ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-10-03, 02:59 AM
عبدالله المزروع
 
المشاركات: n/a
افتراضي إنكار السنة بدعوى أن الله لم يتعهد بحفظها ،، للعوني

العنوان إنكار السنة بدعوى أن الله لم يتعهد بحفظها
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ 19/8/1424هـ


السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم من كذب بأحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم - محتجاً بأن الله تعالى لم يتعهد بحفظها كالقرآن، فلا تثريب عليّ، ويحتج أيضاً بأننا لو فتحنا هذا الباب لاحتج أصحاب الديانات الأخرى أيضاً على ما لديهم من المنقول، فهذه شبهة قامت في نفوس جماعة من المسلمين في بلدنا، فنرجو تزويدنا بالجواب؟ وجزاكم الله خير الجزاء.





الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حده.
أما بعد: أقول وبالله التوفيق:
إن السنة النبوية محفوظة بحفظ الله تعالى لدينه وكتابه القرآن الكريم، وعلى ذلك إجماع المسلمين.
أما من شك أو شكك في ذلك، فإنا نقول له: إما أنك مسلم، أو لست بمسلم. فإن كنت مسلماً لك جواب، وإن كنت غير ذلك فلك جواب آخر.
أما المسلم فإنا نقول له: يدل على حفظ الله تعالى للسنة أمور كثيرة منها ما يلي:
أولاً: قال الله تعالى: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [آل عمران:85]. وقال تعالى: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً" [الأحزاب:40]. وقال تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" [التوبة:33]. فدلت هذه الآيات أن دين الإسلام هو آخر الشرائع، وأنه لا يقبل الله تعالى من العالمين سواه، وأنه سيبقى إلى قيام الساعة.
ولا شك أن بقاء هذا الدين يعني حفظ شرائعه وأحكامه، وعلى رأس ذلك أركان الإسلام.
ومن المعلوم أن الصلاة. إنما جاء في القرآن الأمر بإقامتها أمراً مجملاً، دون بيان أعدادها وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وأن ذلك كله إنما ورد في السنة مفصلاً مبيناً، فكيف نؤمن ببقاء دين الله تعالى، لو اعتقدنا ضياع السنة، التي لا بقاء لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام بدونها؟! وقل مثل ذلك في الزكاة والصيام والحج وغيرها من الأحكام؛ حيث إن تفاصيل أحكام ذلك كله لم تأت في القرآن الكريم، إنما جاء في السنة، وعلى هذا فلو اعتقدنا ضياع السنة فقد كذبنا القرآن الذي أخبرنا ببقاء هذا الدين وحفظه؛ لأن في ضياعها ضياع الدين كله!!
ثانياً: يقول الله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر:9]، ولا شك أن الذكر في هذه الآية هو القرآن الكريم، وهذا وعد من الله عز وجل بحفظ كتابه.
ومن المعلوم أن القرآن إنما أنزله ربنا عز وجل لنفهم معانيه ولنتدبره، كما قال تعالى: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ" [صّ:29]. وقال سبحانه "أفلا يتدبرون القرآن" [النساء: 82]. والمقصود من التدبر هو العمل بأحكامه والاهتداء بنوره وعبادة الله تعالى على وفق مراده سبحانه، وقد بين لنا ربنا عز وجل أن بيان القرآن وتفسيره موكول إلى النبي – صلى الله عليه وسلم - ، وأن ذلك التفسير والبيان هو أعظم وظيفة للنبي – صلى الله عليه وسلم - ، ولأجل ذلك أنزل عليه القرآن، ليبلغه حروفاً ومعاني وذلك كله في قوله تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [النحل: من الآية44]. وفي قوله سبحانه: "وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [النحل:64].
ولذلك فإن تعهد الله تعالى بحفظ القرآن يتضمن التعهد بحفظ بيانه من السنة النبوية؛ لأن حفظ القرآن لن يتم بغير حفظ ألفاظه ومعانيه، ومعانيه لا تعرف إلا بالسنة، فدل ذلك على تحقيق حفظ السنة بحفظ القرآن.
بل إن حفظ معاني القرآن التي جاءت بها السنة أهم من حفظ حروفه مع تضييع معانيه؛ لأن المقصود من حفظ القرآن العمل بمقتضاه، ولا يعمل بمقتضاه إذا لم تعرف معانيه، ولذلك فلا يتحقق حفظ القرآن بغير حفظ السنة. وهذا هو الذي جعل العلماء من قديم يذكرون أن قوله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر: 9] كما يتضمن الوعد بحفظ القرآن، فهو يتضمن الوعد بحفظ السنة النبوية أيضاً.
ثالثاً: لقد جاء في آيات كثيرة جداً في القرآن الكريم الأمر بطاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – كقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ" [النساء: من الآية59]. وكقوله تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" [النساء: 80]. ونفى تعالى الإيمان عمن لم يقبل حكم النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال تعالى: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" [النساء:65].
وأمر بالرجوع إلى كتابه الكريم وإلى سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – عند التنازع، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" [النساء:59]. وحذر تعالى من مخالفة أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال عز وجل: "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [النور: من الآية63]. وقال تعالى: "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً" [الأحزاب: من الآية36]. وقال سبحانه: "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً" [الجـن: من الآية23]. وحثنا سبحانه أن نقتدي بالنبي – صلى الله في قوله تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" [الأحزاب:21].
فهذه الأوامر الإلهية وغيرها مما هو في معناها كثير جداً في كتاب الله تعالى، كيف ستطبق لو لم تحفظ السنة؟! كيف سنطيع رسول الله – صلى الله عليه وسلم-؟ وكيف سننتهي عن مخالفة أمره؟ وكيف سنعرف هديه لنقتدي به فيه؟ لو أن السنة غير محفوظة!!
إن اعتقاد ضياع السنة يعني أن تلك الآيات (جميعها وغيرها مما هو في معناها) لا فائدة منها ولا معنى لها؛ لأنها تكليف بما لا يستطاع!! والحاصل أن ربنا – عز وجل – قال: "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا" [البقرة: من الآية286].
وبذلك نضيف وجهاً جديداً ودليلاً آخر على أن حفظ القرآن لا يتحقق بغير حفظ السنة؛ لأن تلك الآيات الآمرة بطاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – والمحذرة من معصيته والحاثة على الاحتكام إليه والاقتداء بسنته لن يمكن العمل بها إذا لم تحفظ السنة!!!
ولهذا كله كان التشكيك في السنة تشكيكاً في القرآن الكريم، وهذا لا يقع من مسلم أبداً، إلا أن يكون جاهلاً، والجاهل لا يعذر بعد أن تقوم عليه الحجة بهذه الأدلة الآنفة الذكر.
أما غير المسلم: وهو الذي إذا احتججنا عليه بمنقولاتنا (وهي القرآن والسنة) احتج علينا بنقولاته، كما جاء في السؤال؛ فإننا لا نبدأ خطابه بالأدلة السابقة؛ لأنه لا يؤمن بالقرآن أصلاً وإنما نبدأ بدعوته إلى الإسلام، وبإثبات نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – من خلال دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام المتعددة: كإعجاز القرآن الكريم المتنوع الوجوه: في بلاغته، وتشريعاته، وإخباره بالمغيبات، وسبقه العلمي الكوني (المسمى بالإعجاز العلمي)، وكإعجاز السنة النبوية كذلك، وبيان بشارات الأنبياء به – صلى الله عليه وسلم –، والتي مع تحريف اليهود والنصارى لكتبهم، ومع إخفائهم لكثير منها لم يزل فيها إلى اليوم ما يدل على ذلك ... إلى غير ما سبق من دلائل نبوته – صلى الله عليه وسلم.
فإذا ما صدق وآمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً، بيَّنا له بالأدلة المتقدمة حفظ الله – تعالى – للسنة النبوية.
ولذلك فلسنا نخشى إن احتججنا بمنقولاتنا من احتجاج أصحاب الديانات الأخرى علينا بمنقولاتهم؛ لأن الأمر ليس بمجرد الدعاوى، وإنما الأمر بالحجة والبرهان؛ فشتان شتان بيننا وبين من يخالفنا في الدين!!
وهذا هو مصدر قوتنا – نحن المسلمين – أننا أصحاب الحق المطلق على هذه الأرض، ولدينا الأدلة القاطعة على ذلك كله، ولولا ذلك لما بقت للإسلام والمسلمين باقية، مع كثرة أعدائنا، وتكالبهم علينا، وشراسة حربهم ضدنا.
إن ديننا الحق؛ لأنه دين الله تعالى الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأدلة هذه الدعوى عندنا كثيرة، كافية لإيمان أهل الأرض كلهم. لكن من يبلغها لأهل الأرض؟! بل من يُبصِّر أبناء المسلمين بها قبل غيرهم؟ هذا ما يسعى إليه الناصحون لدينهم، الغيورون على أبناء ملتهم، الحريصون على هداية الناس كلهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. هذا والله أسأل أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم. والله أعلم.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

المصدر : http://www.islamtoday.net/questions/...t.cfm?id=27056
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17-10-03, 05:03 AM
جيل المستقبل حمود
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي على هذا الموضوع المفيد


نفع الله بعلمكم وزادتكم تقاً وصلاح


فمواضيعك دائما مفيدة










نفع
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-03-17, 08:13 PM
أحمد بن علي صالح أحمد بن علي صالح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-04-14
المشاركات: 2,237
افتراضي رد: إنكار السنة بدعوى أن الله لم يتعهد بحفظها ،، للعوني

هل السنة النبوية محفوظة من الضياع
السؤال:
نحن نعلم أن القرآن محفوظ ؛ فهل السنة محفوظة أيضا ولم يضع أي حديث لرسول الله منها ، علما أن المغول التتار أحرقوا كتب السنة كثيرا ، وكذلك فعل الاستعمار الحديث في البلاد العربية .
تم النشر بتاريخ: 2012-01-12
الجواب :
الحمد لله
لقد بعث الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهُدَى ودين الحق ، وأنزل عليه كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأمره بتبليغه إلى الناس كافة ، وتَكَفَّلَ سبحانه بحفظ هذا الكتاب ، فقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ).

وقد وَكَلَ إلى نبيه صلى الله عليه وسلم مهمة البيان للقرآن ، فقال عز وجل : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، وقال: ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
فقامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خير قيام : يُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ ، ويُقَيِّدُ مطلقه ، ويشرح ألفاظه ، ويُوَضِّحُ أحكامه ومعانيه ، فكان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم هو سُنَّتَه التي بين أيدينا .
ولما كان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم بياناً لكتاب الله ، فإنه كان مؤيداً في ذلك من الله عز وجل ، وكانت سُنَّتُه وحياً من عند الله ، كما قال سبحانه وتعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى).
قال ابن حزم الظاهري : " فأخبر تعالى أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم كله وحي ، والوحي بلا خلاف ذكر ، والذكرُ محفوظ بنص القرآن .
فصح بذلك أن كلامَه صلى الله عليه و سلم كلُّه محفوظ بحفظ الله عز وجل ، مضمونٌ لنا أنه لا يضيع منه شيء ، إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء ، فهو منقول إلينا كله ". انتهى ، "الإحكام في أصول الأحكام " (1/95).
وقال : " والذِّكْرُ اسم واقعٌ على كلِّ ما أنزل الله على نبيِّه : من قرآنٍ ، أو سُنَّةٍ ". انتهى ، "الإحكام في أصول الأحكام" (1/115).
قال ابن القَيِّم : " فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ كُلِّهِ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَكُلُّ وَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ ذِكْرٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فَالْكِتَابُ : الْقُرْآنُ ، وَالْحِكْمَةُ : السُّنَّةُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ السُّنَّةَ كَمَا أُوتِيَ الْكِتَابَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ حِفْظَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ ؛ لِيُقِيمَ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَى الْعِبَادِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ ". انتهى ، " مختصر الصواعق المرسلة" (2/371) .
وإن من مظاهر هذا الحفظ لسنته صلى الله عليه وسلم : ما قام به علماء الإسلام وجهابذته من جهد ظاهر ، وعمل دؤوب مُضْنٍ ، في سبيل جمع هذه السنة وتدوينها ، ووضع القواعد التي تضبط روايتها ، وتحدد قبولها من ردها ، وتمحص أحوال نقلتها ورواتها .
فالسنة تكفل الله بحفظها عن طريق هؤلاء الرواة الذين سخرهم لحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ ابن رجب : " فأقامَ اللّهُ تعالى لحفظِ السُّنَّةِ أقواماً ميَّزوا ما دخلَ فيها من الكذبِ والوهم والغلطِ ، وضبطُوا ذلكَ غايةَ الضبطِ ، وحفظوه أشدَّ الحفظِ ". انتهى ، "تفسير ابن رجب الحنبلي" (1/605).
والحاصل : أن السنة محفوظة من الضياع ، وكل ما تحتاجه الأمة منها قد نقله العلماء وحفظوه في الصدور والسطور .
وعلى الرغم من الكم الهائل من الكتب التي تم إتلافها على أيدي التتار في بغداد ، إلا أن هذا لم يؤثر على حفظ السنة شيئاً ، فالسنة النبوية محفوظة في صدور العلماء قبل كتبهم ، فضلا عن انتشار كتب الحديث ونسخه في كافة أصقاع العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه.
تم الاستفادة من كتاب : " ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة" (1/327) لجمال السيد ، وكتاب : " الحديث حجة بنفسه" للشيخ الألباني .

غير أننا ننبه هنا إلى أمرين :
الأول : أنه ليس معنى ذلك أن كل كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، فقد حفظت ونقلت لنا ، وهي بين أيدي الناس الآن ، بل المراد أن كل ما يحتاجه الناس في أديانهم من أحكام وشرائع ، فهي محفوظة بحفظ الله ، لم يضع منها شيء .
الثاني : أنه ليس معنى ذلك أن كتابا واحدا قد ضمها ، أو ضم الميسور في أيدي الناس منها ، أو أن عالما واحدا قد جمعها وحواها ، حتى لا يخفى عليه منها شيء ؛ بل المراد أن علم جميعها موجود في الأمة ؛ فإذا ذهب علم شيء منها على عالم ، وجد عند غيره ، وإذا خفي في بلد ، ظهر في غيره .

قال الإمام الشافعي رحمه الله :
" ولسان العرب: أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غيرُ نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجوداً فيها من يعرفه.
والعلمُ به عند العرب ، كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيءٌ ؛ فإذا جُمع علم عامة أهل العلم بها ، أتى على السنن، وإذا فُرّق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها ، ثم ما كان ذهب عليه منها موجوداً عند غيره.
وهم في العلم طبقات : منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقلَّ مما جمع غيره.
وليس قليلُ ما ذهب من السنن على من جمع أكثرَها: دليلاً على أن يُطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يُطلب عند نظرائه ما ذهب عليه ، حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله - بأبي هو وأمي - فيتفرَّد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وَعَوا منها " انتهى من "الرسالة" (42-43) .
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:41 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.