ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الطريق إلى طلب العلم
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-10-11, 12:25 PM
أبو بكر السلفي المقدسي أبو بكر السلفي المقدسي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-09-11
الدولة: فلسطين-غــــــزة
المشاركات: 968
افتراضي المحاضرة الثانية من سلسلة((تفريغ الدروس المهمة التي ترفع الهمة))

الحمد لله العلي الأرفــق....و جامع الأشياء و المفرق
ذي النعم الواسعة الغزيـرة....و الحكم الباهرة الكثيرة
ثم الصلاة مع سلام دائم....على الرسول القرشي الخاتم
وآلـه وصحبـه الأبرار....الحائزي مراتب الفخــار
وبعد
هذه هي المحاضرة الثانية من محضرات الشيخ أبي اسحاق الحويني
ضمن سلسلة((تفريغ الدروس المهمة التي ترفع الهمة))
وهي بعنوان ((صفات وآداب طالب العلم))
أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص وافتقار وغربة وتلقين أستاذ وطول زمانطول الزمان
قوله: (وطول زمان) ، وهذا إشارة إلى أن المرء إذا طال عمره في العلم كان أقوى في الفتوى، فما أعجب اعتراض بعض طلاب العلم على المشايخ وهو ليس له في طلب العلم إلا سنة واحدة! نسأل الله السلامة! عمره سنة واحده في طلب العلم ومع ذلك ما ترك أحداً إلا وقال: أخطأ فلان وفلان وأنا أعرف طالباً في الجامعة كتب كتاباً يحكم فيه بين المتنازعين في الحديث، عالمان من العلماء الكبار متنازعان في تصحيح حديث.
قال: فلما رأيت الشيخين الجليلين اختلفا أحببت أن أفصل بينهما.
أهذا من الأدب؟ طالب يفصل النزاع بين البخاري ومسلم إن طول العمر يكسب الملكة في الاستنباط، وهي لا توجد في الكتب ولا تدرس، بل تحتاج إلى عمق وممارسة.
مثلاً: مسألة الجمع بين الصلاتين في الحضر، ورد فيها هذا حديث صحيح وهو من حديث ابن عباس في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر جمعاً في الحضر من غير سفر ولا مطر، فسئل ابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: لئلا يحرج أمته) ، مع أن الأصل أن الصلاة تقام في وقتها: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] ، لكن هذا الجمع في الحضر يحتاج إليه بعض الناس، كدكتور سيعمل عملية تستمر ست ساعات، وفتح بطن المريض قبل الظهر بساعة، فسيأخذ ست ساعات، بمعنى أن الظهر سيضيع عليه، فلو قلنا له: اترك المريض واذهب إلى الصلاة؛ لن يرجع إلا وقد مات المريض.
لكن نقول له: لك رخصة في جمع التأخير، فاعمل العملية وأخر الظهر إلى وقت العصر لماذا؟ لأن هذا فيه حرج، فترك المريض وبطنه مفتوحة حرج شديد.
كذلك مثلاً: إذا كان المريض أباً أو أماً أو أخاً، وهناك ضرورة ملحة لأن تقف بجانبه، فيجوز لك أن تترك صلاة الجماعة، وتجمع بين الصلوات، لكن إذا أتى رجل وقال: هل يمكن لي أن أجمع بين الصلاتين، وليس عنده عذر، وأجزت له؛ فسوف يتخذ هذا الحديث ذريعةً لإهماله، ويجمع الظهر مع العصر، ويقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يجمع بين الظهر والعصر.
فالواجب عليك لمثل هذا الصنف من الناس ألا تعطيه الفتوى بالجواز.
وهذا مثال آخر يبين أن الملكة لا تأتي إلا بالممارسة: أبو حاتم الرازي رحمه الله، مر عليه حديث رواه الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن زيد بن عبد الله، فقال أبو حاتم: هذا لا يشبه أحاديث الأعمش.
لقد أصبح يسمع الحديث فيعرف راويه، كما يتذوق أحدنا في بيته الأكل فيميز بين الجيد والرديء، فأصبحت هذه الأحاديث عند أبي أبي حاتم من كثرة الدربة والممارسة لها علامة خاصة، فأول ما يسمع بحديث للأعمش يقول: هكذا أحاديث الأعمش رجل له ملكة، وهنا قال: هذا لا يشبه أحاديث الأعمش، هذا يشبه أحاديث عمرو بن الحصين - وعمرو بن الحصين متروك، كذبه بعض العلماء- قال أبو حاتم: ثم رحلت إلى بلد كذا وكذا وإذا بي أجد الحديث عن الأعمش عن عمرو بن الحصين عن أبي سفيان عن جابر، قد دلسه الأعمش فأسقط عمرو بن الحصين.
ما الذي عَّرف أبا حاتم أنه من حديث عمرو بن الحصين؟! لأن أحاديث عمرو بن الحصين لها مذاق خاص عند أبي حاتم الرازي.
وهذا يحصل بالدربة، ولممارسة، وبكثرة النظر.
(وطول زمان) إشارة إلى أن العلم لا يذلل لصاحبه إلا بطول الزمان.
وكم من مسائل كنت أتشبث بها وأظنها هي عين الصواب، فتبين لي فيما بعد أنها عين الخطأ.
صور من تأديب العلماء لطلابهم
فـ الأعمش -سليمان بن مهران- رحمه الله، كان يقول: (لو كنت بقالاً لاستقذرتموني) ، وهو أشهر من أذل علماء الحديث، كان كلما يأتي إليه طالب ويقول له: حدثني حديثاً، يأبى عليه.
وفي ذات مرة خرج في جنازة، فعلم أحد طلاب الحديث بخروجه، فتبعه وأخذ بيده وقال له: أصحبك يا أبا محمد! وهم يمشون في الجنازة، فأخذ الطالب ينحرف به عن الطريق حتى وصل به إلى مكان خالٍ من الناس.
فقال: يا أبا محمد! أتدري أين أنت؟ قال له: لا.
قال: أنت في جبانة كذا وكذا، ووالله لا أردك إلى البلد حتى تملأ ألواحي حديثاً.
فحدثه حتى ملأ الواحة، وعاد به إلى البلد، وفي الطريق أعطى هذا الطالب الألواح لزميل له، ومضى مع الشيخ ليرده إلى البلد، فلما سمع الأعمش الأصوات عرف أنه في البلد، فأمسك الطالب وجعل يصرخ: أخذ مني الألواح، فقال له الطالب: لقد أعطيتها فلاناً، فقال الأعمش: كل ما حدثتك كذب، فقال: أنت أعلم بالله من أن تكذب.
فإذا أتى طالب العلم إلى حلقة العلم وهو رافع أنفه لأنه فلان ابن فلان؛ فإنه لا يصلح لطلب العلم، ولأجل ذلك كان الشيخ يقسو عليه ويكسر داعي الكبر فيه.
ولله در مجاهد بن جبر حين قال: (لا يتعلم اثنان: مستحٍ ومتكبر) ، فالمستحي يحمله الحياء أن يظهر بمظهر طلاب العلم، والمستكبر: يرى أن هذا العمل لا يناسبه، فهو ابن فلان أو ابن علان، ولذلك لا يتعلم إلا من كُسر فيه داعي الكبر.
وجاء رجل إلى الأعمش، فقال: يا أبا محمد! حديث كذا وكذا ما إسناده؟ فأخذ الأعمش بحلقه وأسنده إلى الحائط وقال: هذا إسناده.
وجاء رجل من الغرباء إلى حلقة الأعمش، وكان الأعمش لا يحب أن يجلس أمامه أحد، فجاء والمجلس ممتلئ ولا يوجد مكان إلا بجانب الأعمش، فقعد بجانبه، فكان الأعمش يقول: حدثنا فلان، ويبصق عليه، فصبر الطالب على هذا البصاق حتى انتهى المجلس.
ومما يروى في شدة الأعمش مع تلاميذه: أنه عندما أكثروا عليه، وكل يوم يأتون إلى منزله، اشترى كلباً، وكان الكلب عندما يسمع أقدام المحدثين يلحق بهم، فيهربون، وفي ذات مرة كان هناك ثلاثة تلاميذ وهم: أبو إسحاق السبيعي، وشعبة، وسفيان الثوري، فذهبوا إلى بيت الأعمش، وكانوا كلما أتوا إليه خرج عليهم الكلب، فيفرون ويرجعون مرة أخرى، فذات يوم اقتربوا من البيت بحذر خشية أن يخرج عليهم الكلب، وكانوا كلما اقتربوا لا يسمعون حسيساً للكلب، حتى وصلوا الدار ولم يخرج الكلب، فدخلوا على الأعمش، فلما أحس بهم بكى، فقالوا: ما يبكيك يا أبا محمد؟!! قال: لقد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أي: الكلب.
وهل كان الأعمش شحيحاً بحديثه؟ لا.
بل كان الأعمش من أكثر الناس حديثاً، وحديثه منتشر ومبثوث في الكتب.
لكن لم هذه الشدة؟ لتأديب طلبة العلم، وقد ورث عنه هذه الشدة تلميذه: أبو بكر بن عياش، فقد كان شديداً، فجاءه تلاميذه يوماً فقالوا: يا أبا بكر! حدثنا بحديث، فقال: ولا بنصف حديث، فقالوا له: رضينا منك بنصف حديث، فقال: اختاروا السند أو المتن؟ والسند: هو سلسلة الرجال، وسمي سنداً لأن كل راوٍ يسند ما سمعه إلى شيخه، وهذا يسنده إلى شيخه.
وهكذا، فقيل: مسند، أو قيل: سند، والمتن: هو الكلام نفسه، فقال لهم: اختاروا السند أو المتن؟ فقالوا: يا أبا بكر! أنت عندنا إسناد، فأعطنا المتن، فقال: (كان إبراهيم يدحرج الدلو) .
فقال الخطيب البغدادي: انظر إليه! شح عنهم بما ينفعهم.
ومع ذلك كانوا يتهافتون عليه.
والإمام يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل (أكبر موسوعة للرواة) أتى إليه رجل مستعجل، وقال له: حدثني بحديث أذكرك به.
فقال له: (اذكرني إذ طلبت مني فلم أفعل) .
أي: إذا كنت تريد أي شيء للذكرى، فاذكر رفضي تحديثك، وأبى أن يحدثه.
وعلماء الحديث كانوا يفعلون هذا تأديباً لطالب العلم.
وهذا أبو يوسف كان معه حلقة تضم بعض طلبة العلم، وذلك في حياة أبي حنيفة، فبعث أبو حنيفة أحد تلامذته وأمره أن يسأل أبا يوسف بها، فحضر حلقته وبدأ يسأل، فسأل السؤال الأول فأجاب أبو يوسف، فقال السائل: أخطأت، وكذا في السؤال الثاني والثالث.
فقال أبو يوسف: والله ليس هذا من قولك، هذا من قول أبي حنيفة، ومعنى ذلك أنه وصلت أبا يوسف الرسالة التي أرسلها أبو حنيفة، فكأنه قال له: لست شيخاً، ولا تصلح أن تكون شيخاً الآن، فرجع أبو يوسف فلزم مجلس أبي حنيفة إلى أن مات.
وكذلك ما يروى عن الإمام الشافعي أنه عندما ذهب يتعلم ويأخذ العلم عن محمد بن الحسن الشيباني -والإمام الشافعي أرفع قدراً في العلم وأتبع للآثار من محمد بن الحسن، مع جلالة الكل رحمة الله عليهم- فذهب الشافعي إلى محمد بن الحسن الشيباني وجلس في مجلسه كالتلميذ، وكان لا يعجبه بعض ما يفتي به محمد بن الحسن، فكان لا يواجه محمد بن الحسن في المجلس، ويقول له: أنت أخطأت، لكن كان الشافعي بعدما يقوم محمد بن الحسن من المجلس يقوم ويناظر بعض طلابه فيظفر عليهم، ولا يستطيعون الإجابة، فلما أكثر الشافعي عليهم شكوه إلى محمد بن الحسن، وقالوا له: عندما تقوم من هنا يأتي والشافعي فيلزمنا بإلزامات لا نستطيع أن نرد عليه، فلما جاء محمد بن الحسن وجلس في المجلس قال للشافعي: بلغني أنك تجادل أصحابي وتناظرهم، فهلا ناظرتني، فقال له الشافعي: إني أجلك عن المناظرة.
أي: لأنك شيخي، وأنت أرفع من أن يناظرك مثلي.
فقال له محمد بن الحسن: لابد أن تناظر.
فناظره الشافعي فظفر عليه، فرجع محمد بن الحسن إلى كثير من أقوال الشافعي، رحمة الله عليهم أجمعين.
وقد استعمل الشافعي هذا الأدب وهو عند مالك، فقال: (كنت أقرأ الموطأ على مالك فأصفح الورق صفحاً رقيقاً لئلا يسمعه مالك) .
وهذا الأدب ورثه تلاميذ الشافعي، فهذا الربيع بن سليمان المرادي راوي كتب الشافعي، يقول: والله ما جرئت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ.
وأنا والله لقد انتفعت بهذا غاية النفع، عندما رحلت إلى الشيخ الألباني رحمه الله سنة (1406هـ) ووجدت أن الأدب هو الذي يجعل للتلميذ منزلة في قلب الشيخ.
وكان الزهري الإمام العالم محمد بن مسلم يقول: (لقد خسر أبو سلمة بن عبد الرحمن علماً كثيراً حينما كان يماري ابن عباس) ، وذلك أن أبا سلمة كان كلما أتى ابن عباس يدخل معه في جدال، وكان ابن عباس يحجب عنه علمه ولا يفيده.
وأبو سلمة كان إذا علم علماً ظهر به.
وقد سمعته عائشة رضي الله عنها يحدث بحديث: (الماء من الماء) ، وهذا كان في أول الإسلام.
(الماء الأول) هو الغسل -ماء الاغتسال- و (الماء الثاني) ماء المني.
والمعنى: أ، الرجل إذا أمنى اغتسل، فقد كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم نسخ، فصار الاغتسال بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) ، وعند مسلم: (وإن لم ينزل) ، على خلاف بين العلماء، فعندما سمع أبو سلمة حديث: (الماء من الماء) من بعض الصحابة؛ كان دائماً يردده، وفي ذات مرة كانت عائشة تسمعه، فقالت: (يا أبا سلمة! أتدري ما مثلك؟ إن مثلك كمثل الفرّوج يسمع الديك يصيح فيصيح) أي: لست بعالم، فهي تريد أن تقول: أنت لم تتحقق مما تقول، إنما سمعت رجلاً يصيح فصحت، إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) أي: لقد قلت قولاً لم تتحققه.
وأبو سلمة هذا بخلاف ابن جريج، فقد قال ابن جريج: (لقد استخرجت علم عطاء بالرفق) .
فقد لازمه عشرين سنة، فأخذ عنه كل علمه بالرفق.
وابن حبان -صاحب الصحيح- تلميذ ابن خزيمة -صاحب الصحيح أيضاً- كان يرحل بعد ابن خزيمة في كل سفر، ويكتب عنه كل شيء، وذات مرة كان ابن حبان يسأله حتى تضجر منه ابن خزيمة، فقال له: تنح عني، فقام ابن حبان وأمسك القلم وكتب: تنح عني.
وقال: لا أدع كلمةً للشيخ إلا كتبتها، فقد أستفيد منها يوماً ما.
وأنا عندما ذهبت إلى الشيخ الألباني كنت آتيه فيتعذر بضيق وقته، فقلت له: أعطني خمس دقائق، لأنني ما رحلت إليه إلا لكي أسمع منه.
فقلت في نفسي: إذا كنت خرجت من بلدي لطلب العلم فسيصلح الله أمري، وإذا كنت خرجت رياءً فجزاءً وفاقاً لي سأرجع خائباً، فجئنا في فجر اليوم التالي، فقال لي: سأعطيك عشر دقائق كل يوم، ومنَّ الله عليَّ، حتى أصبحت هذه العشر الدقائق ساعة، فكنا يوم نخرج معه بالسيارة، ونسأله أسئلة وهو يجيب عنها.
طلب العلم على أيدي المشايخ
قال: (وتلقين أستاذ) أي: الأخذ على المشايخ، وعدم الأخذ من الكتب، وكانوا يقولون: لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي.
لأنك عندما تأخذ العلم من الصحف أو من الكتب فقد يخطئ الناسخ في نقطة واحدة فيتغير معنى الكلام، وعلماء الحديث لهم كتب في ذلك حصدوا بها الكتب المصحفة، مثل كتب التصحيف والغلط في الكتاب.
فإن: القرآن الكريم الذي نقلته الأجيال عن الأجيال، بأعلى درجات التواتر، نجد من يخطئ في قراءته.
ولنذكر لذلك بعض الأمثلة: كان هناك رجل في الكلية يسمعني وأنا أتكلم وأقول: لا يوجد حفظة، وهناك أناس لا يستطيعون قراءة القرآن فظن أنني أبالغ، فقال: إن كل الناس يقرءون القرآن، فقلت له: اقرأ، فقام وأخذ المصحف، وفتح على سورة هود، فقرأ قوله تعالى: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ} [هود:48] ، فقال: (بسلَّم) ، مع أن هذا هو رسم المصحف، لكنه ظنها (بسلَّ) وهي (بسلام) ! وهناك إمام قام يؤم الناس فقرأ سورة التكاثر فقال: (إلهكم التكاثر) ، -أي: ربكم- فقالوا له: إنما هي (ألهكم) ! وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله في أخبار الحمقاء والمغفلين: أن رجلاً عالماً دخل قرية من القرى، فاستضافه إمام هذه القرية وقال له: عندي بعض إشكالات في القرآن أريد أن أستشيرك فيها -وهو إمام الجماعة- فقال له العالم: تحدث، فقال: قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك.
ستين أم تسعين؟) وكانوا في الزمان الأول لا يعجمون الحروف -أي: لا يضعون عليها النقاط- فقد استحدثت هذه النقاط فيما بعد، فكانوا يكتبون بلا إعجام، فكلمة (نستعين) لو أهملت فقد تقرأ (تسعين) ، فقال الإمام للعالم: وإياك تسعين أم ستين؟ ثم قال: وعلى أي حال فأنا أقرؤها (تسعين) أخذاً بالاحتياط!! فهذا يحصل في كتاب الله عز وجل، فكيف بكتب الحديث؟! ومن طريف ما يذكر في سبب تسمية الإمام حمزة بن حبيب (بـ الزيات) -وهو أحد القراء السبعة - قالوا: إن هذا اللقب التصق به لأنه كان يقرأ في أول سورة البقرة فقرأ: (الم، ذلك الكتاب لا زيت فيه) فقال له أبوه: قم واطلب العلم على أيدي الشيوخ، فسمي منذ ذلك بـ الزيات من أجل قراءته: (لا زيت فيه) .
وآخر من طلبة الحديث قرأ قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} [الحديد:13] فقال: (فضرب بينهم بسنور له ناب) .
فإذا كان التصحيف وقع في القرآن الكريم مع جلالته وعظمته وكثرة الحافظين له، فما بالك بكتب الحديث الذي لا يكاد يضبطها إلا أفذاذ أفراد بعد أفراد، فعلماء الحديث قد استحدثوا ضوابط في ضبط الكلام.
مثلاً: عن ابن عباس يروي راويان، واحد كنيته أبو (حمزة) والثاني كنيته أبو (جمرة) .
فكانوا يكتبون فوق أبي حمزة: (حور عين) ، حتى تعرف أنها حاء وليست جيماً، وعلماء الحديث ابتكروا أساليب لحفظ الكتب لم تتفتق أذهان البشرية عنها.
وفي ذات مرة بعث أمير المؤمنين إلى أحد الولاة فقال له: إن المخنثين أفسدوا البلد فأحصهم أي: عدهم، وأجر عليهم التعزير.
وقال للكاتب: اكتب إليه: أحصِ من عندك من المخنثين، فوضع الكاتب نقطة فوقها فصارت (اخصِ من عندك من المخنثين) فدعاهم الوالي فخصاهم، وهذا كله بسبب نقطة واحدة.
وفي أيامنا هذه تعسرت القراءة الصحيحة لعدم وجود الضابطين المدققين، فتجد طالب العلم بعد ضياع المدققين يقرأ في الكتب، ويخطئ في فهم كثير من الأشياء.
فكان لابد من الدراسة على أيدي المشايخ، فقد أصبحت ضرورة أكثر من أي عهدٍ مضى؛ لأن الطالب لا يميز الصحيح من التصحيف.
فوائد الأخذ عن المشايخ
والأخذ عن الشيوخ له ثلاثة فوائد: يقصر لك العمر، ويسدد لك الفهم، ويرزقك الأدب.
الفائدة الأولى: يقصر لك العمر: فإنك تأتي على مسألةٍ ما فتسأله فيها؛ كالقراءة خلف الإمام -مثلاً- فيلخص لك هذا المبحث الذي وصل البحث فيه إلى مجلد أو مجلدين في بضع كلمات.
ولو جلست تبحث في هذا الموضوع لمكثت عدة أشهر، لكن الشيخ يختصر لك الزمان.
الفائدة الثانية: يسدد لك الفهم: كمسالة النزول بعد الركوع: هل يبدأ بالركبتين أم باليدين؟ فقد تناقشت أنا وأحد الإخوة فيها، فكان يقول: يبدأ بالركبتين، وأنا أقول: باليدين، وكان ممن قال بذلك: الإمام الحاكم النيسابوري.
فقلت لصحابي: من قال بقولك؟ فذكر عدداً من العلماء حتى ذكر الحاكم، فقلت له: وأنا أقول بقول الحاكم، والحاكم يرى صحة أحاديث النزول باليدين، فقال لي: إن الحاكم قال: (إن أحاديث النزول باليدين مقلوبة) ، والحديث المقلوب مثاله أن يروي الراوي حديث: (ورجل تصدق بيمينه حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه) هكذا: (ورجل تصدق بشماله حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله) ، فيقلب الحديث، ويسمى هذا الحديث مقلوباً.
فقلت له: أين ذكر الحاكم هذا الكلام؟ قال: في المستدرك.
فقلت: هات المستدرك.
فاتضح أن الحاكم بعدما روى أحاديث النزول بالدين، قال: وفي هذا آثارٌ عن الصحابة والتابعين، والقلب إليه أميل.
ففهم أن قول الحاكم:) والقلب إليه أميل) أي أنه مقلوب.
فقلت له: هذا قلب الحاكم أي: نفسه، فـ الحاكم يقول: وقلبي يميل إلى ما أثر عن الصحابة والتابعين.
وهذا مثال على أن الطالب عندما يقرأ لوحده في الكتب يخطئ في فهم كثير من المسائل.
وأذكر مثالاً آخر: رجل صنف رسالة، وهو ممن يذهب مذهب الخوارج، فقال حديث:: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) هذا الحديث إنما هو في أهل الصلاة والزكاة.
وأهل الكبائر: أي: أهل كبائر الأعمال، فقوله تبارك وتعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45] قال: (وإنها لكبيرة) يعني: شفاعته لأهل الكبائر.
مع أن العلماء يقولون: إن هذا الحديث في أهل كبائر الذنوب.
فهذا ما تبنى هذا الرأي إلا لأنه لم يقرأ إلا من الكتب؛ فكان لابد من الأخذ عن المشايخ.
- الفائدة الثالثة: الأدب: ومن أهم ما يزرقه طالب العلم من أخذه عن المشايخ: الأدب.
وعلماء الحديث كانوا يقسون على تلاميذتهم ليؤدبوهم وليكسروا الغرور فيهم.
_____________
يتبع بأذن الله تتممة للمحاضرة
وأولها/ الغربة في طلب العلم

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-10-11, 09:36 PM
مسلمة لربى مسلمة لربى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-09-11
المشاركات: 68
افتراضي رد: المحاضرة الثانية من سلسلة((تفريغ الدروس المهمة التي ترفع الهمة))

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:41 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.