ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 17-04-19, 05:47 PM
د. عبد السلام أبوسمحة د. عبد السلام أبوسمحة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-05
الدولة: الاردن عمان
المشاركات: 248
افتراضي كلام نقاد عصر الرواية .. مَعرِفَةُ منزلةٍ وريادةٍ لا تقديس فيه ولا هدر..

#سمحاويات تخصصة (869) كلام نقاد عصر الرواية .. مَعرِفَةُ منزلةٍ وريادةٍ لا تقديس فيه ولا هدر..
🎯 يُصبحنا ويمسنا بعض من تجرأ على كلام نقاد عصر الرواية؛ شعبة وابن القطان ووكيع وابن مهدي، وأحمد بن حنبل وابن معين وابن المديني، والبخاري ومسلم والترمذي وأبي حاتم وأبي زرعة، والدارقطني وغيرهم؛ يصبحنا ويمسنا بالوهم والزعم الباطل أننا نقدس كلامهم... ويزيد في غيه وزيغه حين يعلي عقيرته بالقول أننا أضحينا نشابه الرافضة في عصمة أئمتنا... عجبي من فجور الخصومة ..
🎯 ولا ينقضي عجبي من هؤلاء وهم يزعمون تشبثهم بالسلف، وتفضيلهم القولي لا العلمي لأقوال علماء القرون الأولى... فإذا ما مس في هذا الأمر شيخ لهم ... أو رمز من رموزهم التي اتخذوها من دون العلماء محط اختبار للاتباع أو الابتداع .. بل إن لم تتشبع وتروى من فتاوى شيخهم فأنت متعصب أو متشدد أو متمذهب أو أو... فكيف إذا مس هؤلاء بالنقد ثارت ثائرتهم .... فعن أي عصمة يتحدث هؤلاء ... وعن أي تعصب تصدر لنا الآراء.. إنه أقبح وجه رأيته للتعصب.
🎯لا يمكنكم يا هؤلاء ستر عورة التعصب والغلو في مشايخكم باتهام الآخرين بها .. ولو فعلتم وصدق اتهامكم لنا بالتعصب للمتقدمين(جدلا) ... فهل التعصب لأقوال النقاد الكبار والعلماء الأفذاذ نحو ما أقمتم عليه معاشكم ومعادكم؟
🎯 ولا استغرب أبدا حينما يتهكم متهكمهم على قلة الحكم النقدي على الأحاديث لدعاة منهج النقاد، والزعم أننا نتستر بأقوال النقاد لإخفاء قصورنا في هذا الجانب!! ما عرف هذا المتخرص أننا لو سرنا على طريقتهم لحكمنا على الآلاف الأحاديث كما فعلوا، لكننا لن نقع فيما نحذر منه من استسهال الحكم النقدي على الحديث، حتى أصبح ذلك صنعة من لا صنعة له، وعمل من لا عمل له ....
✔ من هنا كان من الواجب أن نتحدث في هذه المسألة ونطيل النفس فيها، موضحين ما نؤمن به قولًا وعملًا، تأصيلًا وتطبيقًا، والله المستعان، فنرصده وبالله التوفيق من خلال المراصد الآتية:
المرصد الأول: بين التقديس ... والإهدار ... تقف منهجية إنزال الناس منازلهم:
الفرق كبير جدا بين التقديس وإنزال الناس منزلتهم ... وللأسف أقولها صريحة: ما عرف هؤلاء قيمة النقاد ولا أنزلوهم منزلتهم، ولا أعطوا القوس لباريها، بل استوى عندهم عمل النقاد بغيرهم، بل ذهب الأمر عندهم إلى أبعد من ذلك، ذهب تطبيقاً إلى أن منزلة شيوخهم في النقد أعلى من منزلة النقاد من أهل الرواية.
المرصد الثاني: لماذا نقاد عصر الرواية؟
ذكرتها مرارا، وأكررها بلا ملل: الأصل في علم النقد الحديثي هو تطبيقات نقاد عصر الرواية، فهم مرجعية التأصيل والتقعيد، وكل مظهر نقدي لا يعتمد مقولاتهم فهو مردود. لكن السؤال: لماذا قيد التأصيل والتقعيد بعصر الرواية؟
والجواب: قيد التأصيل والتقعيد بعصر الرواية للاعتبارات الآتية:
أولًا: من المهم معرفة المرحلية النقدية نشأة وتطورا واستقرارا، فكل مرحلة من مراحل الحديث والرواية لها أصحابها ودورهم في النقد، والزمن تختلف فيه المعطيات وتختلف فيه الأحوال، أسميها البيئة العلمية فهي التي تفرض النقد ونوعيته، وهي التي تمنح التأصيل النقدي لفئة دون فئة أو لزمان دون زمان، والنقد واسع المفهوم، يشمل:
- نقد الفهم؛ وجدناه عند الصحابة حتى أن بعضهم كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لتصويب فهمه للأحاديث، فهذه عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: “من حوسب عذب”. قالت عائشة “فقلت أوليس يقول الله تعالى : {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} . قالت فقال: “إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك”، هذا نقد فهم.
- وأما نقد الرواية؛ مارسه عمر بن الخطاب لما سمع ذلك الصحابي يقرأ بغير القراءة التي علمها إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه من تلابيبه الى المصدر الأصيل للرواية؛ هذا نقد نقل.
- وأما نقد العدالة، عن ابن سيرين، قال: ” لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم “. فنقد عدالة أحد شقي النقد.
ثم سار هذا كله إلى:
- النقد الاحترافي، الصنعة النقدية؛ فلما بدأ يتكاثر الرواة، و عمِّرت مجالس العلماء، وكثر الشيوخ، وتعدد أصحابهم، بدأت الصنعة النقدية الإحترافية(إن جاز التعبير) التي نتكلم عنها، وبدأت المقارنات بين الرواة في أدائهم للروايات بعد تحملها، فكلما تقادم الزمان وكثر الرواة، زاد النقد وكثرت المقولًات النقدية، حتى إذا استقرت الرواية في دواوين السنة، واستقر معها النقد تأصيلا وتقعيدا، ممارسة وتطبيقا.
ثانيا: الناقد يرى الراوي أمامه ويعاين الأخطاء التي يقع فيها، فهو ممارس للرواية، مشاهد لأخطاء الرواة، مميز مدرك لسبل كشفها، وأساليب نقدها. من هنا فقد حَصَرَ النقاد وأهل الحديث في عصر الرواية رواة الحديث ومروياتهم، وهذا لا يشك أحد فيه ، فكل من جاء بعد عصر الرواية اعتمد على مصنفاتهم. فهل يعقل أن يفوتهم حصر نوعية الأخطاء التي وقع فيها هؤلاء الرواة؟ وينظموا في إثر ذلك القواعد الكاشفة لهذه الأخطاء؟ ثمت تلازم بينهما !!!!
وهل من المقبول أن يأتي من يقول: ثمت قواعد جديدة تضبط عملية قبول الروايات وردها، لم يأت عليها النقاد، والأدهى من ذلك مخالفة مخرجاتها أحكام نقاد عصر الرواية.
ثالثا: لماذا نردد دوما نقاد عصر الرواية؟ ولماذا نربط النقد بعصر الرواية؟ السبب في ذلك أن الرواية والنقد كفرسي رهان، فلا يمكن أن نتخيل رواية لأمة تزعم أنها نقحت رواياتها، ولا يسير النقد فيها سيرا حثيثا، كتفا بكتف مع الرواية؛ لأجل ذلك واكب النقد تأصيلا وتقعيدا الرواية ولم يتأخر عنها. ولنا في الأمم السالفة خير مثال فلما تأخر النقد لروايات أهل الكتاب انظر ما حدث في مروياتهم، حتى إن بعض نقاد مؤرخي الديانة النصرانية يقول: “كل ما يمكن أن أثبته عن المسيح أن لا أقول شيء”
إذا الرواية والنقد يسيران سيرا واحدا، فإذا تخلف النقد تأصيلا وتقعيدا عن الرواية في أمة من الأمم فاحكم على رواياتها بالبطلان.
رابعا: قد يقول قائل: نعم فقد نقد نقاد الحديث الروايات وهذا لا ينكره أحد ، لكنهم تركوا غيرها من الروايات؟ والإجابة تكون في مقامات متعددة:
المقام الأول: لابد أن نذكر أن الكلام كله يسير باتجاه القواعد النقدية وشموليتها لاستيعاب نوعية الأخطاء التي وقع فيها الرواة. وليس الحديث عن شمولية نقد الروايات كلها، والفرق بينهما كبير. من لا يقدر على استيعاب الفرق فليترجل عن ساحة هذا التخصص!!!
المقام الثاني: الفرق بينها أيضا أن إقرار القواعد النقدية وتأصيلها أساس مهم، عليه تُبنى العملية النقدية بأسرها، ومن هنا فإن نقد النقاد حقق استيعاب عملهم لقواعد النقد، بيد أنه ترك استيعاب التطبيق وشموليته لكل مجتهد يتمكن من فهم الأصول النقدية وتطبيقها، فالتقعيد انتهى عصره، والممارسة مستمرة.
المقام الثالث: والفرق كبير بين القول: أن ثمت أحاديث لم يحكم عليها النقاد، والقول أن ثمت قواعد لم تواكب أخطاء الرواة.
المقام الرابع :لا أقول أن نقاد عصر الرواية نقدوا جميع المرويات، بل نقدوا كل أصول الخطأ )كما سبق(؛
فإدخال حديث في حديث على سبيل المثال له أصل نقدي في صنيع النقاد، وهناك أمثلة أخرى لم ينتقدوها، لكن تأصيله النقدي موجود، والتطبيق على ضوئه مفتوح، والممارسة لكل ماهر وفق أصول المدرسة النقدية مسموح. وبنحوه سلوك الجادة، فقد انتقدوا منها ما يؤصل لها، ولم يشمل نقدهم كل أحاديث سلوك الجادة. و بنحوه تعارض الوصل والإرسال، والوقف والرفع ، والاتصال والانقطاع، وزيادة الثقة. وفي أحاديث الثقات نجدهم نقدوا ما أخطأ فيه هؤلاء، فصار عندنا تأصيل نقدي أن الثقة يخطئ، وصححوا صواب الضعفاء، فأصبح لدينا أصل نقدي أن الضعيف قد يصيب. وغيرها وغيرها من الأصول النقدية.
خامسا: لأجل ذلك كله نقول: القواعد النقدية التي وجدت في ممارسة نقاد عصر الرواية قواعد أصيلة لا يجوز الخروج عليها، ولا يجوز تطويرها، ولا الابتكار في ميدانها، فلا سبب علمي موجب لتطويرها، فالرواية انتهت، وأخطاء الرواة حصرت، فكيف السبيل إلى تطويرها؟ إنه الهدم لا التطوير، والمخرجات خير دليل.
وهنا نقف وقفة مراجعة: قد يقول لي قائل أطلت في كلام كلنا نقره، ونزيد عليه، قلت: وهنا العجب، نقر هذا الكلام قولا، وعند التطبيق العلمي ما أسهل هدر أقوال النقاد، وما أسرع الاقتناع بحجج واهية لاسقاط أحكامهم النقدية.
المرصد الثالث: من أراد ان يجعل رأسه برأس نقاد عصر الرواية فيفعل ما فعلوا، ويتقن ما أتقنوا، حفظوا الحديث على المخرج، و على المدار ، و على الباب ، فكانوا يعدوا الحديث كما يعد الراعي غنمه وحينما أرادوا المذاكرة: ذاكروه على المخرج أو المدار أو الباب.وحين النقد: تجد نقدهم يشمل ذلك كله؛ فيقول الناقد: لا يصح عن ابن عمر ( على سبيل المثال) هذا الحديث.( نقد المخرج).
ويقول: لا يصح عن نافع عن ابن عمر إنما يصح عن سالم. ( نقد المدار).
ويقول: لا يصح مرفوعا عن نافع عن ابن عمر بل يصح عنه موقوفا.( نقد أصحاب المدار).
ويقول: لا يصح في الباب حديث. وهنا يدلك على استيعابه أحاديث الباب بالنقد وصولًا إلى هذه النتيجة النقدية.
يقول المعلمي رحمه الله: "وهذه المَلَكة لم يؤتوها- يعني الأئمة النقاد- من فراغ، وإنما هي حصاد رحلة طويلة من الطلب، والسماع والكتابة. وإحصاء أحاديث الشيوخ، وحفظ أسماء الرجال، وكناهم وألقابهم وأنسابهم وبلدانهم، وتواريخ ولادة الرواة ووفياتهم، وابتدائهم في الطلب والسماع، وارتحالهم من بلد إلى آخر، وسماعهم من الشيوخ في البلدان، من سمع في كل بلد؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع مَن سمع؟ وكيف كتابه؟ ثم معرفة أحوال الشيوخ الذين يحدث الراوي عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث. ومعرفة مرويات الناس عن هؤلاء الشيوخ، وعرض مرويات هذا الراوي عليها، واعتبارها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. هذا مع سعة الاطلاع على الأخبار المروية، ومعرفة سائر أحوال الرواة التفصيلية، والخبرة بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، وبمظنات الخطأ والغلط، ومداخل الخلل.. هذا مع اليقظة التامة، والفهم الثاقب، ودقيقة الفطنة، وامتلاك النفس عند الغضب، وعدم الميل مع الهوى، والإنصاف مع الموافق والمخالف، وغير ذلك.. وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلا الأفذاذ، وقد كانوا من القلة بحيث صاروا رؤوس أصحاب الحديث فضلاً عن غيرهم، وأضحت الكلمة إليهم دون من سواهم". أ.هـ" النكت الجياد"(١٢٨/١).
المرصد الرابع: لم يرد عن أحد من المتأخرين أن تعامل مع أقوال النقاد بذات الطريقة التي يعرضها البعض اليوم وبطريقة فجه، وإليكم جانبا من أقوالهم، وهذه الأقوال لا تمنع الاستدراك عليهم، كما ذكرته في المرصد السادس(فلا تتعجل):
أنزل المتأخرون نقاد عصر الرواية منزلتهم: قال الذهبي: ((وجزمتُ بأن المتأخرين على إياسٍٍ من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة)). التذكرة. وقال أيضا : (( وهذا في زماننا يَعْسُر نَقْدُهُ على المحدث؛ فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفُقدت العباراتُ المتيقنة )).الموقظة ص 46.
ابن حجر يقول في تقليدهم: قال ابن حجر :((وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين ، وشدة فحصهم ، وقوة بحثهم ، وصحة نظرهم ، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك ، والتسليم لهم فيه )) . «النكت» (2/726)
يكشف ابن رجب هجران هذا العلم في زمانه والسبب الداعي له لتأليف شرح العلل: قَالَ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللُه في «شَرْحِ العِلَلِ للتِّرْمِذيِّ» (1/346):وكَذَا الكَلامُ في العِلَلِ والتَّوارِيْخِ قَدْ دُوَّنَهُ أئِمَّةُ الحُفَّاظِ، وقَدْ هُجِرَ في هَذَا الزَّمَانِ، ودُرِسَ حِفْظُهُ وفَهْمُهُ، فَلَوْلا التَّصَانِيْفُ المُتَقَدِّمَةُ فِيْهِ لمَا عُرِفَ هَذَا العِلْمُ اليَوْمَ بالكُلِّيَّةِ، ففِي التَّصْنِيْفِ فِيْهِ، ونَقْلِ كَلامِ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِيْنَ مَصْلَحَةٌ عَظِيْمَةٌ جِدًّا. وقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ ـ ومَعَ سِعَةِ حِفْظِهِم، وكَثْرَةِ الحِفْظِ في زَمَانِهِم ـ: يَأمُرُونَ بالكِتَابَةِ للحِفْظِ، فكَيْفَ بزَمَانِنَا هَذَا الَّذِي هُجِرَتْ فِيْهِ عُلُومُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِهَا، ولم يَبْقَ مِنْهَا إلَّا مَا كَانَ مُدَوَّنًا في الكُتُبِ؛ لتَشَاغُلِ أهْلِ هَذَا الزَّمَانِ بمُدَارَسَةِ الآرَاءِ وحِفْظِهِا».
وقَالَ أيْضًا (2/663): «وأرَدْتُ بذَلِكَ تَقْرِيْبَ عِلْمَ العِلَلِ على مَنْ يَنْظُرُ فِيْهِ، فَإنَّهُ عِلْمٌ قَدْ هُجِرَ في هَذَا الزَّمَانِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا في كِتَابِ العِلْمِ أنَّهُ عِلْمٌ جَلِيْلٌ قَلَّ مَنْ يَعْرِفُهُ مِنْ أهْلِ هَذَا الشَّأنِ، وأنَّ بِسَاطَهُ قَدْ طُوِيَ مُنْذُ أزْمَانٍ، واللهُ المُسْتَعَانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ، فإنَّ التَّوْفِيْقَ كُلَّهُ بيَدَيْهِ، ومَرْجِعَ الأُمُورِ كُلِّها إلَيْهِ".
ويبين ابن حجر العسقلاني قيمة علم العلل، وينص على أسماء أهل الشأن فيه، ويكشف عن طريقة إيراد العلة حينما تقصر العبارة عن بيان المراد(وهذا التعليل المجمل الذي رده البعض لأسباب واهية) ، يقول في «نُزْهَةِ النَّظَرِ» (92):«وتَحْصُلُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بكَثْرَةِ التَّتبُّعِ، وجَمْعِ الطُّرُقِ؛ فهَذَا هُوَ المُعَلَّلُ، وهُوَ مِنْ أغْمَضِ أنْوَاعِ عُلومِ الحَدِيْثِ وأدَقِّهَا، ولا يَقُوْمُ بهِ إلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللهُ تَعَالى فَهْمًا ثَاقِبًا، وحِفْظًا وَاسِعًا، ومَعْرِفةً تَامَّةً بمَراتِبِ الرُّواةِ، ومَلَكَةً قَوِيَّةً بالأسَانِيْدِ والمُتُونِ، ولهَذَا لم يَتَكَلَّمْ فِيْهِ إلَّا القَلِيْلُ مِنْ أهلِ هَذَا الشأنِ: كعليِّ بنِ المَدينيِّ، وأحْمَدَ بنِ حَنْبلٍ، والبُخَارِيِّ، ويَعقوبَ بنِ أبي شَيْبةَ، وأبي حَاتِمٍ، وأبي زُرْعَةَ، والدَّارَقُطنيِّ. وقَدْ تَقْصُرُ عِبَارَةُ المُعَلِّلِ عَنْ إقَامَةِ الحُجَّةِ على دَعْواهُ؛ كالصَّيْرَفيِّ في نَقْدِ الدِّينارِ والدِّرهَمِ» انَتْهَى.
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: «فإن هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث يختصون بمعرفته، كما يختص الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود، جيدها ورديئها، وخالصها ومشوبها، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر، وكلٌّ من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلاً لغيره، وآية ذلك أنه يُعرض الحديث الواحد على جماعة ممن يعلم هذا العلم، فيتفقون على الجواب فيه من غير مواطأة» [جامع العلوم والحكم (2/105-106)] .
وقال الحافظ ابن كثير قبله: " أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلماً من غير ذكر أسباب (التعليل المجمل)، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن ،واتصفوا بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكاً أو كذاباً ،أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في مواقفهم ، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم" .
ويقول : "وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة، النقاد، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومعوجه ومستقيمه، فمنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس، فمن الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة. ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة يدركها البصير من أهل هذه الصناعة".
المرصد الخامس: إذا صدر النقد عن نقاد عصر الرواية بعد امتلاكهم الأدوات النقدية، والمعلومات المؤسسة للعملية النقدية؛ فحفظهم التام للمرويات، وعقدهم المقارنات بين الرواة على المدار والباب والمخرج والبلدان، ومعايشتهم للرواية والرواة، أو من عايش الرواة، وبعد جملة من العمليات النقدية أصدروا أحكامهم على الراوي والمروي.
لكن السؤال: كيف نتعامل مع تراثهم النقدي ؟؟
1. ان اتفقوا فالتقليد لهم حتمي ولا مجال فيه .... ليس لأننا لا نُعمل عقولنا، ولا لعدم القدرة على امتلاك الأدوات، ولا لأننا نظن فيهم العصمة... بل لقلة المعلومات المؤسسة للنقد فهي لا تسعفنا في الرد عليهم. ومفهوم الاتفاق هنا لا يعني الاجماع فهو أمر غير واقعي، بل الاتفاق يتمثل في اصدار حكم نقدي دون معارض.
2. وإن اختلفوا في النقد نرجح بينهم بما فهمنا من أدواتهم النقدية لا بأدوات غريبة عن منهجهم .وهذا ليس كلامي إنما كلام المتأخرين، قال السخاوي :(( ولذا كان الحكم من المتأخرين عسراً جداً ، وللنظر فيه مجال ، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم ، وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة ، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي ، ولم يجيء بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب ، أفاده العلائي ، وقال : فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمداً ، لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير ، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح )) . «فتح المغيث» (1/237)

3. وإن لم يؤثر عنهم نقد ... أعملنا منهجهم... وهنا بيت القصيد، والذي نحتاج فيه إلى معرفة كيف نعيد صياغة العقلية النقدية بعد التشويهات التي حصلت من خلال حلول المصطلح بديلا للنقد ... أو تنصيبه حاكما عليه... ولا يعد هذا من مشاكل علماء المصطلح، ولا علم المصطلح، بل مشكلة من لم يستوعب أن المصطلح جاء لتيسر تعليم طلبة العلم وتقريبهم من هذا العلم، وصدره حاكما على قواعد النقاد ومقولاتهم، وأحكامهم.

المرصد السادس: مع كل ما سبق، نقول أنهم بشر يمكن أن يصيبوا ويخطئوا، حتى العلماء ممن سبق النقل عنهم، ورد عنهم نصوص في إمكانية الاستدراك على المتقدمين، ولا أظن أن أحدا منا ينكر إمكانية ذلك، وإلا وقعنا في ادعاء العصمة لهم.
لكن موطن الاختلاف الحاسم في هذا المقام هو المعيار النقدي المعتمد في هذا الاستدراك، فالواقع المؤمل ان الاستدراك عليهم جاء من معايير أجنبية عن منهجهم، اختلط فيها البعد الفقهي بالأصولي، فأضحت الحالة النقدية غريبة المعيار عنهم، حاول البعض بعد سيل من اتهامات عدم الفهم والإدارك، أن يكشف عن زاوية الاختلاف في عمل النقاد عمن سواهم من حيث المقصد، بين مقصد الفقه والحاجة للمتن، ومقصد بيان حال الرواية والرواة، وهو من حيث يدري أو لا يدري يكشف لنا الأسباب الحقيقة لوجود الاختلاف المعياري في الحكم النقدي، وهو اقحام النظرة الفقهية الاحتجاجية على الصنعة النقدية الصرفة، ففي حين يحكم النقاد على الإداء يأتي الاستدراك عليهم من زاوية النظر الفقهية التي تريد الاستدلال فحسب. وهذا أمر نص عليه المتأخرون قبل غيرهم.
ومن هذه المعايير العجيبة، ومنها جديد الطرح: عدم ذكر النقاد أسباب التعليل مصطلح "التعليل المجمل"، تخريج أهل الرواية من أصحاب السنن والمسانيد للحديث مع عدم بيان سبب العلة يجعلنا نتوقف في العلة أو نرجح جانب الرد لها، ظاهرية مدرسة ظاهر الإسناد، الشواهد بكل حيثياتها (البعض ينتقد التوسع بها دون أصلها، ولو جارينا ذلك، انظر كم هي التناقضات الناتجة عن ذلك مع أحكام النقاد)، الشواهد المهترأة، الشواهد المفرقة، الشواهد القرآنية، غرائب الروايات... وغيرها من المعايير النقدية.
ختاما أسأل الله أن يوفقنا جميعا لرؤية الحق واتباعه.
__________________
الدكتور عبد السلام أحمد أبوسمحة/ مساعد الأمين العام لندوة الحديث الشريف بدبي
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-05-19, 04:54 AM
أبو دانيال سيف الله أبو دانيال سيف الله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-03-11
المشاركات: 932
افتراضي رد: كلام نقاد عصر الرواية .. مَعرِفَةُ منزلةٍ وريادةٍ لا تقديس فيه ولا هدر..

بورك بك ونفع بك
لم تراسلني على الخاص شيخنا الحبيب
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:05 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.