ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى طالبات العلم الشرعي
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-09-16, 05:29 PM
أم ماريـــــــة أم ماريـــــــة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-16
المشاركات: 12
Post من فوائد ابن القيم رحمه الله: حديث يتضمّن حقيقة العبوديّة

من فوائد ابن القيم رحمه الله:
حديث يتضمّن حقيقة العبوديّة
في "المسند" و "صحيح أبي حاتم" من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أصاب عبدا همُُّ و لا حزن، فقال: اللهم إنّي عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك
أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، و نور صدري، و جلاء حزني، و ذهاب همّي وغمّي. إلا أذهب الله همّه وغمّه، و أبدله مكانه فرحا"
. قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلّمهن؟ قال: "بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلّمهن"(1).

فتضمّن هذا الحديث العظيم أمورا من المعرفة و التوحيد و العبوديّة، منها أنّ الدّاعي به صدّر سؤاله بقوله: "إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك"، و هذا يتناول من فوقه من آبائه و أمّهاته إلى أبويه آدم وحوّاء، و في ذلك تملّق له واستخذاء بين يديه و اعترافه بأنّه مملوكه و آبائه مماليكه، و أنّ العبد ليس له غير باب سيّده و فضله و إحسانه، و أنّ سيّده إن أهمله و تخلّى عنه هلك، و لم يؤوه أحد و لم يعطف عليه، بل يضيع أعظـــم ضيعة. فتحت هذا الاعتراف: أني لا غنى بي عنك طرفة عين، و ليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيّدي الذي أنا عبده و في ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبّر مأمور منهي، إنّما يتصرّف بحكم العبوديّة لا بحكم الاختيار لنفسه.

فليس هذا في شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار، و أمّا العبيد فتصرّفهم على محض العبوديّة فهؤلاء عبيد الطّاعة المضافون إليه سبحانه في قوله:
{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان}
(الحجر 42)، و قولـــه:{وَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنا} (الفرقان 63)، و من عداهم عبيد القهر و الربوبية، فأضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه، و إضافة أولئك كإضافة البيت الحرام إليه، و إضافة ناقته إليه و داره التي هي الجنّة إليه، و إضافة عبودية رسوله إليه بقوله: {و َإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} (البقرة 23).
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} (الإسراء 1)، {و َأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } (الجن 19).

و في التّحقيق بمعنى قوله: "إني عبدك"، التزام عبوديته من الذلّ و الخضوع و الإنابة، و امتثال أمر سيّده، و اجتناب نهيه، و دوام الافتقار إليه، و اللّجوء إليه، و الإستعانة به، و التوكّل عليه، و عياذ العبد به، و لياذه به، ألاّ يتعلّق قلبه بغيره محبّة و خوفا و رجاء.
و فيه أيضا أنّي عبد من جميع الوجوه: صغيرا وكبيرا، حيّا و ميّتا، مطيعا و عاصيا، معـــافى و مبتلى بالرّوح و القلب و اللّسان و الجوارح.
و فيه أيضا أنّ مالي و نفسي ملك لكن فإنّ العبد و ما يملك لسيّده.
و فيه أيضا أنّك أنت الذي مننت عليّ بكلّ ما أنا فيه من نعمة، فذلك كلّه من إنعـــامك على عبدك.
و فيه أيضا أنّي لا أتصرّف فيما خوّلتني من مالي و نفسي إلاّ بأمرك، كما لا يتصرّف العبد إلاّ بإذن سيّده، و أنّي لا أملك لنفسي ضرّا و لا نفعا
و لا موتا و لا حياة و لا نشورا، فإن صحّ له شهود ذلك فقد قال : أنّي عبدك حقيقة.
ثم قال: "ناصيتي بيدك"، أي أنت المتصرّف في تصرّفي كيف تشاء، لست أنا المتصرّف في نفسي، و كيف يكون له في نفسه تصرّف و هو من نفسه بيد ربه و سيّده و ناصيّته بيده و قلبه بين أصبعين من أصابعه(2)، و موته و حياته و سعادته و شقاوتُه و عافيته و بلاؤه كلّه إليه سبحانه، ليس إلى العبد منه شيء، بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير، ناصيته بيد سلطان قاهر، مالك له تحت تصرّفه و قهره بل الأمر فوق ذلك.
و متى شهد العبد أنّ ناصيته و نواصي العباد كلّها بيد الله وحده يصرّفهم كيف يشاء، لم يخفهم بعد ذلك، و لم يرجهم، و لم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرّف فيهم سواهم و المدبّر لهم غيرهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد، صار فقره و ضرورته إلى ربّه وصفا لازما له،
و متى شهد النّاس كذلك لم يفتقر إليهم، و لم يعلّق أمله و رجاءه بهم، فاستقام توحيده، و توكّله وعبوديته، و لهذا قال هود لقومه: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ
عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
(هود 56).


(1) أخرجه أحمد (1/391)
و أبو يعلى برقم (5297)، و البزار في "مسنده"، برقم (1994)، و غيرهم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهن و صحّحه الألباني
في "الصّحيحة" برقم (199).
(2) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، (2654)، و غيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

سيتبع إن شاء الله
__________________
قال ابن تيميـــة رحمه الله:
"إذا تأمّلت السّبعة الذين يظلّهم الله بظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه، لوجدت إنّما نالوا ذلك الظلّ بمخالفة الهوى"
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:20 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.