ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #21  
قديم 17-08-19, 12:18 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 148
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

والاعتراض السَّادِسُ: النّسخُ وَهُوَ مِن ثَلَاثَةِ أوجهٍ:
أحدها: أن ينقل النّسخ صَرِيحًا.
كاستدلال الشَّافِعِي فِي إيجاب الْفِدْيَة على الْحَامِل والمرضع بقوله تَعَالَى: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طعام}.
فَيَقُول الْحَنَفِيّ: قد قَالَ سَلمَة بنُ الأكوعِ: إنها مَنْسُوخَةٌ بقولِه تَعَالَى: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه}.
وَالْجَوَاب: أن يبين أنها نُسِخَتْ إلَّا فِي الْحَامِل والمرضِعِ.
وَالثَّانِي: أن يدَّعي نسخهَا بِآيَة مُتَأَخِّرَة.
مثل أن يسْتَدلَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَنّ وَالْفِدَاء بقوله تَعَالَى: {فإمَّا منًّا بعدُ وَإِمَّا فدَاء}.
فَيَقُول الْحَنَفِيُّ: قد نُسِخَ بقوله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} لأَنَّها مُتَأَخِّرَةٌ.
وَالْجَوَاب: أن يجمع بَين الآيتين فيستعمل كلَّ وَاحِدَةٍ فِي مَوضِعٍ، وإذا أمكن الْجمع لم يجز دَعْوَى النّسخ.
وَالثَّالِث: أن يدّعي نسخهَا بِأَن ذَلِك شرعُ من قبلنَا.
كاستدلال الشَّافِعِي فِي وجوب الْقصاص فِي الطّرف بَين الرجل وَالْمَرْأَة بقوله تَعَالَى: {والجروح قصاص}.
فَيَقُول الْحَنَفِيّ: هَذَا إخبار عَن شرع من قبلنَا وَقد نُسخ ذَلِك بشرعنا.
وَالْجَوَاب: أن شرع من قبلنَا شرعٌ لنا، أوْ يَدُلَّ على أن ذَلِك شرعٌ لنا أيضا لأن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي امْرَأَة قلعت سنّ امْرَأَة: كتابُ اللهِ الْقِصاصُ. وأرادَ بِهِ هَذِه الآيةَ.

أقول: الاعتراض السادس على دليل المستدل هو النسخ ويقع على وجوه:
الأول: أن ينقل المعترض النسخ صريحا بخبر.
مثاله: استدلال أصحابنا على وجوب الفدية على الحامل والمرضع في الصيام بقوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين. فيقول الحنفي([1]) : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه. والدليل عليه ما روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما نزلت: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين. كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
والطريق في الجواب عن ذلك أن يبين أن النسخ إنما حصل في حقّ غير الحامل والمرضع. لما روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في هذه الآية: أثبتت للحبلى والمرضع. أي لم تنسخ.
والدليل عليه هو أنه تعالى قال: فمن شهد منكم الشهر فليصمه. وهذا يقتضي انحتام الصوم، ولا خلاف أن الصوم لا يتحتم على الحامل والمرضع بل هما مخيران بين الصوم والفطر كما كانتا. فدل على أن الآية إنما نسخت في حق غيرهما.
الثاني: أن يدعي النسخ بآية متأخرة.
مثاله: استدلال أصحابنا في جواز المنّ والفداء في أسرى المشركين بقوله تعالى: فإما منّا بعد، وإما فداء. وهذا نصّ في جواز المنّ والفداء([2] )
فيقول الحنفي: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين. لأن هذه الآية في سورة براءة، وهي آخر سورة نزلت؛ فكانت ناسخة لما قبلها.
والجواب: أن يبين أنه لا تجوز دعوى النسخ مع إمكان الجمع، وها هنا يمكن الجمع بين الآيتين بأن تحمل إحداهما عليه إذا رأى الإمام المصلحة في قتلهم، والأخرى إذا رأى المصلحة في المنّ والفداء بهم.
فالجمع بين الآيتين أولى من النسخ؛ لأن النسخ إسقاط والجمع استعمال، فكان الجمع أولى.
الثالث: دعوى النسخ بأنه شرع من قبلنا.
مثاله: استدلال الشافعي في وجوب القصاص في الأطراف بين الرجل والمرأة([3] ) بقوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص.
فيقول الحنفي: هذا إخبار عن شرع من قبلنا، وقد نسخ ذلك بشرعنا فلا يجوز التعلقّ به.
والجواب عن هذا بما يلي:
أولا: أن يقول: إن شرع من قبلنا شرع لنا أيضا ما لم يثبت نسخه. وهو مذهب بعض أصحابنا.
ثانيا: أن يبين أن هذه الآية محكمة في شرعنا معمول بها. والدليل عليه: أن الرُّبَيِّع بنت النضر كسرت سن جارية، فقال النبي: صلى الله عليه وسلم: كتابُ اللهِ القصاصُ. رواه البخاري ومسلم. فأشار في إيجاب القصاص إلى هذه الآية؛ فدل على أن الآية محكمة في شرعنا. الملخص في الجدل بتصرف.

([1] ) مذهبهم وجوب القضاء عليهما فقط.

([2] ) مذهب الشافعية أن الإمام مخير في الأسرى بين أحد أربعة أمور: إما القتل، وإما الاسترقاق، وإما الفداء بمال أو أسرى، وإما أن يمن عليهم بدون مقابل.
ومذهب الحنفية أن الإمام مخير فيهم بين أمرين: إما القتل، وإما الاسترقاق. وليس له أن يفادي بالمال أو يمنّ. وأن قوله تعالى: فإما منّا بعد وإما فداء. منسوخ بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.

([3] ) مذهب الشافعية والجمهور أن القصاص في الأطراف يجري بين الرجل والمرأة فلو أن رجلا قطع كف امرأة قطعت كفه.
ومذهب الحنفية أن شرط القصاص التكافؤ، فلا قصاص فيما دون النفس بين الرجل والمرأة؛ لأن الأطراف عندهم كالأموال، ودية المرأة نصف دية الرجل.
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 19-08-19, 07:05 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 148
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

والاعتراض السَّابِع التَّأْوِيلُ. وَذَلِكَ ضَرْبَان:
تَأْوِيل الظَّاهِر. كاستدلال الشَّافِعِي فِي إيجاب الإيتاء بقوله تَعَالَى {فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم}.
فيحمله الْحَنَفِيّ على الِاسْتِحْبَاب بِدَلِيل.
وَالثَّانِي: تَخْصِيص الْعُمُوم. كاستدلال الشَّافِعِي فِي قتل شُيُوخ الْمُشْركين بقوله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} فيخصصها الْحَنَفِيّ فِي الشُّيُوخ بِدَلِيل.
وَالْجَوَاب: أن يتَكَلَّم على الدَّلِيل الَّذِي تَأَول بِهِ أوْ خصّ بِهِ ليسلم لَهُ الظَّاهِر والعموم.

أقول: الاعتراض السابع: التأويل وهو: صرف اللفظ عن معناه المتبادر بدليل. وهو نوعان: تأويل الظاهر، وتخصيص العام.
فأما تأويل الظاهر فمثاله: استدلال الشافعي في إيجاب إيتاء العبد في الكتابة شيئا من المال بقوله تعالى: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم. فيقول: آتوهم أمر وهو يقتضي الوجوب.
فيقول الحنفي: هو هنا للاستحباب ويحتج بقرينة كأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما عبد كاتب على مائة أوقية([1] ) فأداها إلا عشرة أواق فهو عبد وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد. رواه أبو داود. قالوا: وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يستحق على المولى حط شيء من مال الكتابة، فبهذا الحديث تبين أن المراد من الأمر بالآية هو الندب.
والجواب عنه بالتكلم على الدليل الذي تأول به الظاهر ليسلم له الظاهر، كأن يقول: نحن نقول بهذا الحديث وإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولسنا نعين قدرا من المال يعطيه المولى لمكاتبه بحيث إن بقي عليه بقدره أعتق.
وأما تخصيص العام فمثاله: استدلال الشافعي في قتل شيوخ وعجائز المشركين([2]) بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين. والمشركون: لفظ عام يعمّ كل مشرك.
فيقول الحنفي: أنا أخص منه الشيوخ، والدليل عليه: ما جاء في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقتلوا شيخا فانيا.
والجواب عن هذا بالتكلم على الدليل الذي خصّ به العام فيسقطه ليسلم له العام. كأن يقول حديث أبي داود ضعيف وهو معارض بحديث الترمذي مرفوعا: اقتلوا شيوخ المشركين. فلا يقوى على تخصيص ظاهر القرآن.

([1] ) وهي أربعون درهما.

([2] ) مذهب الشافعية هو قتل كل مشرك لشركه إلا النساء والصبيان. وذهب الجمهور إلى عدم جواز قتل الشيوخ إلا إن قاتلوا.
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 21-08-19, 01:40 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 148
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

والاعتراض الثَّامِن الْمُعَارضَة. وَهُوَ ضَرْبَان: مُعَارضَة بالنطق، ومعارضة بِالْعِلَّةِ.
فالمعارضة بالنطق مثل: أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي تَحْرِيم شعر الْميتَة بقوله تَعَالَى: {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة}
فيعارضه الْحَنَفِيّ بقوله تَعَالَى: {وَمن أصوافها وأوبارها وَأَشْعَارهَا أثاثا ومتاعا إِلَى حِين}
الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن:
أحدهما: أن يتَكَلَّم على الْمُعَارضَة بِمَا يعْتَرض بِه لو استدل به ابتداء.
أوْ يرجح دَلِيله على الْمُعَارضَة.
وإن كَانَت الْمُعَارضَة بعلة تكلم عَلَيْهَا بِمَا يُتكلم على الْعِلَل ليسلم دَلِيله.

أقول: الاعتراض الثامن هو المعارضة وهي: مقابلة دليل الخصم بدليل آخر. وهي نوعان:
الأول: معارضة بالنطق- من كتاب وسنة- كأن يستدل المستدل بآية من كتاب الله فيقابله السائل بآية أخرى.
مثاله: استدلال الشافعي في تحريم الانتفاع بشعر الميتة بقوله تعالى: حرمت عليكم الميتة. ولم يفرق بين الشعر وغيره.
فيعارضه الحنفي بجواز ذلك مستدلا بقوله تعالى: ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. ولم يفرق بين ما يؤخذ في حال الحياة وبين ما يؤخذ بعد الموت.
والجواب عن المعارضة بوجهين:
أحدهما: أن يتكلم على المعارضة كما لو أنها ذكرت ابتداء أي كما لو أنها حجة مبتدأة لم تذكر على وجه المعارضة، فلو أن الحنفي ابتدأ بالآية السابقة كدليل له على مسألته، فحينئذ للشافعي أن ينظر فيها بما ذكرناه من الاعتراضات السبعة المتقدمة كالتأويل أو الإجمال([1] )
وثانيهما: أن يرجح دليله على المعارضة كأن يقول هنا: إن التمسك بآيتنا أولى لأنها وردت لبيان المحرم، وأن الميتة محرمة علينا، ووردت الأخرى للامتنان بما أُحل لنا. فالأولى أولى لأنها قصدت لبيان الحكم.
الثاني: المعارضة بالقياس كأن يخصص آية المستدل بالقياس، أو يصرف ظاهرها به.
مثاله: استدلال الشافعي في قتل شيوخ المشركين بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين
فيقول المخالف معارضا: لا يجوز قتل شيوخ الكفار لأنهم ليسوا من أهل القتال كالنساء.

والطريق في الجواب أن يتكلم على العلة بما يسقطها من الوجوه التي سيأتي ذكرها في باب القياس ليسلم له الظاهر والعموم كأن يقول: هذه العلة مخالفة للنص على قتل شيوخ المشركين الوارد في حديث الترمذي السابق.

([1] ) أجاب أصحابنا كما في المجموع: إنها محمولة على شعر المأكول إذا ذكي أو أخذ في حياته كما هو المعهود. ولكن ذكر الإمام أبو إسحاق في الملخص ما نصّه: فليس للمستدل أن يحمل آية السائل على ما يؤخذ في حال الحياة بدليل آيته الخاصة إلا وللسائل أن يحمل آية المستدل على غير الشعر بدليل آيته الخاصة في الأشعار. اهـ
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 22-08-19, 12:21 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 148
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

بَاب الْكَلَام على الِاسْتِدْلَال بِالسنّةِ
وَذَلِكَ من ثَلَاثَة أوجهٍ:
أحدها: الرَّد.
وَالثَّانِي: الْكَلَام على الإسناد.
وَالثَّالِث: الْكَلَام على الْمَتْن.
فأما الرَّد فَمن وُجُوهٍ:
أحدها: ردُّ الرافضةِ. وَذَلِكَ مثل ردهم أخبارنا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وإيجاب غسل الرجلَيْن، فقَالُوا: هَذِه أخبار آحاد وَنحنُ لَا نقُول بِهِا.
والْجَوَابُ من ثَلَاثَةِ أوجهٍ:
أحدها: أن نقُول: أخبار الآحاد أصل من أصول الدّين؛ فانْ لم تسلِّمُوا نقلنا الْكَلَام إليه.
وَالثَّانِي: أن نقولَ: إنَّ هَذَا تَوَاتر من طَرِيق الْمَعْنى فإن الْجَمِيع مُتَّفق على الدّلَالَة على الْمسْح على الْخُفين وإيجاب غسل الرجلَيْن، وإن كَانَ فِي كل قضيَة مِنْهَا خبر الْوَاحِد فَوَقع الْعلم بهَا كالأخبار عَن شجاعة عَليّ وسخاء حَاتِم.
وَالثَّالِث: أن يناقضوا فِيمَا خالفونا فِيهِ فإنهم أثبتوها بأخبار الآحاد.

أقول: قد مضى الكلام في الاستدلال بالكتاب والاعتراض عليه والجواب عنه، والكلام ها هنا في بيان وجوه الاعتراض على السنة والجواب عنه فنقول:
الاعتراض على السنة يتأتى من ثلاثة أوجه: من جهة الرد أي رد الخبر لكونه خبر آحاد، ومن جهة الإسناد، ومن جهة المتن.
فأما من جهة الرد فيقع على أنحاء:
الأول: رد الشيعة الإمامية أخبار أهل السنة في المسح على الخفين، وفي وجوب غسل الرجلين. فقالوا: هذه أخبار آحاد ونحن لا نقول بها.
والجواب من ثلاثة وجوه:
أحدها: أن نقول: أخبار الآحاد أصل من أصول الدين يثبت بها الأحكام الشرعية؛ فإن لم تسلموا ذلك نقلنا الكلام إليه، أي انتقلنا لإثبات أن أخبار الآحاد حجة وطريق من طرق إثبات الأحكام فنستدل بقوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قوهم إذا رجعوا إليهم لعلم يحذرون. وقوله تعالى: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا. فدل على أن العدل يقبل قوله، وغيرها من الأدلة الواضحة الدالة على قبول خبر الواحد.
ثانيها: أن نمنع أنها أخبار آحاد فإنها متواترة تواترا معنويا فإن جميع تلك الروايات متفقة على مسح الخفين وأنه صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه، وعلى إيجاب غسل الرجلين في الوضوء، وإن كان كل حديث وقضية خبر واحد بمفرده، فيحصل العلم بمجموعها علما قطعيا، وذلك نظير الأخبار عن شجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم حاتم الطائي فإن كل خبر منفردا يفيد الظن، ولكن بمجموعها يحصل التواتر والعلم.
ثالثها: أن يُناقضوا فيما خالفونا فيه من المسائل مما أثبتوه بأخبار الآحاد في أبواب الطهارة والصلاة والزكاة وغيرها مما هو مدون في كتبهم. فيقال حينئذ: هذا تناقض منكم كيف تعترضون على إثباتنا لتلك الفروع بأخبار الآحاد- إن سلمنا أنها ليست متواترة- ثم تثبتون تلك الأحكام بخبر الآحاد!
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 23-08-19, 09:24 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 148
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

وَالثَّانِي: ردُّ أصحابِ أبي حنيفَة فِيمَا يعمُّ بِهِ الْبلوى.
كردِّهمْ خبرنَا فِي مسِّ الذّكرِ، قَالُوا: مَا يعمُّ بِهِ الْبلوى لَا يقبلُ فِيهِ خبرُ الْوَاحِدِ.
وَالْجَوَابُ: أن عندنَا يقبلُ، فإنْ لم يُسلِّمُوا دلَّلْنا عَلَيْهِ.
ولأَنهم عمِلُوا بِهِ فِي: الْمَنْع مِنْ بيعِ دورِ مَكَّةَ، وإيجابِ الْوترِ، وَالْمَشْي خلفَ الْجِنَازَةِ.

أقول: الرد الثاني لخبر الآحاد هو ردّ الحنفية قالوا: المسألة إذا كانت مما تعمّ بها البلوى لا نقبل فيها خبر الواحد. توضيحه: إن من الأحكام ما تعمّ به البلوى([1] ) وهو: ما يحتاج كل أحد إلى معرفته. أي أن كل المكلفين أو أغلبهم يحتاجون إلى معرفة ذلك الحكم الشرعي للعمل به فعلا أو تركا لتكرر وقوعه وذلك مثل: أحكام الوضوء ونواقضه والصلاة ومبطلاتها والصوم ومفطراته ونحوه.
فإذا علم هذا فقد ذهب الحنفية إلى أن خبر الواحد فيما يتكرر وقوعه وتعمّ به البلوى لا يقبل دون تلقي الأمة له بالقبول؛ لأن ما تعم به البلوى يكثر سؤال الناس عنه لشدة احتياجهم إليه فتقتضي العادة نقله نقلا متواترا لتوفر الدواعي على نقله.
وذهب الجمهور إلى قبول خبر الواحد إذا صح سنده لا فرق بين ما عمت به البلوى وما لا تعم به البلوى.
ومن أمثلة ذلك ردّ الحنفية حديث: من مسّ ذكره فلا يصل حتى يتوضأ. رواه الترمذي وغيره. لأن الحكم الذي تضمنه مما تعم به البلوى فلا يقبل فيه خبر الواحد وهو بسرة بنت صفوان.
والطريق في الجواب:
1- أن يبين أنه عندنا يقبل؛ فإن لم يسلموا صحة ما ذهبنا إليه نقلنا الكلام على هذا الأصل وتكلمنا في إثباته فنقول: إن الله تعالى قال: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا. فدل على لزوم العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا سواء أكان فيما تعم به البلوى أم لا. وأيضا فقد رجع الصحابة إلى حديث عائشة وحدها في وجوب الغسل عند التقاء الختانين كما في صحيح مسلم وهو مما تعم به البلوى.
2- أن يناقضوا فيقال: فأنتم أنفسكم قد عملتم بخبر الواحد في مسائل مما تعم بها البلوى فمن ذلك:
إيجاب الوتر بحديث: إن الله زادكم صلاة وهي الوتر. رواه أحمد.
استحباب المشي خلف الجنازة([2] ) استدلوا فيه بحديث للترمذي: الجنازة متبوعة ولا تتبع وليس منها من تقدمها.
المنع من بيع دور مكة([3] ) استدلوا فيه بحديث ضعيف رواه البيهقي: مكة مُناخٌ لا تباع رِباعها ولا تؤاجر منازلها. مناخ أي محل للمناخ أي إبراك الإبل ونحوها والرباع أي المساكن.



([1] ) العموم في اللغة بمعنى الشمول، والبلوى هي الاختبار والامتحان أي شمول الاختبار والتكليف بالفعل لعموم المكلفين.
([2] ) مذهب أصحابنا أن المشي أمام الجنازة أفضل.
([3] ) مذهبنا جواز بيع دور مكة وتأجيرها.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:23 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.