ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #81  
قديم 20-06-10, 05:11 PM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )





الأحد .--------> 20/06/2010 .--------> الصفحة 31 .--------> والصفحة 32










قوله عز وجل : ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ(197)﴾.



قال ابن عباس : لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج ، من أجل قول الله تعالى : ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ . وقال ابن عمر : هي : شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذي الحجة . قال ابن جرير : وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب .

وقوله تعالى : ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾ يقول : من أحرم بحج أو عمرة .

وقوله : ﴿ فَلاَ رَفَثَ ﴾ ، أي : من أحرم بحج أو عمرة فليجتنب الرفث وهو الجماع . وكان ابن عمر يقول : الرفث : إتيان النساء ، والتكلم بذلك للرجال والنساء ، إذا ذكروا ذلك بأفواههم . وقال ابن عباس : الرفث : التعريض بذكر الجماع ، وهي العرابة في كلام العرب ، وهو أدنى الرفث . وقال عطاء : الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش . وقال طاوس : هو أن يقول للمرأة إذا حللت أصبتك .

وقوله : ﴿ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ . قال ابن عباس وغيره : هي المعاصي . وفي الصحيحين عن النبي r : « من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » .

وقوله تعالى : ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ . قال مجاهد : قد بين الله أشهر الحج ، فليس فيه جدال بين الناس . وقال ابن عباس : ﴿ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ . قال : المراء في الحج . وقال ابن مسعود في قوله : ﴿ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ . قال : أن تماري صاحبك حتى تغضبه ، وكذا قال ابن عباس وغيره ، وقال ابن عمر : الجدال في الحج السباب والمنازعة ، وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله r : « من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده ، غفر له ما تقد من ذنبه » . رواه أحمد .

وقوله تعالى : ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ ﴾ ، لمّا نهاهم عن إتيان القبيح حثهم على فعل الجميل ، وأخبرهم أنه عالم به وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة .

وقوله تعالى : ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ . روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوجون ، ويقولون : نحن المتوكلون فأنزل الله : ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ .

وقوله تعالى : ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ ، لمّا أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا ، أرشدهم إلى زاد الآخرة ، وهو استصحاب التقوى ، كما قال تعالى : ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ . وقال مقاتل : لما نزلت هذه الآية : ﴿ وَتَزَوَّدُواْ ﴾ قام رجل من فقراء المسلمين فقال : يا رسول الله ما نجد ما نتزوده ، فقال رسول الله r : « تزود ما تكف به وجهك عن الناس ، وخير ما تزودتم التقوى » . رواه ابن أبي حاتم .

وقوله : ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ ، أي : العقول ، والأفهام ، أي : احذروا عقابي وعذابي لمن خالفني وعصاني .

قوله عز وجل : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199) ﴾ .

روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال : ( كانت عكاظ ومجنة وذوى المجاز أسواقًا في الجاهلية ، فتأثموا أن يتّجروا في الموسم فنزلت : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ في مواسم الحج ) . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية : لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده . وروى أحمد وغيره عن أبي أمامة التيمي قال : قلت لابن عمر : إنا نكري فهل لنا من حج ؟ قال : أليس تطوفون بالبيت ، وتأتون بالمعروف ، وترمون الجمار ، وتحلقون رءوسكم ؟ قال : قلنا : بلى . فقال ابن عمر : جاء رجل إلى النبي r فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ فدعاه النبي r فقال : « أنتم حجاج » .

وقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ . روى أحمد وأهل السنن عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : سمعت رسول الله r يقول : « الحج عرفات ، - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك » . الحديث .

وفي حديث جابر الطويل : ( فلم يزل واقفًا - يعني : بعرفة - حتى غابت الشمس وبدت الصفرة قليلاً ، حتى غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه . ودفع رسول الله r وقد شنق للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى : « أيها الناس السكينة السكينة » . كلما أتى جبلاً أرخى لها قليلاً حتى تصعد ، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب الْقَصْوَاءَ حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ، فدعا الله وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس ) . الحديث رواه مسلم .

وروى أحمد عن جبير بن مطعم عن النبي r قال : « كل عرفات موقف وادفعوا عن عرفة ، وكل مزدلفة موقف وادفعوا عن محسر ، وكل فجاج مكة منحر ، وكل أيام التشريق ذبح » .

وقوله تعالى : ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ ، أي : واذكروه بالتوحيد والتعظيم كما هداكم لدينه ، ومناسك حجه . ﴿ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ ﴾ ، أي : وقد كنتم من قبل هذا الهدى لمن الضالين الجاهلين بدينهم .

وقوله تعالى : ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ . قال أهل التفسير : كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها وهم الحمس ، يقفون بالمزدلفة ويقولون : نحن أهل الله ، وقطان حرمه ، فلا نخلف الحرم ، ولا نخرج منه ، ويتعظمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات ، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزذلفة ، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ، ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس . وقال الضحاك بن مزاحم : ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ ، قال : هو إبراهيم . وروى عن ابن عباس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ها هنا هي : الإِفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار . والله أعلم .

وقوله تعالى : ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، كثيرًا ما يأمر الله بذكره واستغفاره بعد قضاء العبادات ، كما ورد ذلك في أدبار الصلوات وغيرها ، ومن ذلك : « اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغور الرحيم » . وكان r يستغفر بعد السلام ثلاثًا ؛ وفائدة الاستغفار الذل والانكسار بين يدي الجبار ، كما في سيد الاستغفار : « اللهم أنت ربي لا إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك عليّ ، وأبوء بذنبي فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت » . قال رسول الله r : « من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة ، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة » . رواه البخاري .

قوله عز وجل : ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (200) وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) ﴾ .



يأمر تعالى بذكره دائمًا والإكثار منه بعد قضاء المناسك . قال سعيد ابن جبير عن ابن عباس : كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم : كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم ، فأنزل الله على محمد r : ﴿ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ﴾ .
وقوله تعالى : ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ ، أي : حظ ونصيب ، قال ابن عباس : كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون : اللهم اجعله عام غيث ، وعام خصب ، وعام ولاد حسن ، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا ، فأنزل الله فيهم : ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ ، وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، فأنزل الله : ﴿ أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ .







وقوله تعالى : ﴿وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾. قال ابن عباس : الأيام المعدودات : أيام التشريق ، والأيام المعلومات : أيام العشر . وفي الحديث عن النبي r : « لا تصوموا هذه الأيام - يعني : أيام منى - فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل » . رواه ابن جرير . وقال ابن عباس وغيره : الأيام المعدودات أربعة أيام : يوم النحر ، وثلاثة بعده .

وقوله تعالى : ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ . قال قتادة : قوله : ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، أي : من أيام التشريق ﴿ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، ومن أدركه الليل بمنى من اليوم الثاني من قبل أن ينفر ، فلا نفر له حتى تزول الشمس من الغد ، ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، يقول : ومن تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ . قال ابن مسعود : ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، أي : غفر له . ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ قال : غفر له . وقال أبو العالية : ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، قال : ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي . وقال قتادة : ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول : من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه , أو ما سلف من ذنوبه .

وقوله تعالى : ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، أي : اتقوا الله بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه ، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فيجزيكم بأعمالكم . والله أعلم .



* * *

قوله عز وجل : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) ﴾ .

قال السدي : نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف لبني زهرة وأقبل إلى النبي r بالمدينة فأظهر له الإسلام ، فأعجب النبي r ذلك منه وقال : إنما جئت أريد الإسلام والله يعلم أني صادق ، وذلك قوله : ﴿ وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ ، ثم خرج من عند النبي r ، فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر ، فأحرق الزرع وعقر الحمر ، فأنزل الله عزّ وجل : ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾ .

وقال أبو معشر : سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب فقال سعيد : إن في بعض الكتب أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر ، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين ، يجترون الدنيا بالدين . قال الله تبارك وتعالى : أعليّ يجترئون وبي يفترون ؟ فبعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيرانًا . فقال محمد بن كعب : هذا في كتاب الله جل ثناؤه . فقال سعيد : وأين هو من كتاب الله ؟ قال : قول الله عز وجل : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ﴾ ، فقال سعيد : قد عرفت فيم أنزلت هذه الآية ؟ فقال محمد بن كعب : إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد .

وقال الضحاك : ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى ﴾ ، أي : ملك الأمر وصار واليًا ، ﴿ سَعَى فِي الأَرْضِ ﴾ ، قال مجاهد : إذا ولى يعمل بالعدوان والظلم ، فأمسك الله المطر وأهلكم الحرث والنسل .

وقال قتادة : قوله : ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ ، يقول : شديد القسوة في معصية الله ، جدّال بالباطل ، وإذا شئت رأيته عالم اللسان جاهل العمل ، يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة . وفي الحديث عن النبي r : « إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم » . رواه البخاري وغيره .

وقوله تعالى : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ﴾ ، أي : إذا وعظ هذا الفاجر حملته العزة والغضب على الفعل بالإِثم ، ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ ، أي : كافية ﴿ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ الفراش . وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ . قال ابن مسعود : إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال للعبد : اتق الله ، فيقول : عليك بنفسك .



قوله عز وجل : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) ﴾ .

قال ابن عباس وغيره : نزلت في صهيب بن سنان الرومي ، وذلك وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله ، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل ، فتخلص منهم وأعطاهم ماله ، فأنزل الله فيه هذه الآية ، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له : ربح البيع ، فقال : وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم ، وما ذاك ؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية .

وعن صهيب قال : لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي r قالت لي قريش : يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك ، وتخرج أنت ومالك ؟ والله لا يكون ذلك أبدًا فقلت : أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني ؟ قالوا : نعم . فدفعت إليهم مالي فخلوا عني فخرجت حتى قدمت المدينة ، فبلغ ذلك النبي r فقال : « ربح صهيب ، ربح صهيب » . مرتين . رواه ابن مردويه .

وقال ابن عباس : نزلت في سرية الرجيع . وعن المغيرة قال : بعث عمر جيشًا فحاصروا أهل الحصن ، فتقدم رجل من بجيلة فقاتل فقتل ، فأكثر الناس يقولون فيه : ألقى بيده إلى التهلكة . قال : فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : كذبوا أليس الله عز وجل يقول : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ ؟ .

قال ابن كثير : وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله ، كما قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ .

وقال ابن جرير : هي عامة في كل من باع نفسه في طاعة الله ، وإن كان نزولها بسبب من الأسباب ، هذا معنى كلامه .

قوله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208) فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) ﴾ .

قال ابن عباس وغيره : ﴿ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ ﴾ يعني : الإسلام . ﴿ كَآفَّةً ﴾ جميعًا .

وقال مجاهد : أي : اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر ، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ فيما يأمركم به ، ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

وقوله تعالى : ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ ﴾ ، أي : ضللتم ﴿ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ أي : الدلالات الواضحات ﴿ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ قال قتادة : عزيز في نقمته ، حكيم في أمره .

قوله عز وجل : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (210) ﴾ .

يقول تعالى مهددًا للكافرين : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ ﴾ يوم القيامة ﴿ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ﴾ لفصل القضاء والملائكة ، كما قال تعالى : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ . وفي حديث الصور : « وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة ، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان ذي العزة والجبروت ، سبحان الحي الذي لا يموت ، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت ، سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، سبوح قدوس ، سبحان ربنا الأعلى ، سبحان ذي السلطان والعظمة ، سبحانه سبحانه أبدًا أبدًا » . رواه ابن جرير .

قال سفيان بن عيينة : كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره : قراءته والسكوت عليه ، ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله .

وقوله تعالى : ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ ﴾ ، أي : فصل الله القضاء بين الخلق ، وجزي كلٌ بعمله ، ودخل كلٌ منزله : فريق في الجنة وفريق في السعير ، كما قال تعالى : ﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .


__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
  #82  
قديم 20-06-10, 07:51 PM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )

الإثنين .--------> 21/06/2010 .--------> الصفحة 33 .--------> والصفحة 34










قوله عز وجل : ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) ﴾ .

يقول تعالى : ﴿ سَلْ ﴾ يا محمد ، ﴿ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ ، أي : حجة قاطعة بصدق موسى فيما جاءهم به ، كاليد ، والعصا ، وفلق البحر ، وضرب الحجر ، وتظليل الغمام ، وغير ذلك من الآيات ، ومع هذا أعرض كثير منهم وبدلوا وكذبوا الأنبياء ، ولهذا قال : ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ ، كما قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ .



قوله عز وجل : ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) ﴾ .



يقول تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ فآثروها على الآخرة ، ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ حيث آثروا الآخرة وأعرضوا عما يشغلهم عنها . ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ كما قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ .

وقوله تعالى : ﴿ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي : يعطي من يشاء من خلقه عطاء كثيرًا بلا حصر في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ﴿ انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ .



قوله عز وجل : ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (213) ﴾ .

قال ابن عباس : كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .

وقوله تعالى : ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾ ، أي : الكتب بالحق ، أي : الصدق والعدل ، ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ من أمور دينهم ودنياهم . ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ ، أي : الكتاب ، ﴿ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ ، كما قال تعالى : ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ .

قال الربيع بن أنس في قوله : ﴿ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ ، أي : عند الاختلاف ، أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف ، أقاموا على الإخلاص لله عز وجل وعبادته وحده لا شريك له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف ، واعتزلوا الاختلاف ، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة .

وقوله تعالى : ﴿وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ . قال أبو العالية في هذه الآية المخرج من الشبهات ، والضلالات ، والفتن . وعن عائشة رضي الله عنها : إن رسول الله r كان إذا قام من الليل يقول : « اللهم رب جبرائيل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » . رواه البخاري ، ومسلم .



قوله عز وجل : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ (214) ﴾ .



قال عطاء : لما دخل رسول الله r وأصحابه المدينة ، اشتد عليهم الضر لأنهم خرجوا بلا مال ، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، وآثروا مرضاة الله ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله r ، وأسرّ قوم النفاق ، فأنزل الله تعالى تطييبًا لقلوبهم : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ ﴾ . قال مجاهد وغيره : ﴿ الْبَأْسَاء ﴾ : الفقر ، ﴿ وَالضَّرَّاء ﴾ : السقم ، ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ : خوفوا من الأعداء . ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ ﴾ ، أي : ما زال البلاء بهم حتى استبطئوا النصر . قال الله تعالى : ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ﴾ ، وهذه الآية كقوله تعالى : ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ . وفي الحديث الصحيح : « واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرًا » . والله أعلم .

* * *

قوله عز وجل : ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) ﴾ .

قال مقاتل : هذه الآية في نفقة التطوع ، ومعنى الآية : يسألونك كيف ينفقون ؟ فبين لهم تعالى ذلك قال : ﴿ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ، أي : اصرفوا نفقتكم في هذه الوجوه ، كما في الحديث : « أمك وأباك وأختك وأخاك ، ثم أدناك أدناك » ، قال ميمون بن مهران : هذه مواضع النفقة ، ما ذكر فيها طبل ولا مزمار ، ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان .

وقوله تعالى : ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ، أي : فيجازيكم عليه .







قوله عز وجل : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (216) ﴾ .



قال الزهري : الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد ، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين ، وإذا استغيث أن يغيث ، وإذا استنفر أن ينفر ، وإن لم يحتج إليه قعد .

وقوله تعالى : ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ﴾ ، أي : شديد عليكم ، ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، لأن في الغزو إحدى الحسنيين : إما الظفر والغنيمة ، وإما الشهادة والجنة . ﴿ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ ، فإن الذل في القعود ، ﴿ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، أي : هو أعلم بعواقب الأمور منكم ، وأخبر بما فيه صلاحكم .



قوله عز وجل : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (218) ﴾ .



سبب نزول هذه الآية : ( أن رسول الله r بعث عبد الله بن جحش في جمادي الآخرة ، قبل وقعة بدر ، ونفرًا معه سرية ، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة ، من جمادي ، وكانت أول رجب ، ولم يشعروا ، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه ) . قال ابن عباس : وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك ، فقال الله تعالى : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ ﴾ ، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب محمد r ، والشرك أشد منه .

وقال ابن إسحاق : ﴿ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ ، أي : قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه ، فذلك أكبر عند الله من القتل ، ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ أي : ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه ، غير تائبين ولا نازعين .

قال البغوي : قوله تعالى : ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ عظيم ، تم الكلام ها هنا ، ثم ابتدأ فقال : ﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ ﴾ .

قال ابن جرير في قوله تعالى : ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ ، ( وتأويل الكلام : وصد عن سبيل الله وكفر به وعن المسجد الحرام ، وإخراج أهل المسجد الحرام ، وهم أهله وولاته ، أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام ، فالصد عن سبيل الله مرفوع بقوله : ﴿ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ ﴾ ، وقوله : ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ﴾ ، عطف على الصد ، ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال : ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ ، يعني : الشرك أعظم وأكبر من القتل ، يعني : مِنْ قَتْلِ ابن الحضرمي الذي استنكرتم قتله في الشهر الحرام ) . انتهى .

قال ابن هشام : وقال عبد الله بن جحش :



تعدون قتلي في الحرام عظيمة(

وأعظم منه لو يرى الرشد راشد(


صدودكم عما يقول محمد(

وكفر به ولله راء وشاهد (


وإخراجكم من مسجد الله أهله(

لئلا يرى لله في البيت ساجد (




وروى ابن جرير عن جندب بن عبد الله قال : لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه ، وأمر ابن الحضرمي ما كان ، قال بعض المسلمين : إن لم يكن أصابوا في سفرهم ، أظنه قال : وزرًا ، فليس لهم فيه أجر ، فأنزل الله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، قال قتادة : أثنى الله على أصحاب نبيه محمد r أحسن الثناء ، هؤلاء خيار هذه الأمة ، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون ، وأنه من رجا طلب ، ومن خاف هرب .

قوله عز وجل : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ .

الخمر : ما خامر العقل ، والميسر : القمار . وقال القاسم بن محمد : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن صلاته فهو ميسر .

وقوله تعالى : ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾.

قال ابن كثير : ( أما إثمهما فهو في الدين ، وأما المنافع فدنيوية .

وقوله تعالى : ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ ، قال ابن جرير : يعني بذلك عز ذكره : والإثم بشرب هذه ، والقمار بهذا ، أَعظم وأكبر مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما ؛ وإنما كان ذلك كذلك لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض ، وقاتل بعضهم بعضًا ، وإذا ياسروا وقع بينهم فيه بسببه الشر ، فأداهم ذلك إلى ما يأثمون به ، ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يصرح بتحريمها ) . انتهى .

وروى الإمام أحمد وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما نزلت تحريم الخمر قال : اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا ، فنزلت هذه الآية التي في البقرة : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ فدعي عمر ، فقرئت عليه فقال : اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا ، فنزلت الآية التي في النساء : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ﴾ ، فكان منادي رسول الله r إذا أقام الصلاة نادى : أن لا يقربن الصلاة سكران ، فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا ، فنزلت الآية التي في المائدة ، فدعي عمر فقرئت عليه ، فلما بلغ ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴾ ، قال عمر : انتهينا انتهينا ، وزاد ابن أبي حاتم : ( أنها تذهب المال وتذهب العقل ) .

قوله عز وجل : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ .

قال ابن عباس وغيره : العفو ما يفضل عن أهلك ، وفي الحديث الصحيح : « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول » ، وقوله تعالى : ﴿ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ ، أي : كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها ، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده . ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ ، أي : في زوال الدنيا وبقاء الآخرة فتعملوا لها .

__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
  #83  
قديم 20-06-10, 08:00 PM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )

الثلاثاء .--------> 22/06/2010 .--------> الصفحة 35 .--------> والصفحة 36






قوله عز وجل : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) ﴾ .



قال ابن عباس : لما نزلت : ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، و ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ ، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد ، فاشتد ذلك عليهم ، فذكروا ذلك لرسول الله r فأنزل الله : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ ، رواه ابن جرير وغيره . وقال الربيع : للولي الذي يلي أمرهم فلا بأس عليه في ركوب الدابة أو شرب اللبن أو يخدمه الخادم ، وقال السدي : كان العرب يشددون في اليتيم ، حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة ، ولا يركبوا له بعيرًا ، ولا يستخدموا له خادمًا ، فجاءوا إلى النبي r فسألوه عنه فقال : ﴿ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ﴾ ، يصلح له ماله وأمره له خير ، وأن يخالطه فيأكل معه ويطعمه ، ويركب راحلته ويحمله ، ويستخدم خادمه ويخدمه ، فهو أجود .

﴿ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾ ، فقال ابن زيد : والله يعلم حين تخلط مالك بماله ، أتريد أن تصلح ماله أو تفسده فتأكله بغير حق .

وقوله تعالى : ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس : لأخرجكم فضيّق عليكم ولكنه وسّع ويسّر ، فقال : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ .

وقوله تعالى : ﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ، أي : عزيز في سلطانه ، حكيم فيما صنع من تدبيره وترك الأعنات .

قال ابن كثير : وقوله ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي : ولو شاء الله لضيَّق عليكم وأحرجكم ، ولكنه وسَّع عليكم وخفف عنكم ، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن . والله أعلم .

قوله عز وجل : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) ﴾ .



قال علي بن أبي طلحة في قوله : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ : استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب .

وقوله تعالى : ﴿ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ ، قال السدي : نزلت في عبد الله بن رواحة ، كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها ، ثم فزع فأتى رسول الله r فأخبره خبرهما ، فقال له : « ما هي » ؟ قال : تصوم وتصلي وتحسن الوضوء ، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله r ، فقال : « يا عبد الله هذه مؤمنة » ، فقال : والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : نكح أمته ، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم ، فأنزل الله : ﴿ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ .

وقوله تعالى : ﴿وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ ﴾ .

قال البغوي : هذا إجماع لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك .

وقوله تعالى : ﴿أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ ، أي : معاشرتهم ومخالطتهم تبعث على إيثار الدنيا على الآخرة ، وهو موجب للنار . ﴿ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ ، أي : بأمره ، ﴿ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي r : « تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك » .



قوله عز وجل : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾



روى مسلم وغيره عن أنس : أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ، فقال النبي r : « اصنعوا كل شيء إلا النكاح » .

وقوله تعالى : ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ ﴾ ، يعني : الفرج ، قاله ابن عباس وغيره ، وروى الإِمام أحمد وغيره عن عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله r : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال : « ما فوق الإِزار » . وقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ ﴾ ، أي : لا تجامعوهن حتى يطهرن من الحيض ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ أي : اغتسلن ، ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ ﴾ . قال ابن عباس : طؤهن في الفروج ولا تعدوه إلى غيره . ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾ ، من الذنب ، ﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ ، أي : المتنزهين عن الأقذار والأذى ، ومن ذلك إتيان الحائض ، والوطء في الدبر .

قوله عز وجل : ﴿ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) ﴾ .

قال ابن عباس : الحرث موضع الولد ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ ، أي : كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد . وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : كانت اليهود تقول : إذا جامع الرجل امرأته في دبرها في قبلها كان الولد أحول . فنزلت : ﴿ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ .

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في أناس من الأنصار ، أتوا النبي r فسألوه فقال النبي r : « ائتها على كل حال ، إذا كان في الفرج » ، وفي حديث آخر : « أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة » ، وروى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله r : « ملعون من أتى امرأته في دبرها » .

وقوله تعالى : ﴿ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ ﴾ ، قال السدي : يعني : الخير والعمل الصالح . وقال مجاهد : يعني : إذا أتى أهله فليدْعُ ، وفي الصحيحين عن النبي r قال : « لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا » .

وقوله تعالى : ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾ ، أي : خافوا الله فلا ترتكبوا ما نهاكم عنه . ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ ﴾ ، فيجازيكم بأعمالكم . ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، المطيعين بجزيل ثواب الله لهم .










قوله عز وجل : ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) ﴾ .

قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ﴾ : لا تجعلن الله عرضة ليمينك ألا تصنع الخير ، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير ، وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله r قال : « إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرًا منها ، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها » .

وقوله تعالى : ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ، عن عائشة مرفوعًا : « اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته : كلا والله ، وبلى والله » . رواه أبو داود ، وعنها قالت : ( هم القوم يتدارءون في الأمر فيقول هذا لا والله ، وبلى والله ، وكلا والله يتدارءون في الأمر ، لا تعقد عليه قلوبهم ) ، وقالت أيضًا : ( إنما اللغو في المزاحة والهزل ، وهو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله . فذاك لا كفارة فيه ، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله ) . وعن الحسن بن أبي الحسن : ( مر رسول الله r بقوم ينتضلون ، يعني : يرمون ، ومع رسول الله r رجل من أصحابه ، فقام رجل من القوم فقال : أصبت والله ، وأخطأت والله ، فقال الذي مع النبي r للنبي r : حنث الرجل يا رسول الله ، قال : « كلا ، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة » . رواه ابن جرير .

قال ابن كثير : وهذا مرسل حسن . عن الحسن وعن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث ، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال : إن عدت تسألني عن القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة ، فقال له عمر : إن الكعبة غنية عن مالك ، كفّر عن يمينك وكلم أخاك ، سمعت رسول الله r يقول : « لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل ، ولا في قطيعة الرحم ، ولا فيما لا تملك » .

وقوله تعالى : ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ، أي : عزمتم عليه ، وقصدتم به اليمين كما قال تعالى : ﴿ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ ﴾ ، ﴿ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ، أي : غفور لذلات عباده حليم عليهم .

قوله عز وجل : ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) ﴾ .

الإيلاء هو : أن يحلف من جميع نسائه أو بعضهن لا يقربهن ، فإن وقّت بدون أربعة أشهر اعتزل حتى ينقضي ما وقّت به ، وإن وقّت بأكثر منها خيّر بعد مضيها بين أن يفيء أو يطلق .

وقوله تعالى : ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ﴾ ، أي : يحلفون على ترك جماعهن .

وقوله : ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ ، أي : ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف ، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق ، فإن أبي طلق عليه الحاكم .

وقوله تعالى : ﴿فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، استدل بذلك على أنه لا كفارة عليه إذا فاء بعد الأربعة الأشهر ، والجمهور أن عليه التكفير .

وقوله تعالى : ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، قال سعيد بن المسيب : إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يفيء ، وإما أن يطلق ، فإن جاوز فقد عصى الله . والله أعلم .


* * *

قوله عز وجل : ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (228) ﴾ .

القرء : يطلق في اللغة على الحيض والطهر ، وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى : ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ﴾ . فذهب جماعة إلى أنها الأطهار ، وهو قول : الفقهاء السبعة ، ومالك والشافعي ، وذهب جماعة إلى أنها الحيض ، وهو قول : الخلفاء الأربعة ، وابن عباس ، ومجاهد ، وأبي حنيفة ، والإمام أحمد ، وأكثر أئمة الحديث وهو الراجح .

وقوله تعالى : ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ ، أي : لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض والحمل ، لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد ، أو استعجالاً لانقضاء عدتها ، أو رغبة في تطويلها ، بل تخبر بالحق من غير زيادة ولا نقصان .

وقوله تعالى :﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً ﴾ أي : أزواجهن أحق برجعتهن في حال العدة ، ﴿ إِنْ أَرَادُواْ ﴾ بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار بالمرأة .

وقوله تعالى : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي : ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن ، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف ، كما قال رسول الله r ، في خطبته في حجة الوداع : « فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف » . رواه مسلم .

وقوله تعالى : ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ كما قال تعالى : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ ، وقال النبي r : « لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » . وقوله تعالى : ﴿ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾ ، أي : عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره ، حكيم فيما شرع وقدر .

قوله عز وجل : ﴿ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) ﴾ .

روى ابن أبي حاتم وغيره عن عروة بن الزبير : ( أن رجلاً قال لامرأته لا أطلقك أبدًا ، ولا آويك أبدًا ، قالت : وكيف ذاك ؟ قال : أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك ، فأتت رسول الله r فذكرت له ، فأنزل الله عز وجل : ﴿ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ . قال ابن عباس : إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في ذلك ، أي : في الثالثة ، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها ، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا .

وقوله تعالى : ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ ﴾ ، أي : لا يحل لكم أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن إلا في حال الشقاق ، ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ . وعن ابن عباس : ( أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي r فقالت : يا رسول الله ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام . فقال رسول الله r : « أتردين عليه حديقته » ؟ قالت : نعم . قال رسول الله r : « اقبل الحديقة وطلقها تطليقة » . وفي رواية : ( قالت : لا أطيقه ، يعني : بغضًا ) . رواه البخاري . وعند الإمام أحمد : ( فأمره النبي r أن يأخذ ما ساق ولا يزداد ) وعند ابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : ( فردت عليه حديقته . قال : ففرق بينهما رسول الله r ) .

وقوله تعالى : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ، أي : هذه أوامر الله ونواهيه ، فلا تتجاوزوها . واستدل بهذه الآية على أن جمع الثلاث التطليقات بكلمة واحدة حرام . وروى النسائي عن محمود بن لبيد قال : أخبر رسول الله r عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا ، فقام غضبانًا فقال : « أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم » ؟ الحديث .

قوله عز وجل : ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) ﴾ .



يقول تعالى : ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ ، يعني : الطلقة الثالثة ، ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ ﴾ ، أي : من بعد الطلقة الثالثة ، ﴿ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ ، أي : غير المطلق فيجامعها ، ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ ، أي الزوج الثاني بعد الجماع ، ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا ﴾ أي : المرأة والزوج الأول ، ﴿ إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ ﴾ ، أي : يكون بينهما الصلاح وحسن الصحبة . وعن ابن عمر قال : ( سئل النبي r عن الرجل يطلق امرأته فيتزوجها آخر ، فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها ، هل تحل للأول ؟ قال : « حتى تذوق العسيلة » . رواه أحمد وغيره . وروى البخاري ومسلم عن عائشة : ( أن رجلاً طلق امرأته ثلاثًا ، فتزوجت زوجًا فطلقها قبل أن يمسها ، فسئل رسول الله r : أتحل للأول ؟ فقال : « لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول » . وروى الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود قال : ( لعن رسول الله r الواشمة والمستوشمة ، والواصلة والمستوصلة ، والمحلِّل والمحلَّل له ، وآكل الربا وموكله ) .


__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
  #84  
قديم 20-06-10, 08:06 PM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )

الأربعاء .--------> 23/06/2010 .--------> الصفحة 37 .--------> والصفحة 38






قوله عز وجل : ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) ﴾ .

قال ابن عباس وغيره : كان الرجل يطلق المرأة ، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارًا ، لئلا تذهب إلى غيره ، ثم يطلقها فتعتد ، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة ، فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه فقال : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ .

وقوله تعالى : ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً ﴾ ، روى ابن جرير عن أبيموسى : ( أن رسول الله غضب على الأشعريين ، فأتاه أبو موسى فقال : يا رسول الله غضبت على الأشعريين ؟ فقال : « يقول أحدكم : قد طلقت ، قد راجعت ، ليس هذا طلاق المسلمين ، طلقوا المرأة في قُبُل عدتها » . وقال الحسن وغيره : هو الرجل يطلق ويقول : كنت لاعبًا ، أو يعتق أو ينكح ويقول : كنت لاعبًا فأنزل الله : ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً ﴾ فألزم الله بذلك . وروى أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي r قال : « ثلاث جدّهن جدّ ، وهزلهن جد : النكاح ، والطلاق ، والرجعة » .

وقوله تعالى : ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي : في إرساله الرسول إليكم ﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ﴾ ، أي : السنة ﴿ يَعِظُكُم بِهِ ﴾ يأمركم وينهاكم ، ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾ فيما تأتون وما تذرون ، ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ، أي : فلا يخفى عليه شيء من أموركم وسيجازيكم على أعمالكم ، إن خيرًا فخير ، وإن شرًا فشر .

قوله عز وجل : ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (232) ﴾ .



روى أبو داود وغيره عن الحسن : ( أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها ، فتركها حتى انقضت عدتها ، فخطبها فأبى معقل ، فنزلت : ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ .

وقوله تعالى : ﴿إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي : بعقد حلال ومهر جائز ، ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ ، أي : ردهن إلى أزواجهن . ﴿ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ ، أي : ردهن إلى أزواجهن خير لكم وأطهر لقلوبكم ﴿ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، أي : يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم ، فاتبعوا أمر الله واتركوا الحمية ، فإنه تعالى أعلم بمصالح خلقه من أنفسهم .



قوله عز وجل : ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) ﴾ .

قال البغوي : ( قوله تعالى : ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ﴾ أي : المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن ، ﴿ يُرْضِعْنَ ﴾ ، خبر بمعنى الأمر ، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب ، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من يرضع الولد ، لقوله تعالى في سورة الطلاق : ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها ) . انتهى . وعن أم سلمة قالت : قال رسول الله r : « لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام » . رواه الترمذي . وعن ابن عباس قال : قال رسول الله r : « لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين » . رواه الدار قطني وغيره . قيل : إن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد ، إما في بدنه أو عقله .

وقوله تعالى : ﴿ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا ﴾ ، أي : وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن ، بما جرت به عادة أمثالهن بحسب قدرته ، كما قال تعالى ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ . قال الضحاك : إذا طلق زوجته وله منها ولد فأرضعت له ولده ، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف .

وقوله تعالى : ﴿ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ﴾ . قال مجاهد : ﴿ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾ لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على أبيه ( ولا يضار ) الوالد بولده فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها . وقال ابن زيد : لا ينتزعه منها وهي تحب أن ترضعه فيضارها ، ولا تطرحه عليه وهو لا يجد من يرضعه ولا يجد ما يسترضعه به .

وقوله تعالى : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ ، أي : وارث الصبي . قال الحسن : إذا توفي الرجل وامرأته حامل فنفقتها من نصيبها ، ونفقة ولدها من نصيبه من ماله ، إن كان له مال ، فإن لم يكن له مال فنفقته على عصبته . واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن نفقة الحامل من مال الحمل .

وقوله تعالى : ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ . قال مجاهد : التشاور فيما دون الحولين ، ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى ، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى ، فإن لم يجتمعا فليس لها أن تفطمه دون الحولين .

وقوله تعالى : ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾ . قال مجاهد : ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ ﴾ خيفة الضيعة على الصبي ، ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، قال : حساب ما أرضع به الصبي ، وهذه الآية كقوله تعالى : ﴿ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾ .

وقوله تعالى : ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، أي : واتقوا الله في جميع أحوالكم وأقوالكم ، ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فلا يخفى عليه شيء . والله أعلم .



* * *








قوله عز وجل : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) ﴾ .

قال ابن عباس : هذه عدة المتوفي عنها زوجها إلا أن تكون حاملاً ، فعدتها أن تضع ما في بطنها . وفي الصحيحين عن أم سلمة : ( أن امرأة توفي عنها زوجها واشتكت عينها ، فأتت النبي r تستفتيه في الكحل فقال : « لقد كانت إحداكن تكون في الجاهلية في شر أحلاسها ، فتمكث في بيتها حولاً إذا توفي عنها زوجها ، فيمر عليها الكلب فترميه بالبعرة ، أفلا أربعة أشهر وعشرًا » ؟ . وقال الربيع عن أبي العالية في قوله : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ . قال : قلت : لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة ؟ قال : لأنه ينفخ فيه الروح في العشر .

وقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ . قال مجاهد : هو النكاح الحلال الطيب . وقال ابن عباس : إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها ، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج ، فذلك المعروف .

وقوله تعالى : ﴿ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ، أي : فلا تعضلوهن ممن أردن نكاحه بالمعروف ، فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم .



قوله عز وجل : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلا أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) ﴾ .



قال ابن عباس وغيره التعريض : أن يقول إن أريد التزويج ، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها ، يعرض لها بالقول المعروف ، وقال مجاهد : يعرض للمرأة في عدتها فيقول : والله إنك لجميلة ، وإن النساء لمن حاجتي ، وإنك إلى خير إن شاء الله .

وقوله : ﴿ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ ، أي : أضمرتم نكاحهن بعد العدة . ﴿ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ ، أي : في أنفسكم وبألسنتكم ﴿ وَلَـكِن لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ﴾ . قال ابن عباس : يقول : لا تقل لها : إني عاشق وعاهديني ألا تتزوجي غيري . وقال مجاهد : لا يأخذ ميثاقها في عدتها أن لا تتزوج غيره .

وقوله تعالى : ﴿ إِلا أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ، أي : التعريض بالخطبة .

وقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ . قال مجاهد : حتى تنقضي العدة .

وقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾، قال مجاهد : حتى تنقضي العدة .

وقوله تعالى : ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾ ، أي : فخافوا الله ولا تضمروا إلا الخير ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾، لا يعجل بالعقوبة .

قوله عز وجل : ﴿ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) ﴾ .

قال ابن عباس : المس : الجماع ، ولكن الله يكني ما يشاء بما شاء ، والفريضة الصداق .

وقوله تعالى : ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ . قال ابن عباس : فهذا الرجل يتزوج المرأة ولم يسم لها صداقًا ، ثم يطلقها من قبل أن ينكحها ، فأمر الله سبحانه أن يمتعها على قدر عسره ويسره ، فإن كان موسرًا متّعها بخادم أو شبه ذلك ، وإن كان معسرًا متعها بثلاثة أثواب أو نحو ذلك .



قوله عز وجل : ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) ﴾ .



قال ابن عباس في قوله : ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ، فهذا الرجل يتزوج المرأة وقد سمى لها صداقًا ثم يطلقها من قبل أن يمسها ، فلها نصف صداقها ليس لها أكثر من ذلك . وقال عكرمة : إذا طلقها قبل أن يمسها وقد فرض لها ، فنصف الفريضة لها عليه ، إلا أن تعفو عنه فتتركه .

وقوله تعالى : ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ قال ابن عباس : هو أبو الجارية البكر جعل الله سبحانه العفو إليه ، ليس لها معه أمر ، إذا طلقت ما كانت في حجره . وفي رواية : هو الزوج . وكذا قال مجاهد .



قوله عز وجل : ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ ، قال ابن عباس : أقربهما للتقوى الذي يعفوا : وقال الشعبي : ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ ، وأن يعفوا هو أقرب للتقوى .



وقوله تعالى :﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. قال مجاهد : ولا تنسوا الفضل بينكم في هذا وفي غيره . وعن سعيد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه ابنة له فتزوجها ، فلما خرج طلقها ، وبعث إليها بالصداق ، قال : قيل : له : فلم تزوجتها ؟ قال : عرضها عليّ فكرهت ردها ، قال : فلم تبعث بالصداق ؟ قال : فأين الفضل ؟ وعن مجاهد : ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ قال : إتمام الزوج الصداق ، أو ترك المرأة الشطر .

__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
  #85  
قديم 20-06-10, 08:18 PM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )


الخميس .--------> 24/06/2010 .--------> الصفحة 39 .--------> والصفحة 40





قوله عز وجل : ﴿ حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (238) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (239) ﴾ .



قال بعض العلماء : ذكر المحافظة على الصلوات هنا لئلا يشتغلوا بالنساء فيغفلوا عنها . قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ . وقال مسروق : المحافظة على الصلوات المحافظة على وقتها وعدم السهو عنها .

وقوله تعالى :﴿والصَّلاَةِ الْوُسْطَى ﴾ . قال علي بن أبي طالب وغيره: هي صلاة العصر . وفي الصحيحين : إن النبي r قال يوم الخندق : « شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر » .

وقوله تعالى : ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ﴾ . قال الشعبي وغيره : مطيعين . وعن زيد بن أرقم قال : ( إنا كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي r ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته ، حتى نزل : ﴿ حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ﴾ ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ) . متفق عليه .

وقال مجاهد : ﴿ وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ﴾ ، فمن القنوت طول الركوع ، وغض البصر ، وخفض الجناح ، والخشوع من رهبة الله . كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو أن يقلب الحصى ، أو يعبث بشيء ، أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيًا .

وقوله تعالى : ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ﴾ ، قال إبراهيم : عند المطاردة يصلي حيث كان وجهه راكبًا أو راجلاً ، ويجعل السجود أخفض من الركوع ، ويصلي ركعتين يومئ إيماء . وقال قتادة أحل الله لك إذا كنت خائفًا عند القتال ، أن تصلي وأنت راكب ، وأن تسعى تومئ برأسك من حيث كان وجهك ، إن قدرت على ركعتين وإلا فواحدة .

وقوله تعالى : ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، كقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً ﴾ ، وقال ابن زيد في قوله : ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ ﴾ ، قال : فإذا أمنتم فصلوا الصلاة كما افترض الله عليكم ، إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة .



قوله عز وجل : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) ﴾ .



قال قتادة : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولاً في مال زوجها ما لم تخرج ، ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء فجعل لها فريضة معلومة الثمن إن كان له ولد ، والربع إن لم يكن له ولد ، وعدتها أربعة أشهر وعشر . فقال تعالى ذكره : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها في أمر الحول .

وقوله تعالى : ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، يا أولياء الميت ﴿ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ﴾ ، يعني : التزين للنكاح ، خيّرها الله تعالى بين أن تقيم حولاً ولها النفقة والسكنى ، وبين أن تخرج ، فلا نفقة ولا سكنى ، إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشر .

وقوله تعالى : ﴿وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ، أي : عزيز في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده من الرجال والنساء ، حكيم في أقضيته وقدره .



قوله عز وجل : ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) ﴾ .



قال عطاء في قوله : ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ قال : المرأة الثيب يمتعها زوجها إذا جامعها بالمعروف . وقال سعيد بن جبير : لكل مطلقة متاع بالمعروف حقًا على المتقين .

وقال البغوي : إنما أعاد ذكر المتعة ها هنا لزيادة معنى ، وذلك أن في غيرها بيان حكم الممسوسة ، وفي هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة .

وقوله تعالى : ﴿كَذَلِكَ ﴾ ، أي : مثل أحكام الطلاق والعدة وغير ذلك ﴿ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ ، في إحلاله وتحريمه ، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ تفهمون وتدّبرون . والله أعلم .


* * *

قوله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (243) ﴾ .



قال البغوي : قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، أي : ألم تعلم بإعلامي إياك ، وهو من رؤية القلب ، وقال أهل المعالي : هو تعجيب . يقول : هل رأيتم مثلهم ؟ كما تقول : ألم تر إلى ما يصنع فلان ؟ وكل ما في القرآن ألم تر ، ولم يعاينه النبي r ، فهذا وجهه .

قال أكثر أهل التفسير : كانت قرية يقال لها داوردان من قِبَل واسط بها وقع الطاعون ، فخرجت طائفة منها ، وبقيت طائفة ، فهلك أكثر من بقي في القرية ، وسلم الذين خرجوا ، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين ، فقال الذين بقوا : أصحابنا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا لبقينا ، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء بها . فوقع الطاعون من قابل ، فهرب عامة أهلها وخرجوا حتى نزلوا واديًا أفْيَح ، فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي ، وآخر من أعلاه : أن موتوا . فماتوا جميعًا .

وساق بسنده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام ، فلما جاء سرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام ، فأخبره عبد الرحمن بن عوف : أن رسول الله r قال : « إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه فرجع عمر من سرغ » . والحديث في الصحيحين .

قال البغوي : وأولى الأقاويل قول من قال : كانوا زيادة على عشرة آلاف ؛ لأن الله تعالى قال : ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾ ، قالوا : فمر عليهم نبي يقال له : حزقيل فجعل يتفكر فيهم متعجبًا ، فأوحى الله تعالى إليه : تريد أن أريك آية ؟ قال : نعم فأحياهم الله ، ﴿ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ .



قوله عز وجل : ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) ﴾ .



يقول تعالى : وقاتلوا في سبيل الله عدوي وعدوكم من المشركين ، ولا تقعدوا عن الجهاد خوف القتل ، فإنه لا مفر عن الموت ولا يغني حذر عن قدر ، كما قال تعالى : ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .

قوله عز وجل : ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) ﴾ .

قال البغوي : القرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه ، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما أعد لهم من الثواب قرضًا ؛ لأنهم يعملون لطلب ثوابه . قال الكسائي : القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيء . وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : ( لما نزلت : ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ﴾ . قال أبو الدحداح الأنصاري : يا رسول الله ، وإن الله عز وجل ليريد منا القرض ؟ قال : « نعم يا أبا الدحداح » . قال : أرني يدك يا رسول الله . قال : فناوله يده قال : فإني قد أقرضت ربي عز وجل حائطي . قال : وحائط له فيه ستمائة نخلة ، وأم الدحداح فيه وعيالها ، قال : فجاء أبو الدحداح فنادها : يا أم الدحداح . قالت : لبيك . قال : اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل ) .

وقوله تعالى : ﴿وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، روى ابن جرير وغيره عن أنس بن مالك قال : غلا السعر على عهد رسول الله r فقالوا : يا رسول الله غلا السعر ، فسعِّر لنا ؟ فقال رسول الله r : « إن الله الباسط القابض الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ومال » .








قوله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) ﴾ .

قال وهب بن منبه وغيره : كان بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق الاستقامة مدة من الزمان ، ثم أحدثوا الأحداث وعبد بعضهم الأصنام ، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويقيمهم على منهج التوراة إلى أن فعلوا ما فعلوا ، فسلَّط الله عليهم أعداءهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وأسروا منهم خلقًا عظيمًا ، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة ، واستلبوا منهم التابوت الذي كان موروثًا لخلفهم عن سلفهم .

إلى أن قال : فأوحى الله إلى شمويل وأمره بالدعوة إليه وتوحيده ، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكًا يقاتلون معه أعداءهم ، وكان الملك قد باد فيهم ، فقال لهم النبي : فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكًا أن لا تقاتلوا وتفوا بما التزمتم من القتال معه ؟ قالوا : وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا ، أي : وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد .

قال الله تعالى : ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ ، أي : ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم .



قوله عز وجل : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) ﴾ .



قال قتادة : بعث الله طالوت ملكًا ، وكان من سبط بنيامين سبط لم يكن فيهم مملكة ولا نبوة ، وكان في بني إسرائيل سبطان : سبط نبوة ، وسبط مملكة ، وكان سبط النبوة سبط لاوى إليه موسى ، وسبط المملكة يهوذا إليه داود وسليمان ، فلما بعث من غير النبوة والمملكة أنكروا ذلك ، وعجبوا منه ، وقالوا : أنى يكون له الملك علينا ! ؟ وليس من سبط النبوة ولا من سبط المملكة ؟ فقال : ﴿ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قوله عز وجل : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) ﴾ .



قال قتادة : ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ ﴾ ، أي : وقار . وقال عطاء : ما تعرفون من آيات الله فتسكنون إليه .

وقوله تعالى : ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ﴾ . قال ابن عباس : عصا موسى ورضاض الألواح . قال ابن عباس : جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض ، حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون .

__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
  #86  
قديم 21-06-10, 09:08 PM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )

الجمعة .--------> 25/06/2010 .--------> الصفحة 41 .--------> والصفحة 42




قوله عز وجل : ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) ﴾ .

روى البخاري عن البراء بن عازب قال : ( كنا نتحدث أن أصحاب محمد  الذين كانوا معه يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ، وما جازه معه إلا مؤمن ) . قال ابن عباس : فلما فصل طالوت بالجنود غازيًا إلى جالوت ، قال طالوت لبني إسرائيل : إن الله مبتليكم بنهر ، قال : هو نهر بين الأردن وفلسطين ، نهر عذب الماء طيبه .
وقال قتادة : ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ . قال : كان الكفار يشربون فلا يروون ، وكان المسلمون يغترفون غرفة فتجزيهم ذلك . وقال ابن عباس : لما جاوزه هو والذين آمنوا معه ، قال الذين شربوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده . وقال السدي : عبر مع طالوت النهر من بني إسرائيل أربعة آلاف ، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضًا ، وقالوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده . فرجع عنه أيضًا ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون . وخلص في ثلاثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر .
وقال بعضهم في قوله تعالى : ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ ﴾ ، هم العلماء من القليل : ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ .

قوله عز وجل : ﴿ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) ﴾ .
يقول تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَرَزُواْ ﴾ ، يعني : طالوت ومن معه من المؤمنين للعدو ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم ﴾ ، كسروهم ، ﴿ بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ وكان طالوت وعده أن يزوجه ابنته إن قتل جالوت ، ويشركه في أمره ، فيما قال وهب . فآل الملك إلى داود ، ﴿ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ ﴾ ، الذي كان بيد طالوت ، ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾ ، أي : النبوة بعد شمويل ، ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ ، من صنعة الدروع وغير ذلك ، ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ﴾ ، كما قال تعالى : ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ .
وعن مجاهد : ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر ، وببقية أخلاق الناس بعضهم عن بعض ؛ لهلك أهلها . وقال علي رضي الله عنه : لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم . وعن ابن عمر قال : قال رسول الله  : « إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة بيت من جيرانه البلاء » ، ثم قرأ ابن عمر : ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ﴾ .
وأكثر كلام المفسرين على أن الآية في الجهاد ، ولديّ أنها عامة فيه وفي غيره ، وأسند للشيخ عبد الرحمن أنها عامة ، وهذا نص كلامه ، قال : ( ومن ذلك ما ذكرت في آية البقرة : ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ﴾ ، وأن كلام المفسرين يدور على الجهاد فقط ، وظنكم أنها عامة ، فهو كما ظننتم ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ ، وعموم المعنى لا بخصوص السبب ، والجهاد جزء من أمور كثيرة يحصل فيها دفع الناس بعضهم ببعض . وإذا نزلتها على الواقع السابق واللاحق ، ورأيت الأسباب المتعددة التي حصل بها عن العباد مدافعات كثيرة ووقيات من شرور بصدد أن تقع لولا تلك الأسباب ، لا تضح لك أنها عامة ، وأنها من أكبر نعم الله على عباده وتمام وقياته . وفي الحديث الصحيح : « إن الله ليؤيد هذا الرجل بالرجل الفاجر ، وبأقوام لا خلاق لهم » . عام في الجهاد وغيره ، ونرجو الله تعالى أن يلطف بالمسلمين وأن يقيهم شر الشرور التي يترقبها الخلق كل ساعة ، ويقدر من ألطافه ما يدفع به عن عباده المؤمنين ، إنه جواد كريم ) . انتهى .
فالظاهر أن المراد بقوله تعالى في هذه الآية : ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ﴾ ، أنه عام في جميع الناس مسلمهم وكافرهم ، وأن دفع الله شر بعضهم ببعض من نعمه السابقة على خلقه .
وقوله تعالى : ﴿ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ ، أي : بدفع بعضهم عن بعض .
وقوله تعالى : ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ، يقول : تلك آيات الله التي اقتص فيها قصص من مضى ، نتلوها عليك بالحق اليقين ، وإنك يا محمد لمن المرسلين . وبالله التوفيق .
* * *




قوله عز وجل : ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) ﴾ .

قال مجاهد : في قول الله تعالى : ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ قال : يقول : منهم من كلم الله ورفع بعضهم على بعض درجات . يقول : كلم الله موسى ، وأرسل محمدًا إلى الناس كافّة .
قوله تعالى : ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ ، أي : وآتينا عيسى بن مريم الحجج ، والأدلة على نبوته من إبراء الأكمه ، والأبرص ، وإحياء الموتى ، وما أشبه ذلك مع الإنجيل .
وقوله تعالى : ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ ، يعني : وقويناه بروح الله ، وهو : جبريل .
وقوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ ، قال قتادة : من بعد موسى وعيسى .
وقوله تعالى : ﴿ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ ، أي : يوفق من يشاء بفضله ورحمته ، ويخذل من يشاء بعدله وحكمته ، وله الحجة البالغة والحكمة التامة ، وهذه الآية كقوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .
قوله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) ﴾ .
قال ابن جريج : قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم ﴾ قال : من الزكاة والتطوع ، ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ﴾ قال قتادة : قد علم الله أن ناسًا يتحابون في الدنيا ، ويشفع بعضهم لبعض ، فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين .
وقوله تعالى : ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ، أي : لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها . قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ ، قال عطاء : بن دينار : الحمد لله الذي قال : ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ولم يقل والظالمون هم الكافرون .

قوله عز وجل : ﴿ اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) ﴾ .

عن أبي بن كعب : ( أن النبي  سأله : « أي آية في كتاب الله أعظم » ؟ قال : الله ورسوله أعلم . فرددها مرارًا ثم قال : أبيّ : آية الكرسي . قال : « ليهنك العلم أبا المنذر » . رواه مسلم وغيره . وفي حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة الشيطان الذي سرق من الصدقة قال : ( فرصدته الثالثة ، فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله  ، وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود ، فقال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها . قلت : وما هي ؟ قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي : ﴿ اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ حتى تختم الآية ، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، فخليّت سبيله ، فأصبحت فقال لي رسول الله  : « ما فعل أسيرك البارحة » ؟ قلت : يا رسول الله إنه زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها ، فخليت سبيله ، قال : « ما هي » ؟ قال : قال لي : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية : ﴿ اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح . فقال النبي  : « أما إنه صدقك وهو كذوب » . وروى أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت : سمعت رسول الله  يقول في هاتين الآيتين : ﴿ اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ و ﴿ الم * اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ : « إن فيها اسم الله الأعظم » .
قال ابن كثير : وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة .
وقوله تعالى : ﴿ اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ .
قال ابن جرير يقول : الله الذي له عبادة الخلق ، الحي القيوم ، لا إله سواه : لا معبود سواه ، يعني : ولا تعبدوا شيئًا سواه ، ﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ الذي لا تأخذ سنة ولا نوم . قال قتادة : الحيّ حي لا يموت . وقال مجاهد : القيوم القائم على كل شيء . وقال الربيع : القوم قيم كل شيء يكلؤه ويرزقه ويحفظه . وقال الضحاك : الحي القيوم : القائم الدائم .
وقوله تعالى : ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ ، قال ابن عباس : السِّنَة : النعاس . والنوم هو : النوم .
وقوله تعالى : ﴿ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ ﴾ ، كقوله تعالى : ﴿ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ .
وقوله تعالى : ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء ﴾ ، قال مجاهد : يعلم من بين أيديهم ما مضى من الدنيا ، وما خلفهم من الآخرة . وقال الكلبي : ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، يعني : الآخرة ، لأنهم يقدمون عليها . ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ، من الدنيا ، لأنهم يخلفونها . وقال السدي : ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ﴾ ، يقول : لا يعلمون بشيء من علمه إلا بما شاء هو أن يعلمهم .
وقوله تعالى : ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ ، اختلفوا في الكرسي ، فقال الحسن : هو العرش نفسه . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : الكرسي موضوع أمام العرش . وفي بعض الأخبار : أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة . والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة . ويُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس . وقوله تعالى : ﴿ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ قال ابن عباس : لا يثقل عليه . وقال قتادة : لا يجهده حفظهما .
وقوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ .
قال البغوي : ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ ﴾ : الرفيع فوق خلقه والمتعالي عن الأشباه والأنداد . وقيل : العلي بالملك والسلطنة ، العظيم الكبير : الذي لا شيء أعظم منه . وقال ابن كثير : فقوله : ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ كقوله : ﴿ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ ، وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح : إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه .

قوله عز وجل : ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) ﴾ .

قال ابن عباس : كانت المرأة تكون مقلاة ، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهودّه . فلما أجليت بني النضير كان فيهم من أبناء الأنصار ، فقالوا : لا ندع أبناءنا . فأنزل الله تعالى : ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ . وقال قتادة في قوله : ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ قال : هو هذا الحي من العرب ، أكرهوا على الدين لم يقبل منهم إلا القتل ، أو الإسلام . وأهل الكتاب قبلت منهم الجزية ، ولم يقتلوا . وقال الضحاك : ( أمر رسول الله  أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان ، فلم يقبل منهم إلا : لا إله إلا الله ، أو السيف . ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية . فقال : ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾
وقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، قال مجاهد وغيره : الطاغوت : الشيطان . وقال أبو العالية : الطاغوت : الساحر . وقال أبو الزبير : سئل جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها ، فقال : كان في جهينة واحد ، وفي أسلم واحد ، وفي كل حي واحد ، وهي كهان ينزل عليها الشيطان .
قال ابن جرير : والصواب أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، وإما لطاعة ممن عبده إنسانًا كان ذلك المعبود ، أو شيطانًا ، أو وثنًا ، أو صنمًا ، أو كائنًا ما كان من شيء .
وقال سعيد بن جبير في قوله : ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ﴾ قال : لا إله إلا الله . وقال السدي : ﴿ لاَ انفِصَامَ لَهَا ﴾ لا انقطاع لها . وقال مجاهد : لا غير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
  #87  
قديم 23-06-10, 11:26 AM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )

السبت .--------> 26/06/2010 .--------> الصفحة 43
الأحد .--------> 27/06/2010 .--------> الصفحة 44
الإثنين .--------> 28/06/2010 .--------> الصفحة 45
الثلاثاء .--------> 29/06/2010 .--------> الصفحة 46
الأربعاء .--------> 30/06/2010 .--------> الصفحة 47
الخميس .--------> 01/07/2010 .--------> الصفحة 48
الجمعة .--------> 02/07/2010 .--------> الصفحة 49
__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
  #88  
قديم 24-06-10, 09:33 PM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )

السبت .--------> 26/06/2010 .--------> الصفحة 43









قوله عز وجل : ﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) ﴾ .
قال قتادة : قوله تعالى : ﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ﴾ ، يقول : من الضلالة إلى الهدى ، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾ ، الشيطان ، ﴿ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ ، يقول : من الهدى إلى الضلالة . قال الضحاك : والظلمات : الكفر . والنور : الإيمان . والله أعلم .
* * *
قوله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) ﴾ .

قال مجاهد في قول الله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ ﴾ . قال : هو نمرود بن كنعان . قال قتادة : وهو أول ملك تجبر في الأرض ، وهو صاحب الصرح ببابل .
وقال قتادة في قوله تعالى : ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ ، وذكر لنا أنه دعا برجلين فقتل أحدهما ، واستحيا الآخر . فقال : أنا أحيي هذا ، أنا أستحيي من شئت ، وأقتل من شئت . قال إبراهيم عند ذلك : ﴿ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ .
قال البغوي : ( ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ ، أي : تحير ودهش وانقطعت حجته وقال ابن إسحاق : ﴿ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ ، أي : لا يهديهم في الحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلال ) . انتهى . وهو كقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ .
وقال السدي : لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه وقال له : من ربك ؟ قال : ربي الذي يحي ويميت . قال نمرود : أنا أحي وأميت . أنا أدخل أربعة نفر ، فأدخلهم بيتًا فلا يطعمون ولا يسقون حتى هلكوا من الجوع ، أطعمت اثنين وسقيتمهما فعاشا ، وتركت اثنين فماتا . فعرف إبراهيم أن له قدرة بسلطانه وملكه على أن يفعل ذلك . قال له إبراهيم : فإن ربي الذي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ، فبهت الذي كفر . وقال إن هذا إنسان مجنون فأخرجوه ألا ترون أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها ، وإن النار لم تأكله ، وخشي أن يفتضح في قومه ، أعني نمرود ، وهو قول الله تعالى ذكره : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ فكان يزعم أنه رب ، وأمر بإبراهيم فأخرج . وقال ابن زيد : فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة تضرب رأسه بالمطارق ، وأرحم الناس به من جمع يديه ، وضرب بهاما رأسه وكان جبارًا أربعمائة عام ، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه وأماته الله .

قوله عز وجل : ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) ﴾ .
قال البغوي : قوله تعالى : ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾ ، وهذه الآية مسوقة على الآية الأولى . تقديره : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ؟ وهل رأيت كالذي مر على قرية ؟ وقيل : تقديره : هل رأيت كالذي حاجّ إبراهيم في ربه ؟ وهل رأيت كالذي مر على قرية ؟
وقال ابن كثير : تقدم قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ ﴾ وهو في قوة ، قوله : هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه . ولهذا عطف عليه بقوله : ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ .
قال قتادة : ذكر لنا أنه عزير ، وقال عكرمة : القرية : بيت المقدس مر بها عزير بعد إذ خربّها بختنصر . وقال ابن جريج : بلغنا أن عزيرًا خرج فوقف على بيت المقدس ، وقد خربه بخنتصر ، فوقف فقال : أبعد ما كان لك من القدس والمقالة والمال ما كان فحزن .
وقال السدي : ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ ، يقول : ساقطة على سقفها ، وذلك أن عزيرًا مر جائيًا من الشام على حمار له ، معه عصير وعنب وتين ، فلما مر بالقرية فرآها وقف عليها ، وقلّب يده وقال : كيف يحيي هذه الله بعد موتها ؟ ليس تكذيبًا منه وشكًا ، فأماته الله وأمات حماره ، فهلكا ومر عليهما مائة سنة ، ثم إن الله أحيا عزيرًا فقال له : كم لبثت ؟ قال : لبثت يومًا أو بعض يوم . قيل له : بل لبثت مائة عام فانظر : إلى طعامك من التين والعنب ، وشرابك من العصير لم يتسنه الآية . وقال قتادة : ذكر لنا أنه مات ضحى ، ثم بعثه قبل غيبوبة الشمس ، فقال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يومًا ثم التفت ، فرأى بقية من الشمس ، فقال : أو بعض يوم . فقال : بل لبثت مائة عام . وقال الضحاك في قوله : ﴿ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ يقول : لم يتغير . وقد أتى عليه مائة عام .
وقوله تعالى : ﴿ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ﴾ . قال البغوي : أي : نرفعها من الأرض ، ونردها إلى مكانها ونركب بعضها على بعض . وقال السدي وغيره : تفرقت عظام حماره حوله يمينًا وشمالاً فنظر إليها وهي تلوح من بياضها ، فبعث الله ريحًا فجمعتهما من كل موضع من تلك المحلة ، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها ، ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا ، وبعث الله ملكًا فنفخ في منخاري الحمار ، فنهق بإذن الله عز وجل . وذلك كله بمرأى من العزير ، فعند ذلك لما تبين له هذا كله قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير . وقال الضحاك وغيره : إنه عاد إلى قريته شابًا وأولاده ، وأولاد أولاده شيوخ وعجائز ، وهو أسود الرأس واللحية .
__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
  #89  
قديم 24-06-10, 10:10 PM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )


الأحد .--------> 27/06/2010 .--------> الصفحة 44






قوله عز وجل : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) ﴾ .

قال محمد بن إسحاق : لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى مما قصه الله في سورة الأنبياء ، قال نمرود فيهما يذكرون لإبراهيم : أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته ، وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غير ما هو ؟ قال له إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت . قال نمرود : أنا أحيي وأميت . فقال له إبراهيم : كيف تحيي وتميت ؟ ثم ذكر ما قص الله من محاجته إياه قال : فقال إبراهيم عند ذلك : ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ من غير شك في الله تعالى ، ولا في قدرته ولكنه أحب أن يعلم ذلك ، وتاق إليه قلبه ، فقال : ليطمئن قلبي ، أي : ما تاق إليه إذ هو علمه . وقال سعيد ابن جبير : ليطمئن قلبي ، ليزداد يقيني .
وقوله تعالى : ﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ . قال ابن عباس : فصرهنّ : قطعهنّ . وقال مجاهد : ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ﴾ : ثم بددهن أجزاء على كل جبل ، ﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ﴾ كذلك يحي الله الموتى . وقال ابن جريج : فجعلهن سبعة أجزاء ، وأمسك رؤوسهن عنده ، ثم دعاهن بإذن الله فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى ، وكل ريش تطير إلى الريشة الأخرى ، وكل بضعة وكل عظم يطير بعضه إلى بعض من رؤوس الجبال حتى لقيت كل جثة بعضها بعضًا في السماء ، ثم أقبلن يسعين حتى وصلت رأسها . وعن ابن المنكدر قال : التقى عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص فقال ابن عباس لابن عمرو : أي آية في القرآن أرجى عندك ؟ فقال عبد الله بن عمرو : قول الله عز وجل : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾ الآية . فقال ابن عباس : لكن أنا أقول : قول الله عز وجل : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى ﴾ فرضي من إبراهيم قوله : بلى . قال : فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان . رواه ابن أبي حاتم وغيره .
وقال البخاري : ( باب وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى . فصرهن : قطعهن . وذكر حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله  : « نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ » . انتهى .
قال إسماعيل بن يحيى المزني : لم يشك النبي  ، ولا إبراهيم في أن الله قادر على أن يحيي الموتى ، وإنما شكّا في أنه هل يجيبهما إلى ما سألا ؟
قال في فتح الباري : ( وقال عياض : لم يشك إبراهيم بأن الله يحيي الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب ، وترك المنازعة لمشاهدة الأحياء ، فحصل له العلم الأول بوقوعه ، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته ، ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين ، وإن لم يكن في الأول شك ، لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين . والله أعلم ) .

* * *

قوله عز وجل : ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾ .
قال سعيد بن جبير في قوله تعالى : ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ ، يعني : في طاعة الله . وقال ابن عباس : الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف .
وقوله تعالى : ﴿ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ﴾ ، أي : بحسب إخلاصه في عمله ، ﴿ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ . قال ابن زيد : ﴿ وَاسِعٌ ﴾ أن يزيد من سعته ، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ عالم بمن يزيده . وفي الصحيحين عن النبي  : « كل عمل ابن آدم يضاعف له ، الحسنة بعشر أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة . قال الله تعالى : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، إنه ترك شهوته ، وطعامه ، وشرابه ، من أجلي » .

قوله عز وجل : ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) ﴾ .

قال قتادة : علم الله أن ناسًا يمنون بعطيتهم ، فكره ذلك وقدم فيه فقال : ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ . وقال الضحاك : ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾ يقول : أن يمسك ماله خير من أن ينفق ماله ثم يتبعه منًا وأذى . وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال : قال رسول الله  : « ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : المنان بما أعطى ، والمسبل إزاره ، والمنفق سلعته بالحلف والكاذب » . وعن ابن عمر قال : قال رسول الله  : « ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، ومدمن الخمر ، والمنان بما أعطى » . رواه أحمد وغيره .
وقوله تعالى : ﴿ وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ . قال ابن عباس : الغني الذي كمل في غناه ، والحليم الذي قد كمل في حلمه .

قوله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) ﴾ .

قال عمرو بن حريث : إن الرجل يغزو [ و ] لا يسرق ولا يزني ولا يغل ، لا يرجع بالكفاف ، فقيل له : لم ذاك ؟ قال : فإن الرجل ليخرج ، فإذا أصابه من بلاء [ الله ] الذي حكم عليه ، سبُّ ولعن إمامه ولعن ساعة غزا ، وقال : لا أعود لغزوة معه أبدًا . فهذا عليه ، وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها منّ وأذى ، فقد ضرب الله مثلها في القرآن : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ﴾ حتى ختم الآية .
وقال قتادة : فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة . يقول : ﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ﴾ يومئذٍ كما ترك هذا المطر الصفا الحجر ، ليس عليه شيء أنقى ما كان عليه . وقال السدي : ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ﴾ إلى قوله : ﴿ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ﴾ ، أما الصفوان الذي عليه تراب ، فأصابه المطر فذهب ترابه فتركه صلدًا ، فكذا هذا الذي ينفق ماله رياء الناس ، ذهب الرياء بنفقته ، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيًا ، فكذلك تركه الرياء ، لا يقدر على شيء مما قدم ، فقال للمؤمنين : ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ﴾ ، فتبطل كما بطلت صدقة الرياء .
__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
  #90  
قديم 24-06-10, 10:12 PM
ابو فراس المهندس ابو فراس المهندس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-03-10
المشاركات: 749
افتراضي رد: هنا نحفظ القرآن؟ ( الصفحة الرئيسية )





الإثنين .--------> 28/06/2010 .--------> الصفحة 45





قوله عز وجل : ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) ﴾ .

قال الشعبي في قوله تعالى : ﴿ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ : تصديقًا وتيقينًا . وقال مجاهد : يثبتون أين يضعون أموالهم .
وقوله تعالى : ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ .
قال البغوي : ( وهي المكان المرتفع المستوى الذي تجري فيه الأنهار ، فلا يعلوه الماء ، ولا يعلو عن الماء ) . انتهى . وقال ابن عباس : ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ ، المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار .
وقوله تعالى : ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ . قال السدي : أما الطل فالندى ، يقول : كما أضعفت ثمرة تلك الجنة ، فكذلك يضاعف ثمرة هذا المنفق . وقال قتادة : هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن ، يقول : ليس كخيره خلف ، كما ليس الخير هذه الجنة ، خلف على أي حال ، إما وابل ، وإما طل .
وقوله تعالى : ﴿ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، أي : لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء .

قوله عز وجل : ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) ﴾ .

قال السدي : هذا مثل آخر لنفقة الرياء ، أنه ينفق ماله يرائي الناس به ، فيذهب ماله منه وهو يرائي ، فلا يأجره الله فيه ، فإذا كان يوم القيامة واحتاج إلى نفقته ، وجدها قد أحرقها الرياء فذهبت ، كما أنفق هذا الرجل على جنته ، حتى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلى جنته ، جاءت ريح فيها سموم فأحرقت جنته ، فلم يجد منها شيئًا ، فكذلك المنفق رياء . قال مجاهد في قول الله عز وجل : ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾ كمثل المفرط في طاعة الله حتى يموت . وقال عمر بن الخطاب : هذا مثل ضربه الله للإنسان يعمل عملاً صالحًا ، حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه ، عمِل عمَل السوء . وقال قتادة : قوله : ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ الآية ، يقول : أصابها ريح فيها سموم شديد . ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ فهذا مثل ، فاعقلوه عن الله عز وجل أمثاله ، فإنه قال : ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ . هذا رجل كبرت سنه ، ودق عظمه ، وكثر عياله ، ثم احترقت جنته على بقية ذلك كأحوج ما يكون إليه ، يقول : أيحب أحدكم أن يضل عنه عمله يوم القيامة ، كأحوج ما يكون إليه ؟
وقال البخاري باب قوله : ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾ إلى قوله : ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وذكر حديث عمر : أنه قال يومًا لأصحاب النبي  : فيم ترون هذه الآية نزلت : ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ ؟ قالوا : الله أعلم ، فغضب عمر فقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم . فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين . قال عمر : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك . قال ابن عباس : ضربت مثلاً لعمل . قال عمر : أيّ عمل ؟ قال ابن عباس : بعمل . قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل ، ثم بعث الله له الشيطان ، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله . انتهى والله المستعان .

* * *

قوله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) ﴾ .
قال ابن عباس : ﴿ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ يقول : تصدقوا . وقال مجاهد في قوله : ﴿ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ قال : من التجارة . وقال ابن عباس : يقول : من أطيب أموالكم وأنفسه . وعن عبيدة قال : سألت عليًا عن قول الله عز وجل : ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ ﴾ قال : يعني : من الحب والثمر ، وكل شيء عليه زكاة . وعن البراء بن عازب في قول الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ ﴾ إلى قوله : ﴿ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ قال : نزلت في الأنصار ، كانت الأنصار إذا كان أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها أقناء البسر ، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله  ، فيأكل فقراء المهاجرين منه ، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر يظن أن ذلك جائز ، فأنزل الله عز وجل فيمن فعل ذلك : ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ . رواه ابن جرير .
قال قتادة : ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ﴾ ، لا تعمدوا . وعن البراء : ﴿ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ يقول : لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه ، إلا أنه يرى أنه قد نقصه من حقه . وعن ابن سيرين قال : سألت عبيدة عن هذه الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ ﴾ . فقال عبيدة : إنما هذا في الواجب ، ولا بأس أن يتطوع الرجل بالتمرة ، والدرهم الزائف خير من التمرة .
وقوله تعالى : ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ، أي : غني عن صدقاتكم ، حميد : بقبولها منكم ، وإثباتكم على أعمالكم ، وهو المحدود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره .

قوله عز وجل : ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) ﴾ .

عن ابن مسعود قال : قال رسول الله  : « إن للشيطان لمة من ابن آدم ، وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله وليحمد الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان » ثم قرأ : « ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء ﴾ » . رواه ابن جرير وغيره .

قوله عز وجل : ﴿ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (269) ﴾ .

قال قتادة : الحكمة : القرآن ، والفقه في القرآن .
وقوله تعالى : ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ﴾ ، أي : العقول . قال الحسن : من أعطى القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه ، إلا أنه لم يوح إليه .
وقال ابن كثير : جاء في بعض الأحاديث : « من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه ، غير أنه لا يوحى إليه » .
__________________
اذا هم لم تردع عزيمة نفسه ... ولم يأت ما يأت من الامر هائبا
اذا هم القى بين عينيه عزمه .. ونكب عن ذكر العواقب جانبا
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:36 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.