ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 25-04-19, 01:25 PM
ابن سهيلة ابن سهيلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-10-09
المشاركات: 254
افتراضي الإدغام الكبير لأبي عمرو ما أصله ؟ ولماذا أنكره بعض الصحابة وبعض الأئمة (بحث مختصر)

بسم الله الرحمن الرحيم
الإدغام الكبير لأبي عمرو ما أصله ؟ ولماذا أنكره بعض الصحابة وبعض الأئمة (بحث مختصر)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الحساب.
أما بعد:
فهذا بحث مختصر حول ما اشتهر به القارئ أبو عمرو البصري رحمه الله من الإدغام الكبير أبين فيه أصل هذا الإدغام وما الذي دعا أبا عمرو رحمه الله أن يقرأ به دون غيره من القراء مع أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من الصحابة رضي الله عنهم القراءة به.
وأبين موقف بعض الصحابة وبعض الأئمة من هذا الإدغام, ومسائل متعددة مهمة حول هذه المسألة.
فأقول وبالله التوفيق:

الإدغام هو النطق بالحرفين حرفاً واحداً مشدداً, وينقسم إلى كبير وصغير.
فالصغير هو ما كان الحرف الأول منهما ساكناً.
وأما الكبير فهو ما كان الحرف الأول منهما متحركاً, كما في قوله تعالى (فإذا قضيتم مناسككم), وقوله تعالى: (ما سلككم في سقر), فتقرأ بكاف واحدة مشددة.
وقد انفرد أبو عمرو البصري رحمه الله بالإدغام الكبير هذا من بين سائر القراء العشرة.

والذي تدل عليه الأدلة أن الإمام أبا عمرو البصري إنما قرأ بذلك لأنه من لغة العرب, وليس لأنه مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذا كان أبو عمرو البصري يقول كما في "النشر" (1/275) : "الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتهم".

ويدل على أن الإدغام الكبير ليس مروياً عن النبي وأن أبا عمرو إنما قرأ به لأنه من كلام العرب الذي يجري على ألسنتهم أدلة كثيرة منها:

أولاً:
أخرج الداني في كتابه "الإدغام الكبير" ص (39) عن ابن غلبون، عن عبد الله بن المبارك، عن جعفر بن سليمان، عن صالح بن زياد, عن اليزيدي، عن أبي عمرو أنه قال: الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها لا يحسنون غيره.
وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: (هل من مدكر)، و(أطيرنا بك), و(اثاقلتم), وفي (اضطر), وكل شيء نحو (بسم الله الرحمن الرحيم) ما أذهب اللام؟ أليس لإدغامها في الراء.
قال: والإدغام لا ينقص من الكلام شيئاً, إلا أنك إذا أدغمت شددت الحرف فلم تنقص شيئاً.
قال: والعرب إنما تدغم ليكون أخف, إذا كان الإدغام أثقل من التمام أتموا". وذكره السخاوي في "جمال القراء" ص (481)

فهذا النص يدل بكل وضوح على أن الإدغام من أبي عمرو اجتهاد واختيار, وليس بالإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ولو كان أبو عمرو يقرأ بالإدغام نقلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكره, وردَّ به على من ينتقدونه.
قال الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "أبو عمرو بن العلاء" ص (86) القارئ أبو عمرو بن العلاء كان ينتسب لتميم, وإن الإدغام الذي اشتهر به دوناً عن باقي القراء كان لهجة تميمية".

ثانياً:
انفراد أبي عمرو البصري رحمه بهذا الإدغام من بين سائر القراء العشرة, فلماذا يتفقون على ترك هذا الإدغام وهجره لو كان منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أيزهدون جميعاً بشيء قرأ به النبي صلى الله عليه وسلم, هذا شبه محال, بل هو محال.
إنه لفخر لهم أن يقرؤوا بذلك لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قرأ به.
وسوف أقف في آخر البحث مع الإمام أبي عمرو الداني في كتابه "الإدغام الكبير" لأبين أن الرواية التي ذكرها عن النبي صلى الله عليه وسلم والروايات التي ذكرها عن بعض الصحابة في الإدغام كلها لا تصح.

ثالثاً:
كراهية بعض الصحابة وبعض التابعين للقراءة بالإدغام الكبير, كما كره ذلك جماعة من الأئمة.
ويستحيل أن يكون الإدغام مروياً عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ينكره أو يعيبه أحد من أئمة الإسلام.

قال السخاوي في "جمال القراء" ص (476) : "وقد كره إدغام أبي عمرو قوم وعابوه، وقالوا: إن ذلك تغيير لحروف القرآن، ويؤدي إلى زوال معاني كلماته، وإنه لا أصل له ولا أثر يؤيده، إنما هو شيء تفرد به أبو عمرو.
قال عاصم: قرأت يوماً على أبي عبد الرحمن السلمي حتى تحول من مجلس القرآن إلى حلقة فيها نفر من الصحابة، وكان إذا فرغ من مجلس الإقراء يجلس إليهم، وفيهم: زر بن حبيش، وشقيق بن سلمة, والمسيب، وكان يجالسهم يزيد بن الحكم الثقفي، فقلت: إن أهل المجلس يدغمون حروفاً كثيرة، ويقولون: ذلك جائز في الكلام.
فذكرت: (هل ترى)، وقلت: يقولون: (هترى)، و(لبثت)، فقلت: يقولون: (لبت)، وأشباه ذلك.
فأعظموا ذلك جميعاً، ثم قال أبو عبد الرحمن: قاتلهم الله أخذوا هذا من قول الشعر، فإن الشاعر يدغم, وينقص من الحروف لئلا ينكسر عليه البيت"اهـ

وقال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (2/131) : "ولهذا كره الإمام أحمد رضي الله عنه وجماعة من السلف قراءة حمزة لما فيها من طول المد والكسر والإدغام ونحو ذلك, لأن الأمة إذا أجمعت على فعل شيء لم يكره فعله, وهل يظن عاقل أن الصفة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وتواترت إلينا يكرهها أحد من المسلمين؟!"اهـ

ومن الأئمة الذي اشتهر عنهم كراهة الإدغام الكبير لأبي عمرو الإمام أحمد رحمه الله, كما في "الفروع" (1/422) , و"الإقناع" (1/119)
وحاشا الإمام أحمد أن يكره شيئاً مروياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن الأئمة الذين أنكروا الإدغام الكبير الإمام أبو بكر ابن العربي رحمه الله حيث قال في "العواصم" ص (602) : "وما كنت لأمد مد حمزة، ولا أقف على الساكن وقفته، ولا أقرأ بالإدغام الكبير لأبي عمرو ولو رواه في تسعين ألف قراءة، فكيف في رواية بحرف من سبعة أحرف؟ ولا أمد ميم ابن كثير، ولا أضم هاء "عليهم" و"إليهم" وذلك أخف، وهذه كلها أو أكثرها عندي لغات لا قراءات، لأنها لم يثبت منها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وإذا تأملتها رأيتها اختيارات مبنية على معان ولغات".

رابعاً:
أن الإدغام الكبير قد يتحرف به المعنى ويتغير تغيراً كاملاً.
كما في قوله تعالى :(فاصفح عنهم) فإنها تقرأ بالإدغام هكذا (فاصفع عنهم) فيكون من الصفع وليس من الصفح.
أو قوله تعالى: (أوعظت أم لم تكن من الواعظين) فتقرأ بالإدغام (أوعت) فيكون من الوعد وليس من الوعظ.
أو قوله تعالى: ( واستغفر لهم) فتقرأ بالإدغام (واستغفلهم) فيكون من الاستغفال وليس من الاستغفار.
أو قوله تعالى: (وإنه لحب الخير لشديد) فتقرأ بالإدغام (لحب الخيل لشديد) فتكون الخيل وليس الخير.
أو قوله تعالى: (واصطبر لعبادته) فتقرأ بالإدغام (فاصبل لعبادته)
إلى غير ذلك من الأمثلة, فهذا تحريف لكلام الله محرم لا يجوز.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل كثيراً من مؤلفي كتب القراءات لم يذكروا الإدغام الكبير في كتبهم كما ذكر ابن الجزري.
قال ابن الجزري في "النشر" (1/275) : "من أئمة القراءة من لم يذكره البتة, كما فعل أبو عبيد في كتابه, وابن مجاهد في سبعته, ومكي في تبصرته, والطلمنكي في روضته, وابن سفيان في هاديه, وابن شريح في كافيه, والمهدوي في هدايته, وأبو الطاهر في عنوانه, وأبو الطيب بن غلبون وأبو العز القلانسي في إرشاديهما, وسبط الخياط في موجزه, ومن تبعهم كابن الكندي, وابن زريق, والكمال, والديواني, وغيرهم.
ومن أئمة القراءة من خص به السوسي وحده, كصاحب التيسير, وشيخه أبي الحسن طاهر بن غلبون, والشاطبي, ومن تبعهم, كما في "النشر" (1/276)

ثم اعلم أن قراءة العامة من أصحاب أبي عمرو إنما هو الإظهار وليس الإدغام كما ذكر ابن الجزري, وذكر أنه هو الثابت عنه في جميع الطرق.
فقد ذكر ابن الجزري رحمه الله في "النشر" (1/276) أنه ثبت عن أبي عمرو مع الإدغام وعدمه ثلاث طرق (الأولى) الإظهار مع الإبدال...
(الثانية): الإدغام مع الإبدال... وهو الذي عن السوسي في التذكرة لابن غلبون والشاطبية ومفردات الداني, وهو الوجه الثاني عنه في التيسير والتذكار, وهو المأخوذ به اليوم في الأمصار من طريق الشاطبية والتيسير وإنما تبعوا في ذلك الشاطبي رحمه الله.
قال السخاوي في آخر باب الإدغام من شرحه وكان أبو قاسم يعني الشاطبي يقرئ بالإدغام الكبير من طريق السوسي لأنه كذلك قرأ.
(الثالثة) الإظهار مع الهمز.
قال ابن الجزري: وهو الأصل عن أبي عمرو والثابت عنه في جميع الطرق وقراءة العامة من أصحابه, وهو الوجه الثاني عن السوسي في التجريد وللدوري عند من لم يذكر الإدغام كالمهدوي ومكي وابن شريح وغيرهم, وهو الذي في التيسير عن الدوري من قراءة الداني على أبي القاسم عبد العزيز بن جعفر البغدادي"اهـ

ومن المعلوم أن العلماء ضعفوا رواية التكبير بعد سورة الضحى إلى أخر القرآن, وهي قراءة البزي عن ابن كثير, لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم, كما ذكرته في موضع آخر.
وهذا مما يرجح ما ذكرته آنفاً, من أن أبا عمرو أو السوسي إنما قرأ بالإدغام الكبير باعتبار أنه من لغة العرب.

قال ابن تيمية رحمه الله كما في "جامع المسائل" (1/113): "وأما كيفيات الأداء مثل تليين الهمزة، ومثل الإمالة والإدغام، فهذه مما يسوغ للصحابة أن يقرأوا فيها بلغاتهم، لا يجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تلفظ بهذه الوجوه المتنوعة كلها، بل القطع بانتفاء هذا أولى من القطع بثبوته".

وما ذكرته هنا في مسألة الإدغام الكبير يصدق على كل صفات الأداء فإنها ليست مسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, والأدلة كلها تدل على هذا كما بينته في بحث مطول بعنوان " اختلاف القراء في صفات أداء التلاوة هل هو مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم ".
وكذلك في موضوع "هل قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالإمالة ومن أين جاءت الإمالة إلى الأئمة القراء".

والآن أقف وقفة مع أبي عمرو الداني في كتابه "الإدغام الكبير"
قال أبو عمرو الداني رحمه الله في كتابه هذا: "وقد رأيت أن أستفتح هذا الكتاب بتسمية من روي عنهم الإدغام وحفظت عنه حروفه من السلف رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين وخالفيهم, إذ كان قوم لا علم عندهم ولا دراية لديهم ينكرون القراءة بالإدغام, ويزعمون أنه يؤول إلى تغيير ألفاظ الحروف ويزيد معاني الكلم, وأن ذلك مما انفرد به أبو عمرو ولا مادة له, وأنه عن قراءة أهل الآثار بمعزل.

ثم ذكر أن الإدغام جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر حديث سفيان, عن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, عن أبي بن كعب, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ (لتخذت عليه أجراً) مدغمة ساقطة الذال مكسورة الخاء.

ثم ذكر أنه جاء عن الصحابيين وهما ابن عباس وأبي الدرداء.
ثم ذكر الروايتين عنهما فقال:
فروى داود بن علية, عن ليث بن أبي سليم, عمن سمع ابن عباس يقرأ (كم لبثت) قال (لبت) بالإدغام.
وروى الحسن بن عمران, عن عطية بن قيس, عن أم الدرداء, عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ بالإدغام.

قلت: كل هذا لا يصح, وإليك البيان.
أما حديث أبي بن كعب فإن الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية المشهورة أنه قرأها (لتخذت) بالتخفيف فقط, ولم يذكر حذف الذال.
هكذا أخرجه مسلم, وأحمد, وابن حبان.
بل جاء في رواية ابن حبان قوله: (مخففة) فقط لم يذكر غير ذلك.
فقول أبي عمرو الداني: (مدغمة ساقطة الذال) هذه فيما يبدو تفسير من أبي عمرو رحمه الله أو غيره بناء على فهم غير صحيح, فإن الحديث فيه فقط أنه قرأها مخففة (لتخذت).

وأما ما روي عن ابن عباس فإنه قد رواه معلقاً لم يبين أول إسناده.
ثم إن ليث بن أبي سليم ضعيف.
ثم إنه فيه انقطاعاً, فإنه قال: عمن سمع ابن عباس.

وأما ما روي عن أبي الدرداء فإنه قد رواه أيضاً معلقاً لم يبين أول إسناده.
ثم إن الحسن بن عمران لين الحديث كما قال ابن حجر.
ثم إنه إنما ذكر الإدغام هكذا مطلقاً, فلا يصح الاستدلال به على الكبير.

ثم ذكر أبو عمرو الداني أن الإدغام روي عن جماعة قليلة من التابعين.
قلت: إن صح عن بعض هؤلاء التابعين فإنهم إنما قرؤوا بذلك كما قرأ أبو عمرو باعتبار أنه من لغة العرب.

نتيجة البحث:
** بعد أن تبين أن الإدغام الكبير قد انفرد به أبو عمرو رحمه الله من بين سائر العشرة.

** وبعد أن تبين أنه إنما قرأ بذلك لأنه من لغة العرب, وليس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ به, فقد كان أبو عمرو ينتسب لتميم, والإدغام لهجة تميمية.

** وبعد أن تبين أن قراءة العامة عن أبي عمرو إنما هو الإظهار كغيره من القراءة وليس الإدغام.

** وبعد أن تبين أنه لا يصح أي دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه قد قرأ بالإدغام الكبير, بل قد ورد عن بعض الصحابة وجماعة من السلف والأئمة التصريح بكراهته وعيبه.
وأما القول بتواتره فنعم هو متواتر عن أبي عمرو.
وأما ادعاء أنه متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فالواقع ينفيه كما بينته في موضوع "تواتر القراءات بين الظن والتوهم والواقع اليقين".
ولا يصح رواية واحدة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فضلاً عن تواتره.

** وبعد أن تبين أن الإدغام الكبير يفسد المعنى في بعض المواضع.

بعد أن تبين هذا كله أقول:
إن وجد أحد لهجته فيها الإدغام الكبير فليقرأ به ولا بأس, لأنها لهجته لا يكلف سواها.
أما من كانت لهجته خالية من ذلك كما هو حال كل الناس اليوم أو أكثر الناس فالأفضل أن يقرأ بالقراءة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها خالية من الإدغام الكبير.
وهي التي نقلها القراء العشرة وغيرهم سوى أبي عمرو رحمه الله.

فإن قيل: إن من يقرأ لأبي عمرو رحمه الله فلا بد أن يقرأ بالإدغام الكبير لأنه من قراءته بالاتفاق, وكيف يقرأ لأبي عمرو دون الإدغام الكبير.
فجواب هذا بينته في بحوث أخرى.
بينت فيها أن صفات الأداء ليست داخلة في قول السلف: (القراءة سنة متبعة).
وأنها ليست من القراءات ولا من الأحرف السبعة.
وأن صفات الأداء كلها ليست منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكرت هذا في موضوع " هذا مراد السلف بقولهم: (القراءة سنة متبعة)"
وموضوع "تحرير مسائل الأحرف السبعة"
وموضوع "اختلاف القراء في صفات أداء التلاوة هل هو مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم".
والله تعالى أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم ومحبكم صالح بن سليمان الراجحي
Alrajhi.sr@gmail.com
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30-04-19, 01:06 AM
عبد الرحمن التلمساني عبد الرحمن التلمساني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-09-15
المشاركات: 179
افتراضي رد: الإدغام الكبير لأبي عمرو ما أصله ؟ ولماذا أنكره بعض الصحابة وبعض الأئمة (بحث مختصر)

قال الشيخ ابن عاشور رحمه الله في تفسيره : ومزية القراءات من هذه الجهة عائدة إلى أنها حفظت على أبناء العربية ما لم يحفظه غيرها وهو تحديد كيفيات نطق العرب بالحروف في مخارجها وصفاتها وبيان اختلاف العرب في لهجات النطق بتلقي ذلك عن قراء القرآن من الصحابة بالأسانيد الصحيحة.

لقد التبس عليك أمر القراءات حين رأيت القرآن نزل بلغة العرب وأسلوبهم في استعمال الكلمات وتركيب حروفها كما أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز أنه قرآن عربي، فاشتبهت عليك أحكام الترتيل إذ القرآن يُقْرَاُ بها والعرب تكلمت ببعض أحكام الأداء لكن هل أصله في القرآن من الوحي أم من كلام العرب، وقد ذكرت لك سابقا أدلة أن الأداء وحي نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.


وبهذا الالتباس صرت تحمل كلام العلماء على محمل خاطئ كقولك : كما في النشر الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتهم ، فهذا حق لكن ليس فيه أي دلالة أن الإدغام الذي ورد في القرآن أصله من وضع العرب وإن كان موافقا له في الصفة والعرب تفعله، ونقلك هذا ليس فيه دليل على ما ذهبت إليه ، وجل نقولك عن أهل العلم كان بهذا الأسلوب . تلتقط كلاما عابرا وتحمله على غير مراد قائله ثم ختمت كلامك بقولك: "فهذا النص يدل بكل وضوح على أن الإدغام من ابي عمرو اجتهاد واختيار" ، وهو في الحقيقة لا يدل على ذلك بل هو تلبيس وإيهام.


ومرات تنقل كلاما لا علاقة له أصلا بالموضوع الذي تتحدث عنه ثم تزعم أنه دليل على صحة قولك ، كقولك : "ومن المعلوم أن العلماء ضعفوا رواية التكبير بعد سورة الضحى إلى آخر القرآن، وهي قراءة البزي عن ابن كثير ، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكرته في موضع آخر. وهذا مما يرجح ما ذكرته آنفا، من أن أبا عمرو أو السوسي إنما قرأ بالإدغام الكبير باعتبار أنه من لغة العرب". فما دخل التكبير في الإدغام هنا وذاك له سند وهذا له سند آخر، فأي تلاعب هذا وتشويش ؟ وحديث التكبير أفتى به الشافعي وأحمد وللكلام عن هذه المسألة موضع آخر.

وكلامك في كل بحوثك مليء بالتناقضات فكيف تنقل عن ابن تيمية أن الإدغام ونحوه مما يسوغ للصحابة أن يقرؤوا فيها بلغاتهم ثم تنكر على ابي عمرو البصري إدغامه وأنه تحريف للمعنى ، وإنما كلام ابن تيمية يحمل على أن هذا كان جائزا في بداية الأمر لهذا رويت قراءات كثيرة جدا على الرسم العثماني، ولما وضع أهل الصنعة كابن مجاهد رحمه الله وغيره الأركان الثلاثة في قبول القراءة التي تجزئ بها الصلاة منها صحة السند وجدوها اجتمعت في القراءات العشر المعروفة اليوم فقط، فألغوا ما سواها وحرموا القراءة بها في الصلاة وخارجها لكن رخصوا أن يستدل بها على التفسير وقواعد النحو لأنه كلام جائز في لغة العرب فصح به تفسير القرآن وذكره في الشواهد النحوية .



وليس كل قارئ وافق لغة من لغات العرب يعني أنه أتى بها من عنده وليس ابن العلاء البصري وحده من وافق لغة تميم، قال السيوطي رحمه الله في ألف ضمير أنا في همع الهوامع : وليست الألف من الضمير بدليل حذفها وصلا هذا مذهب البصريين ومذهب الكوفيين واختاره ابن مالك أن الضمير هو المجموع بدليل إثبات الألف وصلا في لغة قالوا والهاء في أنه بدل من الألف وفي الألف لغات إثباتها وصلا ووقفا وهي لغة تميم وبها قرأ نافع وقال أبو النجم :أنا أبو النجم وشعري شعري ... وحذفها فيهما وحذفها وصلا وإثباتها وقفا وهي الفصحى ولغة الحجاز.


وقولك عن هذا الإدغام :"وأما القول بتواتره فنعم هو متواتر عن ابي عمرو " فمن أين أتاك هذا التواتر عنه في هذه الساعة وهو إدغام مختلف فيه بين القراء عن أبي عمرو.ومنهم من لم يذكره أصلا، وقد نقلت قبله بقليل عن ابن الجزري أن الإظهار مع الهمس هو الأصل عن أبي عمرو والثابت عنه في جميع الطرق و قراءة العامة من أصحابه ، فمن أين أتاك هذا التواتر؟ وسبب اختلافهم هو الاختلاف في ثبوته نقلا وهذا الإدغام الذي حاولت أن تستأسد به على إنكار أحكام التجويد هو جزء يسير من بحر هذا العلم .


وأما إنكارك لهذا الإدغام عن أبي عمرو بدعوى أنه انفرد به عن سائر القراء ، فقد تفرد قراء آخرون بأحكام وتميزوا بها عن البقية ولم يستدل أحد بهذا التفرد على إنكار قراءته جملة وتفصيلا أو أنكر أحكام التجويد لأن العمدة في ذلك عندهم جميعا هي الرواية وليس بالتشهي ،وقاعدتهم في ذلك من حفظ حجة على من لم يحفظ ، قال ابن حجر في الفتح : (إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي أي إن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته بل المراعى في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وسلم). فجعل السماع هو الأصل في قراءة القرآن.


وأما ذكرك أن بعض أهل العلم أنكر على أبي عمرو فليس هو وحده الذي أنكر عليه بعض الحروف عند التفرد ،فقد أنكر الأخفش قراءة نافع قوله تعالى : {و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قرأها ميسُرة بضم السين وحده على وزن مفعُلة بضم العين وقرأ البقية بالفتح، فأنكره الأخفش بحجة أنه لم يرد هذا الوزن في كلام العرب، والعبرة في هذا الرواية كما تقدم.



وبدل أن تقف وقفة مع أبي عمرو الداني رحمه الله اجلس جلسة تتعلم فيها الألفاظ التي تستعمل مع من أفنى عمره في خدمة علوم القرآن حتى صار إماما فيها لعله ينالك شيء من بركة العلم ، ولا اشك أن في بحوثك السابقة مررت بطرف من أقوال أهل العلم التي تخالفك لكنك تنقل ما لك فقط وتعرض عما هو عليك ، وما تنقله أصلا ليس فيه أي حجة لك بل غالبه عليك.

وأراك في كل بحث تُحْدثه تتبعه بفتوى عجيبة. من كانت لهجته فيها الإدغام أو الإمالة أو......... فليقرأ به ومن كانت لهجته خالية من ذلك فلا يقرأ به.... فسبحان الخالق أي تلبيس هذا وقد طغت العامية على الشعوب أم تظن أن الإمالة وغيرها من أحكام التجويد يستعملها القارئ بالتشهي في أي موضع من القرآن شاء أم تريد أن تجعل القرآن يقرأ كالجرائد بدون تجويد حروفه فأي تلبيس هذا.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-05-19, 06:23 PM
ابن سهيلة ابن سهيلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-10-09
المشاركات: 254
افتراضي رد: الإدغام الكبير لأبي عمرو ما أصله ؟ ولماذا أنكره بعض الصحابة وبعض الأئمة (بحث مختصر)

أهلاً بك أخي عبد الرحمن
هذه توضيحات مختصرة لما اعترضت به يا صاحبي العزيز.

ولكن قبل أن أبدأ أريد أن أخبرك أنني لست ممن ينتسب لمدرسة القراءات المعاصرة, بل إنني أخالفها في مسائل متعددة بالدليل والحجة بحمد الله, لأني أنتسب لمدرسة القراءات الأولى مدرسة السلف والقراء العشرة, وهناك فروق كبيرة وكثيرة بين المدرستين.

فالمتأخرون خالفوا المتقدمين في مسائل كثيرة لعلي أفرد لها قريباً موضوعاً خاصاً.

ودعني الآن على سبيل المثال أذكر مثالاً واحداً مما خالفت فيه مدرسة المتقدمين مدرسة المتأخرين.

حين ذكرت سابقاً أن القراء العشرة وغيرهم من السلف في القرون المفضلة كانوا يقتصرون على قراءة واحدة فقط يختار كل منهم قراءة ويلتزمها ويعرف بها لم يأت آت فيثبت خلاف ذلك وأن القراء أو غيرهم في ذلك الزمن الجميل كانوا يشتهرون بقراءات متعددة لا ثلاث ولا خمس ولا ثمان ولا عشر.
بينما ذلك في مدرسة القراءات عند المتأخرين والمعاصرين مختلف تماماً, فإنهم يرون أن القراءة بسبع قراءات أو عشر من أفضل الأمور والأعمال مخالفين بذلك منهج السلف والقراء الأولين.

وعليه فلا يستقيم أخي أن تستدل علي بمقررات مدرسة المتأخرين, لأن موضوعاتي وأبحاثي التي أكتبها إنما هي في بيان مخالفة المتأخرين للمتقدمين وبيان أنهم في مخالفتهم أخطؤوا ونهجوا غير نهج الأولين.

كقولك: إن صفات الأداء منقولة بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم
هذا قول لم يقل به أحد من السلف والقراء الأولين قاطبة ولن تجد حرفاً واحداً من كلامهم يؤيد ذلك.
وأما قول السلف رحمهم الله: (القراءة سنة متبعة) فلا يريدون بها أنها سنة متبعة في طريقة الأداء, وإنما هي سنة في قراءة الكلمات والحروف والإعراب, فإن القرآن لا يقرأ حسب رسمه كيفما اتفق بل القراءة سنة متبعة.

ولو تتبعت بنفسك أين يقولون هذه الجملة فلن تجد إلا أنهم يقولونها عند الاختلاف في الكلمات والحروف والإعراب, ولا يقولونها أبداً عند ذكر الأداء, وإنما هذا شيء مضى عليه بعض المتأخرين وظن المعاصرون أن الأمر كذلك على الحقيقة, والحقيقة بخلاف ذلك.

ومن قرأ أبحاثي المتواضعة وموضوعاتي رأى بكل وضوح استدلالي بأقوال الأئمة من المتقدمين والقراء الذين قام على أيديهم علم القراءات ولم أذكر أي قضية مخالفة لمنهج القراء أو لم يقل بها أئمة معتبرون.
نعم هي تخالف ما يظن بعض الناس اليوم أنه مجمع عليه والأمر ليس كذلك.
لأن جل الناس اليوم ينتمون لمدرسة واحدة ولا يجرؤ أحد على التصريح بمخالفتها, فقد قامت عليها كليات القرآن ومعاهده ومدارسه وحلقاته في عامة أرجاء العالم الإسلامي.

فينبغي أخي الكريم أن لا تستغرب حين أتبنى مسائل مخالفة لما نشأت عليه أنت أو ما مضت عليه مدرسة المتأخرين أو ما تعتقد أنه هو الصواب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, أو ما تظن أن الأمة قد أجمعت عليه منذ عهد الصحابة إلى اليوم والواقع بخلاف ذلك.

وياليت أنه على الأقل تتسع صدورنا لهذا الخلاف, فالخلاف سنة الله في الأرض بدأ من عهد الصحابة رضي الله عنهم ولن ينتهي حتى تبعث الريح الطيبة.

ولا أريد أن أطيل أكثر من ذلك فأبدأ فأقول:

قولك:
قال الشيخ ابن عاشور رحمه الله في تفسيره : "ومزية القراءات من هذه الجهة عائدة إلى أنها حفظت على أبناء العربية ما لم يحفظه غيرها وهو تحديد كيفيات نطق العرب بالحروف في مخارجها وصفاتها وبيان اختلاف العرب في لهجات النطق بتلقي ذلك عن قراء القرآن من الصحابة بالأسانيد الصحيحة".

أقول:
لا شك أن القراءات حفظت كيفيات نطق العرب بالحروف واختلافهم في لهجاتهم وأن بعض هذه اللهجات نقلت من قراء الصحابة أو التابعين.
ولكن لا يلزم من ذلك أن هذه اللهجات كلها نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم وأقرأ القرآن بها.
فالأدلة الكثيرة التي ذكرتها في موضع آخر كلها تدل على أن طريقة الأداء ليست من
القراءات وليست منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم

نعم قيل بذلك وهو الذي تتبناه مدرسة القراءات المعاصرة, وقال به علماء سابقون لكن ليس هو محل إجماع, فقد نقلت عن علماء وأئمة سابقين ومعاصرين ما يخالف هذا الأمر المشهور, وأنا أتبناه وأعتقده لأني أراه واضحاً جلياً.


وقولك :
لقد التبس عليك أمر القراءات حين رأيت القرآن نزل بلغة العرب وأسلوبهم
فاشتبهت عليك أحكام الترتيل إذ القرآن نزل بها والعرب تكلمت ببعض أحكام الأداء
وبهذا الالتباس صرت تحمل كلام العلماء على محمل خاطئ, كقولك: كما في النشر: الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتهم... فهذا حق لكن ليس فيه أي دلالة أن الإدغام الذي ورد في القرآن أصله من وضع العرب, وإن كان موافقاً له في الصفة والعرب تفعله...

أقول:
لم يلتبس والحمد لله.
فالقرآن لا شك نزل بلسان عربي مبين, وقد ترك للناس أمر الأداء يقرؤونه وفق لهجاتهم وما يقدرون عليه, فحين يقرأ قارئ بلهجة قومه وهو لم يخرج عن اللسان العربي فلا يعني هذا أن كل لهجة مردها قراءة النبي صلى الله عليه وسلم.
والأدلة على هذا كثيرة جداً قد ذكرت في موضع آخر.

وقولك:
تنقل كلاماً لا علاقة له بالموضوع ثم تزعم أنه دليل ككلام العلماء في رواية التكبير للبزي ... فما دخل التكبير في الإدغام هنا...

أقول:
العلاقة أنه حين يشتهر عند جميع القراء بعد السلف أن التكبير يشرع في قراءة البزي عن ابن كثير وينسب ذلك للنبي الله عليه وسلم, ثم يتكلم العلماء بكلام شديد في هذا التكبير وأنه لا يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم, فالإدغام الكبير إذاً مثله, فكلاهما قد نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, وكلاهما قد تكلم فيه.
وما هذا إلا دليل مكمل أما الأدلة التي عليها الاعتماد فهي كثيرة جليلة مذكورة في موضع آخر.

وانظر إلى ما قاله العلماء في شأن التكبير:
قال ابن تيمية رحمه الله كما في "الفتاوى" (17/130) : والتكبير المأثور عن ابن كثير ليس هو مسنداً عن النبي صلى الله عليه وسلم, ولم يسنده أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا البزي, وخالف بذلك سائر من نقله, فإنهم إنما نقلوه اختياراً ممن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم, وانفرد هو برفعه, وضعفه نقلة أهل العلم بالحديث والرجال من علماء القراءة وعلماء الحديث كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء, فالمقصود أن من السنة في القرآن أن يقرأ كما في المصاحف"اهـ
وذكر الذهبي رحمه الله في "الميزان" (1/145) حديث البزي في التكبير, وقال: هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي, قال أبو حاتم: هذا حديث منكر.
وقال أيضاً في "السير" (12/51) : وصحح له الحاكم حديث التكبير، وهو منكر.
وقال في " تاريخ الإسلام " (18/145): "وقد تفرد بحديث مسلسل في التكبير من (والضحى)، وهو حديث منكر".
وقال في "معرفة القراء الكبار" (1/ 309) في ترجمة عكرمة بن سليمان: "هو شيخ مستور الحال فيه جهالة, وقد تفرد عنه البزي بحديث مرفوع في التكبير من والضحى, وهو خبر منكر, والبزي غير حجة في الحديث.
وقد تفرد الحسن بن الحباب عن البزي بزيادة (لا إله إلا الله) مع التكبير كما قال الذهبي في معرفة القراء الكبار" (1/455)
وهذا التكبير حكم عليه عطاء رضي الله عنه بأنه بدعة, وقد تركه أهل مكة زماناً ثم عادوا إليه.
قال الفاكهي في "أخبار مكة" (3/36): حدثنا أبو عمرو الزيات سعيد بن عثمان مولى ابن بحر المكي قال: حدثنا ابن خنيس قال: حدثنا وهيب بن الورد قال: قيل لعطاء: إن حميد بن قيس يختم في المسجد، فقال عطاء: لو علمت اليوم الذي يختم فيه لأتيته حتى أحضر الختمة, قال وهيب: فذكرت لحميد قول عطاء، فقال: أنا آتيه حتى أختم عنده قال: فذكرت ذلك لعطاء فقال عطاء: لا ها الله إذاً نحن أحق أن نمشي إلى القرآن, قال: فأتاه عطاء فحضره، فجعل حميد يقرأ حتى بلغ آخر القرآن يكبر كلما ختم سورة كبر حتى ختم، فقال لي عطاء: ما كان القوم يفعلون هذا.
قال الفاكهي: "حدثني أبو يحيى بن أبي مسرة، عن ابن خنيس قال: سمعت وهيب بن الورد، يقول: فذكر نحوه وزاد فيه: فلما بلغ حميد {والضحى} كبر كلما ختم سورة، فقال لي عطاء: إن هذا لبدعة.
وقال ابن أبي عمر: أدركت الناس بمكة على هذا كلما بلغوا {والضحى} كبروا حتى يختموا، ثم تركوا ذلك زماناً ثم عاودوه منذ قريب، ثم تركوه إلى اليوم".

وقولك:
فكيف تنقل عن ابن تيمية أن الإدغام ونحوه مما يسوغ للصحابة أن يقرؤوا فيها بلغاتهم ثم تنكر على أبي عمرو إدغامه وأنه تحريف للمعنى...

أقول:
لم أنكر على أبي عمرو إدغامه, وهي لهجة من لهجات العرب والقرآن بلسان عربي, لكن ما دخلنا أنا وأنت بهذه اللهجة, الصحابة كما قال ابن تيمية قرؤوا بلغاتهم أي (لغاتهم هم).
ومن يقرأ بالإدغام الكبير وهو من لغته فليس فيه تحريف للمعنى, لأن هذه لغته ولهجته.

وقولك:
إما انكارك لهذا الإدغام عن أبي عمرو بدعوى أنه انفرد به... لأن العمدة في ذلك عندهم جميعاً الرواية...

أقول:
ذكرت في موضوع صفات الأداء أن هذا الدليل من أوضح الأدلة.
فلا يمكن أن ينفرد أحد القراء بشيء من الأداء وهو متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم, ولماذا يزهد جميع القراء بهذا الأداء إلا فرداً واحداً من القراء, إنها مفخرة وأي مفخرة أن يقرأ القارئ بأداء مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلماذا يا ترى يُجمِعون على الإعراض عنه سوى قارئ واحد من بين القراء العشرة.
فالأداء في التلاوة إنما مرده إلى اختيار القراء وتغنيهم واختلاف طرائقهم وبلادهم ولهجاتهم, وليس هذا الاختلاف متلقى عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم.
وإلا كيف ينفرد قارئ واحد دون عشرة قراء أو عشرين بأداء لا يشاركه فيه أحد, أتواصوا بذلك فقرأ كل راو بما وكل إليه من هذا الانفراد, أم اتفقوا صدفة على هجران أداء مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن هذا من أجلى البراهين لم تأمله باحثاً عن الحق والصواب.
كانفراد أبي عمرو البصري بالإدغام الكبير.
أو خلف عن حمزة بإشمام الصاد الزاي في (الصراط) في جميع القرآن.
أو ابن كثير بوصل هاء الكناية بالياء أو بالواو.
أو ابن كثير وأبي جعفر بوصل ميم الجمع بواو, كمثل قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم).
أو حفص بضم الهاء في (وما أنسانيه إلا الشيطان) في الكهف, وفي (وعاهد عليه الله) في الفتح
أو ورش بمد حرف المد بعد الهمز نحو (آمنوا) و(الآخرة).
قال ابن الجزري: "ما وقع فيه حرف المد بعد الهمز فإن لورش من طريق الأزرق مذهباً اختص به"اهـ
وأنكر هذا المد ابن غلبون وأبو عمرو الداني وغيرهما.
وذكر أبو عمرو الداني أن الصواب أن هذا المد ليس من مذهب نافع ولا اختياره، ولا من رواية ورش ولا أدائه، وأنه استحسان واختيار من أهل الأداء عن أصحابه, وذكر أن بعض العلماء قال: إنما كان المشيخة من المصريين يأخذون بالتحقيق والإفراط في المد على المبتدئين على وجه الرياضة لهم.
وقال أبو عمرو: هذا الذي يوجبه القياس ويحققه النظر وتدل عليه الآثار وتشهد بصحته النصوص، وهو الذي أتولاه وآخذ به.
أو انفراد البزي بتشديد التاءات في الفعل المضارع المحذوف إحدى التاءين تخفيفاً، كقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث), وقوله: (ولا تفرقوا).
أو ورش بتغليظ اللامات.
أو الأزرق عن ورش بترقيق الراءات.
أو الأزرق عن ورش بمد حرف المد بعد الهمز مثل (آمنوا) و (جاء آل فرعون)
أو أبي عمرو بكسر الميم والهاء في نحو (قلوبهم العجل، وبهم الأسباب، ويغنيهم الله، ويريهم الله، وعليهم القتال، ومن يومهم الذي).
أو أبي عمرو بإسقاط الهمزة الأولى من كل همزتين في كلمتين.
أو ورش بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها.
أو حمزة بالسكت على الساكن قبل الهمز.
أو أبي جعفر بالسكت على حروف الهجاء الواردة في فواتح السور.
أو حفص بالسكت على أربع كلمات (عوجا) أول الكهف (ومرقدنا) في يس (ومن راق) في القيامة (وبل ران) في المطففين.
أو حمزة بتسهيل الهمز في الوقف.
أو الكسائي بإمالة هاء التأنيث وما قبلها في الوقف.

وقولك:
قال ابن حجر: إن الإباحة لم تقع بالتشهي..., بل المراعى في ذلك السماع...

أقول:
قال الدكتور عبد الهادي حميتو في كتابه "اختلاف القراءات وأثره في التفسير" ص (40) "الحافظ ابن حجر ذهب في "الفتح" إلى أن بعض الصحابة كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن له مسموعاً, ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود, فكتب إليه: (إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل, فأقرئ الناس بلغة قريش, ولا تقرئهم بلغة هذيل, وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة".
ثم قال الدكتور حميتو: "وما ذهب إليه ابن حجر هو الذي تشهد له الآثار, وتؤيده النقول التي أسلفنا, إذ لو كان الأمر في ذلك مقصوراً على ما سمع من النبي  حتى في كيفيات الأداء لم يرتفع الحرج الذي شرعت له الرخصة, رفقاً بالشيخ والعجوز والجارية والغلام والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط.

وقولك:
وبدل أن تقف مع أبي عمرو الداني رحمه الله...

أقول :
رحم الله أبا عمرو الداني ذلك الإمام الجليل.
ولكن تأمل قوله الآتي, فإن وافقته فقد وافقتي فيما خالفتني فيه من قبل.
وإن خالفته فكيف تخالف من أفنى عمره في خدمة علوم القرآن حتى صار إماماً فيها كما ذكرت أنت.
قال أبو عمرو الداني في "جامع البيان" (1/58): "ولم يلزم أمته حفظها كلها ولا القراءة بأجمعها بل هي مخيرة في القراءة بأي حرف شاءت منها كتخييرها إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة بأن تكفر بأي الكفارات شاءت، إما بعتق وإما بإطعام وإما بكسوة...
قلت: (فمن حنث فأعتق فهل يجمع مع العتق الإطعام والصيام!)


وقولك:
أراك في كل بحث تتبعه بفتوى عجيبة... أتظن أن الإمالة وغيرها من أحكام التجويد يستعملها القارئ بالتشهي...

أقول:
لا بد أن نفرق بين طريقة الأداء وبين القرآن نفسه فهما حقيقتان متغايرتان عند جميع السلف, خلافاً لبعض المتأخرين الذين جاؤوا بعد السلف.
فحين يقرأ القرآن بالإمالة أو الإدغام أو الترقيق أو التفخيم أو غير ذلك فهو القرآن نفسه حين يقرأ بغير إمالة أو بغير إدغام أو غير ذلك.

ولا يغيب عن بالك أن أكثر أمة محمد صلى الله عليه وسلم من العوام.
فما رأيك في رجل عامي من اليمن أو من العراق أو من الشام أو غير ذلك لا يقدر لسانه إلا على إمالة بعض الحروف أو تفخيمها أو ترقيقها أو غير ذلك هل تمنعه من قراءة القرآن حتى يحفظ الشاطبية والطيبة وشروحهما ويعرف مواضع الإمالة وتفاصيلها التي هي في غاية الوعورة على المتخصصين فضلاً عن غيرهم.
أم يقرأ وفق ما يطوع به لسانه ولهجته التي لا يملك تعديلها.

وهل وجدت الأحرف والقراءات إلا من أجل ذلك!
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:23 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.