ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-08-19, 01:19 PM
سلطان فريح سلطان فريح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-11-14
المشاركات: 29
افتراضي آيات الأحكام من سورة النحل

آيات الأحكام
"من سورة النحل"

الآية الأولى :
قال الله تعالى :
{ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون }

1- ( ومن ثمرات النخيل ) التمر والرطب والبسر المذنب وغيره ( والأعناب ) العنب والزبيب( تتخذون منه ) للشرب ( سكرا ) خمرا على قول الجمهور ويدخل فيها كل مسكر فحملوا الامتنان هنا على أنه منسوخ بالآيات المدنية والسورة مكية باتفاق
وليس هذا من نسخ الخبر لأنه خبر فيه حكم والأحكام تتبدل وتتغير وهذا يدخله النسخ بخلاف الخبر عن الوجود الحقيقي أو الوعد بالفضل
واستبعد بعضهم القول بالنسخ كابن العربي وقال : المنة لا تكون بمكروهٍ ، وحَمَلَ الآية على التوبيخ
والمعنى : أنعم عليكم بذلك فاتخذتم منه خمرا !! ، بهذا يكون الخبر خرج مخرج النهي .
وقال آخرون : خرجت مخرج الخبر للاعتبار لا الامتنان بمعنى أن الذي خلق هذه الأشياء التي تتخذون منها الخمر والشراب والطعام قادر على خلقكم

2- اختلف أهل العلم في معنى (السَّكَر ) قال الجمهور هو الخمر
وقال آخرون السكر هو : العصير الحلو وهو ما يعصر من العنب ما لم يشتد وزاد الحنابلة ومالم يبلغ ثلاثة أيام لأنها مظنة علة الاشتداد والاشتداد علة قد تخفى فلذلك علقوا الحكم بالمظنة وهي ثلاثة أيام
ومنه النبيذ بجميع أنواعه: النيء والمطبوخ بالشرط السابق ، خلافا للأحناف الذي اشترطوا في حل نبيذ التمر والزبيب الطبخ ولم يشترطوه في غيرهما من الأنبذة .
وهل يجوز شرب المسكر غير الخمر والباذَِق والمنصَّف والسَّكَر والفضيخ ونقيع الزبيب عند الأحناف ؟
نعم يجوز بشرطه وخالفوا بذلك الجمهور وسبب الخلاف هل تحريم المسكر لعينه أم لأجل الإسكار ؟
عند الجمهور المسكر من أي شيء محرم العين
وعند الأحناف محرم العين الخمر خاصة وهي: النِّيِّءُ -بكسر النون وتشديد الياء- من ماء العنب إذا غلى واشتد وقيل وقذف بالزبد قاله الإمام أي اشتراط القذف خلافا لصاحبيه واختار قولهما الثلاثة
ومثل الخمر عصير العنب إذا طبخ ولم يذهب ثلثاه
ومثلها النيء من ماء الرطب والبسر المذنب إذا اشتد والمذنب هو الذي نصفه بسر ونصفه رطب
وأما غير ذلك من الأشربة : كنبيذ التمر والرطب المطبوخين ولو اشتدا وبقية الأنبذة ولو لم تطبخ ولو اشتدت
والخليطان إذا طبخا ولو اشتد والمثلّث العنبي ويسميه بعضهم الطلاء ورجح آخرون أن الطلاء مشترك في المثلث والباذق والمنصف
فهذه الأشربة يجوز شربها عندهم ولو كانت مسكرة لأن التحريم عندهم الإسكار لا عين الشراب بخلاف الخمر وما ألحق بها فيحرم قليلها وكثيرها
وحملوا حديث ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) على الشربة الأخيرة التي يحصل بها السكر ويأتي تحرير ذلك بإذن الله تعالى
والقول الثالث في معنى السكر :
الخل بلغة الحبشة
والرابع :
النبيذ وهو ما ينبذ في الماء من الزبيب أو التمر ليحلو
والخامس :
ما طعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن فاللفظ مختلف والمعنى واحد وهو اختيار ابن جرير الطبري وأنشد قول الشاعر: وجعلت عيب الأكرمين سَكَرا
أي طُعما
وعليه فمعنى ( ورزقا حسنا ) أي ما حل من ثمرته وهو مقابل للسكر الذي حرم من شرابه وهذا على أنها محكمة غير منسوخة
وبهذا يكون المعنى : تتخذون منه ما حرم الله عليكم اعتداء منكم ، وما أحل لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة أنفسكم
وقيل ( ورزقا حسنا) : التمر والرطب والزبيب فيكون المعنى: تتخذون منهما خمرا وطعاما حلالا وبهذا فهي منسوخة لأن السورة مكية باتفاق إلا بضع آيات
وقيل غير ذلك كقول ابن جرير السابق


3-(إن في ذلك لآية لقوم يعقلون)
هل هي علامة للامتنان أم للخبر توابيخا أم للخبر اعتبارا ؟
على الأول يكون المعنى : إن في ذلك الخلق الذي تتخذون منه سكرا وطعاما حسنا منة من الله على خلقه لقوم يعقلون فتكون بهذا خرجت مخرج الإباحة ثم نسخت كما قال قتادة
وعلى الثاني : تكون للنهي عن ذلك
وعلى الثالث يكون المعنى : إن في ذلك لعبرة على أن من خلقها قادر على بعثكم
فتكون بهذا خرجت مخرج الخبر أنهم يتخذون ذلك وإن لم يحل كما قال ابن عباس
تنبيه :
لا إشكال في الآية على قول ابن جرير الطبري سواء كانت خرجت مخرج الامتنان أو مخرج الخبر
فائدة :
قال ابن عاشور في التفسير ( 15/203) : واختير وصف العقل هنا ; لأن دلالة تكوين ألبان الأنعام على حكمة الله تعالى يحتاج إلى تدبر فيما وصفته الآية هنا ، وليس هو ببديهي كدلالة المطر كما تقدم " اهـ

4-مسألة :
قال في الهداية :
( وعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه حلال وإن اشتد ) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وقال محمد ومالك والشافعي رحمهم الله: حرام ، وهذا الخلاف فيما إذا قصد به التقوي : أما إذا قصد به التلهي فلا يحل بالاتفاق " اهـ
وقال :
"ولو طبخ الخمر أو غيره بعد الاشتداد حتى يذهب ثلثاه لم يحل ; لأن الحرمة قد تقررت فلا ترتفع بالطبخ " اهـ
والفرق بين هذا وذاك هو تحريم عين الخمر لا لعلة الإسكار وهي عندهم في العنب خاصة وقد يطلق الخمر على غيرها مجازا
قال ابن عابدين في حاشيته ( 6/449) :
"ولا نقول إن كل مسكر خمر لاشتقاقه من مخامرة العقل فإن اللغة لا يجري فيها القياس" اهـ
ومن هنا يتبين وجه الدلالة عندهم في هذه الآية فقد فسروا ( سكرا) بحل المسكر غير الخمر وحل ما استثنينا سابقا بشرط ألا يشرب منه ما يسكره ويجلعه يخلط في كلامه وألا يكون قصده من شربه اللهو والطرب
ووجه الدلالة منها أن الله - سبحانه وتعالى - امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ولا يقع الامتنان إلا بحلال لا بمحرم ، فيكون ذلك دليل على جواز شرب الشراب إن كان شربه دون المسكر ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز وعمدتهم في هذا التفسير الأصل واختصاص الخمر بماء العنب النيء إذا غلى واشتد وأما غيرها من المسكرات فحرمته لأجل السكر فيجوز الشرب منها ما دونه واستدلوا على ذلك
بما رواه النسائي في الكبرى عن ابن عمر قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد منه ريحا فقال : " ما هذه الريح ؟ " . فقال : نبيذ . قال : " فأرسل إلي منه " . فأرسل إليه فوجده شديدا فدعا بماء فصبه عليه ثم شرب ثم قال : " إذا اغتلمت أشربتكم فاكسروها بالماء " ...
قال النسائي : قال البخاري : عبد الملك بن نافع ابن أخي القعقاع بن شور ، عن ابن عمر في النبيذ لم يتابع عليه
وقال أبو عبد الرحمن النسائي : عبد الملك بن نافع ليس بمشهور ، ولا يحتج بحديثه ، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته اهـ
وروى النسائي نحو قصته عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعا
قال في نصب الراية(6/239) :
" قال البخاري : حديث يحيى بن يمان هذا لا يصح" اهـ
وأعله أبو حاتم والرازي
وروى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعا نحو قصته قال الزيلعي في نصب الراية(6/241) : "قال ابن الجوزي : تفرد به القاسم بن بهرام ، قال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به بحال " اهـ



واستدلوا أيضا بحديث رواه مسلم عن ابن عباس يقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقي شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب)
قالوا : لو كان حراما ما سقاه إياه
والجواب : أنه ﷺ ما كان يسقيه للخادم على أنه مسكر ، وإنما كان يسقيه لأنه متغير الرائحة . وكان - صلى الله عليه وسلم - يكره أن توجد منه الرائحة ، فلذلك لم يشربه ، ولذلك تحيل عليه أزواجه في عسل زينب بأن قيل له : إنا نجد منك ريح مغافير ، يعني ريحا منكرة ، فلم يشربه بعد .

واستدلوا كذلك بحديث علي مرفوعا (حرمت الخمر لعينها ويروى بعينها ، قليلها وكثيرها ، والسكر من كل شراب ) قال في الهداية : " خص السكر بالتحريم في غير الخمر إذ العطف للمغايرة ، ولأن المفسد هو القدح المسكر ، وهو حرام عندنا ، وإنما يحرم القليل منه ; لأنه يدعو لرقته ولطافته إلى الكثير ، فأعطي حكمه والمثلث لغلظه لا يدعو وهو في نفسه غذاء فبقي على الإباحة " اهـ
قال الزيلعي في نصب الراية (6/237) :
"رواه العقيلي في كتاب الضعفاء ... وأعله بمحمد بن الفرات ، ونقل عن يحيى بن معين أنه قال فيه : ليس بشيء ، ونقل عن البخاري أنه قال : منكر الحديث ، وقال العقيلي : لا يتابع عليه انتهى" اهـ
ثم روى العقيلي متابعا لمحمد وقال :
"وعبد الرحمن هذا مجهول في الرواية والنسب ، وحديثه غير محفوظ ، وإنما يروى هذا عن ابن عباس من قوله انتهى" اهـ

ورد الجمهور استدلالهم بالآية بما سبق ذكره وبقوله ﷺ : { ما أسكر كثيره فقليله حرام }"
قال الزيلعي في نصب الراية (6/233) :
" قلت : روي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
ومن حديث جابر
ومن حديث سعد بن أبي وقاص
ومن حديث علي
ومن حديث عائشة
ومن حديث ابن عمر
ومن حديث خوات بن جبير
ومن حديث زيد بن ثابت ...
وما حديث سعد
فأخرجه النسائي عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن الوليد بن كثير عن الضحاك بن عثمان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن قليل ما أسكر كثيره }انتهى .
ورواه ابن حبان في " صحيحه " في أول القسم الثاني
قال المنذري في " مختصره " : أجود أحاديث هذا الباب حديث سعد ، فإنه من رواية محمد بن عبد الله الموصلي ، وهو أحد الثقات عن الوليد بن كثير ، وقد احتج بهما الشيخان انتهى "
قال النسائي : وفي هذا الحديث دليل على تحريم السكر قليله وكثيره ، وليس كما يقول المخادعون بتحريمهم آخر الشربة ، دون ما تقدمها ، إذ لا خلاف بين أهل العلم ، أن السكر بكليته لا يحدث عن الشربة الأخيرة فقط ، دون ما تقدمها " اهـ كلام الزيلعي
وقول المنذري : أجود أحاديث الباب ليس معناه أن غيره لم يثبت فتنبه
وأجاب الأحناف عن هذا بجوابين :
الأول : تضعيف الحديث وقد سبق بيان صحته
والثاني : حمل النهي على الشربة الأخيرة التي حصل بها الإسكار
قال الزيلعي في نصب الراية(6/235) :
"قلت : أخرج الدارقطني في " سننه " عن عمار بن مطر ثنا جرير بن عبد الحميد عن الحجاج عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله في { قوله عليه السلام : كل مسكر حرام }" قال : هي الشربة التي أسكرتك ، ثم أخرجه عن عمار بن مطر ثنا شريك عن أبي حمزة عن إبراهيم ، قوله : { كل مسكر حرام } ، قال : هي الشربة التي أسكرتك ، قال : وهذا أصح من الأول ، ولم يسنده غير الحجاج ، واختلف عنه ، وعمار بن مطر ضعيف ، وحجاج ضعيف ، وإنما هو من قول إبراهيم النخعي ، ثم أسند عن ابن المبارك ، أنه ذكر له حديث ابن مسعود { ، كل مسكر حرام ، هي الشربة التي أسكرتك } ، فقال : حديث باطل انتهى " اهـ
وبين البيهقي في المعرفة سبب بطلانه
قلت : سبب خلاف النخعي والأحناف في المسكر غير الخمر تأويل قوله ﷺ ( كل مسكر حرام )
قال بعضهم : أراد به جنس ما يسكر
وقال بعضهم : أراد به ما يقع السكر عنده كما لا يسمى قاتلا إلا مع وجود القتل
والصواب الأول وهو الذي عليه الصحابة وأول من خالف فيه إبراهيم النخعي
قال القرطبي في تفسيره(10/120) :
"قلنا : ذكر النسائي في كتابه أن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي ، وهذه زلة من عالم وقد حذرنا من زلة العالم ، ولا حجة في قول أحد مع السنة . وذكر النسائي أيضا عن ابن المبارك قال : ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيحا إلا عن إبراهيم " اهـ
روى الدارقطني في سننه عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : إن الله لم يحرم الخمر لاسمها وإنما حرمها لعاقبتها ، فكل شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر فهو حرام كتحريم الخمر . اهـ وهذا ظاهر في التحريم لعينه وإرادة جنس ما يسكر ومثله
ما روى النسائي عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال : إني وجدت من فلان ريح شراب ، فزعم أنه شراب الطلاء ، وأنا سائل عما شرب فإن كان مسكرا جلدته ، فجلده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الحد تاما . وقد قال في خطبته على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما بعد ، أيها الناس فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب والعسل والتمر والحنطة والشعير . والخمر ما خامر العقل " اهـ فسمى غير خمر العنب خمرا وهو ظاهر في المساواة في التحريم العيني
وروى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ ( الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة ) فلم يجعلها ﷺ خاصة بالعنبة والله أعلم
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-08-19, 08:57 AM
سلطان فريح سلطان فريح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-11-14
المشاركات: 29
افتراضي رد: آيات الأحكام من سورة النحل

...
...
...
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 18-08-19, 06:31 PM
سلطان فريح سلطان فريح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-11-14
المشاركات: 29
افتراضي رد: آيات الأحكام من سورة النحل

الآية الثانية
قال الله تعالى :
{ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم }

1- قال أبو الطيب القنوجي في نيل المرام ص357 :
"وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ: وهي أيمان البيعة.
قال الواحدي: قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين، واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله:
{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها}: من المبالغة، وبما في قوله: {وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام، وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، هي سبب نزول هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب...
وقال جماعة من المفسرين: إن هذا تكرير لما قبله لقصد التأكيد والتقرير، أعني قوله: {وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها} إلى قوله: {تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ }الآية.
والمراد بالتوكيد التشديد والتغليظ والتوثيق، وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالإيمان المؤكدة، ولا يغيرها مما لا تأكيد فيه، فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يؤكد منها "اهـ
قلت : ويؤيد قول الواحدي قول الله جل وعلا : {ولكم عذاب عظيم } وهذا الوعيد لم يأت في القرآن إلا في حق الكافرين والمنافقين والمشركين واختلف في قوله تعالى {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} كيف تكون في مسلم
قال ابن جرير في التفسير :
حدثنا ابن أبي الشوارب ، قال : ثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : ثنا خصيف ، قال : قلت لسعيد بن جبير : الزنا أشد أم قذف المحصنة؟ فقال : الزنا ، فقلت : أليس الله يقول : ( إن الذين يرمون المحصنات ) . . الآية؟ قال سعيد : إنما كان هذا لعائشة خاصة " اهـ
وقيل هي في أزواج رسول الله ﷺ خاصة
وقيل في عائشة خاصة ومن في صفتها
وقيل في أزواج رسول الله ﷺ ومن في صفتهن
ورجح ابن جرير القول الثالث وأن تحقق الوعيد فيمن وقع في ذلك فمآله إلى ذلك إلا أن يتوب قال تعالى {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا}
وبهذا فالوعيد هنا كالوعيد في بقية القرآن وعليه فآية الباب على ما ذكره الواحدي وأما ما قاله القنوجي في أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فصحيح لكنّ الوعيد بحسب النقض لا كما في الآية ولهذا فالوعيد فيمن نقض عهد الذمي بغير حق فقتله ليس كالوعيد فيمن نقض يمين حث أو منع
وليس الوعيد فيمن نقض شروط بيع أو لم يتمه بعد وجوبه كمن عاهد الله لإنْ سَلَّمَنِي تَصَدَّقْت , أَوْ لأَتَصَدَّقَنَّ فإنه إن لم يَفِ بِهِ , دَخَلَ فِي قَوْلِهِ : ( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ )
وعلى هذا فحمل الوعيد في الآية على من نقض عهد الإسلام بعد الدخول فيه فصيحيح ومثله من دونه في العهد فيخشى عليه حصول ذلك في حقه بحسب عظم النقض وكل جزاء بحسبه ومن هنا نقول بعموم اللفظ ويكون المعنى بهذا يشمل القولين التأسيس والتكرار للتأكيد
يقول ابن سعدي في تفسيره :
(ولا تتخذوا أيمانكم وعهودكم ومواثيقكم تبعا لأهوائكم متى شئتم وفيتم بها، ومتى شئتم نقضتموها، فإنكم إذا فعلتم ذلك تزل أقدامكم بعد ثبوتها على الصراط المستقيم، وتذوقوا السوء أي: العذاب الذي يسوءكم ويحزنكم بما صددتم عن سبيل الله حيث ضللتم وأضللتم غيركم ولكم عذاب عظيم مضاعف) اهـ
ومن ذلك يمين الغموس قال البخاري في صحيحه :
" باب اليمين الغموس ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم دخلا مكرا وخيانة
حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا النضر أخبرنا شعبة حدثنا فراس قال سمعت الشعبي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس" اهـ
قال ابن حجر في الفتح :
"ومناسبة ذكر هذه الآية لليمين الغموس ورود الوعيد على من حلف كاذبا متعمدا " اهـ
وقال :
"ونقل محمد بن نصر في اختلاف العلماء ثم ابن المنذر ثم ابن عبد البر اتفاق الصحابة على أن لا كفارة في اليمين الغموس وروى آدم بن أبي إياس في مسند شعبة وإسماعيل القاضي في الأحكام عن ابن مسعود " كنا نعد الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه " قال ولا مخالف له من الصحابة واحتجوا بأنها أعظم من أن تكفر"اهـ




تنبيه :
قال القنوجي ص 353 :
"وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه» ، حتى بالغ في ذلك فقال: «والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني» ، وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيح وغيره.
ويخص أيضا من هذا العموم يمين اللغو لقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هاهنا لإخراج أيمان اللغو، وقد تقدم بسط الكلام على الإيمان في البقرة." اهـ

مسألة:
على التفسير المختار ففي الآية إشارة إلى حد الردة وهو القتل إن لم يتب، ووجوب جهاد من ارتد
وبيان ذلك في قوله تعالى {وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله} هذا بالدنيا وفي الآخرة { ولكم عذاب عظيم } وقد جاءت السنة ببيان حد المردة قال ﷺ : ( من بدل دينه فاقتلوه ) ومن هنا نقول أن السوء الذي يستحقه المرتد هنا هو القتل إن لم يتب والجهاد إن كانت لهم شوكة كما فعل الصحابة مع المرتدين في اليمامة والله أعلم
وفيها : بيان للحكمة قتل المرتد ؛ لأن الردة سبب في الصد عن سبيل الله تعالى وذلك لأن ردته قد تكون سنة لمن يقتدي به أو تشكيك بالإسلام والفتنة أشد من القتل فكان جزاءه الموافق لفعله هو قتله وبه قطع الله دابر من قال :
" { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتاب } اليهود لبعضهم { ءَامِنُواْ بِاْلَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي القرآن { وَجْهَ ٱلنَّهَارِ } أوله { وَٱكْفُرُواْ } به { ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ } أي المؤمنين { يَرْجِعُونَ } عن دينهم إذ يقولون ما رجع هؤلاء عنه بعد دخولهم فيه- وهم أولو علم - إلا لعلمهم بطلانه) اهـ
تفسير الجلالين

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 24-08-19, 06:46 AM
سلطان فريح سلطان فريح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-11-14
المشاركات: 29
افتراضي رد: آيات الأحكام من سورة النحل

الآية الثالثة :
قال الله تعالى :
{"فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ }

قال ابن كثير (4/83):
هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - : إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم . وهو أمر ندب ليس بواجب ، حكى الإجماع على ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة . وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير ، ولله الحمد والمنة " اهـ
قال القنوجي في نيل المرام :
وقد ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب، وروي عن عطاء الوجوب أخذا بظاهر الأمر " اهـ
قلت : ومن صوارف الوجوب ما روى مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا : مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ "، فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { إنا أعطيناك الْكَوْثَرَ } { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } . ثُمَّ قَالَ : " أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ ؟ " فَقُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : " فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ : رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ : مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ ". زَادَ ابْنُ حُجْرٍ فِي حَدِيثِهِ : بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ : مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ " اهـ
قلت : زيادة ابن حُجر لفظ : ( في المسجد) لا لفظ : (بين أظهرنا)
وهذا الحديث حجة من قال بأن السورة مدنية كالحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد وقتادة ورجحه النووي وصححه السيوطي في الإتقان وعليه فنزولها بعد سورة النحل مما يدل على أن الأمر للاستحباب

قال ابن كثير (4/83) :
" والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه ، ويمنعه من التدبر والتفكر ، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني : أنها تكون بعد التلاوة ، واحتجا بهذه الآية .
ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا ، ومحمد بن سيرين ، وإبراهيم النخعي والصحيح الأول ؛ لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة ، والله أعلم " اهـ
واحتج القرطبي لقول الجمهور في تفسيره (10/160) وقال :
وقد روى جبير بن مطعم عن أبيه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح الصلاة قال اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه . وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة " اهـ
وقال في الجواب على من احتج بظاهر الآية على تأخير الاستعاذة :
" قال ألكيا الطبري : ونقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقا ، احتجاجا بقوله - تعالى - : {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ولا شك أن ظاهر ذلك يقتضي أن تكون الاستعاذة بعد القراءة ; كقوله - تعالى - : {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا} . إلا أن غيره محتمل ، مثل قوله - تعالى - : {وإذا قلتم فاعدلوا } {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } وليس المراد به أن يسألها من وراء حجاب بعد سؤال متقدم . ومثله قول القائل : إذا قلت فاصدق ، وإذا أحرمت فاغتسل ; يعني قبل الإحرام . والمعنى في جميع ذلك : إذا أردت ذلك ; فكذلك الاستعاذة " اهـ
تنبيه :
قال القنوجي ص 359 :
"وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها كسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها لهم لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كانت عند إرادة غيرها أوفى، كذا قيل.
وكذا توجيه الخطاب إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم للإشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة، لأنه إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان- مع عصمته- فكيف بسائر أمته."اهـ
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 08-09-19, 01:16 PM
سلطان فريح سلطان فريح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-11-14
المشاركات: 29
افتراضي رد: آيات الأحكام من سورة النحل

الآية الرابعة :
قال الله تعالى :
{ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ }


1- قال ابن جرير في التفسير(17/306) :
"فتأويل الكلام إذن : من كفر بالله من بعد إيمانه ، إلا من أكره على الكفر ، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ، موقن بحقيقته ، صحيح عليه عزمه ، غير مفسوح الصدر بالكفر ، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان ، وباح به طائعا ، فعليهم غضب من الله ، ولهم عذاب عظيم " اهـ فالآية بهذا تحذير و(من) هنا شرطية وإن قلنا (من) موصولة فالمراد نفر ممن حصل لهم ذلك قال الطاهر بن عاشور في التفسير (16/294):
واعلم أن الآية - إن كانت تشير إلى نفر كفروا بعد إسلامهم - كانت ( من ) موصولة ، وهي مبتدأ ، والخبر فعليهم غضب من الله ، وقرن الخبر بالفاء ; لأن في المبتدأ شبها بأداة الشرط ، وقد يعامل الموصول معاملة الشرط ، ووقع في القرآن في غير موضع ، ومنه قوله تعالى إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ، وقوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة إلى قوله فبشرهم بعذاب أليم في سورة براءة ، وقيل : إن فريقا كفروا بعد إسلامهم ، كما روي في شأن جبر غلام ابن الحضرمي ، وهذا الوجه أليق بقوله تعالى أولئك الذين طبع الله على قلوبهم الآية " اهـ
ثم قال : "والتحذير حاصل على كلا المعنيين " اهـ

2-في سبب نزول ( إلا من أكره ) الآية ثلاثة أقوال :
قال القرطبي في التفسير ( 10/164):
"قوله تعالى : إلا من أكره هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ، في قول أهل التفسير ; لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه . قال ابن عباس : أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه [ ص: 164 ] سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ، وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة ، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال ; فقتلت وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين في الإسلام . وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئن بالإيمان . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فإن عادوا فعد " اهـ


3-قال القرطبي في التفسير (10/166) :
" لما سمح الله - عز وجل - بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم ; وبه جاء الأثر المشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه الحديث . والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء ; قاله القاضي أبو بكر بن العربي . وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح قال : وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع " اهـ

4-قال القرطبي في التفسير :
" أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل ، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر ; هذا قول مالك والكوفيين والشافعي ; غير محمد بن الحسن فإنه قال : إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر ، وفيما بينه وبين الله - تعالى - على الإسلام ، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ، ولا يرث أباه إن مات مسلما . وهذا قول يرده الكتاب والسنة اهـ
قلت : ونسبة ذلك إلى ابن الحسن يحتاج إلى تحرير
وأما الحنابلة فقالوا :
" (من أكره على الكفر فالأفضل له أن يصبر ) على ما أكره به ، ولا يجيب ( ولو أتى ذلك على نفسه ) بأن كان يؤدي ذلك إلى موته ( وإن لم يصبر وأجاب ) بكلمة الكفر ( ظاهرا لم يصر كافرا إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ) لقوله تعالى { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }
( ومتى زال الإكراه أمر بإظهار إسلامه ) لزوال العذر ( فإن أظهره ) فهو باق على إسلامه ( وإلا ) أي وإن لم يظهره بعد زوال الإكراه ( حكم بأنه كافر من حين نطق به ) أي بالكفر لأن ذلك قرينة على أنه لم يفعله لداعي الإكراه ، بل اختيارا ( وإن شهدت بينة أنه نطق بكلمة الكفر وكان محبوسا أو مقيدا عند الكفار في حالة خوف لم يحكم بردته ) لعدم طواعيته
( وإن شهدت ) البينة ( أنه كان آمنا في حال نطقه ) بكلمة الكفر ( حكم بردته ) لإتيانه بكلمة الكفر مختارا ، وإن شهدت عليه بينة أنه كفر فادعى الإكراه قبل قوله مع قرينته فقط ، وإن شهدت عليه بكلمة كفر فادعى الإكراه قبل مطلقا لأن تصديقه ليس فيه تكذيب للبينة " اهـ ( كشاف القناع (6/186)
فرع :
قال ابن قدامة في المغني في باب الإكراه على الطلاق (8/260) :
"ومن شرط الإكراه ثلاثة أمور :
أحدها : أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه وحكي عن الشعبي إن أكرهه اللص لم يقع طلاقه وإن أكرهه السلطان وقع قال ابن عيينة : لأن اللص يقتله وعموم ما ذكرناه في دليل الإكراه يتناول الجميع والذين أكرهوا عمارا لم يكونوا لصوصا وقد [ قال النبي صلى الله عليه و سلم لعمار إن عادوا فعد ] ولأنه إكراه فمنع وقوع الطلاق كإكراه اللصوص
الثاني : أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه .
الثالث : أن يكون مما يستضر به ضررا كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين فأما الشتم والسب فليس بإكراه رواية واحدة وكذلك أخذ المال اليسير فأما الضرر اليسير فإن كان في حق من لا يبالي به فليس بإكراه وإن كان من ذوي المروءات على وجه يكون إخراقا بصاحبه وغضا له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غيره وإن توعد تعذيب ولده فقد قيل ليس بإكراه لأن الضرر لاحق بغيره والأولى أن يكون إكراها لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا " اهـ
فرع :
قال الخازن في التفسير (3/101) :
"وأجمعوا على أن من أكره على الكفر لا يجوز له أن يتلفظ بكلمة تصريحا بل يأتي بالمعاريض، وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان غير معتقد، ما يقوله من كلمة الكفر ولو صبر حتى قتل كان أفضل" اهـ



5-قال القرطبي (10/166) :
ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول ، وأما في الفعل فلا رخصة فيه ، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله أو الصلاة لغير القبلة ، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله ، أو الزنا وشرب الخمر وأكل الربا ; يروى هذا عن الحسن البصري ، - رضي الله عنه - . وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا ... واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود : ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به . فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل ، وهذا لا حجة فيه ; لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه
وقالت طائفة :
الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان . روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول ، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق " اهـ

فرع :
قال النووي في روضة الطالبين بكفر المكرِه بالكسر على الكفر

6- مسائل :
الأولى : قال القرطبي (10/167):
حكم الإكراه على القتل أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ، ويصبر على البلاء الذي نزل به ، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره ، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة "
وقال في الدر المختار :
"( ويقاد في ) القتل ( العمد المكره ) بالكسر لو مكلفا على ما في المبسوط خلافا لما في النهاية ( فقط ) لأن القاتل كالآلة وأوجبه الشافعي عليهما ونفاه أبو يوسف عنهما للشبهة " اهـ

فرع : حكم الإكراه على الزنا والزنا بالمد في لغة تميم وبالقصر عن الحجاز
قال القرطبي : (10/168) :
وقال ابن خويز منداد في أحكامه :
اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنا
فقال بعضهم : عليه الحد ; لأنه إنما يفعل ذلك باختياره .
وقال بعضهم : لا حد عليه . قال ابن خويز منداد : وهو الصحيح .
وقال أبو حنيفة : إن أكرهه غير السلطان حد ، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد ، ولكن أستحسن ألا يحد . وخالفه صاحباه فقالا : لا حد عليه في الوجهين ، ولم يراعوا الانتشار ، وقالوا : متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنا جاز أن ينتشر .
قال ابن المنذر : لا حد عليه ، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان " اهـ
وقال : " والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة " اهـ
قلت : وفي مذهب الحنابلة قال في شرح منتهى الإرادات (3/349) :
( أو ) زنى مكلف ( مكرها ) حد لأن وطء الرجل لا يكون إلا مع انتشار ، والإكراه ينافيه فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه ، كما لو أكره على غير الزنا فزنا ( أو ) زنى مكلف ( جاهلا بوجوب العقوبة ) على الزنى مع علم تحريمه ( حد ) لقصة ماعز وكذا لو زنى سكران أو أقر به في سكره " اهـ
وقال في كشاف القناع (6/98) : ( وعنه لا ) حد على الرجل المكره كالمرأة ( واختاره الموفق وجمع ) منهم الشارح ، ولعموم الخبر ولأن الإكراه شبهة وكما لو استدخلت ذكره وهو نائم .
( وإن أكره على إيلاج ذكره بإصبعه ) ففعل ( من غير انتشار ) فلا حد ( أو باشر المكره المكره ) بكسر الراء ( أو ) باشر ( مأموره ذلك ) أي إيلاج الذكر بالأصبع ( فلا حد عليه ) ; لأنه ليس في ذلك فعل اختياري ينسب إليه اهـ
ويكون إكراه المفعول به بـما قال في كشاف القناع :( وإن أكرهت المرأة على الزنا أو ) أكره ( المفعول به لواطا قهرا أو بالضرب أو بالمنع من طعام أو شراب اضطرارا إليه ونحوه ) كالدفء في الشتاء ولياليه الباردة ( فلا حد ) لقوله صلى الله عليه وسلم { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } رواه النسائي .
وعن عبد الله بن وائل عن أبيه { أن امرأة استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد } ورواه سعيد عن عمر ولأن هذا شبهة والحد يدرأ بها" اهـ

فرع :
حكم الإكراه على شرب الخمر
قال في شرح منتهى الإرادات ( 3/362) :
"فإن أكره عليه لم يحد ( لحله ) أي : المسكر ( لمكره ) على شربه بإلجاء أو وعيد من قادر لحديث { عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } ( وصبره ) أي : المكره على شرب مسكر ( على الأذى أفضل ) من شربها مكرها نصا ، وكذا كل ما جاز لمكره . ذكره القاضي وغيره وإن أكره بالقتل تعين عليه الفعل ولم يجز له التخلف لأنه إلقاء بنفسه إلى التهلكة " اهـ
وقال في الإقناع للحجاوي (4/266) :
"ولا يجوز شربه للذة ولا لتداو ولا عطش - بخلاف ماء تجس ولا غيره إلا لمكره أو مضطر إليه لدفع لقمة غص بها وليس عنده ما يسيغها ويقدم عليه بول ويقدم عليهما ماء نجس - وفي المغني "وغيره: إن شربها لعطش فإن كانت ممزوجة بما يروى من العطش أبيحت لدفعه عند الضرورة وإن شربها صرفا أو ممزوجة بشيء يسير لا يروي من العطش لم تبح وعليه الحد - انتهى"


الثانية :
قال القرطبي قي التفسير :
اختلف العلماء في طلاق المكره وعتاقه ; فقال الشافعي وأصحابه : لا يلزمه شيء . وذكر ابن وهب عن عمر وعلي وابن عباس أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئا . وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور .
وأجازت طائفة طلاقه ; روي ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي قلابة والزهري وقتادة ، وهو قول الكوفيين .
قال أبو حنيفة : طلاق المكره يلزم ; لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا ، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل . وهذا قياس باطل ; فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راض به ، والمكره غير راض ولا نية له في الطلاق ، وقد قال - عليه السلام - : إنما الأعمال بالنيات .
وفي البخاري : وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق : ليس بشيء ; وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن . وقال الشعبي : إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق ، وإن أكرهه السلطان فهو طلاق . وفسره ابن عيينة فقال : إن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله " اهـ
قلت : ذكر ابن قدامة في المغني أن الرواية لم تختلف عن أحمد : أنه لا يقع
وقال في المغني(8/260) :
ولا يكون مكرها حتى ينال بشيء من العذاب مثل الضرب أو الخنق أو عصر الساق وما أشبهه ولا يكون التواعد كرها ... فأما الوعيد بمفرده فعن أحمد فيه روايتان :
إحداهما : ليس بإكراه لأن الذي ورد الشرع بالرخصة معه هو ما ورد في حديث عمار وفيه [ إنهم أخذوك فغطوك في الماء ] فلا يثبت الحكم إلا فيما كان مثله
والرواية الثانية : أن الوعيد بمفرده إكراه قال في رواية ابن منصور : حد الإكراه إذا خاف القتل أو ضربا شديدا وهذا قول أكثر الفقهاء وبه يقول أبو حنيفة و الشافعي لأن الإكراه لا يكون إلا بالوعيد فإن الماضي من العقوبة لا يندفع بفعل ما أكره عليه ولا يخشى من وقوعه وإنما أبيح له فعل المكره عليه دفعا لما يتوعد به من العقوبة فيما بعد وهو في الموضعين واحد ولأنه متى بوعده بالقتل وعلم أنه يقتله فلم يبح له الفعل أفضى إلى قتله وإلقائه بيده إلى التهلكة ولا يفيد ثبوت الرخصة بالإكراه شيئا لأنه إذا طلق في هذه الحال وقع الطلاق فيصل المكره إلى مراده ويقع الضرر بالمكره وثبوت الإكراه في حق من نيل بشيء من العذاب لا ينفي ثبوته في حق غيره وقد روي عن عمر رضي الله عنه في الذي تدلى يشتار عسلا فوقفت امرأته على الحبل وقالت : طلقني ثلاثا وإلا قطعته فذكرها الله والإسلام فقالت : لتفعلن أو لأفعلن فطلقها ثلاثا فرده إليها رواه سعيد بإسناده وهذا كان وعيدا " اهـ

الثالثة :
نكاح المكره ; فقال سحنون : أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة ، وقالوا : لا يجوز المقام عليه ، لأنه لم ينعقد " اهـ القرطبي

الرابعة :
وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان .
الأولى : أن يبيع ماله في حق وجب عليه ; فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء ; لأنه يلزمه أداء الحق إلى ربه من غير المبيع ، فلما لم يفعل ذلك كان بيعه اختيارا منه فلزمه .
وأما بيع المكره ظلما أو قهرا فذلك بيع لا يجوز عليه ... قال سحنون : أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز . وقال الأبهري : إنه إجماع " تفسير القرطبي






الخامسة :
"إذا أكره الإنسان على إسلام أهله لما لم يحل أسلمها ، ولم يقتل نفسه دونها ولا احتمل أذية في تخليصها . والأصل في ذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هاجر إبراهيم - عليه السلام - بسارة ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فأرسل إليه أن أرسل بها إلي فأرسل بها فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي فقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي هذا الكافر فغط حتى ركض برجله . ودل هذا الحديث أيضا على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة ، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة ، ولا حد فيما هو أكبر من الخلوة . والله أعلم " القرطبي

السادسة :
قال القرطبي : "وأما يمين المكره فغير لازمة . عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء " اهـ
قال ابن تيمية في الفتاوى (35/12) : " كما أن جمهور العلماء يقولون : يمين المكره بغير حق لا ينعقد سواء كان بالله أو النذر أو الطلاق أو العتاق ; وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد " اهـ
وقيل : لازمة إذا كانت في طاعة ومثلوا بإكراهه على الحلف ألا يشرب خمرا أو ألا يغش أو في تأديب الوالد ولده
وقال أبو حنيفة : لازمة

السابعة :
" إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المكس وظلمة السعاة وأهل الاعتداء ; فقال مالك : لا تقية له في ذلك ، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا ماله . وقال ابن الماجشون : لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه . وقال ابن القاسم بقول مطرف ، ورواه عن مالك ، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ
قلت : قول ابن الماجشون صحيح ; لأن المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس ; وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وقال : كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ... " اهـ القرطبي



الثامنة :
قال القرطبي : " قال المحققون من العلماء : إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض ; فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ومتى لم يكن كذلك كان كافرا ; لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها . مثاله - أن يقال له : اكفر [ ص: 171 ] بالله فيقول باللاهي ; فيزيد الياء " اهـ وسبق نقل الخازن للإجماع على ذلك ولا يكون الإكراه عند الأحناف إلا بتهديد قطع أو قتل فإن كان وفعل وورى لم يكفر وبانت زوجته قضاء لا ديانة قال في الدر المختار في باب الإكراه ص135 :
( و ) إن أكره ( على الكفر ) بالله تعالى أو سب النبي صلى الله عليه وسلم مجمع ، وقدوري ( بقطع أو قتل رخص له أن يظهر ما أمر به ) على لسانه ، ويوري ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) ثم إن ورى لا يكفر وبانت امرأته قضاء لا ديانة وإن خطر بباله التورية ولم يور كفر ، وبانت ديانة وقضاء ، نوازل ، وجلالية ( ويؤجر لو صبر ) لتركه الإجراء المحرم ومثله سائر حقوقه تعالى كإفساد صوم وصلاة وقتل صيد حرم أو في إحرام وكل ما ثبتت فرضيته بالكتاب اختيار ( ولم يرخص ) الإجراء ( بغيرهما ) بغير القطع والقتل يعني بغير الملجئ ابن كمال إذ التكلم بكلمة الكفر لا يحل أبدا " اهـ


التاسعة :
أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة ." القرطبي

فرع : "واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له
فقال أصحاب مالك : الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة ، ذكره ابن حبيب وسحنون . وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير ; فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثما لأنه كالمضطر . وروى خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلت : ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون . فوصفه - صلى الله عليه وسلم - هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله ، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم . وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان "اهـ القرطبي
قال في الدر المختار للأحناف(ص134-135) :
(فإن أكره على أكل ميتة أو دم أو لحم خنزير أو شرب خمر بإكراه ) غير ملجئ ( بحبس أو ضرب أو قيد لم يحل ) إذ لا ضرورة في إكراه غير ملجئ . نعم لا يحد للشرب للشبهة
( و ) إن أكره بملجئ ( بقتل أو قطع ) عضو أو ضرب مبرح ابن كمال ( حل ) الفعل بل فرض ( فإن صبر فقتل أثم ) إلا إذا أراد مغايظة الكفار فلا بأس به وكذلك لو لم يعلم الإباحة بالإكراه لا يأثم لخفائه فيعذر بالجهل ، كالجهل بالخطاب في أول الإسلام أو في دار الحرب ( كما في المخمصة ) كما قدمناه في الحج " اهـ


العاشرة :
واختلف العلماء في حد الإكراه ; فروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته .
وقال ابن مسعود : ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به .
وقال الحسن : التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة ، إلا أن الله - تبارك وتعالى - ليس يجعل في القتل تقية .
وقال النخعي : القيد إكراه ، والسجن إكراه . [ ص: 173 ] وهذا قول مالك ، إلا أنه قال : والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به
وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت ، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب ، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره .
وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه .
وتناقض الكوفيون فلم يجعلوا السجن والقيد إكراها ما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس .
وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف ، ولا حنث عليه ; وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء " اهـ القرطبي

الحادية عشرة : قوله تعالى : ولكن من شرح بالكفر صدرا أي وسعه لقبول الكفر ، ولا يقدر أحد على ذلك إلا الله ; فهو يرد على القدرية . وصدرا نصب على المفعول " اهـ القرطبي
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17-09-19, 11:11 AM
سلطان فريح سلطان فريح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-11-14
المشاركات: 29
افتراضي رد: آيات الأحكام من سورة النحل

الآية الخامسة
قال الله تعالى :
{وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ}

1-قال القرطبي في التفسير :
" الآية خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كان ميتة . (هذا حلال) إشارة إلى ميتة بطون الأنعام ، وكل ما أحلوه .
(وهذا حرام) إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموه " اهـ
وهذا ما شرعه لهم عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي فإنه أول من سيب السوائب كما في البخاري

2-قال القنوجي في نيل المرام :
"وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
قال الكسائي والزجاج: (ما) هنا مصدرية، وانتصاب الكذب بلا تقولوا، أي لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم. ومعناه لا تحللوا ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة.
ويجوز أن تكون (ما) موصولة والكذب منتصبا بتصف، أي لا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظة فيه لكونه معلوما، فيكون قوله: هذا حلال وهذا حرام بدل من الكذب.
ويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول، أي ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام وقائله هذا حرام وهذا حلال.
ويجوز أن ينتصب الكذب أيضا بتصف وتكون ما مصدرية، أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.
واللام في قوله: لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ هي لام العاقبة لا لام العرض، أي فيعقب ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم، وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه"اهـ
وقال :
"أخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ إلى آخر الآية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا ...
قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول أحل الله كذا، وحرم كذا فيقول له الله كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه.
وثبت في «صحيح مسلم» من حديث بريدة بن [الحصيب] أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «إذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك» " اهـ
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:27 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.