ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى التخريج ودراسة الأسانيد
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #21  
قديم 31-08-14, 10:18 PM
عبدالله بن عبدالرحمن رمزي عبدالله بن عبدالرحمن رمزي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-11-07
الدولة: السعودية
المشاركات: 2,079
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

مقال يتعلق بهذا الاثر ومعناه للاخ وليد العاصمي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
جاء في الأثر:{إذا اختلف الناس فانظروا ماعليه أهل الثغر-أو فاسألوا أهل الثغر-فإن الله يقول:(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)}.
وهذا الأثر يحتاج إلى دراسة من جهتين:
من جهة:صاحب القول.
ومن جهة:المعنى المراد.
وسنتناولهما بإذن الله في هذا المقال القصير باختصار.
أولا:(من هو صاحب هذا القول).
يُنسب هذا الأثر في الكتب إلى ثلاثة:
عبدالله بن المبارك المتوفى سنةظ،ظ¨ظ،هجرية.
وأحمد بن حنبل المتوفى سنةظ¢ظ¤ظ،هجرية.
وسفيان بن عيينة المتوفى سنةظ،ظ©ظ¨هجرية.
أما عبدالله بن المبارك فلم أقف على أحد ذكر قوله مسندا-حسب البحث القاصر- ، وكل من وقفتُ عليه ذكره بغير إسناد ، لكن جاء في تفسير ابن أبي حاتم أثرٌ فيه سقط في أكثر من موضع سأورده وأرمز للسقط فيه ب(...) ،
الأثر هو:
قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا أبي ، ثنا يعقوب بن إسحاق البغدادي ، ثنا حماد ...، قال:سمعته يقول:قال لي ..عيينة ،....اختلفوا فيه...وأهل الثغور ، فإن الله يقول:(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
إذن سفيان ابن عيينة قال لأحدهم هذا القول لكن هذا المقول له سقط اسمه في الإسناد السابق ، لكن جاء في تفسير القرطبي ذِكر المقول له وهو عبدالله بن المبارك(وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك..)[ظ،ظ¦/ظ£ظ©ظ،].
وهنا نخلص إلى نتيجة ظنية إلى أنَّ ابن المبارك هو الذي قيل له ذلك وعليه فلم يكُ ابن المبارك قائلا بل راويا عن سفيان بن عيينة.
نأتي إلى إمامنا أحمد بن حنبل رحمه الله ،
كذلك لم أجد مَن أسند الأثر إليه ، والذي وجدته ذكره أن سفيان هو القائل ، قال المروذي:قرئ عليه-يعني أحمد-(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)فقال أحمد:الذي قال سفيان:إذا اختلفتم في شيء فانظروا ماعليه "أهل الثغر"نقلا عن ابن القيم في (بدائع الفوائد)والذي نقل هو بعض مسائل المروذي لأحمد[ظ،ظ ظ¢ظ¢/ظ£]وجاء في (الجامع لعلوم أحمد)[ظ¤ظ¨ظ¨/ظ،ظ£]"فاسألوا أهل التقوى"وسواء قيل:أهل التقوى أو أهل الثغر فلا تعارض بينهما كما سيأتي بيانه .
وهنا نخلص أيضا إلى أن أحمد رحمه الله لم يكُ هو القائل ، وربما قال أحمد أو ابن المبارك هذا القول مرة من غير إسنادٍ للقائل فنُسب إليهما مسندا في مرجع لم تصله أيدينا أو أنهما لم يفعلا ذلك لكن من باب التساهل في النقل كما هو الغالب في الآثار الواردة عن غير الرسول ï·؛ أو الصحابة أو التابعين ، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته(مسألة المرابطة بالثغور)[صظ¥ظ ]:(وكان ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون:إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماعليه أهل الثغر ، فإن الحق معهم...).
نأتي الآن إلى(سفيان بن عيينة)صاحب القول فقد جاء عنه هذا القول مسندا في موضعين:
الموضع الأول:تفسير ابن أبي حاتم وقد مر ذكر الإسناد.
الموضع الثاني:تفسير الثعلبي(الكشف والبيان) فقد قال:أخبرني ابن فنجويه قال حدثنا ابن شنبة ، قال حدثنا عبدالله بن محمد بن وهب ، قال حدثنا إبراهيم بن سعيد ، قال:سمعت سفيان بن عيينة يقول...
وإسناد ابن أبي حاتم والثعلبي فيهما ضعف ، لكن يتساهل في رواية مثل هذه الآثار كما هو سبق ، وقد رجَّح أحمد محايري الذي جمع تفسير ابن عيينة من بطونِ كتبِ التفسير صحةَ نسبة الخبر إلى ابن عيينة لا من جهة صحة الإسناد بل من جهة مشابهته لطريقة ابن عيينة في التفسير فقال:(وأُرجِّح نسبة الخبر إلى ابن عيينة لأنَّ فيه الالتفاتات الدقيقة التي تَمَيز بها تفسير ابن عيينة عن بقية التفاسير في عصره)تفسير ابن عيينة[صظ£ظ ظ¥].
خلصنا هنا إلى أن قائل الأثر هو سفيان ابن عيينة رحمه الله ومَن بعده نقلوا عنه وسارت بالكلمة الركبان حتى نُسبت إلى غير واحد.

ثانيا:مامعناه؟
كَتَب أحد المجاهدين بأرض الشام اقتراحا في(تويتر)وهذا الاقتراح:هو أن يكون هناك(خط ساخن) مع علماء بلاد الحرمين الثقات ، حتى يُفتوهم في بعض المسائل التي أشكلت عليهم خاصة أنها في الدماء والأعراض..فكتب إليه أحدهم بكل بساطة:(ألم تسمع قول السلف اسألوا أهل الثغور وهذا دليل على أن الله يفتح عليهم في باب الفقه!)هكذا تصبح الفتوى في مسائل الدماء والأعراض لأهل الثغور ، فقط لأنهم على ثغر!والمسألة ليست في نازلةٍ تخصصوا فيها أكثر من غيرهم بل في دماء وأعراض بحثها العلماء وتناقشوها في كتب الفقه بل تورع الكثير منهم عن الكلام فيها ، كل ذلك اعتمادا على أثرِ سفيان ابن عيينة بإسناد ضعيف!أو اعتمادا على اسنتباط من الآية فيه نقص ، أنا هنا لا أقلل من شأن الكلمة التي سارت بها الركبان وتداولها العلماء حتى التبس على كثيرٍ مِن طلاب العلم مَن قائلها ، لكنني أقول:(أحسنوا استخدام الكلمة أو أعطوها حجمها) ، ثم يُقال أيضا:إن الجهاد المذكور في الآية:(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)المراد به:جميع أنواع الجهاد وليس جهاد الكفار فقط ، بدليل أن السورة مكية نزلت قبل نزول فرض جهاد الكفار أصلا ، قال ابن عطية في تفسيره:(فهي قَبْل الجهاد العُرفي ، وإنما هو جهاد عام في دين الله تعالى وطلب رضاه)[صظ،ظ¤ظ©ظ¦]بل ذكر الحسن رحمه الله أن الآية في(العُبَّاد)وقال ابن عباس رضي الله عنه:(هي في الذين يعملون بما يعلمون)ولاتعارض بين الأقوال ، فالعُبَّاد الذين يعملون بما يعلمون وأهل الثغور دخلوا في الآية لأنهم ممن جاهدوا ، قال ابن القيم رحمه الله بعد ذكره أنواع الجهاد أعني :جهاد النفس والهوى والشيطان والكفار:(ومَن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ماعطل من الجهاد)[الفوائد صظ¥ظ¨]فالذي في الثغر إن لم يجاهد نفسه فيتورع عن القول على الله بغير علم ينقص نصيبه من الهداية بقدر تقصيره في الجهاد ، وكذا العالِم وطالب العلْم وغيرهم من أهل الإيمان ينقص نصيبهم من الهداية بقدر تقصيرهم في الجهاد، وقد كان في زمان مضى أهل الثغور هم أهل العلم وطلابه والله المستعان.
__________________
ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت )
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 12-11-14, 07:55 PM
محمد الأمين محمد الأمين غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-05-03
الدولة: دمشق
المشاركات: 4,993
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

الشيخ رمزي جزاك الله خيرا على التوضيح
__________________
وتلك حروب من يغب عن غمارها * ليَسلم، يقرع بعدها سنَّ نادم
http://www.IbnAmin.com
https://telegram.me/ibn_amen
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 26-01-15, 10:06 PM
أبو الفداء المالكي أبو الفداء المالكي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-03-14
المشاركات: 36
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

كتب الشيخ كمال المرزوقي بتاريخ 02/06/2014:
تصحيح لخطأ شائع في الاستدلال بقوله تعالى :
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: ::
" وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا "


يستدلّ فئام من القصّر في العلم بهذه الآية على أنّ الهداية للصّواب في المسائل العلميّة الّتي يقع فيها الخلاف تكون مع المجاهدين، ويقصدون بالمجاهدين المقاتلين في الثّغور .
فإذا وقع خلاف علميّ بين النّاس نظرنا لما عليه المقاتلون واتّبعنا قولهم لأنّهم هم المهديّون، ويشفعون هذا بالمرويّ عن أحمد وابن المبارك وابن عيينة: ((إذا رأيتم النّاس اختلفوا، فعليكم بالمجاهدين وأهل الثُّغور فإنّ الله تعالى يقول " والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا)) .
وهذا خطأ شنيع وفهم كسيح لم يقل به أحد من أهل العلم ولا واحد ممّن له بالتّفسير قرابة وفي الفقه نظر بإصابة، والبيان كالآتي :
هذا الاستدلال قائم على ركيزتين :

1- الأولى : أنّ الجهاد هنا بمعنى القتال
2- الثّانية : أنّ الهداية هنا هي الهداية لإصابة الحقّ في المسائل العلميّة

وبطلان هذين يبطل ذلك الفهم رأسا، ويلحق هذا الاستدلال باللّغو حكما بلا خفاء على أقلّ النّاس عقلا .

أ‌- مفهوم الجهاد في الآية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- الجهاد على ما فصّله ابن القيّم أربعة عشر مرتبة : أربعة في جهاد النّفس واثنتان في جهاد الشّيطان وأربعة في جهاد المنافقين وأربعة في جهاد الكفّار ، وليس في كلّ هذه المراتب سيف إلّا المرتبة الأخيرة في جهاد المنافقين ومثلها في الكفّار، والسّيف في جهاد الكفّار أملك واللّسان في جهاد المنافقين أملك .
انظر تفصيلها في زاد المعاد (3/9) .

وجهاد النّفس والشّيطان مقدّم على القتال والجهاد بالنّفس بل هذا الأخير فرع له مترتّب عليه، انظر زاد المعاد (3/5).
وقال ابن القيّم في الفوائد (ص 53): " {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} علَّق سبحانه الهدايةَ بالجهاد، فأكْملُ الناس هدايةً أعظمُهم جهادًا، وأفرضُ الجهاد جهادُ النَّفْس، وجهادُ الهوى، وجهادُ الشَّيطان، وجهادُ الدُّنيا؛ فمَن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سُبُل رِضاه الموصلة إلى جنَّته، ومَن ترَك الجهاد، فاتَه من الهُدى بحسَب ما عطَّل من الجهاد، قال الجُنيد: والذين جاهدوا أهواءَهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سُبُلَ الإخلاص " اهـ
فالجهاد ليس محصورا في القتال بل هو أوسع من ذلك بكثير .


2- الجهاد المقصود في الآية هو الجهاد بمعناه العامّ، أو إن شئت قلت بمعناه في لسان العرب لا بمعناه الاصطلاحيّ، بل لو قلنا إنّ القتال خارج من معنى الآية ولا يدخل فيها إلّا بتأويل كإعمال قاعدة العبرة بعموم اللّفظ مثلا لما أبعدنا، إذ إنّ المنطوق هنا لا يحتمل القتال قطعا، لأنّ الآية مكّيّة ولم يكن قتالٌ بمكّة ولا إذنٌ به بل كانوا مأمورين بالكفّ والصّبر .
قال ابن عطيّة في تفسيره : " وقوله { فينا } ، معناه في مرضاتنا وبغية ثوابنا . قال السدي وغيره : نزلت هذه الآية قبل فرض القتال .
قال الفقيه الإمام القاضي : فهي قبل الجهاد العرفي وإنما هو جهاد عامّ في دين الله وطلب مرضاته ، قال الحسن بن أبي الحسن : الآية في العباد ، وقال عياش وإبراهيم بن أدهم : هي في الذين يعلمون ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم » ، ونزع بعض العلماء بقوله تعالى : { واتقوا الله ويعلمكم الله } [ البقرة : 282 ] ، وقال عمر بن عبد العزيز : إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا ، وقال أبو سليمان الداراني : ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين ، وعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله عز وجل وهو الجهاد الأكبر ، قاله الحسن وغيره وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم « رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » ، وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك : إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله يقول { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } وقال الضحاك : معنى الآية { والذين جاهدوا } في الهجرة { لنهدينهم } سبل الثبوت على الإيمان " اهـ

فمعنى الجهاد هنا هو بذل الجهد لنصرة الدّين وإعلاء كلمة الله تعالى بأيّ وجه كان، ولذلك قال شيخ الإسلام : (( فكذلك يكون هذا الجزاء في حق المجاهدين كما قال تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } فهذا في العلم والنور )) اهـ .
وقال ابن تيميَّة في جامع الرّسائل والمسائل: (6/82): " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا قال معاذ بن جبل: والبحثُ في العِلم جهاد". اهـ
وقال في الفتاوى الكبرى: (5/62) : " لكن من رجا شيئا طلبه ومن خاف من شيء هرب منه وإذا اجتهد واستعان بالله تعالى ولازم الاستغفار والاجتهاد فلا بد أن يؤتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال وإذا رأى أنه لا ينشرح صدره ولا يحصل له حلاوة الإيمان ونور الهداية فليكثر التوبة والاستغفار وليلازم الاجتهاد بحسب الإمكان فإن الله يقول : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } " اهـ
فانظر كيف جعل عموم الاستغفار والتوبة داخلا في معنى الآية وكيف فهم منها أنّ الجهاد هو مطلق الاجتهاد .
وقال في بيان التّلبيس (1/177): " فلا أحد يعقل من آحاد الناس إلا وله في جليها مستدل وفي واضحها مستشهد وإن كان نزل فهمه عن دقيقها ولطيفها فالواجب على كل من الناس أن يبذل وسعه فيه ويبلغ جهده في دركه فإن الله تعالى يقول والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " اهـ
فجعل الاجتهاد في البحث العلميّ داخلا في الجهاد المذكور في الآية .
ولذلك أيضا فسّر ابن كثير "الّذين جاهدوا فينا" بأنّهم محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة، وهذا لا شكّ عامّ في كلّ جهاد .
واقتصر ابن جرير على معنى القتال لكنّه لم يرد به الحصر قطعا وإنّما جرى مجرى السّلف في التّفسير حين يذكرون جزءا من المعنى ويريدون الكلّ على ما هو مبيّن في أصول التّفسير وأفاض شيخ الإسلام في شرحه في مقدّمته .
ولذلك فقد ذكر البغويّ جملة من المعاني فقال : " { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا، { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } لنثبتنهم على ما قاتلوا عليه. وقيل: لنزيدنّهم هدى كما قال: "ويزيد الله الذين اهتدوا هدى" ، وقيل: لنوقفنهم لإصابة الطريق المستقيمة، والطريق المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله عز وجل. قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثّغور، فإن الله قال: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات. قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا " اهـ
فهذا قاض بكون الجهاد ههنا عامّا لا مخصوصا بالقتال لما بيّنّاه ، وحصره فيه خطأ محض، بل إدخاله هو المحتاج لاستدلال صحيح، والصّواب أنّه مشمول بالعموم ولا شكّ.

ب‌- مفهوم الهداية في الآية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهموا من الهداية أنّها الهداية إلى الحقّ والصّواب، وأنتج خطؤهم الأوّل في حصرهم للجهاد في القتال خطأ آخر – وهذا لازمٌ إذ الخطأ ينتج خطأ – وهو جعلهم الهداية
للصّواب في المسائل العلميّة الشّرعيّة منوطا بالمقاتلين في سبيل الله تعالى، وكلّ ذلك خطأ .

1- الآية نظير قوله تعالى : " والّذين اهتدوا زادهم هدى " ، وقوله تعالى " ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا " وقوله تعالى " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام " وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم " وقوله تعالى " وإن تطيعوه تهتدوا " ، فينبغي أن تكون هذه الأصناف جميعا مشمولة بتلك الهداية الّتي هي الهداية للصّواب والحقّ في المسائل العلميّة، وهذا صنو الاستدلال الّذي يستدلّ به بعض الطّرقيّة المتصوّفة بقول الله تعالى " واتّقوا الله ويعلّمكم الله " .
وهذه الأنواع والأصناف شاملة لجميع الأمّة فينبغي أن لا يصير لهذا النّوع من الهداية خصيصة على هذا الفهم المنكوس !
إذ ما من أحد إلّا ويمكنه ادّعاء التُّقى، أو ادّعاء طاعة الرّسول، وعليه فهو معلَّمٌ بعلم الله مهديّ لإصابة الحقّ بلا تعليم فبطل تخصيص أهل الثّغور .

2- يلزم عن هذا الفهم أن يكون المقاتل الجاهل الّذي لم يعرف غير الشّهادة أعلم بشرع الله تعالى ودينه من العلماء الّذين شابت لحاهم في العلم وهذا من أبطل الباطل حسًّا، ولم يقل به أحد له عقل فضلا عن العلم .
وقد نعى شيخ الإسلام على بعض المتصوّفة هذا النّوع من الاستدلال وعدّ الآية من جملة استدلالاتهم وأنكرها فقال في بيان تلبيس الجهميّة (1/257): " وأما الصوفية فطرقهم في النظر ليست طرقا نظرية أعني مركبة من مقدمات وأقيسة وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجردها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكرة على المطلوب ويحتجون لتصحيح هذا بظواهر من الشرع كثيرة مثل قوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله ومثل قوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ومثل قوله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا إلى أشباه ذلك كثيرة يظن أنها عاضدة لهذا المعنى ونحن نقول إن هذه الطريقة وان سلمنا وجودها ليست عامة للناس بما هم ناس ولو كانت هذه الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر ولكان وجودها بالناس عبثا، والقرآن كله إنما هو دعاء إلى النظر والاعتبار وتنبيه على طرق النظر نعم لسنا ننكر أن تكون إماتة الشهوات شرطا في صحة النظر مثل ما تكون الصحة شرطا في ذلك لاأن إماتة الشهوات هي التي تفيد بذاتها وإن كانت شرطا فيها كما أن الصحة شرط في التعلم وإن كانت ليست مفيدة له ومن هذه الجهة دعا الشرع إلى هذه الطريقة وحث عليها في جملتها حثا أعني على العمل لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم بل أن كانت نافعة في النظرية فعلى الوجه الذي قلنا وهذا بين عند من أنصف واعتبر الأمر بنفسه " اهـ
وهذه الطّريقة غير النّظريّة الّتي ينكر الشّيخ كونها مفيدة للعلم هي نفسها الّتي ينظر بها الفاهمون من الآية أنّ من كان في الثّغر هدي للعلم بما لا يعلم بمجرّد كونه من أهل الثّغر .

3- هذا الفهم يفضي لإلغاء دلالة الآية على هذا المعنى الخطأ نفسه، فإنّ المجاهدين أنفسهم يختلفون، فإذا اختلفوا فمن منهم يكون المصيب والمهديّ ؟ نبّؤوني بعلم إن كنتم صادقين .

4- الهداية المقصودة هنا هي هداية التّوفيق، وهي مرتبطة بنوع الجهاد الّذي يجاهده الموفّق، فإذا كان مقاتلا وفّق للنّصر أو الشّهادة كما قال الله تعالى " والّذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضلّ أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم " وقُرئ " والّذين قُتلوا " فلا معنى للهداية هنا إلّا النّصر على قراءة (قاتلوا) والشّهادة على قراءة (قتلوا) وإلّا فما معنى الهداية للمقتول ؟، وإذا كان ذاكرا وفّق للطّمأنينة " ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب " ، وإذا كان متعلّما وفّق للعلم والصّواب فيه، وهكذا ...
فأمّا أن يوفّق الذّاكر للشّهادة والمقاتل للعلم فهذا تخليط لا يقول به من له مسكة من عقل.
ويدلّ على هذا الفهم الصّحيح مجيء السّبل جمعًا، ولو كان المعنى أنّ المقاتلين يُهدون للصّواب والحقّ في المسائل العلميّة لجاء السّبيل بالإفراد ، فإنّ الحقّ واحد، فلمّا جُمعت علمنا أنّ كلّ سبيل بحسبه فطلب العلم بالتّعلّم وطلب الشّهادة بالقتال وطلب النّسل بالزّواج، ... فتأمّل هذه!
لا مانع من كون عموم العمل الصّالح سببا من أسباب التّوفيق والهداية في الجملة، لكنّ هذا لا يعني ترك الأسباب والسّنن الكونيّة بالكلّيّة اتّكاء على هداية التّوفيق، فإنّ تلك الهداية لا تكون إلّا بالسّبل والأسباب المشروعة، ومن المحكمات أنّ العلم بالتّعلّم .

ج- المرويّ عن ابن حنبل وابن المبارك وابن عيينة :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
((إذا رأيتم النّاس اختلفوا، فعليكم بالمجاهدين وأهل الثُّغور فإنّ الله تعالى يقول " والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا))

1- لم يصحّ هذا الأثر بإسناد عن أحمد ولا ابن المبارك، وقد ذكره شيخ الإسلام في بعض كلامه عنهما مرسلا بلا إسناد .
2- هذا الأثر ينقل عن سفيان بن عيينة بإسناد ضعيف .
3- هذا الأثر - بالفهم الّذي نبطله هنا - مخالف للنّصّ والإجماع والقياس الجليّ وكلّ واحدة من هذه يبطل بها القضاء فضلا عن الأقوال، وتخرج القول من حيّز الاعتبار لحيّز الخلاف غير السّائغ المقطوع ببطلانه.

النّصّ:

فأمّا النّصّ فإنّ الله تعالى قال : " فاسألوا أهل الذّكر " ، فكائنا من كان القائلُ: " اسألوا أهل الثّغر " فكلامه رَدٌّ لا يقبل .
وهذا الأثر – بهذا الفهم - مصادمٌ لقوله تعالى : " وما كان المؤمنون لينفروا كافّة فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدّين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون "
فأوجب الله تعالى على أهل الثّغر التّفقّه في الدّين أي طلب الفقه من أهله لا العكس الّذي يفهمونه من هذا الأثر .

الإجماع:

وأمّا الإجماع فهو منعقد على كون العلم بالتّعلّم، وأنّ الاستدلال يكون بالأدلّة المعروفة في أصول الفقه، وأنّ الرّؤى والمنامات والإلهام والكشف وما جرى مجراها من الأدلّة لا يدلّ إلّا عند صاحبه على قول من يقول إنّها أدلّة أصلا فكيف بالمستدلّ بهداية التّوفيق؟!.
القياس:

من تكلّم في غير فنّه أتى بالعجائب ولا يقبل منه ، فكيف بمن لا فنّ له أصلا ؟!


توجيه الأثر :

والحقّ أنّه إذا لم يصحّ الأثر فلا حاجة به، وإن صحّ أمكن ردّه كما قلنا فليس كلام ابن عيينة ولا ابن المبارك بل ولا أحمد دليلا في نفسه بل هو يفتقر للدّليل ، بل يكفي مخالفة جملة العلماء له مع غياب الدّليل عليه ووهاء نسبته إلى أحد هؤلاء لجعله مرجوحا غاية المرجوحيّة.
لكنّ الأدب مع أهل العلم يقتضي حمل كلامهم على أحسن المحامل، بفرض صحّة الأثر، أفيمكن فهمه على هذا المعنى الّذي فهموه ؟
الجواب : نعم، لكنّه حينها لا يمكن إلّا ردّه لمصادمته لما قرّرناه فيما سبق بطوله .
فهل يمكن أن يحمل الكلام على معنى يلتئم به مع ما سبق بلا تنافر، وهو اللّائق بمثل ابن عيينة الإمام رحمة الله عليه ؟
الجواب: نعم، لمن عقل ولم يعتقد ثمّ يستدلّ
فيمكن حمل كلامه رحمة الله عليه على كونه :
1- أراد بأهل الثّغر أهلَ الذّكر في مسائل القتال فيكون موافقا للآية، وهذا متّفق عليه، لكنّه ليس مراد المستدلّين فهو خارج عن محلّ النّزاع، لأنّ مرادهم : اسألوا أهل الثّغر حال الخلاف في المسائل العلميّة الشّرعيّة .
فأمّا سؤال أهل الثّغر في مسائل الجند وأساليب القتال التّكتيكيّة والخطط الحربيّة بل وحتّى الاستراتيجيّات المتّبعة إن كانوا من أهل النّظر فيها فلا خلاف فيه .

2- أراد بالنّاس في قوله (إذا اختلف النّاس) = العلماء، وأراد بأهل الثّغر = علماءهم .
وهذا توجيه لطيف ملائم لكنّه مع ذلك يظلّ فقيرا لتوجيه آخر ، فإنّ التّرجيح بين العلماء متّفق على أنّه يكون بالأعلميّة والورع، فيلزم أن يكون قصده إذا استووا في العلم رجّحنا في الورع أهل الثّغور على غيرهم لأنّهم مظنّة الموت، والإنسان أقرب للتّقوى والصّدق مع الله عند اقترابه من الموت منه عند أمنه .
فأمّا إن لم يكن علماء الثّغر أعلم فالرّاجح الأعلم بلا إشكال منهم أو من غيرهم، وأمّا إن لم يكونوا علماء أصلا فليس لهم من الأمر شيء .
وعلى أيّ حال حمل عليه هذا الأثر فهو مناقض لمطلوب المستدلّين به الّذين فهموا أنّ الحقّ والصّواب منوط بأهل الثّغور سواء في جملتهم بالعموم أو في علمائهم بالخصوص ممّا لم يقل به عالم .

ربّ يسّر وأعن!
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 17-01-16, 11:52 PM
محمد فوزي الحفناوي محمد فوزي الحفناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-08-05
المشاركات: 277
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

قلة فقه مع قلة ادب مع الائمة زائد شيء من التدليس
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 18-01-16, 01:49 AM
أبو الفداء المالكي أبو الفداء المالكي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-03-14
المشاركات: 36
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد فوزي الحفناوي مشاهدة المشاركة
قلة فقه مع قلة ادب مع الائمة زائد شيء من التدليس
ممكن مزيد توضيح بشأن اعتراضك ؟ و بيان مواضع التدليس ؟
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 20-01-16, 07:40 PM
محمد فوزي الحفناوي محمد فوزي الحفناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-08-05
المشاركات: 277
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

التدليسات كثيرة في هذا المقال
فمثلا -لا للحصر- اورد قول ابن القيم في الفوائد في معنى الجهاد في اية {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الفداء المالكي مشاهدة المشاركة
كتب الشيخ كمال المرزوقي بتاريخ 02/06/2014:
.............
وقال ابن القيّم في الفوائد (ص 53): " {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} علَّق سبحانه الهدايةَ بالجهاد، فأكْملُ الناس هدايةً أعظمُهم جهادًا، وأفرضُ الجهاد جهادُ النَّفْس، وجهادُ الهوى، وجهادُ الشَّيطان، وجهادُ الدُّنيا؛ فمَن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سُبُل رِضاه الموصلة إلى جنَّته، ومَن ترَك الجهاد، فاتَه من الهُدى بحسَب ما عطَّل من الجهاد، قال الجُنيد: والذين جاهدوا أهواءَهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سُبُلَ الإخلاص " اهـ
فالجهاد ليس محصورا في القتال بل هو أوسع من ذلك بكثير .
.........................
وهذا مبتور لان ابن القيم تعرض لمعنى الجهاد في الاية ثم قال في الاخير مرجحا انه الجهاد الظاهر للعدو فقال بعد سطرين او ثلاثة :
«ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا, فمن نُصر عليها نُصر على عدوه, ومن نُصرت عليه نُصر عليه عدوه» اهـ
اي لا يتمكن من جهاد العدو الظاهر الا اذا تغلب على اعداء الباطن: نفسه وهواه وشيطانه فيترك اهله وماله ودنياه ويضحي بنفسه.
وكذلك قال في مدارج السالكين عندما تعرض لمقصود الاية الفارطة فقال: «ولأهل الجهاد في هذا من الهداية, والكشف ما ليس لأهل المجاهدة, ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر يعني أهل الجهاد فإن الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}»انتهى قوله.
ومن التدليس العجيب ان ابن القيم او ابن تيمية او غيرهما يذكرون لفظة "اهل الثغر" فيجعل مكانها "اهل الجهاد" ويقول يقصدون المجاهدة ..... الخ
فلو تادب ولم يستعمل النعوت القبيحة في حق من ذهب الى هذا القول - ومنهم اكيد ابن القيم وابن تيمية- كعباراة:
" يستدلّ فئام من القصّر في العلم بهذه الآية ................................... وهذا خطأ شنيع وفهم كسيح لم يقل به أحد من أهل العلم ولا واحد ممّن له بالتّفسير قرابة وفي الفقه نظر بإصابة،......"
الى غير ذلك من جوازمه الوهمية وقذائعه
ولو عرف قدر نفسه لسلم لهؤلاء الجبال: الأوزاعي, سفيان بن عيينة, وعبد الله بن المبارك, واحمد بن حنبل في مقولتهم التي ايدها ابن تيمية وابن القيم: "إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم"
ولم يتهور في اطلاق البدعة عنها, وانه ليس لها مستند شرعي مِن نصوص القرآن أو السنّة.
وهي لها مستندات شرعية من القرآن والسنة واقوال العلماء
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 20-01-16, 09:27 PM
أبو عبد الله التميمي أبو عبد الله التميمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-04-08
المشاركات: 2,010
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

جزاكم الله خيرًا وبارك فيكم

ما أريد أن أتكلم عن هذا الأثر أو معناه

ولكن أريد التنبيه إلى مسألة لها بها اتصال وهو أن باب الجهاد له اتصال بالغ بالسياسة والمصالح الشرعية التي طريق العلم بها الممارسة فيكون لأهله العالمين بأحكام الشريعة العاملين بالجهاد ما ليس لغيرهم من الفقه بهذا الباب

وليس هذا في الجهاد فحسب بل كل عالم له صنعة ترى حذقه لأحكام ما تتعلق به صنعته أبلغ كما جوّدوا فقه مالك في البيوع لمَا كان أخذَه عن سعيد بن المسيب وهو عن ابن عمر رضي الله عنهما، وإنما كان لهما ذلك لأنهما كانا يتّجرانِ

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله - مجموع الفتاوى (29/ 27):
(فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره؛ فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع. كما كان يقال: عطاء أفقه الناس في المناسك وإبراهيم أفقههم في الصلاة والحسن أجمعهم لذلك كله. ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فضل فيه لمن استقرأ ذلك من أجوبته، والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب).


وإذا كان هذا في البيوع فهو في أمر الجهاد أبلغ لما ذكرتُه لك من بالغ اتصاله بالسياسة والمصالح الشرعية التي طريق العلم بها الممارسة

ولِما كان أهل الشام لمّا لم تزل أرضهم أرض غزو ورباط، وكان العلم بالجهاد في طبقاتهم يتلقى بالقول والعمل طبقةً طبقةً= كان لهم من الاختصاص بهذا الباب ما نبّه عليه أهل العلم،
فقال سفيان ابن عيينة رحمه الله: «من أراد علم السير فعليه بأهل الشام».
وقال الشافعي رحمه الله: «من أراد علم الملاحم فعليه بأهل الشام».
وقال الإمام أحمد رحمه الله في مسألةٍ في الباب: «أهل الشام أعلم بهذا».
وقال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: «وأهل الشام كانوا أهل غزوٍ وجهاد؛ فكان لهم من العلم بالجهاد والسِّير ما ليس لغيرهم».

وحتى صار من طريقة بعض أهل العلم أنهم ربما احتجوا في هذا الباب بعملهم، كـ«التجارة في الغزو» رخص فيها الإمام أحمد، وقال: «لم يزل أهل الشام يفعلون هذا»، وكـ«حمل الطعام من بلاد العدو» سهّل في القليل منه، وقال: «أهل الشام يتسهلون فيه».

ونبّهوا على اختصاص الأوزاعي رحمه الله بهذا الباب، وفضل رأيه فيه على غيره من فقهاء الأمصار، إذ كان إمام أهل الشام في عصره ومَن إليه المرجع في الفتوى بينهم،
قال ابن عبد البر رحمه الله: «ليس أحد من أئمة الفقهاء – زعموا- أعلم بمسائل الجهاد من الأوزاعي».
وقال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: «وجعلوا الأوزاعي أعلمَ بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار».


فهذا معنى صحيح إذا أخذ بقدر معتدل فلم يزاد في الأخذ به كما يفعل بعض المجاهدين وربما أطلقوا ألا يفتي قاعد لمجاهد، وربما نسبوا هذه القالة لبعض أهل العلم خطأً من غير تحرٍ، وربما رجعوا إلى من ليس راسخًا في العلم أو كان من أهل الجهل ولو كان مجاهدًا


والله أعلم
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 20-01-16, 09:45 PM
أبو عبد الله التميمي أبو عبد الله التميمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-04-08
المشاركات: 2,010
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

لطيفة وفائدة

نقل القاضي عياض في [ترتيب المدارك (2/ 129)]: «أن مالكًا والأوزاعيّ اجتمعا فتناظرا، فجعل الأوزاعي يجر مالكًا إلى المغازي والسير = فقوي عليه، فلما رأى مالك ذلك جره إلى غيرها من الفقه فقوي مالك عليه!».

وأما الفائدة فذكر ابن عبد البر في التمهيد (24/ 237)
- في مسألة من غزا بفرسين، أيسهم له سهم فرس أم سهم فرسين، وكان مالك يرى أنه يُسهم لفرسٍ واحد- قال ابن عبد البر: (وقال ... الأوزاعي والليث يسهم لفرسين
واختاره محمد بن الجهم المالكي وقال هو قول أهل الثغور وعليه جمهور التابعين وأهل الأمصار... وقال أنا بريء من قول مالك في أنه لا يسهم إلا لفرس واحد... قال ولم يجاهد مالك ولا شاهد الثغور هذا كله قول ابن الجهم) انتهى.

وقد ذكرتُ فيما تقدّم مما يحمل العالم المجاهد أن يكون له من العلم بأحكام الجهاد ما ليس لغيره
وأضيف إلى وجه دقيق ينتفع فيه في الاعتناء بمن عرف بالجهاد من أصحاب القرون المتقدمة التي اتصل العمل الجهادي -إن صح هذا الحرف- بهم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما كان حال أهل الشام: أن بعض ما كان من سِير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوهم لم ينقل نقلًا خاصًا وإنما نقل النقلَ العام ونُقل بالعمل، هكذا جرت طريقة أهل العلم بالمغازي في نقله، فمن لم يكن منهم ربما فاته من النقل في هذا الباب ما فاته
ولذلك لو رأيت استدلالات الأوزاعي في هذا الباب مما نقله عنه الفزاري أو الشافعي لرأيت كثيرا من استدلالاته إنما هو العمل، والنقل العام الذي لا يكون مسندًا بنقلٍ خاصٍ ونحو ذلك، ومن أجله كان الإمام أحمد ربما استدل بعمل أهل الشام في أمور الجهاد وتقدّم لك بعضُه

والله أعلم
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 20-01-16, 10:26 PM
محمد فوزي الحفناوي محمد فوزي الحفناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-08-05
المشاركات: 277
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عبد الله التميمي مشاهدة المشاركة
لطيفة وفائدة

نقل القاضي عياض في [ترتيب المدارك (2/ 129)]: «أن مالكًا والأوزاعيّ اجتمعا فتناظرا، فجعل الأوزاعي يجر مالكًا إلى المغازي والسير = فقوي عليه، فلما رأى مالك ذلك جره إلى غيرها من الفقه فقوي مالك عليه!».

وأما الفائدة فذكر ابن عبد البر في التمهيد (24/ 237)
- في مسألة من غزا بفرسين، أيسهم له سهم فرس أم سهم فرسين، وكان مالك يرى أنه يُسهم لفرسٍ واحد- قال ابن عبد البر: (وقال ... الأوزاعي والليث يسهم لفرسين
واختاره محمد بن الجهم المالكي وقال هو قول أهل الثغور وعليه جمهور التابعين وأهل الأمصار... وقال أنا بريء من قول مالك في أنه لا يسهم إلا لفرس واحد... قال ولم يجاهد مالك ولا شاهد الثغور هذا كله قول ابن الجهم) انتهى.

والله أعلم
ونفس الشيء تقريبا وقع للامام احمد فقد كان يتعجب من قول اهل الثغور: "ان اولاد السبي الذين مع ابائهم من كفار النصارى وغيرهم يعتبرون على الاسلام واذا ماتوا يصلى عليهم" واستند الامام احمد لمخالفة اهل الثغر للحديث الصحيح: "ان الولد يولد على الفطرة فابواه يهودانه او ينصرانه... " فهو تبع لابويه في الدين. واما اهل الثغور فهم كثيري المخالطة لاولاد السبي واعرف ان ارتباطهم بمالكيهم اقوى, فيتعلمون منهم النطق بالشهادتين وعقائد الاسلام.
ولهذا في رواية عن احمد انه رجع لقول الاوزاعي واهل الثغر, وقد حكى له ابو داود ان اهل الثغر يعلمون اولاد السبي الاسلام عنوة.
ولهذا قال ابن القيم كما في اعلام الموقعين : «وفقهاء أهل الثغر أصح وأسلم من التناقض, فإن السابي قد صار أحق به, وقد انقطعت تبعيته لأبويه»
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 20-01-16, 10:42 PM
محمد فوزي الحفناوي محمد فوزي الحفناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-08-05
المشاركات: 277
افتراضي رد: (إذا اختلف الناس فانظروا ما عيه أهل الثغور ) مَنْ رواه ؟

وانت تناولت من جهة واحدة وهي المعرفة بالواقع والخبرة به وهي حق
وحديثنا يتجه الى ترجيحنا لعلماء الثغور من جهة العدالة
ونقصد بالعدالة هنا الدرجتان:
- درجة الاستقامة على امر الله وعدم ارتكاب المعاصي مما يسقط العدالة كليا.
- ودرجة الزهد والتقوى
ولقد اغفل الكثير أثناء مناقشته لهذه المسالة -عن عمد او عن هوى- شرط العدالة في المفتي, رغم ان العلماء عندهم من الشروط الاولية البديهية.
فان عدم قيام العالم بالاسلام وواجباته والسقوط في المعاصي مسقط للعدالة وهي شرط أولي من شروط المفتي قبل النظر في الشروط الاخرى.
كما أن العلماء ذكروا الاستقامة والزهد كمرجح بين المفتين:
قال ابن صلاح: «أما شروطه وصفاته فهو: أن يكون مكلفا, مسلما ثقة مأمونا, منزها من أسباب الفسق ومسقطات المروءة, لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح للإعتماد وإن كان من أهل الإجتهاد, ويكون فقيه النفس, سليم الذهن, رصين الفكر, صحيح التصرف والإستنباط, متيقظا» أدب المفتي والمستفتي (1 / 21). كذا قال النووي آداب الفتوى (ص: 19)
قال الخطيب البغدادي: «وينبغي أن يكون: قوي الاستنباط جيد الملاحظة, رصين الفكر, صحيح الاعتبار, صاحب أناة وتؤدة, وأخا استثبات, وترك عجلة, بصيرا بما فيه المصلحة, مستوقفا بالمشاورة, حافظا لدينه, مشفقا على أهل ملته, مواظبا على مروءته, حريصا على استطابة مأكله, فإن ذلك أول أسباب التوفيق, متورعا عن الشبهات, صادفا عن فاسد التأويلات, صليبا في الحق.......» الفقيه والمتفقه (5 / 345)
فقد تحدث العلماء عن فتوى المفتي الفاسق, والمخل بالمروءة, والمبتدع, والمتساهل في الفتوى, والذي يفتي نبذا لخصومه, او نصرا لاتباعه ومرؤوسيه...... الخ
ومعروفة فتوى ابي حنيفة في الحجر على بعض العلماء

وكثيرا من حرف المسالة ورآها من جانب اصابة الحق وايهما اعلم, فيجب التفريق بين شروط الصحة وشروط القبول في المفتي
قال الغزالي في التفريق بينهما: «فكأن العدالة شرط القبول للفتوى, لا شرط صحة الاجتهاد». المستصفى للغزالي (ص: 342)
فقد يتوفر في العالم شروط الاجتهاد ويكون اعلم من غيره, لكنه لا يؤخذ بفتواه ويؤخذ بفتوى الاقل علم, لإخلال الاول باحد الشرطين: العدالة.
انه العالم المجاهد جاهد نفسه لقيامها بالدين اكثر من غيره, لان رهبانية امة محمد هي الجهاد حيث يبيع العابد نفسه وماله واهله وينكر ذاته في سبيل الله, وهي درجة احرى ان يوفق بها الى اصابة الحق. والاية {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} واضحة في هذا المعنى.
ومجازفة البعض بتبديع من قال بان الترجيح بين المفتين بالاقامة في الثغور بدعة هي من قلة علمه, لان هناك الكثير من اشار الى هذا في الترجيح بين المفتين نذكر منهم:
الأستاذ أبو منصور عبدالقاهر بن طاهر التميمي في كتابه "التحصيل في أصول الفقه" الاقامة بالثغور من مرجحات مذهب الشافعي على غيره فقال ما نصه: «وأما الذي يوجب ترجيح مذهب الشافعي على مذهب غيره في الجملة قبل التفصيل، فدلائل كثيرة....................... ومنها قوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، وذلك عام في الجهاد بالحِجاج، والجهاد بالسلاح......... والجهاد بالسلاح مخصوص بأهل الثغور، والسواد الأعظم منهم أصحاب الشافعي، واعتبر ذلك بثغور الشام، وبثغور ديار مصر، وثغور ديار ربيعة، وثغور أرمينية وأذربيجان، وثغور طبران والشاش في ناحية الترك، وغيرها. وإذا تحقق الجهاد في هذه الطائفة، ثبت أنهم الذي ضمن الله عز وجل لهم الهداية» جزيل المواهب في إختلاف المذاهب (ص: 9).

وجعل ابن القيم القتال والجهاد في سبيل الله من أدلة وجوب إتباع أقوال الصحابة, فقال عنهم: «ومن أدلة وجوب إتباع أقوال الصحابة..... قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}, وكل منهم قاتل في سبيل الله, وجاهد إما بيده أوبلسانه, فيكون الله قد هداهم, وكل من هداه فهو مهتد, فيجب إتباعه»إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/137)

وقال ابن تيمية -رحمه الله- في ارجحية قول اهل الثغور: «ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قول تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم، لأن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}»
فجعل جهاد العدو من المرجحات في ابواب العلم
الخ من الاقوال التي تنظر الى ارجحية اصابة علماء الثغور للحق من جهة عدالتهم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:07 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.