ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-05-19, 03:40 PM
أحمد الحسن بن علي أغا أحمد الحسن بن علي أغا غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-07-18
المشاركات: 28
Lightbulb إستقراء فى سورة يوسف (13)

"وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)"

و تفيضُ الآياتُ بالكثيرِ من الأنباءِ, فهى تنبئُ بعددِ السيارةِ و حالِهم, و بحالِ البئرِ, و بعمرِ يوسفَ عليه السلام, و بغير هذا؛ و كما ذكرتُ من قبل أن كتابَ الله سبحانَه و سنةَ رسوله صلى الله عليه و سلم تكفينا عن الإسرائيليات, و التى أغلبها غير منطقى و تنافى وقار و سؤدد النبوة, لأن فيها ما يندى له الجبين, و يفور له التنور عن رسل الله سبحانه بعد البعثة, فلا ريب أن نقرأ عنهم ما هو أشد قبل البعثة.
يذكر القرآن الكريم أحوال الرحَّالة, تارة بالركب "و الركب أسفل منكم" 42 الأنفال, إشارة إلى القافلة التجارية التى كانت شرارة غزوة بدر الكبرى, و تارة بالعير "و العير التى أقبلنا فيها" 82 يوسف, و هى ما حملت الطعام, و تارة بالسيارة "متاعاً لكم و للسيَّارة" 96 المائدة, ثم "و جاءت سيَّارة", و هم كل من دون ذلك.
و كونهم أرسلوا وارداً واحداً بدلوٍ واحدٍ, دليلٌ على قلةِ عددهم و التى قد لا تتجاوز ستة نفر, و عدم وجود دلوٍ على البئر دليلٌ على أنه قليلُ الورود, و عدم رؤيته يوسف قبل إلقاء الدلو دليلٌ على عمقِ البئرِ و ظلمتِه.
و قوله حال رؤية يوسف عليه السلام " يا بشرى", يدل على حالهم, إذ أن ما يطابق المنطق فى مفاجأةٍ كهذه أن يقول "يا عجباً", أو "يا حسرةً" إن كان رقيق القلب, أما غبطته الشديدة الغير مبررة فى مثل هذا المقام فتدل على فقرهم, و بحثهم أثناء تنقلهم عن أى شئ يستفيدون منه, و كذلك يفعلون, و كان الغلامُ أثمنَ مما يتمنون إيجاده.
و وصف يوسف عليه السلام بالغلام دليلٌ على عدم بلوغه بعد, إضافةً إلى عدم قدرةِ يوسف على الخروجِ من البئرِ وحده, و قدرةُ الرجالِ على سحبه بحبلٍ, ترجح حداثة سنه, و سنينه التى قد لا تتجاوز الستة.
و كان الأحرى بهم بعد هذه المفاجأة العجيبة أن يسألوه عن خبره ليردُّوه إلى أهله, فيفتدونه بأى ثمنٍ لعتقه من الرق, و لكنَّ حاله أغنى عن مقاله, فهو ملقىٌ كما ولدته أمه فى بئرٍ مهجورة, يأكله الجوع, لا تخطئ العينُ كونه متروكاً, فهم إن كانوا سألوه عن خبره, فأغلب الظن أنه لم يجبهم على ما أرادوا, لعلمه تدبير إخوته له و رؤيته وجهاً لهم لم يتوقعه أبداً, فأصبح لا وجه للإنتفاع به سوى بيعه, و أسروا نجواهم عنه, و الله سبحانه مطَّلعٌ على تدبيرهم و تحايلهم لبيعه دون أن يُشعروه, و فى هذا دليلٌ على أنهم لم يضعوا عليه قيوداً و لا أغلالاً, بل أعزَّه الله سبحانه فى جميع محنه وقت تآمر خلقه عليه, ثم أنهم لم يلفتوا إليهم الأنظار بفعلةٍ من شأنها تغيير مجرى حياته تماماً إلى الأسوأ فى ظاهرها, من أجل حفنة من الدراهم تفنى, و يبقى سوءُ العملِ و عبءُ تبريره أمام الله يوم الحساب, و هى سيئاتٌ لا يعلم منتهاها إلا الله سبحانه, ذلك لأن كل نازلة نزلت بيوسف و أبيه جرَّاء عملهم كان عليهم كفلٌ منها و إن ماتوا و ذلك لقول الحق سبحانه: "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ (12)" يس, و الإنسانُ فى تصاريف أقداره تُعرض عليه الأمورُ أمراً أمراً على مدار حياته ساعةً بساعة, و يكون مختاراً فيها بإرادته, فإن كان على الرشد و العلم, أحسن الإختيار فنفع و انتفع و بيَّن و سنَّ سنةً حسنةً فنجا, و إن كان على الهوى و الجهالةِ, أساء الإختيار فآذى نفسه و غيره, و ضلَّ و أضلَّ و سنَّ سنةً سيئةً فهوى, و مثله كمثل من قال فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم : "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" رواه البخاري ومسلم والنسائي؛ لذا فمعرفة حلال الله من حرامه, و الحسن من القبيح, واجبٌ على كل مؤمن ليحسن الإختيار فيصح عمله, و إلا فما هو الإيمان و ما هى محسناته و مبرراته فى النفس, و ما هى صبغته على الذات لتتصف به, و ما الفرق بين المؤمن و غير المؤمن فيما يراه الناس!!! , إن ادِّعاءَ الإيمانِ بغير (علمٍ يؤدى إلى اختياراتٍ صحيحةٍ تؤدى إلى عملٍ صالحٍ) لا يكون إلا إرجاءً و تنفيراً من الإيمان و أهله, و عليه لا يجتمع إيمانٌ بالله و جهلٌ به و بمراده أبداً, كما لا يجتمع مع سوءِ عمل.
و كونهم باعوه بثمنٍ بخسٍ دليلاً على أنهم لا يعملون بالتجارةِ و لا يعرفون قيمةَ الغلام, و كانوا فيه من الزاهدين ليتخلصوا منه سريعاً, و يفلتون بالدراهم لريبتهم التى فى صدورهم من سوء عملهم, فبادروا بعرضه للبيع على كل من مروا به, و هذا بيعٌ لا يتم فى العلن, بل إن يوسفَ نفسَه عليه السلام لم يشعر إلا بعد أن بيع, و لا وسط جماعة و إلا لَعُرِضَ عليهم عروضاً أخرى أفضل, فباعوه عند أول عرضٍ عُرِضَ عليهم, و فى هذا دليلٌ على ضعف شوكتهم و دناءة نفوسهم.
و تعريف الحق سبحانه الثمن بالدراهم, إنما أتى لتقريب المعنى إلى المتلقى, و لم يأتِ بإسم العملة المتداولة وقتها, و ذلك لتوضيح مقدار القيمة, و الواقع أن هناك دراسات تاريخية تثبت وجود عدة عملات مصرية قديمة, ثم أستحدث أمنحتب الأول ثانى فراعين الأسرة الثامنة عشر, عملات مصنوعة من الذهب و الفضة حسب قيمتها.
و الحق أن خبراً كخبر الفتى الكنعانى, المجرد من ملابسه, الملقى فى البئر, جدُّ عجيب, و كان الأجدر أن ينتشر و تتناقله الألسنة حتى يصل إلى يعقوب نفسه عليه السلام, و لو كان هؤلاء السيارة عدداً كبيراً لا يربطهم رابط لتحدث بعضهم إن افترقوا بعد ذلك, أو لو أنهم اختلفوا على أكل ثمن يوسف عليه السلام فيما بينهم لشاع الخبر, و ربما يعودون من نفس الطريق مرة أخرى فيتندرون بالخبر, إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث, إضافةً لكل ما ذكرنا من أحوالهم, و قبل كل هذا وصف الحق سبحانه لهم بكثرة السير, فغالب ظنى فيهم أنهم أعرابٌ رحَّلٌ مجهولون يتنقلون وراء العشب و الكلأ, ليس لهم مكانٌ ثابتٌ معروف, مما أدى إلى اختفاء أى أثرٍ ليوسف عليه السلام فعلياً, و رغم طول مدة غيابه لم تصل أى أخبار قد تدل أباه عليه.
ذلك مما رأيت, فإن كان حسناً فبفضل الله و منته, و إن كان خطئاً فمن نفسى و من الشيطان فأبرأ منه و أستغفر الله تعالى عليه.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:58 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.