ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-04-19, 11:54 PM
ابن الصايغ ابن الصايغ غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 56
افتراضي قضاء رمضان للشيخ سعد الخثلان

قال الشيخ حفظه الله :

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا .

كنا قد وصلنا في شرح كتاب العمدة في الفقه إلى كتاب الصيام, وقبل أن نستمع لعبارة المصنف -رحمه الله- نشير أولاً إلى حقيقة الصيام في اللغة وفي الشرع:

الصيام معناه في اللغة: الإمساك, ومنه قول الله تعالى عن مريم:(قالت إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً) ومعنى )صوماً( يعني إمساكاً عن الكلام, ومنه قول الشاعر:

خيل صيام وأخرى غير صائمة ** تحت اللجاج وأخرى تعلك اللجما

فقوله "خيل صيام" أي: ممسكة عن الصهيل, فهذه المادة - مادة "الصيام"- تدور حول معنى الإمساك.

ومعناه اصطلاحاً: التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس, هذا أحسن ما قيل في تعريفه.

ولابد من كلمة (التعبد)؛ لأنه لو أمسك بغير نية تعبد فلا يكون صياماً شرعاً.

و(بالإمساك عن المفطرات) سيأتي الكلام عن تفاصيلها, بالأكل والشرب والجماع وغيرها

و(من طلوع الفجر إلى غروب الشمس) هذا هو وقت الصيام؛ لقول الله تعالى:(وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) والليل يبدأ بغروب الشمس .

وصيام رمضان ركن من أركان الإسلام, فريضة من فرائض الدين, وقد فرضه الله تعالى على هذه الأمة بالتدرج ولم يفرض عيناً مرة واحدة:

1- فكان أول ما أوجِب على المسلمين صيام عاشوراء, ثم بعد ذلك نسخ الوجوب وبقي الحكم على الاستحباب, إذاً المرحلة الأولى إيجاب صيام عاشوراء .

2- المرحلة الثانية: نُسخ إيجاب صيام عاشوراء, وأُوجب على المسلمين صيام رمضان مع التخيير بين الصيام والإطعام, كما قال تعالى:(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) يعني إطعام مسكين عن كل يوم, (فمن تطوع خيراً فهو خير له) وإن زاد عن ذلك فهو خير, (وأن تصوموا خير لكم) يعني أن تصوموا خير لكم من الإطعام, فجعل الإنسان مخيراً بين الصيام والإطعام ولكن الصيام خير (وأن تصوموا خير لكم).

3- المرحلة الثالثة: إيجاب صيام شهر رمضان عيناً من غير تخيير, بقول الله تعالى:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.

والصيام وعد الله عليه بجزاء خاص من عنده, كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: ((كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))متفق عليه. والعطية كما يقال بقدر معطيها, والله تعالى هو أكرم الأكرمين, وأضرب لهذا مثلاً يتضح به المقصود: لو أن معلماً أعلن عن جوائز لطلابه المتفوقين, فأعطى هذا جائزةً وأعطى هذا جائزةً وأعطى هذا جائزةً, ثم قال: أما أنت يا فلان فلك عندي جائزة خاصة, فما ظنكم بهذه الجائزة؟ أفضل من جوائز زملائه أو أقل؟ أفضل؛ جائزة خاصة, هكذا أيضاً الأجر والثواب على العبادات من باب الحسنة بعشر أمثالها, أما الصوم فقال الله أختص به قال:((إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)) يعني سيجزي الله عليه جزاءً خاصاً من عنده ليس من باب الحسنة بعشر أمثالها وإنما هو جزاء خاص, وهو سبحانه أكرم الأكرمين فالجزاء على الصيام يكون عظيماً والثواب عليه جزيل, وهذا يشمل صوم الفريضة وصوم النافلة .

ولكن دلت الأدلة على أن حقيقة الصوم لا تقتصر على الإمساك عن المفطرات الحسية من الأكل والشرب والجماع ونحوها, ولكن أيضاً تشمل الإمساك عن المعاصي القولية والفعلية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((من لم يدع قول الزور و العمل به)) "قول الزور" يعني المعاصي القولية "والعمل به" المعاصي الفعلية, ((فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) أخرجه البخاري في صحيحه. ومعنى هذا الحديث أن من لم يمسك عن المعاصي القولية والفعلية فإن هذه المعاصي تنقص من أجر الصائم, فإذا أكثر منها فقد يصل إلى هذه المرحلة المذكورة في هذا الحديث وهي: أنه لا يؤجر ولا يثاب على صومه ويضيع الله طعامه وشرابه, ليس له من حظ صيامه إلا التعب والعطش, لكن هل تبرأ الذمة بهذا الصوم؟ نعم تبرأ الذمة به لكنه لا يؤجر عليه, فكل معصية تقع من الصائم تخدش الصوم وتنقص من أجر الصيام, ونظير ذلك من بعض الوجوه: الصلاة التي يصليها الإنسان لا يخشع فيها, لو صلى صلاة من حين كبر تكبيرة الإحرام إلى أن سلم وهو في هواجيس ووساوس هل تبرأ بها الذمة؟ نعم تبرأ بها الذمة؛ لأنها صلاة مكتملة الأركان والشروط والواجبات, لكن هل يؤجر ويثاب عليها؟ لا ليس له من أجر صلاته إلا بمقدار ما عقل منها.

قال المصنف رحمه الله :

(كتاب الصيام(

)يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم ويؤمر به الصبي إذا أطاقه, ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان, ورؤية هلال رمضان, ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه)

صيام رمضان ركن من أركان الإسلام, ويجب صومه وهذا بالإجماع, ومن أنكر ذلك جاحداً لوجوبها فإنه يكفر؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة.

قال: (على كل مسلم) غير المسلم لا يجب عليه الصيام؛ لأن الصيام لابد له من النية, والنية لا تصح من الكافر, لكن هل يحاسب غير المسلم على ترك الصيام؟ نعم يحاسب الدليل قوله تعالى: (ما سلككم في سقر قالوا لم نكُ من المصلين) وفي آخرها قالوا (وكنا نكذب بيوم الدين) هذا يدل على أنهم كفار ومع ذلك حوسبوا على ترك الصلاة, وإذا حوسبوا على ترك الصلاة فيحاسبون أيضاً على ترك الصيام وعلى ترك الزكاة وعلى ترك الحج وعلى ترك سائر الواجبات الشرعية, على هذا لا يؤمر غير المسلمين بالصيام في رمضان, لكن ليس لهم أن يجاهروا بالأكل والشرب أمام المسلم فيمنعون من ذلك, ويقال لهم لا نلزمكم بالصيام لكن لا تجاهروا بالأكل والشرب, ليكن ذلك سراً في بيوتكم.

قال:(بالغ) غير البالغ لا يجب عليه الصيام؛ لأنه مرفوع عنه القلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((رفع القلم عن ثلاثة...)) وذكر منهم ((الصبي حتى يبلغ)), ولكن الصبي إذا صام أُجر وأثيب, ويؤمر به إن أطاقه وكان مميزاً, أما غير المميز لا يصح منه الصيام أصلاً لو صام؛ لأنه لا نية له, لكن إذا كان مميزاً ويطيق الصيام فيؤمر به كما يؤمر بالصلاة, وكان السلف الصالح يعودون أولادهم على الصيام حتى إنهم ليأتون لهم باللعبة من العهن فإذا بكى الصبي أعطوه هذه اللعبة يتسلى بها إلى أن يحين موعد الإفطار, لكن لو لم يصم هذا الصبي ليس عليه ذنب ما دام أنه لم يبلغ.

قال:(عاقل) فالمجنون مرفوع عنه القلم, لا يجب عليه الصيام.

قال:(قادر على الصوم) فإذا كان غير قادر لمرضه فله الفطر لكنه يقضي, وإذا كان مرضه لا يرجى برؤه يطعم عن كل يوم مسكيناً, إذا كان كبيراً في السن يفطر ويطعم على التفاصيل التي سيأتي الكلام عنها إن شاء الله.

قال:(ويؤمر به الصبي إذا أطاقه)

هذا تكلمنا عنه وقلنا حتى يعتاده, وهذا من حسن التربية أن الوالدين يأمران الصبيان بالصلاة والصيام حتى يتعودوا عليها, وهذا من حسن التربية والتعليم.

قال:(ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان, ورؤية هلال رمضان, ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه)

يعني يجب صيام شهر رمضان بأحد ثلاثة أشياء :

الأول: قال:(كمال شعبان)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((فإن غمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين))وفي لفظ ((فأكملوا العدة شعبان ثلاثين)) .

الثاني: قال:(رؤية هلال رمضان) أي بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان, فتحري الأهلة لا يكون إلا بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين, فإن رئي الهلال بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين يعتبر قد هلّ ذلك الشهر وابتدأ وقت دخوله؛ لأن الليل سابق النهار, أما إذا لم يُر الهلال بعد غروب شمس التاسع والعشرين فيكمل ذلك الشهر ثلاثين يوماً, طيب إن رئي الهلال في نهار اليوم التاسع والعشرين لكنه لم يُر بعد غروب الشمس فلا تقبل الشهادة, لا بد أن يرى بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين, هذا الذي عليه عامة أهل العلم.

ولذلك في إحدى السنوات هنا في المملكة شهد شاهد قال: أنا رأيت الهلال قبل غروب الشمس, لكن بعدما غربت الشمس أتى سحاب ولم أر الهلال. ولم يوجد شهود يشهدون برؤيته بعد غروب الشمس فأُكملت العدة ثلاثين ولم تعتبر رؤية الهلال قبل غروب الشمس, فلابد إذاً من رؤية الهلال المعتبرة أن تكون بعد غروب الشمس, وعلى هذا عمل المسلمين جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن, وأيضاً جميع دول العالم الإسلامي على هذا وهو أنهم يتحرون بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين.

الثالث: قال:(وجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه) وهذا يسمونه يوم الشك, فالمذهب عند الحنابلة أنه إذا وجد غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان فيجب صومه.

والقول الثاني: أنه يكره صيام يوم الشك.

والقول الثالث: أنه يحرم صومه؛ لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: ((من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)) ولقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين))

هذه المسألة من عجائب مسائل الفقه!!؛ لأن القول الذي قرره المؤلف وجوب صيام يوم الشك, ويقابله القول بالتحريم, قول بالوجوب وقول بالتحريم, قول إذا لم تصم فإنك آثم وقول إذا صمت فإنك آثم, هذه من غرائب المسائل!!, والأقرب والله أعلم أنه لا يشرع صيام يوم الشك وأن صيامه إما محرم أو مكروه؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)), ولقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: ((من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)) .

وجهة الحنابلة في هذا حديث ابن عمر رضي الله عنه ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له)) قالوا: إن معنى فاقدروا له يعني اجعلوه تسعاً وعشرين, من التقدير وهو التضييق, ولكن هذا محل نظر فإنه قد جاء في رواية أخرى ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) والروايات يفسر بعضها بعضاً

وعلى هذا فالقول الأقرب والله أعلم أنه لا يشرع صيام يوم الشك وأن صومه إما مكروه أو محرم, على أن بعض الحنابلة ذكروا أن الصحيح من المذهب أنه ليس وجوب صيام يوم الشك, وأن هذا ليس هو المذهب عند الحنابلة.

قال: (وإذا رأى الهلال وحده صام, فإن كان عدلا صام الناس بقوله, ولا يفطر إلا بشهادة عدلين, ولا يفطر إذا رآه وحده. وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثون يوما أفطروا, وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة )

قال: (إذا رأى الهلال وحده صام) يعني رأى الهلال وردت شهادته فيصوم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته)) وهذا قد رآه .

والقول الثاني في المسألة: أنه لا يصوم ذلك اليوم إذا لم يصم الناس؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ((الصوم يوم يصوم الناس)) وهذا هو القول الراجح, القول الراجح أن من ردت شهادته فإنه لا يصوم وإنما يكون مع المسلمين, وهكذا لو ردت شهادته في رؤية هلال شوال لا يفطر وإنما يفطر مع المسلمين, فيكون مع المسلمين في الصوم وفي الفطر.

قال:(فإن كان عدلا صام الناس بقوله)؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: ((تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه)) رواه أبوداود بسند جيد . قالوا دخول شهر رمضان يكفي لثبوته شاهد واحد, رجلا كان أو امرأة؛ لهذا الحديث ولأن في إثباته احتياط للصيام, وهذا أيضاً هو مذهب الشافعية.

وذهب المالكية إلى أنه إذا كان في مكان يهتم فيه برؤية الهلال فلا يكفي شاهد واحد بل لابد من شاهدين فأكثر, أما لو كان في مكان لا يهتم فيه برؤية الهلال فيكفي شاهد واحد.

وأما الحنفية فمذهبهم معروف يشترطون الاستفاضة في رؤيته, بأن يراه عشرة فأكثر.

والأقرب والله أعلم: أنه لا يكتفى فيه بشهادة شاهد واحد, وأنه لابد من شاهدين فأكثر كبقية الأشهر؛ لحديث عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)), ولأن الشاهد الواحد يرد عليه الوهم, خاصة في وقتنا الحاضر فإن بعض الشهود عندهم عجلة وجرأة, وأيضاً الأفق في وقتنا الحاضر أصبح مليئاً بالأجرام فالأفق فيه أقمار صناعية ما كانت موجودة من قبل تبدوا أحياناً على شكل أهلة, وأيضاً الطائرات والصواريخ والمركبات عندما تمر أحياناً يكون لها دخان, دخانها يتشكل على شكل هلال, وأيضاً بعض الناس ربما أحياناً النجوم, والكواكب تتشكل تكون قريبة من بعضها فتكون على شكل هلال, مع رقة الديانة لدى بعض الناس, هذا كله يستدعي التثبت والاحتياط؛ كيف تجعل الأمة كلها تصوم بشهادة شاهد واحد؟!!

وأما حديث ابن عمر فإن ابن عمر يكفينا ربع ابن عمر, ابن عمر معروف بالتحري والضبط والورع والتقوى والصلاح فلا يقاس غيره عليه, وأما حديث الأعرابي :((أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشهد برؤية الهلال فقال صلى الله عليه وسلم :أتشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم فأمر أن يؤذن بالناس بالصيام )) فهذا الحديث رواه الترمذي ولكنه ضعيف ومنكر سنداً ومتناً, منكر سنداً: لا يثبت, ومتناً: لا يعقل أن أعرابياً لا يعرف بالعدالة بمجرد أنه يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة ويأمر الأمة بأن تصوم بشهادة هذا الأعرابي, وعلى هذا فلا بد من شهادة شاهدين فأكثر حتى في دخول شهر رمضان, هذا الذي أراه في هذه المسألة, وأرى أن بعض الشهود عندهم توهم كثير فلذلك لابد من الاحتياط والضبط والتحري.

مسألة قبول الحسابات الفلكية

ومن المسائل المعاصرة التي تطرح: مسألة قبول الحسابات الفلكية, وهي في الحقيقة ليست معاصرة هي موجودة من قديم. لكن الجديد فيها هو تطور الحسابات الفلكية, الحسابات الفلكية.

الله تعالى يقول (والشمس والقمر بحسبان) تجري وفق حسابات دقيقة, والحسابات الفلكية منها ما هو ظني فهذا لا يعول عليه, لكن منها ما هو قطعي فهل يؤخذ به في إثبات الأهلة؟ هذه المسألة فيها كلام لأهل العلم:

1- فأكثر أهل العلم على أنه لا تعتبر الحسابات الفلكية ولا يؤخذ بها.

2- وهناك قول يقابله وهو الأخذ بالحسابات الفلكية مطلقاً, ومن أبرز من قال بهذا الشيخ أحمد شاكر المحدث رحمه الله تعالى.

3- وهناك قول ثالث وهو قول ابن السبكي وهو أنه يؤخذ بالحسابات الفلكية في النفي دون الإثبات, ما معنى (في النفي دون الإثبات)؟ يعني مثلاً إذا قطع الفلكيون بأن القمر غرب قبل الشمس, فأتى شاهد وقال: لا أنا رأيت القمر غرب بعد الشمس, فترد شهادة هذا الشاهد لكن إذا قال الفلكيون أنه يمكن رؤية الهلال اليوم لكونه يغرب بعد الشمس ولم يتقدم لرؤيته أحد فلا يؤخذ بقول الفلكيين, فيؤخذ بالحسابات الفلكية في النفي دون الإثبات, إذا نفى الفلكيين نأخذ برأيهم ونرد شهادة الشهود, إذا أثبتوه وقالوا أنه يمكن أن يرى ولم ير لم نأخذ بقول الفلكيين, وهذا قول جيد واختاره من المعاصرين الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله.

والذي يظهر لي في هذه المسألة: أن ما كان مقطوعاً به من علم الفلك فيؤخذ به في النفي دون الإثبات دون مالم يكن مقطوعاً به؛ لأن ما كان مقطوعاً به هو أقوى من شهادة الشهود, وأعطي لهذا أمثلة :

مثلاً غروب وشروق القمر مقطوع بها مثل غروب وشروق الشمس, ألسنا الآن صلينا المغرب بناءً على التقويم؟ التقويم قال الشمس تغرب الساعة كذا ثم أذن المؤذن بناءً على هذا, قال مثلاً اليوم الشمس تغرب الساعة الخامسة وثنتين وخمسين دقيقة, هل المؤذن قام وصعد على سطح المسجد أو صعد على المنارة ورأى الشمس غربت أو لا؟ اعتمد على التقويم وعلى الحسابات, لماذا؟ لأن الله أجرى العادة بأن الشمس تغرب في هذا الوقت القمر مثل الشمس, غروب القمر مثل غروب الشمس, بل إن معادلة غروب القمر هي نفسها معادلة غروب الشمس لكنها تختلف فقط في المدخلات, فإذا كنت ستشكك في غروب القمر فشك أيضاً في غروب الشمس ولا تؤذن المغرب إلا بعد أن تصعد السطح وتنظر هل غربت أم لا, فغروب القمر وشروق القمر حساباته قطعية, فإذا كانت الحسابات تدل على أن القمر يغرب قبل الشمس فأتى شاهد يشهد برؤية الهلال بعد غروب الشمس فنرد شهادته؛ لأنه توهم قطعاً, متوهم حتى لو كان عدلاً؛ العدالة هنا لا تكفي هو متوهم .

فإن قال قائل: كيف ترد الشهادة لأجل حسابات؟ فنقول: أرأيت لو أن شاهدين عدلين شهدا برؤية الهلال في اليوم السادس والعشرين من رمضان هل تقبل شهادتهما؟ ما تقبل كانا عدلين متوهمين قطعاً؛ كيف يوم ست وعشرين تشهدون؟!! متوهمين ؛لأنهم خالفوا ما أجرى الله تعالى سنن الكون عليه؛ لأن القمر لا يمكن أن يرى قبل غروب الشمس من يوم السادس والعشرين هكذا أيضاً في مسألة غروب وشروق القمر, ما معنى طيلة الشهر غروب القمر صحيح دقيق إذا أتت هذه الليلة نقول لا ليس دقيقاً, دقيق ومقطوع به فمعنى ذلك إذا أتى الشاهد فهو متوهم قطعاً فترد شهادته.

لكن الحسابات الظنية التي يعبر عنها بعضهم بـ"إمكانية الرؤية " إذا غرب القمر بعد الشمس الهلال موجود في الأفق لكن الفلكيين هنا وغير الفلكيين يختلفون في حدود قدرة العين البشرية, هل يمكن أن ترى العين البشرية الهلال بعد غروب الشمس بعشر دقائق أو بعشرين دقيقة أو بثلاثين دقيقة أو أكثر أو أقل؟ هذا محل خلاف, فهذا لا يعول عليه, الفلكيين يشترك معهم الفيزيائيون ويشترك معهم أطباء العيون بحدود قدرة العين البشرية المهم أن القمر موجود في الأفق.

وعلى هذا فالأظهر والله أعلم: أنه إذا دلت الحسابات الفلكية القطعية على نفي الرؤية فيؤخذ بها وترد الشهادة ,أما إذا كانت الحسابات الفلكية ليست قطعية وإنما ظنية فلا يؤخذ بها ويؤخذ بشهادة الشهود, هذا الذي تحرر لي في هذه المسألة, وهذا الذي عليه العمل الآن عندنا في المملكة من ألف وأربعمائة وثلاثين, يعني منذ إنشاء المحكمة العليا, وحتى العالم الإسلامي كله الآن على هذا الرأي إلا في حالات قليلة, قبل ألف وأربعمائة وثلاثين صحيح كان أحياناً تقبل الشهادة والقمر غرب قبل الشمس, لكن من ألف وأربعمائة وثلاثين صححت المسألة وأصبح لا تقبل شهادة الشهود, حتى الشهود أصبحوا أنفسهم يعرفون هذا ثم أيضاً يفترض أن رؤية الهلال لا يختص به أناس يرونه كل سنة, يفترض أنه يكون كل الناس يرونه ممن كان بصرهم معتدلاً, فالذي بصره مثلاً ستة على ستة يفترض أنه يرى الهلال, هل هؤلاء الذين يرون الآن الأهلة كل سنة بصرهم فوق ستة على ستة؟ لا, ولا تحتاج المسألة خبرة, الآن التلسكوب مجرد أن تكتب له الهلال يوجهك أصلاً على الهلال, ومنازله معروفة أيضاً التلسكوب أصلاً يوجهك للمنزلة نفسها, فهذه أيضاً إشكالية, ولذلك فيما سبق ما كان الهلال محصور على أناس معينين كل الناس يرونه, وما كان أصلاً فيه مشكلة.

وهناك كتاب صدر العام الماضي كتاب لطيف "قراءة استقرائية تاريخية للهلال في صدر الإسلام إلى وقتنا الحاضر" فكان متوسط رؤية الهلال فيما سبق على عشر درجات, يعني أن يغرب القمر بعد الشمس بأربعين دقيقة, ما برزت المشكلة إلا في العصر الحديث, في الوقت الحاضر أصلاً يسابقون يشهدون على رؤيته وهو أصلاً غرب قبل الشمس, وكتبت مقدمة لهذا الكتاب وقلت: ينبغي أن نرد الناس لما كانوا عليه في صدر الإسلام, في صدر الإسلام ما كان فيه مشكلة أصلاً في رؤية الأهلة يراها الناس كلهم, وكما قال أحد المشايخ الكبار الذين كتبوا في هذا "وهل الهلال في حجر الضبان حتى لا يراه إلا أناس معينين يرونه كل سنة" يفترض أن يكون الجميع إلا من كان ضعيف البصر هذا صحيح لا يراه.

لكن الأمور ولله الحمد تحسنت كثيراً كما ذكرت لكم, هناك جهود بذلت من بعض المشايخ وبعض طلبة العلم وبعض الفلكيين أيضاً وصححت كثير من الأمور ولله الحمد, وحصل ضبط لكثير من أمور رؤية الهلال, وسبحان الله لما ضبطت الرؤية هنا في المملكة انضبطت في العالم الإسلامي كله وهذا يبين أثر هذه البلاد على العالم الإسلامي؛ لأنهم يرون أنها قدوة لهم في هذا, فالرؤية ضبط كثير منها قد لا يكون ضبط مائة بالمائة لكنه إلى حد كبير, وأصبح على الأقل لا يثبت الشهر ويخالف أموراً مقطوعاً بها من علم الفلك هذا ما يتعلق بموضوع الأخذ بالحسابات الفلكية .

قال:(ولا يفطر إلا بشهادة عدلين) جميع الأشهر لا بد فيها من شهادة شاهدين عدلين ما عدا رمضان هو الذي محل خلاف؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب رضي الله عنه: ((فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)) ,ورجحنا أنه حتى لو أنه رمضان لابد فيه من شاهدين.

قال:(ولا يفطر إذا رآه وحده) كما سبق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس)).

قال:(وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثون يوما أفطروا)؛ لحديث عبدالرحمن بن زيد السابق

قال:(وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة)

يعني إن ثبت دخول رمضان بشهادة شاهد واحد أو أن الناس صاموا يوم الشك وكان الجو غائماً ولم يروا هلال شوال فيكملوا العدة ثلاثين, لكن إذا لم يُر الهلال بعد ثلاثين يعني ليلة واحد شوال فيستمروا بالصيام, معنى ذلك يصومون كم يوم؟ يصومون واحد وثلاثين يوم هذا أيضاً من غرائب الأقوال, لكن هذا هو المشهور من المذهب وإن كان هذا القول مهجوراً من حيث العمل, لا يعمل به, فالذي عليه العمل أنه إذا لم يُر الهلال يكمل الناس العدة ثلاثين يوماً, ونحن رجحنا أيضاً أن صيام يوم الشك غير مشروع, فالأقرب والله أعلم أنه لابد من شهادة شاهدين فأكثر في الصيام وفي الإفطار فإذا أكمل الناس ثلاثين فإنهم يفطرون.

قال:(وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وإن وافق قبله لم يجزئه)

قال:(وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام) الأسير الذي لا يعرف الوقت ربما أنه في بلاد المسلمين يعلمونه لكن قد يكون مثلاً عند غير المسلمين, أسير ويسأل متى يحين رمضان وما يخبرونه فيتحرى ويجتهد.

قال:( فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأ) إن وافق شهر رمضان فالحمد لله وافقه وصام, إن كان اجتهاده بعد رمضان أيضاً يجزئ لماذا؟ لأنه يعتبر قضاءً لرمضان, لكن الإشكال إذا كان قبل قال:( وإن وافق قبله لم يجزئه) إن اجتهد فوقع صيامه في شعبان لم يجزئ عن رمضان, إن اجتهد ووقع في رمضان هذا هو المطلوب, إن اجتهد فوقع صيامه في شوال أيضاً يجزئ؛ لأن هذا يعتبر قضاءً لرمضان
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:33 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.