ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-07-19, 08:41 PM
أحمد فوزي وجيه أحمد فوزي وجيه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-10-09
الدولة: القاهرة
المشاركات: 68
افتراضي كلام للشيخ محمد عبده في القدر من أنفس ما قيل في الباب

السلام عليكم:

من أنفس ما قرأت في باب القدر والإيمان به كلام الشيخ محمد عبده في كتابه التوحيد (ص 31:34) سأنقله كاملاً لكثرة فوائده وبساطة أسلوبه مع حسن فهمه رحمه الله قال: كَمَا يشْهد سليم الْعقل والحواس من نَفسه أَنه مَوْجُود وَلَا يحْتَاج فى ذَلِك إِلَى دَلِيل يهديه وَلَا معلم يرشده كَذَلِك يشْهد أَنه مدرك لأعماله الإختيارية يزن نتائجها بعقله ويقدرها بإرادته ثمَّ يصدرها بقدرة مافيه ويعد إِنْكَار شىء من ذَلِك مُسَاوِيا لإنكار وجوده فى مجافاته لبداهة الْعقل, كَمَا يشْهد بذلك فى نَفسه يشهده أَيْضا فى بنى نَوعه كَافَّة مَتى كَانُوا مثله فى سَلامَة الْعقل والحواس.
وَمَعَ ذَلِك فقد يُرِيد إرضاء خَلِيل فيغضبه وَقد يطْلب كسب رزق فيفوته وَرُبمَا سعى إِلَى مَنْجاة فَسقط فى مَهْلكة فَيَعُود باللائمة على نَفسه إِن كَانَ لم يحكم النّظر فى تَقْدِير فعله ويتخذ من خيبته أول مرّة مرشدا لَهُ فى الأخرى فيعاود الْعَمَل من طَرِيق أقوم وبوسائل أحكم ويتقد غيظه على من حَال بَينه وَبَين مَا يشتهى إِن كَانَ سَبَب الإخفاق فى الْمَسْعَى مُنَازعَة منافس لَهُ فى مطلبه لوجدانه من نَفسه أَنه الْفَاعِل فى حرمانه فينبرى لمناضلته.
وَتارَة يتَّجه إِلَى أَمر أسمى من ذَلِك إِن لم يكن لتَقْصِيره أَو لمنافسة غَيره دخل فِيمَا لقى من مصير عمله كَأَن هَب ريح فأغرق بضاعته أَو نزل صاعق فَأحرق مَاشِيَته أَو علق أمله بِمُعَّين فَمَاتَ أَو بذى منصب فعُزِل, يتَّجه من ذَلِك إِلَى أَن فى الْكَوْن قُوَّة أسمى من أَن تحيط بهَا قدرته وَأَن وَرَاء تَدْبيره سُلْطَانا لَا تصل إِلَيْهِ سلطته, فَإِن كَانَ قد هداه الْبُرْهَان وتقويم الدَّلِيل إِلَى أَن حوادث الْكَوْن بأسره مستندة إِلَى وَاجِب وجود وَاحِد يصرفهُ على مُقْتَضى علمه وإرادته خشع وخضع ورد الْأَمر إِلَيْهِ فِيمَا لقى وَلَكِن مَعَ ذَلِك لَا ينسى نصِيبه فِيمَا بقى, فالمؤمن كَمَا يشْهد بِالدَّلِيلِ وبالعيان أَن قدرَة مكون الكائنات أسمى من قوى الممكنات يشْهد بالبداهة أَنه فى أَعماله الاختيارية عقلية كَانَت أَو جسمانية قَائِم بتصريف ماوهب الله لَهُ من المدارك والقوى فِيمَا خلقت لأَجله وَقد عرف الْقَوْم شكر الله على نعْمَه فَقَالُوا هُوَ صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ إِلَى مَا خلق لأَجله.
على هَذَا قَامَت الشَّرَائِع وَبِه استقامت التكاليف وَمن أنكر شَيْئا مِنْهُ قد أنكر مَكَان الْإِيمَان من نَفسه وَهُوَ عقله الذى شرفه الله بِالْخِطَابِ فى أوامره ونواهيه.
أما الْبَحْث فِيمَا وَرَاء ذَلِك من التَّوْفِيق بَين مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيل من إحاطة علم الله وإرادته وَبَين مَا تشهد بِهِ البداهة من عمل الْمُخْتَار فِيمَا وَقع عَلَيْهِ الِاخْتِيَار فَهُوَ من طلب سر الْقدر الذى نهينَا عَن الْخَوْض فِيهِ واشتغال بِمَا لَا تكَاد تصل الْعُقُول إِلَيْهِ, وَقد خَاضَ فِيهِ الغالون من كل مِلَّة خُصُوصا من المسيحيين وَالْمُسْلِمين ثمَّ لم يزَالُوا بعد طول الْجِدَال وقوفا حَيْثُ ابتدءوا وَغَايَة مَا فعلوا أَن فرقوا وشتتوا, فَمنهمْ الْقَائِل بسلطة العَبْد على جَمِيع أَفعاله واستقلالها الْمُطلق وَهُوَ غرور ظَاهر. وَمِنْهُم من قَالَ بالجبر وَصرح بِهِ وَمِنْهُم من قَالَ بِهِ وتبرأ من اسْمه وَهُوَ هدم للشريعة ومحو للتكاليف وَإِبْطَال لحكم الْعقل البديهى وَهُوَ عماد الْإِيمَان.
وَدَعوى أَن الِاعْتِقَاد بكسب العَبْد لأفعاله يُؤدى إِلَى الْإِشْرَاك بِاللَّه وَهُوَ الظُّلم الْعَظِيم دَعْوَى من لم يلْتَفت إِلَى معنى الاشراك على مَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة, فالإشراك اعْتِقَاد أَن لغير الله أثرا فَوق مَا وهبه الله من الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة وَأَن لشىء من الْأَشْيَاء سُلْطَانا على مَا خرج عَن قدرَة المخلوقين وَهُوَ اعْتِقَاد من يعظم سوى الله مستعينا بِهِ فِيمَا لَا يقدر العَبْد عَلَيْهِ كالاستنصار فى الْحَرْب بِغَيْر قُوَّة الجيوش والاستشفاء من الْأَمْرَاض بغير الأدوية الَّتِى هدَانَا الله إِلَيْهَا والاستعانة على السَّعَادَة الأخروية أَو الدُّنْيَوِيَّة بِغَيْر الطّرق وَالسّنَن الَّتِى شرعها الله لنا هَذَا هُوَ الشّرك الذى كَانَ عَلَيْهِ الوثنيون وَمن ماثلهم فَجَاءَت الشَّرِيعَة الإسلامية بمحوه ورد الْأَمر فِيمَا فَوق الْقُدْرَة البشرية والأسباب الكونية إِلَى الله وَحده وَتَقْرِير أَمريْن عظيمين هما ركنا السَّعَادَة وقوام الْأَعْمَال البشرية الأول: أَن العَبْد يكْسب بإرادته وَقدرته مَا هُوَ وَسِيلَة لسعادته.
والثانى: أَن قدرَة الله هى مرجع لجَمِيع الكائنات وَأَن من آثارها مَا يحول بَين العَبْد وَبَين إنفاذ مَا يُريدهُ وَأَن لَا شىء سوى الله يُمكن لَهُ أَن يمد العَبْد بالمعونة فِيمَا لم يبلغه كَسبه جَاءَت الشَّرِيعَة لتقرير ذَلِك وَتَحْرِيم أَن يَسْتَعِين العَبْد بِأحد غير خالقه فى توفيقه إِلَى إتْمَام عمله بعد إحكام البصيرة فِيهِ وتكليفه بِأَن يرفع همته إِلَى استمداد العون مِنْهُ وَحده بعد أَن يكون قد أفرغ مَا عِنْده من الْجهد فِي تَصْحِيح الْفِكر وإجادة الْعَمَل وَلَا يسمح الْعقل وَلَا الدّين لأحد أَن يذهب إِلَى غير ذَلِك وَهَذَا الذى قَرَّرْنَاهُ قد اهْتَدَى إِلَيْهِ سلف الْأمة فَقَامُوا من الْأَعْمَال بِمَا عجبت لَهُ الْأُمَم وعول عَلَيْهِ من متأخرى أهل النّظر إِمَام الْحَرَمَيْنِ الجوينى رَحمَه الله وَإِن أنكر عَلَيْهِ بعض من لم يفهمهُ.
أكرر القَوْل بِأَن الْإِيمَان بوحدانية الله لَا يقتضى من الْمُكَلف إِلَّا اعْتِقَاد أَن الله صرفه فى قواه فَهُوَ كاسب كإيمانه وَلما كلفه الله بِهِ من بَقِيَّة الْأَعْمَال واعتقاد أَن قدرَة الله فَوق قدرته وَلها وَحدهَا السُّلْطَان الْأَعْلَى فى إتْمَام مُرَاد العَبْد بِإِزَالَة الْمَوَانِع أَو تهيئة الْأَسْبَاب المتممة مِمَّا لَا يُعلمهُ وَلَا يدْخل تَحت إِرَادَته
أما التطلع إِلَى مَا هُوَ أغمض من ذَلِك فَلَيْسَ من مُقْتَضى الْإِيمَان كَمَا بَينا وَإِنَّما هُوَ من شَره الْعُقُول فى طلب رفع الأستار عَن الْأَسْرَار وَلَا أنكر أَن قوما قد وصلوا بِقُوَّة الْعلم والمثابرة على مجاهدة المدارك إِلَى مَا أطمأنت بِهِ نُفُوسهم وتقشعت بِهِ حيرتهم وَلَكِن قَلِيل مَا هم على أَن ذَلِك نور يقذفه الله فى قلب من شَاءَ ويخص بِهِ أهل الْولَايَة والصفاء وَكثير ماضل قوم وأضلوا وَكَانَ لمقالاتهم أَسْوَأ الْأَثر فِيمَا عَلَيْهِ حَال الْأمة الْيَوْم. انتهى كلامه
قلت: وهذا الكلام من أنفس العلوم وأشرفها وهو فهم الصحابة وسلف الأمة وبه عملوا فعن سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ أَمْرِنَا كَأَنَّا نَنْظُرُ إِلَيْهِ أَبِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَثَبَتَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَوْ بِمَا يُسْتَأْنَفُ قَالَ: لَا بَلْ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَثَبَتَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ. قَالَ فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذًا ؟ قَالَ "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ. قَالَ سُرَاقَةُ فَلَا أَكُونُ أَبَدًا أَشَدَّ اجْتِهَادًا فِي الْعَمَلِ مِنِّي الْآنَ. ه رواه ابن حبان (337) وصححه الألباني في التعليقات الحسان (1/369)
فاجتهدوا وعملوا ونفعوا وانتفعوا رضوان الله عليهم والحمد لله رب العالمين.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:46 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.