ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الطريق إلى طلب العلم

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-02-14, 01:18 AM
أبو مالك السعيد العيسوي أبو مالك السعيد العيسوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
الدولة: السعودية
المشاركات: 823
افتراضي التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه
الحلقة الأولى: لماذا ننادي بالتأصيل العلمي (1)
كتبه: السعيد صبحي العيسوي
Esawi.said@gmail.com
مقال منشور بمجلة المحجة البيضاء العدد 23.
------------------------------
إنَّ الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله؛ فلا مضلَّ له، ومن يُضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أما بعد:
فإنَّ الواقع اليوم يشهد انطلاقة كبرى, واندفاعاً نحو السِّباق العلمي والإبداع فيه ما لم يكن معهوداً في الأيام الماضية مذكراً بحال السَّلف الصَّالح من بعض الوجوه.
كما نلاحظ حركة دؤوبة لبعث تراث الأقدمين وعلومهم محققةً تارة ومختصرةً أخرى ومقربةً ثالثة.
فكان لا بدَّ من ترشيد هذا السِّباق, وتأطيره؛ ليتسنى للطالب اللحاق؛ نصيحةً لطلاب العلم وراغبيه وتقصيراً لأعمار ناشديه.
ثم الناظر في المشهد الحالي وانصراف بعض المنتسبين إلى طلب العلم إلى التسطيح الفكري, والاندفاع نحو سفسطة السياسة بتأويل ونحوه, ليدرك أن ذلك منذرٌ بجيل منضوٍ يكثر فيه التعالم والادعاء وقد بدت بوادره.
لذا كان العزم بإذن الله تعالى في تخصيص ركن لهذا الموضوع وطرح قواعد التحصيل العلمي من تراث السلف رحمهم الله برصد جادتهم وتأمل سبيلهم في نيل العلم الشرعي, سائلاً المولى تبارك وتعالى النفع بها.
ولا زال أهل العلم والمربون والمعتنون بطلاب العلم يحضُّون على التأصيل؛ وذلك لعدة أمور:
1- أنَّ السَّائر في دروب العلم المتشابكة بدون التأصيل كالهائم في ليل طويل بدون دليلٍ؛ وتعترضه المخاطر, وقد يسير في غير السَّبيل.
وعلى النقيض حال من ألزم نفسه التأصيل, فتراه يسير في خطته, ويلمح ويتابع بين الحين والآخر معالم طريقه, وينظر في إنجازاته ومكتسباته, وكذا في أخطائه وتقصيره, فلا يقر له قرار, ولا يستقر به حال, حتى يصل إلى مبتغاه ومناه.
2- أنَّ تجديد الدِّين إنَّما يبدأ بتجديد العلم[1], ولا شك أنَّ ذلك يحتاج إعداداً وتربيةً لا يحتاج إليها آحاد النَّاس.
فالذين يناط بهم مشروع تجديد الدِّين وإعادة رسومه, ليسوا كمن أعدَّ لما دون ذلك, وليس من ربي ليقود كمن ربي لينقاد, فقد ساروا على الجادة المطروقة, التي سلكها النبلاء على مرِّ العصور تربيةً وتعليماً, ولم يتعلَّلوا بضعف التدريس وقلة محاضن التعليم, أو مشاغل الكسب؛ بل سلكوا طريق العصامية, ونَبَوا عن رفقة البطالين.
3- أنَّ العلم الشَّرعي والتفقه في الدِّين ليس سهل المنال لكل راغب, وليس متناً أو كتاباً يحفظه الطالب, ولا كأس ماء يشربُه مريدُه, فيصبح عالماً معمَّماً, فكان الاعتماد على تأصيل التلقي, والسير على درب السابقين في التحصيل, فكما أن للسَّلف طُرُقاً لتقرير العقائد, وتبيين الأحكام الشَّرعية, فإن لهم طرقاً ومناهج لتحصيل العلوم, وتأصيل الطلاب, وهذا يتضح جلياً عند الاطلاع على تراجمهم, وكتبهم التي ألفوها لتنشة طلاب العلم وتيسير سبل نيله.
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في منظومته:
وبعد فالعلم بحور زاخرةٍ *** لن يبلغ الكادح فيه آخره


لكنَّ في أصوله تسهيلاً *** لنيله فاحرص تجد سبيلاً


اغتنم القواعد الأصولا *** فمن تفته يحرم الوصولا

4- أنَّ التَّأصيل العلمي يساعد على تنشئة طالب العلم تنشئةً متوازنةًمستقرةً عبر مراحل مرسومة, وقد قيل: "إنَّ الانسياب الموزون وليد المركز الثَّابت".
فالبدايات المستقرة والمتقنة والمرتبة تخرج طالب علم مستقراً ومتزناً علمياً وعملياً, وتقيه المزالق والعثرات, فكما أن البناء يبدأ بخارطة, فكذلك الطالب لا بدَّ له من خارطة يحسن تصورها.
فسلامة النهاية من سلامة البداية وقوتها, وإن الساعي في طريق العلم بدون تخطيط ولا منهج ساعٍ في وأد نفسه؛ بل في إجهاض مسيرة الرَّاسخين.

5- أنَّ فتح باب التأصيل هو عينه قطع الطريق على المتعالمين.
فإن المتعالمين جروا على أمتهم ويلات, وعلى تاريخهم من مخازٍ, ينبو عنها الأريب, ويستعيذ منها الحكيم.
فشتان بين عالمٍ متأصِّل ربَّاه العلماء, وتأدَّب بآدابهم, وهضم علومهم, وبين خنفشاري ولهان, يرجح بلا مرجح, ويتكلم بغير خِطام ولا زمام, فلا دليل يفهمه, ولا قاعدة يتقنها, كلُّ العلوم لديه سهلة, وكلُّ الحلول لديه مقنعة.
وأقرب وصف له كقابض على قطعة ثلج في حرِّ الرَّمضاء, وقد سالت من فروج أصابعه, غُرَّ بأشباح المعارف, وزجَّ به أشباه الطلاب.
فكم ترى في كتاباتهم وثنايا سطور صفحاتهم وفلتات ألسنتهم من (قلنا), و(حققتها), و(أفتينابكذا), و(أنا ...وأخواتها)...بما لا يتطلبه سياق الكلام واتساقه.
ناهيك عما تراه عينك من تأسُّد بعض طلاب العلم (الفوضويين) أصحاب العلوم التكميلية[2], ممن ملكوا زمام الخطابة, وكذلك رجال المحافل, وما أحدثوه من فوضى وإسهال الفتوى, فبتَّ تسمع شاذ الفتاوى ومستنكرها! مما هو أقرب إلى الخبط والزَّلل.
6- أنَّ فاقد التأصيل في تلقي العلوم الشرعية يحصل له التَّلفيق والتَّناقض, وينعكس ذلك على مسالكه العلمية والمنهجية فيما بعد, فتراه متخبطاً في الفتوى, محتطباً في أرض السباع.
وقد ابتلانا الله برؤية أقوام من المقلدة, رفعوا أولئك النَّفر المختلطين, وظنوهم علماء ربانيين, وهم أبعد ما يكون عن العلم والربانية. ومع اختلاط المصطلحات وتداخلها, عدَّ بعض الطلاب شذوذهم تحقيقاً وتخليطهم ترجيحاً.

وفي العدد القادم بإذن الله تعالى سوف تكون وقفتنا مع القاعدة الأولى من قواعد التأصيل, وهي: (التدرج سنة السلف في التلقي), وهي سُنَّة طيبة ومسلك حسن في إدراك العلوم, فإن مَنْ فقدها في التحصيل, وتردد بين المناهج العلمية وتعجل النهايات بلا منهج متأنٍ مُرَتَّبٍ, ونَفَسٍ طويلٍ لن يصل لمراده, كما أنَّ هذه القاعدة اتخذها متكأً تبريرياً, ليبرِّر به تأخره في التَّحصيل.




[1]انظر مفهوم العالِمية, ص12.

[2]وأعني بهم من اشتغلوا بالعلوم التكميلية كالأدب, والتاريخ, والسير, والرحلات... من العلوم التي إن لم تكن من مُلَح العلم ومكملاته فهي من ترف الفكر وترويحه, وعليه فلا يليق بمن هذه الأشياء كل علومه ومخزونه أن يتصدر المحافل ويتنمر في المجامع, ويتخذ القصص والْمُلَح للتَمَنْبُر سلماً, لأنه على أمد بعيد يقصده الناس, ويجعلونه إماماً.



__________________
صفحتي في صيد الفوائد: http://saaid.net/Doat/esawi/index.htm

حسابي في تويتر:
@esawi_said
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-04-14, 11:52 AM
أبو مالك السعيد العيسوي أبو مالك السعيد العيسوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
الدولة: السعودية
المشاركات: 823
افتراضي رد: التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

بسم الله الرحمن الرحيم
التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه (2)
التدرج سنَّة السَّلف في تلقي العلم
السعيد العيسوي
Esawi.said@gmail.com
منشور بمجلة المحجة البيضاء العدد (24).

القاعدة الأولى: التدرُّج سنَّة السَّلف في تلقي العلم:
لا شكَّ أنَّ التدرُّج في نيل العلم من أبرز معالم فقه السِّلف, بل هو سنَّة شرعية وكونية.
وقد قال الله تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) [الإسراء: 106].
يقول العلامة عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى-: "على مهلٍ، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه".
أما من فقد هذه السُّنَّة المباركة في التحصيل, وتردد بين المناهج العلمية وتعجل النهايات بلا منهج متأنٍ مُرَتَّبٍ ونَفَسٍ طويلٍ لن يصل لمراده, كما أنَّ العاجز وضعيف الهمة -ممَّن يجعل التَّدرُّج متكأً تبريرياً, ليبرِّر به تأخره في التَّحصيل، وتخلُّفه في العلم- لن يصل كذلك.
فالمنهج المُرَتَّب, والنَفَس الطويل من أهم ما يجب أن يتحلى به السالك؛ لأنَّ عوائق الفهم, ولغة العلم, والمصطلحات العلمية, والنِّقاشات, تصدُّه من قريبٍ, لكنَّ السَّائر على منهج السَّلف في التدرُّج يوقَ هذه العثرة, ويسهل عليه فهم وتصور العلم وعباراته, ودرك النِّسب بين فروع العلم؛ لأنَّه ابتدأ الفنَّ عامِّياً, ثمَّ ترقَّى فيه, فترتبت لديه المسائل والأفكار, فتهيأ لحمل الأمانة العلمية, ومثله خليقٌ بأن يُستأمن على تراث الأمَّة العِلمي, وتبليغه.
يقول الشوكاني رحمه الله:
فإنك إذا ترقيت من البداية التصورية إلى العلة الغائية التي هي أول الفكر وآخر العمل, كنت فرد العالم, وواحد الدهر, وقريع الناس, وفخر العصر, ورئيس القرن, وأيُّ شرف يسامي شرفك, وأيُّ فخر يداني فخرك, وأنت تأخذ دينك عن الله وعن رسوله, لا تقلد في ذلك أحداً, ولا تقتدي بقول رجل, ولا تقف عند رأي ولا تخضع لغير الدليل ولا تعول على غير النقد( ).


ومن تأمل حال كثير من متفقهي زماننا, ممَّن جمع كتاباً واثنين في فنِّ من الفُنون, ثمَّ لا يلبس إلا أن تراه لابساً ثوب التَّحقيق العِلميّ وعباءة الإفتاء, ملتحفاً بثوب ليس ثوبه, يُزعم فيه أنَّه فقيه البلدة وعالمها, وتراه لا يُحسن أن يفرق بين مصطلحات العلم المختلفة, تَغُرُّه الأقاويل, ويُخدع بالتهويل, ولا يحسن تصور المسائل, أو يتصورها على غير وجهها, فمثل سيره في العلم كطائر بجناح مستعار, فهو واقع لا محالة, ولا يدري أهو واقع على أرض سبخة أم في نهر, فترى تقريراته عجاب, وأحكامه غلاظ شداد.
وكان الأَوْلَى بهم النُزوع مِنَ المَنْزَع, وحمل العلم من الأصل والمنبع, واتباع سنة السلف في التلقي.
وممَّا يُعارض سنَّة التَّدرُّج في التَّلقي:
1- الحرص على الإغراق في كل جزئية من فروع العلم في ابتداء التعلم:
والأولى هو ضبط الأصول قبل الشروع في الفروع, والتركيز وإتقان متن مختصر قبل الغوص في تفاريع التصانيف.
2- حرص المبتدئ على المجالس التي تعنى بالتفصيل الكثير, فيقطع الفيافي والأوقات؛ حرصاً على التتلمذ على العالم المسهب في الشروح, وهذا يضيع وقته, ويغرُّ بنفسه.
كما يجب على العالم أن لا يستوعب جميع ما بحثه في مجالسه, أو يذكر كل ما أداه إليه بحثه, فالعالم إنما يُعطى ما يحتاج إليه السَّامع, ولا يعطي ما هو فوق مقدار السامع.
والأَوْلى بالعالم أنْ يكتفي بالتَّسهيل والتَّفهيم, وذكر القواعد, ويحرص على منح الآلة العلمية, والملكة الفقهية للطالب, شيئاً بعد شيء, مستعملاً التَّدرج, كما قال تعالى: (ولكن كونوا ربانيين) وهو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
وقد كان كثير من العلماء لا يعلق على المتن إلا بكلمات يسيرة, أو ذكر استشكال بسيط يثير ذِهن الطالب, ولا يخرجه عن روح الكتاب ولبِّه, وإنما يثير مسائل بسيطة على الكتاب؛ لأن مقصد العالم إنَّما هو تفيهم الطالب المتن أو الكتاب, لا حشو ذهنه بجميع مسائل العلم في هذه المجالس.
ولما كثرت الاستفاضة وبولغ في الحواشي والشروح عزُب عن الطالب درك مرام المصَنِّف, وفهم عبارات المصنَّف.
وقد رأيت بعض الشيوخ يشرح بعض الكتب بإسهاب وإطالة, مما يجعل المتن الصغير سِفراً ضخماً, ثم رأيت هذه الكتب وقد شرحت في عدة مجالس, فتأملت مجالس الشيخ الأول -المستفيض- قد خرج عن لبِّ الكتاب, ونَفَس المصنِّف, ونكهة مؤلَّفه.
وأما من حصره فكان مسلكه حسناً حيث نبَّه على غوامض المعاني, ودقيق المباني, ووضح ما يعسُرُ فهمه, ويعِزُّ ضبطه؛ ولم يسهب إلا تفهيماً أو اعتراضاً أو استدلالاً.
ثم هذا الطالب الذي تعلم بهذه الطريقة الجادة تقوى نفسُهُ على المواصلة, وتتطلع همته للمزيد, ولا يهاب العلوم هيبةً مانعة من الاقتراب منها, أما بالنسبة لما فاته من التفصيل والاستطراد هنا, فسيحصله في الكتاب الآخر.
وعلى معلمه أن يكلفه بالاستزادة من الشروح على أن يكون جهداً ذاتياً بحثياً, ليثير ملكة البحث والجمع عنده, وهذا فارق كبير بين عالم مرب ينقل الملكة ويسلم مفاتيح العلوم, وبين عالم مركزي لا مصدر للطالب غيره, ولا مرجح لديه إلا ما رجحه, فقصارى أمره إلى التقليد مستقبلاً, ويصير غريباً بين الكتب إلا أن يتداركه الله برحمته فيتعلم على آخرين, ويشام العلماء الحاذقين.
فالتدرج مع حسن اختيار المعلم الحاذق من أكبر أسباب الثبات في طلب العلم, وفي مأمن بإذن الله تعالى من التوقف أو السآمة.
يقول المناوي رحمه الله: "طالب العلم المتلذذ بفهمه لا يزال يطلب ما يزيد التذاذه ، فكلما طَلَبَ ازداد لذةً؛ فهو يطلب نهاية اللذة ولا نهاية لها"( ).
هذا وما كان من صواب فمن الله وحده, وما كان من خطأ أو زلل أو سهو فمني ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء.
__________________
صفحتي في صيد الفوائد: http://saaid.net/Doat/esawi/index.htm

حسابي في تويتر:
@esawi_said
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-05-14, 12:36 PM
أبو مالك السعيد العيسوي أبو مالك السعيد العيسوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
الدولة: السعودية
المشاركات: 823
افتراضي رد: التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

الحلقة الثالثة من التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه
كتبه: السعيد صبحي العيسوي
مقال منشور بمجلة المحجة البيضاء العدد (25).
Esawi.said@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فنواصل في هذه الحلقة الثالثة, القاعدة الثانية مما استقرئ من سُنن أهل العلم في التأصيل العلمي وبناء طالب العلم, وهي:
القاعدة الثانية: العلم سلفيُّ المصدر والوسيلة:
ذلك أن التَّفقّه الحقيقي هو ما كان على سنَّة السَّلف في التَّعلم, إذ هو سلفي المصدر والوسيلة.
وحقيقة العلم الشَّرعي أنَّه ميراثٌ نبويّ, تضافرت عليه أذهان العلماء والفقهاء, وحظي باهتمام بالغٍ عبر القرون, فتلاقحت فيه العقول تهذيباً وتنقيحاً, وصار لتعلمه جادة مطروقة, وسبيلاً مسبلة.
فلا يتأتى لمتأخر عنهم بمثل ما أتوا -تأصيلاً أو تفريعاً- إلا أن يكون من طريقهم, ومن فهمه لسنتهم في التعلم؛ إذ العلم سلفيُّ المصدر والوسيلة.
وهنا يجب أن يحذر طلاب العلم من بدعة تسلَّلت إلى الطلاب, وشابها هوى خفي وداعٍ نفسي, وهو ما عبر عنه بـ(الموضة العلمية), وهي تمكُّن هوس المجاراة من بعض الطلاب, فساروا يركبون الموجة, ويتابعون (الموضة) فإن كانت في القراءات كان قارئها, وإن كان في علم المصطلح كان محدثها, وإن كان في الإجازات راوده حلم (مسند عصره) و(وحيد قرنه), مما يقدح في الإخلاص والنِّيَّة.
ومثله أيضاً: من رغب عن التَّحصيل على طريقة التَّأصيل إلى الإغراق في دراسة الواقع والتعمق فيه, فإن كانت الخلافات بين السُّنَّة والشِّيعة تعمق في الدراسة في كتب هذا الموضوع, وكذلك مثله في الجماعات والمذاهب الأخرى, فجعل تخرجه على هذه الكتب على حساب التمكن العلمي, وسلوك الجادة المطروقة.
فآل الأمر إلى التَّثقُّف لا التَّمكُّن, فكان انتساب كثير منهم إلى العلم عاريةً, وادِّعاءً لا ملكة, وأضحى أمر مجالس العلم متأثراً بالأحداث والنَّوازل, مشحوناً بالتكلُّم لا التعلُّم, وهذا بعيد عن سنن الرَّاسخين.
نعم, يجب أن يلمَّ الطالب بالنَّوازل ومعرفة الخصوم, ويتعمق في نقض مذاهبهم المخالفة, لكنَّ هذا ليس لمبتدئ ولا متوسط في العلم.
ومثله أيضاً ما شاع بين الطلاب من إضفاء الألقاب, والتنمر بالكنى والأنساب.
ما يصدق عليهم قول الشاعر:
مما يزهدني في أرض أَنْدَلُس ... أسماء معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهرَّ يحكى انتفاخًا صولة الأسد
ومن أهم الأمور التي يجب أن يعنى بها ناشد التأصيل, وطالب درجة العالِمية مما يتعلق بسنة السلف في التلقي:
1- التفقه عبر المذاهب المتبوعة:
وهو سلوك المتفقِّه أحد المذاهب المتبوعة في بداية طريقه ليتخرَّج عليها؛ فتكتمل نظرته لمسائل الفقه, وتنضبط لديه المسائل والدلائل, فيكون التَّمذهب للدراسة لا للتعصب والتقليد, فإنَّ طالب الملكة الفقهية والاجتهاد لا بدَّ وأن يكون نظره مسلطاً على الأدلة دائماً, وللتعصب والتقليد مجانباً.
ومن تأمل كلام الراسخين وعبارتهم في العلم وجد هذا حالهم, فلم يكن التمذهب داعياً لنبذ الدليل الثابت أبداً, وقد سألت شيخنا الفقيه عبد الله بن جبرين رحمه الله, هل أنت -يا شيخنا- حنبلي؟ فأجابني -رحمه الله-بقوله: "درسنا مذهب الحنابلة, وإن بدا لنا الحقُّ في غيره اتبعناه".
فعلى طالب العلم أن ينطلق في مبتدأ أمره من أحد المذاهب المتبوعة, والجادة المطروقة, فيتقن مسائله وفروعه وأدلته, ثم يجمع إليه المذاهب الأخرى ويناقش الأدلة والمسائل, مع الإلمام والاتقان لأصول الفقه, وسلوك جادة العلماء في الجمع والترجيح, فهنا يستفيد الطالب إتقان المسائل وحسن تصورها، فهي مجموعة في كتب وأبواب مقرونة بأحكامها.
ومن فوائد الدراسة المذهبية: أن دارس الفقه عبر أحد المذاهب المتبوعة تخرجاً وتفقهاً يُرزق سريعاً لغة الفقهاء, ويتعرف على مصطلحاتهم.
إضافة إلى أنَّ أكثر العلماء والمجتهدين الذين كانت لهم الرِّيادة, والذِّكر, بعد اشتهار المذاهب الأربعة, لم يخل أحد منهم من التَّخرج على أحد المذاهب الأربعة -الحنفية والمالكية والشَّافعية والحنابلة رحم الله الجميع- فابن حزم مثلاً تخرج على مذهب الشَّافعية, وابن تيمية تخرَّج على مذهب الحنابلة, والشَّاطبي تخرج على مذهب المالكية...
فهي طريقة عامَّة للمتفقِّهين الذين كانت لهم إمامةٌ في الدِّين.

وللتمذهب تاريخ طويل, فقد كان أمر الناس إلى السداد والسلامة واتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الصدر الأول رضي الله عنهم, ولم يكن للناس إماماً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا كتاباً إلا كتاب الله تعالى, وكانت الحال سارية على السَّداد فيمن بعدهم من القرون وفيها الأئمة الأربعة, فساروا على نهج أسلافهم, من الامتثال للدَّليل ونشر الخير والعلم وإفتاء النَّاس, فصار لهم الأتباع والطُّلاب, ومن هنا بدأت معالم العصبية والحمية لمذاهب الأئمة تبرز, وصارت المنافسة والتسابق في نشر المذاهب والتأليف فيها, فآلَ أمرُ النَّاس إلى قسمين:
القسم الأوَّل: منتسبٌ إلى ذلك الإمام, اتخذه مستدلاً, واقتنى كتبه لمعرفة استدلاله, وعرضها على الوحيين, فما وافق الدليل أخذه, وما لا فلا, مع الاستفادة من فقه علماء أهل السُّنَّة, ودعا إلى الوفاق ونبذ الشقاق, وعقد لاختلافهم "مجلس المناظرة والشورى" إلى الأدلة الشرعية, وفي عُقْدَةِ رَأْيِهِ: التسليمُ للدَّليل, وَلِمَا قام على ترجيحه الدَّليل.
القسم الثَّاني: متعصبٌ ذميم, أخلد إلى حضيض التقليد, ولم يدر ما يبدئ في الفقه, وما يعيد, هجر القرآن والسُّنَّة, ونَصَبَ إمامه غير المعصوم مَحِلَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم المعصوم, فجعل "متن المذهب" له قرآناً, و"شروحه" سنةً, حتى بلغ حال بعضهم أنَّ (الحنفي) لا يصلي وراء (الشافعي), ولا يزوِّجه وأنَّه بمنزلة الذميِّ.
وقول بعضهم: (كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة...).
وقال الصَّاوي في حاشيته على الجلالين:
(ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة, ولو وافق قول الصحابة, والحديث الصحيح, والآية, فالخارج عن المذاهب الأربعة ضالٌّ مضلٌّ, وربما أداه ذلك للكفر, لأنَّ الأخذ بظواهر الكتاب والسُّنَّة من أصول الكفر) انتهي بلفظه.
فهذا فريق تباعد عن الكتاب والسنة فضلَّ الطريق, ومالَت به العصبيةُ ذات الشِّمال وذات اليمين, فعظُمت بهم المِحنة والأزمة.
فصار التجاذب بين داعيين: داعي الدليل الأحق, وداعي التقليد الأعمى الأصمّ.
فهذه نبذة مختصرة عن أصل التَّمذهب ومنشئه, وما آل إليه أمرهم, إلا أن بقايا من أهل العلم كانوا على ما كان عليه الأئمة الأربعة -رحمهم الله- حتى عصر الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم-, لقِّبوا بـ(أهل الحديث), فأحيوا سنن السابقين ولم ينالهم وباء التعصب الممقوت, فترسَّموا خطى النُّبوة والرِّسالة, وقفو آثار الصحابة والتابعين, فكانت أعينهم على الدليل الشرعي الثابت, تعلماً وتعليماً واستدلالاً, ولم يجعلوا الخلاف مثاراً للتأثيم والتشنيع على صاحب القول المرجوح, فقد يكون خطأ يحتمل الصواب.
فإليك يا من أردت الانتساب والتمذهب بأحد هذه المذاهب المتبوعة أن تحذر أن تكون ممن أعماهم تعصب الانتساب, واجعل ذلك الإمام ومن لحقه على مذهبه أدلاء لك إلى الدَّليل.
واعقد قلبك على أمور ثلاثة:
1- كتب المذاهب دليل لك إلى فهم الدليل.
2- اجعل الدليل لك غاية ومطالباً, وذخراً, ومدخراً, وعلماً, وعملاً.
3- حذارِ من الوقيعة في أئمة العلم والدِّين.

2- الدُّربة على الاستنباط:
لا شك أنَّ من أراد اتقان صنعة فإنَّه يكثر من الدربة عليها, ليعتادها وتألفها جوارحه, وتدركُ نفسُه مكامنها, والأمر نفسه مع صنعة الفقه؛ بل هو أعظم الصنائع.
وعماد صنعة الفقيه هي الاستنباط من الكتاب والسنة, وتنزيل مقتضى النُّصوص الشَّرعية على الواقع بما يناسبه.
يقول الله -تعالى-: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (النساء: 83).
يقول النـَّــووي -رحمه الله تعالى-: الاعــتنــاء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة; لأنَّ النُّصوص الصَّريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، وإذا أُهمــل الاستنــباطُ فات القضاء في معظم الأحكام النازلة, أو بعضها( ).
لذا كان على طالب الملكة الفقهية من الدربة الجادة على الاستنباط, واستمطار الأحكام من النصوص بغير تكلف.
ومما يستعان به على ذلك المراس بالتفكُّر في النصوص وملازمة النظر إلى شواهد الحال واعتبار المصالح, فهذا مما يورث قوة في الفقه شبيهة بقوة المهنة التي يحصلها أهل الصناعات المختلفة كلما تقدم بهم الزَّمن.
فقوة الحاسَّة الفقهية عند المجتهد والفقيه عموماً تمكِّنُهُ من استخلاص الحلول, وسبر آراء العلماء, واستظهار مواقف المجتهدين بسهولةٍ بالغةٍ؛ لمعايشته لأصولهم, وإدراكه لأسباب ومكامن تعدد أوجه الرَّأي في المسالة محلِّ النَّظر, وإن لم يَسبق له الاطلاع عليها.
وفي الختام أسأل الله تعالى التوفيق والسداد.
__________________
صفحتي في صيد الفوائد: http://saaid.net/Doat/esawi/index.htm

حسابي في تويتر:
@esawi_said
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-05-14, 12:41 PM
أبو مالك السعيد العيسوي أبو مالك السعيد العيسوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
الدولة: السعودية
المشاركات: 823
افتراضي رد: التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

روابط الأعداد:
العدد الثالث والعشرون من المحجة البيضاء
http://albasira.net/cms/play.php?catsmktba=11279

العدد الرابع والعشرون من المحجة البيضاء
http://albasira.net/cms/play.php?catsmktba=11489

العدد (25).
http://albasira.net/cms/play.php?catsmktba=11624
__________________
صفحتي في صيد الفوائد: http://saaid.net/Doat/esawi/index.htm

حسابي في تويتر:
@esawi_said
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04-05-14, 03:40 PM
محمود صلاح محمد محمود صلاح محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-07-09
الدولة: المنصوره
المشاركات: 108
افتراضي رد: التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

نفع الله بك شيخنا
__________________
وكن رجلا إذا أتوا بعده ... يقولون مر وهذا الأثر
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-05-14, 12:25 AM
أبو مالك السعيد العيسوي أبو مالك السعيد العيسوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
الدولة: السعودية
المشاركات: 823
افتراضي رد: التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

وبكم أخي الفاضل شيخ محمود
__________________
صفحتي في صيد الفوائد: http://saaid.net/Doat/esawi/index.htm

حسابي في تويتر:
@esawi_said
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 09-06-14, 02:36 PM
أبو مالك السعيد العيسوي أبو مالك السعيد العيسوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
الدولة: السعودية
المشاركات: 823
افتراضي رد: التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

الحلقة الرابعة
منشور بالعدد 26 بمجلة المحجة البيضاء
القاعدة الثالثة: أنَّ هذا العلم دِين.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه:
فاليوم موعدنا مع حلقة رابعة ومع قاعدة جديدة مما استقرئ من كلام السَّلف رحمهم الله, وهي: أنَّ "العلم دِين".
وقد تضافرت الأدلة على الحثِّ عليه والأمر به, والثناء على طالبه؛ فصار عبادة.
وإذا تقرر كونه عبادة, فينبني على هذا أمور:
أولها: طلب العلم للتعبد لا التثقف والجدال:
فإنَّ غاية أمر العلم أن يكون دالاً وهادياً إلى عبادة رب العالمين -سبحانه-, وليس كلاماً ونقولاً تصخَّ المسامع في كظيظ المجامع, بلا غاية عملية تهدي الطالب والسَّامع, بل المؤمل منه أن يأخذ بناصية الطالب إلى التَّعبُّد والتألُّه, وإلا فهو رسمٌ وعاريةٌ, وما أكثر ذلك في زماننا.
وعلامة طلبه للتعبد:
1- أن يفوق قَسْمُ الطالب من العمل قَسْمَه من الدعاوى والتَّحديث, وإلا فما أكثر من يتحدث به ويدعي تحصيله, وأقل من يعمل به.
2- التغاضى عن زهرة التَّنظير وحلاوة التَّسميع, إلى الدلالة على العلم والعمل, وتحصيل النافع لأمَّته.
ومن مقاصد طلب العلوم ما ذكره الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:
كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى( ).
ومما ينبغي الحذر منه والفرار ما نراه من بعض طلاب العلم الذين دب إليهم الولع بمجامع النَّاس, ومجالس الحوارات التي يحضرها من تسمَّوا بالمفكرين وأنصاف المتعلمين, التي تجعل الحوار لأجل الحوار والتنظير للتنظير, فإنَّ هذه المجالس بها نشوة خفية, ورغبة متوارية, تدفع بهم إلى حيث تُضفى عليهم الألقابُ, وتتهافت إليهم الأبصار, وليس هذا صنيع العالم الثابت الراسخ.
وعلى طالب العلم في أول أمره وآخره أن يكون سالكاً للمحجَّة الواضحة, والسبيل المطروقة والجادة المسلوكة لا يعدل عنها, ولا يلتفت إلى سواها, وما نراه الآن من تصدر الطلاب في مقتبل عمرهم وبداية تحصيلهم من مجالس الجدال والحوارات, وعبر منابر التعبير عن الرأي, فهو مؤشر خطير, وينذر بأمر يجب تداركه.
ولئن كان أهل العلم ينأون عن الخوض والجدال إلا لفائدة, وبالتي هي أحسن, فكيف بطالب في مقتبل عمره, ولما تزهر وردة عمره؟.
فإن الجدال واللجاج يورث الضغائن والأحقاد, ومن كان هذا شأنه في أول أمره فلن يفلح إلا أن يتغمده الله برحمته.
وجماع الأثر السيء المترتب على إقحام الناشئة في الجدال وغرائب المسائل, يظهر في كونه:
1- خروجٌ عن جادة السَّلف في التَّحصيل, إذ جادتهم في ذلك أن يبتدأ بحسن السماع والتلقي.
2- سببٌ لارتعاش فقه الطالب, وعدم وجود مسائل متفق عليها في ذهنه؛ لأنه ابتدأ علمه ناقداً, وكلما سمع مسألة تبادر إليه الإشكال فاعتاده, وصار له سجية, فكان حظ الشبهة والإشكال أعلى من حظ قرار العلم وفهمه.
3- وأدٌ لعمر الطالب, وضياع مشروعه العِلمي, فإنَّ الجدال والنقاش يستغرق الأوقات, ويذهب بأوقات الصفاء الذهني في الرد والتَّعقيب.

ثانيها: تعظيم العلم وإكرام أهله وطلبته:
ذلك, أنَّ إدراك العلم منوط بتعظيمه, وتعظيمُه لكمال هيبته ومكانته, فإنه من أشرف المعارف, وأولى ما شمر لإدراكه مشمر, وأولى ما تفرغ لنيله طالب, كما أن تعظيمه لعزة جنابه, إذ يستمد عظمته وعزته من عزة القرآن والسنة.
وعلى قدر تعظيمه يرسخ في القلب, وعلى قدر العناية والرعاية له يجل قدر حامله, ويكون أرجى لثباته واتقانه, فثباته في الفؤاد منوط بتعظيمه ورعايته.
وأقبِحْ بطالب عريٍّ عن تعظيم العلم وإكرامه, فلا يرى له حرمة وفضلاً, ولا فرق عنده بين كتاب علم وأدوات دبَّاغ!!.
وإذا تأملت واقع كثير من طلاب العلم, رأيت العجب, فترى مادَّ رجليه في وجه معلمه!, وآخر شغله جواله!, وثالث يقضم الأظفار, كأنما ملَّ الحديث, وسئم الأسفار!, فأين هؤلاء من تعظيم العلم وإكباره؟!.
ورأيت في بعض المجالس من يتصفح (الانترنت) في المجلس!, وآخر دخل المجلس فرمى الكتاب وهو واقف, ليتنفل فأحدث ضجة عظيمة!, فأين هؤلاء من تعظيم العلم تكريم أوعيته وهي الكتب؟!.
ومن عدم التعظيم للعلم الغفلة عن التدبر في ألفاظه ومعانيه واستنشاق جميل أثره في القلب.
وانظر إلى لطيفة نبَّه عليها القرافي -رحمه الله تعالى- حيث قال:
ولا ينبغي أن يضع هذه اللفظة ونحوها (يقصد عبارة: الله أعلم) إلا ناوياً بها ذكر الله تعالى, فإن استعمال ألفاظ الأذكار لا على وجه التعظيم والذكر لله تعالى قلة أدب مع الله –تعالى- فينهى عنه, بل ينوي به معناه الذي وضع له لغة وشرعاً( ).

هذا والله تعالى أعلم, وصل الله وسلم على نبينا محمد وآله.
__________________
صفحتي في صيد الفوائد: http://saaid.net/Doat/esawi/index.htm

حسابي في تويتر:
@esawi_said
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12-08-14, 07:42 PM
أبوعبدالله سلطان السبيل أبوعبدالله سلطان السبيل غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-11-12
المشاركات: 226
افتراضي رد: التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

أبدعت وأمتعت متع الله بك
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 18-08-14, 03:15 PM
أبو مالك السعيد العيسوي أبو مالك السعيد العيسوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
الدولة: السعودية
المشاركات: 823
افتراضي رد: التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

جزاكم الله خيرا أخي سلطان. وأمتع الله بك ...
__________________
صفحتي في صيد الفوائد: http://saaid.net/Doat/esawi/index.htm

حسابي في تويتر:
@esawi_said
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 19-08-14, 02:02 PM
أبو مالك السعيد العيسوي أبو مالك السعيد العيسوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-05-10
الدولة: السعودية
المشاركات: 823
افتراضي رد: التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه... موضوع متسلسل

الحلقة الخامسة من التأصيل العلمي ضوابطه ومسالكه:
كتبه: السعيد بن صبحي العيسوي

منشور بالعدد 27 من مجلة المحجة البيضاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فنواصل في هذه الحلقة ما ابتدئ من ضوابط وقواعد التأصيل العلمي.
القاعدة الرابعة: ملازمة الشيخ الناصح:
يقول الله تعالى: {وإنك لتلقى القرآن}, فلا بدَّ من التَّلقي على العالم لبلوغ العلم, أي أن يلزم الطالب عالماً فقيهاً, شهد له العلماء بتمكنه, لأنَّه سيورثه الفقه, ويرزقه مفتاح العلم, وينمي ملكة الاستنباط لديه.
ومن شواهد ذلك: أننا نرى كثيراً من العلماء عاب على بعض المنتسبين إلى العلم قلة التلمذة على الأشياخ, فأورثهم بعض المزالق العلمية.
وملازمة العالم لا تكون يوماً في الأسبوع فقط لمدة عامٍ واحد، بل يختلط به كثيراً, ويسمعه كثيراً, ويتفاعل معه بحثاً ونقاشاً, حتى يستوعب معالم فقهه, حتى يصل الطالب لدرجة التنبؤ بجواب الشيخ قبل جوابه (الإلمام بطريقته). وكذلك يعرض عليه أسئلته -ولو في ورقه بعد الدرس-, وطالب العلم الحقيقي لا بدَّ أن يكون عنده إشكالات علمية.
وبعد أن تيسرت سبل الاتصال, أن يحصل على دروس العالم عبر شبكة (الإنترنت) إن تعذر لقاءه, ويتفاعل معه أيضاً, وإن نأت الديار.

صفات الشيخ الذي يلازمه الطالب:
ذكر أهل العلم -رحمهم الله تعالى- علامات وأوصافاً, يجب أن يتصف بها الشيخ الذي يلزمه الطالب ويأخذه عنه دينه.
وقد دعت الضَّرورة إلى وجوب التروي والنَّظر في حال من يؤخذ عنه العلم, فلئن كان البحث عن الأم الصالحة للابن أمراً شرعياً, فإنَّ أبوة العلم آكد من الأبوة الطينية, لأنَّ مواريث الأخلاق والخصال من أشد الأشياء لصوقاً بالمرء.
• فكم رأينا من عالم أورث طلابه التعصب لآرائه, والتحزُّب لها, مع أنه من أبعد الناس في نظر نفسه عن الحزبية, فلم يربهم على الانقياد للدليل, والدوران في فلك التجرد للوصول إلى الحق.
• وكم رأينا من عالمٍ أورث طلابه التحري في العلم والصبر على المعلومة, فكان في كلامه نور وفي ترجيحاته بركة.
• وكم من عالمٍ ربى الطلاب بسمته وحسن دلِّه.
• وكم من عالمٍ هجره طلابه والناس لسوء السريرة, وخبث الطوية, والقيل والقال.

1- أن يكون عالماً بالكتاب والسنة:
يقول سفيان ابن عيينة رحمه الله تعالى: "العالم الذي يعطي كل حديث حقه" . ويقول ابن الماجشون رحمه الله: كانوا يقولون: لا يكون إماماً في الفقه مَن لم يكن إماماً في القرآن والآثار، ولا يكون إماماً في الآثار مَن لم يكن إماماً في الفقه .
2- أن يكون ممن حصَّلوا الملكة الفقهية:
فالملكة الفقهية هي غاية مراحل الطلب, وزبدة مسيرة العالم.
وهي: الصفة الكسبية التي بها يكون العالم فقيهاً في أحكام الشريعة أصولها وفروعها, ولا يكون له ذلك إلا إذا تحقق بالعلم وصار له كالوصف المجبول عليه, وفهم عن الله مراده, ومعناه أنه تفرغ لاكتساب العلم وطلبه وقطع كل أشواط الطلب حتى تحقق بالصفة تحققاً لم يعد له فيها من كلفة, أي أنه صار متمكناً من المنهجية العلمية في البحث والتفكير؛ حتى صار يمارس ذلك بنوع من التلقائية, وهي المعبَّر عنها عند الفقهاء بالملكة, وإنما هي: خبرة منهجية في معالجة النصوص الشرعية فهماً واستنباطاً, وتحقيق مناطاتها تنزيلاً, وهو معنى "الفقه في الدين" بمعناه الكلي فهماً وتطبيقاً, كما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" .
ويقول الإمام الشَّاطبي في وصف العالم:
يتحقق بالمعاني الشَّرعية منزلة على الخصوصيات الفرعية، بحيث لا يصده التبحر في الاستبصار بطرف عن التبحر في الاستبصار بالطرف الآخر، فلا هو يجري على عموم واحد منهما دون أن يعرضه على الآخر، ثم يلتفت مع ذلك إلى تنزل ما تلخص له على ما يليق في أفعال المكلفين ... وهذه الرتبة لا خلاف في صحة الاجتهاد من صاحبها.
وحاصله أنه متمكن فيها، حاكم لها، غير مقهور فيها ... وكل رتبة حكمت على صاحبها دلت على عدم رسوخه فيها، وإن كانت محكومًا عليها تحت نظره وقهره، فهو صاحب التمكين والرسوخ، فهو الذى يستحق الانتصاب للاجتهاد، والتعرض للاستنباط، وكثيرًا ... ويسمى صاحب هذه المرتبة: الرباني، والحكيم، والراسخ في العلم والعالم، والفقيه، والعاقل؛ لأنه يربي بصغار العلم قبل كباره، ويوفي كل أحد حقه حسبما يليق به.
وقد تحقق بالعلم وصار له كالوصف المجبول عليه، وفهم عن الله مراده [من شريعته].
ومن خاصيته أمران:
أحدهما: أنه يجيب السائل على ما يليق [به] في حالته على الخصوص إن كان له في المسألة حكم خاص ..., والثاني: أنه ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات( ).
3- أن يكون سائراً بالمنهجية العلمية:
بأن يكون الشيخ مهتماً بتنشئة الطلاب على المنهج العلمي, سالكاً لطرائق العلماء في التدريس وتعليم الطلاب.
فكم من عالم متمكن في العلم طارت بمؤلفاته الركبان, وذيع صيته في المعمورة, لا يستطيع أن يربي طلاب العلم أو أن يصل بالطالب لدرجة الراسخين في العلم, مع علمه وتمكنه, فإن تربية الطلاب ومعالجة أمورهم ملكة وقدرة أودعها الله بعض الناس.
وقد أشار ابن بدران( ) إلى أن اختيار شيخ جاهل بطرق التعليم من أسباب ضياع عمر طالب العلم بلا ثمرة.

فإذا تقرر أنَّه يجب على طالب العلم الناصح لنفسه المعتني ومشروعه العلمي أن يلتمس الشيخ الناصح المربي السائر على المنهجية العلمية فليفر إلى الذين تحققوا العلم الذين تحققوا بعلم الكتاب والسنة, بفهم السَّلف, وبذلوا نفيس الأعمار تفقهاً وتفقيهاً, وليهرب من المختلطين.
والواجب على الطالب دوما تلمس من يفيده, والبحث عنهم في كل حاضرة, والتحقق من عالِمِيتهم ورسوخهم, والحذر من التلقي على الأصاغر من أهل البدع, أو الذين ملكوا آلة البيان والخطابة بلا علم تأصيلي منضبط, أو تعجلوا الظهور قبل النضوج.
وأسُّ الفساد ومنشؤه من هنا, حيث يتساهل الطالب في اختيار معلمه ومربيه, فينشأ على منهجه, ويربى على مثل أخلاقه, فيورثه صورة عن العلم مختلفة عما كان عليه الأوائل, وهؤلاء كثيرون.
وهذا أوضح ما يكون عند رؤية أثر غرس هؤلاء في النَّاشئة والشباب, لأنهم تربوا على (مَنْ أحسن دغدغة عواطفهم ...) , لا من أرشدهم بالدَّليل والحُجة من القرآن والسُّنَّة.
فيطيرون إلى أصحاب الأصوات العالية والخطابات الحماسية؛ لا أهل الرسوخ والتروي, فتراهم لمجالس الحماس مندفعين, ولحلقات التَّفقه والتَّعليم مجافين, وولعهم بالقراء والخطباء والنجوم يفوق رغبتهم في لقاء العلماء.
وإن أخطر ما في التلقي عن غير العلماء الرَّاسخين تهميش دور العلماء, وإقصاء مجالس الرَّاسخين, كما أنَّ فيها إشهاراً لغير النَّاضجين, علماً وفكراً؛ لأنَّهم تربوا تربية ناقصة, وأخذوا حكمة الشَّباب لا حكمة الشُّيوخ, تحركهم العواصف لا الأدلة, وتوجههم العامة والدهماء لا فتاوى العلماء.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
__________________
صفحتي في صيد الفوائد: http://saaid.net/Doat/esawi/index.htm

حسابي في تويتر:
@esawi_said
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:29 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.