ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 29-12-09, 08:58 PM
همام النجدي همام النجدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-02-08
المشاركات: 775
افتراضي اهتمام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة

اهتمام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة


د. علي بن عبدالعزيز الشبل
المصدر: مجلة الدرعية العدد 33

التوطئة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإن الحديثَ النبوي فرعٌ من السُّنة النبوية بمعناها الشمولي العام، التي هي أصل الشريعة الثاني بعد القرآن كلام الله - عز وجل - وإنَّ جهود علماء المسلمين خلفًا عن سلف متظاهرةٌ في هذا المضمار، وفي إبراز جهود العلماء المعاصرين في خدمة السنة النبوية من خلال الحديث النبوي، مصالحُ وفوائدُ كثيرةٌ، منها: شحذ الهمم، وربط المسلمين - ولا سيما طلاب العلم - بالسُّنَّة، وعطفُهم على الاهتمام والحفاوة بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - والنشأة على ذلك في العقيدة والشريعة.
هذا، وإن إبراز جهود وحفاوة وعناية سماحة الشيخ الكبير، العلامة الجليل، عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن باز (1330-1420هـ) - وهو مَن هو في مكانته، وعلمه، وإمامته، وآثاره على مَن بعده - أقول: إن إبرازها لَمِن العمل الصالح، الذي أرجو قبوله عند مولانا - سبحانه وتعالى - وآمل حصول النفع والفائدة والأثر على المسلمين عامة، وطلاب العلم خاصة؛ لبعث همتهم إلى سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهدْيه وحدِيثه.
لهذا ولغيره؛ جاء هذا البحث الموسوم بـ"اهتمام سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - بالحديث النبوي، وأثره في العقيدة"، دائرًا في محورين رئيسين:
الأول: نشأة سماحة الشيخ العلمية، التي صقلتْ فيه العناية بالسُّنة النبوية، من خلال كتب الحديث، ومتون السنة، ومدوناتها، وشروحها، وأصول الحديث ومصطلحه، من خلال آثار شيوخه المحدِّثين، وتوجُّهه المبكر للعناية بتلكم المتون وشروحها، والمتون التي حفظها واستظهرها، وعنايته بكتب الحديث: مخطوطاتها ومطبوعاتها.

الثاني: في الحياة العلمية والدعوية والتعليمية، التي أظهرت عناية سماحة شيخنا وحفاوته بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وظهر هذا من خلال دروس سماحته العلمية، ومحاضراته، وفتاواه، وتوجيهاته؛ حيث اعتنى بكتب الحديث ومتونه، ومدوناته وشروحه، وأصوله وفقهه تدريسًا، وحفظًا، وإقراءً.
وأيضًا عنايته واهتمامه - رحمه الله - بالأدلة من الكتاب والسنة؛ فسِمةُ التدليل على الفتاوى والرسائل والمحاضرات، والبحوث والمناقشات، ولا سيما تربية طلبة العلم على العناية بهذا، مع العناية بتخريج الأحاديث ودراستها، وكذا الحكم على الأحاديث صحةً وحسنًا وضعفًا، والبحث في كتب الحديث وتراجم الرواة وكتب الجرح والتعديل.

ثم ثمة مظهر بارز حرَص عليه سماحتُه من خلال العناية بالأصول الخطية "المخطوطات" لكتب الإسلام، فهذا الشرح الحافل على صحيح البخاري "فتح الباري"، للحافظ الشهاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - رحمه الله وعفا عنه - جمع له الشيخ عددًا من المخطوطات؛ لتوثيق نصه وضبطه، وفتح الله عليه بالتعليق على بعض مجلداته إلى نهاية كتاب الحج بتمام المجلد الثالث منه.
وكذلك عنايته - رحمه الله - بطبع كتب الحديث، من الصحاح، والسنن، والمساند، والمصنفات، والشروح عليها، وتكرار طبع ما نفذ منها، ثم توزيعها على طلاب العلم، والدعاة، والباحثين.
ولذا لم تخلُ مكتبة طالب علم في المملكة وغيرها - في الغالب - من أحد منشورات الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، بتوجيه سماحة رئيسها: الشيخ عبدالعزيز بن باز.
وأذكر بهذه المناسبة أن أحد العلماء بشَّر الشيخ ابنَ باز بطبع كتاب جديد طريف من كتب الفقه الحنبلي، فسأله سماحة الشيخ: وهل يعتني هذا الكتاب بالتدليل؟ فأجابه: بأن عنايته بالتعليل، فأجاب الشيخ بقوله: إذًا هو كغيره! ولم يكترثْ سماحته بطبع هذا الكتاب وأمثاله؛ لتلكم النكتة، وذاك المعنى، وهو ما يعكس عناية الشيخ بالأدلة.
هذا، والشيخ في عنايته بالحديث وترجيحه، والاهتمام العلمي والبحثي به وبعلومه، يعكس نسيجًا متوائمًا مما أبرزتْه هذه الدعوة الإصلاحية؛ حيث اهتمَّتْ بتصحيح العقيدة، كذا الحفاوة بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فتلقى أبناؤها عن علمائها وأئمتها هذه الحفاوةَ والاهتمام، ولا يخفى بروز عناية الشيخ سليمان بن عبدالله ابن شيخ الإسلام بالحديث وعلومه، ومعرفته برجاله أكثر من معرفته برجال الدرعية! وثمة نماذج عديدة غيره.

فجاء البحث في تمهيد يتلو التوطئة، وتسعة مباحث:
وقد أوردت في هذه المباحث نماذجَ مختارةً من كلامه، وتطبيقات تلكم الحفاوة في باب العقيدة، من تقريرات سماحة الشيخ ابن باز وشروحه وفتاواه، تدل على المقصود، وتحقيق المراد.
هذا، وثمة جوانب من عناية سماحة شيخنا وحفاوته واهتمامه بالحديث النبوي، وأثره عليه في الدعوة إلى الله على منهاج النبي - صلى الله عليه وسلم - وسبيله، وأثره عليه في فتاواه، وأثره في أحواله وسيرته الذاتية واليومية.
وقد أرفقت بنهاية البحث ملحقًا بنماذج صور من نسخ الشيخ ابن باز الخاصة في مكتبته، من تعليقه وتعقبه على الحافظ ابن حجر في بعض الرواة المختلف عليهم.
هذا، وقد أظهرت أثر هذه العناية بالعقيدة السلفية في المبحث الأول، عند تقرير مصادر العقيدة السلفية الصحيحة تلقيًا واستدلالاً عند ابن باز - رحمه الله - وفي المبحث الرابع عند التنويه على تعليقات الشيخ ابن باز على "فتح الباري"؛ حيث عرضتُ فيه تسعة نماذجَ متنوعةٍ من تعليقات الشيخ ابن باز في العقيدة في أول واجب على المكلَّف، والتنبيه على غلط المؤولة لصفة العلو، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومسألة التبرُّك بآثار الصالحين، ومسألة البناء على القبور وزيارة النساء لها، ثم نموذجًا لتعليق فقهي يتعلق بطهارة بول ما يؤكل لحمُه، ثم تعليقات تتعلق بالصناعة الحديثية: في علل الحديث، ومراسيل التابعين، والحكم على الأحاديث صحة وضعفًا، وتراجم الرُّواة فيما يتعلق بسماعهم، وشرط الإمام البخاري، وأيضًا من خلال ما سقته من أمثلة وتطبيقات من كلام الشيخ ابن باز - رحمه الله - على المباحث السابقة، ومقدمًا ومجليًّا نماذجَ العقيدة بالتمثيل على غيرها.
علمًا أنني لم أتطرق فيها لمنهج سماحة شيخنا في العقيدة، وجهوده فيها، ومواقفه من الدعوات الضالة والمناهج الوافدة؛ حيث ليس ذا من مناط البحث، ومحلُّه الأطاريح العليا.
هذا، وما كان من صواب، فهو بتوفيق الله وتسديده، وما كان فيه من خطأ أو تقصير، فمن نفسي والشيطان، وأعوذ بالله منه، وأستغفره من الخطأ والزلل.
وما هذا البحث إلا جهد يسير؛ لإبراز جهود هذا العَلَم الجهبذ، في مضمار الحفاوة والعناية بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال حديثه الشريف، ولترسم الخُطا، وإيضاح معالم هذا النهج الموفق، والسبيل المبرور، وهي دعوة للباحثين وطلاب العلم للعناية بهذا الجانب، وتوليته الاهتمامَ اللائق في بحوثهم ودراستهم، ولا سيما الأطاريح العليا(1) - وفق الله الجميع - وهو - سبحانه - المسؤول أن يلهمنا رشدنا، ويدلنا على مرضاته، ويجنِّبنا أسباب سخطه، ويكلل مقاصدنا وأقوالنا وأعمالنا بالرِّضا والقَبول، والإخلاص له وحده، والنوال عنده، والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.

التمهيد: وفيه نبذة تعريفية بسماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله:
نوهت في هذه النبذة بسماحة شيخنا، من خلال نبذة مختصرة أملاها الشيخُ تعريفًا بنفسه، وعرضًا لأهم شيوخه ونشأته، معدِّدًا أهمَّ مؤلفاتِه ومناصبه، واكتفيت بها عن التطويل في إنشاء ترجمة لائقة به، فهذه الترجمة أملاها شيخنا بلفظ نفسه، وطُبعتْ في حياته عام 1416هـ ضمن أول مجموع فتاواه ورسائله ومقالاته، المسمى "مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة"، هو جمع لفتاوى ورسائل سماحة الشيخ ابن باز(2).
هذا، وقد أضفت إليها - ولكن في حواشيها - بعضًا من زوائد ذكر الشيوخ، والكتب المقروءة عليهم، وأشياء غيرها مما سمعتُه منه، وعرفته عنه - رحمه الله - سالكًا في هذا كله مسلكَ الاختصار، مع بعض التفصيل، على منهج ترجمته - رحمه الله - لنفسه.
ولا غرابة؛ فقد عرَّف جمعٌ منَ العلماء السابقين واللاحقين بأنفسهم، وليستْ هذه الترجمة من هذا القبيل، وإنما هي كلمات موجزة صدرتْ من شيخنا بعد إلحاح تكرر عليه، فرحمه الله رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة، ورفع في الدارين ذِكره، وأعلى مقامه، وجزاه عن المسلمين خير الجزاء وأوفره.

قال - رحمه الله تعالى:
"أنا عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل باز، وُلدتُ بمدينة الرياض في ذي الحجة سنة 1330هـ، وكنت بصيرًا في أول الدارسة، ثم أصابني المرضُ في عيني عام 1346هـ، فضعف بصري بسبب ذلك، ثم ذهب بالكلية في مستهل المحرم من عام 1350هـ، والحمد لله على ذلك، وأسأل الله - جل وعلا - أن يعوضني عنه بالبصيرة في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة، كما وَعَد بذلك - سبحانه - على لسان نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كما أسأله - سبحانه - أن يجعل العاقبة حميدةً في الدنيا والآخرة.

وقد بدأتُ الدراسة منذ الصغر، وحفظت القرآن الكريم قبل البلوغ، ثم بدأت في تلقِّي العلوم الشرعية والعربية على أيدي كثير من علماء الرياض، من أعلامهم:
1- الشيخ محمد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمهم الله.
2- الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، قاضي الرياض(3)- رحمهم الله.
3- الشيخ سعد بن حمد بن عتيق (قاضي الرياض)(4) - رحمه الله.
4- الشيخ حمد بن فارس (وكيل بيت المال بالرياض)(5) - رحمه الله.
5- الشيخ سعد وقاص البخاري (من علماء مكة المكرمة) - رحمه الله - أخذت عنه علم التجويد في عام 1355ه(6).
6- سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ(7) - رحمه الله - وقد لازمت حلقاته نحوًا من عشر سنوات، وتلقيت عنه جميع العلوم الشرعية، ابتداء من سنة 1347هـ إلى سنة 1357هـ، حيث رشحت للقضاء من قِبل سماحته.
جزى الله الجميع أفضل الجزاء وأحسنه، وتغمَّدهم جميعًا برحمته ورضوانه.

وقد توليتُ عدة أعمال، هي:
1- القضاء في منطقة الخرج مدة طويلة، استمرت أربعة عشر عامًا وأشهرًا، وامتدتْ بين سنتي 1357هـ إلى عام 1371هـ، وقد كان التعيين في جمادى الآخرة من عام 1357هـ، وبقيت إلى نهاية عام 1371هـ.
2- التدريس في المعهد العلمي بالرياض سنة 1372هـ، وكلية الشريعة بالرياض بعد إنشائها سنة 1373هـ، في علوم الفقه والتوحيد والحديث، واستمر عملي على ذلك تسع سنوات، انتهت في عام 1380هـ.
3- عينت في عام 1381هـ نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وبقيت في هذا المنصب إلى عام 1390هـ.
4- توليت رئاسة الجامعة الإسلامية في سنة 1390هـ بعد وفاة رئيسها شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - في رمضان عام 1389هـ، وبقيت في هذا المنصب إلى سنة 1395هـ.
5- وفي 14/10/1395هـ صدر الأمر الملكي بتعييني في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وبقيت في هذا المنصب إلى سنة 1414هـ.
6- وفي 20/1/1414هـ صدر الأمر الملكي بتعييني في منصب المفتي العام للمملكة، ورئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء، ولا أزال إلى هذا الوقت في هذا العمل، أسأل الله العون والتوفيق والسداد.

ولي إلى جانب هذا العمل في الوقت الحاضر، عضوية في كثير من المجالس العلمية والإسلامية، من ذلك:
1- رئاسة هيئة كبار العلماء بالمملكة.
2- رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الهيئة المذكورة.
3- عضوية ورئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.
4- رئاسة المجلس الأعلى العالمي للمساجد.
5- رئاسة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي.
6- عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة(8).
7- عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة.

أما مؤلفاتي، فمنها:
1- الفوائد الجلية في المباحث الفرضية(9).
2- التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك).
3- التحذير من البدع، ويشتمل على أربع مقالات مفيدة: (حكم الاحتفال بالمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ أحمد).
4- رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.
5- العقيدة الصحيحة وما يضادها.
6- وجوب العمل بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكفر من أنكرها.
7- الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.
8- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.
9- حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار.
10- نقد القومية العربية.
11- الجواب المفيد في حكم التصوير.
12- الشيخ محمد بن عبدالوهاب (دعوته وسيرته).
13- ثلاث رسائل في الصلاة: (1- كيفية صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم. 2- وجوب أداء الصلاة في جماعة. 3- أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع؟).
14- حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
15- حاشية مفيدة على فتح الباري، وصلتُ فيها إلى كتاب الحج(10).
16- رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس، وسكون الأرض، وإمكان الصعود إلى الكواكب.
17- إقامة البراهين على حكم مَن استغاث بغير الله أو صدَّق الكهنة والعرافين.
18- الجهاد في سبيل الله.
19- الدروس المهمة لعامة الأمة.
20- فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.
21- وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة". ا. هـ.

وهذه الفتاوى والرسائل والأجوبة، والمقالات المتنوعة، والردود العلمية، جُمعتْ بإذن سماحته في حياته في مجموع واحد يشتمل عليها، تحت عنوان: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة"، وقد طبع منه إلى الآن أكثر من عشرين مجلدًا، والعمل جارٍ على إكماله، حيث بدئ بطبعه في حياة الشيخ سنة 1416هـ، واستمر بعد موته، بتوجيه الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء.
هذا، ورأيت الاقتصار في هذا التمهيد بهذا التعريف؛ لوجازته، ولكونه من إملاء سماحة الشيخ المترجم نفسه، والحمد لله.

المبحث الأول: مصادر العقيدة الصحيحة تلقيًا واستدلالاً:
إن تلقِّي العقيدة الصحيحة، والاستدلال عليها عند أهل السنة والجماعة وأئمتهم، يأتي من ثلاثة مصادر أصلية، هي:
1- الكتاب العزيز: القرآن.
2- السنة النبوية الصحيحة.
3- الإجماع المعتبَر الذي تَحرُم مخالفته، وهو الذي نوَّه عنه أبو العباس ابن تيميَّة في "العقيدة الواسطية" المتلقاة بالقبول، حيث قال بعدما نوَّه بالمصدرين السالفين:
"والأصل الثالث: الإجماع، والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه الصحابة والتابعون؛ إذ بعدهم كثرت الأمة، وانتشر الخلاف". ا. هـ.
وعلى هذا درج المسلمون، وأظهر هذا علماؤهم في كل زمان وطبق، كما ظهر هذا التلقي للعقيدة الصحيحة والاستدلال عليها في منهج سماحة الشيخ ابن باز في العقيدة، ودعوته إليها، من خلال تآليفه وحواشيه، ورسائله وفتاواه، وتقريراته وأماليه، ومحاضراته وأجوبته ودروسه.
- فمن تآليفه ذائعة الصيت في هذا المضمار، رسائلُه الشهيرة: "العقيدة الصحيحة وما يضادها"، و"شرح نواقض الإسلام"، و"الدروس المهمة لعامة الأمة"، فضلاً عن غيرها.
- وهذه دروسه الكثيرة جدًّا في العقيدة والتوحيد، والحديث والتفسير، والفقه والسير، مليئة بهذا التلقي للعقيدة - بل والشريعة - من مصادرها الأصلية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والتعويل عليها تلقيًا واستدلالاً، وبسطًا وشرحًا.
- وهي كذلك في محاضراته وكلماته، ورسائله وتعليقاته، وفتاواه وأجوبته، مما يشق استيعابُه، ويظهر دلالة هذه المصادر والاعتماد عليها.
- وثمة منحًى مهمٌّ أظهر هذه الأصالةَ في تلقي العقيدة والاستدلال لها، تمثَّل في ردوده ومناقشاته لمخالفي عقيدة المسلمين، أو القادحين في سلف الأئمة وعقيدتهم في الكتب والصحف، والمجلات والمحاضرات وغيرها؛ حيث نافتْ هذه الردودُ والأجوبة على سبعين ردًّا، تتناول الدفاع عن الإسلام، والشبهات المثارة عليه دينًا وعقيدة، والتعلُّق بالآثار، والدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذم الغلو فيه وفي غيره - صلى الله عليه وسلم - وذم البدع والمحدثات، والدفاع عن القرآن، وصفات الله العلى وأسمائه الحسنى، وبيان القضاء والقدر وأصول الإيمان، وتحقيق الولاء والبراء، وبيان الشرك والكفر ووسائلهما وسد الذرائع إليهما، والتحذير من النِّفاق والمنافقين، وتحريم الاستهزاء بالله ورسوله ودينه، ورد الافتراء على الدين وأهله والصحابة، إلى غير ذلك من مضامين تلكم الردود العلمية القوية، والمناقشات القوية، المبنية على حجج الكتاب والسنة والإجماع، والأدلة العقلية الواضحة(11).
وكلام الأئمة في هذا الباب كثير، فليراجع ما كتبه علماء السُّنة في هذا الباب، مثل كتاب "السنة"، لعبدالله بن الإمام أحمد، و"التوحيد"، للإمام الجليل محمد بن خزيمة، وكتاب "السنة" لأبي القاسم اللالكائي الطبري، وكتاب "السنة" لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة، قد أوضح فيه - رحمه الله - عقيدةَ أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم، والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بـ"التدمرية"، قد بسط فيها المقام، وبيَّن فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق، ويدفع الباطل، لكل مَن نظر في ذلك من أهل العلم بقصدٍ صالح، ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات، فإنه وقع - ولا بد - في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية، مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه.
أما أهل السنة والجماعة، فأثبتوا لله - سبحانه - ما أثبتَه لنفسه في كتابه الكريم، أو أثبته له رسولُه محمد - صلى الله عليه وسلم - في سنته، إثباتًا بلا تمثيل، ونزَّهوه - سبحانه - عن مشابهة خلقه، تنزيهًا بريئًا من التعطيل؛ ففازوا بالسلامة من التناقض، وعملوا بالأدلة كلها، وهذه سنة الله - سبحانه - فيمن تمسَّك بالحق الذي بعث به رسله، وبذل وسعه في ذلك، وأخلص لله في طلبه: أنْ يوفِّقه للحق، ويظهر حجته، كما قال - تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}(12)، وقال - تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}(13).
وقد ذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره المشهور عند كلامه على قول الله - عز وجل -: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ}(14)، كلامًا حسنًا في هذا الباب، يَحسُن نقلُه ها هنا؛ لعظم فائدته.
قال - رحمه الله - ما نصه:
"للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًّا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهبَ السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، والظاهرُ المتبادر إلى أذهان المشبِّهين منفيٌّ عن الله؛ فإن الله لا يشبهه شيءٌ من خلقه، وليس كمثله شيء، وهو السميع البصير؛ بل الأمر كما قال الأئمة، منهم: نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، قال: مَن شبَّه اللهَ بخلقه، كفر، ومَن جحد ما وصف اللهُ به نفسَه، فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمَن أثبت لله - تعالى - ما وردتْ به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله - تعالى - النقائصَ، فقد سلك سبيل الهدى"؛ انتهى كلام ابن كثير - رحمه الله.

وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن الإيمان بهم إجمالاً وتفصيلاً، فيؤمن المسلم بأنَّ لله ملائكة خَلَقهم لطاعته، ووَصَفَهم بأنهم: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}(15)، وهم أصناف كثيرة؛ منهم الموكَّلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد، ونؤمن على سبيل التفصيل بمَن سمَّى اللهُ ورسولُه منهم؛ كجبريل، وميكائيل، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور.
وقد جاء ذِكرهم في أحاديثَ صحيحةٍ، وقد ثبت في الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خُلِقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِف لكم))؛ خرجه مسلم في "صحيحه".

المبحث الثاني: عناية الشيخ ابن باز بتعلُّم الحديث النبوي وعلومه:
مضى التفصيل في عناية سماحة شيخنا ابن باز - رحمه الله - بطلب العلم، والتنويه بأهم شيوخه الذين تأثَّر بهم واستفاد منهم؛ إلا أنه برز من شيوخه الذين أفادوا الشيخَ في علوم الحديث: متونًا، وشروحًا، وأصولاً - عالمان جليلان، هما:
1- الشيخ المحدِّث المسند سعد بن حمد بن عتيق 1349هـ.
وكان قد تلقى علوم الحديث عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام، وفي رحلاته إلى الهند والحجاز؛ حيث تلقَّى أسانيدهما عمَّن أجازه من شيوخهما.
وسماحة الشيخ ابن باز أخذ عنه، ودرس عليه، واستفاد منه، لكن بعدما كبر الشيخ سعد بن عتيق وضعفتْ قواه، ومع ذلك بعث هذا التلقي في نفس الشيخ الاهتمامَ بالحديث النبوي.
2- الشيخ المحدث الفقيه محمد بن إبراهيم آل الشيخ 1389هـ.
وهو الشيخ الذي طالتْ ملازمةُ سماحة شيخنا له مدة عشر سنين متواصلة، من سنة 1347-1357هـ إلى توليه القضاءَ، وتنوَّعتْ دراستُه على شيخه في فنون العلم، وفي مقدمتها علم الحديث النبوي، بحفظ متونه، وشرحها، ومطالعة شروح مطولاته، وحفظ أصول الحديث وهو "مصطلحه".
هذا، وقد حفظ شيخنا - رحمه الله - من متون الحديث:
- "الأربعين النووية"، للشرف محيي الدين النووي 676هـ - رحمه الله - وتتمة ابن رجب - رحمه الله.
- كما حفظ متن "عمدة الأحكام"، للشيخ عبدالغني بن عبدالواحد بن سرور المقدسي 600هـ، وهي التي كان شيخنا يسميها اختصارًا: عمدة الحديث.
- كما حفظ متن "بلوغ المرام، من أدلة الأحكام"، للحافظ الشهاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني 852هـ.
وكان لسماحة الشيخ عناية بأكبر كتب أحاديث الأحكام المعتبرة والمطبوعة المنشورة عند الحنابلة، وهو كتاب "منتقى الأخبار"، للمجد أبي البركات ابن تيميَّة 621هـ جد شيخ الإسلام ابن تيميَّة، حيث اعتنى به سماعًا وإقراءً، وشرحًا وبحثًا فيه وفي شرحه "نيل الأوطار"، لمحمد علي الشوكاني 1250هـ.

وهذه المتون وشروحها، سمع الشيخ قراءتها، وشرحها، والتقرير عليها، من شيوخه، كما تلقَّى عنهم أصولَ الحديث من خلال "نخبة الفكر"، وشرحها للحافظ ابن حجر "نزهة النظر"، و"اختصار علوم الحديث"، المعروف والمشهور بـ"مقدمة ابن الصلاح".
واعتنى الشيخ بـ"ألفية العراقي"، كما سيأتي له مزيد بسط في عناية الشيخ بأصول الحديث.
- وكان لسماحة الشيخ عناية بقراءة الصحيحين: "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، والسنن، و"مسند الإمام أحمد"، سماعًا لها في مراحل الطلب، وإقراءً لها في مراحل التعليم وبث العلم.

ومطالعة كتب الشروح عليها، ولا سيما في "صحيح البخاري"، الشرحين الشهيرين:
1- "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، للحافظ ابن حجر العسقلاني.
2- "عمدة القاري شرح صحيح البخاري"، للبدر العيني الحنفي.
مع رجوعه إلى شرح القسطلاني "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري".
وكذا شروح كتب السنن، ومطولات الشروح عليها، وعلى كتب الأحكام، حيث حبُّه لمطالعة كتب شروح الأحاديث ومبسوطاتها أشد حفاوة، وعناية، واهتمامًا من كتب مطولات الفقه المذهبي.

هل كان الشيخ يحفظ الصحيحين؟
هذا السؤال كثر في حياة الشيخ وبعد وفاته، وسمعت منه - رحمه الله - أنه لم يحفظ الصحيحين نصًّا، وإنما الظاهر لنا أنه كان يستظهرهما استظهارًا؛ بسبب كثرة المطالعة فيهما، وقراءتهما، وتَكرار الرجوع إليهما.
لكن استظهار الشيخ لـ"صحيح مسلم" أشد وأضبط، حتى ربما يصل هذا القدر إلى حفظه بمتنه وسنده، وهذا ما لاحظته عليه - رحمه الله - عند قراءة "صحيح مسلم" عليه، أو الاستشهاد منه، أو الإحالة عليه بألفاظه وتميز رجاله.

هل اعتنى الشيخ بالأسانيد والإجازات؟
وهذا ما لم ألحظه عليه - رحمه الله - كيف وشيخاه: الشيخ سعد بن عتيق، والشيخ محمد بن إبراهيم، من العلماء المسندين والمجيزين، ولم يستجزهما الشيخ، فقد سألته عن ذلك!
وقد أجازه - رحمه الله - جم من العلماء، ولكن بدون طلب منه، ومنهم الشيخ محمد شفيع الديوبندي بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع هذا لم يهتم - رحمه الله - بالاستجازة والإجازة، معللاً ذلك لي لما سألته بأن هذا يشغل الطالبَ عن الاهتمام بالعلم إلى غيره، وأن هذا لا يفيد، والمقصود العلم بالحديث والعمل به.

ملحوظة:
قد يفهم بعض الناس من عدم حفاوة الشيخ ابن باز بالإجازات المعاصرة، إنكارَه لخصيصة هذه الأمة بالإسناد، و"الإسناد من الدِّين"، وهذا ألبتة ليس بصحيح؛ بل الإسناد المتَّصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - به رُوي كلامُ الله القرآنُ، وحديثُ النبي - صلى الله عليه وسلم - أوضحُ البيان، وهذا الإسناد بتحمله، وصيغه، وأحواله، أنواع، كما قرره الحافظ العراقي في "ألفيته":

ثُمَّ الإِجَازَةُ تَلِي السَّمَاعَا ** وَنُوِّعَتْ لِتِسْعَةٍ أَنْوَاعَا

هذا، وتحفُّظ سماحة شيخنا هو على اشتغال المعاصرين بالإجازات وتتبُّعها، والغلو في جمعها والتكاثر بها، وترك الاشتغال بمقاصد تلكم الأسانيد، بالقرآن والسنة حفظًا وتعلُّمًا، ودعوة وعملاً وجهادًا، ما صار علمًا على المبتدعة، وأهل الأهواء من الصوفية، ومتعصبة بعض المذاهب الفقهية؛ فلا بد من التنبيه لهذا التفريق ولا بد.

المبحث الثالث: عناية الشيخ ابن باز بكتب متون الحديث وشروحها:
وهذه العناية لها في مسلك الشيخ ابن باز العلمي جانبان بارزان:
الأول: جانب طلب العلم، حيث بدأ بمختصرات المتون الحديثية، ثم كتب الأحكام في "عمدة الأحكام"، للشيخ عبدالغني المقدسي، ثم "بلوغ المرام من أدلة الأحكام"، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم "منتقى الأخبار"، للمجد بن تيميَّة، ثم في "صحيح البخاري"، ومسلم، والسنن، والمساند، ومصنفات الحديث النبوي.

وكان حالَ الطلب يراجع على هذه المتون وشروحها الشهيرة المتداولة بين أيدي طلبة العلم، نحو:
- شرح ابن دقيق العيد على "عمدة الأحكام"، وحاشية ابن الأمير الصنعاني عليه.
- وشرح ابن الأمير الصنعاني 1181هـ على "البلوغ"، المسمى "سبل السلام شرح بلوغ المرام".
- وشرح الشوكاني 1250هـ على "المنتقى"، والمسمى "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار".
وأعظم الشروح التي كان الشيخ يبحث فيها ويراجع عليها، شرح الحافظ الكبير ابن حجر على "صحيح البخاري"، والمعروف "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، فكان الشيخ حفيًّا به وبمطالعته، معجبًا بتقريرات الحافظ ونقوله فيه، وتنوع مباحثه ومتونه.

الجانب الثاني: جانب التعليم وبذل العلم: اعتنى الشيخ واحتفى في دروسه العامة المرتبة لطلاب العلم بكتب شروح الحديث، والتقرير عليها، ولهذا لم يخلُ درس من دروس الشيخ العلمية المرتبة فجرًا وضحًى وليلاً من القراءة في كتب المتون، وخصوصًا صحيحي البخاري ومسلم، كتب السنن: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومسند الإمام أحمد، ومراجعة كتب شروحها.
أما "بلوغ المرام" و"عمدة الأحكام"، فكانت دروس الشيخ فيهما راتبة يكررها، ولا سيما "البلوغ"؛ ولهذا كثرت على البلوغ شروح الشيخ وتقريراته عقب صلاة العصر، ويبن أذان العشاء وإقامتها، فضلاً عن الدروس العلميَّة المرتبة فيه.
وكان الشيخ حفيًّا بمطالعة كتب الشروح؛ للتحضير منها، ومراجعة البحوث فيها في مكتبه، ومع خواص أصحابه وطلابه، حيث ينشط لهذا نشاطًا متميزًا.

حفاوة الشيخ بشروح الصحيح أنموذجًا:
وهذا النموذج أسوقه معتبرًا به، حيث لم يكن درس علمي مرتب للشيخ إلا ونجد قراءة فيه لأحد الصحيحين، وقد سمعت على شيخنا أكثر "صحيح البخاري" في دروسه قراءات متعددة متنوعة، فمنها ترتيب في أول الصحيح، ومنها ترتيب في أوسطه، وآخر في أواخره.

وقد لاحظت وشاهدت كثرة مراجعة الشيخ في شرحي "صحيح البخاري":
1- "فتح الباري"، للحافظ ابن حجر العسقلاني.
2- "عمدة القاري"، للشيخ البدر العيني.
حيث يطلب من الطلبة قراءةَ ما ذكره الشارحان في المسألة، أو الحديث محل البحث وموضع الاستشكال عليه، وذلك بعدما يقرر الشيخ على الحديث ما يفتح الله منه عليه، ولهذا كان الطلبة يتسابقون لإحضار أحد الشرحين أو كليهما وقت الدرس، ولم نكن نحضر متن الصحيح فقط؛ بل ومعه أحد الشرحين، وكنت أحضر معي نسختي من "الفتح".
وكان الشيخ في كل درس تقريبًا يراجع ما نقله الشارحون في هذه المدونات، إذا احتاجت المسألة إلى مزيد عناية ومراجعة وبحث؛ إما لخفاء موضع الاستيعاب من الشراح في شروحهم، أو الحاجة إلى الوقوف إلى كلام الآخرين من المؤلفين الشارحين وغيرهم، فيطلب من الطلبة النابهين مزيد البحث والمراجعة، ويحب أن يقرؤوا عليه بحوثهم، إما في الدرس إن كان ثمة متسع، أو في بيته، أو في مختصره في مكتبته، وربما طلب صورة من البحث إن راق له، أو أعجبه نقلُ الطالب له وتحريره.
هذا، وعندي بحوث عديدة في مسائل متنوعة، كلَّف الشيخ ببحثها لهذا الغرض في شروح الحديث وغيره.
والمقصود: أن عناية سماحة شيخنا بكتب شروح الأحاديث، يمثل طرفًا عظيمًا من عنايته بالسنة النبوية وفقهها، وتناول بحوث العلماء وشروحهم في إبانتها وتجليتها.

وفي هذا الصدد أنقل من كلام الشيخ الكثير جدًّا، ما يبرز هذه العناية، ففي "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" من كتب ورسائل الشيخ يقول: "وأهم كتب الحديث وأصحها: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، فليكثر من مراجعتهما، والاستفادة منهما، ومن بقية كتب الحديث، كالسنن الأربع، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، وسنن الدارمي، وغيرها من كتب الحديث المعروفة". ا. ه(16).

كما كان - رحمه الله - يُكَرِّر هذه الوصايا وغيرها في نصحه لطلاب العلم إذا استنصحوه فيما يرتبون في طلبهم العلم، وما يطالعون ويقرؤون ويدرسون من الكتب، وكثيرًا ما أسمعه يوصي بذلك في اجتماعاتهم معه في المحاضرات في الجامعات والمعاهد، والمحاضرات والندوات المتعلقة بطلب العلم، وطريقته، وفضل العلم والعلماء، والسعي فيه، وأشباه ذلك.

ولا أحصي كثرة كم كان الشيخ ابن باز يوصي طلابَ العلم، ويوجه سائليه الطالبين توجيههم إلى ما يعتنون به من الكتب والمتون في العقيدة السلفية؛ عقيدة أهل السنة والجماعة خصوصًا، وفي تحصيل علوم الشريعة عمومًا، حيث كان يوجههم - رحمه الله - إلى العناية بكتاب الله وكلامه القرآن، حفظًا وتعلمًا، ومدارسةً وعملاً، والعناية بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيحي الإمامين البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، والجامع الصحيح للترمذي، وسنن النسائي "المجتبى"، وسنن ابن ماجه، ومسند أحمد، وموطأ مالك، وصحيح ابن خزيمة وكتاب التوحيد له، وكتاب الشريعة للآجري، وشرح السنة لهبة الله اللالكائي، وكتب شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وتلميذه ابن القيم، وتلميذه ابن كثير وابن رجب الحنبلي، ومختصرات ورسائل الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ككتاب "التوحيد"، و"كشف الشبهات"، و"ثلاثة الأصول" وغيرها، وكتب أئمة الدعوة من بعده - رحم الله الجميع.

المبحث الرابع: تعليقات الشيخ ابن باز على "فتح الباري":
إن عناية سماحة الشيخ ابن باز بالمدونة العظمى؛ بل وديوان الإسلام الكبير "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، للحافظ الكبير أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773 - 852هـ)، وحفاوته الكبيرة به؛ إنما هي فرع من إجلاله واهتمامه لأصحِّ كتاب بعد كلام الله القرآن: صحيح الإمام الموفق أبي عبدالله البخاري 256هـ، الذي كان مرجع سماحته في دروسه، وقراءاته، وجلساته العلمية المتنوعة.
ولما كان أجلَّ شروح صحيح البخاري - التي نافت على ثلاثمائة شرح - وأعظمَها، وأوسعَها، وأوفرَها، شرحُ الحافظ ابن حجر: "فتح الباري"؛ اتجهتْ همةُ سماحته وعنايته إلى مطالعته، والقراءة والبحث فيه، من فترة مبكرة في مسيرة الشيخ العلمية، حتى سَمَتِ الهمةُ إلى مقابلته على بعض الأصول الخطية، التي استجلبها الشيخ من جهات عدة؛ تحريًّا لضبط وتحقيق وتوثيق هذا الشرح، وسلامته من الغلط والسقط، والتحريف والتصحيف، مع ما انضاف إلى ذلك من التحشية والتعليق على مواطن من المجلدات الثلاثة الأولى منه، في المسائل المتعلقة بالتوحيد والإيمان والعقيدة على وجه الخصوص، متعديًا إلى المباحث الفقهية، والحديثية، والعلل والنكات العلمية، على جهة العموم.

ثم توقف - رحمه الله - عن هذا العمل بنهاية المجلد الثالث؛ لانشغال سماحته بالأعمال العلمية والدعوية والقيادية والوظيفية الكثيرة جدًّا، حتى يسر الله إكمال عمله بالتعليق على المؤاخذات العقدية خصوصًا، من العبد الفقير كانت هذه الصفحات بإشارة الشيخ ابن باز ومراجعته، وقراءته وإشرافه، حتى تم العمل على سوقه وتمامه قبل وفاته - رحمه الله - بأشهر يسيرة(17).

ولعلَّ ظانًّا يظن أن تعليقات الشيخ ابن باز على "فتح الباري"، كانت في العقيدة فقط! وهذا خطأ ووهم؛ بل أكثرُ التعليقات كانت في التنبيه على مخالفات في العقيدة، ولكن كثيرًا أيضًا ما تناول المباحث الحديثية من ناحية فقه الحديث، وعلله، والصناعة الحديثية، وتوثيق الكتاب على أصوله الخطية، والتنبيه على المسائل الفقهية والتاريخية، ما يلحظه القارئ المنصف لهاتيكم التعليقات.

وسأسوق مدلِّلاً على ذلك، نماذجَ من تعليقات سماحة شيخنا على "فتح الباري"، تدل على ما ذكرته من ذلكم التنوع.
1- ففي مسألة أول واجب على المكلف، علَّق سماحته على نقل عن إمام الحرمين نقله الحافظ في "الفتح"، فقال: "الصواب ما ذكره المحققون من أن أول واجب، هو شهادة أن لا إله إلا الله علمًا وعملاً، وهي أول شيء دعا إليه الرسل، وسيدهم وإمامهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أول شيء دعا إليه أنْ قال لقومه: ((قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا))، ولما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله))، ولأن التوحيد شرط لصحة جميع العبادات، كما يدل عليه قوله – تعالى -: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(18)"(19).
2- وفي معرض التنبيه على غلط المعطِّلة المؤوِّلة لصفة العلو، قال سماحته - رحمه الله -: "الصواب عند أهل السنة وصف الله – سبحانه - بأنه في جهة العلو، وأنه فوق العرش، كما دلتْ على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ويجوز عند أهل السنة السؤالُ عنه بأين، كما في "صحيح مسلم" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للجارية: ((أين الله؟))، قالت: في السماء... الحديث". ا.هـ(20).
ثم علَّق الشيخ ابن باز رادًّا على الأشاعرة وأمثالهم في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فقال: "هذا هو قول بعض أهل السنة، وذهب بعض المحققين منهم إلى أن العقل يحسن ويقبح؛ لما فطر الله عليه العباد من معرفة الحسن والقبيح، وقد جاءت الشرائع الإلهية تأمُر بالحسن، وتنهى عن القبيح، ولكن لا يترتب الثواب والعقاب على ذلك إلا بعد بلوغ الشرع، كما حقق ذلك العلامة ابن القيم - رحمه الله - في "مفتاح دار السعادة"، وهذا هو الصواب - والله أعلم". ا.هـ(21).
3- وعلق الشيخ في مسألة التنبيه على التبرُّك بآثار الصالحين، فقال: "هذا خطأ، والصواب ما تقدم في حاشية (ص677)، وغيرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُقاس عليه في مثل هذا، والحق أن عمر - رضي الله عنه - أراد بالنهي عن تتبُّع آثار الأنبياء سدَّ الذريعةِ إلى الشِّرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه - رضي الله عنهما - وقد أخذ الجمهور مما رآه عمر، وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك؛ لأن في حديث عتبان قد قصد أن يتأسى به - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها، فإن التأسي به فيها وتتبعها لذلك، غير مشروع، كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك من فعله إلى الغلو والشرك، كما فعل أهل الكتاب - والله أعلم". ا.هـ(22).
4- ومن تعليقات سماحة الشيخ الفقهية، وأثر الحديث عليها، وضبطه للنسخ، في قوله في تعقب القول بنجاسة أبوال الإبل وما يؤكل لحمه، حيث قال - رحمه الله -: "هذا ليس بجيد، والصواب طهارة أبوال الإبل ونحوها مما يؤكل لحمه، كما يأتي دليله في حديث العرنيين، و(أل) في قوله - عليه السلام -: ((استنزهوا من البول)) للعهد، والمعهود بينهم بول الناس، كما قاله البخاري، وكما يدل عليه حديث القبرين، وأثر أبي موسى المذكور - والله أعلم". ا.هـ(23).
5- وهذا تعليق يُظهر أثر أصول الحديث تطبيقًا في مسألة من العقيدة، تعليقًا على قول الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: "ومن طريق أبي عوانة عن رجل، قال: قدمتْ عائشةُ ذا طوى، حين رفعوا أيديهم عن عبدالرحمن بن أبي بكر، فأمرتْ بفسطاط فضُرب على قبره، ووكلت به إنسانًا وارتحلت"، علق الشيخ ابن باز على هذا بقوله: "هذا الأثر ضعيف؛ من أجل الرجل المبهم، وعلى فرض صحته، فالصواب ما فعله ابن عمر؛ لعموم الأحاديث الدالة على تحريم البناء على القبور، وهي تشمل بناء القباب وغيرها؛ ولأن ذلك من وسائل الشرك بالمقبور؛ فحرم فعله كسائر وسائل الشرك - والله أعلم". ا.ه(24).
6- ومن تعليقاته المتصلة بعلل الحديث، قوله - رحمه الله - على خبر رفع اليدين في تكبيرات الجنازة: "وأخرجه الدارقطني في "العلل" بإسناد جيد عن ابن عمر مرفوعًا، وصوب رفعه؛ لأنه لم يرفعه سوى عمر بن شعبة، والأظهر عدم الالتفات إلى هذه العلة؛ لأن عمر المذكور ثقة فيُقبل رفعه؛ لأنَّ ذلك زيادة من ثقة، وهي مقبولة على الراجح عند أئمة الحديث، ويكون ذلك دليلاً على شرعية رفع اليدين في تكبيرات الجنازة - والله أعلم". ا.هـ(25).
7- وكذا من إعلاله لخبر السؤال والجواب بين عيسى وجبريل - عليهما السلام - قولُ شيخنا - رحمه الله -: "لا ينبغي الجزم بوقوع هذا من عيسى؛ لأن كلام الشعبي لا تقوم به حُجة، وإن كان نقله عن بني إسرائيل فكذلك، وإنما يذكر مثل هذا بصيغة التمريض، كما هو المقرر في علم مصطلح الحديث، والله أعلم". ا.هـ(26).
8- وعلق على مسألة روح المؤمن، مظهرًا الصناعةَ الحديثية بالحكم على الأحاديث المستدل بها - ومنهج الحكم على الأحاديث ظاهر جدًّا في تقريرات الشيخ وحواشيه، وفتاواه ومحاضراته - حيث قال: "خرج الإمام أحمد عن كعب بن مالك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه))، قال الحافظ ابن كثير في إسناد هذا الحديث: إنه إسناد صحيح عزيز عظيم، قال: ومعنى ((يعلق))؛ أي: يأكل، وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود مرفوعًا: ((أرواح الشهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل)) الحديث، والله أعلم". ا.ه(27).
9- ومن دقيق تعليقات سماحة الشيخ المتعلقة بأصول الحديث ودقيق التخصص، قوله - رحمه الله -: "ظاهر كلام المزي في "التهذيب"، والشارح في "تهذيب التهذيب" في ترجمة أبي الأسود وترجمة عبدالله المذكور، أن عبدالله قد سمع من أبي الأسود، ولم ينقلا عن أحد أنه لم يسمعه منه، وذلك هو ظاهر صنيع البخاري هنا؛ لأنه لا يكتفي بالمعاصرة، والله أعلم". ا.هـ(28).

المبحث الخامس: عناية الشيخ ابن باز بأصول الحديث:
والمقصود بأصول الحديث ما عُرف عند المتأخرين "بمصطلح الحديث"، وهو علم من علوم الآلة؛ كأصول الفقه وعلوم العربية المتنوعة، فأصول الحديث آلة لفهم وثبوت وتعلم حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - والتفقُّه فيه، كما أن أصول الفقه آلة لفهم الأحكام الشرعية التفصيلية من أدلتها الشرعية، المسمى بعلم الفقه الإسلامي.
وتتضح عناية سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - بهذا الفرع من فروع السنة النبوية في جانبين مهمين، هما:
الجانب الأول: في مراحله الأولى في طلب العلم، وتلقيه على مشايخه، حيث حفظ الشيخ وقرأ متن "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، للحافظ ابن حجر - حيث لخصها وحررها الحافظُ من مقدمة ابن الصلاح الشهيرة، التي لا يُحصى كم ناظم لها ومختصر - وهكذا كانت عناية طلاب العلم في فن المصطلح بقراءة "النخبة"، قراءةَ حفظٍ لألفاظها، وفهْمٍ لمعانيها، وإدراكًا لمقاصدها، وقرأ شرح الحافظ نفسه على متن النخبة، المسمى "نزهة النظر شرح نخبة الفكر".
كما سمع الشيخ شرح الحافظ ابن كثير على مقدمة ابن الصلاح المسمى "الباعث الحثيث"، واعتنى - رحمه الله - بالألفية في مصطلح الحديث، للحافظ عبدالرحيم العراقي، فحفظها نظمًا، وتفهمها لفظًا، حيث كنت أسمعه يتمثَّل بها استشهادًا عند مناسبتها.

الجانب الثاني: في مرحلة بذل العلم بتعليمه، وعقد الدروس العلمية المرتبة لطلاب العلم، ونال علم المصطلح من ذلك حظه اللائق به من بين أنواع العلوم التي كان سماحة الشيخ يقررها على الطلبة.
فرتب دروسًا كثيرة في تدريس "نخبة الفكر"، وأحيانًا بالقراءة فيها مع شرحها "نزهة النظر شرح نخبة الفِكَر".
كما درَّس نظم البيقونية، ويرى سماحته فيه أنه نظم مختصر جدًّا لا يفي بالمقصود، وأن عناية طالب العلم بالنخبة أنفع له، وأرجى لفائدته.
وبالنسبة إلى "ألفية الحديث" للحافظ العراقي، فكان سماحته يميِّزها على ألفية الجلال السيوطي 911هـ، ويفضلها عليها، مع قوله: فيهما الفائدة الجليلة لطالب هذا الفن.

وفي هذا الصدد أسوق نماذجَ تطبيقيةً من عناية الشيخ بأصول الحديث "المصطلح" علمًا وتطبيقًا في كتبه، ورسائله، ومقالاته:
- ففي بيان المتواتر ووجوب العلم به، قال سماحته حول بيان هيئة كبار العلماء في مجرمي حادثة الحرم، حول الأدلة على خروج المهدي في آخر الزمان: "أما إنكار المهدي المنتظر بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين، فهو قول باطل؛ لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان، وأنه يملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت جورًا - قد تواترت تواترًا معنويًّا، وكثرت جدًّا، واستفاضت كما صرَّح بذلك جماعة من العلماء، منهم أبو الحسن الآبري السجستاني من علماء القرن الرابع، والعلامة السفاريني، والعلامة الشوكاني، وغيرهم، وهو كالإجماع من أهل العلم". ا.هـ(29).
وقال - رحمه الله - تعليقًا على محاضرة حول عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر: "فإن المقبول عندهم أربعة أقسام: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره، هذا ما عدا المتواتر.
أما المتواتر، فكله مقبول، سواء كان تواترًا لفظيًّا أو معنويًّا، فأحاديث المهدي من هذا الباب متواترة تواترًا معنويًّا، فتُقبل بتواترها من جهة اختلاف ألفاظها ومعانيها، وكثرة طرقها وتعدد مخارجها، ونصَّ أهل العلم الموثوق بهم على ثبوتها وتواترها". ا. هـ(30).
وقال سماحته - رحمه الله - في معرض مناقشته ابن حزم - رحمه الله - في حديث المعازف: ((ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف))؛ الذي رواه البخاري عن أبي عامر - رضي الله عنه - وأبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -: "وقد أخطا ابن حزم في ذلك، وأنكر عليه أهل العلم هذا القول، وخطَّؤوه فيه؛ لأن هشامًا من شيوخ البخاري، وقد علقه عنه جازمًا به، وما كان كذلك، فهو صحيح عنده، وقد قبل منه أهل العلم ذلك، وصححوا ما علقه جازمًا به إلى من علقه عنه، وهذا الحديث من جملة الأحاديث المعلقة الصحيحة.
ولعل البخاري لم يصرح بسماعه منه؛ لكونه رواه عنه بالإجازة، أو في معرض المذاكرة، أو لكونه رواه عنه بواسطة بعض شيوخه الثقات، فحذفه اختصارًا، أو لغير ذلك من الأسباب المقتضية للحذف، وعلى فرض انقطاعه بين البخاري وهشام، فقد رواه عنه غيره متصلاً عن هشام بن عمار... إلخ، بأسانيد صحيحة". ا. ه(31).
- وتعقب الشيخُ الحافظَ ابن حجر في ذكر مراتب رجال "التقريب" في المرتبة السابعة: "من روى عنه أكثر من واحد ولم يُوثَّق"؛ حيث علَّق الشيخ بقوله: "هذا يدل على أن صاحب المرتبة السادسة لا يكون مقبولاً، إلا إذا كان قد وثقه بعض الأئمة، وإلا لم يكن بينه وبين صاحب السابعة فَرقٌ، ويغلب على ظني أني قد وقفت على نسخة من هذا الكتاب ذكر فيها أصحاب المرتبة السادسة ما نصُّه: "وقد وثقه"؛ فليحرر، قاله الفقير إلى عفو ربه عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، حُرر في 13/3/1400هـ". ا. هـ(32).

المبحث السادس: عناية الشيخ ابن باز برجال الحديث:
وهذه العناية مظهر جليٌّ يظهر الاهتمام والحفاوة من العالِم بعلم حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث لا يبرز لهذا الفن - العلم برجال الحديث ورواته - إلا مَن تعلق بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته، وتنقيتها، بتميز الصحيح المقبول، من الضعيف والمردود منها، ولا يتأتى هذا بحال إلا بنقد رواة الحديث وتمييزهم؛ فإن معرفة أحوال الرواة صحة وضعفًا، وجرحًا وتعديلاً وعدالة، سببٌ لقبول روايتهم واعتبارها.
ولهذا اعتنى علماء الإسلام بهذا الفن، وتميزوا به عن غيرهم من أتباع الملل والديانات الأخرى، فتأسَّى سماحة الشيخ بهؤلاء العلماء النقاد، وتأثر بهم، وسلك جادتهم.
وكان لعلماء الدعوة الإصلاحية وأئمتها من هذا الفن نصيبٌ؛ فهذا حفيد إمام الدعوة الإصلاحية السلفية، الشيخ المحدث سليمان بن عبدالله بن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب 1233هـ، له العناية الفائقة بالحديث، والمعرفة المتحققة برجاله، حتى إنه ليعرف رجال الحديث ورواته، أشد من معرفته لرجال الدرعية!
وكذا اعتنى سماحة شيخنا ابن باز برواة الحديث ورجاله في معرفتهم في أسمائهم وأعيانهم وأنسابهم، وشيوخهم وطلابهم، وعدالتهم وضبطهم، وكان لرجال "التقريب" من هؤلاء بالخصوص النصيب الظاهر، والحظ الوافر.
وذلك لما لكتاب "تقريب التهذيب"(33)، للحافظ ابن حجر من الحفاوة والمكانة اللائقة به عند أهل العلم؛ حيث حرر فيه الحافظ الناقد الشهاب أحمد بن علي بن حجر أحكامَ علماء الجرح والتعديل في رواة الكتب الستة: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
فلخّص فيه أسماء الرواة في أسانيد تلكم المدونات العظيمة لحديث نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وأنسابهم، وطبقاتهم، ومراتبهم، وأحوالهم، تعديلاً وضبطًا وتجريحًا.
ولشدة عناية الشيخ ابن باز بهذا السفر الجليل "التقريب" وحفاوته به؛ استظهر رجاله وأحوالهم في الغالب الأعم، وكان "التقريب" حاضرًا في دروسه العلمية، ومجالسه البحثية؛ للمراجعة فيه، والتأكد من ضبط رواته، وأحوالهم.
وأسوق في هذا الصدد نماذجَ من بيان الشيخ - رحمه الله - لأحوال الرجال، وأثره على مروياتهم، اهتمامًا برجال الحديث ورواتهم.
فقال - رحمه الله - مبينًا حال ابن جدعان: "وفي إسناده أيضًا علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف عند جمهور من المحدثين، لا يحتج بحديثه، لو سلم الإسناد من غيره، فكيف وفي الإسناد من هو أضعف منه، وهو محمد بن الخطاب المذكور؟ أما توثيق ابن حبان له فلا يُعتمد عليه؛ لأنه معروفٌ بالتساهل، وقد خالفه غيره"(34).
- وقال - رحمه الله - في معرض التنبيه على أغلاط الصابوني في الصفات، على حديث: ((ثلاثة من أصول الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفر مسلمًا بذنب، والإيمان بالأقدار))، قال - رحمه الله - متثبتًا ومعقبًا: "وبمراجعتنا لهذا الحديث في الأصول المعتبرة، اتضح أنه ضعيف جدًّا، وقد رمز له السيوطي في "الجامع" بعلامة الضعف، وأخرجه أبو داود من طريق يزيد بن أبي شيبة عن أنس - رضي الله عنه - ويزيد هذا مجهول كما في "التهذيب" و"التقريب"... والأولى أن يقال في مثل هذا: "وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فينقل بصفة التمريض، كما نصَّ عليه أهل العلم في رواية الأحاديث الضعيفة"(35).
- وقال - رحمه الله - في معرض جواب على سؤال في الأذان، في حكم زيادة الرافضة لفظة (حي على خير العمل): "وعلي بن الحسين - رضي الله عنه - من جملة التابعين، فخبره هذا لو صرَّح فيه بالرفع، فهو في حكم المرسل، والمرسل ليس بحجة عند جماهير أهل العلم، كما نقل ذلك عنهم أبو عمر بن عبدالبر في كتاب "التمهيد"، هذا لو لم يوجد في السنن الصحيحة ما يخالفه، فكيف وقد وُجد في الأحاديث الصحيحة في صفة الأذان ما يدل على بطلان هذا المرسل وعدم اعتباره؟ والله الموفق". ا. هـ(36).
- وقال - رحمه الله - متعقبًا الحافظَ ابن حجر في كتابه "التقريب" في ترجمة حُدير الحضرمي: "قول الحافظ (صدوق) فيه تساهل، والصواب أنه ثقة، وإن وهم فمن الذي لا يهم؟"؛ يعني: حُدير.

تعليقات الشيخ على "التقريب":
ولما كان ثمة رواة في "تقريب التهذيب"، اجتهد الحافظ فيهم وهم من الرواة المختلف فيهم عدالة وجرحًا وضبطًا، فقد تعقب الشيخ ابن باز الحافظ ابن حجر في جمع منهم، وأضاف إليهم فوائد ونكتًا، زادتهم تميزًا وبيانًا.
وقد استعرت من سماحة شيخنا عام 1419هـ في آخر حياته نسخه المطبوعة في مكتبته من كتاب "تقريب التهذيب"، وهي ثلاث نسخ:
1- الطبعة الهندية في مجلد كبير.
2- الطبعة المصرية بتحقيق/عبد الوهاب عبد اللطيف في مجلدين.
3- الطبعة الجديدة في مجلد ضخم، بتحقيق محمد عوامة.
وكان لسماحة الشيخ تعليقات محررة على حواشي هذه الطبعات الثلاث لكتاب "التقريب" من أوائل السبعينيات من القرن الرابع عشر على مدى أكثر من أربعين سنة.
وقد صورتها، ورتبتها حسب حروف المعجم في أسماء الرواة؛ لأفيد منها عند مراجعة "التقريب"(37)، وفي الملحق في آخر هذا البحث نماذج مصورة من هاتيكم التعليقات.
ومنهج الشيخ في هذه التعليقات هو إحالة الباحث إلى "تهذيب التهذيب" أو أصله "تهذيب الكمال"؛ لمزيد تحرير حال الراوي، أو التنويه على من خالف الحافظ بتعديل الراوي، أو تجريحه، أو التدقيق على ضبطه.
وهذه العناية تدلنا على مظهر آخر، ينبغي أن يبرز في حفاوة الشيخ برجال الحديث، وكتب رواتهم.

المبحث السابع: عناية الشيخ ابن باز بالتصحيح والتضعيف:
إن من أولى عناية العلماء النقاد بالحديث النبوي الشريف، والعمل بالسنة الغراء - تمحيصَها وتحقيقها، ببيان صحيحها الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الضعيف أو المنحول عليه والمدخول على دينه وحديثه وسنته، وهذا الشأن هو اهتمام وهمة أهل الحديث في السابق واللاحق.
وكان لسماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز عناية بهذا المظهر من مظاهر الاهتمام بالحديث، حيث كان الشيخ ابن باز يتحرى صحة الأدلة النبوية التي يستدل بها في دروسه وفتاواه، ومحاضراته ومواعظه، وكتاباته ورسائله، ونجده - رحمه الله - يعتني بعزو الحديث إلى مصادره الأصلية من كتب السنة النبوية الأصلية، ومدوناتها الشهيرة؛ فإذا كان الحديث في الصحيحين أو السنن أو المسانيد، يعزوه إليها، كما نلحظه يعتني بالحكم على إسناد ما يستدل به.
ومن أمثلة ذلك ما تَكَرَّر سماعه منه - رحمه الله - في الدروس والمحاضرات واللقاءات، عند ذكر السائلين محبتهم للشيخ في ذات الله، يجيبهم بعبارته المشهورة عنه: "أحبَّك الله الذي أحببتنا له، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتحابين فيه؛ فقد روى الإمام مالك في "موطئه" بإسناد صحيح عن ابن عمر - رضي الله عنه - يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: قال الله - عز وجل -: ((وجبتْ محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتباذلين فيَّ، والمتزاورين فيَّ))، نسأل الله التوفيق للجميع".
وهذه العناية بتصحيح الأحاديث المستدل بها، وتحسينها أو بيان ضعفها، يظهر جليًّا في فتاوى سماحته المكتوبة، والمجموع كثير منها ضمن "مجموع فتاوى ومقالات الشيخ"، وأيضًا في كتبه ورسائله الشخصية، وأجوبته على أهل العلم في رسائله وكتبه ونحوهما.
ويظهر هذا أيضًا في رسالة جمعها شيخنا فيما صح عنده من جملة الأذكار والأوراد التي يُذكر الله - عز وجل - بها، وهي على اختصارها نافعة جدًّا، وقد سماها الشيخ "تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة من الأذكار"، وكان لسماحة شيخنا العناية الواضحة على مستوى العلماء ببيان تصحيح الحديث والضعيف؛ حيث اشتهر بذلك بين أهل العلم، والعبد الفقير في بحث مرحلة (الماجستير) أشكلت فيه عليَّ جملة من الألفاظ المنسوبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فجمعتها مخرجة موثقة لكل حديث في بطاقاته، بألفاظها والألفاظ المقاربة لها، وعرضتها قراءة على سماحته، فكان مُحصِّلة حكمه عليها أصلاً عولت عليه، وذلك كأن يقول: "لا أصل له"، أو "لا أعرف له أصلاً"، أو "هذا اللفظ لا أعرفه، وجاءت فيه أحاديث ضعيفة"، أو يقول: "هذا الحديث أصله في الصحيح من حديث فلان..."(38).
ومن مظاهر ذلك عند سماحته - رحمه الله - أنه مقصد الناس وطلاب العلم والمشايخ في أسئلتهم عن صحة الأحاديث وضعفها، وثبوتها من عدمه؛ لما يعرفون ويلاحظون من عناية الشيخ بهذا الشأن.
- وأسوق في هذا المقام أمثلةً وشواهدَ من كلام ابن باز في "مجموع فتاوى ومقالات نافعة"، يبرزان هذا المنهج، وتلكم العناية في منحى التصحيح أو التحسين، ومنحى التضعيف والرد:
- ففي مقام التصحيح للحديث النبوي، قال - رحمه الله - في رسالته: "التعريف بالإسلام ومحاسنه": "وفي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق))، ورواه الحافظ الخرائطي بإسناد جيد بلفظ: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))(39).
- وفي رسالة "فضل الجهاد والمجاهدين"، قال سماحته: "وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من مات مرابطًا في سبيل الله، أُجرِيَ عليه الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتَّان، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع الأكبر))؛ رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، والطبراني في "الأوسط" أطول منه، وقال فيه: ((والمرابط إذا مات في رباطه، كُتب له أجر عمله إلى يوم القيامة، وغُدي عليه ورِيحَ برزقه، ويزوج سبعين حوراء، وقيل له: قف اشفع إلى أن يفرغ من الحساب))، وإسناده مقارب". ا. هـ(40).
- وفي مقام تضعيف ما ينسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وردِّه، أجاب سماحته عن سؤال ورده في الآخذ من اللحية، فقال ضمن جوابه: "أما حديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن كان يأخذ من لحيته من طوالها وعرضها"، فهو حديث باطل عند أهل العلم؛ لأن في إسناده رجلاً يُدعى عمر بن هارون البلخي، وهو متهم بالكذب، وقد انفرد بهذا الحديث دون غيره من رواة الأخبار، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة، فعلم بذلك أنه باطل، لا يجوز التعويل عليه، ولا الاحتجاج به في مخالفة السنة الصحيحة، والله المستعان". ا هـ(41).
- وقال في محاضرة عن توحيد المرسلين، وما يضاده من الكفر والشرك، في الكلام على الأحاديث الناصَّة على عدد الأنبياء والرسل: "وجاء في حديث أبي ذر، عند أبي حاتم بن حبان وغيره، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرسل وعن الأنبياء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفًا، والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر))، وفي رواية أبي أمامة: ((ثلاثمائة وخمسة عشر))، ولكنهما حديثان ضعيفان عند أهل العلم، ولهما شواهد ولكنها ضعيفة أيضًا كما ذكرنا آنفًا، وفي بعضها أنه قال - عليه الصلاة والسلام -: ((ألف نبي فأكثر))، وفي بعضها: ((أن الأنبياء ثلاثة آلاف))، وجميع الأحاديث في هذا الباب ضعيفة؛ بل عدَّ ابن الجوزي حديث أبي ذر من الموضوعات.
والمقصود أنه ليس في عدد الأنبياء والرسل خبر يُعتمد عليه، فلا يعلم عددَهم إلا اللهُ - سبحانه وتعالى - لكنهم جم غفير". ا. هـ(42).
- وقال سماحته في مقال له: بأن القول بإباحة تحديد النسل مخالف للشريعة، والفطرة، ومصالح الأمة: "وأما ما يورده كثير من الناس على أن حديث: ((تزوجوا فقراء، يغنكم الله به))، فلا أصل له، ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه، وكذا الأحاديث التي أوردناها، ولله الحمد والمنة". ا. هـ(43).
- وقال في معرض ذكره الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم الأغاني وآلات اللهو: "وهذا الحديث - وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من استمع إلى قينةٍ صُبَّ في أذنه الآنك يوم القيامة))، وإن كان مداره على عبيدالله بن زخر، عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم، فعبيدالله بن زخر ثقة، والقاسم ثقة، وعلي ضعيف، إلا أن للحديث شواهدَ ومتابعاتٍ، سنذكرها إن شاء الله تعالى". ا. ه(44).
- وقال - رحمه الله -: "وأما حديث ((الحجر الأسود يمين الله))، فهو حديث ضعيف، والصواب وقفه على ابن عباس - رضي الله عنه". ا. هـ(45).
هذا، وقد مضى في المباحث السابقة سوق جملة من تصحيحات سماحة الشيخ وتضعيفه لأحاديث كثيرة في العقيدة وغيرها، بما أغنى عن إعادته مرة أخرى، فراجعه مأجورًا.

المبحث الثامن: اهتمام سماحة الشيخ بالعمل بالحديث وترجيحه:
المحتفون بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته، يظهر عليهم آثار ذلك بشكل أو بآخر؛ لأنهم يتناقلون سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وينتسبون إليها، فهم أهل الحديث، كما قال الأول:

أَهْلُ الحَدِيثِ هُمُ أَهْلُ النَّبِيِّ وَإِنْ * * لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أَنْفَاسَهُ صَحِبُوا

وقد ظهرت عناية الشيخ ابن باز بالحديث النبوي، واهتمامه به، عملاً ودعوة وترجيحًا له، ظهورًا بارزًا، حتى اعتُبر سماحته باعثَ مدرسة أهل الحديث في هذا القرن المتقدم: القرن الرابع عشر.
وهذا الاهتمام كان من أهم البواعث والأسباب في مقومات بلوغ الشيخ مرتبة عالية في الاجتهاد، وفي استنباط الأحكام الشرعية، والرجوع بالمسائل إلى أدلتها، والذي ما كان ليتأتى لسماحة الشيخ وأمثاله من العلماء والمجتهدين، إلا بالتأسي أولاً على الراجح من الأقوال في مذهب من مذاهب أهل السنة الفقهية المعتبرة، أيضًا فهم الشيخ واستعداده، وقبل ذلك حرصه وهمته إلى تتبع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحديثه، وتقديمه على غيره، وترجيح الأقوال والمذاهب والمسائل باعتباره.
وقد نقم متعصبو المذاهب الفقهية المشهورة على سماحة الشيخ هذا المنهج، بدعوى قفل باب الاجتهاد، وانقطاع من يصل إليه من العلماء في الأزمان المتأخرة، ولكن سماحته لم يبالِ بهذا، ودرج على منهجه، وإن خالف المُفتى به من مذهب الحنابلة الذي درسه، أو خالف المشهور من المذاهب الأربعة، كما في جملة من مسائل الطلاق: طلاق الحائض، والطلاق الثلاث بلفظ واحد، وذيولهما.
ولاقى الشيخ في هذا عنتًا، لكن دروجه على العمل بالحديث، وترجيحه عند الخلاف على أقوال الجماهير ومشاهير الفتاوى، جعله لا يتراجع عن منهجه، وسماحة شيخنا في كثير من اختياراته وفتاواه يوافق اختيارات المحققين من العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيميَّة وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله - بل وأضحى ما كان يُفتي به سماحته في هذه المسائل، هو المعولَ عليه في الفتوى بعده عند جماهير المفتين في البلاد السعودية وغيرها، وهذا حصل بالتتبُّع للمجامع والهيئات والمفتين في كثير منهم.
ولهذا الاهتمام نماذج كثيرة جدًّا من أقوال الشيخ وفتاواه، واجتهاداته وأحواله، ولئلا يطول المقام؛ أعرض نموذجًا واحدًا في مسألة اشتهرت عند متأخري المذاهب الحنابلة وغيرهم، في فضل ليلة النصف من شعبان(46)، وإحيائها بالصلاة والدعاء والذكر ونحو ذلك.
فقال - رحمه الله - في رسالة "حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان": "وقد ورد في فضلها أحاديثُ ضعيفةٌ لا يجوز الاعتماد عليها، أما ما ورد في فضل الصلاة فيها، فكله موضوع، كما نبَّه على ذلك كثير من أهل العلم، وسيأتي ذكر بعض كلامهم - إن شاء الله.
وورد فيها أيضًا آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم، والذي أجمع عليه جمهور أهل العلم أن الاحتفال بها بدعة، وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة، وبعضها موضوع، وممن نبَّه على ذلك الحافظ ابن رجب في كتابه "لطائف المعارف" وغيره.
والأحاديث الضعيفة إنما يعمل بها في العبادات التي قد ثبت أصلُها بأدلة صحيحة، أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فليس له أصل صحيح؛ حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة.
وأما ما اختاره الأوزاعي - رحمه الله - من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول، فهو غريب وضعيف؛ لأنَّ كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونُه مشروعًا، لم يَجز للمسلم أن يُحدِثه في دين الله، سواء فعله مفردًا أو في جماعة، سواء أسرَّه أو أعلنه؛ لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد))، وغيره من الأدلة الدالَّة على إنكار البدع والتحذير منها". ا ه(47).
ونظائر هذا من كلام الشيخ وتقريراته وأحواله وفتاواه كثيرة، مكتفيًا بهذا عن التطويل بغيره، والله ولي التوفيق.

المبحث التاسع: عناية الشيخ ابن باز بالتخريج ودراسة الأسانيد:
وهذه العناية من سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - مظهر متقدِّم من آثار حفاوته واهتمامه بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال تنقيته وتصفيته مما دخل أو نحل عليه؛ إذ سبيل ذلك هو تتبع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مصادرها الأصلية، ومنحاه البارز في صحة العزو والتوثيق لها، وهو ما يعرف مدلوله ومفهومه عندهم بالتخريج.
أما دراسة الأسانيد، فمرحلة لاحقة تتلو تخريج الحديث النبوي من مصادره الأصلية المسندة؛ فأما التخريج فقد أضحى سمةً على عطاء سماحة شيخنا العلمي والدعوي، من خلال الإفتاء مباشرة بصوته، أو تحريرًا بكتابته، ومن خلال دروسه وتقريراته عليها، ومن خلال تصانيفه في رسائله ومقالاته وردوده، ومن خلال محاضراته وندواته؛ بل لا أبالغ إن قلت: إن مظهر تخريج الأحاديث القولية والفعلية، ملازم لما يصدر عن سماحته من عزو للأحاديث في المسموعات أو المكتوبات من سماحته على تنوعها.
ثم انعكس هذا المظهر على تلاميذ الشيخ ومحبِّيه، والمتأثرين بسماحته، في محاضراتهم وتآليفهم وفتاواهم.

أما دراسة الأسانيد، فكان محورها في عناية الشيخ ابن باز أمرين:
1- تكليفه طلابه بمراجعة أسانيد بعض الأحاديث محل البحث والمراجعة، حيث يرغب سماحته إلى بعض طلابه أو الباحثين بجمع طرق ذاك الحديث، وبيان الاختلاف فيها، وعليها، ومنها، والبحث في مداراتها.
وقد اعتاد طلاب الشيخ - بتوجيه سماحته - عند التخريج سوق الحديث بإسناده من مصدره الأصلي، من الصحيحين، أو السنن، أو المسانيد، أو الصحاح، أو المعاجم، أو الأجزاء والمصنفات.
2- من خلال مراجعة كتب المخرجين من علماء الحديث "التلخيص الحبير"، و"نصب الراية"، للزيلعي، و"البدر المنير"، وكتب ابن الملقن، والبحوث في "فتح الباري"، إلى كتب المعاصرين في هذا الصدد، ومن أكثرها مراجعة تصانيف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في التخريج ودراسة الأسانيد، ولا سيما: "إرواء الغليل تخريج أحاديث منار السبيل"، و"السلسلة الصحيحة"، و"السلسلة الضعيفة"، وأمثالها.
ولعناية سماحة شيخنا بالتخريج والحكم على الأحاديث، أو نقل أحكام العلماء عليها، كأحكام الترمذي والأئمة قبله وبعده - ألَّف رسالته الوجيزة النافعة الماتعة في بيان الأذكار اليومية وغيرها المشروعة العناية بها، وهي رسالة: "تحفة الأخيار"؛ حيث جاء في آخر مقدمتها قوله - رحمه الله -: "وقد رأيت جمع ما يسر الله - تعالى - مما صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأذكار والأدعية المشروعة عقب الصلوات الخمس، وفي الصباح والمساء، وعند النوم واليقظة، وعند دخول المنزل والخروج منه، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند الخروج للسفر والقفول منه.
وقد سميتها "تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من الأدعية والأذكار"، مقتصرًا على ما صحت به الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره". ا هـ.
ومن أمثلة هذه العناية بالتخريج في تحريراته وفتاواه - رحمه الله - على كثرتها جدًّا، ما جاء في رسالة لسماحته في حكم التصوير، حيث قال فيها: "وخرَّج أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُر برأس التمثال الذي في البيت يقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر فليقطع، فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآان، ومُر بالكلب فيخرج))، ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذ الكلب لحسن أو لحسين كان تحت نضيد لهما، فأمر به فأخرج.
هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي منه، ولفظ النسائي: استأذن جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((أدخل))، فقال: ((كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رؤوسها، أو تجعل بساطًا يوطأ؛ فإنَّا معاشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير))، وفي الباب من الأحاديث غير ما ذكرنا كثير". ا ه(48).
أما من النماذج التطبيقية لاهتمام سماحة شيخنا، وعنايته بدراسة الأسانيد، وحفاوته بذلك، البحوث التي كان يكلف بها طلبته في دروسه العلمية المرتبة، أو ما يكلف به الباحثين في المكتب وغيرهم، حتى إنه - رحمه الله - بعد قراءة البحث في تخريج حديث أو أحاديث، وسوق أسانيدها، والكلام عليها وعلى رواتها، يطلب صورًا من هذه البحوث يحتفظ بها في مكتبته؛ ليرجع إليها، ويطالع فيها.

ولكثرة هذه البحوث؛ أسوق عناوين جملة من هذه البحوث التي كلف سماحته العبدَ الفقير بتخريجها والكلام عليها، ذاكرًا للتوثيق واحدًا من أخصرها في هذا الصدد:
1- بحث حديث أم سلمة - رضي الله عنها - في عود الحاج محرمًا عشية يوم النحر إذا لم يطوفوا بالبيت.
2- بحث حديث: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المكاتب يقتل أن يُودى لما أدَّى من مكاتبته دية الحرِّ، وما بقي قيمة العبد".
3- بحث حديث: ((خمس من فعل واحدة منهن كان ضامنًا على الله...)) الحديث.
4- بحث حديث أبي ذر - رضي الله عنه - في النهي عن إذلال السلطان.
5- بحث طرق حديث الافتراق ورواياته.
6- بحث حديث: ((إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم)).
7- بحث حديث: ((إذا سلمتم عليَّ، فسلِّموا على المرسلين؛ فإنما أنا رسول من المرسلين)).

وهذا هو البحث بتمامه - وهو أخصرها:
تخريج حديث: ((إذا سلمتم عليَّ، فسلِّموا على المرسلين؛ فإنما أنا رسول من المرسلين))
هذا الحديث أخرجه الإمام ابن جرير في آخر (تفسير سورة الصافات) (23/74)(49)، وابن سعد في "الطبقات"، وابن مردَويه، وابن أبي حاتم في "تفسيره".
قال ابن جرير: حدثنا بشر: ثنا يزيد: ثنا سعيد عن قتادة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا سلمتم عليَّ، فسلِّموا على المرسلين؛ فإنما أنا رسول من المرسلين)) ا. هـ، هكذا مرسلاً عن قتادة، وكذا أخرجه عبدالرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، كلهم عن قتادة به.
وأخرجه ابن مردويه من طريقين؛ أحدهما: من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة به، والثاني: من طريق أبي العوام، عن قتادة، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - بنحوه، كذا نقله عنه الشوكاني في "تفسيره" 4/ 417.
وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بلفظه.
ونقل الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (4/25) عن ابن أبي حاتم، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، قال: حدثنا أبو بكر بن الأعين ومحمد بن عبدالرحيم صاعقة، قالا: حدثنا حسين بن محمد: حدثنا شيبان عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك عن أبي طلحة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا سلمتم عليَّ، فسلِّموا على المرسلين)). ا هـ.

ورجال هذا الإسناد على النحو التالي:
- علي بن الحسين بن الجنيد، هو الرازي، قال فيه ابن أبي حاتم: صدوق.
- وأبو بكر الأعين، هو محمد بن أبي عتَّاب طريف البغدادي، صدوق من الحادية عشرة (مسلم والترمذي).
- وصاعقة: هو محمد بن عبدالرحيم بن أبي زهير البغدادي البزار، ثقة حافظ من الحادية عشرة (خ د ت س).
- والحسين بن محمد، هو ابن بهرام أبو المؤدب المروذي، ثقة من التاسعة، مات سنة 113هـ، وروى له الجماعة.
- وشيبان هو ابن عبدالرحمن النحوي، نسبة إلى نحوه بطن من الأزد، التميمي مولاهم أبو معاوية، ثقة صاحب كتاب، مات سنة 164هـ، روى له الجماعة.
- وقتادة شيخه، هو ابن دعامة السدوسي، تابعي ثقة ثبت، وعنده تدليس، وها هنا صرَّح بالسماع.
وإسناد ابن أبي حاتم هذا جيد، والحديث به وبالمتابعات الموصولة والمرسلة صحيح، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
وينظر أيضًا: "الصارم المنكي في الرد على السبكي"، لابن عبدالهادي 116- 117، وكتاب "الأذكار"، للشرف النووي، في آخر كتاب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - 177.
هذا، وقد وافق سماحة الشيخ ابن باز بجودة إسناد ابن أبي حاتم، وتصحيح الحديث، وطلب صورة من البحث، وذلك يوم الجمعة 1/6/1415هـ.


(1) هنالك بحث في مرحلة الماجستير قيد الإعداد، في تخصص الحديث، من إعداد الباحث عبدالله المعدي، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، مع بحوث أخرى عن جهود الشيخ ابن باز - رحمه الله - في العقيدة، وفي الدعوة، واختياراته في الفقه، في مراحل الماجستير والدكتوراه.
(2) نشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء بالرياض - المملكة العربية السعودية، إشراف د/ محمد بن سعد الشويعر، عام 1416هـ، الطبعة الأولى.
(3) وهو إمام مسجد ابن شلوان جنوب دخنة، وأول من قرأ عليه شيخُنا، حيث كان قريبًا من منزله، وأخذ عنه المختصرات في التوحيد والفقه.
(4) وأخذ عنه شيخنا في حال كبر الشيخ سعد بن عتيق وضعفٍ من قواه، ولم تطل ملازمته؛ حيث توفي سنة 1349هـ، فقد استفاد منه في التوحيد والحديث.
(5) وأفاد منه الشيخ في الفقه والحساب، واستفاد منه في النحو خاصة.
(6) حيث سافر الشيخ في رمضان سنة 1355هـ، وبقي فيها إلى الحج، وقرأ على الشيخ سعد في دكانه بجوار الحرم.
(7) وهو أجل شيوخه في عينيه، وأعظمهم أثرًا عليه في تعليمه وعنايته، وكان شيخنا عند تذكُّر شيخه يلهج بالدعاء والثناء والترحم عليه، مع تعبره بدمع عينيه - رحم الله الجميع.
(8) المجلس الأعلى للجامعة قد حلَّ، وعُوِّض عنه: مجلس التعليم العالي، برئاسة الملك.
(9) وهو شرح مختصر نافع جدًّا منشور في الفرائض، كان طلاب العلم يحفظونه؛ لسهولة عبارته، وشمولها.
(10) وهي التعليقات على "فتح الباري"، وقد منَّ الله - عز وجل - بإكمالها تحت إشرافه ومتابعته وقراءته - رحمه الله.
(11) ينظر في هذا الصدد على سبيل المثال كتاب "الشيخ ابن باز ومواقفه الثابتة"، جمع الشيخ أحمد الفريح، نشر مكتبة الرشد بالكويت، 1420هـ.
(12) سورة الأنبياء، الآية: 18.
(13) سورة الفرقان، الآية: 33.
(14) سورة الأعراف، الآية: 54.
(15) سورة الأنبياء، الآيات: 26- 28.
(16) "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة"، للشيخ ابن باز، إشراف د/محمد الشويعر 4/238.
(17) وكان الفراغ من التعليق والقراءة والمراجعة على سماحته في شهر رجب من عام 1419هـ بداره العامرة بحي البديعة بالرياض.
(18) سورة الأنعام، الآية: 88.
(19) "فتح الباري" 1/97.
(20) المصدر السابق، 1/291.
(21) المصدر السابق، 1/291.
(22) "فتح الباري" 1/736.
(23) المصدر السابق، 1/438.
(24) المصدر السابق، 3/284.
(25) "فتح الباري"، 3/244.
(26) المصدر السابق، 3/161.
(27) المصدر السابق؛ 3/303.
(28) "فتح الباري" 3/292.
(29) "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" 4/97.
(30) المصدر السابق، 4/99.
(31) المصدر السابق، 3/408- 409.
(32) منقولاً من حاشية الشيخ على نسخته من "التقريب" الطبعة المصرية، وهي مرفقة.
(33) كتاب "تقريب التهذيب" حرَّره الحافظ وهذبه من كتابه الجليل "تهذيب التهذيب"، الذي كان قد اختصره من كتاب شيخ شيوخه: جمال الدين المزي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، الذي هذَّبه من كتاب الحسيني "الكمال في أسماء الرجال".
(34) "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" 1/298.
(35) المصدر السابق، 3/81.
(36) المصدر السابق، 4/261.
(37) وللدكتور عبدالله بن فوزان الصالح الفوزان تحرير ونشر لهذه الخلاصة من تعقبات الشيخ وفوائده، هي قيد النشر.
(38) وقد نقلت خلاصة هذه الأحكام على تلكم الألفاظ منسوبة إلى سماحته في أطروحتي: "ابن الحنبلي وكتابه الرسالة الواضحة في الرد على الأشاعرة" ط1، 1418هـ.
(39) "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة"، 2/215.
(40) المصدر السابق، 2/247.
(41) المصدر السابق، 3/373.
(42) "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" 2/66- 67.
(43) المصدر السابق، 3/329، وكان تحريره هذا المقال في سنة 1385هـ.
(44) المصدر السابق، 3/405.
(45) "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" 3/67.
(46) وممن استحب ذلك من العلماء الحافظ ابن رجب في "لطائف المعارف"، ص259 وما بعدها.
(47) "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" 1/187- 189.
(48) "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" 4/214.
(49) نقله عنهم ابن كثير في "تفسيره"، والشوكاني في "تفسيره"، والسيوطي في "الدر المنثور" 5/294.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-12-09, 09:25 PM
أبو زارع المدني أبو زارع المدني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-07-07
المشاركات: 9,617
افتراضي رد: اهتمام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة

شكرًا لك يا أخي وجزاك الله خيرًا وقد سبقتني , أسأل الله لك الجنة .
__________________
.
(اللَّهمَّ ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسَنةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنةً، وقِنا عذابَ النَّارِ)
AbuZare@hotmail.com
مدونتي
تويتر
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29-12-09, 09:49 PM
العوضي العوضي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-10-02
الدولة: الشارقة - الإمارات
المشاركات: 5,357
افتراضي رد: اهتمام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة

بارك الله في الناقل والكاتب ورحم الله الإمام ابن باز واسكنه الفردوس الأعلى

وحقيقة أن مجلة الدرعية مجلة يغفل عنها - ربما - طلبة العلم وهي مجلة بها الكثير من الدراسات العلمية في شتى المجالات وقد رفعت سابقاً العدد القرآني الذي صدر عنهم
__________________
adelalawadi@
لأي خدمة [علمية] من بلدي الإمارات لا تتردد في الطلب
ahalalquran@hotmail.com
00971506371963
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30-12-09, 12:00 AM
همام النجدي همام النجدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-02-08
المشاركات: 775
افتراضي رد: اهتمام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة

وفق الله الجميع
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17-06-13, 12:33 AM
أبو أحمد خالد الشافعي أبو أحمد خالد الشافعي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-06-11
المشاركات: 6,894
افتراضي رد: اهتمام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة

جزاكم الله خيرا ، والشيخ ابن باز رحمه الله كجبل أحد يحبنا ونحبه .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 02-12-16, 08:17 PM
الحملاوي الحملاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 5,762
افتراضي رد: اهتمام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة

http://catch1000.blogspot.com/2016/0...post_4013.html
__________________
سبحان الله ... والحمد لله ... ولا إله إلا الله ... والله أكبر
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:15 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.