ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الطريق إلى طلب العلم
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 17-04-19, 05:11 PM
أبو الأشبال محمد أبو الأشبال محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-03-18
المشاركات: 25
افتراضي ( الرسالة القسنطينية ) في كيفية تحصيل العلوم الشرعية.

الحمد لله نحمده ونستعينه، ونصلي ونسلم على محمد وعلى آله وصحبه.
وبعد..
فقد سألتني أخي -وألححت علي في الطلب- أن أكتب لك رسالة في طرائق تحصيل العلم، وأسرار ذلك وخفاياه، فاعتذرت لك عاما كاملا متعللا بفقد الرغبة في الكتابة، وقلة الحيلة في الباب المطلوب، وبأمور أخرى ذكرتها لك، كانت مانعا لي من إيقاع مطلوبك، وتحقيق مرغوبك؛ ثم لما رأيت منك كل هذا الإصرار، لم أجد بدا من مخالفة نفسي وهواي، واستجابة طلبك ذاك، وقد رغبت أن أكتب لك هذه الرسالة القسنطينية نسبة إلى بلدك، واضعا لك فيها لباب ما بلغته نفسي في فهم أسرار تحصيل العلوم والمعارف، وسأبذل جهدي في تحرير مباحثها، وتقرير فصولها ولطائفها، وإن كانت النفس مشغولة هذه الأيام بغير العلم، وافتتانها بمطالب دنيوية أخرى، سائلا الله تعالى التوفيق والسداد، وأن يجنبنا مواقع الهلكة أو الزلل، فإنه لا يخيب عنده من قصده بقلب صاف وقلب مطمئنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
¤¤ مقدمة في أن العلم فتح وليس بكثرة الطلب وسبب خمود الحركة العلمية ¤¤
اشتهر عند كثير من طلبة العلم أن تحصيل العلم بكثرة المجهود، والاجتهاد في الحفظ والتكرار وجرد الصحف، فكانت تلك سيرة الأغلب الأعظم من طلبة العلم، وقد كان هذا المسقط قاسمة الظهر لتطور العلوم عند العرب والمسلمين، والعلة الأولى في انفصال العلم عن حياة الناس، لأنه اتخذ سبيلا غير سبيله، وبقي محصورا في حقبة زمنية مضت، وبات أغلب طلبة العلم يعيشون في زمن غير زمنهم، فهم عن الناس مفصولون، وعن واقع دهرهم مخمورون، فلا يعيش أحدهم إلا وهو معلق بزمن مضى، وإن كان المطلوب هو التعبد بشرع نزل، واستعماله في التقوي على نفع الخلق، وتقديم الخير للبشرية أجمع، بالجمع بين نور الوحي، وطمأنينة القلب، وخدمة حياة الناس، كل ذلك لتقوية سلطان الحق، في مواجهة عواصف الفتن التي تشتد دهرا بعد دهر، ولا يكون فيها المؤمن الضعيف إلا كالذي تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق.

ولما كان الأمر بهذا النحو، لزم أن تعلم أن العلم رزق يهبه الله من يشاء من عباده ولو بأقل مجهود، والعلم على الحقيقة نور رباني يخالط روح وقلب الإنسان، يكون له سبب توفيق وهداية، وسدادا في اختيار الحق من بين ركام الباطل، فإذا امتزج هذا النور بأنوار الشرع المنزل ازداد نورا وتوهجا، وحقق النفع، وأشار إلى الخير، وحجب عن الشر؛ إذا علمت ذلك فاعلم أنه إن انعدم هذا النور الموهوب، فلن ينفع طالب العالم حفظ النصوص ولا استظهار الصحف بشيء، إلا ما يكون من اطمئنان القلب بذكر الله وفضائل مجالس الذكر.
والحركة العلمية اليوم في بلاد المسلمين ضائعة بسبب هذا الملحظ، فقد تصدر في الناس قوم لا دراية لهم بحقيقة الدين وجوهره، استقر في خلدهم أن الدين حفظ نصوص الترغيب والترهيب وتقريع رؤوس الناس بها، وكأنهم أرباب من دون الله، ونسوا أن الدين نظام متكامل، كما أنه يخدم القلب فإنه يخدم العقل، وكما يخدم الآخرة يخدم الحياة؛ فأول مطلب اليوم لإعادة الحركة العلمية إلى مسارها الصحيح، تحديد الهدف المطلوب، لأن حفظ النصوص وإتقان اللغة ليس إلا جزءا بسيطا جدا من منظومة تطوير الحضارة الإسلامية والرقي بها، جزء بسيط جدا لا يصح أن يكون الشغل الشاغل الذي يقتل الصحة والوقت والجهد، فلزم تحديد المطلوب والسعي إلى تحقيقه في كتلة واحدة منسجمة على قلب رجل واحد، وأنت يا أخي -وفقك الله- إذا نظرت إلى واقع مدعي إصلاح الأمة وجدت كل واحد منهم منفرد لحاله، يسعى إلى مصلحته ومصلحة أبنائه، وكل همه في تعظيم نفسه وجاهه، وكأنه المخلوق الوحيد الذي أتى على ظهر هذه الأرض، نفوس متكبرة متعجرفة تدعي إصلاح الأمة فأنى يكون لها ذلك!!!
نعم أخي -وفقك الله-، العمل كلحمة واحدة، لمطلوب واحد، بقلوب متواضعة لا تعرف التكبر هو طريق الوصول، فإذا تحقق لنا في الأمة أمثال هؤلاء فاعلم أنه أول الطريق، أما والحال هكذا فاعلم أن المطلوب بعيد.
¤¤ فصل في أول ما ينبغي أن يسعى إليه المسلمون ¤¤
هناك أمور يلزم المسلمين معرفتها، وأقصد بالمسلمين المؤمنين الموحدين، الذين لهم غيرة على هذا الدين، ولا يرضون أبدا أن يكونوا ذيلا في الأمم، وهؤلاء اليوم أعز من الكبريت الأحمر، المؤمنون المستعدون لبذل أرواحهم وجهدهم ومالهم لأجل راية الحق، لأجل جعل هذه الأمة رأسا في كل شيء، رأسا في الدنيا قبل الدعوة إلى السجود، لأن دعوة البطن الجائعة إلى السجود من قبل البطن الممتلئة سخرية قذرة.
نعم أخي -وفقك الله- إنك إن أصلحت حياة الناس، وكسوت عاريهم؛ وسددت جوعتهم، وجعلتهم مطمئنين بشأن دنياهم، فاعلم أنك لو دعوتهم حينها إلى شريعة الله فسيتبعونك كما تتبع بقية سرب النحل الملكة.
الأمة اليوم بلغت مرتبة من الانحطاط مؤلمة، ويلزمنا تجرع الألم، ووضع مقصد إن لم نبلغه نحن يبلغه أحفادنا، تلزمنا البداية من لا شيء، والعزم على بلوغ المقصد بالصبر والتضحية، هذا الذي ينقصنا، وهذا الذي يبكي القلب دما، ليس مطلبا بعيدا، هو قريب بقدر ما هو بعيد، يلزمنا فقط تطهير قلوبنا، الأمم تعيش مجتمعة، فإذا أرادت الوصول يلزم أن تكون قلوبها مجتمعة، فالقلوب المتنافرة لا تصلح لغير حصب جهنم، أما بناء الأمم فهيهات {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا} هذا خطاب الله، لابد من الإيثار والصبر، إن آثرتك وآثرتني وصبرنا تأتلف القلوب، ولو اتلفت فكل شيء بعدها يهون.
¤¤ فصل في أن الحفظ سيف ذو حدين ¤¤
لا ينكر عاقل أهمية الحفظ في تحصيل العلوم، فبه تستحضر النصوص الشرعية التي تعتبر أصل الشريعة، وهو الآلة لاستحضار الأدلة والأحكام والمسائل المستعملة في الفكر والاستنباط، وبه تميزت هذه الأمة بين الأمم؛ لكن رغم كل هذا الشرف الذي يحوزه الحفظ، فإنه سلاح ذو حدين، لكون المبالغة فيه، وترجيحه على الفكر الذي بدونه لا يكون العلم علما، يؤدي إلى فساد العقول التي تعد عمود عملية إنتاج المعاني والأفكار والأحكام، وليعلم أنه إذا تقوى العقل بميزان الشرع أمكن الاستغناء عن الحفظ، ولا يمكن قط الاستغناء عن العقل.
ومن الآفات التي نتجت عن تعظيم الحفظ، استغراق كثير من طلبة العلم في الحفظ، وشغل كل أوقاتهم به، وتفريطهم في تقوية الأذهان التي تعتبر القوة الأولى في الاستهداء إلى مواطن الصواب، وتمييز الحق من الباطل.
ومن منطلق آخر، فإن العلوم ليست مرتبة واحدة، فإذا كان علم القرآن والحديث يحصلان بالحفظ، وإذا كان شطر الفقه يحصل بالحفظ، فمن الخطأ استعمال الحفظ في استحضار مسائل أصول الفقه أو المنطق التي ترسخ في الأذهان بمجرد فهمها وتطبيقها على نظائرها، هذا ملحظ لزم التنبه إليه، واعتباره في عملية التلقي والتلقين.
واعلم - وفقك الله- أن الغلو في قضية الحفظ كانت من أهم العوامل في انهيار الحركة العلمية الإسلامية، لعلك تنظر في كتب التاريخ أو الأدب، لترى كيف انزلق طلبة الحكمة من مقصد تحصيل العلم والفهم، إلى مقصد التفاخر بسرد الأحكام والمسائل والأحداث، حتى ماتت فيهم الروح الإيمانية، حتى أضحى العلم مجرد تفاخر وتكاثر في مجالس هي أبعد ما يكون عن مجالس العلم والذكر.
ورغم ذاك وذاك، فقيمة الحفظ ثابتة، وسأذكر لك هنا بعضا من أسراره التي يحصل بها، حتى تستعين بها على بلوغ ما تؤمله، رزقنا الله وإياك حسن الفهم والقصد.
إذا تكلمنا عن الحفظ فأول ما يتبادر إلى الذهن التكرار، فهو آلته الذي بها يحصل، وشرطه الذي لا يتحقق بدونه، والركن الأساس في عملية تخزين المحفوظ وقراره في الذاكرة، وللحفظ حد أدنى، وليس له حد أقصى، ذاك أن أقل ما يكون خمسين مرة، وكلما زاد زادت متانة الحفظ ورسوخه.
ورغم هذه القيمة التي يحوزها التكرار، فليس يتحقق النفع به إلا بشروط وصيغ تختلف باختلاف المحفوظ، وقد تجتمع بعض الشروط في جميع المحفوظات، سأذكرها لك قبل الخوض في صيغة تكرار كل محفوظ.
فمن المشتركات التفريق بين عملية الاستحضار وعملية التكرار، لكون التكرار لا يبدأ إلا بعد استحضار الجزء المرغوب في حفظه، وما قبل الاستحضار لا يسمى تكرارا.
ومن الأمور المشتركة بين جميع المحفوظات أن الفهم لا يدخل في عملية. التكرار، وإذا داخلها أفسدها، وبعض طلبة العلم يغتر بما يعلق بذهنه من فهمه لمسائل العلم، فيقتصر بالفهم عن التكرار، ونحن قد نبهناك قبل إلى العلوم ليس مرتبة واحدة،
... فمن العلوم ما لا يحتاج معه ابتداء إلى حفظ، وذاك كسائر العلوم العقلية، لأن الحفظ يفسد تحصيلها؛ ومنها نقلية محضة لابد فيها من التكرار، والفهم فيها يأتي تابعا مرسخا، ولا يعتمد عليه فيها لترسيخ المحفوظ ابتداء.
ومن المشتركات في جميع المحفوظات الربط، وهو الوصل بين المحفوظ القديم والجديد بثلاث كلمات على أقل تقدير، ووجهه أنك عند الشروع في الحفظ الجديد تقرن به آخر ثلاث كلمات من المحفوظ القديم، وتختمه بثلاث كلمات من ورد اليوم الموالي، وتحديد الربط بثلاث كلمات لأن النفع فيه لا يحصل بأقلها، ومتى زاد الطالب فيه كان حسنا، لكن لا ينبغي أن يبالغ فيه حتى لا يصير عبثا، وأكثره سبع كلمات.
ومن المشتركات أيضا السرعة في تكرار المحفوظ، حتى يصير جريانه على اللسان دون تلعثم.
ومن المشتركات في جميع المحفوظات اختيار الوقت، وليس متعلقا بوقت معين، لكن باعتبار نشاط الحافظ وحيويته، فإن الدماغ يبذل في عملية الحفظ جهدا عظيما يتطلب طاقة ونشاطا، لذلك يكون أقدر على ترسيخ المحفوظ بعد الاستيقاظ من النوم، وكلما ارتاح الطالب أكثر كلما زادت شهيته للحفظ واستيعابه المحفوظ، لأجل هذا اختار أغلب العلماء بعيد صلاة الفجر وقتا للحفظ، وأضف إليه ما بعد القيلولة، فإن الدماغ يكون مهيأ للحفظ بشكل عجيب.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:31 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.