستعمل في الشّرح أثناء إلقاء المحاضرات في مدرّجات كلّيتها الطّبيّة.

وقد تتلمذ علي يديه في جامعة دمشق خاصّة والجامعات العربية عامة، طلابٌ كثيرون توزّعوا في أنحاء الوطن العربي الكبير، ومنهم اليوم أساتذة كبار يحملون رسالة العربية متأثرين بما ثقفوه من منهج الأفغاني الذي غرسه فيهم على إكبار العربية.

وقد أشرف الأفغاني على رسائل جامعية في الماجستير والدكتوراه في دمشق وعمان[16]. وكان رحمه الله قد تزوّج بأخرة ابنة القاضي صلاح الدين الخطيب[17]، ورُزق منها الابنة الوحيدة (بشرى)، التي تعدّ أطروحةً لنيل درجة الدكتوراه في التّربية.

وكما انقطع والده بعد وفاة زوجه للعمل وتربية أولاده بعدم الانشغال بأعباء الزوجيّة، كذلك ورث الأفغاني هذه الحالة عن والده، فهو تزوّج بعد الخمسين من عمره، وكان يحبّ العزلة والانفراد كثيراً، منقطعاً للبحث والتحقيق والتأليف، حتى صار القلعة لا تهزّها العواصف الهوجاء، والراسخ الذي امتلأ علمًا وإحاطة بالتراث العربي والفكر المعاصر، فهو وغيره من علماء الشام نتاج دهاقنة العلم وأساطينه ممن تأبّوا على جيل المستعمر وألاعيبه، الانقطاعُ للعلم ديدنهم، والترفّع عن زخارف الدنيا وملذاتها طباعهم.

وقد كان رحمه الله وأنت تقرأ في نتاجه العلمي وكما خبّر عنه تلامذته، يشكل نمطاً فريداً في العلم وعقلية راسخة محايدة، جعلت منه مدرسة يرودها كلّ مصابر مرابط؛ فإنّ انقطاعه للعلم وعكوفه في مجالس الأقدمين، هيّأ له قلمًأ لا تخطئه العبارة، وفكرًا حاضر الذّهن في كلّ حال.

فقد كان شيخنا منذ نعومة أظفاره على وعي بما يجري حوله، وما يُراد بالعربية وأمتها من مكايد ومعضلات، فكانت عقولهم بحقّ أكبر من أعمارهم كما يقولون، انظر إلى هذا الوعي: "كنت فتى حين أَجَبت عضواً من جمعية إسلامية دأبت على إصدار منشورات تطالب العناية بدرس الدّين في مدارس الحكومة، وزيادة حصصه وكان الفرنسيون قد أنقصوها: سألني: ما رأيك في هذا المنشور؟ قلت: أرى صيانةً لدرْس الدّين- أن تطالبوا بإلغائه. فعجب جداً وقال: كيف؟ ولمه؟ قلت: إنّ للدّين حرمةً في النفوس طبيعية، فإذا ألغيتم الدرس بقيت الحرمة، ويتعلم الناشئ دينه في أسرته وفي المسجد، لكن إبقاءه - وبعض مدرسيه يمالئون الفرنسيين - يوحي إلى الأطفال وقد تشبّعوا بروح المقاومة أنّ هذه الممالأة من الدّين فيكفرون به"[18].

ومن معالم شخصيّته غيرته على الدّين الحنيف، تلحظ ذلك من كلام الأستاذ زهير الشاويش بقوله[19]: "شهدت له مناقشات مع كبار علماء بلدنا المقلّدين، وكان المدافع عن منهج الاتّباع للأدلّة والنّبذ للتقليد الأعمى.. وكان يصحّح للمؤرّخ الصّديق عمر بن خالد الحكيم[20]ما يجد فيه توسّعًا من أخبار ومعلومات، ويردّ على الدكتور سعيد عودة ما يتطاول به على العلاّمة المجاهد الشّيخ كامل القصّاب، ورجل فلسطين الأوّل الحاج أمين الحسيني ... وكانت له مع الطنطاوي جلسات للتقريب بين المذاهب، بعضها مع الشيخ محمد تقي القُمِّي[21] في دار التقريب بمصر".

وليس ذلك غريبًا على باحث سلخ من عمره أشواطًا في دراسة الإمام العلَم ابن حزم الأندلسي، وعاش مع الحضارة العربيّة والإسلاميّة ما أنساه أن يكون أبًا كغيره من العلماء...انظر إليه في بحثه (معاوية في الأساطير) وقد أعوزته المادّة العلميّة يقول[22]: "في دار الكتب الظاهريّة بدمشق مخطوطتان لتاريخ دمشق الكبير للحافظ ابن عساكر، عكفت على تفليتهما شهورًا طويلة فوجدت فيهما عونًا على موضوعنا، ولفتًا للذهن إلى الطريق اللاّحب بعد أن كنت أسيرًا في بنيّات[23] الطّرق"، وهذا شأنه رحمه الله مع كلّ نتاجه العلمي.

وقد كانت المنتديات الأدبيّة والمقاهي الثّقافيّة والمجالس العلميّة وما زالت إلى اليوم، منتشرة بشكل بارز في سوريّة، خصوصًا في فترة الاحتلال الفرنسي وما بعدها بقليل، حيث كان يجتمع فيها الأدباء والمفكّرون والشّعراء، كلّ يدلي من جانبه في الموضوع المطروح للنقاش، وقد أثمرت هذه اللقاءات ثمارًا طيّبة في إخراج جيل يتسلّح بالعلم، ويتقن العربيّة الفصحى بصرف النظر عن اختصاصه، وكان أثرها في النّاس مجديًا يفوق ما يأخذه الطلاّب في الجامعات.

وأشار الأستاذ زهير الشاويش في مقاله[24] إلى أنه تتلمذ على الأستاذ سعيد الأفغاني في المجالس التي كان يعقدها الشيخ علي الطنطاوي سنة 1945 في المدرسة الأمينيّة، وفي جلسات خاصّة في بعض متنزّهات دمشق في بساتين شارع بغداد أو نهاية خط المهاجرين في سفح قاسيون قرب مصلّى العيد، أو في زيارته التي يتكرّم بها علينا في المكتب الإسلامي، أو في دارنا في الميدان حيث كان يُسرّ مما يسمع من والدي من أحاديث البادية والجهاد.

وكانت له رحمه الله لقاءات خاصّة به يبعد فيها عن ضيق الدّرس ومتاعبه، يجلس إلى أصحاب الحرف في أسواق دمشق (حدّثني بذلك أحد تلامذته)، يبتعد فيها عن جدليّات الأساتذة في مسائل النحو والصّرف، ليكون قريبًا من العامّة الذين يشكّلون بالنسبة إليه تاريخًا مضيئًا لحقبة من تاريخ الشّام العظيم.

حياته العملية:

بدأ الأفغاني حياته العمليّة بعد نواله الثانوية العامة معلمًا للمرحلة الابتدائية في قرية (منين) قرب دمشق سنة 1928م، وبعدها بسنة عيّن مدرّسًا إكماليًّا في مدرسة (التجارة الإعدادية) حتى سنة 1940م، لينتقل بعدها مدرّسًا للمرحلة الثانوية في مدرسة التجهيز الأولى (ثانوية دمشق) حتى سنة 1946، ثم صار مدرسًا جامعيًا بكلية الآداب في الجامعة السورية منذ سنة 1948.

وانتدب للتعليم في المعهد العالي للمعلمين[25] في 5/11/1950، وقد تدرّج في الجامعة أستاذًا مساعدًا في 16/12/1950، ثم أستاذًا ذا كرسي لعلوم العربية في 1/1/1957، ثم صار رئيسًا لقسم اللغة العربية سنة 1958، ثم انتخب عميدًا لكلية الآداب سنة 1961، وبقي فيه إلى أن تمّت إحالتة إلى التقاعد في الأول من كانون الثاني سنة1969.

وبعد إحالته إلى التقاعد، ولشهرته الذائعة الصيت، تعاقدت معه بعض الجامعات العربية، مثل الجامعة اللبنانية بين سنتي (1968-1971)، وانتدب خلالها إلى جامعة بيروت العربية انتدابًا إضافيًا، ثم دعته الجامعة الليبية (جامعة بنغازي فيما بعد) للتعاقد معها بين سنتي (1972-1977)، رأس خلالها قسم اللغة العربية، وكان مسؤولاً فيها عن تحرير مجلة كلية الآداب، ثم لبّى دعوة الجامعة الأردنية سنة 1980، وجامعة الملك سعود في الرياض سنة 1984، لتكون آخر محطاته في العملية التدريسية بسبب كِبَر سنِّه وتعبِ عينيه[26].

المجـامع العلميّة:

تعدّ مجامع اللغة العربية في دمشق والقاهرة وبغداد وعمّان، من أبرز المؤسسات العلمية العربية التي تُعنى بشؤون العربية وتراثها المجيد، وقضاياها المعاصرة، وقدرتها على استيعاب الثورة العلمية والتكنولوجية ترجمة وتعريبًا.

والأفغاني واحد من أولئك الذين أفنوا عمرهم في خدمة العربيّة لغة القرآن المجيد .. فكان لعطائه المتميّز أن انتخب عضوًا مراسلاً[27] في المجمع العلمي العراقي سنة 1960، ثمّ انتخب فيه عضوًا مؤازرًا[28]، وانتخبه مجمع اللغة العربية في القاهرة عضوًا مراسلاً سنة 1970، ثم أعيد انتخابه فيه عضوًا عاملاً[29]في السادس عشر من شباط سنة 1991، مع أربعة أعضاء آخرين كان المتحدّث باسمهم في حفل الاستقبال.

والأمر الغريب الذي يدعو إلى الدّهشة أنّه رحمه الله لم يكن عضوًا في المجمع العلمي العربي بدمشق - على الرغم من إشارة الأستاذ زهير الشاويش إلى عضويّته فيه- فقد رجعت إلى أسماء أعضاء المجمع فلم أجد له اسمًا من بين أعضائه، وهو ما أكّده لي الدكتور مازن المبارك في رسالته التي أشرت إليها سالفًا. ولست أدري ما سبب غيابه عن العضويّة في المجمع، أهي أسباب خاصّة به أم متعلّقة بغيره؟.

المجــلاّت:

كان الأفغاني ينشر بحوثه ومقالاته ومداخلاته في عدد من المجلاّت المشهورة، كمجلّة الرسالة[30] القاهرية وكان له فيها قلم متميّز، حتى إنّ رئيس تحريرها كان " يعرف قدره ويعدّه من أدباء العربية في عصره"[31]، لما كان يتمتّع به من أسلوب محكم مبين لا غثاثة فيه ولا التواء.

ثمّ كانت له بعض المقالات في مجلّة الثقافة[32] القاهريّة أيضًا، أمّا مجلّة المجمع العلمي العربي في دمشق، فقد كانت له فيها إسهامات وافية، ونُشر له بحث في صحيفة معهد الدراسات الإسلاميّة في مدريد[33]، وبعض المقالات في مجلّتي العربي والبيان الكويتيّتين، ومجلّة دعوة الحقّ التي تصدرها وزارة الأوقاف المغربيّة، ونشر له غير بحث في مجلّة كلّية الآداب في الجامعة الليبيّة.

وكانت له كتابات في مجلّة رابطة العالم الإسلامي العراقية[34]، وأخرى أشار لها الدكتور محمود الربداوي في مجلّة رسالة الخليج العربي في الرياض، لم أقف له فيها على كتابات أو بحوث.

أما مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، فقد كانت معظم بحوثه المقدمة إلى مؤتمرات المجمع السنوية تنشر فيها، وهي بحوث علمية محكمة تمثل جانبًا مهمًا من جوانب شخصية الأفغاني الفكرية واللغوية، وتعبر تعبيرًا صادقًا عن منهجه في تناول العربية وقضاياها.

المؤتمرات والزيارات العلميّة:

أنهى سعيد رحمه الله عمله في وزارة المعارف السّورية كما أشرنا سنة 1946، وحلّ مدرسًا في جامعة دمشق سنة 1948. وفي سنة 1947 كانت له رحمه الله زيارة علمية إلى القاهرة لمتابعة دراسة الدكتوراه مع الشيخ مصطفى الزرقا[35]، فلما وجدا أنهما أكثر علمًا ممن سيمنحهما هده الشهادات عادا دون دلك، وهي ظاهرة كانت باينة في النصف الأول من القرن الماضي (العشرين)، فمَن منّا لا يعرف العقاد، أو الرافعي، أو محمود شاكر، أو غيرهم... قمم شوامخ شكلت حركة فريدة في نسج خيوط للثقافة العربية المعاصرة.

لكن هذا الأمر لم يحل بينه وبين الاطلاع على مكتبات مصر العامرة بالمخطوطات، إذْ كان حبّ الاستطلاع والتنقيب سمة هذا العالم في كل حال. ففي دار الكتب المصرية كان عقد عزمه[36] على نَشْر كتاب أبي علي الفارسي (الحجّة في علل القراءات السبع)[37] لشهرته الواسعة، وعكف على قراءة أجزائه السّتة الضخمة ثم عدل عن ذلك بعزم لتطويله الشديد وضعف تأليفه.

وكانت له زيارة في هذه السنة للدكتور طه حسين، مكلفًا من قبل الدكتور مصطفى فهمي (من مصر) وزير المعارف[38] آنذاك، بإبلاغ الدكتور طه رغبة الجامعة السورية في استضافته شهرًا لإلقاء بعض المحاضرات في كلية الآداب.

وإن جوانب شخصية الأفغاني المتعدّدة، فرضت عليه منذ دخوله جامعة دمشق وبعدها، أن يكون سفيرها في المؤتمرات التي تعقد هنا وهناك. ففي سنة 1956 كان موفدًا من قبل الجامعة لزيارة أقسام اللغة العربية في جامعات أوروبية وعربية مختلفة، إذ أشار إلى هذه الزيارة في غير موضع في كتبه ومقالاته، يقول خلال مشاركته في مهرجان ابن حزم بقرطبة سنة 1963[39]: " زرت هذه الديار الحبيبة قبل سبع سنين (سبتمبر1956)، بعد غربة في الأقطار الأوروبية امتدت أربعة أشهر"، ويقول في حديثه عن الأستاذ شكيب أرسلان[40]: "فلما زرت المغرب العزيز في رحلة علمية سنة 1956، أحسست جلالة قدره في نفوس عظمائهم وعلمائهم"، ويقول أثناء وجوده في تونس[41]: "فلما كانت سنة 1956 في شهرها العاشر حللت تونس ورأيت ما كنت أبغي في مخطوطة لكتاب (حجة القراءات) للشيخ أبي زرعة عبد الرحمن بن زنجلة، وأوصيت بعد مطالعتي إياه بتصويره".

وقد مثل جامعة دمشق في فبراير سنة 1961، في حلقة تيسير النحو التي انعقدت في القاهرة بكلية دار العلوم بورقة عنوانها: " نظرات في مشروع تيسير النحو "، وفي السنة نفسها مثّلها في المجلس الأعلى لرعاية الفنون و الآداب والعلوم الاجتماعية في القاهرة، الذي عقد حلقة للدراسات التاريخية و الأثرية[42]. واشترك سنة 1962 في المهرجان الألفي لمدينة بغداد وذكرى فيلسوفها الكندي، ودعته جامعة طهران سنة 1963 لزيارتها وإلقاء محاضرتين بها[43]، و في هذه السنة مثّل الجامعة في المهرجان الدولي لابن حزم والشعر العربي المنعقد في قرطبة، وشارك فيه ببحث عنوانه: اللغة عند ابن حزم، وألقى تحيّة جامعة دمشق في حفل الافتتاح.

وكلّفته الجامعة أيضًا بالاشتراك باسمها في الموسم الثقافي الذي أقامه " المكتب الدائم لتنسيق التعريب في العالم العربي " في الرباط، غير أنّ "مصيبة عامّة عاقته دون الاشتراك"[44]، وكان قد كتب مقالته (مع بحوث أخرى): في سبيل العربية، يتحدث فيها عن جهود الفقيد الكبير السيّد محبّ الدين الخطيب[45]، "أحد الصابرين الصادقين في رفع راية العربية بدأب وصمت وثبات".

وشارك أثناء تدريسه في الجامعة الليبية (72-1977)، في المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام المنعقد في الجامعة الأردنية[46] ببحث عنوانه: معاوية في الأساطير، وببحث في ملتقى ابن منظور[47] المنعقد بمدينة قفصة بدعوة من وزارة الثقافة التونسية.

صفاته وأخلاقه :

يمكن أن نوجز جلّ ما اتّصف به الأفغاني، وذلك من خلال ما ثقفته في كتابات تلامذته فيه، وقد وقف تلميذه الدكتور محمد الصباغ[48] على معظم صفاته.

كان الأفغاني رحمه الله على مستوى خلقي رفيع، يأخذ نفسه بمكارم الأخلاق، صادق الوعد دقيقاً فيه، عفّ اللسان، يتذوّق النكتة المهذبة من غير إسفاف، ولا يستريح لنظام الاختلاط في التدريس الجامعي.

وكان جريئًا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم، وله مواقف محمودة في مقاومة الانتداب الفرنسي والمتعاونين معه، ونصيرًا لدعاة الإسلام الذين يثق بهم. وهو مثل أعلى في الاستقامة، ما تغيّر له نهج، ولا تلوّن له فكر، وما جامل أحدًا في أمر لا يريده، وكانت له بصيرة سديدة في معرفة الرجال لا ينخدع بمظاهرهم، ويتجاوز في تقويمه لهم المظاهر إلى الأعماق، لذلك قَصَر علاقته مع الناس على من يثق بدينهم واستقامتهم وفكرهم، فيعرف لكلّ منهم قدره، ويفرّق بين الحكم على الرجل وذكر تفوّقه العلمي.

وكان يخاف الله ويرعى حدوده، ويحرص على صلاة الجماعة، وينفق نصيبًا من دخله في سبيل الله مخفيًا ذلك عن كلّ من حوله، ويبتعد عن المحرّمات والشبهات في تعاملاته المادّية، بل ينكر على من يتساهل فيها من الناس خصوصًا إذا كانت له سمعة دينيّة.

وكان كما يقول الأستاذ زهير في مقالته السالفة رجلاً نادرًا في خلقه وأدبه، مستقيمًا على الجادّة في تعامله وحياته، صلبًا في عقيدته ومنهجه، متمسّكًا بفهم السلف الصالح، ملتزمًا بالدّليل في عبادته وفقهه، آخذًا بالأحوط فيما يشتبه من أموره.

وقد وصفه تلامذته في الملحق الذي أصدره اتحاد كتّاب العرب بدمشق، بأنّه كان "من سدنة العربيّة في عصرنا "، " صارمًا في شؤونها "، " حاطت به هالة العلماء "، و" جمع الفخر من طرفيه: الجهاد الأكبر(العلمي) والنضال الأمثل(التعليمي)"، فغدا " مَعْلمًا من معالم دراسة العربيّة "، و " أشهر من نار على علم "، " لم ينهر سائلاً ولم يردّ مستفهمًا "، ويحرص على تحدّث الفصحى في المحاضرات والمناظرات والمساجلات.

وفــاته:

نعى الأستاذ زهير الشاويش مدير المكتب الإسلامي للنشر والتوزيع في بيروت الأستاذ سعيد الأفغاني رحمه الله يوم الثلاثاء العاشر من شوال سنة 1417هـ الموافق للثامن عشر من شباط سنة 1997م في مكة المكرمة عن عمر قارب الثمانية والثّمانين عاماً، وبذلك يكون رحمة الله قد حط عصا ترحاله بعد رحلة طويلة، كان فيها مع لغة القران خادماً حميماً ولها معلماً رؤوفًا، وبها باحثاً صدوقاً، " لقي وجه ربه قرير العين؛ لأنه حقق أُمنيتين: أن يدفن في هذا البلد الأمين، وأن يصلّى عليه في الحرم المكّي الشريف "[49]. ولمّا كان أبعد ما يكون رحمه الله عن المظاهر والرّياء، فقد رغب أن " تشيّع جنازته بتواضع دون صخب أو ضجيج "[50].

رحل الرجل الذي كان شيخًا في صنعته منهجًا وسلوكًا، وفقدت العربية برحيله ابنًا بارًّا بها، قلّ أن تجد مثله نظيرًا، يقول الشيخ علي الطنطاوي رفيق دربه وعديله[51]: " لقد أحسست بوفاته وكأنني فقدت قلبي أو بعض قواي، ولا أدري ما قيمة حياتي بعده "، وكان الشيخ مصطفى الزرقا قد وصفه بالرسوخ في العلم[52].

وقد رثاه تلميذه الدكتور علي العتوم (من الأردن) أستاذ الأدب الجاهلي في جامعة اليرموك بقصيدة داليّة طويلة (كلّ الممالك) تعدّ مقامة في سيرته وشمائله، بلغت (120) بيتًا على بحر (الكامل)، نشرها بخطّ يده في صحيفة اللواء الأسبوعية[53]، عدّد فيها مناقب الأستاذ ومآثره.

ثانيًا: أعماله وآثارُه
نوجز فيما يأتي ثبتًا بمؤلّفات فقيدنا رحمه الله والكتب التي عُني بتحقيقها، وبحوثِه ومقالاتِه ومداخلاتِه وقراءاتِه للكتب ونقدها. وأشير إلى أنّني لم أقف على مسمّيات بعض المواد الآتية :

مشاركته في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية في القاهرة سنة 1961م.

مشاركته في المهرجان الألفي لمدينة بغداد وذكرى فيلسوفها الكندي سنة 1962م.

المحاضرتان اللتان ألقاهما في جامعة طهران سنة 1963م، وقد تكون له محاضرات أخرى لم أقف عليها.

البحث الذي تقدّم به لملتقى ابن منظور في تونس سنة 1972م.

البحوث التي كتبها للموسم الثقافي الذي أقامه "المكتب الدائم لتنسيق التعريب في العالم العربي" في الرباط سنة 1967 كما أظن .

ما نشر له في مجلّة رابطة العالم الإسلامي العراقية.

موادّ أخرى لم أستطع الوقوف عليها استوحيتها من كلمات الدكتور محمود الربداوي حين ترجم لوفاته إذْ قال[54]: "رحل وبين يديه مخطوطات أعمال أقعده المرض عن إتمامها ... وكنت أشعر بالأسى عندما كان يقول لي: غدًا عندما يفارقني المرض سأكمل تحقيق هذا المخطوط، أو سأنهي الفصل الأخير من هذا الكتاب، ويحدّثني عن مشروعات كثيرة تنتظر الإنجاز".

المؤلّـفات

لعلّ ما يميّز مؤلفات الأفغاني ومحقّقاته، اختيار الموضوعات التي تدلّ على مرجعيّة تمثّل أرضيّة خصبة للوقوف على معالم تراثنا الإنساني، فقد " كان عالمًا ثبتًا معروفًا في الوطن العربي منذ أوائل الثلاثينات من هذا القرن (يقصد القرن العشرين) في المشرق والمغرب على السواء، يؤكّد ذلك اهتمام دور النشر العربية المعروفة بنشر مؤلّفاته في دمشق والقاهرة "[55] وبيروت. فمن موسوعته (أسواق العرب في الجاهليّة والإسلام) التي تعدّ معلمًا في التأريخ لهذا النشاط الثقافي، إلى (حاضر اللغة العربية في الشام) الكتاب الذي أرّخ للعربية في فترات نحس وانحسار وعدوان، إلى (في أصول النحو) الذي يعدّ مرجعًا في بابه، إلى كتابيه (ابن حزم الأندلسي) و(عائشة والسياسة) اللذين أماطا اللثام عن شخصيتين لهما أثر بارز في التراث الحضاري الإسلامي، ويعدّ رائدًا في الترجمة لهما خاصّة في نشره آثار ابن حزم والحديث عن مذهبه (الظاهريّة) منذ أكثر من ستين سنة.

أسواق العرب في الجاهلية والإسلام:

يقع الكتاب في (540) صفحة وصدر عن المكتبة الهاشميّة في دمشق لأول مرّة سنة 1937، ثمّ أعادت طبعه دار الفكر[56] في بيروت سنة 1960، والطّبعة الثالثة مصوّرة عن الثانية، ثمّ صدر للمرّة الرابعة عن مكتبة العروبة في الكويت سنة 1996 بحلّة قشيبة وزيادات مفيدة. ورأيت خلال تصفّحي (بوساطة شبكة الإنترنت) فهرسَ الكتب الوطنيّة في مدينة (أبو ظبي)، أنّها تحتوي على نسختين من الكتاب إحداهما نسخة المكتبة الهاشمية، وثانيتهما صادرة عن دار الكتاب الإسلامي في القاهرة سنة 1993م، لعلّها تكون الطبعة الثالثة المصوّرة عن الثانية.

وقد أشار الأستاذ عزّ الدّين التّنوخي إلى أهمّية هذا الكتاب بقوله[57]: " إنّ هذا الكتاب النفيس من أقلّ ما طبع في الشام ومصر أغلاطًا، وأكثر ما نشر فيهما تحقيقًا "، ويشير إلى مضمونه بقوله: " مهّد للكلام عن الأسواق بما هو وثيق العلاقة بموضوعها كبيوع الجاهليّة ورباها، وأسهب في الكلام على قريش الفريق التاجر من العرب؛ وقد تخلّل هذه الأبحاث كثير من الأدب والتاريخ والصناعة والتجارة، وكثير من الوصف لمجالس هذه الأسواق الأدبيّة وبلاغاتها النثريّة والشعريّة ".

ويشير الدكتور عمر الباشا إلى أنّ هذا الكتاب[58] " كان إيضاحًا لجانب هام من مظاهر الحضارة العربية اجتماعيًا وفكريًا وأدبيّا لعصرين يمثلان التراث الأصيل في الجاهلية والإسلام".

وجاءت نهاية الكتاب وهي ظاهرة بادية في جلّ كتبه- بسرد فهارس موضوعية عامّة تمثّل: الآيات القرآنية، والأحاديث النبويّة، والأعلام، والجماعات، والأماكن، والأشعار، والكتب، وفهرس الموضوعات.

ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة:

صدر عن المكتبة الهاشمية سنة 1940، ويقع في (418) صفحة، وأعادت طبعه دار الفكر للمرّة الثانية سنة 1969.

والكتاب يقع في قسمين، الأول دراسة موضوعيّة عن ابن حزم: عصره، وأصله، ونشأته وشبابه، ومصنّفاته، ومذهبه، وأدبه، وحبّه، وأخلاقه، ومزاجه، وابن حزم والناس، ووفاته - في (150) صفحة، والثاني تحقيق رسالة ابن حزم في المفاضلة بين الصحابة في (130) صفحة، وبقيّة الكتاب تراجم للأشخاص الذين ورد ذكرهم فيها في نيّف وستين صفحة، مذيّلا بفهارس عامّة على عادته في أعماله. يقول عن هذه الرسالة[59]: " أعثرني على هذه الرسالة اشتغالي بالبحث في السّيدة عائشة، وحداني على إعدادها للطبع أنّها كرسالة (الإجابة) ذات علاقة بالسّيدة عائشة، لأنّ ابن حزم ألّفها ليشرح مذهبه في المفاضلة، ومذهبه يجعل أمّهات المؤمنين أفضل الناس بعد الأنبياء، ثمّ يجعل أفضلهنّ خديجة وعائشة ".

الإسلام والمرأة:

صدر عن المكتبة الهاشمية سنة 1945، وصدرت طبعته الثانية عن دار الفكر سنة 1970، ويقع في (130) صفحة.

عائشة والسّياسة:

صدر سنة 1947 عن لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة، وأعادت طبعه سنة 1957، وصدرت طبعته الثالثة عن دار الفكر سنة 1971. وهذا الكتاب لا يقلّ شأنًا عن كتاب ابن حزم، ذلك أنه يعالج جانبًا مهمًّا له أثره في تاريخ الأمّة الإسلامية المبكّر: الحزبيّة والسياسة، يقول الأستاذ سعيد رحمه الله[60]: " سلخت سنين في دراسة السيّدة عائشة، كنت فيها حيال معجزة لا يجد القلم إلى وصفها سبيلا، وأخصّ ما يبهرك فيها علم زاخر كالبحر ...". ويربو الكتاب على (200) صفحة.


مصادر دراسة الأستاذ سعيد الأفغاني (2)
يوسف عبد الله الجوارنة
جامعة الإمارات العربيّة المتّحدة - برنامج اللغة العربية
في أصول النحو:
هذا الكتاب إنّما هو محاضرات أربع كان قدّمها رحمه الله بين يدي منهاج النحو والصرف في شهادة (علوم اللغة العربيّة)[61]: الاحتجاج، والقياس، والاشتقاق، والخلاف بين البصريين والكوفيين – ويقـع في (270) صفحة، وصدر عن الجامعة السّورية سنة 1951، وأعادت طبعه سنتي 1957 و1964، ثمّ أعاد طبعه المكتب الإسلامي في بيروت سنة 1987. وفي نهاية الكتاب مسرد للأعلام ويضم: الأفراد، والجماعات، والأماكن، والكتب.
مذكّرات في قواعد اللغة العربيّة:
جاء هذا الكتاب ليلبّي حاجة أكبر قدر ممكن من الطلاب، فصدرت طبعته الأولى عن الجامعة السورية سنة 1955، ليكون جزءًا[62] من منهاج النحو والصّرف لطلبة السنة الأولى بكلّية الآداب. وقد وَضع بين يدي الكتاب ملحوظاتٍ متعلّقة بالشواهد النحويّة، التي جاءت بعد كلّ مبحث نحوي، ليتعوّد الطالب دراسة النحو من خلال الشواهد، وهو منهج ما اعتاده الطلاب في الجامعات العربية، فكان هذا الكتاب أنشودة الطلاب يحفظونه حفظهم السورة من القرآن. وقد أعادت الجامعة طبعه للمرّة الخامسة سنة 1963.
نظرات في اللغة عند ابن حزم:
رسالة صغيرة من (55) صفحة، أصلها بحث شارك به في مهرجان ابن حزم كما أشرت، وأصدرتها جامعة دمشق في كتاب سنة 1963، وأعادت طبعها دار الفكر سنة 1969، وفيها يقول الدكتور محمد خير البقاعي[63]: " كانت هذه المحاضرة تتويجًا لخبرة الأستاذ الأفغاني بمؤلّفات ابن حزم وآرائه "، وأردف: " حريّ بنا أن نشجّع الباحثين اليوم على القيام بدراسات مماثلة لكبار علمائنا، لأنّ جمّاع هذه الدراسات يمكن أن يكون أساسًا لنظريّة لغويّة عربيّة معاصرة ".
من حاضر اللغة العربيّة في الشام:
يقع الكتاب في (227) صفحة، وهو في الأصل محاضرات عن العربية في بلاد الشام، ألقاها على طلبة معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية سنة 1961، وقد جمع المعهد هذه المحاضرات وأصدرها في كتاب سنة 1962، وأعادت طبعه دار الفكر سنة 1971.
وأشار الدكتور عبد الإله النبهان إلى أهمّية الكتاب فقال[64]: " يعدّ من الكتب الأساسية التي أرّخت للعربية وتصدّت لأعداء العروبة، وسيبقى هذا الكتاب مرجعًا هامًّا لكلّ من رام دراسة تاريخ العربية في العصر الحديث ".
من تاريخ النحو:
يتكوّن هذا الكتاب من قسمين: الأول دراسة حول اللحن ونشأة النحو والخلاف النحوي، مستخرجة من كتابه (في أصول النحو)، والثاني ملحق للدراسة يتكون من نصوص مختارة لستّة مؤلّفين عظام (سيبويه، .. ). والكتاب بمجموعه إنّما وُضع تلبية لحاجة الدارسين في شهادة (فقه اللغة العربية) بكلية الآداب في الجامعة اللبنانية، ويتكوّن من (215) صفحة، وأصدرته دار الفكر سنة 1968، وأعادت طبعه سنة 1978، وهو أيضًا من منشورات مكتبة الفلاح بالكويت سنة 1980.
الموجز في قواعد اللغة العربية وشواهدها:
أشرت إلى أنّ هذا الكتاب هو مجموع ثلاثة[65] أقسام تكوّن منهاج السنة الأولى بكلية الآداب في جامعة دمشق، وجاء بمادّته هذه ليجمع بين مناهج الجامعات في الأقطار العربية مع إضافة مباحث ناقصة لم ينصّ عليها المنهاج اللبناني[66] مع ضرورتها، مراعاة لمناهج بقيّة الجامعات العربية.
وضوابط الشواهد التي وضعها بين يدي كتابه (مذكرات)، هي نفسها بين يدي هذا الكتاب مع زيادة توضيح، كما أن شواهد هذا الكتاب زادت بزيادة المادة المصاحبة له وكانت بعد كلّ مبحث في مجموعتين: المجموعة (أ) يحتجّ بها لموافقتها الضوابط، والمجموعة (ب) لا يحتجّ بها لمخالفتها واحدًا على الأقل من الضوابط المقرّرة في أوّل الكتاب، الذي جاء في (430) صفحة، وصدرت طبعته الأولى عن دار الفكر سنة 1970، ثمّ توالت طبعاتها له: ط2 سنة 1977، وط3 سنة 1981.
وقد حرص المؤلّف أن يأتي في نهاية الكتاب بفهرس لأصحاب الشواهد مع تحديد وفياتهم بالسنين الهجرية على قدر الإمكان، أو تحديد أزمنتهم.
تعاليق على شواهد الموجز:
يقع في (86) صفحة، وصدر عن دار الفكر سنة 1971. وجاءت هذه التعاليق إتمامًا للفائدة المرجوّة من كتاب (الموجز)؛ فمعظم الطلاب غير منتظمين في الجامعة اللبنانية، ولعنايته الفائقة هو نفسه بالشواهد كيما تكون منهجًا للطلاب في دراستهم.
أما عدّتها فهي: (318) شاهدًا شعريًّا على المجموعة (أ)، و (167) شاهدًا على المجموعة (ب)، و (213) آيةً قرآنيّة، و (13) حديثًا، و(9) شواهد نثرية، وقراءة شاذّة واحدة في المجموعة (ب) ص86 من الموجز، على نصب الفعل المضارع.
ويبدأ كلّ تعليق برقم الشاهد، فالكلمة موضع الاستشهاد، فإعرابها، فإشارة إلى تطبيق القاعدة، وفي المجموعة الثانية بيان سبب عدم الاحتجاج.
وهذه الكتب اللغوية كانت نهضة علميّة في علوم اللغة العربية في الوطن العربي، وتميّزت بالأصالة والجدّة والتوجيه المعرفي، على حدّ تعبير الدكتور عمر الباشا[67]، وهي طريق لاحبة للانطلاق إلى كتب التراث القديم للوقوف على معالمها ومحاولة استظهارها.
ولعلّ من الفائدة الإشارة هنا إلى أنّ الأستاذ الأفغاني قد كتب في شباط سنة 1968 تقريرًا رفعه إلى الجامعة السورية، أشار فيه إلى أغلاط المنجد والمنجد الأبجدي وطبع في دمشق بفصلة خاصّة مـن (12) صفحة سنة 1969.
كما ولا أنسى الإشارة إلى لقاء مجلّة الفيصل السعودية[68]مع الأستاذ الأفغاني رحمه الله حول النحو العربي وما يتصل به من قضايا معاصرة، وقد دار اللقاء حول: قضيّة تيسير النحو وخصومة القدماء والمحدثين، وقضيّة ضعف الطلاّب أسبابها وعلاجها، وقضيّة الشّواهد.
وقد ذكر الدكتور محمود الربداوي[69] وهو يعدّد كتب الأفغاني أنّ له كتابًا اسمه (منهج القواعد العربيّة)، وذكر له الدكتور عفيف عبد الرحمن[70] كتابًا بعنوان (البحث اللغوي في بلاد الشام). ولم أتبيّن الأوّل منهما إلا إذا كان مخطوطًا، أمّا الثاني فأظنّه كتاب (حاضر اللغة العربية في الشام).
وأيّ كان، فإنّ هذه المؤلفات بعمقها وفائدتها إنما صدرت عن رجل له دراية ودربة في كتب التراث، وخبرة حافلة في البحث والتدريس، وستبقى علامات دالّة لطلبة العلم والبحث العلمي.
الكتب التي عُني بتحقيقها
إنّ اختيار المرء قطعة من عقله تدلّ على جهله أو فضله كما يُقال، وقد كان الأفغاني يعنى رحمه الله بانتقاء النفيس من المخطوطات؛ فمنهجه " يقوم على اختيار الموضوعات المبتكرة ويتعامل مع الموضوع المختار بدقّة العالم وعمق الباحث [71]"، وهو ما أشار إليه بقوله[72]: "كان من همّتي الولوع بنشر الآثار الأبكار التي لا تكاد تعرف". لذلك جاءت كتبه المحقّقة كما يقول تلميذه الدكتور محمد الصّبّاغ[73] على أعلى درجة من الإتقان والتّثبّت والتعليقات النفيسة الغنيّة بالفوائد.
وقد كان على دراية تامّة بكيفيّة إخراج الكتب وتحقيقها، يقول تلميذه الدكتور صلاح كزارة[74]: " لقد اهتدى أستاذنا الأفغاني منذ أوّل رسالة[75] حقّقها ونشرها سنة 1939 لهدي قواعد تنقد النّص نقدًا خارجيًّا (نقد السند)، ونقدًا داخليًّا (نقد المتن) "، وأشير إلى أنّه كان يُصدّر كتبه المحقّقة هذه بمقدّمات ضافية وافية، يصف فيها المخطوط وأهمّيته والنّسخ التي اعتمد عليها، ثمّ حديث عن الكتاب وموضوعاته، وتعريف بالمؤلّف ومنهجه في المخطوط... ثمّ يأتي في نهايتها بفهارس عامّة لها أثرها في خدمة البحث والباحثين.
وكما تجدر الإشارة إلى أنّ الكتب التي سنعدّدها هنا لها صلة وثيقة بمؤلّفاته؛ فقد حقق كتابين لابن حزم وترجَمَتَه في سير أعلام النبلاء، وكتاب الزركشي الإجابة وهو تطبيق على عِلم هذه السيّدة العالمة الفاضلة، إضافة إلى ترجمتها في سير أعلام النبلاء، وعلاقة الأفغاني بالسيّدة عائشة وابن حزم حميمة جدًّا.
وكتب (الإغراب في جدل الإعراب ولمع الأدلّة وحجّة القراءات) لها ارتباط وثيق بمؤلّفه (في أصول النحو) وكلّها صدرت بعده، أمّا (مغني اللبيب) الذي أشرف على تحقيقه ومراجعته، فقد كان يومًا مرجعه في منهاج النحو.
وسوف أعدّد كتبه التي عني بتحقيقها مع الإشارة إلى طبعاتها، وهي:
الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للإمام بدر الدّين الزركشي (المتوفّى سنة794هـ):
صدرت طبعته الأولى عن المكتبة الهاشمية بدمشق سنة 1939، وأعاد طبعه المكتب الإسلامي في بيروت سنة 1970. وقدّم لهذا الكتاب بمقدّمة على جانب كبير من الأهمّية، "هي بحق المثل الأعلى للتحقيق النموذجي، سبق فيما ذكره كثيرًا من المحققين السابقين. وما ذكره في التقديم هو منهج أمثل لكلّ من يتصدّى للتحقيق من العلماء والباحثين"[76].
رسالة في المفاضلة بين الصحابة لابن حزم الأندلسي المتوفّى سنة 456هـ (انظر كتابه ابن حزم الأندلسي في المؤلفات).
سير أعلام النبلاء (الجزء الخاص بترجمة ابن حزم) لشمس الدّين الذّهبي (ت 748هـ): صدر في طبعته الأولى سنة 1941 عن المكتبة الهاشمية بدمشق، وأعادت طبعه دار الفكر سنة 1969. وكان نُشٍر منجّمًا في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (المجلد16: الجزآن 9(ص387-407)، و10(ص433-449)، سنة1941م).
سير أعلام النبلاء (الجزء الخاص بترجمة السّيدة عائشة) لشمس الدّين الذّهبي: صدر في طبعته الأولى عن المكتبة الهاشمية سنة 1945، وأعادت طبعه دار الفكر سنة 1970.
تاريخ داريّا ومن نزل بها من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين للقاضي أبي علي الخولاني(من القرن الرّابع الهجري): أصدره المجمع العلمي العربي في دمشق سنة 1950، وأعادت طبعه دار الفكر مرّتين سنتي 1975و1984، وهو من منشورات جامعة بنغازي في ليبيا.
الإغراب في جدل الإعراب ولمع الأدلة في أصول النحو لابن الأنباري(ت577هـ): صدرا في مجلّد واحد عن الجامعة السوريّة سنة 1957، وأعادت طبعهما دار الفكر ثانية سنة 1971.
الإفصاح في شرح أبيات مشكلة الإعراب[77] للحسن بن أسد الفارقي(ت 487هـ): أصدرته الجامعة السورية سنة 1958، وأعادت طبعه جامعة بنغازي سنة 1974، وصدر للمرّة الثالثة عن مؤسّسة الرسالة في بيروت سنة 1980.
ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل لابن حزم: أصدرت طبعته الأولى الجامعة السوريّة سنة 1960، وأعادت دار الفكر طبعه ثانية سنة 1969. يقول الدكتور محمد خير البقاعي عن منهج الأفغاني في مقدّمة الكتاب[78]:" فصّل القول فيما كان أجمله في مقدّمة الكتاب الأول (ابن حزم)، وهو ظاهرية ابن حزم التي دفعته إلى معاداة القياس مع أنّه ألّف في المنطق، ووضّح أنّ الظاهريّة هي الاتجاه المضادّ لحركة المستهينين بالنصوص ".
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب[79]لابن هشام ( ت762هـ): صدر أولا في دمشق سنة 1964، ثم توالت طبعاته عن دار الفكر في بيروت: (ط2/69، ط3/72، ط5/79، ط6/1985).
حجة القراءات لأبي زرعة (من مخضرمي المئتين الثالثة والرابعة): قامت بنشره للمرّة الأولى جامعة بنغازي سنة 1974، وتوالت طبعاته في مؤسّسة الرسالة: ط2/79، ط4/84، ط5/1997.
وقد قام الأفغاني بنشر رسالة السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله (التي بعث بها إلى شيخه في الطّريق محمود أبي الشامات، الحنفي الدّمشقي (المتوفّىسنة 1922م)، شيخ الطّريقة الشّاذليّة اليشرطيّة، وبيّن فيها سبب خلعه عن الحكم)- في مجلّة العربي[80] الكويتيّة سنة 1972م، وقدّم بين يديها معالم في سيرة السّلطان، ومساومات هرتزل له والتّخطيط لخلعه، وقصّة هذه الوثيقة والهدف منها، ثمّ كلمة عن السلطان رحمه الله في ذاكرة شعبه.
البحـوث
• هل في النحو مذهب أندلسي؟: نشر في صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد في المجلّدين 7-8 سنتي 1959-1960، والبحث بنصّه مضمّن في كتابه (من تاريخ النحو) ص98 وما بعدها.
• نظرات في مشروع تيسير النحو[81]: قدّم في مؤتمر (حلقة تيسير النحو) المنعقد في كلية دار العلوم بالقاهرة من 4-9 فبراير سنة 1961، والبحث مضمّن في كتابه (من حاضر اللغة العربية) ص201-211.
• معاوية في الأساطير: قدّم في المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام من القرن السادس حتى القرن السابع عشر، المنعقد في الجامعة الأردنية بعمّان من20-25نيسان سنة 1974. والبحث منشور ضمن الكتاب الصادر عن المؤتمر ونشرت طبعته الأولى الدار المتحدة في عمان سنة1974. ونشره الأستاذ أيضّا في مجلة كلية الآداب بجامعة بنغازي ع6 سنة 1974؛ إذ كان يعمل لدى الجامعة الليبية.
• الاحتجاج للقراءات: نشر في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة ع34 سنة 1974، وضمّنه الأستاذ في مقدمة تحقيقه كتاب (حجّة القراءات) لأبي زرعة.
• تصحيح الأصول: قدّم في مؤتمر الدورة 40 لمجمع اللغة العربية في القاهرة سنة 1974، وتبعته مناقشة حادة. وقد أدرجته في مقتطفاتها مجلّة اللسان العربي في الجزء الأول من المجلد السادس عشر ص234.
• البناء على الشاهد الأبتر: قدّم في مؤتمر الدورة 41 لمجمع القاهرة سنة 1975، ونشر في مجلّة كلية الآداب في الجامعة الليبية، ع7، سنة 1975.
• العمل فيما له روايتان من الشواهد: قدّم في مؤتمر الدورة 42 لمجمع القاهرة سنة 1976، ونشر في مجلّة كلّية الآداب في الجامعة الليبية، ع8، سنة 1976.
• محنة إلى زوال: قدّم في مؤتمر الدورة 43 لمجمع القاهرة سنة 1977.
• جهود المجمع العلمي الأول في خدمة العربية في الشام: نشر في مجلة مجمع القاهرة ع39 سنة 1977.
• من قصة العامية في الشام: قدّم في مؤتمر الدورة 44 لمجمع القاهرة سنة 1978، ونشر في مجلة المجمع ع41 سنة 1978.
• آخر ساجع في الشام: قدّم في مؤتمر الدورة 45 لمجمع القاهرة سنة 1979، ونشر في مجلة المجمع ع43 سنة 1979.
• من غرائب الأساليب: قدّم في مؤتمر الدورة 47 لمجمع القاهرة سنة 1981، ونشر في مجلة المجمع ع47 سنة 1981.
• مع الأخفش الأوسط في كتابه معاني القرآن: نشر في مجلة مجمع القاهرة ع48 سنة 1981.
• لغة الخبر الصحفي: قدّم في مؤتمر الدورة 49 لمجمع القاهرة سنة 1983، ونشر في مجلة المجمع ع51 سنة 1983.
• مزاعم الصعوبة في لغتنا: قدم بمناسبة احتفالات مجمع القاهرة بعيده الخمسين من (20-24 ) فبراير سنة 1984، ونشر في مجلة المجمع ع53 سنة 1984.
• ثلاث كلمات للاستعمال العام: قدّم في مؤتمر الدورة 50 لمجمع القاهرة سنة 1984، ونشر في مجلة المجمع ع54 سنة 1984.
• من معاني (إلاّ) في القرآن: قدّم في مؤتمر الدورة 51 لمجمع القاهرة سنة 1985، ونشر في مجلة المجمع ع56 سنة 1985.
• التربية عند ابن حزم: ضمن كتاب "من أعلام التربية العربية الإسلامية" المجلد الثاني، الصادر عن مكتب التربية العربي لدول الخليج بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، 1409هـ .
• حيـاة كلمة: قدّم في مؤتمر الدورة 58 لمجمع القاهرة سنة 1992، ونشر في مجلة المجمع ع74 سنة 1994.
المقــالات
• ديـن المتنبّي (بمناسبة المهرجان الألفي لأبي الطيب في دمشق من 23_29/تموز سنة 1936): مجلّة الرّسالة (العددان161 ،162/ سنة 1936).
• حول نبوة المتنبي: رد نُشر في الرسالة (ع170 سنة 1936) على مقال الأستاذ محمود شاكر " نبوة المتنبي" المنشور في الرسالة (ع167سنة1936).
• حول نبوة المتنبي أيضًا: ( رد نشر في الرسالة (ع174/1936) على مقالي الأستاذ محمود شاكر "نبوة المتنبي أيضًا " المنشورين في الرسالة (العددان 171،172/1936).
• من مشاهد عكاظ المؤثرة (بمناسبة ذكرى المولد النبوي): الرسالة(ع203/1937). والمقال من كتاب الأستاذ سعيد " أسواق العرب " الذي كان يعدّه للطبع وصدر بعده سنة 1937.
• جهاد شهيد ( من ثمرات الهجرة): الرسالة (ع247/1938).
• الجاحظ والسياسة: مجلة الثقافة المصرية (السنة الأولى/ع15/1939).
• تعريف بكتاب الإجابة للزركشي: مجلة الثقافة المصرية (س1/ع19/1939).
• ابن حـزم الإمام المحب: مجلة الثقافة المصرية (س2، الأعداد 70،68،67، سنة1940)، وهذه المقالات ملخّص بحث قام به عن ابن حزم وقد نشرت طبعته الأولى المكتبة الهاشمية بدمشق سنة 1940.
• أضرار التشجيع: الرسالة (ع366/1940).
• معارج الأحداث: الرسالة (ع460/1942).
• رسالة الطالب (مهداة إلى طلاب العرب في جميع الأقطار): الرسالة (ع465/1942).
• عائشة والسياسة: الرسالة (العددان314، 315 سنة 1939).
• المرأة والسياسة: الرسالة (ع647/1945).
• الصهيوني الأول (مهداة إلى الأقلام النبيلة المجندة لنصرة فلسطين): الرسالة (العددان 651 سنة1945، و662 سنة 1946).
• من نكبات الحزبية في تاريخنا: الرسالة (ع703/1946).
• معاوية بين يدي عائشة: الرسالة (ع714/1947).
• حذارِ يا سيدتي: الرسالة (ع731/1947). والمقالات من (عائشة والسّياسة إلى حذار يا سيّدتي) من كتاب الأستاذ سعيد (عائشة والسياسة) الذي كان يعده للطبع، وصدرت طبعته الأولى فيما بعد سنة 1947.
• تاريخ مفترى للسلطان عبد الحميد: مجلة البيان الكويتية (ع35/1969).
• في سبيل العربية: مجلة دعوة الحق المغربية (س13/ العددان 10،9/1970).
• وثيقة وعبرتها(1): مجلة دعوة الحق المغربية (س14/ع10/1972).
• وثيقة وعبرتها(2): مجلة دعوة الحق المغربية (س15/ع1/1972).
• إنصافًا لطه حسين (دعوة لمراجعة كتابي حديث الأربعاء وفي الشعر الجاهلي): مجلّة العربي (ع218/1977).
• قصة الخط الحديدي الحجازي لم تتمّ فصولا..: مجلّة العربي (ع280/1982).
المداخــلات
( استدراكات وتعقيبات وردود وتحقيقات )
• موضوع النحت في مجلة مجمع دمشق: كلمة حياد نشرها في (م14/1936ص147-152) بين مارون غصن الذي كتب في (م13ص300) مقالا بعنوان: النحت في العربي وسيلة لتوسيع اللغة[82] – وسليم الجندي الذي رد عليه في (م13 ص359).
• حول مقالة الطموح عند المتنبي (كافور وسيف الدولة في نظر الحق والتاريخ): رد نشر في مجلة مجمع دمشق (م15/1937ص78-82) على مقالة علي رضا (الطموح عند المتنبي) المنشورة في مجلة المجمع (م14/1936).
• رجاء إلى علماء العربية والاستشراق حول (السّرار) نشره في مجلة مجمع دمشق (م15/ 1937/ص313-314).
• استدراك حول كتاب الإجابة نشره في مجلة مجمع دمشق (م16/1941/ص335-336)، ورد على البيطار الذي كتب عنه في المجلة نفسها (م16/1941/ص129-132).
• استدراك في مجلة الرسالة (ع422/1941ص993) على ما جاء في مقال غزوة حنين المنشور في الرسالة (ع417) حول ما نسب للرسول أنّه سئل عن الخوارج...
• تحقيق نشر في الرسالة (ع431/1941ص1346-1347) يمنع نسبة الحديث الوارد في مقال غزوة حنين في الرسالة (ع417) المنسوب للرسول عن الخوارج.
• تهافت حول الإجابة أيضا: رد نشر في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (م17/1942/ص285-287) على مسلم الميداني الذي كتب عنه في المجلة نفسها (م16/1946/ص526-527).
• ملاحظات لغوية نشرت في مجلة مجمع دمشق (م17/1942/ص381-382) على مقالة (الأوهام العاثرة) للكرملي المنشورة في المجلة نفسها (م17/1942/ص106-112).
• تبرئة القضاء العربي من وصمة: رد نشر في مجلّة الرسالة (ع450/1942ص227) على ما أورد صاحب مقال (التبعة والعقوبة في المجتمع البشري) المنشور في الرسالة (ع445) من أن العرب أقروا شهادة الحيوان أمام القضاء.
• أولية سوق عكاظ: تصحيح نشر في الرسالة (ع454/1942ص337) لما ذكره الأستاذ علي حسن في الرسالة (ع451) مصحِّحًا لما في دائرة معارف وجدي عن افتتاح سوق عكاظ.
• تصحيح بعض العبارات نشرت في مجلة مجمع دمشق (م17/1942/ص190-191) لناشِرَيْ كتاب الإمتاع والمؤانسة (طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر).
• استدراكان لغويان نشرا في الرسالة (ع479/1942ص869) على تصحيحات الكرملي للجزء الثاني من الإمتاع والمؤانسة المنشورة في الرسالة (ع475).
• تصحيح نشر في الرسالة (ع491/1942ص1109) لبعض سقطات الكرملي المنشورة في الرسالة (ع487).
• الكرملي في قبضة الحق نشر في الرسالة (ع492/1942ص1126).
• تصحيح نشر في الرسالة (ع493/1942ص1151) لرواية الحديث الذي رواه الكرملي ونشره في الرسالة (ع487) عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
• في النقد اللغوي رد نشر في مجلة مجمع دمشق (م19/1944/ص188-191) على أجوبة الكرملي على ملاحظاته اللغوية المنشورة في مجلة المجمع (م18/1943/ص476-479).
• إرشاد نشر في الرسالة (ع554/1944ص156) لمن طلب في الرسالة (ع549) معلومات عن الشيخ محمد الطنطاوي.
• حول تاريخ داريا: تصحيح أخطاء نشرها في مجلة مجمع دمشق (م26/ج1/1951ص156) دل عليها سالم الكرنكوي.
• حول تصحيح سبعة أسطر: رد نشر في مجلة مجمع دمشق(م29/ج1/1954ص155-157) على محمد دهمان الذي كتب في المجلة نفسها (م28ج2/1953ص333-334): تصحيح سبعة أسطر في تاريخ داريا.
• نسخة سادسة من قصيدة الواعظ الأندلسي في مناقب السيدة عائشة: تعقيب نشر في مجلة مجمع دمشق (م49ج3/1974ص658-661) على الأستاذ عبد الله كنون الذي يرى في مجلة المجمع (م48/ ص747) أنه السباق لنشرها.
• تعقيب نشر في مجلة العربي (ع239/1978ص138-139) على ما جاء في استطلاع (البحث عن مواقع التاريخ تحت رمال الجزيرة العربية المنشور في العربي ع234/1978) عن سوق عكاظ.
• تعقيب نشر في مجلة العربي (ع239/1978ص139) على ما جاء في مقال الدكتور محمد الدسوقي (عندما تحدث طه حسين عن كتبه) المنشور في المجلّة نفسها (ع234/1978) من نسبته للأفغاني أن طه لم يرجع عن رأي له في كتابه (في الشعر الجاهلي).
المحاضرات والكلمات
• المرأة العربيّة في نشأة الإسلام: محاضرة ألقيت في قاعة مجمع دمشق في (5/12/1941م).
• تحيّة جامعة دمشق: خطاب ألقاه في حفل افتتاح الذكرى المئوية التاسعة لوفاة ابن حزم في قصر قرطبة (قاعة الزليج) في 12/5/1963.
• الدكتور حسني سبح: قدّم في مؤتمر الدورة 57 لمجمع القاهرة سنة 1991، وهو حديث ترجم فيه لحياة الدكتور سبح الذي وافته المنية صباح يوم الأربعاء الموافق 31/12/1986، وجهودِه في خدمة العربية. وفي هذه السنة (1991) انتخب مجمع القاهرة الأستاذ الأفغاني ليحل عضوًا عاملاً محلّ الدكتور حسني رحمه الله.
• كلمة الأعضاء الخمسة الجدد في مجمع اللغة العربية في القاهرة: ألقاها بمناسبة انتخابه عضوًا عاملاً في 16/2/1991.
وأعتقد أنّ هناك الكثير من محاضراته التي لم أستطع الوقوف عليها، أرجو أن أوفّق إليها..!!
مـع الـكتب
(قراءة وتعريف ونقد)
ميدان كان أثره الكبير في الناس يتعلّمون فيه العربيّة من خلال تقارير يرفعها أهل الاختصاص إلى المجمع العلمي العربي في دمشق، وقد أشار إلى ذلك رحمه الله في معرض حديثه في الباب الثالث عن عمل المجمع العلمي في خدمة اللغة فقال[83]: " كانت الخطّة أن يُعهد إلى مختصّ من أعضاء المجمع أو غيرهم بدراسة كلّ كتاب يرد إلى المجمع، ونشر تقرير عنه في المجلّة يُعنى بالموضوع والأسلوب والحسنات والمآخذ ".
وقد وقفت على مجموعة من الكتب التي كانت للأفغاني رحمه الله له فيها وَقَفات متأنّية، تعريفًا بالكتاب وقراءة ونقدًا علميًّا، يهدف إلى تهذيب الكتاب ممّا علق به من شوائب غابت عن المؤلّف، يُقبل عليها بصدر رحب بعيدًا عن التشنّج والانحراف الذي يمارس هذه الأيام، مع أناس تحار في وصفهم بل تعرض عن ذكرهم، فما بضاعتهم مع أولئك الأساطين الذين أوفوا على الغاية بارّين بالعربية مخلصين.
والكتب التي أشرت إليها هي:
• كمـال أتاتورك لمحمد محمد توفيق: كتب عنه في مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق (م14/1936/ ص467_470).
• ابن عبد ربه وعقـده لجبرائيل سليمان جبّور: قرّظ له في مجلة مجمع دمشق (م15/1937، ص488_492).
• مصـطلح التاريخ لأسد رستم: كتب عنه في مجلة الثقافة المصرية (س2/ع90/1940، ص38_40).
• نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر لمؤلف مجهول، نشره ألفريد البستاني، وعرّف به الأفغاني في مجلة مجمع دمشق (م16/1941/ص133_136).
• كتاب الذخـيرة[84] (لابن بسّام) أيضا: ملاحظات رفعها إلى الأساتيذ الأجلاّء محقّقي الكتاب نشرها في مجلة مجمع دمشق (م16/1941/ ص235_237).
• رحـلة الوزير في افتكاك الأسير للوزير محمد عبد الوهاب الغساني، نشره ألفريد البستاني: تلخيصٌ وتصحيحٌ نشره في مجلة مجمع دمشق (م16/1941/ ص269_278).
• معـرض الآراء الحديثة (العدد التاسع من عيون الأدب الغربي) لِ ج. لويس دكنسن، تعريب محمد رفعة: ملاحظات رفعها إلى المعرّب نشرها في مجلة مجمع دمشق (م16/1941/ ص371_375).
• المعجـم العربي نشأته وتطوره لحسين نصّار: كتب عنه في مجلة المجمع في دمشق (م44/1969/ ص913_924).
• الأعـلام العربية لإبراهيم السامرائي: بعض ملاحظات نشرها في مجلة مجمع دمشق (م44/1969/ص925_926).
• صانعـو التاريخ العربي لفيليب حتّي، ترجمة أنيس فريحة: دراسة نشرها في مجلة كلية الآداب_جامعة بنغازي بعنوان (ظـاهرة وكتاب) في العدد السادس سنة 1974 (ص225_239).
• معـاني القرآن للأخفش الأوسط (تعريف ونقد)، تحقيق فائز الحمد: وَقَفات من عمل المحقق عرض لها في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة (الجزء46/1980/ ص188_194).
الخاتمة
كنت في الصّفحات السّابقة قد تناولت شخصيّة الأستاذ سعيد الأفغاني، عالم العربيّة والنّحو العربيّ في بلاد الشّام في القرن العشرين، من جانبين: الأوّل منهما تحدّثت فيه عن سيرته وحياته؛ ميلاده ونشأته، وحياته العمليّة، والمجلاّت التي كان يكتب فيها، والمؤتمرات التي حضرها، والمجامع العلميّة التي كان عضوًا فيها، وصفاته وأخلاقه، ووفاته.
والثاني كان قائمة (بيبلوغرافيّة) بما نتج عن قلم الأفغاني رحمه الله من كتابات وتحقيقات في سبعة أقسام: المؤلّفات، والكتب التي عُني بتحقيقها، والبحوث، والمقالات، والمداخلات، والمحاضرات، ومع الكتب في قراءاته لها وتعليقه عليها.
وقد خلصت من هذا البحث إلى أنّ صاحبنا سعيد الأفغانيّ رحمه الله كان:
موسوعيًّا على طريقة العلماء العرب القدامى ممّن يحملون من كلّ علم بطرف، مع أنّه لا يحمل سوى إجازة في علوم العربيّة من جامعة دمشق.
مدرسةً في التّأليف والتّحقيق والتّأريخ، ونتاجه المتميّز يشهد له بذلك.
صاحبَ منهجٍ قويم في التّعليم والتّحليل، ما تغيّر فيه ولا تبدّل بتغيّر الأحوال وتبدّل الأزمان.
لذلك أقترح على المؤسّسات الأكاديميّة العلميّة، أو دور النّشر، أو أصحاب الصّدقات الجارية، أن يقوموا على تراث هذا العالِم الجليل الزّاخر بإعادة نشره، بأن تطبع كتبه طبعات جديدة، وأن يجمع ما تناثر له من بحوث ومقالات وغيرها في كتب خاصّة، كيما تكون قريبة بين يدي الباحثين.
وأوصي طلاّب العلم في مجال الدّراسات اللغويّة خاصّة، أن يتناولوا دراسة هذه الشّخصيّة، لأنّ فيها مادّة غنيّة وخصبة للبحث والتّأليف.

• ممّا وقع تحت يديّ وفيه ترجمات للأستاذ سعيد:
أوّلاً: قبل وفاته:
ما ظفرت به منثورًا في نتاجه وأعماله.
عبد القادر عيّاش: معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين، دار الفكر، ط1، 1985.
اتحاد الكتاب العرب: ملحق الأعلام رقم 64 (سعيد الأفغاني)، جريدة الأسبوع الأدبيّ، دمشق، 1994. وتضمّن الملحق الموادّ الآتية:
سمر روحي الفيصل: سعيد الأفغاني (الافتتاحية).
بطاقة تعريف.
د.عبد الإله نبهان: الأفغاني مؤرخ العربية.
د.عمر موسى باشا: الأفغاني الشامي معلم الجيل.
د.فايز الداية: صورة الأفغاني العالم والمعلم.
د.منى الياس: من دروس الأفغاني.
مظهر الحجي: الأفغاني أستاذًا.
د.محمد خير البقاعي: الأفغاني وابن حزم.
حسان فلاح أوغلي: الأفغاني ومذكراته في النحو.
د.صلاح كزارة: الأفغاني محقّقًا.
شوقي ضيف: الأستاذ سعيد الأفغاني (تعريف به بمناسبة انتخابه عضوًا عاملاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة)، مجلّة المجمع، القاهرة، ج72، 1993.
ثانيًا: بعد وفاته:
الأستاذ زهير الشاويش: (نقاط مضيئة من حياة الأفغاني)، صحيفة اللواء، الأردن، ع1241، 1997.
الدكتور مازن مبارك: (الأستاذ الأفغاني خسرناه رجلا ...)، جريدة الثورة، دمشق، ع ، 1997.
الدكتور محمد الصبّاغ: (العلامة سعيد الأفغاني فقيد العربية)، مجلة المجتمع، الكويت، ع1243، 1997.
عبد المجيد القادري: (التجاهل الإعلامي لوفاة سعيد الأفغاني)، مجلة المجتمع، الكويت، ع1246، 1997.
(رحيل سعيد الأفغاني)، مجلة الفيصل، السعودية، ع245، 1997.
الدكتور محمود الربداوي: (ورحل الأستاذ سعيد الأفغاني)، مجلّة الفيصل،السعودية، ع246، 1997
================
1. د. محمد الصباغ، سعيد الأفغاني فقيد العربية، ص52.
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله بن خميس ; 02-08-03 الساعة 11:03 AM
  #25  
قديم 02-08-03, 11:22 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 881
افتراضي

عبد الفتاح أبوغدة

ولادته:

ولد الأستاذ الشيخ عبدالفتاح بن محمد بن بشير بن حسن أبوغدة -يرحمه الله تعالى- في مدينة حلب الشهباء شمالي سورية، في 17 رجب 1335 الموافق 9 مايو 1917 في بيت ستر ودين، وكان هو الأخ الثالث والأصغر بين إخوته الذكور، فيما تكبره أخته الحاجة شريفة وتصغره أخته الحاجة نعيمة أمد الله في عمريهما.

وكان والده محمد - يرحمه الله - رجلاً مشهوراً بين معارفه بالتقوى والصلاح والمواظبة على الذكر وقراءة القرآن، وكان يعمل في تجارة المنسوجات التي ورثها عن أبيه، حيث كان الجد بشير- يرحمه الله تعالى- من تجار المنسوجات في حلب، والقائمين على صناعتها بالطريقة القديمة، أما والدة الشيخ فهي السيدة فاطمة مزكتلي المتوفاة سنة 1376-1956.

وينتهي نسب الشيخ رحمه الله تعالى من جهة والده إلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، وكان لدى أسرة الشيخ شجرة تحفظ هذا النسب وتثبته أما اسم أبوغدة فهو حديث نسبيا و من فروع العائلة فرعان يحملان اسم صباغ ومقصود.

وقد عمل الشيخ في حداثته بالنسيج مع والده وجده رحمهم الله ثم عمل أجيراً مع الحاج حسن صباغ في سوق العبي، وكان من زملائه الحاج عبد الرزاق قناعة أمد الله في عمره، ولا تزال الدكان التي عمل بها موجودة يعمل فيها آل أبو زيد أصهار الشيخ عبد الباسط أبو النصر.





عائلته

كان والد الشيخ وجده رحمهما الله يعملان – كما أسلفنا في النسيج وصباغته – وقد تزوج من السيدة فاطمة مزكتلي، وقد توفي جد الشيخ بشير عام 1355/1935 عن عمر يناهز 95 سنة ويقال أنه لم يسقط له سن ، فيما توفي والد الشيخ رحمهم الله جميعا عام 1360/1940 عن 63 عاما، وللشيخ أخوان من الذكور و أختان من الإناث، هم :

عبد الكريم 1322–1 شعبان 1402/1905-24/5/1982 : و من أولاده محمد سعيد رحمه الله وهو من أوائل الصناعيين بحلب، والدكتور عبد الستار الحائز على شهادة الدكتوراه في الفقه من الأزهر والذي عمل مع الأستاذ مصطفى الزرقا في موسوعة الفقه الإسلامي في الكويت ويعمل مستشارا شرعيا لكثير من المصارف الإسلامية وعلى رأسها شركة دلة في جدة، وكان الشيخ قد وجهه لطلب العلم الشرعي وأدخله في نشأته دار الحفاظ في جامع العثمانية، وعبد الهادي الذي توفي في 25 محرم 1384 المصادف 5/6/1964 في حلب بسرطان الدم وأهداه الشيخ كتابه (رسالة المسترشدين).



عبد الغني 1328/-28 ذي الحجة 1393/1907- 22/1/1974: و من أولاده أحمد تاجر العقار في حلب، والشيخ الدكتور حسن أبوغدة الأستاذ في جامعة الملك سعود، وله من الأحفاد الشيخ الناشئ معن حسين نعناع وفقه الله ويعمل أمينا للمكتبة في المدرسة الكلتاوية في حلب، والتي يديرها فضيلة الشيخ محمود الحوت.


السيدة شريفة زوجة السيد محمد سالم بيرقدارالمتوفى سنة 1398/1978 عن 73 عاما، وقد ولدت – أطال الله في عمرها ومتعها بالعافية – عام 1332/1914 ولها من الذكور الأستاذ عبد المعطي رجل الأعمال المعروف في مدينة حلب والمولود فيها عام 1365/1944.


السيدة نعيمة زوجة السيد علي خياطة والمولودة عام 1920: ولها من الأولاد محمود ويعمل في صناعة البلاستيك، وسعد الدين ومحمد، ولها من الأحفاد غياث طالب العلم الشرعي في المدرسة الكلتاوية في حلب.











تزوج الشيخ من السيدة فاطمة دلال الهاشمي اخت صديقه الدكتور علي الهاشمي، ووالدها المرحوم عبد اللطيف هاشمي ووالدتها المرحومة السيدة نبيهة كبه وار، فكانت له نعم الزوجة الصالحة، نهضت عنه بعبأ البيت وتربية الأولاد ليتفرغ للدعوة والعلم الشرعي، ووقفت بجانبه في الشدائد والأمراض خير زوجة وأنيس . وللشيخ ثلاثة أبناء و ثمان بنات، هم على التوالي:




محمد زاهد (محرم 1372=25/9/1952): أسماه الشيخ على اسم والده وأستاذه، وقد حاز شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة الرياض ثم الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة تورنتو حيث يقيم الآن في كندا، وله بعض المشاركات في العلم الشرعي والأدب. وهو متزوج من السيدة نجوى ناصر آغا ولهما أربعة أبناء أكبرهم عبد الفتاح.

السيدة ميمونة وهي متزوجة من المهندس فاروق أبو طوق المولود في حماة والذي يعمل مهندسا في مكة المكرمة، ولهما ولد واحد من الذكور هو المهندس أسامة.

السيدة عائشة وهي متزوجة من المهندس صلاح الدين مراد آغا المولود في حماة والذي يقيم الآن في فانكوفر بكندا، ولهما أربعة أولاد من الذكور، و تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية.

الدكتور أيمن المتخصص بأمراض القلب والذي يعمل طبيبا في مدينة ريجاينا إلى جانب عمله في إدارة المدرسة الإسلامية، و هو متزوج من السيدة منى عبد الحسيب الياسين المولودة في حماة، وله من الأولاد صبيان و أربع بنات.

السيدة فاطمة ولها أربعة أولاد من الدكتور أحمد البراء الأميري وهو نجل الأديب الشاعر الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله. و تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية.

السيدة هالة المتزوجة من المهندس عبد الله المصري الذي يعمل في ميدان المقاولات بالمملكة العربية السعودية، و تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية.

السيدة حسناء وهي متزوجة من الدكتور بشار أبوطوق المولود في حماة والذي يعمل جراح أطفال في مستشفى الأطفال بالرياض، ولهما أربعة أولاد من الذكور.

السيدة لبابة وهي متزوجة من المهندس عمر عبد الجليل أخرس المولود في حلب والذي يقيم الآن في تورنتو بكندا، وتحمل شهادة الماجستير في أصول الدين.

الشيخ سلمان وهو متزوج من السيدة نهى غازي شبارق حفيدة السيد عبد الجليل شبارق أحد أحباء الشيخ القدامى في حلب، ولهما ولدان وبنت، ويحمل الشيخ سلمان شهادة الماجستير في الحديث ويعمل باحثا في مجمع الفقه الأسلامي في جدة.

السيدة أمامة وهي متزوجة من الدكتور عبد الله أبوطوق المولود في حماة والذي يقيم في تقويم الأسنان بجدة، و تحمل شهادة البكالوريوس من كلية الدعوة بجامعة الإمام.

السيدة جمانة وهي متزوجة من المهندس محمد ياسر عبد القادر كعدان المولود في حلب والذي يعمل مهندسا كيميائيا في مجال تحلية المياه في تورنتو بكندا

ولزوجة الشيخ أخوان هما :

الدكتور محمد علي الهاشمي: أستاذ الأدب العربي في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض والكاتب والأديب المعروف.

الدكتور محمد عادل الهاشمي أستاذ الأدب الإسلامي في جامعة عجمان وصاحب المؤلفات المعروفة في هذا المجال.

طلبه العلم

شعر جده أن الشيخ سيكون له شأن آخر ولمس ذكاءه وتطلعه لطلب العلم فألحق الشيخ بالمدرسة العربية الإسلامية في حلب، حيث درس فيها أربع سنوات ثم التحق من تلقاء نفسه سنة 1356ِ/1936 بالمدرسة الخسروية التي بناها خسرو باشا أحد ولاة حلب أيام الدولة العثمانية، والتي تعرف الآن باسم الثانوية الشرعية وتخرج منها سنة 1362/ 1942، ومما يجدر ذكره أن الشيخ عندما تقدم للمدرسة كانت سنه تزيد سنة على السن القانونية، وكان زوج أخته السيد محمد سالم بيرقدار على علاقة طيبة بالأستاذ مجد الدين كيخيا مدير أوقاف حلب آنذاك، فحدثه في أمره فاستثناه من شرط السن.









شيوخه و أساتذته

شيوخه في مدينة حلب:

الشيخ راغب الطباخ (1293-1370/1877-1951) الذي كان عالما في الحديث والتاريخ، ألف ونشر كتباً عديدة من أبرزها "إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء" في سبعة مجلدات

الشيخ أحمد بن محمد الزرقا (1285-1357/1869-1937) العالم ابن العالم، الأصولي الفقيه الحنفي المتفنن، والد فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا رحمها الله .

الشيخ عيسى البيانوني: (1290-28 ذي الحجة 1362/1874-26/12/1942) العالم الفقيه الشافعي، كان مسجده يعرف بمسجد أبي ذر - وهو في كتب التاريخ دار سبط ابن العجمي - ويقع في الجبيلة بالقرب من بيت والد الشيخ، فكان الشيخ يتردد عليه قبل طلبه العلم وبعده، وقد تركت تقواه وصلاحه أثرا لا يمحى في نفس الشيخ، وكان ولده الشيخ أحمد المتوفى سنة 1394/1974 من أقرب الأصدقاء للشيخ وألف معه كتابا اسمياه "قبسات من نور النبوة"، أما أحفاد الشيخ عيسى الشيخ الدكتور أبي الفتح و الشيخ أبي النصر فقد تتلمذوا على الشيخ في كلية الشريعة بدمشق.


الشيخ محمد الحكيم (1323-1400/1904-1980): الفقيه الحنفي ومفتي الحنفية في حلب.

الشيخ أسعد عبجي (1305-1392/1895-1972) : الفقيه الشافعي ومفتي الشافعية بحلب.

الشيخ أحمد بن محمد الكردي (1299-1377/1885-1957) :العلامة الفقيه الحنفي البارز

الشيخ محمد نجيب سراج الدين (1292-1373/1876-1954) : العلامة الرباني الفقيه المفسر الواعظ، والد الشيخ عبد الله سراج الدين زميل الشيخ والعالم المرموق رحمه الله تعالى.

الشيخ مصطفى الزرقا (1321-19 ربيع الأول 1420/1901-3/7/1999) ابن العلامة الشيخ أحمد الزرقا والفقيه الأصولي المتفنن، فقيه عصره لا سيما في المعاملات والفقه المقارن، وهو إلى جانب ذلك ضليع باللغة العربية والأدب، تتلمذ على يديه ألوف من المشايخ والحقوقيين خلال تدريسه في جامعة دمشق 1944-1966، ولا يزال كتابه المدخل الفقهي العام مرجعا أساسا في فهم علم الفقه ودراسته







دراسته في الأزهر


بعد تخرجه من الثانوية الشرعية، رحل الشيخ في طلب العلم إلى مصر عام 1364/1944 للدراسة في الأزهر الشريف، فالتحق بكلية الشريعة ودرس فيها على يد نخبة من كبار علمائها في القترة ما بين 1364-1368/ 1944-1948، ثم تابع دراسته فتخصص في علم النفس أصول التدريس في كلية اللغة العربية في الأزهر أيضاً وحاز على شهادتها سنة 1370/1950.

شيوخه في الأزهر:

الشيخ محمد أبو زهرة (1316-1395/1898-1974): العلامة، الأصولي، الفقيه، كتب أكثر من أربعين كتابا في أصول الفقه و تاريخه ومقارنته، أثنى ثناء عاطرا على الشيخ عبد الفتاح في رسائله إليه.

الشيخ محمد الخضر حسين (1292-1377/1876-1958): علامة التفسير والفقه في زمانه لاسيما الفقه المالكي والفقه المقارن، انتهت إليه إمامة الأزهر.



الشيخ يوسف الدجوي (1310-1383/1893-1963): الفقيه العلامة .

الشيخ عبد المجيد دراز: الفقيه العلامة.

الشيخ أحمد محمد شاكر (1310-1383/1893-1963) : المحدث العلامة

الشيخ محمود بن محمد شلتوت (1310-1383/1893-1963) : المفسر والفقيه وشيخ الجامع الأزهر

الشيخ مصطفى صبري (1286-1373/1869-1954) : شيخ الخلافة العثمانية سابقا، هاجر إلى مصر هربا من اضطهاد أتاتورك، وعاش عيشة كفاف وكرامة، كان عالما بالحديث والأصول والفقه الحنفي والفقه المقارن، والفلسفة والسياسة، من أبرز كتبه

الشيخ عبد الحليم محمود (1328-1398/1907-1978): المفسر، الأصولي، الفقيه، المتصوف، الأديب، انتهت إليه إمامة الأزهر

الشيخ عيسى منون (1306- 4 جمادى الثانية 1376/1889-1956) : الفقيه الأصولي الشافعي ولد بفلسطين و توفي بالقاهرة.

الشيخ زاهد الكوثري (1296-1371/1879-1952) أمين المشيخة في الدولة العثمانية هاجر إلى مصر هربا من اضطهاد أتاتورك، وعاش عيشة كفاف وكرامة ، كان عالما بالحديث والأصول والفقه الحنفي والفقه المقارن،ورث عنه الشيخ عبد الفتاح معرفته وولعه بالكتب والمخطوطات و أماكنها، حقق ونشر كثيرا من الكتب والمخطوطات.

الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الساعاتي (1301-1375/1885-1958) والد الإمام حسن البنا، كان عالما بالحديث والفقه الحنبلي.

الشيخ عبد الوهاب خلاف (1305-1375/1888-1956): المحدث، الأصولي، الفقيه، الفرائضي ألف ونشر كثيرا من الكتب، من أبرزها : أصول الفقه .







زملاؤه في الدراسة في مصر

درس مع الشيخ في مصر لفيف مبارك من علماء الأمة الإسلامية نذكر فيما يلي بعضا منهم وقد أشرنا بنجمة * لمن توفاه الله:

الشيخ محمد الحامد* : العالم التقي الصالح توفي بحماة في سورية

الشيخ محمد علي المراد*: العالم الفقيه ولد بحماة في سورية توفي بالمدينة المنورة

الشيخ محمد علي مشعل: ولد بحمص في سورية و يعيش بجدة في المملكة العربية السعودية

الشيخ محمود صبحي عبد السلام: من ليبيا، وكان أول أمين عام لجمعية الدعوة الإسلامية العالمبة عندما تأسست عام 1972 في ليبيا

الشيخ د. محمد فوزي فيض الله : ولد بحلب ودرس في كليات الشريعة بجامعتي دمشق والكويت

الشيخ سيد سابق*: الفقيه المعروف صاحب كتاب فقه السنة ولد وتوفي بمصر.

كان الشيخ عبدالفتاح أبوغدة بشخصيته القوية المتميزة، شخصية العالم المسلم العامل المجاهد، فهو واسع العلم، رحب الإطلاع، يعيش قضايا أمته وعصره، يضع هموم المسلمين نصب عينيه، مدركاً كل الأبعاد التي تحيط بهم وهو مع اتصافه بكل ما تقتضيه شخصيته العلمية، من رزانة وهيبة ووقار، حلو الحديث، رشيق العبارة، قريب إلى قلوب جلسائه، يأسرهم بحسن محاضرته، وطيب حديثه، وبُعد غوره، مع حضور بديهة، وحسن جواب، فلا غرو بعد ذلك أن تلتقي عليه القلوب ، وتتعلق به النفوس، وأن يكون موضوع الحب والتقدير والثقة لدى جميع من خالطه من إخوانه وأحبابه، وهو إلى جانب ذلك كان بعيداً عن الغلو والانفعال، يزن الأمور بميزانها الشرعي الدقيق، وقد أخذ بذلك نفسه وتلامذته، ولا أدل على ذلك ، من أن يستشهد الإنسان بموقف الشيخ رحمه الله تعالى، من العالم الجليل الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد كان الشيخ يدرس ويعلم في بيئة فيها كثير من التحفظ تجاه الإمام ابن تيمية، وإذا أضفنا إلى ذلك تتلمذ الشيخ على الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله، وكان هو الآخر شديد الازورار عن الإمام ابن تيمية، إلا أن كل هذا وذاك لم يمنعا الشيخ عبدالفتاح أن ينصف شيخ الإسلام، وأن يذكره في مجالس علمه في مدينة حلب في الخمسينيات والستينيات، بما هو أهل له، وأن يغرس في نفوس أجيال الشباب من الدعاة والعالمين حبه واحترامه، على أنه العالم المجاهد وأن يفعل الشيء نفسه بالنسبة لتلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله غير عابئ بما يجره ذلك من مخالفة من الوسط العلمي، أو مخالفة شيخ له، يحبه ويجله ويرى في ابن تيمية ما لا يراه.


وعلى الصعيد الشخصي كان الشيخ مثالا لا يجارى في الأخلاق والذوق والكياسة، تأثر به كل من احتك به، كان رفيقا شفيقا يفضل التلميح على التصريح، متأسيا بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان شامة بين العلماء، ويحب للمسلم أن يكون شامة بين الناس اتباعا لهدي المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم، وكان يحب اللباس المتوسط النظيف البعيد عن المغالاة، ويحرص على نظافة ملابسه وحذائه، لا يفارقه الطيب في كل أحيانه يشتريه من حلب من محل كرزة وفتوح أو ينفحه به محبه الحاج عبد الغني بوادقجي، و من قرأ كتابه (من أدب الإسلام) أدرك الذوق الرفيع والخلق السامق الذي تمتع به رحمه الله .

كان خط الشيخ مثالا في الإتقان يعجب به كل من رآه، وكان حريصا على انتقاء أٌقلامه من أجود الأقلام ليبقى خطه متسقا منسجما، وكان يستعمل في أول أمره قلم حبر من صنع ألماني Tropen ثم استعمل قلم باركر ثم استعمل في السنين الأخيرة من حياته قلم الحبر الجاهز، وكان رحمه الله يرغب في الحبر السائل ويعرض عن الحبر الجاف، ويستعمل قلم الرصاص للتعليقات والملاحظات السانحة، حيث كان لا يفارقه قلم صغير و أوراق يقيد بها الخواطر والأفكار.



عمله في التدريس بسورية

بعد أن أكمل الشيخ دراسته في مصر ، عاد إلى سورية وتقدم سنة1371/1951 م لمسابقة اختيار مدرسي التربية الإسلامية لدى وزارة المعارف فكان الناجح الأول فيها، ودرس مادة التربية الإسلامية أحد عشر عاماً في أبرز ثانويات حلب: هنانو، والمأمون، والصنائع، كما شارك في تأليف الكتب المدرسية المقررة لهذه المادة، ودرّس إلى جانب ذلك في المدرسة الشعبانية ، وهي مدرسة شرعية أهلية متخصصة بتخريج الأئمة والخطباء، ودرّس في الثانوية الشرعية "الخسروية" التي تخرج فيها، ثم انتدب للتدريس في كلية الشريعة في جامعة دمشق، ودرّس فيها لمدة ثلاث سنوات "أصول الفقه" و"الفقه الحنفي" و "الفقه المقارن بين المذاهب" وقام بعد ذلك بإدارة موسوعة "معجم فقه المحلى لابن حزم" وكان قد سبقه للعمل فيه بعض الزملاء فأتمه، وأنهى خدمته، وطبعته جامعة دمشق في ضمن مطبوعاتها في مجلدين كبيرين..

نشاطه الدعوي في سورية

بعد أن عاد الشيخ إلى بلده سورية ، حمل على عاتقه عبء الدعوة إلى الله تعالى، فكان له نشاطه الدعوي، وتعلق الإخوان بدورهم بالشيخ رحمه الله تعالى ووثقوا به،

منذ عودته إلى سورية من مصر، كان الشيخ إلى جانب عمله في التدريس، نشيطا في الدعوة إلى الله، فنال ثقة العامة والخاصة، واحترام أقرانه، لورعه وتقواه وعلمه ورجاحة عقله وحكمته، فكان مرشداً وسنداً وموئلاً،. بل و كان بشخصيته المتميزة وسلوكه السامق مدرسة دعوية حية متحركة، تتلمذ عليه فيها ثلاثة أجيال أو أكثر من الدعاة العاملين، كلهم يفخر بأنه قد نال شرف الاغتراف من بحر فضيلته رحمه الله تعالى وأفسح له في جناته، وكانت دروس مادة التربية الدينية التي يدرسها من أحب الدروس للطلبة وموضع إقبالهم واهتمامهم، بعد أن كانوا يعرضون عن أمثالها.

وفي مسجد "الخسروية" حيث كان يجتمع أسبوعياً آلاف المصلي لحضور خطبة الجمعة، كان الشيخ يطرح على منبره قضايا الإسلام والمسلمين المعاصرة متصدياً للاستبداد، وللنزعات العلمانية، غير عابئ بما قد يناله من أذى، مرددا بجرأة العالم المسلم المجاهد قولة الصحابي الشهيد خباب بن الأرت:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي

أما دروسه فقد كانت تغص بها المساجد ويتحشد لها المستمعون، وكان للشيخ الأنشطة التالية:

خطبة الجمعة الأسبوعية، التي كان يلقيها على منبر الجامع الحموي أولا، ثم جامع الثانوية الشرعية "الخسروية"

جلسة للتفقه في الدين بعد خطبة الجمعة فيها أسئلة وأجوبة، تغطي حياة المسلمين الخاصة والعامة ، يجيب الشيخ فيها عن جميع التساؤلات بمنهج رشيد سديد، يربط الفتوى بدليلها الشرعي، وبالعصر الذي يعيشه المسلمون، ممعناً في الترغيب والترهيب والتوجيه

درس في الحديث والتربية والتهذيب بين مغرب وعشاء يوم الخميس في جامع سيف الدولة

درس في الفقه بين مغرب وعشاء يوم الإثنين في جامع زكي باشا المدرس، بالإسماعيلية حيث كان الشيخ يغمر الحاضرين بواسع علمه، في المقارنة بين المذاهب وذكر الأدلة والترجيح بين الأقوال

درس متقطع في السيرة في جامع الصديق بالجميلية




إلى جانب هذا الدروس كان للشيخ لقاءات دورية مع علماء حلب ومدرسي التربية الدينية فيها للتشاور فيما يهم المسلمين في المدينة ومايتعلق بالتعليم فيها، وهو في كل ذلك عمدة الميدان والمشار إليه بالبنان.

انتخب الشيخ سنة 1382/1961م نائباً عن مدينة حلب، بأكثرية كبيرة، فنال بذلك ثقة مواطنيه، على الرغم من تألب الخصوم عليه من كل الاتجاهات، ومحاولاتهم المستميتة للحيلولة بينه وبين الوصول إلى مجلس النواب، وفي مجلس النواب السوري، قام الشيخ عبدالفتاح مع إخوانه بنصرة قضايا الإسلام والمسلمين في سورية، وقد أشار الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في مذكراته لبعض مواقف الشيخ إزاء محاولات من جهات شتى لإغفال الإسلام دينا للدولة من الدستور السوري، وفي عام 1965 بعد عامين على حل المجلس النيابي ، غادر الشيخ سورية ليعمل مدرسا في كلية الشريعة بالرياض، ولما عاد إلى بلده في صيف 1386/1966 أدخل السجن مع ثلة من رجال العلم والفكر والسياسة ، ومكث في سجن تدمر الصحراوي مدة أحد عشر شهرا، وبعد كارثة الخامس من يونيو/حزيران سنة 1967 م أفرجت الحكومة آنذاك عن جميع المعتقلين السياسيين، وكان الشيخ رحمه من بينهم.

كانت عضوية الشيخ في جماعة الإخوان المسلمين مبنية على قناعته بضرورة العمل الجماعي لنصرة الإسلام والمسلمين لا جريا وراء المناصب والمسميات، فقد كان التفرغ للعلم والتحقيق الرغبة الدائمة التي رافقته طوال حياته، ومع رغبة الشيخ الملحة في الانصراف بكليته إلى الجانبين العلمي والدعوي، فقد اضطر أكثر من مرة، أن يستجيب لرغبة إخوانه، فيتحمل معهم بعض المسؤوليات التنظيمية، فكان أن تولى – على غير رغبة منه أو سعي - منصب المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية مرتين، ثم تخلى عنه في أقرب فرصة مناسبة متفرغاً للعلم والتأليف.



حياته في السعودية

بعد خروجه من السجن انتقل الشيخ ثانية إلى المملكة العربية السعودية، متعاقداً مع جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض حيث عمل مدرساً في كلية الشريعة ثم في المعهد العالي للقضاء الذي أسس حديثا، وأستاذاً لطلبة الدراسات العليا، ومشرفاً على الرسائل العلمية العالية، فتخرج به الكثير من الأساتذة والعلماء، وقد شارك خلال هذه الفترة 1385-1408/1965-1988 في وضع خطط جامعة الإمام محمد بن سعود ومناهجها، واختير عضواً في المجلس العلمي فيها، ولقي من إدارة الجامعة ومدرائها فضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، و الدكتور عبد الله عبد المحسن التركي كل تكريم وتقدير، ولقي مثل ذلك من فضيلة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى الذي ترجم له الشيخ في كتابه "تراجم ستة من علماء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر"، كما كان محل احترام و تقدير من وزير المعارف المرحوم حسن بن عبد الله آل الشيخ.

انتدب الشيخ أستاذاً زائراً لجامعة أم درمان الإسلامية في السودان ولجامعة صنعاء في اليمن، ولمعاهد الهند وجامعاتها، وشارك في الكثير من الندوات والمؤتمرات الإسلامية العلمية، التي تعقد على مستوى العالم الإسلامي، وكانت له جهود طيبة في جميع هذه المجالات حيث درس في الأردن والباكستان وتركيا والجزائر والعراق وقطر، وعمل فترة في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض ثم انتقل للعمل متعاقداً مع جامعة الملك سعود في الرياض وقبل وفاته بسنوات تفرغ من العمل وعكف على العلم والتأليف حتى وافته المنية رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

كذلك اختير الشيخ لتمثيل سورية في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بعد شغور مقعدها بوفاة الشيخ حسن حبنكة الميداني، فقام بذلك خير قيام مع الأعضاء الآخرين لنشر الدعوة إلى الله ومتابعة قضايا المسلمين في العالم حتى توفاه الله تعالى.


عودته إلى سورية


تلقى الشيخ في عام 1405/1995 دعوة من الرئيس حافظ الأسد ليعود إلى سورية، حيث أعرب على لسان فضيلة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أنه يكن احتراما كبيرا للشيخ وعلمه ويرغب أن يكون بين أهله وفي بلده، و مبديا رغبته في الالتقاء بالشيخ، وقد استجاب الشيخ لهذه المبادرة الطيبة آملا أن تكون بداية لرأب الصدع الذي حصل في سورية في عقد الثمانينيات فعاد إلى سورية مؤملاً تقريب وجهات النظر وتخفيف المعاناة التي أدت إليها أحداث مؤسفة سابقة أواخر حياته، ولم يقدر أن يلتقي الرئيس بالشيخ الذي كان موضع حفاوة رسمية ممن التقى به من المسئولين، وأتاحت له عودته إلى سورية بعد غياب دام سبعة عشر عاما أن يرى بلده قبل وفاته، وينعم بفيض الحب الغامر من محبيه وعارفي فضله الذين تقاطروا على بيته، والمسجد الذي يصلي فيه، حيث كان الشيخ يصلي الصلوات في جامع الروضة، ويصلي الجمعة في مسجد الرحمة بحي حلب الجديدة، فكان المصلون يهرعون إليه حيثما كان في مشاهد تزدان بالوفاء النادر والمحبة العامرة في القلوب.




وقد تشرف بخدمة الشيخ في حلب في هذه الفترة تلميذه الشيخ مجاهد شعبان رحمه الله والحاج عدنان قناعة فكان الأول رهن إشارة الشيخ للتحقيق العلمي والمذاكرة في أبواب الفقه والأدب، يسجل فوائد يستقيها من الشيخ في دفتر خاص، و كان الحاج عدنان يقوم بقضاء مصالح الشيخ المعيشية، فجزاهما الله خير الجزاء .وفي هذه الفترة قام الشيخ برحلة إلى قلعة شيزر قرب حماة، وهي قلعة الأمير المجاهد الأديب أسامة بن منقذ الذي كان الشيخ رحمه الله معجباً بشخصيته التي تتبدى من مذكراته حول حقبة الحروب الصليبية وتخلف الصليبين الحضاري والعلمي، وكان معه في هذه الرحلة الشيخ مجاهد شعبان والمهندس محمد خضرو رحمهما الله والشيخ الناشئ محمود نور الدين مجاهد شعبان وفقه الله. ومما ينبغي ذكره أن الشيخ مجاهد قد توفي رحمه الله عام 1420/2000 في حادث سيارة ثم تلاه المهندس محمد خضرو عام 1421/2001 رحمهما الله رحمة واسعة.

مرضه ووفاته

على إثر تلقيه رسالة سنة 1394/1974 تخبره بوفاة أخيه عبد الغني تأثر الشيخ تأثرا شديداً أصيب على إثره بأزمة قلبية شديدة ألزمته المستشفى بضعة أسابيع، ولكن الله عز وجل عافاه، ورغم أنه مر بشدائد كثيرة فيما بعد إلا أن حالته الصحية فيما يختص بالقلب بقيت مستقرة طوال حياته، وفي عام 1409/1989 أحس الشيخ بقصور في بصره، أدخل على إثره مستشفى الملك خالد للعيون في الرياض حيث تولى علاجه تلميذه الدكتور ظافر وفائي الذي شخص مرضه بتهتك في اللطخة الصفراء في الشبكية تصبح معه الرؤية الأمامية - وكذلك القراءة - متعذرة، والعلاج الوحيد هو إيقاف تقدم المرض بأشعة الليزر دون أن يتمكن المريض من استرجاع ما فقده من إبصار، وقد اعتمد الشيخ بعدها في القراءة على جهاز مكبر أشيه بالتلفاز يحمله حيث ذهب ، وأصبح عبء القراءة والمراجعة على زوجته التي تفرغت تماما لرعايته والعمل معه.

وفي سنة 1412/1992 اشتبه الأطباء بوجود ورم خبيث في كبد الشيخ رحمه الله وأكدوا على وجوب استئصاله جراحيا ولو من جانب الحيطة الواجبة، ولكن ما لبث هذا الورم - بفضل الله ووسط دهشة الأطباء - أن انكمش وعاد الكبد إلى حالته الطبيعية.

وفي شهر شعبان 1417/ديسمبر1996 شعر الشيخ بضعف آخر في نظره فعاد من حلب إلى الرياض ليتلقى علاجا آخر لم يكن ناجعا ونتج عنه صداع شديد لازم الشيخ طيلة أيامه الباقية، ثم اشتكى الشيخ في أواخر رمضان من ألم في البطن أدخل على إثره مستشفى الملك فيصل التخصصي وتبين أنه ناتج عن نزيف داخلي بسبب مرض التهابي، وما لبث أن التحق بالرفيق الأعلى فجر يوم الأحد التاسع من شوال 1417 الموافق 16 من فبراير 1997 عن عمر يناهز الثمانين عاماً فرحمه الله رحمة واسعة.

غسل الفقيد ابنه الشيخ سلمان و تلميذه الملازم له الشيخ محمد الرشيد، وجرت الصلاة عليه عقب صلاة الظهر في الرياض ثم نقل بطائرة خاصة مع عائلته وأحبابه إلى المدينة المنورة حيث صلي عليه بعد صلاة العشاء ثم شيعه أحبابه وتلاميذه الذي توافدوا من كل مكان في السعودية إلى مقبرة البقيع، فنال شرف جوار المصفى صلى الله عليه وسلم بعد أن تشرف بخدمة حديثه وسنته الشريفة.

خلفت وفاته أسى عميقا في قلوب المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها، وعبر الرئيس السوري حافظ الأسد - بواسطة فضيلة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي - عن تأثره العميق لوفاته دون أن تتاح له فرصة الالتقاء به، حيث كان يتطلع إلى لقاء طويل واف معه، ووضع تحت تصرف أهله طائرة خاصة لنقل جثمانه - إن شاءوا - إلى سورية، وعقد في حلب مجلس للتعزية حضره إلى جانب المسئولين أعداد كبيرة من المحزونين، وشارك في تأبين الفقيد فضيلة الشبخ محمد سعيد رمضان البوطي والدكتور فتحي يكن من لبنان وتلميذه البار الشيخ مجاهد شعبان رحمه الله.

وتدفقت برقيات ورسائل التعزية على أهله من كل أنحاء المعمورة ولا عجب فقد كان عالما عاملا فيه عزة الإسلام وتواضع الدعاة، سار على نهج النبوة في خلقه وأخلاقه، فأضاء الله بصيرته وذلل له مقاليد العلوم، و ألقى محبته في قلوب الصالحين من عباده.

طبت حياً وميتاً يا أبا زاهد وجزاك الله عنا وعن المسلمين خير ما يجزي به الله عالماً مجاهداً متقناً مخلصاً عن الإسلام وعن أهله وأبناء أمته



جهوده العلمية

يعد الشيخ عبدالفتاح أبوغدة من العلماء الثقات، الذي يفخر بهم العالم الإسلامي في هذا القرن، وقد أحاط بالعلوم الشرعية، و ملك زمام اللغة العربية والشعر والتاريخ، وتبحر في علمي الفقه والحديث، حيث أكب منذ بداية حياته العلمية على تحقيق ونشر الكتب النفيسة في هذين الفنين وغيرهما.


وأول كتاب نشره الشيخ هو (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) للإمام عبد الحي اللكنوي، وقد طبعه في حلب عند مطبعة الأصيل التي كان صاحبها الأستاذ سامي الأصيل من أصدقائه، فصبر على دقة الشيخ في التصحيح و إتقانه في إخراج كتبه، بتعاون المحب وتفهم الساعي للكمال، وقد أصبحت كتبه بعد ذلك – في إخراجها – مدرسة للعلماء والباحثين من بعده، ينهجون نهجها و ينسجون على منوالها، وقد قام بطبع أغلب كتب الشيخ الأستاذ المهندس رمزي دمشقية صاحب دار البشائر الإسلامية في بيروت رحمه الله تعالى، وكانت دائما غنية بمضمونها، راقية في شكلها، تنم على إحساس عال لدى الشيخ في تكريم الكتاب، وعلى ذوق رفيع في طريقة إخراجه.


ويمتاز تحقيق الشيخ عبدالفتاح، بأنه يُقَدِّم مع الكتاب المحقق، كتاباً آخر، مليئاً بالفوائد النادرة والتوضيحات النافعة، التي توضح الغامض، وتسدد وتصوِّب وتُرَجِّح وتُقّرب العلم إلى طالبه، وتحببه إليه.


وللشيخ رحمه الله تعالى، ولع شديد بكتب العلم، يتتبعها في مظانها، مطبوعة ومخطوطة، ويصرف وقته وجهده وماله، في سبيل اقتنائها وخدمتها، فتجمعت لديه مكتبة من أمهات المكاتب فيها الأعلاق النفيسة والنسخ النادرة من الكتب، وذهب جلها في الأحداث الأليمة التي طالت سورية في أعوام 1978-1982، وأعادت الحكومة السورية ما تبقى منها للشيخ عند عودته إلى سورية في عام 1995.

وكان منهج الشيخ في التحقيق والتأليف منهج المتأني الحريص على خدمة الكتاب من حيث الشكل والمضمون، فلم يكن يهدف إلى ربح مادي أو شهرة معنوية، ولذا كان الكتاب يبقى لديه حبيس التأليف والتحقيق سنين طويلة حتى إذا اطمأن إلى أنه قد قارب الاكتمال والحد المرضي من الجودة، أرسل به إلى المطبعة، وعكف شخصيا على مراجعة تجاربه المرة تلو المرة، وكانت زوجة الشيخ في كل هذه المراحل إلى جانبه عونا وسندا ومعاونا لا يفتر، و بخاصة بعد أن تأثر بصره، فما توقف إنتاجه العلمي حتى آخر أيام حياته فجزاها الله أفضل الجزاء.


وتتوجت حياة الشيخ العلمية عندما قام مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية في لندن بتكريم الشيخ فاختاره لنيل أول جائزة علمية تحمل اسم سلطان بروناي في حفل كبير في لندن في صيف عام 1415/1995 تقديراً لجهوده في التعريف بالإسلام ومساهماته القيمة في خدمة الحديث النبوي الشريف، و قد حضر الحفل سلطان بروناي ووزير التعليم فيها داتو عبد العزيز بن عمر الذي كان يحب الشيخ ويجله، كما حضره عدد كبير من الدبلوماسيين والعلماء، و على رأسهم فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، كما حضر الحفل السفير السعودي الدكتور غازي القصيبي، والسفير السوري محمد خضر الذي تقدم مع أركان السفارة السورية بلندن من الشيخ في نهاية الحفل و شد على يده مهنئا وقائلا له: لقد رفعت رأس سورية عاليا و إننا نفتخر بك و بأمثالك من العلماء.




وقد وجه السلطان الدعوة للشيخ لزيارة بروناي في العام القادم لحضور حفل تقديم الجائزة لباحثين في علوم القرآن – قدر الله أن يكون أولهما من حلب والثاني من دمشق - هما د. أحمد خراط و د. محمد عدنان زرزور، وقد حضر الحفل ولي العهد ثم قابل السلطان العلماء في قصره تكريما لهم، و زار الشيخ خلال الزيارة جامعة بروناي ومفتي السلطنة، ودار تحفيظ القرآن الكريم.



مؤلفات الشيخ عبدالفتاح أبوغدة

أولاً- المحققة وفقاً لترتيبها في النشر:

1- الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للإمام عبد الحي اللكنوي وطبع 3 طبعات أولها سنة 1383-1963 بحلب

2- الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة للإمام اللكنوي وطبع 3 طبعات أولها سنة 1384-1964 بحلب

3- رسالة المسترشدين للإمام الحارث المحاسبي وطبع 8 طبعات أولها سنة 1384-1964 بحلب، وترجم إلى اللغة التركية

4- التصريح بما تواتر في نزول المسيح لمحمد أنور الكشميري، وطبع 5 طبعات أولها سنة 1385-1965 بحلب

5- إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس ببدعة للإمام اللكنوي طبع بحلب سنة 1966-1386

6- الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام للإمام القرافي وطبع طبعتان أولاهما سنة 1387-1967 بحلب

7- فتح باب العناية بشرح كتاب النقاية في الفقه الحنفي للملا علي القاري الهروي المكي، طبع الجزء الأول بحلب محققاً سنة 1387-1967، ولم يقدر للشيخ أن يتمه تحقيقاً ثم طبع في لبنان دون تحقيق

8- قاعدة في الجرح والتعديل للحافظ تاج الدين السبكي، وطبع 5 طبعات أولها ببيروت سنة 1388-1968

9- المنار المنيف في الصحيح والضعيف للإمام ابن قيم الجوزية، وطبع 5 طبعات أولها سنة 1389-1969 في بيروت

10- المصنوع في معرفة الحديث الموضوع للإمام ملا علي القاري، وطبع 3 طبعات أولها سنة 1389-1969 بحلب

11- فقه أهل العراق وحديثهم للأستاذ محمد زاهد الكوثري و طبع ببيروت سنة 1390-1970

12- خلاصة تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ الخزرجي طبع مصوراً أربع مرات أولها ببيروت سنة 1390-1970 مع مقدمة ضافية وتصحيح أغلاط وتحريفات كثيرة .

13- قواعد في علوم الحديث لمولانا ظفر الله التهانوي، وطبع 6 طبعات أولها ببيروت سنة 1392-1972 وترجم بعضه إلى التركية

14- المتكلمون في الرجال للحافظ السخاوي، وطبع 4 طبعات أولها ببيروت سنة 1400-1980

15- ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للحافظ الذهبي، وطبع 4 طبعات أولها ببيروت سنة 1400-1980

16- قصيدة عنوان الحكم لأبي الفتاح البستي أولها ببيروت سنة 1404-1984

17- الموقظة في علم مصطلح الحديث للحافظ الذهبي وطبع 3 طبعات أولها ببيروت سنة 1405-1985

18- سنن الإمام النسائي طبعه الشيخ مصوراً ومفهرساً، وطبع 3 طبعات أولها ببيروت سنة 1406-1986

19- الترقيم وعلاماته للعلامة أحمد زكي باشا، وطبع طبعتان أولاهما سنة 1407-1987 ببيروت

20- سباحة الفكر بالجهر بالذكر للإمام عبد الحي اللكنوي، وطبع 3 طبعات أولها ببيروت سنة 1408-1988

21- قفو الأثر في صفو علم الأثر ابن الحنبلي، وطبع طبعتان أولاهما ببيروت سنة 1408-1988

22- بلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب للحافظ الزبيدي، و طبع ببيروت سنة 1408-1988

23- جواب الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل، وطبع ببيروت سنة 1411-1991

24- التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن للعلامة الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي، و طبع ببيروت سنة 1412-1992

25- تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار ومعه حاشيته نخبة الأنظار على تحفة الأخبار للإمام عبد الحي اللكنوي، وطبع ببيروت سنة 1412-1992

26- التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز للشيخ زاهد الكوثري، و طبع ببيروت سنة 1413-1994

27- تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة للعلامة أحمد شاكر، وطبع ببيروت سنة 1414-1994

28- تحفة النساك في فضل السواك للعلامة الميداني، و طبع ببيروت سنة 1414-1993

29- كشف الالتباس عما أورده الإمام البخاري على بعض الناس للعلامة عبد الغني الميداني، وطبع ببيروت سنة 1414-1993

30- العقيدة الإسلامية التي ينشأ عليها الصغار للإمام ابن أبي زيد القيرواني و طبع طبعتان أولاها ببيروت سنة 1414-1993

31- الحث على التجارة والصناعة والعمل للإمام أبي بكر الخلال الحنبلي، و طبع ببيروت سنة 1415-1995

32- توجيه النظر إلى أصول الأثر تأليف الشيخ طاهر الجزائري وطبع ببيروت سنة 1416-1995

33- ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني للإمام عبد الحي اللكنوي وطبع ببيروت سنة 1416-1995

34- رسالة الألفة بين المسلمين للإمام ابن تيمية ومعها رسالة في الإمامة للإمام ابن حزم الظاهري، وطبع ببيروت سنة 1417-1996

35- مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث للشيخ العلامة المحدث محمد عبد الرشيد النعماني، وطبع ببيروت سنة 1416-1996

36- الحلال والحرام وبعض قواعدهما في المعاملات المالية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وطبع ببيروت سنة 1416-1996

37- شروط الأئمة الخمسة للحازمي، وقد صدر بعد وفاة الشيخ سنة 1417-1997

38- شروط الأئمة الستة للحافظ ابن طاهر المقدسي، وقد صدر بعد وفاة الشيخ سنة 1417-1997

39- كتاب الكسب للإمام محمد بن الحسن الشيباني، وقد ألحق الشيخ به رسالة الحلال والحرام وبعض قواعدهما، وقد صدر بعد وفاة الشيخ سنة 1417-1997

40- ثلاث رسائل في استحباب الدعاء ورفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة، وقد صدر بعد وفاة الشيخ سنة 1417-1997

41- الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء للإمام ابن عبد البر، وقد صدر بعد وفاة الشيخ سنة 1417-1997

42- خطبة الحاجة ليست سنة في مستهل الكتب والمؤلفات كما قال الشيخ ناصر الألباني، وهذه الرسالة نشرت بعد وفاة الشيخ ضمن مجلة مركز بحوث السنة والسيرة بجامعة قطر .




ثانياً: المؤلفات وفقاً لترتيبها في النشر:

1- مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل، و طبع ببيروت سنة 1971-1391


2- صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل، وطبع 4 طبعات أولها ببيروت سنة 1391-1971، وقد ترجم إلى اللغتين التركية والأردية


3- كلمات في كشف أباطيل وافتراءات، وقد طبعه الشيخ سنة 1394-1974 رداً على أباطيل ناصر الألباني و صاحبه سابقاُ زهير الشاويش ومؤازريهما، وكان الشيخ يقدمها لبعض العلماء الذين يطلبونها، ولم تعرض للبيع في المكتبات حتى عام 1411-1991 حين طبعت ضمن رسالة جواب الحافظ المنذري


4- العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج، وطبع 4 طبعات أولها ببيروت سنة 1402-1982

5- قيمة الزمن عند العلماء، وطبع 6 طبعات أولها ببيروت سنة 1404-1984، وترجم إلى التركية و يترجم إلى الإنجليزية

6- لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث، وطبع 4 طبعات أولها ببيروت سنة 1404-1984

7- أمراء المؤمنين في الحديث، و طبع ببيروت سنة 1411-1991

8- من أدب الإسلام، وطبع عدة مرات أولها ببيروت سنة 1412-1992، وقد ترجم إلى الإنجليزية والأردية والتركية والصينية.

9- الإسناد من الدين ومعه: صفحة مشرقة من تاريخ سماعات الحديث عند المحدثين، وطبع ببيروت سنة 1412-1992

10- منهج السلف في السؤال عن العلم وفي تعلم ما يقع وما لم يقع، وطبع ببيروت سنة 1412-1992

11- السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي والتعريف بحال سنن الدارقطني، وطبع ببيروت سنة 1413-1993

12- تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي وطبع ببيروت سنة 1414-1993

13- الرسول المعلم وأساليبه في التعليم، وطبع ببيروت سنة 1417-1996

14- نماذج من رسائل أئمة السلف وأدبهم العلمي، وطبع ببيروت سنة 1417-1996

15- تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر وآثارهم الفقهية، وقد صدر بعد وفاة الشيخ سنة 1417-1997

16- رسالة الإمام أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه، وقد صدر بعد وفاة الشيخ سنة 1417-1997

وقد ترك الشيخ مؤلفات ومحققات وأبحاث عديدة تنتظر النشر بعون الله تعالى.

تنبيه:
للشيخ العلامة الألباني والشيخ بكر أبو زيد وغيرهم من أهل العلم ملاحظات عقدية على الشيخ عبدالفتاح أبو غدة
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
  #26  
قديم 02-08-03, 01:01 PM
الفهيد الفهيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-07-03
المشاركات: 2
افتراضي

اخي بارك الله فيك هل عندك ترجمة للشيوخ التاليين العلامة عبد العزيز بن يحي ال يحي مفتي ألأحساء والعلامة محمد بن فهد علي الرشودي
  #27  
قديم 06-09-03, 11:25 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 881
افتراضي

نبذة مختصرة عن السيرة الذاتية
لفضيلة الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد حفظه الله


هذا هو العلامة الجهبذ الفقيه عبدالقادر شيبة الحمد وحوارٌ معه وشيءٌ من أخباره

هو الفقيه ، المربي الفاضل عبدالقادر شيبة الحمد _حفظه الله ورعاه ، وأطال الله في عمره على طاعةِ الله ، ونفع الله به الإسلام والمسلمين.

ولد الشيخ في مصر_وهي موطنه الأصلي_الموافق (20) جماد الثانية(1339هـ).

عمره الآن (84 سنة)أطال الله في عمره على طاعة،تزوج بواحده قبل قدومه للسعودية فلما ماتت زوجوه أهل بريدة من حمولة من كبار الحمايل ،ثم تزوج الثالثة من كبار حمايل عنيزة.
وهذا هو الموقف الشرعي حيث قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من جاءكم ترضون دينه وخلقه فزوجوه)) ،وهو من الفهم الدقيق لأهل هذه البلاد حيث زواجه سيجعله لا يغادر هذه البلدة فينفع الله به.

(حياته الدراسية والتدريسية):
بدأ منذ الخامسة من عمره بالذهاب إلى الكتاب؛فحفظ القرآن كاملاً وتعلم الكتابة فيها.
ثم إلتحق بعد ذلك بالجامع الأزهر وأخذ الشهادة الإبتدائية،ثم الثانوية_ وهو العام الذي أسست فيه جماعة الإخوان وللشيخ ذكريات عنها نوردها بعد قليل_ ،ثم درس في الجامع الأزهر في كلية الشريعة،وأثناء دراسته فيها فتح اختبار الشهادة العالية القديمة،وكانت الشروط متوفرة في الشيخ،فدخل فيها وكان عدد المتقدمين للاختبار (300)طالب،فلم ينجح منهم إلا ثلاثة كان من ضمنهم شيخنا،وقد سبقه في فصول ماضية أُناس تقدموا وعددهم(900)فلم ينجح منهم إلا أربعة وكان من ضمن من رسبوا طه حسيــن.

بعد ذلك أخذ الشيخ الشهادة العالية عام(1374هـ)،وكان عمر الشيخ قد قارب الخمس والثلاثون سنة.

ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية بأهله_ وكان إلى يوم انتقاله وهو رئيساً في المقاطعة الشرقية لجماعة أنصار السنة_ ،وعين مُدرساً في معهد بريدة العلمي،وكانت الدراسة تبدأ بعد الحج مباشرة إلا ذاك العام(1375هـ)أُجلتْ إلى (18) صفر عام (1376هـ) ،ودرس فيه الشيخ ثلاثة أعوام متتالية،كان من طلابه في المعهد فضيلة العلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء_حفظه الله_ ،والشيخ عبدالرحمن العجلان المدرس بالمسجد الحرام حالياً_ حفظه الله_.

ثم في عام(1379هـ)عُينَ مدرساً بكليتي الشريعة واللغة العربية في الرياض،ودرس الشيخ في أول سنة عينَ فيها في كلية الشريعة \"التفسير وأصول الفقه،وبعد سنتين درسَ في نفس الكلية سبل السلام شرح بلوغ المرام في الحديث،وكان من طلابه في تلك الفترة الشيخ عبدالله الغانم مدير عام المكفوفين في الشرق الأوسط،والعلامة الشيخ القاضي صالح اللحيدان_رئيس محاكم التمييز في هذه البلاد_حفظه الله_،وكذلك الشيخ منصور المالك وغيرهم..

وفي عام(1381هـ)فتحت الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية،فقام رئيس الجامعة سماحة المفتي الأكبر ورئيس القضاة العلامة محمد بن إبراهيم_رحمه الله_بدعوة كثير من أهل العلم والفضل للتدريس هناك،فمن كلية الشريعة بالرياض وقع الاختيار لسماحة العلامة عبدالعزيز بن باز_رحمه الله_وأن يكون نائباً للشيخ بن إبراهيم على الجامعة،فطلب الشيخ بن باز من المفتي الأكبر بأن يسمح بانتقال علمين من أعلام كلية الشريعة وهما العلامة محمد الأمين الشنقيطي_رحمه الله_ والعلامة عبدالقادر شيبة الحمد_حفظه الله_ [وللمعلومية فالأول مروتاني والثاني مصري ولا تفاضل عندنا إلا بالعلم والتقوى وصحة المعتقد،لا بالجنس والبلد،وهذه رسالة لمن لبعض الحاقدين الذين يلمزون أبناء هذه البلاد بالأكاذيب،لأنهم رفضوا أن يسمعوا لأهل البدع] ،فقبل المفتي الأكبر بأن ينقل الشنقيطي ورفض نقل شيبة الحمد لحاجة الكلية لأحدهما،وفي العام الذي تلاه أَلحَ الشيخ ابن باز على نقل الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد فسمح له.

وفي أول جماد الأولى عام(1382هـ) انتقل شيخنا إلى المدينة،ودرس في الجامعة الإسلامية،وكلما أنشئت كلية درس فيها،إلى أن تم نقله إلى قسم الدراسات العليا،حتى أحيل إلى التقاعد.

وفي أثناء عام (1400هـ)انتُدِبَ الشيخ للتدريس في المعهد العالي للدعوة الإسلامية في ذلك الوقت_ وهو تابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية_.

وهو مدرس بالحرم المدني ولازال....



[مؤلفات الشيخ]
من مؤلفات وتحقيقات الشيخ حفظه الله:
1/ تهذيب التفسير وتجريد التأويل (6 أجزاء).
2/ شرح بلوغ المرام.
3/ القصص الحق في سيرة سيد الخلق.
4/ قصص الأنبياء.
5/ تحقيق فتح الباري .....يقول الشيخ الفاضل الدكتور عبدالرحمن اللويحق حفظه الله: وهذه النسخة هي النسخة الوحيدة والتي كان الجهد بعد الله للشيخ عبدالقادر شيبة الحمد وهي النسخة الوحيدة التي توافق شرح ابن حجر لفظياً.
وهذا هو الجزء الأول ولعل الله أن ييسر لنا إكمال أراء الشيخ ، ومنها قصة مؤامرة إلغاء المحاكم الشرعية في مصر ونزع الحجاب الإسلامي.لا صحوة ولا هم يحزنون نحن جميعاً مسلمين.أنني صريح وأقول الحق.

والله الموفق

منقول
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
  #28  
قديم 06-09-03, 11:41 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 881
افتراضي

ترجمة الشيخ د. أبو أنس محمد موسى آل نصر
ـ نسبه: هو الشيخ الدكتور المقرىء، السلفي، الأثري، صاحب التصانيف النافعة؛ محمد بن موسى بن حسين آل نصر؛ وينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل عوف بن مالك الثقفي النصري من ثقيف. ـ ولادته: ولد في مخيم بلاطة في مدينة نابلس الواقعة في فلسطين سنة (1374 هـ = 1954م). ـ أسرته ونشأته وطلبه للعلم: نشأ في بيت صلاح ودين، وكان جده إماماً معروفاً في بلده بالصلاح والتقوى. هاجر والده وأسرته من (طول كرم) إثر نكبة (1948)، وسكنوا في مخيم بلاطة؛ وبحكم كون أبيه مزارعاً انتقل إلى أريحا حيث أنهى دراسته الابتدائية، ثم نزلوا غور الأردن، وهناك أنهى دراسته الإعدادية، ثم سكن الزرقاء، وفيها أنهى دراسته الثانوية. ثم رحل الشيخ في طلبه للعلم إلى المدينة النبوية، وهناك التحق بالجامعة الإسلامية وحصل على شهادة البكالوريوس سنة (1401هـ)؛ تخصص قراءات وعلوم القرآن. وحصل على الماجستير من جامعة البنجاب (عام 1984م) في الباكستان بتقدير (جيد جداً) في العلوم الإسلامية. وحصل أيضاً على ماجستير من وفاق الجامعات الباكستانية بتقدير (ممتاز) في العلوم الإسلامية واللغة العربية. سافر إلى باكستان لمدة ثلاث سنوات؛ حفظ فيها القرآن الكريم، والتقى بالشيخ عطاء الله حنيف، ولازمه لمدة شهر، وأجازه الشيخ في أسانيد الكتب التسعة، والتقى أيضاً بالشيخ بديع، وأجازه بثبته في كتب الحديث، وكانت بينه وبين الشيخ مراسلات. حصل على شهادة الدكتوراة في التفسير وعلوم القرآن بتاريخ(27 / 7 / 1997م) من جامعة القرآن بأم درمان بالسودان؛ وكان موضوع الأطروحة: ((اختيارات الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ومنهجه في القراءة)) وحصل على تقدير (ممتاز). وكانت بداية معرفته بالشيخ محمد ناصر الدين الألباني في أوائل السبعينات من خلال كتبه: ((صفة صلاة النبيr ))، و((تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد))، و((السلسلة الصحيحة))، و((السلسلة الضعيفة)) وغيرها. وسـافر إلى دمشق الشام في أوساط السـبعينات؛ وهناك التقى بالشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في المكتبة الظاهرية؛ حيث طرح عليه أسئلة إثر شبه ألقاها بعض أهل البدع من التكفيريين؛ فأجابه الشيخ ـ رحمه الله ـ إجابات شافية تروي الغليل وتشفي العليل. وعندما هاجر الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ إلى الأردن، واستقر فيها، لزمه الشيخ حتى وارى جسده التراب. ـ مشاهير شيوخه: 1 ـ العلامة الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ. 2 ـ الشيخ عبد الفتاح القاضي؛ شيخ القراءات ـ رحمه الله ـ. 3 ـ الشيخ عطاء الله حنيف ـ رحمه الله ـ. 4 ـ الشيخ بديع الدين الراشدي ـ رحمه الله ـ. ـ ثناء العلماء عليه: أثنى عليه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وكان يقدمه للإمامة في بيته وفي الأسفار؛ وكان دائماً يقول: ((معنا إمامنا)). وكان الشيخ ـ رحمه الله ـ يرسل إليه الطلبة لتلقي القراءات عنه. وأثنى عليه ـ أيضاً ـ الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ عندما سمع قراءاته في مكتبه وقال: ((قراءتك طيبة، وليس فيها تكلف ولا تعسف، وأثنى عليه خيراً)). وزكاه الشيخ ـ أيضاً ـ ليشارك في توعية الحجاج. ـ جهوده الدعوية: 1 ـ عقد حلقات تعليم القرآن وأحكام التجويد. 2 ـ من مؤسسي مجلة (الأصالة)، وكان رئيساً لها حتى صدور العدد عشرين، وكان من محرريها، وكتابها. 3 ـ من مؤسسي مركز الإمام الألباني للدراسات المنهجية والأبحاث العلمية. 4 ـ المشاركة في المؤتمرات الإسلامية، واللقاءات الدعوية، والدورات العلمية في عدد من دول العالم، مرات متعددة؛ مثل: أمريكا، بريطانيا، فرنسا،… وغيرها. 5 ـ عمل مع وزارة الأوقاف الأردنية (إماماً وخطيباً ومدرساً للقراءات ومدققاً للمصحف ومحكماً للمسابقات) منذ عام (1981 ـ 1987م). 6 ـ تولى تدريس مادة التجويد وعلوم القرآن والتفسير في جامعة العلوم التطبيقية ـ كلية الآداب، قسم الشريعة ـ حتى عام (2000م). 7 ـ انتدب للعمل في البحرين تحت إشراف مركز الدعوة والإرشاد السعودي لمدة أربع سنوات منذ عام (1987 ـ 1991م). ـ مؤلفاته: ـ كتب عدة أبحاث: بعضها منشور والآخر لم ينتشر بعد، وبعضها لا زال مخطوطاً. أما المطبوع منها: 1 ـ ((فضائل القرآن في السنة المطهرة)). 2 ـ ((كشف الخفاء عن أحكام سفر النساء)). 3 ـ ((القول المفيد في وجوب التجويد)). 4 ـ ((الروض الباسم في رواية شعبة عن عاصم)). 5 ـ ((البحث والاستقراء في بدع بعض القراء)). 6 ـ ((هداية الحيران إلى ليلة النصف من شعبان)). 7 ـ ((فتح الغفور في الفطور والسحور)). 8 ـ ((داء الأمم (ذم الحسد والحاسدين) )). 9 ـ ((مع النبي r في رمضان)). 10 ـ ((اللمعة في الاجتماع للدرس قبل الجمعة))، وغيرها. ـ أما المخطوط؛ فمنها: 1 ـ ((الردود والتعقبات لابن جرير في مفاضلتة بين القراءات)). 2 ـ ((المختار في توجيه قراءات أئمة الأمصار)) ، وغيرها.

* * *

ترجمة الشيخ أبو أسامة سليم بن عيد الهلالي

نسبه ونسبته: هو الشيخ السلفي، الأثري، ربيع الشام، صاحب التصانيف المنهجية الفريدة، والتحقيقات العلمية العزيزة؛ سليم بن عيد بن محمد بن حسين الهلالي؛ نسبة إلى قبيلة بني هلال، التي تمتد أصولها إلى نجد في الجزيرة العربية، ثم رحل الأجداد وسكنوا بئر السبع، وبعد نكبة فلسطين استوطنوا الخليل حيث ولد الشيخ. ـ ولادته: ولد بتاريخ (1377هـ = 1957م). ـ أسرته ونشأته وطلبه للعلم: نشأ في بيت صلاح ودين، هاجر وأهل بيته إلى الأردن سنة (1387هـ = 1967م) من آثار حرب اليهود ـ لعنهم الله ـ واستقر في الأردن، حيث أنهى الدراسة النظامية، وأكمل دراسته في كلية العلوم، ثم درس اللغة العربية، ثم الدراسات الإسلامية. ابتدأ طلبه للعلم الشرعي في السابعة عشر من عمره، حيث كانت بداية لقائه مع الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ في الأردن؛ نتيجة مناظرات الشيخ الألباني لجماعة التكفير، ثم تواصل اللقاء مع الشيخ ناصر الدين الألباني، ورحل إليه في دمشق الشام في بداية (1978م) حيث حضر دروسه وقتئذ؛ في شرح كتاب ((الترغيب والترهيب)) للمنذري. قرأ على الشـيخ طلائع كتابه ((تصفية الظلال))؛ وبخاصه مسائل الإستواء ووحدة الوجود ومسائل الصفات. رحل الشيخ إلى باكستان والتقى بعلمائها؛ حيث أجازه الشيخ عطاء الله حنيف، والشيخ بديع الدين الراشدي، وأخوه محب الدين، والشيخ محمد عبده فلاح، والشيخ حسن عبد الغفار. ورحل إلى الحجاز والتقى بالشيخ حماد الأنصاري، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين ـ رحمهم الله ـ، والشيخ عبد المحسن العباد ـ حفظه الله ـ. وكانت له مراسلات مع الشيخ محمد تقي الدين الهلالي المغربي ـ رحمه الله ـ في عام (1403هـ). ـ مشاهير شيوخه: 1 ـ الشيخ العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ. 2 ـ الشيخ حماد الأنصاري ـ رحمه الله ـ. 3 ـ الشيخ عطاء الله حنيف ـ رحمه الله ـ. 4 ـ الشيخ محب الدين الراشدي ـ رحمه الله ـ. 5 ـ الشيخ بديع الدين الراشدي ـ رحمه الله ـ. ـ ثناء العلماء عليه: أثنى عليه كثير من أهل العلم؛ منهم: الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ، والشيخ الدكتور ربيع المدخلي ـ حفظه الله ـ؛ حيث أن الشيخ سليم الهلالي قدم لفضيلة الشيخ ربيع على كتابه ((منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف)). وأثنى عليه ـ أيضاً ـ الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ـ رحمه الله ـ في كتابه ((المخرج من الفتنة)) (ص 185): ((وهبوا أنكم انتصرتم على أهل السنة باليمن؛ الدعاة إلى الله؛ فماذا تصنعون بالأخ سليم الهلالي صاحب الجماعات الإسلامية؟…)). ـ وأيضاً ـ الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه: ((تحريف النصوص من مآخذ أهل الأهواء في الاستدلال)) (93 ـ 94) قال: ((…وأن التحريف داء ساري المفعول في كل من غلا، واتبع الهوى. وهي أمثلة نبه على كثير منها علماء العصر، وأبناء الوقت في عدد من الأقطار، في قلب جزيرة العرب ((الديار السعودية)) وفي مصر، والشام، والهند، والباكستان، والمغرب، وغيرها، منهم:… الشيخ سليم الهلالي؛ في كتابه: ((المنهل الرقراق)) )). وقال فضيلة الشيخ محمد عمر بازمول ـ حفظه الله ـ: ((الشيخ ربيع بن هادي هو ربيع الحجاز، والشيخ مقبل الوادعي ربيع اليمن، والشيخ سليم بن عيد الهلالي ربيع الشام)). ـ جهوده الدعوية: 1 ـ من مؤسسي مجلة (الأصالة)، ومحرريها، وكتابها. 2 ـ من مؤسسي مركز الإمام الألباني للدراسات المنهجية والأبحـاث العلمية. 3 ـ عقد حلق العلم والإفتاء. 4 ـ المشاركة في المؤتمرات الإسلامية، واللقاءات الدعوية، والدورات العلمية؛ في عدد من دول العالم، مرات متعددة؛ مثل: أمريكا، بريطانيا، ألمانيا، هولندا، فرنسا،… وغيرها. 5 ـ كان له عدد من المقالات في جريدة (المسلمون). 6 ـ كان من ضمن العلماء الخمسة المشاركين في مناقشة مع التكفيريين؛ من أجل إصلاح حال الجزائر انظر: جريدة (القبس) الكويتية العدد 9544 ـ (8 شوال 1420هـ) الموافق (14 / 1 / 2000م). ـ مؤلفاته وتحقيقاته: مؤلفاته وتحقيقاته تزيد على مئة رسالة وكتاب؛ من أهمها تأليفاً: 1 ـ ((موسوعة المناهي الشرعية)). 2 ـ ((بهجة الناظرين بشرح رياض الصالحين)). 3 ـ ((الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة)). 4 ـ ((لماذا اخترت المنهج السلفي)). 5 ـ ((بصائر ذوي الشرف بشرح مرويات منهج السلف)). 6 ـ ((قرة العيون في تصحيح تفسير ابن عباس لقوله ـ تعالى ـ: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[. رواية ودراية ورعاية)). 7 ـ ((منهاج الاعتدال في نقد تفسير الظلال وبيان ما فيه من تصوف ورفض واعتزال)). 8 ـ ((كفاية الحفظة شرح المقدمة الموقظة)). ـ تحقيقاً: 1 ـ ((الاعتصام)). 2 ـ ((الآداب الشرعية)). 3 ـ ((الأذكار)). 4 ـ ((الوابل الصيب)). 5 ـ ((تحفة المودود بأحكام المولود)). 6 ـ ((عدة الصابرين)). 7 ـ ((عجالة الراغب المتمني في تخريج كتاب عمل اليوم والليلة لابن السني)).

ترجمة الشيخ أبو الحارث علي بن حسن الحلبي

ـ نسبه ونسبته: هو الشيخ السلفي، الأثري صاحب التصانيف المنهجية، والتحقيقات العلمية العزيزة علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد، أبو الحارث؛ اليافي منبتاً، الحلبي نسبة، الأردني مهاجراً. ـ ولادته: من مواليد مدينة الزرقاء في الأردن؛ بتاريخ 29 جمادى الثاني، سنة (1380هـ). ـ نشأته وطلبه للعلم وشيوخه: هاجر والده وجده ـ إلى الأردن ـ من يافا في فلسطين سنة (1368هـ = 1948م)، من آثار حرب اليهود ـ لعنهم الله ـ. ابتدأ طلب العلم الشرعي قبل أكثر من عشرين عاماً، فكان أبرز شيوخه العلامة الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ، ثم الشيخ اللغوي المقرىء عبد الودود الزراري ـ رحمه الله تعالى ـ، وغيرهم من أهل العلم. التقى بالشيخ محمد ناصر الدين الألباني في أواخر سنة (1977م) في عمان. ودرس على الشيخ الألباني ((إشكالات الباعث الحثيث)) سنة (1981م) وغيرها من كتب المصطلح. له إجازات علمية عامة، وحديثية خاصة، من عدد من أهل العلم، منهم العلامة الشيخ بديع الدين السندي، والعلامة الشيخ الفاضل محمد السالك الشنقيطي ـ رحمه الله ـ، وغيرهم. ـ ثناء العلماء عليه: وقد أثنى عليه جلٌ من أهل العلم؛ منهم: الشيخ العلامة المحدث الفقيه أسد السنة محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ؛ كما في ((الصحيحة)) (2 / 720) أثناء بيان إفك هدام السنة حسان عبد المنان؛ فقال: ((… وبسط القول في بيان عوار كلامه في تضعيفه إياها كلها يحتاج إلى تأليف كتاب خاص، وذلك مما لا يتسع له وقتي؛ فعسى أن يقوم بذلك بعض إخواننا الأقوياء في هذا العلم؛ كالأخ علي الحلبي،…)). وانظر ـ أيضاً ـ مقدمة: ((التعليقات الرضية على الروضة الندية))، و((آداب الزفاف)) ـ طبعة المكتبة الإسلامية ـ، و((النصيحة)). وأثنى عليه أيضاً الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ وقرظّ له كتابه ((إنها سلفيّة العقيدة والمنهج)). و ـ أيضاً ـ الشيخ بكر أبو زيد في كتابه: ((تحريف النصوص من مآخذ أهل الأهواء في الاستدلال)) (93 ـ 94). ـ جهوده الدعوية: 1 ـ من مؤسسي مجلة (الأصالة) ـ الصادرة في الأردن ـ ومحرريها، وكتابها. 2 ـ من مؤسسي مركز الإمام الألباني للأبحاث العلمية والدراسات المنهجية. 3 ـ كان له مقال أسبوعي في جريدة (المسلمون) ـ الصادرة في لندن ـ، ضمن زاوية ((السنة ))؛ استمر نحواً من سنتين بدءاً من تاريخ (18 / ربيع أول / 1417هـ). 4 ـ شارك في عدد من المؤتمرات الإسلامية، واللقاءات الدعوية، والدورات العلمية؛ في عدد من دول العالم، مرات متعددة، مثل: أمريكا، بريطانيا، هولندا، هنغاريا، كندا، أندونيسيا، وفرنسا… وغيرها. 5 ـ دعي إلى عدد من الجامعات الأردنية لإلقاء المحاضرات والندوات؛ مثل: الجامعة الأردنية، وجامعة اليرموك، وجامعة الزيتونة… ـ مؤلفاته وتحقيقاته: 1 ـ مؤلفاته وتحقيقاته تزيد على المئة وخمسين؛ ما بين رسالة، وكتاب، ومجلد، ومجلدات؛ من أهمها ـ تأليفاً ـ: 1 ـ ((علم أصول البدع)). 2 ـ ((دراسات علمية في صحيح مسلم)). 3 ـ ((رؤية واقعية في المناهج الدعوية)). 4 ـ ((النكت على نزهة النظر )). 5 ـ ((أحكام الشتاء في السنة المطهرة)). 6 ـ ((أحكام العيدين في السنة المطهرة)). 7 ـ ((التعليقات الأثرية على المنظومة البيقونية)). 8 ـ ((الدعوة إلى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي…)) وغيرها. 2 ـ وأما في مجال التحقيق؛ فكتبه متنوعة؛ مثل: 1 ـ ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم، في ثلاث مجلدات. 2 ـ ((التعليقات الرضية على الروضة الندية)) للألباني، في ثلاث مجلدات. 3 ـ((الباعث الحثيث))لابن كثير، في مجلدين. 4 ـ ((الحطة في ذكر الصحاح الستة))لصديق حسن خان، في مجلد. 5 ـ ((الداء والدواء)) لابن القيم، في مجلد. 6 ـ ((المتواري على أبواب البخاري)) لابن المنير، في مجلد… وغيرها. 3 ـ وقد ترجم عدد من هذه الكتب إلى عدة لغات؛ منها: الإنجليزية، والفرنسية، والأردية، والأندونسية، والآذرية، وغيرها.

* * *


ترجمة الشيخ أبو عبيدة مشهور حسن آل سلمان

ـ نسبه: هو الشيخ، السلفي، الأثري، المتفنن، صاحب التصانيف الماتعة الفريدة، والتواليف المليحة المفيدة، والتحقيقات العزيزة الجديدة؛ مشهور بن حسن بن محمود آل سلمان، المكني بأبي عبيدة ـ حفظه الله ـ. ـ ولادته: ولد في فلسطين؛ بتاريخ (1380هـ). ـ أسرته ونشأته وطلبه للعلم: نشأ في بيت حفاظ ودين، ونجاركريم، هاجر وأهل بيته إلى الأردن سنة (1387هـ=1967م)، من آثار حرب اليهود -لعنهم الله-، واستقر في عمان البلقاء، وكانت دراسته الثانوية فيها، والتحق بكلية الشريعة؛ سنة (1400هـ)، في قسم (الفقه وأصوله)، وانكب على علوم الشريعة الغراء، درساً، وقراءة، وتحصيلاً؛ فقرأ شطراً عظيماً من ((المجموع)) للنووي، و((المغني)) لابن قدامة، و((تفسير أبي الفداء ابن كثير))، و((تفسير القرطبي))، و((صحيح البخاري)) بشرح الحافظ العسقلاني، و((صحيح مسلم)) بشرح النووي، وغيرها جمع عظيم، وجم غفير. تأثر بطائفة من فحولة العلماء ومحققيهم، وقفا أثرهم، وعرف أخراتهم، ومنهم: شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد ابن تيمية، وتلميذه البار، العالم الرباني وشيخ الإسلام الثاني؛ ابن قيم الجوزية. ـ مشاهير شيوخه: تأثر بجماعة من أساتيذه تأثراً عظيماً، سواء ممن أخذ عنه على مقاعد الدراسة النظامية، أو في المجالس العلمية، ومن أشهرهم: 1 ـ العلامة الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ. 2 ـ الشيخ الفقيه مصطفى الزرقاء. ـ جهوده الدعوية: 1 ـ من مؤسسي مجلة (الأصالة) ـ الصادرة في الأردن ـ، ومحرريها، وكتابها. 2 ـ من مؤسسي مركز الإمام الألباني للدراسات المنهجية والأبحاث العلمية. 3 ـ عقد حلق العلم والإفتاء. 4 ـ المشاركة في الدورات العلمية، واللقاءات الدعوية. ـ ثناء العلماء عليه: وقد أثنى عليه شيخه محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ في أكثر من مجلس، وأكثر من موضع؛ كما في ((السلسلة الصحيحة)) (1 / 903): ((وقد استفدت هذا كله من تحقيق قام به الأخ الفاضل مشهور حسن بتعليقه على كتاب ((الخلافيات)) )). و ـ أيضاً ـ الشيخ بكر أبو زيد من خلال تقديمه لكتاب ((الموافقات)) بتحقيق صاحب ترجمتنا؛ فقال: ((... فكم تطلعت إلى أن أرى هذا الكتاب مطبوعاً محققاً مخدوماً بما يليق بمكانته... حتى يسر الله الكريم بفضله هذا المطلوب، على يد العلامة المحقق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان)). ـ مؤلفاته وتحقيقاته: مؤلفاته وتحقيقاته تزيد على مئة رسالة وكتاب؛ من أهمها تأليفاً: 1 ـ ((القول المبين في أخطاء المصلين)). 2 ـ ((الجمع بين الصلاتين في الحضر بعذر المطر)). 3 ـ ((الهجر في الكتاب والسنة)). 4 ـ ((كتب حذر منها العلماء)). 5 ـ ((الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح وأثره في علم الحديث))؛ وغيرها. ـ وفي مجال التحقيق؛ فكتبه متنوعة؛ أشهرها: 1 ـ ((الطهور)) لأبي عبيد القاسم بن سلام. 2 ـ ((الخلافيات)) للبيهقي. 3 ـ ((الموافقات)) للشاطبي. 4 ـ ((الاعتصام)) للشاطبي. 5 ـ ((المجالسة)) لأبي بكر الدنيوري؛ وغيرها. 6 ـ أجزاء حديثية. 7 ـ ((تالي التلخيص)) للخطيب البغدادي. 8 ـ ((جلاء الأفهام)) لابن قيم الجوزية.
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
  #29  
قديم 06-09-03, 11:51 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 881
افتراضي

أبوتراب الظاهري وشيء من سيرته ..
بالصور والوثائق النادرة «ورَّاق الجزيرة» تنفرد بأميز ترجمة لأبي تراب الظاهري
من مشاهدات تلميذه عبدالله الشمراني ( 1 - 2 )


«إنَّا على فراقك لمحزونون»:
لقد فجعنا صباح يوم السبت الموافق: 21/2/1423هـ بوفاة عميد اللغة العربية في عصره، والرجل الموسوعي، والمعلمة التاريخية، والخزانة المتنقلة، شيخنا: العلامة، المحدث، الأصولي، اللغوي، الأديب: «أبو تراب الظاهري»، عن ثمانين سنة، فرحمه الله، وغفر له.
فكتبت هذه الأوراق وفاءً حقه، وهي أوراق مختصرة من كتابي: «هداية الأحباب بإجازة الشيخ أبي تراب» ترجمت فيه له، ولأبيه المحدث: عبدالحق الهاشمي رحمه الله، وذكرت شيوخهما، ومصنفاتهما. واستندت في ترجمة الشيخ، وأبيه على المشافهة، ودار بيني وبين الشيخ الكثير من الجلسات، التي تخللها الكثير من الأسئلة، فأنا أسأل والشيخ يُجيب، كما وضع بين يدي مؤلفات أبيه الخطية، واطلعني على إجازات العلماء لأبيه، وقرأتها، لكي أخرج بصورة عن الحياة العلمية في ذلك العصر. فأقول مستعيناً بالله:
اسمه: أبو محمد، عبدالجميل بن أبي محمد عبدالحق بن عبدالواحد بن محمد بن الهاشم، وكان له أكثر من اسم منها: عبدالجليل، وعلي، وعمر.
كنيته: لشيخنا بحفظه الله ثلاث كنى: أبومحمد، وأبو الطاهر، وأبو تراب. الأولى باسم ولده الأكبر، والثانية كانت الرسمية، وعلى ذلك ختمه القديم، ولكنها كنية قديمة، واندثرت، ولا أحد يكنيه بها اليوم، ولا يُعرف الشيخ إلا بالثالثة.
لقبه: الهاشمي، العُمري، العدوي، ويعود نسبه الى الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي رضي الله عنه. فهو كما رأيت عُمري، عدوي، أما: الهاشمي فنسبه الى جده الثالث: «الهاشم»، وليس من «بني هاشم».
مولده: ولد الشيخ في «أحمد بور الشرقية» بالهند عام «1923م 1343هـ».
ولادته، ونشأته، وتعليمه، وحصيلته في القراءة، والمطالعة:
كانت ولادته، ونشأته الأولية في مدينة «أحمد بور، بالهند»، وكان مبدأ تعليمه على يد جده: عبدالواحد رحمه الله، ابتداءً من فك الحرف «أ،ب،ت...» وانتهاءً الى «المثنوي»، للرومي، قرأ خلال هذه الفترة: «كريمة بخش، وبندناما، وناماحق، وبلستان، وبوستان»، وهي كتب فارسية، كانت مقررة في دروس التعليم آنذاك.
ثم تعلم الخط الفارسي على يد جدّه في الجامع العباسي في : أحمد بور، وبعد ذلك جلس الى دروس والده، وبدأ من «الصرف» ثم النحو ثم أصول الحديث، ثم أصول الفقه.
سرد مفصل لنشأته التعليمية
أولاً: كتب الحديث:
بدأ في الحديث من بلوغ المرام، ثم المشكاة، ثم سنن ابن ماجة، ثم سنن أبي داود، ثم سنن الترمذي، ثم سنن النسائي، ثم صحيح مسلم، ثم صحيح البخاري.
كل ذلك قراءة، ودراسة، وتحقيقاً على يد أبيه رحمه الله.
وبعد ذلك سرد على أبيه: المسند، والسنن الكبرى، للبيهقي، والمنتقى، لابن الجارود، المستدرك للحاكم، والسنن للدارقطني، والمسند للطيالسي.
ثم نسخ بيده: المصنف لعبدالرزاق، والمصنف لابن ابي شيبة كاملين، والجزء الأول من كتابي ابن عبدالبر رحمه الله: التمهيد، والاستذكار، ونسخ أجزاء من كتاب «العلل» للدارقطني. وقرأها على أبيه.
كما قرأ: «فتح الباري» للحافظ، وإرشاد الساري، للقسطلاني مطالعة.
وقرأ أيضاً بعض الكتب المطولة، منها في دار الكتب المصرية كتاب «الكواكب الدراري في تبويب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري» لابن عروة الدمشقي، الحنبلي رحمه الله، وهو كتاب عظيم جداً يقع في مائة وعشرين مجلداً.
وقرأ أيضاً كتابي ابن عبدالبر رحمه الله. «التمهيد» و«الاستذكار»، كاملين قبل أن يُطبعا.
ثانياً: كتب التفسير:
أول ما قرأ على أبيه رحمه الله «تفسير الجلالين» ثم تفسير القرآن العظيم، لابن كثير كاملاً، وقرأ عليه ايضاً أجزاء من «جامع البيان» للطبري، والجزء الأول من «مفاتيح الغيب» للرازي، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي، وقرأ عليه «تفسير البيضاوي»، دراسة من أوله الى سورة الكهف.
وطالع الباقي مطالعة، إما كاملة، أو أجزاء منها، وتبلغ كتب التفسير التي طالعها، نحو، ثلاثين كتاباً، ك«تفسير النسفي، والبحر المحيط لابن حيان و...».
ثالثاً: كتب الفقه:
الفقه الحنفي:
أول ما بدأ به شيخنا رحمه الله الفقه الحنفي، فقرأ الكتب الصغيرة، دراسة على أبيه رحمه الله، كالكتاب المعروف ب«مختصر القدوري» للقدوري و«كنز الدقائق» للنسفي، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق» لابن نجيم، و «الهداية شرح بداية المبتدئ» للمرغيناني.
ثم بعد ذلك طالع المبسوطات، ك:«المبسوط» للسرخسي، و«شرح فتح القدير» لابن الهمام.
الفقه المالكي: قرأ على أبيه دراسة: «مختصر خليل» كاملاً، ثم طالع: «المدونة الكبرى» كاملة، و«المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة» لابن رشد الجد.
كما استفاد استفادة عظيمة من كتاب «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» لابن رشد الحفيد، الذي يعد موسوعة فقهية موازنة.
الفقه الشافعي: قرأ الجزء الأول من كتاب: «الأم»، وكامل «الرسالة» للشافعي، دراسة على أبيه رحمه الله، ثم طالع «المجموع» للنووي رحمه الله.
الفقه الحنبلي: طالع فيه: «المغني» لابن قدامة، والشرح الكبير، لعبدالرحمن بن قدامة، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، كاملة.
علم الفرائض
درس شيخنا الفرائض على الشيخ: واحد بخش رحمه الله، وهو من كبار علماء الفرائض في: «الهند، كما درس، السراجية، على ذهبي العصر العلامة، عبدالرحمن المعلمي رحمه الله.
رابعاً: كتب اللغة: قرأ شيخنا على أبيه كتاب «فقه اللغة» للثعالبي، والصحاح للجوهري، وكان والده يُفضل «الصحاح» على سائر كتب اللغة، ويقول: مرتبته بين كتب اللغة، كمرتبة «صحيح البخاري» بين كتب الحديث.
ثم حثه والده بعد ذلك على حفظ المواد اللغوية، فحفظ «عشرين ألف» مادة تقريباً.
ثم طالع سائر المطولات، ك«لسان العرب» لابن منظور، وقرأه ثلاث مرات، وعلق عليه، وقرأ: «تهذيب اللغة» للأزهري، و«تاج العروس» للزبيدي و«العين» للخليل، و«الجمهرة» لابن دريد، و«مجمل اللغة» لابن فارس، و«النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير، و«الفائق» للزمخشري و... كل ما سبق من كتب اللغة قرأها كاملة.
وحثه أبوه رحمه الله على كتاب «مقايس اللغة» لابن فارس، و«أساس البلاغة» للزمخشري.
وأخيراً: ما ذكرته قليل من كثير، ولكن ذكرت بعضها، مرتبة، ومصنفة، وإلا فالشيخ حفظه الله يقول: «مجموع ما يبلغ من الكتب التي طالعت، أو درست، نحو ثمانية آلاف كتاب، من مختلف العلوم».
اللغات التي يتحدث بها الشيخ رحمه الله
الشيخ رحمه الله يجيد لغات شبه القارة الهندية، وخاصة «الأوردية» ويجيد ايضا «الفارسية»، وقد ذكرت من خلال الكلام على نشأته أنه قرأ على جده كتباً فارسية.
رحلاته: كان لشيخنا الكثير من الرحلات الحافلة بالقصص والطرائف العلمية، واستفاد من خلال رحلاته الكثير من الفوائد، كمقابلة العلماء، والمفكرين، والأدباء. كما نسخ خلال رحلاته الكثير من الكتب الخطية، سواء كان النسخ له، أو بطلب من أبيه، كما استفاد من مطالعة الكتب الخطية، ولا سيما المطولات، ومن ذلك مطالعته لكامل كتابي ابن عبدالبر رحمه الله «التمهيد» و«الاستذكار»، قبل ان يراهما عالم المطبوعات ، وطالع كذلك مخطوطة كتاب «الكواكب الدراري».
ومن رحلاته:
السعودية: قدم الى السعودية بطلب من الملك عبدالعزيز رحمه الله، حيث ابرق الى سفارته هناك، وارسل اليه طائرة، وذلك ليكون مدرساً في «الحرم المكي»، وفعلاً قدم الى جدة عام 1367هـ، ومنها الى مكة المكرمة.
مصر: رحل الى مصر وكان معه توصية خطية من أبيه رحمه الله الى محدث مصر في وقته، العلامة أحمد بن محمد شاكر رحمه الله واستضافه في بيته، كما استضافه رئيس جماعة السنة المحمدية: العلامة «محمد حامد فقي رحمه الله في بيته أيضاً.
وفي مصر التقى بالعلماء، وممن لقي هناك المدعو: زاهد الكوثري.
المغرب: رحل إليها، وحل ضيفاً عند شيخه: منتصر الكتاني رحمه الله واستجاز ممن لقيهم، ولقي المحدث: الأصولي: عبدالله بن الصديق الغماري ت«1413هـ» رحمه الله ولم يستجز منه.
ويقول: لقيت الكثير من أصحاب الرواية هناك، ولم استجزهم، لشدة بدعهم، بل وجدت منهم المشعوذين ممن يدّعون الرواية».
شيوخه: لقد أكثر الشيخ من الرحلة والسماع، وتعدد شيوخه من أقطار إسلامية عديدة، وهذا ذكر لبعضهم ممن درس عليهم، أو سمع منهم، أو استجازهم:
والده المحدث: عبدالحق الهاشمي، وهو شيخه الأول، والأخير.
ومن علماء الهند: إبراهيم السِّيالكوني، وعبدالله الروبري، الأمر التسري، وابو تراب محمد عبدالتواب الملتاني، وهو من تلاميذ نذير حسين، وقد قرأ عليه الشيخ ابوتراب «سنن النسائي» كاملة، ثناء الله الأمر تسري، وعبدالحق الملتاني، وكان يدرس كل العلوم.
ومن علماء الحرمين: القاضي أبوبكر بن أحمد بن حسين الحبشي، والعلامة القاضي: حسن مشاط المالكي، والمحدث: عبدالرحمن الافريقي، والعلامة: عبدالرحمن المعلمي، والمحدث: عمر بن حمدان المحرسي، والشيخ: محمد عبدالرزاق حمزة، ومسند العصر: ياسين بن محمد عيسى الفاداني.
ومن علماء مصر: المحدث أحمد بن محمد شاكر، والشيخ: حسنين مخلوف، والعلامة الشيخ محمد حامد فقي.
ومن علماء المغرب: الحافظ: عبدالحي الكتاني، والمسند: منتصر الكتاني.
طلابه: الذين قرءوا على الشيخ واستجازوه كثيرون، منهم من درَّسهم في الحرم المكي، ومنهم من يأتي اليه في خزانته العامرة، وقد ذكرت أبرزهم في ترجمتي له.
إجازة الصاع النبوي
والمدّ النبوي
الشيخ مجاز بهما عن جماعة من شيوخه، وعلى رأسهم والده المحدث عبدالحق الهاشمي، ورأيت في خزانته «المد النبوي» الخاص بوالده رحمه الله، وهو مصنوع من النحاس، وقد نحت عليه من الخارج الإسناد من والده، الى الصحابي الجليل: جابر بن عبدالله رضي الله عنه، الى النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد من رجال الإسناد قاس مده بمد شيخه، الى جابر بن عبدالله رضي الله عنه، الذي قاس مُدّه بمدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد كانت النية بيننا على الإجازة بهذين السندين، بعد إحضار المد والصاع، ولكن حصاد التسويف مر. وإسناد المد النبوي لا يخلو من مقال.
أعماله
عمل مدرساً في «المسجد الحرام» سنين عديدة، وعمل في «مكتبة الحرم»، وشغل رئاسة التصحيح بجريدة «البلاد السعودية، ثم البلاد، والرائد وغيرها».
وأسهم في الصحافة بقلمه نحو خمسين عاماً.
وأخيراً شغل وظيفة مراقب في «وزارة الإعلام» منذ كانت «المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر»، كما قدم عدة برامج إذاعية، من اشهرها، «حديقة اللغة، وسير الصحابة، وبرنامجه اليومي المعروف «شواهد القرآن»، والذي يبحث في تحليل المواد اللغوية في القرآن الكريم.
مذهبه: من لقبه وشهرته يتبين أنه ظاهري، على مذهب ابن حزم رحمه الله.
علماً بأنه على غير جمود ابن حزم، فيخالفه في بعض المسائل الى رأي الجمهور، ومن ذلك حكم الشرب واقفاً، فالشيخ يرى الكراهة، خلافاً لإمامه ابن حزم، ويقول: «ثبت شرب النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً، فيُحمل حديث مسلم على الكراهية التنزيهية».
شعره
الشيخ أبو تراب ممن يقول الشعر ويجيده، وله في ذلك صولات وجولات. وسيأتي ضمن مؤلفاته أن له ديوانين شعريين، هما:
«بث الكث في الغث والرث»، و«لقلقة القمري»
نماذج من شعره:
له قصيدة رائعة بعنوان «هواتف الضمير» يقول في مطلعها:




خلوت إلى نفسي لأسكب عبرتي
فقد آب رشدي في الصيام لتوبتي
رثيت لحالي بعد شيبي وقد جرت
عواصف آثام يُشعِّثن لمتي
وقد ضاع عمري لاهياً لا انتباهة
ولا يقظة من بعد نوم وغفلتي
تقلبت في النعماء دهراً أذوقها
نسيت بها البؤس وذُلِّي وشقوتي
فهل قمت بالشكر الذي كان واجباً
عليَّ وهل جانبت موطن زلتي


وقال في مطلع قصيدته «ابتهال»:



عبد ببابك قد أتى يتذلل
حيث التذلل في جنابك اجمل
عبد أثيم أثقلته ذنوبه
فأتاك يعثر في خطاه ويوجل
ولى له ماض بأوزار غدت
سودا كمثل الليل بل هي أليل
يبكي على ما فاته متحسرا
وسواك ليس له إلهي موئل


خِزانته العلمية
الشيخ مولع بالكتاب، واقتنائه، وبدأ في الشراء منذ وقت مبكرٍ جداً، ولا يزال يسأل عن اخبار الجديد في عالم المطبوعات، ويشتري كل ما يطبع أولاً بأول الى آخر لحظة في حياته رحمه الله.
وآخر احصائية لكتبه تقول: إنّ خزانة أبي تراب الظاهري تبلغ «500 ،16» ستة عشر ألفا وخمسمائة كتابا.
وهي مجموعة علمية ضخمة، ولا سيما اذا عرفنا أنّها ملك لشخص دون غيره، وهي بحق من أكبر المكتبات الشخصية.
ومن خلال التجول في مكتبته أقول:
مكتبة غنية بفنون المعرفة في: الدين، واللغة، والأدب، والتاريخ، والطب، و...
كما يوجد فيها مخطوطات مختلفة، منها أصلية، ومنها ما نسخها إما في «مصر» او غيرها، ويوجد بعض هذه المخطوطات على شرائح ميكروفيلم.
وتحتوي مكتبته على الكثير من الكتب القديمة والنادرة.
كما تحتوي على أكثر من نسخة من بعض الامهات بطبعات مختلفة، واكثر كتبه طبعة اولى.
والكثير من الكتب في «خزانته» لا تخلو من تعليقات كثيرة، إما تعقيب، او تذييل، او تأييد على كلام اهل العلم، تدل على سعة اطلاعه.
وقد طالعت بعضها في: «لسان العرب»، و«القاموس المحيط»، و«الاصابة»..
والشيخ يريد ان تكون «خزانته» بعد موته (وقفاً) على طلاب العلم، هكذا حدثني اكثر من مرة، وكانت امنيته في حياته ان تشتري الدولة لها مقرا في جدة، وتوضع فيه لتكون في متناول طلاب العلم.
وهي بحق خزانة عامرة، وعسى ان يكون في مقالي هذا نداء لمن يلبي أمنيته قريباً ان شاء الله.
إنتاجه العلمي
للشيخ نحو خمسين كتابا، في مختلف الفنون، «الحديث، والسيرة، والتراجم، والنحو، والأدب، والشعر، والنقد» ويلاحظ ان الصبغة الادبية طاغية على تأليفه، كما له تعاليق، ومراجعات على كتب شتى.
وقد طبع من مؤلفاته نحو خمسة وعشرين كتابا، وهذا مسرد موجز عنها، وفي ترجمتي له ذكرت وصفا كاملا لكل كتاب:
1 أدعية «القرآن» و«الصحيحين»، جمع فيه الادعية الواردة في «القرآن الكريم»، و«صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، طبع بحجم الجيب لسهولة حمله سنة: «1413هـ».
2 آراء المتقدمين في الادب.
3 الاثر المقتفى لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم نشرته «دار القبلة» «جدة» وطبع سنة: «1404هـ».
4 «اصحاب الصفة»، ظهر منه الجزء الاول «112» صفحة، من الحجم الصغير، وشمل على «95» صحابيا، وطبع سنة: «1404هـ».
5 «اضمامة ذهول العقول فيما رثي به الرسول صلى الله عليه وسلم» «7» صفحات، جمع فيه بعض ما قيل في الباب، اضافة لما ورد في كتابه «ذهول العقول» الآتي، وهو مطبوع بآخره.
6 «اعلام أهل الحاضر برجال من الماضي الغابر»، في التراجم، طبع المجلد الاول منه سنة: «1405هـ»، عن دار القبلة.
7 «الاقاويق».
8 «إلقام الكتاب» لم يطبع.
9 «الأوباد والأسمار».
10 «أوهام الكتاب» طبع الجزء الاول سنة: «1403هـ».
11 «بث الكث في الغث والرث» ديوان شعره في مجلدين ضخمين، ولم يطبع.
2 1 «تأنيس من أقبل على القربات».
13 «التحقيقات المعدة بحتمية ضم جيم جدة»، له القسم الثالث منها، طبع سنة: «1385هـ».
14 تخريج: «مسند أبي يعلى الموصلي».
15 تخريج: «منتقى ابن الجارود».
16 «تذكرة المتزود».
17 «تفسير التفاسير».
18 «تفسير ما يخفي من كلمات القرآن»، تحت التأليف، وهو آخر ما كان رحمه الله يكتب فيه، ابتدأه في: «7/10/1422هـ» ولم يتمه.
19 «تناقض الفقهاء» لم يطبع.
20 حاشية على: «المنتقى» لابن الجارود لم يطبع.
21 «الحديث والمحدثون» مطبوع.
22 «الحواضر والخواطر».
23 «دلائل النبوة للبيهقي»، علق على الجزء الاول.
24 «ذهول العقول بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم»، نشرته دار القبلة، عام «1404هـ، ويقع في «186» صفحة، من الحجم العادي.
25 «سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، نشرته: «تهامة» بجدة، ويقع في «549» صفحة، من الحجم العادي، طبع عام «1404هـ». ووضع الشيخ في آخره، فهرسا بتعقباته على من سبقوه، بلغت «123»، ما بين تعقيب، واستدارك، وتصحيف، ووهم، وتعليق، وخطأ لغوي، وفائدة، وتوجيه، وتنبيه.
وهو كتاب جليل، حافل بالتعليقات، والنقد، فضلا عن كثرة النقول في الموضوع.
قال الشيخ، الاديب: علي الطنطاوي رحمه الله في تقريظه لهذا الكتاب:
«هو خزانة علم، يجب ان يكون في كل بيت» أ.هـ.
26 «سير الصحابة»، ويقع هذا الكتاب في «اثني عشر» مجلدا بخطه، وهو في اصله برنامج كان يقدمه في «الاذاعة»، ثم توقف عنه.
27 «شواهد القرآن»، وهو من أعجب كتبه، وأمتعها، وهو في أصله برنامج يومي يقدمه في الاذاعة، ولم يكمل، وقد بلغ فيه الى المجلد السادس، وطبع منه المجلد الاول سنة: «1404هـ»، والمجلد الثاني سنة: «1409هـ».
28 «صفة الحجة النبوية»، طبع سنة: «1404هـ.
29 «الغزوات الأربع: بني قريظة بني النظير خيبر بني قينقاع» مطبوع.
30 «فتكات الأسد في مقاعد القتال بأحد» «229» صفحة، من الحجم العادي، نشرته «دار القبلة»، طبع سنة: «1405هـ».
31 «فصل أهل البيت وحقوقهم»، لشيخ الاسلام ابن تيمية، قدم له، وعلق عليه، وذلل عليه بأحاديث، ويقع في: «161» صفحة، من الحجم الصغير، نشرته : «دار القبلة»، سنة: «1405هـ».
32 «قوانين التصريف والعوامل النحوية»، طبعته «مطابع سحر»، سنة: «1416هـ».
33 «قيد الصيد»، طبع سنة: «1402هـ».
34 «كبوات اليراع»، طبع الجزء الاول سنة «1402هـ».
35 «كيف حج رسول الله صلى الله عليه وسلم» مطبوع.
36 «لجام الأقلام»، طبع في «تهامة»، عام: «1402هـ».
37 «لقلقة القمري»، ديوان شعر، لم يطبع.
38 «ما لقي رسول البرايا صلى الله عليه وسلم من الأذايا والبلايا»، نشرته «دار القبلة»، بدون تاريخ طبع، ولم يصدر منه سوى الجزء الاول فقط في «108» صفحة، من الحجم العادي.
39 «المستدرك».
40 «المنتخب من الصحيحين» جزء واحد، نشرته «دار القبلة».
41 «منتخب الصحيحين للنبهاني»، علق عليه، والنبهاني هو: يوسف بن اسماعيل النبهاني، وهو مطبوع.
42 «الموزون والمخزون»، نشرته: «تهامة»، سنة: «1402هـ».
43 «النحو والنحاة».
44 «الهوامش والتعليقات».
45 «وفود الاسلام»، طبع سنة: «1404هـ.
كما راجع الكثير من الكتب، منها:
«الرواة الذين وثقهم الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال»، لمحمد شحاذة الموصلي، طبع سنة: «1406هـ».
اضافة الى مشاركاته في: «التلفاز»، و«الاذاعة»، و«الاندية الأدبية»، و«المجلات»، و«الصحف»، وهي مشاركات علمية وأدبية، ومن ذلك برنامج قدم في التلفزيون عن «مادة الضحك في اللغة والأدب».
الكتب التي نسخها بيده
استفاد شيخنا رحمه الله أثناء رحلاته في أمور عدة، منها قيامه بنسخ الكثير من الكتب، إما له، أو بطلب من أبيه، ومما نسخه بيده: «المصنف» لعبد الرزاق، و«المصنف» لابن ابي شيبة، كاملين، و«انتقاض الاعتراض» للحافظ، كاملا، وهو رد الحافظ ابن حجر رحمه الله، على العيبي في شرحه للبخاري: «عمدة القاري»، و«المعجم» للطبراني، والجزء الاول من كتابي ابن عبد البر: «التمهيد»، و«الاستذكار»، ونسخ أجزاء من كتاب «العلل» للدار قطني.
ثناء من عرفوه
قال عنه محدث الديار المصرية، الشيخ: احمد بن محمد شاكر رحمه الله:
«هو بارقة في علم الحديث، والرجال، ناقد ذو فهم» أ.هـ.
وقال عنه الشيخ الباقوري:
«العلم ملء إهابه، والأدب يمشي في ركابه».
وقال عنه فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الغني خياط، امام وخطيب: «المسجد الحرام»، وعضو «هيئة كبار العلماء»، و«مجمع الفقه الاسلامي» رحمه الله:
«هو نادرة هذا الزمان في: اللغة، والحديث، والفقه» أ. هـ.
وقال أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري:
«هو مهر سباق، لا يبارى» أ.هـ.
كما أثنى عليه غيرهم من: العلماء، والأدباء، والمفكرين، أمثال:
عبد الرحمن المعلمي في مقدمة تحقيق «الإكمال» «1/50»، ومحمد عبد الرزاق حمزة، ومحمد نصيف، ومحمد سرور صبان، وحمد الجاسر، وعبد القدوس الانصاري، واحمد محمد جمال، وعبد العزيز الرفاعي، و...
ما تميز به الشيخ
ان كان لشيخنا باع في الحديث، والفقه، والتاريخ، والنحو، و.. الا ان علم «اللغة العربية» هو الذي تميز به من بين معاصريه، وهذا ما اشتهر به، ومؤلفاته ومقالاته وبرامجه الاذاعية تشهد بذلك، ولا أعلم ان احدا مثله في عصرنا في اللغة وعلومها، لا في الشعر والأدب، ولا النحو والصرف، ولا اللغة وفقهها. بل تميز الشيخ بكثرة استخدام شوارد اللغة وغريب الألفاظ، حتى انه ليكتب الرسالة الواحدة، ولا يستطيع أحد قراءتها من غير الرجوع الى معاجم اللغة الموسعة.
كل يؤخذ من قوله ويرد
كان للشيخ رحمه الله بعض المسائل قال فيها بقول ابن حزم رحمه الله، فسبب ذلك فجوة بينه وبين بعض معاصريه، وهذا نابع من انتسابه للمذهب الظاهري، في وقت لا نجد من ينتسب اليه، والشيخ يعلن ذلك، بل اختار لنفسه هذا الاسم: «أبو تراب الظاهري»، ولا يعرف الا به.
ومعروف لدينا نظر العلماء قديما وحديثا الى هذا المذهب، بل قد وسمه بعضهم بالشذوذ، ولم يعدوا خلاف ابن حزم رحمه الله في المسائل الإجماعية خرقا للإجماع، بل مر زمن حرقت فيه مؤلفاته، واكثر العلماء من الرد عليه، والقسوة عليه، اما في حياته، او بعد مماته، والى وقتنا هذا.ولاشك في ان ابن حزم امام مجتهد، من ائمة الدنيا، ومن نوادر ما عرف الزمان في العقل، والعلم، وكان يتوقد حكمة، وذكاء. ولعل من اشد ما اغضب الناس عليه، هو تشدده في القول بالظاهر، وتشدده في الرد على خصومه، ولا سيما: أبي حنيفة، ومالك رضي الله عنهما، بل اشتد النكير عليه، عندما قال عن الإمام: أبي عيسى، محمد بن سورة، الترمذي، صاحب: «السنن»: «مجهول»!.
ويعلم الله بأني لم ارد التنقص من قدر ابن حزم رحمه الله، فهو كما قلت من أئمة الدنيا، ولكن سقت هذا الكلام لأبين نظرة الناس اليه، ومن ثم نعلم سبب انتقاد بعض معاصري أبي تراب لانتسابه لهذا المذهب.
ولكن عند مجالسة الشيخ «أبي تراب»، ومناقشته في بعض المسائل يتبين أنه لا يقول بالظاهرية جملة وتفصيلا، بل يخالف ابن حزم في بعض المسائل. كما انه ذهب الى ما ذهب اليه عن اجتهاد، فإن اصاب فله اجران، وإن أخطأ فله أجر.
ولا أظن ان الخلاف في الفروع، يبرر الوقوع في أعراض المسلمين.
قصة وفاته
الشيخ مع كبر سنه، إلا أنّه قليل الحركة، بسبب اعتكافه في «خزانته»، وقد تعب في آخر حياته جدا، وتوالت عليه الامراض بسبب الشيخوخة، وفي صباح يوم السبت الموافق 21/2/1423هـ طلب من خادمه مساعدته للوضوء، وقد احس ببطء في حركته، وبعد عودته الى فراشه، شعر بأن قدميه توقفتا عن الحركة، بعدها لفظ أنفاسه الاخيرة، قابضا بأصابع كلتا يديه مشيرا بالسبابة، على الهيئة المعروفة عند ذكر الحي الذي لا يموت سبحانه. عندها اتصل الخادم بأخي الاستاذ علي الشمراني، والذي أحضر الطبيب، فأخبرهم بوفاة الشيخ رحمه الله.
وقد صلي عليه فجر يوم الاحد، ودفن بمقبرة المعلاة بمكة المكرمة.
وهكذا سقطت السارية العتيقة، والتي كبرت وارتفعت حتى أدركت أكثر من عصر.
نعم.. سقطت سارية عاشت في غير وقتها.
و«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول الا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا أبا تراب لمحزونون»، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الحي الذي لا يموت.
ملامح من سيرته
كان رحمه الله محباً للمجالسات، والمذاكرات العلمية، وهذا أهم ما يميزه.
كثير القراءة، ومتابع لأخبار الكتب، وكان كثيرا ما يتصل بي في «الرياض» ليسألني عن الجديد، فاشتريه له.
اذا غضب، فانه سرعان ما ينسى ويتسامح.
يحب سماع الفوائد العلمية، ولو ممن هم اصغر منه سنا، وأقل منه علما.
محب لطلاب العلم.
كريم جدا، ولا يرد لأحد طلبا.
محب للمزاح، والضحك، وقد سمعت منه قصصا طريفة، وغريبة، من اخبار المحدثين، او من نوادر الفقهاء، او من بلاهات المخرفين، وعندي من ذلك طرائف وغرائب.
كان يحب البسطون العكاز ويعدد في أشكاله، وألوانه، وجمع منه عددا.
كان له ثلاثة من الرفقة في آخر حياته، لا يملهم، ولا يملونه، وهم: أخي الاستاذ علي بن محمد الشمراني، موظف رسمي، والسيد: أحمد بن عمر البيتي، رجل أعمال، والكابتن الطيار: عمر بن محمد البيتي، في الخطوط السعودية، وكان الاول، يساعده بانجاز أعماله ومراجعاته، اما الثاني فكان يرافقه في سفراته العلاجية، مرافقا ومترجما.
ومن رفقائه القدماء والدنا الأستاذ: عبد الله بن عمر خياط، الكاتب المشهور، وصاحب «مطابع سحر» وكان كثير الثناء على معالي الاستاذ: مصطفى ادريس الذي وقف معه في بعض ازماته الدنيوية.
الجدير بالذكر أنّ «أبا تراب» ابن المحدث السلفي، الكبير: عبد الحق الهاشمي، المكي «1302 1394هـ»، صاحب المصنفات العديدة في: التفسير، والحديث، والفقه، ورأيت جلها بخطه، في مكتبة ابنه، منها: ثبت بمروياته كبير، وصغير، واقامة الدليل على أنّ اختلاف الأئمة في التحريم والتحليل لا يوجب التضليل، والتعليق الربيح على أبواب الجامع الصحيح، وتفسير القرآن والسنة، والحجر البقي لكسر الجوهر النقي، وخروج المكي الى الحرم، ورجال الموطأ والصحيحين، وشرح صحيح البخاري، وفتح العلي الخبير في شرح المسند الحنبلي الكبير، وفهارس مسند الامام احمد، وقمر الاقمار بما في البخاري من الأحاديث والآثار، ولب الألباب في تحرير التراجم والأبواب «على أبواب صحيح البخاري»، والمسند على الصحيحين، ومصنف الصحيحين، ووضع اليد بعد الركوع.

عبد الله بن محمد الشمراني
الرياض: ص . ب 103871 الرمز: 11616
shamrani45@hotmail.com

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...&threadid=2525
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
  #30  
قديم 06-09-03, 11:59 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 881
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

إنّ الله سبحانه وتعالى جعل لهذه الأمة خاصية ليست لغيرها ، وذلك بأن جعل ريادتها وقيادتها وعزها بعلمائها ، فإذا أخفر حق العلماء وأبرز غيرهم ضلت الأمة وهلكت ، وهذا ما بينه رسول الله كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال ( سمعت رسول الله يقول إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) ، وقيادة غير أهل العلم لهذه الأمة هي من مؤذنات الهلاك لها ومن أشراط الساعة ، وهذا ما بينه حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجة وغيرهما أن النبي قال ( إنها ستأتي على الناس سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة قيل وما الرويبضة ؟ قال السفيه يتكلم في أمر العامة ) ، ولقوله كما جاء في البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ، قال كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) وإن أعظم أمر يهم هذه الأمة هو أمر دينها ، فإذا أسند أمر هذا الدين للجهال بالعلم الشرعي فإن ذلك لهو الخسران المبين .

لذا وجب علينا كما روي عن رسول الله عند أبي داود وغيره من حديث عائشة ( أنزلوا الناس منازلهم ) ، وبما جاء عند أحمد من حديث عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ( ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ) ، ومن حق العالم أن يوصف بما هو أهل له من غير غلو في وصفه ولا إجحاف في حقه ، فإذا عُرفت منـزلته من العلم كان حرياً بالأمة أن تعرف حقه وتنـزله منـزلته وتتبعه فيما أصاب فيه .

ولقد دعاني للتعريف بفضيلة شيخنا أسباب هي :

أولاً : لقد رأينا في هذه الأيام أن صفة المشيخة أعطيت لمن ليس لهم فيها نصيب ، ووصف بالمجتهد من لا يعرف صحيح الحديث من ضعيفه ، وياليت الأمر وقف عند هذا الحد ، بل إنه تعدى حتى وصِف أهل الشر من العلمانيين والحداثيين وغيرهم من أرباب العقائد الفاسدة والعقول الدنسة بأنهم رواد المجتمع وقادة الشعوب ، وهذا لعمر الله إنه لظلم لهذه الأمة أن يصدّر فيها أمثال هؤلاء ، ولقد حرص العلمانيون على تقديم من يخدم مبادئهم وذلك بإضفاء الأوصاف الضخمة والعظيمة عليه ، حتى لو كان جاهلاً بدين الله إنما همهم أن يخدمهم ، فاختلط على الناس من هم أهل العلم والفضل ، ومن هم أهل الزيف والدجل ، فظنوا أن كل من صُدّر في الإعلام ووصف بالعالم بأنه كذلك .

ونجد بالمقابل بأن أهل العلم حقاً لا يذكرون ولا يرفع شأنهم ولا يثنى عليهم ولا يوصفون بما هم أهل له ، لا في الإعلام ولا في غيره ، إما تورعاً من أهل العلم ، وإما غفلة من الأمة عنهم وإضاعة لحقهم ، وإما كيداً لهم ومكراً بهم ، وإما حسداً لهم من أقرانهم ، فالحق الذي يجب القول به هو أن يبرز العلماء كل بحسب علمه و بلائه لهذا الدين ، ولا يهم الأوصاف والألقاب التي تعطى لهم ولا المناصب التي يتبوءونها ، فالعلم في الصدور والفهم في العقول ، وليس العلم بالألقاب ولا غيرها ، وبهذا تهتدي الأمة ويذوب أهل الضلال بكيدهم غماً وتسلم الأمة منهم ، علماً أنه لم يظهر في الإعلام من ليس بأهل للفتوى ولم يصدر الجهال ، إلا بخطأ منا فنحن الذين لم نبرز للناس العلماء فبحث الناس عمن يفتيهم فتصدر أهل الأهواء والضلال للفتوى ، ولو أننا أبرزنا علمائنا وذكرناهم بعلمهم لما حصلت هذه الانتكاسة في المفاهيم نسأل الله العافية.

ثانياً : كثير من العلماء على منـزلة رفيعة من العلم والفهم سواءً بمجالات العلم كلها أو بعضها ، ولو عرف الناس منـزلة علمه لكان ذلك حافزاً لهم أن يرحلوا إليه ، ويلتفوا حوله ليسمعوا منه ويسألوه ، وذلك خير لهم من سؤال الجهال الذين لن يهدوهم إلا إلى الهلاك ، ولقد رأيت سبباً أعتبره خطأً منهجياً تسببنا فيه وأضعنا به حقوق العلماء ، وهذا السبب هو أننا لا نعرّف بعلمائنا ولا نثبت حقوقهم ومنـزلتهم من العلم إلا بعد موتهم ، وهذا وإن كان دافعه عدم فتنة العالم أو تقليد الناس للأحياء والافتتان بهم ، إلا أن هذا ليس عذراً بأن يغفل حق العلماء في حياتهم ، لأننا نطلب من الناس أن يأخذوا العلم عن الأحياء ويقتدوا بهم فيما أصابوا فيه ، ولقد سمعت كثيراً من طلبة العلم ومن الناس أيضاً الذين قالوا بعد وفاة عالم من العلماء ، ياليتنا كنا طلبنا العلم عنده أو سمعنا منه ورحلنا إليه ، ومنشأ ذلك الندم أن تراجم هؤلاء الأعلام لم تكتب إلا بعد وفاتهم ولم تظهر منـزلتهم في العلم إلا بعدما ذهبوا ، فندم الناس على تفريطهم في مثل هذه العلوم ، فحرصت على البدأ بترجمة بعض علمائنا الأحياء ، ليعرفهم الناس وليقتدوا بهم فيما أصابوا فيه ، وليترك الناس بعض من لقبوا بألقاب ليس لهم منها إلا الأسماء ، راجياً من الله أن تكون هذه خطوة أولى يتابعني فيها بعض طلبة العلم ليظهروا فيها علم أهل الفضل والصلاح ، فإنا قد سئمنا من إصدار الألقاب على بعض من لا يستحقونها ، وسئمنا من تصدر الجهال ، وهذا راجع فيما أظن إلى ضعفنا في التعريف بعلمائنا .

والترجمة للعلماء في حياتهم ومدحهم بما فيهم ليس فيه محذور شرعي ، وقول الرسول كما رواه مسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم عن المقداد رضي الله عنه قال ( أمرنا رسول الله أن نحثي في وجوه المداحين التراب ) لا ينطبق على كل مدح ، قال الخطابي : المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه , فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه ، فليس بمداح " انتهى ويتضح هذا من فعل النبي فقد مدح أبا بكر ، ومدح عمر ومدح جمع من أصحابه في وجوههم لأنه كان يأمن عليهم الفتنة ويكلهم إلى دينهم .

قال ابن حجر في الفتح " قال ابن بطال : حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة ، فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالاً على ما وصف به ، ولذلك تأول العلماء في الحديث الآخر ( احثوا في وجوه المداحين التراب ) أن المراد من يمدح الناس في وجوههم بالباطل ، وقال عمر : المدح هو الذبح . قال : وأما من مُدح بما فيه فلا يدخل في النهي ، فقد مُدح وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجه مادحه ترابا .. ثم قال .. ولكن تبقى الآفة على الممدوح ، فإنه لا يأمن أن يُحدث فيه المدح كبراً أو إعجاباً أو يكله على ما شهره به المادح فيفتر عن العمل ، لأن الذي يستمر في العمل غالباً هو الذي يعد نفسه مقصرا ، فإن سلم المدح من هذه الأمور لم يكن به بأس ، وربما كان مستحبا " انتهى مختصراً .

وجنس المدح لا حرج فيه إذا كان بحقه لأن الرسول أذن في المدح كما جاء في الصحيحين عن ابن أبي بكرة عن أبيه قال ( أثنى رجل على رجل عند النبي فقال ويلك قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك مرارا ثم قال من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه ) ، فلم ينه الرسول عن المدح ولكن جعل لهذا المدح ضوابطاً .

وإن أحق الناس بالمدح هم العلماء لا سيما إذا تسبب ذلك المدح بحب الناس لهم والاقتداء بهم ونشر علمهم وكبت أهل الأهواء والبدع ، فكما قال ابن حجر أنه ربما كان مستحباً ، فقد يكون أيضاً واجباً إذا تعذر نشر العلم إلا بمدح أهله بما فيهم ، والعلماء من أكثر الناس أمناً على أنفسهم من المدح ، فعلمهم حصن لهم من الاغترار بما يمدحون به

ولكني أوصي كل من مدح أحداً من العلماء ألا يمدحهم بما ليس فيهم ، أو يجعل ذلك على حساب ذم غيرهم ، ولا أرى المفاضلات فيما بينهم لأنه يوغر الصدور بدون فائدة ، بل يذكر الحق عنهم ولا يعظم من منـزلتهم ويضفى عليهم ألقاباً لا يستحقونها ، كشيخ الإسلام والإمام وحجة العصر ومحيي الدين والمجدد وغيرها من الألقاب التي يسبقها شروط قبل إطلاقها على شخص ما ، ولا ضير بأن يوصف العالم بأنه إمام في الحديث و ليس بإمام في التفسير أو النحو ، أو يكون عالماً بالفقه دون الحديث ونحو ذلك ، فكل عالم له تخصصه ، ويوجد من العلماء من هو بحر في كل علم نسأل الله ألا يحرم الأمة منهم وأن يكثر من أمثالهم .

ثالثاً : ومما دعاني إلى التعريف بفضيلة شيخنا سليمان بن ناصر العلوان ، أني سبق وأن سألت فضيلة الشيخ حمود العقلاء عام 1416هـ عن الشيخ سليمان ، فقال لي لقد التقيت بكثير من الحفظة ، ولكني لم أر من جمع بين الحفظ والفهم إلا الشيخ سليمان فإني لا أعرف أحداً في المملكة يضارعه في ذلك ، فقلت في نفسي من الظلم ألا يعرف الناس عالماً كهذا .

رابعاً : لقد اطلعت على بعض ما كتب من تراجم في المنتديات الإسلامية في الإنترنت عن فضيلة الشيخ / سليمان بن ناصر العلوان ، فإذا بها قد اعتمدت على معلومات لم تنقل عن الشيخ نفسه ، وفيها من الخطأ ما يعرفه كل قريب من الشيخ إضافة إلى معلومات ليس للقارئ فيها فائدة ، وربما توغر الصدور لما فيها من مبالغة وكلام لا داعي له ، ولهذا السبب تحفزت لسؤال الشيخ حفظه الله عن ترجمة له يمليها علي ، ليستفيد منها القريب والبعيد طالب العلم وغيره ، وبحيث تكون موثقة وليس فيها شيء من كلمات المدح والإطراء بغير حق ، فاستجاب وأملى علي ترجمة مختصرة .


--------------------------------------------------------------------------------

ترجمة الشيخ

هو فضيلة الشيخ / سليمان بن ناصر بن عبد الله العلوان

ولد في مدينة بريدة ونشأ بها ، وكان مولده عام 1389هـ

ويكبره من الأخوة ثلاثة ذكور ودونه من الأخوة أيضاً خمسة ذكور

تزوج عام 1410هـ وله من الأبناء ثلاثة ذكور أكبرهم عبد الله وله من العمر تسع سنوات .

بدأ الشيخ في طلب العلم عام 1404هـ وله من العمر خمسة عشر سنة تقريباً ، و كان آنذاك في مرحلة الثالث متوسط ، وبعد التخرج من المتوسطة ، التحق بأحد المعاهد الثانوية لفترة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً ، وبعد ذلك قرر ترك الدراسة النظامية ، والتفرغ التام لطلب العلم الشرعي والتلقي عن العلماء ، ومطالعة الكتب ، فقد كان شديد الميل للحفظ والقراءة في علوم مختلفة ، ومنذ بداية طلبه للعلم وهو متفرغ له ويقضي أكثر يومه في الحفظ والمذاكرة والقراءة في الكتب .


--------------------------------------------------------------------------------

طريقة الشيخ في طلب العلم :

بدأ الشيخ أولاً بحفظ القرآن وفرغ منه عام 1407هـ ، وحفظ كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، و العقيدة الواسطية ، والفتوى الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، والبيقونية ، وكانت هذه المحفوظات في بداية الطلب ، وكان يقرأ حينها في كتب ابن تيمية وابن القيم والسيرة لابن هشام والبداية والنهاية لابن كثير ، ومؤلفات ابن رجب ، ومؤلفات أئمة الدعوة النجدية ، وكان الشيخ يتردد على مجموعة من المشايخ يحفظ عليهم بعض المتون على حسب تخصصاتهم ، وكانت الدروس يومياً عدا يوم الجمعة ، وكان يختلف في اليوم على أربعة من المشايخ وذلك بعد الفجر وبعد الظهر وبعد المغرب وبعد العشاء .

وكان حريصاً أشد الحرص على حفظ المتون العلمية في كل الفنون ، ولم يكن يحفظ المتن حتى يقرأ شرحه ويفهم معناه ، وفي الفقه كان يحرص على معرفة المذاهب الأخرى حتى بدأ بحفظ المذاهب الأربعة ، زيادة على ذلك اجتهادات واختيارات الإمام ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم .

وسألت الشيخ : كم ساعة تمضيها يومياً في القراءة هذه الأيام ؟ .

فأجاب : أقرأ في اليوم بما يزيد على خمسة عشر ساعة ، وهي موزعة بين الحفظ والمذاكرة والمطالعة .

ثم سألته : زيادة على قراءتك في كتب العقيدة والحديث والفقه والنحو ، هل كنت تقرأ في الكتب الفكرية للتعرف على أحوال العالم ومآسي المسلمين وما يحاك لهم من إفساد فكري وكيد عسكري ؟

فأجاب : قد كنت أقرأ هذه الكتب في بداية الطلب ، ومن أوائل ما قرأت كتاب واقعنا المعاصر لمحمد قطب ، والمخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام لمحمد الصواف ، وفي هذه الأيام أقرأ في هذه الكتب كثيراً ، وقد قرأت إلى ساعة كتابة هذه السطور ما يزيد على مئتي كتاب ، كما أني قرأت أهم الكتب في أصول الرافضة والزيدية والمعتزلة وغيرها من الفرق الضالة .

وسألت الشيخ : فقلت له لم تذكر شيئاً من كتب الأدب ، ومؤلفات الأدباء ، هل يعني أنك لا تقرأ فيها ؟ .

فأجاب : لا يعني هذا أني لم أقرأ في هذه الكتب ، فقد قرأت مؤلفات الجاحظ كلها ، والكامل للمبرد ، ومؤلفات ابن قتيبة وخزانة الأدب ، وشروح المعلقات السبع ، ومجموعة من دواوين الأدب المشهورة ، ونظرت في كتب كثيرة من مؤلفات المتأخرين ، وقرأت مؤلفات مصطفى الرافعي ، وبعض مؤلفات عباس العقاد ، والنظرات بأجزائه الثلاثة للمنفلوطي ، ومؤلفات محمود محمد شاكر ، وسيد قطب ، وآخرين من كبار أُدباء هذا العصر .

وسألت الشيخ : عن طريقة تدوينه للفوائد التي يقع عليها أثناء قراءته ؟

فأجاب : كنت في أثناء الطلب أخصص لكل كتاب أقرأه أوراقاً خاصة ألخص فيها أهم ما في الكتاب من مسائل وفوائد وإشكالات وغيرها ، أما هذه الأيام فإني لا أفعل ذلك بل ألخص الفوائد التي في الكتاب على صفحته الأولى فأكتب رأس المسألة ورقم الصفحة أمامها ، ليتسنى لي الرجوع إليها عند الحاجة .


--------------------------------------------------------------------------------

مشايخه وقراءاته

وقرأ الشيخ على بعض العلماء في القصيم وكان منهم :

1- فضيلة الشيخ الفقيه / صالح بن إبراهيم البليهي ،2- حفظ عليه كتاب التوحيد وعمدة الأحكام ،3- وقرأ عليه السلسبيل (المجلد الأول منه ) ،4- وبلوغ المرام ( إلى كتاب النكاح ) .

5- وفضيلة الشيخ / المحدث عبد الله الدويش ،6- حفظ عليه كتاب التوحيد كله ،7- والعقيدة الواسطية والفتوى الحموية والآجرومية .

8- وفضيلة الشيخ / عبد الله محمد الحسين أبا الخيل ،9- حفظ عليه نخبة الفكر ،10- والبيقونية والفتوى الحموية والرحبية وبلوغ المرام ،11- وقرأ عليه شرح الطحاوية وجامع الأصول لابن الأثير وصحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرها .

12- وفضيلة الشيخ / محمد بن سليمان العليط ،13- حفظ عليه الأصول الثلاثة ،14- وبعض زاد المستقنع وسلم الأصول لحافظ حكمي ،15- وفضل الإسلام لمحمد بن عبد الوهاب ،16- وقرأ عليه جامع العلوم والحكم لابن رجب وزاد المعاد لابن القيم وغيرها.

17- وفضيلة الشيخ / محمد بن فهد الرشودي ،18- حفظ عليه الورقات لابن الجويني ،19- وبلوغ المرام لابن حجر ،20- والمنتقى من أخبار المصطفى لمجد الدين أبي البركات ابن تيمية ،21- ومسائل الجاهلية لمحمد بن عبد الوهاب ،22- والكلم الطيب لابن تيمية ،23- والفوائد الجلية في المباحث الفرضية للشيخ ابن باز ،24- وغيرها كثير .

25- وفضيلة الشيخ / أحمد بن ناصر العلوان ،26- حفظ عليه الآجرومية ،27- وأكثر ألفية ابن مالك ،28- وقد حفظ من النحو أيضاً ملحة الإعراب .

29- وقد قرأ الشيخ أيضاً على مجموعة من طلبة العلم في بريدة وذلك في بداية الطلب ،30- وحفظ عليهم آداب المشي إلى الصلاة بجزأيه وكشف الشبهات والأصول الثلاثة .

وقد رحل الشيخ إلى المدينة النبوية عام 1413هـ

والتقى فيها بفضيلة الشيخ / حماد الأنصاري ، في بيته على وجه الزيارة فجرى معه بحث في بعض المسائل الحديثية ، فعرض عليه الإجازة ، فأجازه في الأمهات الست ومسند الإمام أحمد وموطأ مالك وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان ومصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة ، وأجازه أيضاً في تفسير ابن جرير وابن كثير ، وفي النحو أجازه في ألفية ابن مالك وبعض المؤلفات الفقهية وغيرها ، وسمع من الشيخ الحديث المسلسل بالأولية ( الراحمون يرحمهم الرحمن ..) وهو أول حديث يسمعه بالإسناد إلى رسول الله وكان ذلك بتاريخ 18/8/1413هـ

ورحل الشيخ إلى مكة مرات متكررة للعمرة والقراءة على علمائها .

وقرأ فيها على فضيلة الشيخ / محمد الأنصاري ، في أصول الفقه .

وقرأ فيها على فضيلة الشيخ / ابن صالح المالي ، في أوجز المسالك وفي شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك .

والتقى فيها بفضيلة الشيخ / عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي ، وطلب منه الإجازة وسمع منه بعض سور القرآن فأجازه برواية حفص عن عاصم ، وطلب منه سماع بعض محفوظاته لا سيما شيء من صحيح البخاري ، فأجازه في الأمهات الست والموطأ وفي تفسير ابن جرير وابن كثير وغيرها ، وكان ذلك أيضاً عام 1413هـ .

وقد أجاز الشيخ جمع كثير من أهل العلم ، وبعضهم كاتبه في ذلك ولم يره مثل الشيخ صالح بن أحمد بن محمد بن إدريس ، فقد أجازه في القرآن والأمهات الست وغيرها .


--------------------------------------------------------------------------------

وسألت الشيخ : عن معنى الإجازة التي أعطيت له من علماء مكة والمدينة في بعض الكتب ومنها الأمهات الست وما المقصود بها ؟

فأجاب : الإجازة من مطالب السلف الصالحين والرواية بها والعمل بالمروي بها مشهور بين الأئمة المحدثين ، وطلب الإجازة لإحياء رسوم الإسناد طريق معهود عند العلماء المحققين وهي أنواع :

1- منها أن يدفع الشيخ للطالب مروياته ومسموعاته بالأسانيد عن مشايخه ويجيزه برواية ذلك عنه .

2- ومنها أن يسمع الطالب من شيخه أحاديث يرويها بالأسانيد إلى رسول الله .

3- ومنها أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر أو غائب بخطه مقروناً بالإجازة كأجزتك بهذه المسموعات.

وفيه غير ذلك من أنواع الإجازة ، وقد تيسر لي الإجازة في الأنواع الثلاثة ، نسأل الله الإخلاص في القول والعمل.


--------------------------------------------------------------------------------

وسألت الشيخ : عن طريقة حفظه للأسانيد ؟

فأجاب : بأنه كان يحفظ الحديث بطرقه كلها فحين يريد حفظ حديث من صحيح البخاري كحديث عمر (( إنما الأعمال بالنيات )) فإنه يجمع طرقه في جميع مواطنه من الصحيح ثم يحفظها ثم ينتقل إلى صحيح مسلم وينظر في ملتقى الطرق ويضمها إلى أسانيد البخاري .

وإذا رأى الحديث في صحيح مسلم مروياً من طريق غير طريق البخاري فإنه يحفظه .

وإذا كان الحديث عند الأربعة فإنه يحفظ الإسناد من ملتقى الطرق عندهم وإذا اختلفت الأسانيد حفظها كلها .

وإذا كان في متن أحدهم زيادة على ما عند الآخر كزيادة تُروى في سنن أبي داود ولم يروها الثلاثة فإنه يحفظ طريق هذه الزيادة وهكذا يصنع في الأحاديث المسندة الأُخرى .


--------------------------------------------------------------------------------

وللشيخ من الكتب والرسائل :

1- تنبيه الأخيار على عدم فناء النار ، 2- الأمالي المكية على المنظومة البيقونية ، 3- التبيان في شرح نواقض الإسلام ، 4- شرح بلوغ المرام مطبوع بالحاسب ، 5- تنبيه الأمة على وجوب الأخذ بالكتاب والسنة ، 6- التوكيد في وجوب الاعتناء بالتوحيد ، 7 - الكشاف عن ضلالات حسن السقاف ، 8 - إتحاف أهل الفضل والإنصاف بنقض كتاب ابن الجوزي دفع شبه التشبيه وتعليقات السقاف ( طبع منه الآن مجلدان ) ، 9 - القول المبين في إثبات الصورة لرب العالمين ، 10 - مهمات المسائل في المسح على الخفين ، 11 - الإجابة المختصرة في التنبيه على حفظ المتون المختصرة ، 12- الاستنفار للذب عن الصحابة الأخيار ، 13- القول الرشيد في حقيقة التوحيد ، 14- الإعلام بوجوب التثبت في رواية الحديث 15- أحكام قيام الليل ، 16 - ألا إن نصر الله قريب ، 17 – مجمـوعـة رسائل وفتاوى .

وللشيخ بعض الكتب لم تطبع إلى الآن كفتح الإله شرح آداب المشي إلى الصلاة ( مجلدان مخطوطان ) ، الدرر حاشية نخبة الفكر ( مخطوط ) شرح كتاب التوحيد ، وشرح الأصول الثلاثة ، وشرح الرحبية في الفرائض ، والتعقبات على زاد المستقنع ، وحكم الصلاة على الميت الغائب ، وحكم الاحتفال بالأعياد وغيرها .

وقد بدأ الشيخ في التدريس والإفادة في بيته عام 1410هـ وفي عام 1411هـ انتقل للإفادة والتدريس في المسجد . وكانت الدروس طوال الأسبوع بعد صلاة الفجر والظهر والمغرب عدا يوم الجمعة .

وقدشرح من الكتب في الحديث صحيح البخاري ، وجامع أبي عيسى الترمذي ، وسنن أبي داود ، وموطأ مالك ، وبلوغ المرام ، وعمدة الأحكام ، والأربعين النووية ، وغيرها .

وفي المصطلح الموقظة للذهبي ومختصر علوم الحديث للحافظ ابن كثير وشرح السخاوي على ألفية العراقي .

وفي العلل : الجزء المطبوع من العلل لعلي ابن المديني والتمييز لمسلم وشرح ابن رجب على علل الترمذي .

وفي العقيدة شرح التدمرية ، والفتوى الحموية ، والعقيدة الواسطية ، وكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، والشريعة للآجري ، والسنة لعبد الله بن الإمام أحمد ، والسنة لابن نصر ، والإبانة لابن بطة ، والصواعق لابن القيم ، والنونية لابن القيم وغيرها .

وفي الفقه شرح زاد المستقنع ، ومتن أبي شجاع في الفقه الشافعي ، والروضة الندية لصديق حسن خان ، وحاشية الروض المربع لابن قاسم ، وعمدة الفقه لابن قدامة ، والرحبية في الفرائض ، والورقات في أصول الفقه ، ومراقي السعود وغيرها .

وفي النحو شرح الآجرومية ، والملحة ، وألفية ابن مالك .

وفي التفسير شرح تفسير ابن كثير ، وتفسير الجلالين ، وتفسير البغوي .

ثم أوقف الشيخ عن التدريس في المسجد عام 1417هـ لأسباب غير معروفة ولا يزال موقوفاً حتى اليوم .

وقد جرت محاولات ومساعي لإعادة دروسه ولم يحصل من ذلك شيء ، وقد كتب فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله إلى عدد من المسؤولين ، يطالبهم فيها بإعادة الدروس للشيخ وتمكين الناس من الاستفادة منه ، غير أن هذا لم يُجد وقوبل بالرفض ، وقد كان الشيخ ابن باز رحمه الله من قبل ذلك يحث الشيخ سليمان على الصبر وملازمة الدروس والتدريس ، ويثني على مؤلفاته وذلك في خطاب وجهه إليه ونصه :

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأبن المكرم فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان وفقه الله لما فيه رضاه وزاده من العلم والإيمان آمين .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد :

فقد اطلعت على بعض مؤلفاتكم وقرأت بعض ما كتبتم في الرد على ابن الجوزي والسقاف فسررت بذلك كثيراً ، وحمدت الله سبحانه على ما وفقكم له من فقه في الدين ، و التمسك بالعقيدة السلفية وتدريسها للطلبة والرد على من خالفها فجزاكم الله خيراً وضاعف مثوبتكم وزادكم من العلم والهدى ، وجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من عباده الصالحين وحزبه المفلحين ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، ونوصيكم بتقوى الله سبحانه وبذل الوسع في تعليم الناس العلم الشرعي وحثهم على العمل به والعناية بمسائل العقيدة الصحيحة وإيضاحها للطلبة ولغيرهم في دروسكم الخاصة والعامة ، وترغيب الناس من الطلبة وغيرهم في الإكثار من قراءة القرآن الكريم وتدبر معانيه والعمل به والعناية بسنة الرسول الثابتة عنه ، والاستفادة منها لأنها الوحي الثاني وهي المفسرة لكتاب الله والمبينة لما قد يخفى من معانيه ، سدد الله خطاكم وزادكم من العلم النافع والعمل الصالح وثبتنا وإياكم على الهدى وجعلنا وإياكم من حزبه المفلحين وأوليائه المتقين ومن الدعاة إليه على بصيرة إنه جواد كريم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ،،،

مفتي المملكة العربية السعودية

ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء

الرقم : 840/خ التاريخ 11/5/1417هـ

*ولقد لاقي الشيخ كغيره من العلماء معارضة على بعض فتاواه ، واتهم بأنه يذهب في بعض المسائل بخلاف الإجماع ، وكان يلاقي بسبب ذلك قسوة وشدة من أقرانه وآخرين ، وهذا مما جعله يزداد حماساً لتوضيح أقواله ونصرها بما بان له من أدلة الكتاب والسنة ، لا سيما دعوى مخالفته للإجماع ، فكان كثيراً ما يثبت أن بعض المسائل ليس فيها إجماع كما يدعى فيها وذلك بنقل بعض أقوال الأئمة التي تخالف دعوى الإجماع .

فسألت الشيخ : عما أثير حوله في بداية الإفادة بأن له مسائل شاذة يخالف فيها الإجماع ؟

فأجاب : كانت أهم هذه المسائل المثارة و الادعاءات في مخالفة الإجماع ، القول بأن الشخص صفة لله ، و القول بجواز قراءة الجنب للقرآن ، والقول بطهارة الخمر ودم الإنسان ، والقول بجواز التحلل من الإحرام برمي جمرة العقبة ، والقول بعدم وجوب الدم على من ترك واجباً أو فعل محظوراً في الحج أو العمرة في غير ما جاء به النص ، وغيرها من المسائل التي لم يصح في شيء منها إجماع . وإليك البيان :

أولاً : القول بأن الشخص صفة لله ، و المنازعة في ذلك من غرائب العلم وعجائب المسائل ، وأعجبُ من ذلك دعوى الإجماع ، وهم عاجزون عن نسبة ذلك إلى عالم معتبر ، والأحاديث ظاهرة في إثبات هذه الصفة لله تعالى ولا يخالف في ذلك أحد من أهل السنة ، قال المغيرة بن شعبة عن النبي قال ( لا شخص أغير من الله ) الحديث رواه أحمد ومسلم في صحيحه وقال البخاري في صحيحه ( باب قول النبي لا شخص أغير من الله ) وقال عبيد الله بن عمر عن عبد الملك ( لا شخص أغير من الله ) .

وقال القواريري ، " ليس حديث أشد على الجهمية من هذا الحديث .. " .

وفي حديث لقيط بن عامر قال النبي ( فتنظرون إليه وينظر إليكم ) قال لقيط وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه .. الحديث .

ورواه ابن خزيمة وعبد الله بن الإمام أحمد وصححه ابن مندة وقال " لا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة " وصححه ابن القيم ، وهو ظاهر في إثبات صفة الشخص لله تعالى ، وبينت ذلك بأكثر من هذا في كتابي إتحاف أهل الفضل والإنصاف بنقض كتاب ابن الجوزي دفع شبه التشبيه وتعليقات السقاف ، وكتابي الآخر القول المبين في إثبات الصورة لرب العالمين .

ثانياً : القول بطهارة دم الإنسان وطهارة الخمر ، فقد قلت بذلك لأنه لم يثبت دليل على نجاستهما ، والأصل في المياه الطهارة حتى يثبت دليل على خلاف ذلك .

أما نجاسة الخمر ، فقد ظن بعض الأخوة وجود إجماع على ذلك ، والأمر ليس كذلك ، فقد ذهب إلى طهارتها ، ابن سيرين والليث بن سعد واختاره كثير من المتأخرين وهو الصحيح ، لأنه الأصل ولا يجوز العدول عن ذلك بدون دليل .

ثالثاً : القول بجواز قراءة الجنب للقرآن ، وغاية ما في هذه المسألة أن يذهب الجمهور إلى منع الجنب من قراءة القرآن وهذا ليس بإجماع بالاتفاق ، والعلم ليس محصوراً بآراء الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الفقهاء السبعة .

وقد ذهب ابن عباس إلى جواز قراءة الجنب للقرآن رواه البخاري معلقاً ، وهو قول سعيد بن المسيب رواه عنه عبد الرزاق في مصنفه وسنده صحيح ، وقول سعيد بن جبير ورجحه داود والطبري وابن حزم وابن المنذر وروي عن مالك وهو ظاهر تبويب البخاري في صحيحه ، وقد كتبت في ذلك رسالة مطبوعة في مجلة الحكمة العدد الخامس .

رابعاً : القول بعدم وجوب الدم على من ترك واجباً أو فعل محظوراً ، فإن القول بوجوب الدم لم يقم عليه إجماع ، والأصل براءة الذمة وأموال المسلمين معصومة بعصمة دمائهم فلا يجب منها شيء إلا بدليل وهذا قول ابن حزم ونصره الشوكاني وغيره .

وقد دل الدليل على وجوب الدم أو ما ينوب عنه في خمسة مواضع دون ما عداها وهي :

1- فدية حلق الرأس وهي على التخيير .

2- دم الإحصار لعدو أو مرض .

3- فدية الوطء قبل التحلل الأول ثبت القول بهذا عن ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو ،4- ونقل الإجماع على ذلك ابن المنذر وابن عبد البر والقرطبي وابن قدامة والنووي وغيرهم .

5- جزاء قتل صيد البر للمحرم .

6- دم التمتع والقران .

فهذه هي مواضع إيجاب الدم ولا أقول بغيرها ، ولي رسالة مطولة في ذلك بسطت القول في هذه المسألة و أوردت بضعة عشر دليلاً عليها .

خامساً : القول بجواز التحلل برمي جمرة العقبة ، وهذا قول أكابر أهل العلم وهو أحد القولين عن عمر بن الخطاب ودعوى الإجماع على التحلل باثنين من ثلاثة غلط اتفاقاً .

فقد قال مالك وأبو ثور وعطاء إذا رمى جمرة العقبة حل له كل شيء إلا النساء ، قال الإمام ابن خزيمة وهو الصحيح ، ورجحه ابن قدامة في المغني .

وعلى كل حال فإني لا أعلم مسألة تفردت بها عن الأمة ولا خالفت فيها إجماعاً صحيحاً ، لكنني أبحث عن الحق والدليل ، فإذا لاح لي دليل صحيح لم يكن بُدّ من القول به ، وإن لم يذهب إليه إلا نفر يسير من أهل العلم ، وإن أمة وقوماً لا يذهبون إلى الدليل ويؤثرون الدعة والتقليد تهيباً من العامة والدهماء أو استيحاشاً من التفرد عن الجمهور لقوم محرومون ، فالأصل في العالم أن يقول الحق الذي يعلمه ووصل إليه اجتهاده .

وبعد كل هذا فإني أعترف بالتقصير ومهما بذلتُ وسعي واجتهادي فأنا عرضة للخطأ ، وأنا أرجع إلى الحق في كل شيء يبلغني دليله ، وأستغفر الله وأتوب إليه فيما أخطأت فيه ، فغايتي من القول بهذه المسائل وغيرها مما لم أذكره حماية الحق ومعرفة الصواب ، والعلم عند الله .

وسألت الشيخ : عما سمعنا عنه أنه سجن فما هي الأسباب وكم مكث في السجن ؟

فأجاب : سجنت بسبب رسالة كتبتها في بدعية الاحتفالات المقامة لتخريج حفظة القرآن الكريم ، فقد كانت وجهة نظري آنذاك أن هذا العمل لم يكن معروفاً في عصر النبي ولا عصر صحابته ولا فعله أحد من أئمة التابعين ولا الأئمة الأربعة على أنه انعقد سببه وقام مقتضاه في عصرهم ، وليس ثمّ مانع يحول بينهم وبين فعله وقد قال النبي ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه من حديث عائشة ، ومن قواعد أهل العلم وتقريرات الأصوليين أن ما تركه رسول الله وأصحابه من العبادات في حين وجود المقتضى للفعل وانتفاء المانع فهو بدعة ، وهذا مجرد اجتهاد قلته في حينه وقاله غيري ، وهو أمر لا يستحق التهويل والتضخيم والسعي بذلك إلى السلاطين للنيل من طلبة العلم والمجتهدين ، فلا يزال أهل العلم يختلفون فيما هو أعظم من ذلك ولا يعتدي بعضهم على بعض ، ولكنه أمر مضى فلا أُحب إعادة ذكرياته وملابساته وما جرى في ذاك الوقت ، وقد جعلت المتسبب في ذلك في حل مني ، والله المسؤول أن يعفو عن الجميع ويؤلف بين قلوبهم ، وكان مع الشيخ في هذه القضية بعض الإخوان فقبض عليهم ، وأودعوا السجن في الرياض لمدة ثمانية عشر يوماً وكان ذلك في آخر شهر ذي الحجة من عام 1407هـ .

أملى هذه الترجمة فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان

على أخيه في الله أبي محمد بناءً على طلبه وإلحاحه

وكان ذلك يوم السبت 27/4/1421هـ

والصلاة والسلام على رسول الله

وعلى آله وصحبه

أجمعين

http://www.islammessage.com/Al-Alwan/


--------------------------------------------------------------------------------

حبّر قصيدك واجن من ثمراته *** وانظم حلال السحر من أبياته

ترجم معاني الشكر للشيخ الذي *** بزّ الشيوخ ، وفاق كل لداته

شيخي سليمان بن علوان ..إلى *** درب الهدى يهدي مريد نجاته

الله أكرمه فأصبح آية *** في الحفظ والإتقان من آياته

يا شيخنا اثبت فالحياة قصيرة *** والعمر يحرق مسرعا ورقاته

لكم المحبة في القلوب أصولها *** رسخت تميز أصلها بثباته

سارت بذكرك في البلاد ركائب *** التوحيد إنك من إجل دعاته

أحييت من علم الحديث أصوله *** عمن تقدم من كبار رواته

وأخذت بالأمر القديم وحبذا *** قدم المبادىء دون مبتدعاته

وبذلت نفسك للجهاد مجاهدا *** والله إنك في ذرى قاداته

وهجرت أبواب الملوك بعزة *** فحباك مالكهم جزيل هباته

هب أنهم منعوك هل في وسعهم *** أن يمنعوا عن قلبكم لذاته؟

أو يمنعوا مدد الإله وفضله *** عنكم وجزل عطائه وصلاته؟

ففداك كل منافق ومداهن *** العلم سلمه إلى شهواته

إبليس جنده لخدمته متى *** مااحتاج صوتا كان من أصواته

خلت الديار فما بهن مناصر **** للدين منتصب لدحر عداته

إلا بقية ثلة منصورة *** قد زادها الرحمن من رحماته

سلكوا على نهج عليه أئمة ال *** إسلام من ساداته وثقاته

هذامن الشعرالذي قدكان في ال *** إمكان فاقبله على علاته

الله يرفع قدركم في هذه ال *** دنيا ويوم الدين في جناته


أبو سعد الأزدي (عبد الله الدوسري)

http://www.saaid.net/Warathah/1/Al-Alwan.htm
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
موضوع مغلق

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:54 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.