ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 25-12-08, 05:13 PM
أبو زارع المدني أبو زارع المدني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-07-07
المشاركات: 9,617
Lightbulb المدارس والمعاهد العلمية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , الرحمن الرحيم , مالك يوم الدين
اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

المدارس والمعاهد العلمية

د. مصطفى السباعي
المصدر: كتاب " مقتطفات من كِتَاب: من روائع حضارتنا"

وقد بلغتْ المدارس التي قامتْ على الأوقاف الكثيرة، التي تَبَرَّعَ بها الأغنياء، مِن قادة وعلماء، وتجار وملوك وأمراء - منَ الكثرة حَدًّا بالغًا، وحسبك أن تعلمَ أنه لم تخلُ مدينة ولا قرية في طول العالم الإسلامي وعرضه مِن مدارس مُتَعَدِّدة، يُعلِّم فيها عشرات منَ المعلِّمينَ والمُدَرِّسينَ.



كان المسجدُ هو النَّوَاة الأولى للمدرسة في حَضَارتنا، فلم يكنْ مكان عبادة فحسب؛ بل كان مدرسة يَتَعَلَّم فيها المسلمون القراءة، والكتابة، والقرآن، وعلوم الشريعة، واللغة، وفروع العُلُوم المختلفة، ثم أقيمَ بجانب المسجد الكُتَّاب، وخُصِّص لتعليم القراءة، والكتابة، والقرآن، وشيءٍ منَ عُلُوم العَربيَّة والرِّياضة، وكان الكُتَّاب يُشْبه المدرسة الابتدائيَّة في عصرنا الحاضر، وكان منَ الكثرة حيث عدَّ ابن حوقل ثلاثمائة كتَّاب في مدينة واحدة من مدن صقلِّية، وكان منَ الاتساع أحيانًا بحيث يضم الكتَّاب الواحد مئات وآلافًا منَ الطلاب، ومما يذكر في تاريخ أبي القاسم البلخي أنه كان له كتَّاب يَتَعَلَّم به ثلاثة آلاف تلميذٍ.



ثم قامتِ المدرسة بجانب الكتَّاب والمسجد، وكانتِ الدِّراسة فيها تُشبه الدِّراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر، كان التَّعليم فيها مَجَّانًا ولمختلف الطَّبَقات، وكانتِ الدِّراسة فيها قسمينِ: قسمًا داخليًّا للغرباء والذين لا تساعدهم أحوالهم المادِّية على أن يعيشوا على نفقات آبائهم، وقسمًا خارجيًّا لِمَن يريد أن يرجعَ في المساء إلى بيت أهله وذويه، أمَّا القسم الداخلي فكان بالمَجَّان أيضًا، يهيَّأُ للطالب فيه الطعام والنوم والمطالَعة والعبادة، وبذلك كانت كلُّ مدرسة تحتوي على مسجد، وقاعات للدِّراسة، وغُرَف لنوم الطلاَّب، ومكتبة، ومطبخ، وحَمَّام، وكانتْ بعض المدارس تحتوي فوق ذلك على ملاعب للرِّياضة البَدَنيَّة في الهواء الطَّلْق، ولا تزال لدينا حتى الآن نماذج من هذه المدارس التي غمرتِ العالَم الإسلامي كله، ففي دِمَشق لا تزال المدرسة النُّوريَّة التي أنشأها البطل العظيم نور الدين الشهيد، وهي الواقعة الآن في سوق الخَيَّاطين، ولا تزال قائمة تعطينا نموذجًا حيًّا لهندسة المدارس في عصور الحَضَارَة الإسلاميَّة، لقد زارها الرَّحَّالة ابن جبير في أوائل القرن السابع الهجري، فأعجب بها وكتب عنها، ونَجِد مثلها في حَلَب في مدارس الشَّعبانيَّة والعُثمانية والخسروية، حيث لا يزال فيها للطلاب غرف يسكنونها وقاعات للدراسة، وقد كانوا من قبل يأكلون فيها، ثم عدل عن ذلك إلى راتب معلوم في آخر كل شهر يُعطَى للطلاب المنتسبينَ إليها.


وأَظْهَر مثالٍ لهذه المدارس الجامعُ الأزهر، فهو مسجدٌ تقام في أبهائه حلقات للدراسة، تحيط به من جهاته المتعددة غرف لسكن الطلاب، تُسَمَّى بالأروقة، يسكنُها طلاَّب كلِّ بلدٍ بجانب واحد، فرِوَاق للشاميين، ورِوَاق للمَغَاربة، ورِوَاق للأتراك، ورِوَاق للسُّودانيينَ، وهكذا.
وجديرٌ بنا - ونحن نَتَحَدَّث عنِ المدارس - أن نَتَحَدَّث عنِ المُدَرِّسينَ وأحوالهم ورَوَاتبهم، لقد كان رؤساء المدارس من خيرة العلماء وأكثرهم شُهرة، وإنَّا لَنَجد في تاريخ مشاهير العلماء المدارس التي درسوا فيها، فالإمام النووي، وابن الصلاح، وأبو شامة، وتقي الدين السُّبْكي، وعماد الدِّين بن كثير، وغيرهم ممَّن كانوا يدرسون في دار الحديث بدِمَشق، والغزالي، والشِّيرازي، وإمام الحَرَمَيْن، والشَّاسي، والخطيب، والتبريزي، والقزويني، والفيروز آبادي، وغيرهم ممَّن كانوا يدرسون في المدرسة النِّظاميَّة ببغداد وهكذا، ولم يكنِ المُدَرِّسُون في صَدْر الإسلام يأخذون أجرًا على تعليمهم، حتى إذا امْتَدَّ الزمنُ، واتسَعَتِ الحَضَارَة، وبُنِيَتِ المدارس، وأوقف لها الأوقاف - جُعِلَ للمدرسين فيها رواتِب شهريَّة.


ولم يكنْ يجلس للتدريس إلاَّ مَن شهد له الشُّيوخ بالكفاءَة، وقد كان الأمر في عصر الإسلام الأول أن يسمح الشيخ للتلميذ بالانفصال عن حلقته وإنشاء حلقة خاصَّة، أو أن يعهدَ برئاسة الحلقة إليه بعد وفاته، فإن فَعَل غير ذلك كان محل نقدٍ، وتَعَرَّضَ للأسئلة الشَّديدةِ المُحْرِجة، هكذا كان الأمرُ، فلمَّا أُنْشِئَتِ المدارس جُعل للمُتَخرِّجين فيها إجازات علميَّة يعطيها شيخ المدرسة، وهي تُشْبِه الإجازات العلميَّة في عصرنا، ولم يكن يسمح للأطباء بممارسة الطب إلاَّ بعد نوال هذه الشَّهَادة مِن كبيرِ أطباء المدْرسة.


وكان للمُدَرِّسين شعارٌ خاصٌّ يُفَضِّلهم عن غيرهم من أرباب المِهَن، كان شعارهم في عهد أبي يوسف عمامة سوداء وطَيْلسانًا، وشعارهم في عهد الفاطميين عمامة خضراء وكسوة مذهَّبة، تَتَكَوَّن من ست قطع، أهمها القلنسوة والطيلسان، أما الجُبَّة واختصاص العلماء والمدرسين بها فقد بدأ ذلك في عهد الأُمَويين، وكانت ملابسهم في الأندلس تختلف قليلاً عن ملابس العلماء والمدرسين في المشرق، وقد أخذ الغَربيون عن مدرسي الأندلس زيَّهم، فكان هو أصل الزِّيِّ العلمي المعروف الآن في الجامعات الأوروبيَّة.


وكان للمُعَلِّمين نقابة كنقابة الطالبين، ونقابة الأشراف، ونقابات بعض الحِرَف والمِهَن الصناعيَّة في تلك العصور، وكان جماعة المدرسين هم الذين يختارون النَّقيب، وما كان يَتَدَخَّل السلطان إلاَّ إذا وقع خلاف بين الأعضاء فيصلح بينهم.


كانتِ المدارس على هذا - وخاصَّة المعاهد العليا - تملأ مدن العالم الإسلامي مِن أقصاه إلى أقصاه، ويذكر التَّاريخ بكثيرٍ منَ الإكبار والإعجاب نَفَرًا من أمراء المسلمين، كانت لهم اليد الطولى في إنشاء المدارس في مختلف الأمصار:


منهم صلاح الدِّين الأيوبي: فقد أنشأ المدارسَ في جميع المُدُن التي كانت تحت سلطانه في مصر ودِمَشق والمَوْصِل وبيت المَقْدس.


ومنهم نور الدِّين الشهيد: الذي أنشأ في سُورِيَة وحدها أربعة عشر معهدًا، منها ستَّة في دِمَشق، وأربعة في حَلَب، واثنان في حماة، واثنان في حِمْص، وواحد في بَعْلَبك.


ومنهم نظام الملك الوزير السُّلجُوقي العظيم: الذي ملأ بلاد العراق وخُرَاسان بالمدارس حتى قيل فيه: إن له في كل مدينة بالعراق وخُرَاسان مدرسةً، وكان يُنْشِئ المدارس حتى في الأماكن النائية؛ فقد أنشأ في جزيرة ابن عمرو مدرسةً كبيرةً حسنةً، وكلما وجد في بلدة عالمًا قد تميَّز وتبحَّر في العلم بنى له مدرسةً، ووقف عليها وَقْفًا، وجَعَلَ فيها دارَ كُتُب.


وقد كانتْ نظاميَّة بغداد أولى المدارس النِّظاميَّة وأهمها، درَّس فيها مشاهير علماء المسلمينَ فيما بين القرن الخامس والتاسع الهجري، وقد بلغ عدد طلابها ستة آلاف تلميذ، فيهم ابن أعظم العظماء في المملكة، وابن أفقر الصُّنَّاع فيها، وكلُّهم يتعلَّمون بالمَجَّان، وللطالب الفقير فوق ذلك شيءٌ معلوم يَتَقاضاه منَ الرِّيع المُخَصَّص لذلك.


وبجانب هؤلاءِ العظماء كان الأمراء والأغنياء والتجَّار يَتَسَابقون في بناء المدارس، والوَقْف عليها بما يضمن استمرارها، وإقبال الطُّلاَّب عليها، وكثيرون جدًّا همُ الذين جعلوا بيوتهم مدارس، وجعلوا ما فيها من كتب وما يتبعها من عقار وَقْفًا على طلاب العلم الدارسينَ فيها.


وكانتِ المدارس مُتَعَدِّدة الغايات، فمنها مدارس لتدريس القرآن الكريم وتفسيره وتحفيظه وقراءاته، ومنها مدارس للحديث خاصَّة، ومنها - وهي أكثرها - مدارس للفقه، لكل فقه مدارس خاصَّة به، ومنها مدارس للطبِّ، ومنها مدارس للأيتام، وها هو النعيمي في كتابه "الدارس في تاريخ المدارس" - وهو من علماء القرن العاشر الهجري - يذكر لنا ثبتًا بأسماء مدارس دمشق وأوقافها، ومنه نعلم أنه كان في دمشق وحدها للقرآن الكريم سبعُ مدارس، وللحديث ست عشرة مدرسة، وللقرآن والحديث معًا ثلاث مدارس، وللفقه الشافعي ثلاث وستون مدرسة، وللفقه الحنفي اثنتان وخمسون مدرسة، وللفقه المالكي أربع مدارس، وللفقه الحنبلي إحدى عشرة مدرسة، هذا عدا عن مدارس الطب والرباطات والفنادق والزوايا والجوامع، وكلها كانت مدارس يتعلَّم فيها الناس، وإذا ذكرنا مع هذا ما كان عليه الغَربيون في تلك العُصُور نفسها من جَهَالة مطبقة، ومن أمية مُتَفَشِّية حتى لم يكن للعلم مأوى إلا أديِرَة الرُّهبَان، وهي مقصورةٌ على رجال الكَهَنُوت فقط - أدركنا أيَّة عظمة بَلَغَتْها أمتنا في أوج مجدها، وكم كانت حَضَارتنا رائعةً في تاريخ المؤسَّسات الاجتماعية والمعاهِد العلميَّة، وكم كان للإسلام من يد في نَشْر العلم، ورفع مستوى الثَّقافة العامَّة، وتيسير سبلها لسائر أبناء الشَّعب.


قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في حوادث سنة إحدى وثلاثين وستمائة: "فيها كمل بناء المدرسة المستنصريَّة ببغداد، ولم يُبْنَ مدرسة قبلها مثلها، ووقفت على المذاهب الأربعة، من كل طائفة اثنان وستون فقيهًا، وأربعة معيدين، ومدرس لكل مذهب، وشيخ حديث، وقارئان، وعشرة مستمعين، وشيخ طب، وعشرة من المسلمين يشتغلون بعلم الطب، ومكتب للأيتام، وقدر للجميع من الخبز واللحم والحلوى والنفقة ما فيه كفاية وافرة لكل واحد"، إلى أن قال: "ووُقِفَتْ خزائن كتب لم يسمع بمثلها في كثرتها وحسن نسخها، وجودة الكتب الموقوفة بها".


المستشفيات والمعاهد الطِّبيَّة

منَ المبادئ التي قامتْ عليها حَضَارتنا، جمعها بين حاجة الجسم وحاجة الرُّوح، واعتبارها العناية بالجسم، ومطالبه ضرورية لتحقيق سعادة الإنْسَان وإشراق روحه، ومنَ الكلمات المأثورات عن واضع أسس هذه الحَضَارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ لجسدك عليك حقًّا))؛ رواه البخاري، ومسلم، ومِنَ الملاحَظ في عبادات الإسلام تحقيقها أهم غرض من أغراض علم الطب، وهو حِفظ الصحة، يُعَرِّف الطبَّ "علي بن عباس" بأنه: "علم يبحث في حفظ الصِّحَّة على الأصحاء، وردها على المرضى"، فالصَّلاة والصيام والحج وما تَتَطَلَّبه هذه العبادات من شروط وأركان وأعمال - كلها تحفظ للجسم صحته ونشاطه وقوته، وإذا أَضَفْنا إلى ذلك مقاومة الإسلام للأمراض وانتشارها، وترغيبه في طَلَب العلاج المكافِح لها - عُلِمَتْ أسسٌ قوية قام عليها بناء حَضَارتنا في ميـدان الطـب، ومبلغ ما أفاده العلم من حَضَارتنا في إقامة المشافي والمعاهد الطِّبية، وتخريج الأطباء الذين لا تزال الإنْسَانية تفخر بأياديهم على العلم عامَّة والطب خاصَّة.


عَرَفَ العَرب مدرسة جنديسابور الطبية التي أنشأها كسرى في منتَصَف القرن السادس الميلادي، وتخرج فيها بعض أطبائهم، كالحارث بن كلدة الذي عاش في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يشير على أصحابه بالتداوي عنده حين تنتابهمُ الأمراض، وفي عهد الوليد بن عبدالملك أُنشئ أول مستشفى في الإسلام، وهو خاصٌّ بالمجذومين، وجعل فيه الأطباء، وأجرى لهمُ الأرزاق، ثم تتابع إنشاء المشافي، وقد كانت تُعرَف باسم (البيمارستانات)، أي: دور المرضى.


وكانت المستشفيات نوعين: نوعًا متنقِّلاً، ونوعًا ثابتًا.


أما المتنَقِّل: فأوَّل ما عُرف في الإسلام في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوَة الخندق، إذ ضرب خيمة للجرحى، فلمَّا أصيب سعد بن معاذ في أكحله - والأكحل: عرق في الذراع يُفصَد - قال - صلى الله عليه وسلم -: ((اجعلوه في خيمة رفيدة، حتى أعوده من قريب))، وهو أول مستشفى حربي متنَقِّل في الإسلام، ثم توسَّع فيه الخلفاء والملوك من بعدُ، حتى أصبح المستشفى المتنقِّل مُجَهَّزًا بجميع ما يحتاجه المرضى، من علاج وأطعمة وأشربة، وملابس وأطبَّاء وصيادلة، وكان ينقل من قرية إلى قرية في الأماكن التي لم يكن فيها مستشفيات ثابتة.


وأمَّا المستشفيات الثابتة: فقد كانتْ كثيرةً، تفيض بها المدن والعواصم، ولم تخلُ بلدة صغيرة في العالم الإسلامي يومئذٍ من مستشفى فأكثر، حتى إن قرطبة وحدها كان فيها خمسون مستشفى.


وتنوَّعَتِ المستشفيات، فهناك مستشفيات للجيش يقوم عليها أطباء مُتَخَصِّصون، عدا عن أطباء الخليفة والقواد والأمراء، وهناك مستشفيات للمساجين، يطوف عليهمُ الأطباء في كل يوم، فيعالجون مرضاهم بالأدوية اللازمة.


وهناك مَحَطَّات للإسعاف كانت تقام بالقُرب منَ الجوامع والأماكن العامة التي يزدحم فيها الجمهور، ويُحَدِّثُنا المقريزي أن: "ابن طولون حين بنى جامعَه الشهير في مصر، عمل في مؤخره مِيضأة وخزانة شراب - أي: صيدلية أدوية - وفيها جميع الشرابات والأدوية، وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة، لمعالجة مَن يصابون بالأمراض منَ المُصَلِّينَ".


وهناك المستشفيات العامَّة، التي كانت تفتح أبوابها لِمُعالَجة الجمهور، وكانت تُقَسَّم إلى قِسْمينِ منفصلينِ بعضهما عن بعض: قسم للذُّكور، وقسم للإناث، وكلُّ قسمٍ فيه قاعات متَعدِّدة، كل واحدة منها لنوع منَ الأمراض، فمنها للأمراض الداخليَّة، ومنها للعيون، ومنها للجراحة، ومنها للكُسُور والتجبير، ومنها للأمراض العقلية، وقسم للأمراض الداخليَّة كان مُقَسَّمًا إلى غرف أيضًا، فغُرف منها للحمِّيَّات، وغرف للإسهال، وغير ذلك، ولكل قسم أطباء عليهم رئيس، فرئيس للأمراض الباطنية، ورئيس للجَرَّاحينَ والمجبرين، ورئيس للكحالين - أي: أطباء العيون - ولكلِّ الأقسام رئيسٌ عام يُسمَّى (ساعور)، وهو لقب لرئيس الأطباء في المستشفى، وكان الأطباء يشتغلون بالنوبة، ولكل طبيب وقت مُعَين يلازم فيه قاعاته التي يعالج فيها المرضى، وفي كلِّ مستشفى عدد منَ الفَرَّاشين منَ الرِّجال والنِّساء والممرضين والمساعدين، ولهم رواتب معلومة وافرة، وفي كل مستشفى صيدلية كانت تسمى (خزانة الشراب)، فيها أنواع الأشربة والمعاجين النَّفسيَّة، والمربيات الفاخرة، وأصناف الأدوية، والعُطُورات الفائقة التي لا توجد إلاَّ فيها، وفيها منَ الآلات الجراحيَّة والأواني الزُّجاجيَّة وغير ذلك، وما لا يوجد إلاَّ في خزائن الملوك.


وكانتِ المستشفيات معاهد طبيَّة أيضًا، ففي كلِّ مستشفى إيوان كبير - قاعة كبيرة - للمحاضرات، يجلس فيه كبير الأطباء ومعه الأطباء والطلاَّب، وبجانبهم الآلات والكُتُب، فيقعد التلاميذ بين يدي مُعَلمهم، بعد أن يَتَفَقَّدوا المرضى وينتهوا من علاجهم، ثم تجري المباحث الطِّبية والمناقشات بين الأستاذ وتلاميذه، والقراءة في الكتب الطبية، وكثيرًا ما كان الأستاذ يصطحب معه تلاميذه إلى داخل المستشفى؛ ليقوم بإجراء الدُّروس العلميَّة لطلابه على المرضى بحضورهم، كما يقع اليوم في المستشفيات الملحقة بكليات الطب؛ قال ابن أبي أصيبعة - وهو ممَّن درس الطب في البيمارستان النوري بدمشق -: "كنت بعدما يفرغ الحكيم مهذب الدين والحكيم عمران من معالجة المرضى المقيمين بالبيمارستان وأنا معهم - أجلس مع الشيخ رضي الدين الرحبي فأعاين كيفية استدلاله على الأمراض، وجملة ما يصفه للمرضى وما يكتب لهم، وأبحث معه في كثير منَ الأمراض ومداواتها".


وكان لا يسمح للطبيب بالانفراد بالمعالَجة حتى يؤدِّي امتحانًا أمام كبير أطباء الدولة، يَتَقَدم إليه برسالة في الفن الذي يريد الحصول على الإجازة في معاناته، وهي من تأليفه أو تأليف أحد كبار علماء الطب، له عليها دراسات وشروح، فيمتحنه فيها، ويسأله عن كل ما يَتَعَلق بما فيها منَ الفن، فإذا أحسن الإجابة أجازه كبير الأطباء بما يسمح له بمُزَاوَلة مهنة الطِّب، وقد اتفق في عام 319هـ/931م في أيام الخليفة المقتدر أنَّ بعض الأطباء أخطأ في علاج رجل فمات، فأمر الخليفة أن يمتحن جميع أطباء بغداد من جديد، فامتحنهم سنان بن ثابت كبير أطباء بغداد، فبلغ عددهم في بغداد وحدها ثمانمائة طبيب ونيفًا وستين طبيبًا، هذا عدا مَن لم يمتحنوا من مشاهير الأطباء، وعدا أطباء الخليفة والوزراء والأمراء.


ولا يفوتنا أن نذكرَ أنه كان يلحق بكل مستشفى مكتبة عامرة بكتب الطب، وغيرها مما يحتاجه الأطباء وتلاميذهم، حتى قالوا: إنه كان في مستشفى ابن طولون بالقاهرة خزانة كُتُب تحتوي على ما يزيد على مائة ألف مجلد في سائر العلوم.


أمَّا نظام الدُّخول إلى المستشفيات، فقد كان مَجَّانًا للجميع، لا فرق بين غني وفقير، وبعيد وقريب، ونابه وخامل، يُفحص المرضى أولاً بالقاعة الخارجية، فمَن كان به مرض خفيف يكتب له العلاج، ويصرف من صيدلية المستشفى، ومَن كانت حالته المرضية تستوجب دخوله المستشفى كان يقيد اسمه، ويدخل إلى الحمام، وتخلع عنه ثيابه فتوضع في مخزن خاص، ثم يُعطَى له سرير مفروش بأثاث جيد، ثم يعطى الدواء الذي يعيّنه الطبيب، والغذاء الموافق لصحته، بالمقدار المفروض له، فإذا أصبح في دور النقاهة أُدخل القاعة المخصصة للناقهين، حتى إذا تم شفاؤه أُعطي بدلة منَ الثياب الجديدة، ومبلغًا منَ المال يكفيه إلى أن يصبحَ قادرًا على العمل، وكانت غُرَف المستشفى نظيفة تجري فيها المياه، وقاعاته مفروشة بأحسن الأثاث، ولكلِّ مستشفى مُفَتِّشون على النظافة، ومراقبون للقيود المالية، وكثيرًا ما كان الخليفة أو الأمير يَتَفَقَّد بنفسه المرضى، ويُشرف على حسن معاملتهم.


هذا هو النظام السائد في جميع المستشفيات التي كانت قائمة في العالم الإسلامي، سواء في المغرب أم المشرق، في مستشفيات بغداد ودمشق، والقاهرة والقدس، ومكة والمدينة، والمغرب والأندلس، وسنقتصر في حديثنا على أربع مستشفيات في أربع مدن من عواصم الإسلام في تلك العصور:


الأول: المستشفى العضدي ببغداد: بناه عضد الدولة بن بويه عام 371هـ، بعد أن اختار الرازي الطبيب المشهور مكانه، بأن وضع أربع قطع لحم في أربعة أنحاء ببغداد ليلاً، فلما أصبح وجد أحسنها رائحة في المكان الذي أقيم عليه المستشفى فيما بعد، فأقام المستشفى وأنفق عليه مالاً عظيمًا، وجمع له منَ الأطباء أربعة وعشرين طبيبًا، وألْحَقَ به كل ما يحتاج إليه من مكتبة علميَّة وصيدلية ومطابخ ومخازن، وفي عام 449هـ جدَّد الخليفة القائم بأمر الله هذا المستشفى، وجمع فيه منَ الأشربة والأدوية والعقاقير التي يعز وجودها كثيرًا.


الثاني: المستشفى النوري الكبير بدمشق: أنشأه السلطان المَلِك العادل نور الدِّين الشَّهيد سنة 549 هـ، 1154م من مالٍ أخذه فدية من أحد ملوك الفرنج، وكان حين بنائه من أحسن ما بُني منَ المستشفيات في البلاد كلها، شرط فيه أنَّه على الفقراء والمساكين، وإذا اضطر الأغنياء إلى الأدوية التي فيه يسمح لهم بها، وكان الشَّراب فيه والدواء مباحًا لكل مريض يقصده.


وقد استمرَّ هذا المستشفى يقوم بعمله العظيم حتى سنة 1317هـ، حيث أنشئ مستشفى الغرباء، وهو المستشفى الذي تشرف عليه الآن كلية الطب في الجامعة السُّورية، فأقفل المستشفى النوري، ثم استعمل مدرسة أهلية.


الثالث: المستشفى المنصوري الكبير: المعروف بمارستان قلاوون، كان دارًا لبعض الأمراء، فحوَّلها الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى مستشفى عام 683هـ، 1308م، وأوقف عليه ما يغل عليه ألف درهم في كل سنة، ألحق به مسجدًا ومدرسة ومكتبًا للأيتام، وأدَّى هذا المستشفى عمله الإنْسَاني الجليل حتى أخبر أطباء العيون الذين عملوا فيه: أنه كان يُعالَج فيه كلَّ يوم من المرضى الداخلين إليه والناقهين الخارجين أربعة آلاف نفس، ولا يخرج منه كل من يبرأ من مرض حتى يُعطى كسوة للباسه ودراهم لنفقاته؛ حتى لا يضطر للالتجاء إلى العمل الشاقِّ فور خروجه.


ومن أروع ما فيه أيضًا النصُّ في وقفيّته على أن يُقدم طعام كل مريض بزبدية خاصَّة به، من غير أن يستعملها مريض آخر، ووجوب تغطيتها وإيصالها إلى المريض بهذا الشَّكل.


الرابع: مستشفى مراكش: وهو الذي أنشأه أمير المؤمنين المنصور أبو يوسف من ملوك الموحدين بالمغرب، تخيَّر ساحة فسيحة في مراكش بأعدل موضع فيها، وأمر البَنَّائين بإتقانه على أحسن الوجوه، وأمر أن يغرسَ فيه من جميع الأشجار والمشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياهًا كثيرةً تدور على جميع البيوت زيادة على أربع برك في وسط إحداها رخام أبيض، ثم أَمَرَ له منَ الفرش النَّفِيسة من أنواع الصُّوف والكِتَّان والحرير والأديم وغيره ما لا يُوصَف، وأقام فيه الصَّيادِلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال، وأعدَّ فيه للمريض ثياب ليل ونهار من جهاز الصيف والشتاء، فإذا نَقِه المريض، فإن كان فقيرًا أمر له عند خروجه بمالٍ يعيش به ريثما يعمل، وإن كان غنيًّا دفع إليه ماله، ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء، بل كان مَن مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولِج حتى يشفى أو يموت، وكان في كل جمعة يزوره ويعود المرضى، ويسأل عن أحوالهم وعن معامَلة الأطباء والمُمَرضين لهم.


وبعدُ، فهذه نماذج أربعة من مئات المستشفيات التي كانت منتشرةً في شرق العالم الإسلامي وغربه، يوم كانتْ أوروبة تَتِيه في ظلام الجهل، ولا تعرف شيئًا من هذه المستشفيات ودقتها ونظافتها، وسُمُو العاطفة الإنْسَانية فيها، وإليك ما قاله المستشرق الألماني ماكس مايرهوف عن حالة المستشفيات في أوروبا، في العصر الذي كانتْ فيه المستشفيات في حَضَارتنا كما وصفناها، قال الدكتور ماكس: "إنَّ المستشفيات العَربية ونُظُم الصِّحة في البلاد الإسلاميَّة الغابرة لتلقي علينا الآن درسًا قاسيًا مُرًّا، لا نقدره حق قدره إلا بعد القيام بمقارنة بسيطة مع مستشفيات أوروبا في ذلك الزمن نفسه"، مرَّ أكثر من ثلاثة قرون على أوروبا، اعتبارًا من زمننا هذا، قبل أن تعرف المستشفيات العامَّة معنى، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه حتى القرن الثامن عشر (1710م) والمرضى يعالَجون في بيوتهم، أو في دور خاصَّة، كانت المستشفيات الأوروبية قبلها عبارة عن دور عطف وإحسان، ومأوى لمن لا مأوى لديه، مرضى كانوا أم عاجزين، وأصدق مثال لذلك هو مستشفى (أوتيل ديو) بباريس، أكبر مستشفيات أوروبا في ذلك العصر، وصفه كل من ماكس توردو وتينون بما يلي: "يحتوي المستشفى على 1200 سريرًا، منها 486 خصصت لنفر واحد، أما الباقي - ولم تكن سعة الواحد منها تتجاوز خمسة أقدام - فتجد فيها عادة ما يتراوح بين ثلاثة مرضى وستة، وكانت الردهات الكبرى عفنة كثيرة الرطوبة، لا منافذ تهوية فيها، مظلمة دومًا، ترى فيها في كل حين حوالي ثمانمائة مرضى يفترشون الأرض وهم مكدسون بعضهم فوق بعض، على القاع أو على كوم منَ القش، في حالة يُرثى لها، إنك لتجد في السرير ذي الحجم المتوسط أربعة أو خمسة أو ستة مرضى متلاصقين، قدم أحدهم على رأس الثاني، تجد أطفالاً بجانب شيوخ، ونساء بجانب رجال، قد لا تصدق لكنها الحقيقة، تجد امرأة في المخاض مع طفل في حالة تشنُّج مصاب بالتيفوس يحترق في بحران الحمى، وكلاهما إلى جنب مريض بداء جلدي يحك جلده المهترئ بأظفاره الدامية، فيجري قيح البثور على الأغطية، وطعام المرضى من أخس ما يتصوره العقل، يوزع عليهم بكميات قليلة للغاية، وفي فترات متباعدة لا نظام فيها، واعتادت الراهبات أن يحابين المرضى الطائعين المنافقين على حساب الآخرين، فيسقينهم الخمور، ويصلنهم بالحلوى والمآكل الدسمة مما يتفضل به المحسنون، في الوقت الذي هم فيه أحوج إلى الحمية، فيموت الكثير منهم بالتُّخمة ويفطس غيرهم جوعًا، وكانتْ أبواب المستشفى مفتوحة في كل وقت وحين، ولكل رائحٍ وغادٍ، وبهذا تنتشر العدوى بانتقالها، وبالفضلات وبالهواء النَّتِن المُلَوَّث، وإن لم يتفضل المحسنون على المرضى ماتوا جوعًا، كما يموتون أحيانًا بالتخمة أو من فرط السكر، والفرش حافلة بالحشرات الدنيئة وهواء الحجرات لا يُطاق لفساده، حتى إن الخدم والممرضين لم يكونوا يجرؤون على الدخول إلا بعد وضع إسفنجة مبللة بالخل على أنوفهم، وتُترَك جثث الموتى 24 ساعة على الأقل قبل رفعها من السرير المشاع، وكثيرًا ما تتفسخ الجثة وتتعفن، وهي ملقاة بجانب مريض يكاد يطير صوابه".


هذه مقارَنة بسيطة بين حالة المستشفيات عندنا في عهود حَضَارتنا، وحالتها عند الغَربيين في تلك العصور، وهي تدل على مبلغ الانحطاط العلمي الذي كان عليه القوم، والجهل الفاضح بأصول المستشفيات، بل بقواعد الصحة العامة البدهيَّة.


ونختم هذا الحديث بالنتائج التي نحب أن نلفتَ الأنظار إليها بعد هذه المقارنات:


إننا في حَضَارتنا كنا أسبق من الغَربيين في تنظيم المستشفيات بتسعة قرون على الأقل، وإنَّ مستشفياتنا قامت على عاطفة إنسانية نبيلة لا مثيل لها في التَّاريخ، ولا يعرفها الغَربيون حتى اليوم.


إننا بلغنا في تحقيق التكافُل الاجتماعي حدًّا لم تبلغْه الحَضَارة الغَربية حتى اليوم، حين نجعل الطب والعلاج والغذاء للمرضى بالمجان؛ بل حين كنا نعطي الفقير الناقِهَ منَ المال ما ينفق على نفسه حتى يصبح قادرًا على العمل، إنَّ هذه نزعة إنسانية بلغنا فيها الذروة يوم كنا نحمل لواء الحَضَارة، فأين نحن منها اليوم، وأين منها هؤلاء الغَربيون؟!

المصدر : http://www.alukah.net/articles/1/4598.aspx
__________________
.
(اللَّهمَّ ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسَنةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنةً، وقِنا عذابَ النَّارِ)
AbuZare@hotmail.com
مدونتي
تويتر
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-12-08, 09:43 PM
أبو الحسن السكندري أبو الحسن السكندري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-11-04
الدولة: الإسكندرية - مصر
المشاركات: 187
افتراضي

سلمت أخي،
وجزاك الله خيراً.
وإن كان الواحد تحسر والله، عندما قارن حال مستشفياتنا اليوم بحالها زمان...
شتان بين مستشفيات لا تخرج المرضى إلا بعد دفع فاتورة بالآلاف، بدون مبرر ...
وبين مستشفيات تصرف للمرضى ملابس، وأموال تعينهم على معيشتهم إلى أن يتم شفاؤهم بإذن الله.
__________________
أحِبُّ الصالحين ولست منهم ... لعلي أن أنالَ بهم شفاعةْ
وأكرهُ من تجارتُه المعاصي ... ولو كنا سواءً في البضاعةْ
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:00 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.