ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-02-08, 01:35 AM
طه محسن طه محسن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-05-07
المشاركات: 17
Question وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم .. أفيدوني يرحمكم الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

قرأت للأخ الكريم (أحمد الجراح) ما ذكره عن الشيخ (أحمد ديدات) وموقفه من القاديانية في هذا الموضوع .. فارتاحت نفسي بعض اضطرابها لما قرأت :

اقتباس:
ويجب أن ننبه إلى أن المدعو " على الجوهري " هو مترجم الكتاب السابق – وغيره كذلك – وهو يرى نظرية " الإغماء " التي يقول بها القاديانيون ، ويدافع عنها بشدة في تعليقاته على الكتاب ، بل ويعيب على المسلمين عدم تبنيها ، ويراها غير مخالفة لما جاء في القرآن !
وذلك أني كنت قد قرأت كتابًا من ترجمة (علي الجوهري) لمناظرة بين الشيخ (أحمد ديدات) -رحمه الله- وبين (فلويد كلارك) بعنوان (هل مات المسيح على الصليب ؟) وقد كان العنوان الأصلى (هل صلب المسيح؟) ولكن المترجم غير الترجمة لحاجة في نفسه بينها في تعقيبه !


قرأت المناظرة وقد استفدت منها استفادة عظيمة في معرفة عقيدتهم الفاسدة وكيف أنهم لا يتورعون عن التحريف والتبديل حتي في المناظرة نفسها

لكن المترجم أثار قلقي ببعض تعليقاته الهامشية .. ثم ألقى همًا ثقيلًا عليَّ بتعقيبه ذاك وفيه أنه لا يعتقد برفع عيسي -عليه السلام- بجسده وأنه حيّ ويعتقد أن ذلك من ما دسّ علينا من أحاديث مكذوبة أو كما قال !

فزعت فزعًا شديدًا وجئت ألتمس الصواب بين صفحات هذا المنتدي الكريم فوجدت ما أراحني وثبتني علي الاعتقاد الصحيح في هذا الأمر والجزم بفساد اعتقاد المترجم وبطلان قوله وذلك قد ثبت عندي حين راجعتها فوجدته يستدل بأقوال (محمد عبده) ومن تبعه !



لكني -أحبتي في الله- مازلت أريد القول الفصل البين في أمرين :

الأول : رفع المسيح -عليه السلام- ووفاته
الثاني : (( ولكن شبه لهم ))

أكرمكم الله وأثابك خيرًا
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-02-08, 03:56 PM
أبو سلمةالسلواني أبو سلمةالسلواني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-03-05
المشاركات: 21
افتراضي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن( تفسير الطبري )
الإمام الطبري


القول في تأويل قوله تعالى: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}
يعني بذلك جل ثناؤه: وبقولهم {إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله}
ثم كذبهم الله في قيلهم، فقال: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} يعني: وما قتلوا عيسى وما صلبوه، ولكن شبه لهم.
واختلف أهل التأويل في صفة التشبيه الذي شبه لليهود في أمر عيسى، فقال بعضهم: لما أحاطت اليهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم، وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنهم جميعا حولوا في صورة عيسى، فأشكل على الذين كانوا يريدون قتل عيسى، عيسى من غيره منهم، وخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى. ذكر من قال ذلك:
8484 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب ابن منبه، قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت، وأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا! لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا! فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا فخرج إليهم فقال: أنا عيسى! وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك.
وقد روي عن وهب بن منبه غير هذا القول، وهو ما:
8485 - حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن منقل، أنه سمع وهبا يقول: إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة! فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم، وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه! فأقروه، حتى إذا فرغ من ذلك، قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي التي استعنتكم عليها، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي! فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها؟ قالوا: والله ما ندري ما لنا، لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه! فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه، ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني! فخرجوا وتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، فقالوا: هذا من أصحابه، فجحد، وقال: ما أتا بصاحبه، فتركوه. ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك، فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود، فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون؟ أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعا. ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب، فجاءهما عيسى، فقال: علام تبكيان؟ قالتا عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا! فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب الله عليه! ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له: يحنا، فقال: هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم، فلينذرهم وليدعهم.
وقال آخرون: بل سأل عيسى من كان معه في البيت أن يلقى على بعضهم شبهه، فانتدب لذلك رجل، فألقي عليه شبهه، فقتل ذلك الرجل ورفع عيسى ابن مريم عليه السلام. ذكر من قال ذلك:
8486 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه}... إلى قوله: {وكان الله عزيزا حكيما} أولئك أعداء الله اليهود ائتمروا بقتل عيسى ابن مريم رسول الله، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه. وذكر لنا أن نبي الله عيسى ابن مريم قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول؟ فقال رجل من أصحابه: أنا يا نبي الله. فقتل ذلك الرجل، ومنع الله نبيه ورفعه إليه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} قال: ألقي شبهه على رجل من الحواريين فقتل، وكان عيسى ابن مريم عرض ذلك عليهم، فقال: أيكم ألقي شبهي عليه له الجنة؟ فقال رجل: عليّ.
8487 - حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة؟ فأخذها رجل منهم. وصعد بعيسى إلى السماء، فلما خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى عليه السلام قد صعد به إلى السماء، فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من العدة، ويرون صورة عيسى فيهم، فشلوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى وصلبوه، فذلك قول الله تبارك وتعالى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}... إلى قوله: {وكان الله عزيزا حكيما}
8488 - حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن القاسم بن أبي بزة: أن عيسى ابن مريم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟ فقال رجل من أصحابه: أنا يا رسول الله. فألقي عليه شبهه، فقتلوه، فذلك قوله: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}
8489 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله، رجلا منهم يقال له: داود، فلما أجمعوا لذلك منه لم يفظع عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه؛ حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد من خلقك، فاصرفها عني! وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دما. فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخل عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى، فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابه من الحواريين وكانوا اثني عشر رجلا: بطرس، ويعقوب بن زبدي، ويحنس أخو يعقوب، و أندراوس، وفيلبس، وأبرثلما، ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوس، وفتاتيا، ويودس زكريا يوطا. قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان فيهم فيما ذكر لي رجل اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلا سوى عيسى جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان عيسى. قال: فلا أدري ما هو من هؤلاء الاثني عشر، أم كانوا ثلاثة عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى وكفروا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كان اثني عشر فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى ثلاثة عشر. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني رجل كان نصرانيا فأسلم أن عيسى حين جاءه من الله {إني رافعك إلي} قال: يا معشر الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حتى يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه مكاني؟ فقال سرجس: أنا يا روح الله! قال: فأجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورفع عيسى صلوات الله عليه، فدخلوا عليه فأخذوه، فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشبه لهم به. وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، قد رأوهم فأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى فيما يرون وأصحابه وفقدوا رجلا من العدة، فهو الذي اختلفوا فيه. وكانوا لا يعرفون عيسى، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهما على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سأقبله، وهو الذي أقبل فخذوه! فلما دخلوا عليه، وقد رفع عيسى، رأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشك أنه هو عيسى، فأكب عليه فقبله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه. وبعض النصارى يزعم أن يودوس زكريا يوطا هو الذي شبه لهم فصلبوه، وهو يقول: إني لست بصاحبكم! أنا الذي دللتكم عليه! والله أعلم أي ذلك كان.
8490 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: بلغنا أن عيسى ابن مريم قال لأصحابه: أيكم ينتدب فيلقى عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجل من أصحابه: أنا يا نبي الله. فألقي عليه شبه فقتل، ورفع الله نبيه إليه.
8491 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {شبه لهم} قال: صلبوا رجلا غير عيسى يحسبونه إياه.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولكن شبه لهم} فذكر مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: صلبوا رجلا شبهوه بعيسى يحسبونه إياه، ورفع الله إليه عيسى عليه السلام حيا.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب أحد القولين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه، من أن شبه عيسى ألقي على جميع من كان في البيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك، ولكن ليخزي الله بذلك اليهود وينقذ به نبيه عليه السلام من مكروه ما أرادوا به من القتل، ويبتلي به من أراد ابتلاءه من عباده في قيله في عيسى وصدق الخبر عن أمره. أو القول الذي رواه عبد العزيز عنه.
وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بالصواب، لأن الذين شهدوا عيسى من الحواريين لو كانوا في حال ما رفع عيسى، وألقي شبهه عليه من ألقي عليه شبهه، كانوا قد عاينوا عيسى وهو يرفع من بينهم، وأثبتوا الذي ألقي عليه شبهه، وعاينوه متحولا في صورته بعد الذي كان به من صورة نفسه بمحضر منهم، لم يخف ذلك من أمر عيسى، وأمر من ألقي عليه شبهه عليهم مع معاينتهم ذلك كله، ولم يلتبس ولم يشكل عليهم وإن أشكل على غيرهم من أعدائهم من اليهود أن المقتول والمصلوب كان غير عيسى، وأن عيسى رفع من بينهم حيا.
وكيف يجوز أن يكون قد أشكل ذلك عليهم، وقد سمعوا من عيسى مقالته: من يلقى عليه شبهي ويكون رفيقي في الجنة؟ إن كان قال لهم ذلك، وسمعوا جواب مجيبه منهم: أنا، وعاينوا تحول المجيب في صورة عيسى بعقب جوابه. ولكن ذلك كان إن شاء الله على نحو ما وصف وهب بن منبه، إما أن يكون القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت الذي رفع منه من حواريه حولهم الله جميعا في صورة عيسى حين أراد الله رفعه، فلم يثبتوا عيسى معرفة بعينه من غيره لتشابه صُور جميعهم، فقتلت اليهود منهم من قتلت وهم يرونه بصورة عيسى ويحسبونه إياه، لأنهم كانوا به عارفين قبل ذلك، وظن الذين كانوا في البيت مع عيسى مثل الذي ظنت اليهود، لأنهم لم يميزوا شخص عيسى من شخص غيره لتشابه شخصه وشخص غيره ممن كان معه في البيت، فاتفقوا جميعهم - أعني اليهود والنصارى - من أجل ذلك على أن المقتول كان عيسى، ولم يكن به، ولكنه شبه لهم، كما قال الله جل ثناؤه: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}
أو يكون الأمر في ذلك كان على نحو ما روى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، أن القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت تفرقوا عنه قبل أن يدخل عليه اليهود، وبقي عيسى، وألقي شبهه على بعض أصحابه الذين كانوا معه في البيت بعد ما تفرق القوم غير عيسى وغير الذي ألقي عليه شبهه، ورفع عيسى، فقتل الذي تحول في صورة عيسى أصحابه، وظن أصحابه واليهود أن الذي قتل وصلب هو عيسى لما رأوا من شبهه به وخفاء أمر عيسى عليهم؛ لأن رفعه وتحول المقتول في صورته كان يعد تفرق أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسى من الليل ينعى نفسه ويحزن لما قد ظن أنه نازل به من الموت، فحكوا ما كان عندهم حقا، والأمر عند الله في الحقيقة بخلاف ما حكوا، فلم يستحق الذين حكوا ذلك من حوارييه أن يكونوا كذبة، أو حكوا ما كان حقا عندهم في الظاهر وإن كان الأمر عند الله في الحقيقة بخلاف الذي حكوا.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-02-08, 04:02 PM
أبو سلمةالسلواني أبو سلمةالسلواني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-03-05
المشاركات: 21
افتراضي

الجامع لأحكام القرآن( تفسير القرطبي)
الإمام القرطبي


الآيتان: 157 - 158 {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي
قوله تعالى: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم" كسرت "إن" لأنها مبتدأة بعد القول وفتحها لغة. وقد تقدم في "آل عمران" اشتقاق لفظ المسيح. "رسول الله" بدل، وإن شئت على معنى أعني. "وما قتلوه وما صلبوه" رد لقولهم. "ولكن شبه لهم" أي ألقي شبهه على غيره كما تقدم في "آل عمران". وقيل: لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه؛ كما قال تعالى: "وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه" والإخبار قيل: إنه عن جميعهم. وقيل: إنه لم يختلف فيه إلا عوامهم؛ ومعنى اختلافهم قول بعضهم إنه إله، وبعضهم هو ابن الله. قاله الحسن: وقيل اختلافهم أن عوامهم قالوا قتلنا عيسى. وقال من عاين رفعه إلى السماء: ما قتلناه. وقيل: اختلافهم أن النسطورية من النصارى قالوا: صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته. وقالت الملكانية: وقع الصلب والقتل على المسيح بكماله ناسوته ولا هوته. وقيل: اختلافهم هو أنهم قالوا: إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ ! وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ ! وقيل: اختلافهم هو أن اليهود قالوا: نحن قتلناه؛ لأن يهوذا رأس اليهود هو الذي سعى في قتله. وقالت طائفة من النصارى: بل قتلناه نحن. وقالت طائفة منهم: بل رفعه الله إلى السماء ونحن ننظر إليه. "ما لهم به من علم" من زائدة؛ وتم الكلام. ثم قال عز وجل: "إلا اتباع الظن" استثناء ليس من الأول في موضع نصب، ويجوز أن يكون في موضع رفع على البدل؛ أي ما لهم به من علم إلا اتباع الظن. وأنشد سيبويه:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
قوله تعالى: "وما قتلوه يقينا" قال ابن عباس والسدي: المعنى ما قتلوا ظنهم يقينا؛ كقولك: قتلته علما إذا علمته علما تاما؛ فالهاء عائدة على الظن. قال أبو عبيد: ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا لقال: وما قتلوه فقط. وقيل: المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم أنه عيسى يقينا؛ فالوقف على هذا على "يقينا". وقيل: المعنى وما قتلوا عيسى، والوقف على "وما قتلوه" و"يقينا" نعت لمصدر محذوف، وفيه تقديران: أحدهما: أي قالوا هذا قولا يقينا، أو قال الله هذا قولا يقينا. والقول الآخر: أن يكون المعنى وما علموه علما يقينا. النحاس: إن قدرت المعنى بل رفعه الله إليه يقينا فهو خطأ؛ لأنه لا يعمل ما بعد "بل" فيما قبلها لضعفها. وأجاز ابن الأنباري الوقف على "وما قتلوه" على أن ينصب "يقينا" بفعل مضمر هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقينا أي صدقا يقينا. "بل رفعه الله إليه" ابتداء كلام مستأنف؛ أي إلى السماء، والله تعالى متعال عن المكان؛ وقد تقدم كيفية رفعه في "آل عمران". "وكان الله عزيزا" أي قويا بالنقمة من اليهود فسلط عليهم بطرس بن استيسانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة. "حكيما" حكم عليهم باللعنة والغضب.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-02-08, 05:04 PM
طه محسن طه محسن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-05-07
المشاركات: 17
افتراضي

جزاك الله خيرًا شيخي (أبو سلمةالسلواني) ..

ومما أشكل عليّ فيما قرأت الآن :

1- ( ولكن شبه لهم ) : تعني أنهم قتلوا غيره بصورة المسيح .. ألا يحتمل أن يكون تفسيرها أنه شبه لهم موته فكان على الصليب حيًا لكنهم يرونه ميتًا ؟ هذا ما قاله المترجم واعتمد عليه في تفسيره وأريد قولاً يدحضه


2- (وما صلبوه) : يقول المترجم (على الجوهري) أنها تعني أن المسيح لم يمت علي الصليب ولكنه صلب (أي وضع على الصليب) فهل في ذلك مخالفة لمعني الآية ؟

2- المترجم يشكك في روايات وهب بن منبه وكعب الأحبار .. ويقول أن المفسرين جميعهم استدلوا برواياتهما .. فهل من قول في ذلك ؟

3- هل اعتقاد أهل السنة والجماعة أن عيسي عليه السلام حيّ الآن وأنه في السماء إلى أن يحين وقت نزوله ؟


وإجمالاً أقول ما فهمت من تفسير الطبري وتفسير القرطبي :

أن عيسى عليه السلام حين أراد اليهود قتله أُلقى شبهه على أحد أصحابه أو كلهم .. فقتل اليهود شبيهه ظانين أنهم قتلوا المسيح ثم رفعه الله إلي السماء حيًّا وهو فيها إلى أن يحين موعد نزوله للأرض عند قرب الساعة



إن كان من خطأ فمن نفسي .. فصوبوا لي إن رأيت خطأ .. وأرشدوني إلي الصواب .. جزاكم الله خيرًا وبارك فيكم ونفع بكم
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03-02-08, 05:26 AM
أبو يوسف التواب أبو يوسف التواب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-02-07
المشاركات: 3,835
افتراضي

هذا الكلام قرأته قبل زمن في الكتاب المذكور
ولكن: قوله تعالى: ((ولكن شُبِّه لهم))
كيف نعيده على غير مذكور سالف؟!.. فقد ذُكِر القتل والصلب ولم يذكر الموت.

وإذا بطلت الأولى بطلت الثانية.. وفهمنا المراد بقوله: ((شُبِّه لهم)).. وأن الصلب هو ما ذكره جمهور المفسرين.

وأما اعتقاد جمهور أهل السنة -فيما أعلم- فهو أنه عليه السلام حي في السماء. وبالله التوفيق
__________________
ملتقى المذاهب الفقهية والدراسات العلمية:
www.mmf-4.com/
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-02-08, 07:36 AM
محمد التلباني محمد التلباني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-12-05
المشاركات: 156
افتراضي

اخوتي الكرام أحمد ديدات رحمه الله لايعتقد بمسألة الإغماء ولكن كان يذكر هذا من باب الزام الخصم
اما عن مسألة القاديانية فقد صرح أكثر من مرة بردة هذه الطائفة
وقد أتي الجميع من قبل عدم اتقان اللغة الإنجليزية في مسألة صلب المسيح
وإلا فقد أعلن الرجل مرارا وتكرارا أنه لا يقول إلا بما يقول به القرآن
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-02-08, 12:47 PM
زكريا أبو مسلم زكريا أبو مسلم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-07-04
المشاركات: 96
افتراضي

سـينـاريـوهـات يـوم الصّلـب: نـظـريّـة الإغـمـاء نـمـوذجًـا

أبو مسلم زكريا نور الدين بلخامسة


الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه وسلّم على محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

لا تزال مسألة صلب المسيح وموته عند علماء النّصارى ومفكّريهم محلّ جدل كبير وواسع بحيث أقحمت في ذلك العلوم الاجتماعية والنّظريّات الفلسفية ما بين مؤيّد ومعارض, والكنائس بين المؤيّدين والمعارضين تحاول بكلّ جهد أن تصرف عوامّ النّصارى عن مثل هذه الفلسفات الدّينية منعًا لعقيدة التّذبذب أو التّشكيك التي قد تحلّ بالمسيحي التي تعتبر أساس الخلاص المسيحي وركيزة الإيمان الذي به يتقرّر الإعتقاد. وما أريد أن أتكلّم فيه في هذا المقال هو مناقشة النّظرية القائلة بأنّ المسيح لم يمت على الصّليب وأنّه نجا من الموت لإغماء حصل له.

وقبل أن أدخل في شرح نظريّة الإغماء, يحسن أن أذكر أشهر أصول النّظريّات الثيولوجية المتعلّقة بصلب المسيح عليه السّلام:

1- النّظريّة العامّة: والتي يؤمن بها غالبيّة طوائف النّصارى أنّ المسيح مات على الصّليب ثمّ قام في اليوم الثّالث.

2- النّظرية الهلوسينيّة (Hallucination Theory) : (الهلوسة) وتقول هذه النّظريّة أنّ المسيح عليه السّلام مات على الصّليب ولم يقم من الموت, لكنّ من كانوا حاضرين حوله حصل لهم نوع من الهلوسة أو التّخيّل بحيث خيّل إليهم أنّه عاد إلى الحياة وقام من الأموات.

3- النّظرية التآمريّة(Deception Theory ): وتنصّ أنّ المسيح مات على الصّليب ولم يقم من الموت, لكنّ أصحابه تآمروا على إخفاء الحقيقة ونشروا خبر حياته انتقامًا للكبت النّفسي والاضطهاد والحزن الذي حصل لهم من موته, فعمدوا إلى نشر خبر حياته بعد ثلاثة أيّام ليلاقوا بهذا الخبر نوعًا من العزاء لهم على فقدانه, وتفرّع منها أيضًا ما يسمّى بنظريّة الجسد المسروق, وهو أنّ أصحابه سرقوا جسده بعد دفنه, ثمّ ادّعوا أنّه قام من الأموات مستندين إلى الأعداد 13 إلى 15 من الإصحاح الأخير من إنجيل متّى.

4- نظريّة الإغماء (Swoon Theory ) : وتنصّ أنّ المسيح لم يمت على الصّليب أصلاً, وهذا المتعارف عند هذه النّظريّة هو جزء من نظريّة أعمق تشرح هذه النّظريّة وتسمّى الدوسيتية ( Docetism Theory ) , وتنصّ على أنّ المسيح لم تكن له طبيعة جسدية, ولذلك فإرهاصات الموت والقتل لم تبلغ مبلغها في "الحقيقة الظّاهرة الغير جسدية" التي كانت تظهر لمشاهديه إلاّ بمقدار الكشف الباطني والذي تمثّل في الإغماء, ولعلّي أشرح هذه النّظريّة بمزيد من التّفصيل في ثنايا هذا البحث.

وما يهمّنا هنا نظريّة الإغماء, والتي بدورها تحتوي العديد من الآراء والفلسفات في تبرير المحور الأساسي في نجاة المسيح من الموت على الصّليب, ويصرّ القائلون بنظرية الإغماء أنّ لهم كامل الأدلّة من الكتاب المقدّس لإثبات صحّة نظريّاتهم .وأوّل هذه الآراء تقول أنّ أحد أطبّاء الجماعة السّرّيّة "الآسينيّين" أعطى المسيح دواء مخدّرًا جعله يظهر بمظهر المغمى عليه علىالصّليب, ولمّا طلب يوسف الذي من الرّامة جسده من بيلاطس أعطى له دواء آخر فاستفاق من غيبوبته. رأي آخر يقول أنّ الدّواء أعطي له وهو على الصّليب, ودليلهم من إنجيل متى 27:49"وللوقت ركض واحد منهم وأخذ اسفنجة وملأها خلاًَ وجعلها على قصبة وسقاه", ويتكرّر النّصّ الآخر في إنجيل مرقص15:36:" فركض واحد وملأ اسفنجة خلاًّ وجعلها على قصبة وسقاه"اهـ إذ ما معنى أن يعطى مصلوبًا ينتظر أن يموت خلاًّ في اسفنجة, فلا هي ترويه من ظمأ ولا هي تنجيه من موت. وقيل أيضًا أنّ المسيح استفاق من إغمائه بمساعدة أحد الذين مرّوا عليه وهو في القبر وهي مريم المجدليّة, وقال البعض أنّ يوسف الذي من الرّامة ومريم المجدلية ومريم الأخرى كانوا على علم بأنّه لم يمت ولهذا جهّزوا العطر والأثواب البيضاء وتبعوه إلى حيث القبر, والمسيح نفسه أقرّ بذلك حينما وجدها في المقبرة وأخبرها كيف تبحثين عن حيّ بين الأموات ؟ ويتساءل الكثيرون من المناصرين لهذه الرّأي عن سبب اهتمام يوسف الذي من الرّامة بجسد المسيح وهو ميّت, ولماذا طلبه من بيلاطس إلاّ أن يكون ذلك خطّة مدروسة من أجل أن ينجيه من هذه المؤامرة السّياسيّة (راجع كتاب الدّم الأقدس, الكأس الأقدس).

دليل آخر يطرحه أنصار هذه النّظريّة وهو أنّه كيف لما أتى يوسف الذي من الرّامة لطلب جسد المسيح من بيلاطس, تعجّب بيلاطس كيف مات المسيح بهذه السّرعة وهو المشرف على الصّلب, كما جاء في مرقص:"وجاء إلى بيلاطس (أي يوسف) وطلب جسد يسوع, فتعجّب بيلاطس أنّه مات هكذا سريعًا فدعا قائد المائة وسأله هل له زمان قد مات؟". وكذلك من أدلّتهم ما جاء في إنجيل يوحنّا 19:21 حينما أدرك اليهود غروب الشّمس وأرادوا التّخلّص من موت الأجساد المصلوبة قبل الغروب لحلول يوم السّبت وقد نهوا عن ذلك, (لأنّ الصّلب المزعوم كان يوم الجمعة), فعمدوا إلى تكسير سيقان المصلوبَين لتسريع موتهما, ولمّا وصلوا لتكسير سيقان المسيح لم يكسروهما لأنّه وجدوه قد مات !, وتساءلوا كيف أدرك اليهود أنّ المسيح قد مات وبالتّالي لم تكسر سيقانه ؟

وهكذا ترى أنّ الأدلّة التي يتّكأ عليها أصحاب هذه النّظريّة من الكتاب المقدّس لها وجاهتها على اعتبار صحّة الكتاب المقدّس, ولا مجال للمعترضين من جمهور النّصارى أن ينكروا مثل هذه النّصوص الصّريحة في ذلك. والحقيقة أنّ مثل هذا الزّعم من عقلاء النّصارى وعلمائهم يحرج كثيرًا من رهبان الكنائس وقساوستهم, سرعان ما يكتفي أولئك القساوسة وأرباب الكنائس بإصدار فتاوى بكفر وهرطقة القائلين بهذه النّظريّة مفضّلين عدم الخوض في الرّدّ على تلك الشّكوك لعلمهم أنّهم يخوضون معركة قد يكونون الطّرف الخاسر فيها.

ولقد حاولتُ مرّات أن أبحث عن ردود علميّة من الكنائس وجمهور النّصارى تجاه مثل هذه الاتّهامات, فلم أجد شيئًا ذال بال مقارنة مع ردودهم على أفكار ونظريّات أخرى, وهذا ما جعل مثل هذه النّظريّة الآن تروج رواجًا كبيرًا. والسّبب في رأيي يرجع إلى شيئ مهمّ اصطلحتُ مبدئيًّا على تسميته ب"نظريّة بقاء الأفكار وتطوّرها في الفكر النّصراني" Process of the Idea Surviving and Development in Christian Dogma, وأقرّر فيه أنّ الكفر المسيحي الثيولوجي حينما يريد دحض نظريّة من النّظريّات التي يراها دخيلة على فكره, لا يسعه أن ينكرها إلاّ بحدود ماهو مسلّم عنده في الكتاب المقدّس, فدحضه لها يكون أساسًا على التفنيد الحرفي من النّصوص المسلّمة لديهم, هذا التّفنيد إذا ابتدأ في الفكر المسيحي على مرّ الزّمن فإنّه يساعد على زوال الفكرة وتحجيمها بقدر قوّة هذا التّفنيد ونشاط أصحابه, وبالعكس من ذلك إذا كانت أسس الفكرة منطلقة من القوّة التي تعتمد عليها الكنيسة في التّفنيد والتي هي الكتاب المقدّس, فإنّ الكنيسة تعجز عن دحض الفكرة وتفنيدها ومحاربتها ممّا يكسب الفكرة بقاء وتطوّرًا على مدى التّاريخ وتتشبّع بالمزيد من الرّكائز لا على أساس صحّتها, وإنّما على أساس مخالفتها للكنيسة, بغضّ النّظر طبعًا على صحّتها من بطلانها.

ونظريّة الإغماء من هذا النّوع من الأفكار التي لم تلق مصارعة بيّنة من الكنيسة لاكتسابها قوّة من الكتاب المقدّس نفسه, فجرّ الأمر بعد هذا ليس إلى مناقشة الفكرة نفسها وإنّما مناقشة نصوص الكتاب المقدّس وإعادة قرائته قراءة علمية تاريخية استقصائية.

ورغم أنّ القائلين بنظريّة الإغماء اتّفقوا على أنّ المسيح لم يمت على الصّليب, إلاّ أنّهم اختلفوا في مجريات الأحداث بعد إنزال الجسد المزعوم من الصّليب إلى روايات وأقوال عديدة, وقد أحصيتُ على الأقلّ خمسة عشر قولاً, وفي كلّ مرّة أزداد يقينًا بقول اللّه تعالى:"مالهم به من علم إلاّ اتّباع الظّنّ ". وقد أخذتُ من بين هذه الأقوال أشهر قولين للحديث عنهما, الأوّل وهو قول أصحاب كتاب الكأس الأقدس الدّم الأقدس, أو ما يعرف بحركة الصّحوة العقليّة للمسيحية, والثّاني وهو قول القاديانية.

-نظرية الإغماء عند أصحاب الصّحوة العقلية المسيحية: منذ أن أصدر الباحثون المسيحيون ميشال بريجنت وريشارد ليذ سنة 1982, بدأت بوادر هذه الحركة التّشكيكية في الظّهور مرّة أخرى, وبرزت معها نظريّة الإغماء بالشّكل الذي كان يروّج له فريدريك باهدرت في القرن الثّامن عشر, وتبعه بعد ذلك علماء مسيحيون آخرون كفنتوريني وهنريك بولوس, ولقد صدق ما كنت توقّعتُه منذ سنتين حينما فرغتُ من قراءة الكتب الثّلاثة لميشال بريجنت وريشارد ليث ولينكون خاصّة كتاب الكأس الأقدس الدّم الأقدس, فقد كنتُ توقّعتُ أن تنتشر هذه الفكرة وترتكز دعائمها, وها قد ألّفت في هذا الرّواية المعروفة شفرة دافنشي التي أشارت ضجّة كبرى, كما كتبت في هذه الفكرة عشرات الكتب التي تدعّم أفكار هذا الكتاب ومن بينها نظريّة الإغماء, وآخر الأخبار كما علمت من يومين فقط أنّ مؤلّف كتاب الكأس الأقدس الدّم الأقدس قد أصدر هذا الشّهر آخر كتب له واسمه:"أوراق عيسى"ولم أطّلع عليه بعد. أمّا تفاصيل ما تروّجه هذه الكتب من أنّ المسيح لم يمت على الصّليب وأنّه تزوّج مريم المجدلية وولدت له بنتًا وسلالته لا تزال إلى حدّ الآن في جنوب فرنسا إلى غير ذلك من النّظريّات التي تعتبر هرطقة في العقيدة المسيحيّة.

-نظريّة الإغماء عند الميرزا غلام أحمد: أخذ ميرزا غلام أحمد نظريّة الإغماء, لكنّه أضاف ادّعاء جديدًا لم يكن عند أولئك الذي قالوا بالنّظريّة أوّل مرّة, فقد زعم أنّ المسيح لم يمت على الصّليب بل أغمي عليه ودفن ثمّ هرب إلى الهند وهناك عاش إلى أن مات موتةً طبيعيّة ودفن في كشمير وقبره معروف في سرنجار, وقد قرّر الميرزا هذا في كتابه :"المسيح في الهند", ويستدلّ بهذا بتفسيره الإيواء في قوله تعالى: "وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين". وسأعود إلى هذه النّقطة حينما أتكلّم على نظريّة الإغماء من رؤية شرعيّة.

ومن المعلوم أنّ طبيعة المسيح عليه السّلام من المسائل الشّائكة في العقيدة النّصرانية لا يزال الجدل فيها واسعًا عند الثّيولوجييّن النّصارى وعلماء اللاهوت حتّى اتّخذت أبعادًا فلسفيّة أدّت إلى خلافات جوهريّة بين الطّوائف المسيحيّة, فمنذ مجمع نيقيّة في القرن الرّابع ميلادي ومنذ قتل الموحّد المسلم آريوس السّكندري (رحمه اللّه) من قبل الكنيسة, لا يزال الخلاف على أشدّه في طبيعة المسيح, ومنها النّظرية الغنوصيّة القائلة بأنّ المسيح عليه السّلام له طبيعة روحيّة ولم يكن له جسد بشري إلاّ ما تبيّن للنّاس تصوّره بسسب نورانيّة روحه فاتّخذ جسمًا خياليًا, وسمّيت هذه فيما بعد بالدّوسيتية, وهي كلمة يونانية أصلها "دوكين" بمعنى يظهر أو يتجلّى, وهذه النّظرية في الواقع انتقلت من الفلسفات الوثنية القديمة واعتمدها الفيلسوف المشهور فيلو, صاحب النّص الشّهير: "في البدء كانت الكلمة, وكانت الكلمة مع اللّه, وكانت الكلمة اللّه" هذا النّص الذي هو الآن أوّل جملة من إنجيل يوحنّا, ومن هنا فإنّ الدّوسيتيّين يفسّرون جميع الألم والعذاب التي زُعم أن المسيح تعرّض له بأنّه تقلّب روحه في النّعيم اللاّهوتي, والذي يظهر لأصحاب أجساد الخطيئة من العالم السّفلي أنّه عذاب وألم وشقاء نتيجة أرواحهم الغارقة في الخطيئة, فلا فرق عندهم بين المسيح قبل الصّلب وبعده, ومن هذا المنطلق فإنّ القتل لم يكن حاصلاً لجسده لأنّه لم يمسّ العالم الأرضي, وماظهر لمشاهديه من قتل إنّما هي حالة الإغماء تكون أشبه بحدّ التّماس بين العالمين العلوي والسّفلي من أجل حدوث تطهير الخطايا, فهو إذن عرض دون جوهر (بالمصطلح الفلسفي) معتمد على الخيال Phantom)) !, هذه النّظريّة الغنوصيّة وجدت أيضًا صداها بين الفلسفة الإسلامية وتطوّرت لتأخذ أبعاد وحدة الوجود ومن دعا إليها كابن عربي والحلاّج وابن سبعين والسّهروردي وغيرهم.

ويربط بعض أعداء الإسلام من نصارى ويهود وملحدين بين الإسلام وبين النّظريّة ويعتمدون على قوله تعالى:"ولكن شبّه لهم", وهو لا شكّ استدلال باطل لأنّ الإسلام يقرّر حقيقة المسيح الجسديّة بكلّ وضوح وأنّه بشر له طبيعة بشريّة, يبقى الأمر الذي يحتاج إلى استفاضة هو نظريّات تفنيد الصّلب في الإسلام وهل لمسألة الإغماء وجه شرعيّ في نجاة المسيح من القتل والصّلب.

تقرّر إذن بمعرفة حقيقة الدّوسيتية أنّه لا مكان لها في الإسلام وأنّ القائل بها منكر لبشريّة المسيح, يبقى الأمر الذي يحتاج إلى بيان هو مسألة الإغماء والنّظرة الشّرعيّة لها.

والجدير بالذّكر أنّ نظرية الإغماء لا تتعلّق بالإخبار بمصير المسيح بعد حادثة الصّلب, فالقائلون بها اختلفوا فيما حدث له بعد ذلك من قائل بالرّفع وقائل بفراره إلى مصر وقائل بفراره إلى الهند, وما يهمّنا أوّلا الآن هو ما يتعلّق بحال الصّلب. وأوّل شيئ يقرّ به القائل بالإغماء هو وقوع الصّلب من حيث أنّه وضع الشّخص على الصّليب لا على أنّه مات مصلوبًا, لكنّه نجا من الموت على الصّليب, ويعبّر عنه بقولهم: (Survived the Crucifixion), أي نجا من الموت على الصّليب, وهو ما ذهب إليه أهل القول الأوّل وكذا ميرزا غلام أحمد, غير أنّ القاديانيّة يتأوّلون قوله تعالى :"وما صلبوه" أي ما قتلوه على الصّليب, ولا يعني عندهم نفي وضعه على الصّليب, فهم وإن نفوا قتله وموته حال وضعه على الصّليب, إلاّ أنّهم يقولون بأنّه وضع على الصّليب لكنّه نجا من الموت.

ويخلط الكثير من النّاس حينما يريد أن يفسّر الوفاة في القرآن بشأن عيسى عليه السّلام ويعلّل بها الإغماء, فيقول إنّ اللّه تعالى رفعه بعد أن توفّاه بالنّوم, مستدلاًّ على هذا بقوله تعالى ":إنّي متوفّيك ورافعك إليّ", ثمّ يعمد إلى القول بأنّ المسيح عليه السّلام توفّاه اللّه بالنّوم ثمّ رفعه.

والحقيقة أنّ القول بأنّ اللّه تعالى توفّاه بالنّوم حال الرّفع هو وجه سليم في التّفسير, وهو مرويّ عن السّلف وصحّح ابن كثير سنده عن ابن عبّاس في إحدى روايتيه وهو اختياره, لكن يجب أن يعلم أنّ هذه الوفاة ليست حال وقوع الصّلب, أي ليست حال كون المسيح على الصّليب, وإنّما قبل ذلك أي أنّ اليهود والرّومان لم يظفروا بالمسيح أصلاً, فالوفاة إن كانت فسّرت بالنّوم -وإن كان مرجوحًا عندي- فإنّه رفع عليه السّلام حالها ولا إشكال في تعلّق هذا بالصّلب لأنّ توابعه أصلاًُ لم تتحقّق كإلقاء قبض وسجن ونحو ذلك, وإن كانت فسّرت بأنّ الوفاة بمعنى استيفاء الأجر فهذا هو الرّاجح بناء على ما سأذكره لاحقًا عن صحّة الرّؤية الشّرعيّة في الحادثة وإثبات واقعة إلقاء الشّبه.

وترجيح معنى الوفاة على أنّه وفاة القبض والاستيفاء هو الظّاهر من وجوه:

أولاً: في قوله تعالى:" وما قتلوه يقينًا بل رفعه الله إليه" فالرفع هنا يقابل نفي القتل والصلب, ومعلوم أنّه يجب وقوع التلازم بين المثبت والمنفي وإلا لصار قول الله تعالى من غير معنى وهو مستحيل على الله تعالى, فما أُثبِت بعد "بل" لا بدّ أن يكون ضدًَا لما نُفِي وهو القتل والصلب, ولا يكون هنا إلا الرّفع والقبض إلى السّماء.

ثانيا: " في قوله تعالى أيضا:" وما قتلوه يقينًا" دليل على انتفاء أيّ شبهة للموت, ومعلوم أن النّوم من جنس الموت بدليل آية الزمر, ولو حصل النّوم لكان هناك حصول شبهة وهو ينافي اليقين المذكور في الآية, فإن قيل: قد يتضمّن وجود اليقين مع احتمال النّوم, فالجواب أنّه إنما حدّدنا اليقين بما سبق في الآية من قوله :" مالهم به من علم إلا اتباع الظن", ولو كان المسيح نائمًا وظنّوه مات لما عوتبوا باتباعهم الظنّ لأنهم ليسوا مأمورين بعلم الغيب, فتبيّن انتفاء النوم من أجل انتفاء الظنّ ولوازمه وإثبات اليقين الذي هو الرفع.

ثالثا: قوله تعالى على لسان المسيح عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام:"وكنتُ عليهم شهيدًا ما دمتُ فيهم فلما توفّيتني كنتَ أنت الرقيبَ عليهم" يجري عليها ما يجري على ما ذكرناه في الوجه الأول, فقوله توفيتني تشير إلى تغيّر من الحالة الأولى وهي كونه موجود بينهم, ومقتضاها أي وكنت فيهم شهيدًا, فلما رفعتني من بينهم كنت أنت الرقيب عليهم" ولو كان معنى الوفاة هو النّوم لكان سياق الآية وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما نمت كنت أنت الرقيب عليهم, وهو ليس بسديد فتأمّل, فدل أن معنى الوفاة هنا هو الرّفع والقبض. وهذا جواب أيضًا لمن يقول من أهل القبلة عن وقوع النّوم أو الإغماء على الصّليب.

وقبل أن أتكلّم عن الصّلب واختلاف النّاس في ذلك, هاهنا مسألة أحبّ أن أبيّنها أوّلاً وهو أنّه يجب أن يبيّن الباحث منهجه العلمي في تحقيقه هل هو تقريريّ شرعيّ أم إلزاميّ جدليّ, سواء تصريحًا أم تلميحًا, كما يجب على القارئ أن يدرك ماذا يقصده الباحث, فإنّ الباحث أحيانُا يعمد لتقرير مسألة شرعيّة, وفي خضمّ تقريره يعمد إلى التّسليم بفرضيّة ثم يذهب في دحض استدلالات المسألة الأصليّة بناء على ما سلّمه من صحّة الفرضيّة سواء إلزامًا أم تنزّلاًُ, فيتوهّم القارئ أنّ هذا الباحث يستدلّ على صحّة الفرضيّة لا على دحض المسألة الأصليّة, وهذا من جنس ما حصل للشّيخ الدّاعية أحمد ديدات رحمه اللّه, فإنّ منهجه في إحدى كتبه وهو:"مسألة الصّلب حقيقة أم خرافة" أوهم القارئ أنّ الشّيخ أحمد ديدات يقرّ بحادثة الصّلب وإنّما ينكر موت المسيح على الصّليب, والشّيخ أحمد ديدات اعتمد هنا أوّلاً على التّسليم للنّصارى بصحّة كتبهم, فما استدلّ به لنقض أصل المسألة وهو الموت علىالصّليب جعله يتتبّع مجرى النّصوص المقدّسة ويثبت تناقضها وتضاربها ومن ثمّ بطلانها بناء على أنّ الدّليلين إذا تعارضا تساقطا, وقد تتبّعتُ جميع مسائل كتاب الشّيخ أحمد ديدات, فلم أجده خرج في مسألة من مسائله عن تقريرات الشّيخ رحمة اللّه الهندي في كتابه إظهار الحقّ.

ومن جنس ما وقع للشّيخ أحمد ديدات رحمه اللّه, وقع أيضًا للشّيخ الإمام محمّد رشيد رضا رحمه اللّه في مسألة من نوعها, فإنّه ذهب يفنّد زعم النّصارى في إبطال قيامة المسيح من الأموات وقصّة القبر الفارغ, وذكر أنّه على فرض صحّة ما ثبت للنّاس ما رأوه من تجلّي المسيح لهم بعد حادثة الصّلب, فإنّه لا يبعد أن يكون ما رأوه إنّما هو من خيالات وتصوّرات لا يكون وقوعها من جنس الخوارق والمستحيلات وإنّما وقوعها غير مستبعد, ثمّ شرع في إثبات ذلك بقصص واقعيّة وحوادث وقعت في زمانه وذكر رأي الطّب الحديث وعلم النّفس في ذلك, فجاء بعد ذلك من يطعن في تقرير الشّيخ ويقول أنّ الشّيخ الإمام يقول بعدم رفع المسيح وينكر حياته بعد حادثة الصّلب.

ونعود إلى مسألة الصّلب, وقد بيّنتُ أنّ من قال بوقوع الصّلب وأنّه رفع من على الصّليب وهو في حالة وفاة أو إغماء فإنّه متأوّل لقوله تعالى:"وما صلبوه" على أنّ المراد بذلك ما قتلوه على الصّليب, ويستدلّون بأنّ مجرّد وضعه على الصّليب وعدم كسر أعضائه لا يسمّى صلبًا لأنّه في النّهاية نجا من الموت عليه فهو قد نجا من الصّلب, فمعناه أنّه لم يصلب وهذا هو تصديق الآية. والجواب على هذه الشّبهة من وجوه:

أوّلاً: أنّ ذلك متوجّه لو كان ذكر في الآية نفي القتل دون الصّلب, أما وقوله تعالى:" وما قتلوه وماصلبوه", فهو دليل على انتفاء كليهما, أي القتل وكذا الصّورة أو الهيئة التي تؤدّي إلى ذلك, فالآية واضحة في نفي كليهما.

ثانيًا: تأمّل في قوله تعالى:"وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه", ألا ترى أنّهم زعموا القتل, ولو كان حادثة وضعه على الصّليب محتملة كان ردّ اللّه تعالى مقتصرًا على نفي مازعموا من قتله, لكنّ اللّه تعالى ردّ عليهم بنفي ما قرّروه ومقدّمات ذلك, فهم إنّما اكتفوا بقولهم قتلنا, لأنّ القتل عندهم كان بالصّلب, فاللّه تعالى أخبر بنفي ذلك القتل ونفى حصول مقدّماته.

ثالثًا: قوله تعالى:"ومطهّرك من الذين كفروا" ومقتضى الطّهارة وكمالها أن لا يكون في الهيئة التي حصل له بها حال وضعه على الصّليب من إهانة وشتم وضرب وتسمير وتعرية وما تابع ذلك, ومن سلّم له عليه السّلام باعتلائه الصّليب فقد سلّم له بحصول هذه الإهانات والخزي والعار التي هي مخالفة لوعد اللّه تعالى له بالنّجاه والتّطهير من الذين كفروا.فإن قيل نسلّم باعتلائه الصّلب ولا نجزم بحصول تلك الإهانات, قلنا لهم إنّ مصدر اعتلائه الصّليب هو نفس مصدر حصول تلك الإهانات فكيف تفرّقون بينها وقد جاءت من مصدر واحد وهو الكتاب المقدّس ؟

رابعًا: وهو ردّ ثيولوجي, وهو أنّ وقوع الإهانة والألم والشّتم التي هي توابع وضعه على الصّليب هي جزء ممّا يقرّره النّصارى من عقيدة الخلاص وهو الألم والموت من أجل تخليص النّاس من الخطايا, والإسلام جاء بنسف هذا كلّه, فلو حدث اعتلاؤه عليه السّلام الصّليبَ لم تكن حجّة الإسلام قويّة في دحض هذه العقيدة, إذ ردّ مجرّد الموت على الصّليب مع بقاء وجوده على الصّليب لا يمكن أن تكون في معرض الرّدّ القويّ المفحم لعقيدة الصّلب والفداء, إذ قد يكون الإقرار بحصول الصّلب جزء من الإقرار بحصول اللألم والفداء, فتأمّل.

وإلى هنا يتوقّف ما يعتمد عليه عقيدة المسلم من إيمان بالمسيح عليه السّلام, فيكفى المسلم أن يؤمن بأنّه ما قُتل وما صُلب ولكن رفعه اللّه إليه, وبهذا يتعبّد اللّهَ, وليس متعبّدًا أن يعرف ماذا حصل بعد ذلك أو من الذي مات على الصّليب وغير ذلك من توابع المسألة. وما سأضيفه من بيان يفيد في التّحقيق العلمي للمسألة بما يحتاجه الدّعاة إلى اللّه تعالى في هذا الميدان.

بعد أن ذكرتُ اختلاف النّاس القائلين بعدم موت المسيح على الصّليب نعمد إلى مسألة ما بعد الصّلب وما حدث للمسيح عليه السّلام بعده. والقائلون بنظريّة الإغماء اختلفوا فيما حصل للمسيح عليه السّلام بعد ذلك, فقال بعضهم إنّه رفع إلى السّماء بعد إنزاله من الصّليب, وقالت طائفة أنّه عاش حياة عادية وتزوّج من مريم المجدليّة, وقالت القاديانيّة بل هاجر إلى الهند ولم يرفع. والجدير بالذّكر أنّ كفر القاديانيّة ليس من باب أنّهم قالوا بأنّ المسيح أغمي عليه ونجا من الصّلب, فتأويل قوله تعالى:"وماصلبوه" يعني وما قتلوه وإن حصل وضعه على الصّليب ليس تكذيبًا للقرآن ولا يحكم بكفره وإن كان الرّاجح خلافه كما سبق.

أمّا كفر الميرزا غلام أحمد فليس لقوله هذا بالتّحديد, وإنّما بزعمه أنّه المسيح المنتظر وغيره من أقواله الكفريّة, وممّن ردّ عليه وفنّد أقواله وآراءه الشّيخ الإمام محمّد رشيد رضا رحمه اللّه وكفّره, وردّ عليه في مقالات كثيرة ترجمت ونشرت في الهند وانتشرت, إضافة إلى ردوده عليه في المنار منذ بداية أمره, فغضب ميرزا غلام أحمد عليه, فكتب جوابًا هجا فيه الإمام محمّد رشيد رضا وتوعّده بقوله:"سيهزم فلا يُرى", فسخر منه وتحدّاه, وزعم أنّ هذه نبوّة من اللّه فيه وادّعى أنّ الإمام محمّد رشيد رضا يموت قريبًا, فكان من أمر اللّه تعالى أن عاش الإمام محمّد رشيد رضا طويلاً وهلك الميرزا في حياته.

وها هنا سؤال يطرحه الكثير من المعترضين ويحتار فيه الكثير, وهو قولهم كيف تجمعون بين نفيكم لمسألة صلب المسيح وتسفّهون أصحاب هذا القول, ثّم في الوقت نفسه تدّعون أنّ شخصًا آخر صُلب ؟ فأيّ القولين قولكم ؟ هل حادثة الصّلب لم تقع ؟ أم أنّها وقعت لشخص آخر ؟.

والجواب على هذا السّؤال سهل وبسيط, فكلّ ما عمدناه لحدّ الآن هو نفي صلب المسيح عليه السّلام وإبعاده كامل البعد عن هذه الحادثة المزعومة, وما عدا هذا القول فإنّ المسألة تحتمل أمرين: فإمّا أنّ حادثة الصّلب لم تقع أصلاً, وإمّا أنّها وقعت والمصلوب شخص غير المسيح. ومهما اعتقد المسلم من قول فلا يضرّ, وهذا يكفي. أمّا إذا أخذنا الطّريقة الجدليّة لمناقشة النّصارى والاعتماد على الموروث التّاريخي عندهم وهو الكتاب المقدّس, فإنّ الرّأي الأوّل يكون بعيدًا, والثّاني هو الأقرب والميل إليه شرعًا أسلم لأنّه وجه قويّ في تفسير قوله تعالى:"ولكن شبّه لهم".
ويمكن استقراء نصوص الكتاب المقدّس وإثبات أنّ المصلوب المذكور ليس هو المسيح جزمًا وعندي أكثر من عشرين دليلاً على هذا.

وصلت لحدّ الآن إلى أنّ نظريّة إلقاء الشّبه هي أصحّ وأسلم ما في المسألة, وهي إضافة إلى أنّه يمكن الاستدلال عليها من الكتاب المقدّس الموجود حاليًا, إلاّ أنّ بعض الأناجيل الغير المعترف بها عند النّصارى كإنجيل برنابا يذكر هذه النّظريّة بطريقة لا مجال للشّكّ فيها أو التّأويل.

وإذا اعتمد الدّاعية على أنّ الذي صلب هو شخص آخر غير المسيح, فإنّه يمكنه بذلك مسايرة سرد راويات الكتب المقدّسة وتفنيدها جزءاً جزءًا ممّا يساعد على التّشكيك في عقيدتهم, والتّشكيك –كما هو معلوم- أوّل مراحل البحث عن الحقيقة, بل حتّى مسايرتهم في التّسليم لهم بأنّ الذي مات على الصّليب هو المسيح ثمّ الوصول إلى طريق مسدود يدفع ذلك إلى التّشكيك في كبرى عقيدتهم وإيمانهم.

ولو قيل إن سلّمتم بأنّ الذي صلب ومات على الصّليب هو شخص آخر غير المسيح, وتزعمون بأنّ المسيح رفع قبل عمليّة الصّلب, فكيف تفسّرون ظهور المسيح بعد عمليّة الصّلب لبعض تلامذته ؟ والجواب أنّ مصدر هذا الكلام لم يصحّ عندنا إلاّ فيما سلّمناه للنّصارى من إقرارنا لكتابهم ولذلك فهذه لا نسلّم بصحّتها, وعلى فرض صحّتها فليس فيها دليل على إقامته من الأموات, وما رأته مريم المجدلية وغيرها قد يكون ممّا حصل لهم من خيالات وأوهام ظنّت أنّها رأت المسيح عليه السّلام وهذا ليس ببعيد ولا مستبعد, بل ويمكن الاستدلال به من الكتاب المقدّس أيضًا.


واللّه أعلم وصلّى اللّه على محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-02-08, 11:39 PM
أبو سلمةالسلواني أبو سلمةالسلواني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-03-05
المشاركات: 21
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله
أخي أسأل الله لي ولك العلم النافع
أخي أنا لست بشيخ ولا بطالب علم ولكن ممن يجتهدون -قدر الإمكان-
فيما هو معلوم الدين بالضرورة
أخي معتقد أهل السنة و الجماعة أن عيسى عليه السلام حي في السماء
انظر ما رواه البخاري (2476)، ومسلم (155)، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه-.
ولا خلاف بين سائر علماء المسلمين في عدم صلب المسيح، فكيف يختلفون في نجاته إذا كان المسيح لم يصلب أصلاً، وأما الآية "إني متوفيك" فمعناها مستوفيك أجلك بعد نزولك إلى الأرض مرة ثانية، أو ملق عليك النوم ورافعك، ويعبر عن النوم بالوفاة كثيراً في القرآن، ويكون المعنى إني ملق عليك النوم حتى لا تشعر بألم عند الرفع حياً إلى حيث يشاء الله، والسنة في قصة المعراج ذكرت أنه في السماء.
وأما الآية "فلما توفيتني" [المائدة: 117]فلا تعني الصلب بل القبض والأخذ والرفع، ولم يقل عيسى - عليه السلام- فلما صلبتني أو أسلمتني أو صلبني اليهود، والتأكيد على الوفاة ينفي الصلب، أولى بالنصارى أن لا يتمسكوا بالصلب والفدا؛ لأن فيه إهانة للمسيح تتجاوز الحد بحسب النصوص، حيث الضرب والشتم والتحدي والسخرية والتعليق بين اللصوص على الصليب وتمزيق الثياب وطلب الماء وسقياه الخل، وفرار تلاميذه منه، ونكران بطرس علمه به، وتقديم يهوذا الحواري ربه ليصلب، إلخ.. ومع ذلك يزعمون أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، إن الذي أعلى قدر المسيح ونزهه هو القرآن، وللمزيد اقرأ ما يلي:
بين الإسلام والمسيحية – للخزرجي تحقيق أ . د: محمد شامة.
الأجوبة الفاخرة للقرافي تحقيق أ.د: بكر زكي عوض
تخجيل من صرف الإنجيل المسعودي تحقيق أ.د: بكر زكي عوض.
الإنجيل والصليب عبد الواحد داود تحقيق أ.د: بكر زكي عوض
الإعلام بما في دين النصارى القرطبي تحقيق د: أحمد حجازي السقا
تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب: عبد الله الترجمان.
والله أعلم
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 09-02-08, 10:09 PM
أبو سلمةالسلواني أبو سلمةالسلواني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-03-05
المشاركات: 21
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
أجمل رد في هذه المسألة هو للأستاذ فؤاد العطار
-إدعاء علي الجوهري للإغماء- هذا هو الرابط
http://www.aklaam.net/aqlam/print.php?id=910
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 11-02-08, 07:30 AM
زكريا أبو مسلم زكريا أبو مسلم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-07-04
المشاركات: 96
افتراضي

جزاكم اللّه خيرًا..

لكن ينبغي التنبّه إلى أنّه لا يكفّر من قال بالإغماء إن كان متأوّلاً, أو من تأوّل الرّفع برفع المكانة,أو من تأوّل الوفاة بوفاة الموت وإن وافق القاديانيّة, فإنّ تكفير القاديانيّة ليس من قبل قولهم هذا
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:19 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.