ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-07-14, 07:38 PM
تيسير الغول تيسير الغول غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-12-10
الدولة: الأردن
المشاركات: 236
افتراضي اشارات تفسيرية في سورة القدر

اشارات تفسيرية في سورة القدر
د. تيسير الغول

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
من المعلوم أن كلمة القدر تعني المكانة الشريفة ذات القدر والمنزلة العالية الرفيعة . والمتأمل بالسورة يجد أنه لم يسطر فيها الا التشريف والعلو والعظمة وبما يتناسب مع اسمها التوقيفي المعجز .

.ذكرت السورة ليلة القدر في الايات الثلاث الاولى منها . وذكرت على سبيل الغائب في الآية الرابعة (تنزل الملائكة والروح "فيها") وذكرت ايضا باسلوب الغائب في الآية الخامسة(سلام "هي"). وبذلك تكون ليلة القدر قد ذكرت في كل الايات التي في السورة. وهذا يتوافق مع جل شأنها ومكانتها وقدرها الذي لم يغفل عنه لا لفظا وكلاما ولا مكانة وشرفا ومنزلة.
ومن المعلوم ان التكرار عند الكتاب والمؤلفين واهل الكلام يدل احيانا على العجز التعبيري او في عدم القدرة على ايصال المعنى المراد فيتخبط الكاتب وتتعثر به الكلمات فيلجأ الى التكرار الممل العاجز. ولكن انظر الى التكرار هنا في كلام الله تعالى. تمعن بالايات الثلاث الاولى التي تكررت فيها كلمة "ليلة القدر". لا بد انك ستجد حلاوة التشويق الممتع الذي يتدرج بك الى الفكرة الرئيسية والبشرى العظيمة والجائزة الفريدة وهي عبادة الف شهر.تأمل وأنت تقرأ : "وما أدراك ما ليلة القدر" ألا تتذوق ذلك الاستفهام التشويقي الممتع البديع ؟ اليست جائزة بهذا الحجم والكم والعظمة تحتاج الى تدريج وتشويق وتكرار غير ممل ولا عاجز؟؟اليست عبادة تقدر بأكثر من ثمانين سنة يليق بها هذا التشويق والتهيئة ؟ انه كلام الله تعالى العظيم الذي لا يأتيه الباطل .

نزول جبريل عليه السلام في تلك الليلة .

ومن المعلوم أيضاً ان جبريل عليه السلام افضل الملائكة واعظمهم منزلة عند الله . فما الحكمة في ذكر الملائكة قبل جبريل في قوله تعالى: (تنزل الملائكة والروح ).
الحكمة في ذلك والله اعلم . ان كثرة الاتباع تدل على شرف المتبوع ومكانته وعظمته فيقولون جاء موكب الملك . فيذكرون الموكب قبل الملك لانه يتبع له ويزيد من شرفه وعظمته وجلاله. وقد ذكر الله تعالى الملائكة بصيغة الجمع للتكثير وذكر جبريل وهو الروح الامين للتبجيل والتعظيم لهذه الليلة المباركة. وكل هذه المعاني تعطي مدلولا واحدا وهو منزلة هذه الليلة ومكانتها العظيمة عند الله تعالى.

أما نزول جبريل عليه السلام سيد الملائكة في تلك الليلة دون غيره من كبار الملائكة فإن ذلك يعني المزيد من التشريف والتعظيم فقد اعتاد الملوك والرؤساء اذا ارادوا ان يرسلوا رسالة مهمة ذات شأن مهم أو بالع الخطورة على الدولة اعتادوا ان يرسلوها مع افضل الدبلوماسيين واكثر الاشخاص حنكة ودراية وعلما بشؤون الدولة واكثرهم علما ومكانة وسمعة بين الدول. ولله المثل الاعلى فقد كان جبريل عليه السلام هو المؤهل الاول لتلك المهمة الشريفة لحضور تلك الليلة العظيمة وتدوين تقرير مفصل عنها ورفعه الى رب العزة ليختم الله تعالى تلك الليلة المباركة بالسلام والامن والخير والبركة.

وانظر أيضاً الى صيغة الضمير الغائب في قوله تعالى "والروح فيها" واشارتها الى تلك الليلة المباركة تجد فيها ايضا لمسة ابداعية فريدة وهمسة بيانية ساحرة تصب في نفس النهر لترسي معنىً قائما فريدا كاملا كما ترسي السفينة العظيمة دعائمها في عباب البحر اللجي.

قوله تعالى "انا انزلناه"

هاء الضمير تعود هنا الى القرآن الكريم أي انا انزلنا القرآن في ليلة القدر . والتفاسير تقول ان الله تعالى أنزله دفعة واحدة من اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا ثم نزل بعد ذلك مقطعا عبر 23 سنة من حياة النبي عليه الصلاة والسلام .
والآن لماذا قال انزلناه ولم يقل انزلنا القرآن ؟؟
والجواب هو أن العرب في كلامها تأتي أحياناً بضمير الغائب من أجل التعظيم من شأن الغائب ورفع مكانته . فتقول العرب ذاك هو الذي ينتصر ولا يُهزم يعطي ولا يبخل . ويقصدون بذلك أميرهم وسيدهم . يستبدلون اسمه بصفات جليلة كبيرة عظيمة . والقرآن العظيم أنزله الله تعالى في ليلة عظيمة ذات تشريف ومكانة عنده سبحانه فأخفى الاسم الصريح وأظهر يوم النزول العظيم ذو القدر الشريف ليتناسب الاسم العظيم مع مسمى اليوم العظيم .

قوله تعالى "تنزل الملائكة "
ما الفرق بين أنزل ونزل ؟
أنزل ونزل كلمتان من جذر واحد . ولكن لكل دلالاته الخاصة الدقيقة . فكما ذكرت سابقا أن الله تعلى أنزل القرآن دفعة واحدة من اللوح المحفوظ . وعلى ذلك فإن كلمة أنزل تعني النزول مرة واحدة أو دفعة واحدة . أما نزل فإنها تعني التتابع والتدافع في غالب الاحيان "وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا". مما يدل على كثرة الملائكة التي تنزل من السماء وهي تترى في تلك الليلة المشهودة فتعطي تلك الكلمة صورة ذات مشهد خاص مليء بالحركة والهبوط الملائكي السماوي العظيم.

قوله تعالى(باذن ربهم)

هذه الجملة المعترضة. لها مهمة خاصة وجليلة تتضح صورتها في النظر بإمعان الى تركيبها الفريد. فكما هو معلوم فانه لا يتحرك ساكن ولا يسكن متحرك الا بإذن الله تعالى .فما حكمة وفائدة تلك الجملة التي تؤكد على اذن الله تعالى وارادته في انزال جبريل عليه السلام وصحبه من الملائكة الكرام؟.
الحكمة في ذلك والله تعالى اعلم هي في تدوير ذهن القارئ بعظمة المرسل وفخامة الرسول ومكانة محتوى وفحوى الرسالة فان الله تعالى جل شأنه هو بجلاله وعظمته وبأمره من انزل جبريل ومن معه من ملائكة ليشهدوا تلك الليلة المباركة فكان التفويض منه مباشرة دون أي وسيط, أشار اليه سبحانه ممهوراً بإرادته من أجل تعظيم تلك الليلة المباركة وادراك ما فيها من خير مغتنم كثير..فسبحان الله العظيم.

قوله تعالى " سلام هي"

هذا المقطع من الآية الكريمة فيه اشارة واضحة أن العبادة الحقة الخالصة لوجه الله تعالى تكون مدعاة الى السلام والأمن والرخاء . وهذا متوافق مع قوله تعالى :" ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض".
والجدير بالذكر أن بعض القرّاء العوام حينما يقرأون سورة القدر فإنهم يقفون عند كلمة سلام فيقرأون هكذا : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ .
وفي ذلك بعض الملاحظات فتأملوها:
1_- ان من السنة الوقوف على رأس كل آية وهذا الوجه من الوقوف مخالف للسنة والاصل أن يقف عند قوله : من كل أمر . ثم يكمل القراءة مبتدءاً بالآية التي تليها : سلام هي حتى مطلع الفجر
2-- في الوقوف على كلمة سلام فإن المعنى العام للآية يصيبه الخلل . فالآية تتحدث عن كل أمر بغض النظر هل هو سلام أم عذاب أم رحمة . فإذا اوصلت كلمة سلام الى ما قبلها فإن المعنى سيتجه الى شق آخر لينحصر في الامر الذي فيه سلام فقط . وهذا مغاير لمقصد الآية ومفهومها اللغوي العام .
3__ وتقودنا هذه المسألة الى مبحث في علم التجويد وهو الوقف والابتداء حيث جعل أهل التجويد الوقف على انواع أربعة:
1. الوقف التام.
2. الوقف الكافي.
3. الوقف الحسن.
4. الوقف القبيح.
وقد أشاروا إلى أن الوقف باعتبار الواقف المختار أنه أنواع أربعة أيضا:
1) الوقف الاختياري.
2) الوقف الاضطراري.
3) الوقف الانتظاري.
4) الوقف الاختباري.
وعلى هذا فإن الوقف على كلمة سلام إما أن يكون اضطراريا فيجوز ضمن الضوابط المرعيّة في علم التجويد ولا شيء على فاعله. أو أن يكون وقفاً متعمدا من جاهل فيكون وقفاً قبيحاً قد يرتقي الى مرتبة الحسن في أفضل الأحوال والظروف .

اشارات التشريف والتقدير لليلة القدر المباركة والتي ظهرت في السورة كاملة .

--- انزل الله تعالى فيها القرآن الكريم
--- سماها سبحانه وتعالى ليلة القدر وهذا اسم شريف عظيم
--- ذكرها الله تعالى في الآيات الخمس للسورة إما بالاسم الصريح أو باسلوب الضمير الغائب
--- جعل الله تعالى لمن يقيمها جائزة عظيمة تقدر بعبادة الف شهر وهذه منزلة عظيمة خصها الله تعالى لأمة محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم
--- كان المخاطب بالسورة النبي محمد خير خلق الله تعالى (وما أدراك ما ليلة القدر)
---ينزل في تلك الليلة سيد الملائكة جبريل عليه السلام وجمع من الملائكة الكرام.
--- جعل الله تعالى تلك الليلة سلام وأمن على كل من يقومها ويشهدها وفي ذلك امارات ودلالات كثيرة مذكوره في الكتب والآثار.
هذا ما أفاضه الله تعالى علي فإن أحسنت فلله الحمد والمنة وإن أسأت فأسأل الله تعالى المغفرة والهداية . والحمد لله رب العالمين .
__________________
د. تيسير الغول /كاتب وباحث ومؤلف
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:53 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.