ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الطريق إلى طلب العلم
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-10-11, 11:22 PM
أبو بكر السلفي المقدسي أبو بكر السلفي المقدسي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-09-11
الدولة: فلسطين-غــــــزة
المشاركات: 968
افتراضي تتممة المحاضرة الثانية من سلسلة((تفريغ الدروس المهمة التي ترفع الهمة))/متجدد

ها هي تتممة المحاضرة الثانية من هذه السلسة المباركة بأذن الله
وأبدأها ب

الغربة في طلب العلم


قال: والغربة على نوعين، وولا ينبل طالب العلم إلا إذا حقق النوعين معاً: النوع الأول: أن يكون غريباً في وسط الناس، له اهتمامات غير اهتمامات الخلق هم يبحثون عن الضياع وعن المتع وعن الدنيا، وهو يباينهم تماماً، كما في الأبيات التي تنسب للشافعي: سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناق وألذ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراقي يا من يحاول بالمنايا رتبتي كم بين مستقل وأخرواقي أبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي والإمام الخطابي رحمه الله له بيتان من الشعر فيهما يتوجع فيهما ويذكر هذا النوع من الغربة فيقول: وما غُرْبَةُ الإنسان في شقة النَّوَى ولكنَّهَا والله في عَدَمِ الشكْلِ وإنى غريبٌ بين بُسْت وأهلها وإن كان فيها أُسْرَتِي وبها أهْلي يقول: ليست الغربة أن تغترب عن بلدك، لكنها في عدم الشكل: أي: ألا يكون لك شكل.
أنت من أهل السنة وكل الموجودين مبتدعة أنت غريب أنت طالب علم نافع وكل الذين حولك من أرباب الدنيا فأنت غريب، لا يوجد لك شكل، ولا يوجد مثلك.
و (بست) وهي اسم المدينة التي كان منها أبو سليمان.
هذا هو النوع الأول من الغربة.
النوع الثاني: وهو أنبل وأعظم، وهو الذي يسميه العلماء: الرحلة في طلب العلم، أن يغترب المرء عن بلده وأولاده لطلب العلم، وعلماء الحديث أعظم الناس منة على هذه الأمة بهذه الرحلة، فأكثر الناس رحلة هم علماء الحديث، فكم من ليالٍ افترشوا فيها الغبراء والتحفوا السماء! وفارقوا الأهل والأوطان والديار في سبيل تحرير لفظة واحدة أنت لا تقيم لها الآن وزناً!!

نماذج من رحلة أصحاب الحديث
ذكر ابن حبان في مقدمة كتاب المجروحين من طريق أبي الحارث الوراق، وهو متروك، لكن القصة وردت من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة، وذكرها كذلك الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية، وكذلك أبو موسى المديني.
يقول أبو الحارث الوراق: جلسنا بباب شعبة نتذاكر السنة، فقلت: حدثنا إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر الجهني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية) ، فعندما انتهى من الحديث كان شعبة خارجاً من الدار، فلطمه، وكان مع شعبة عبد الله بن إدريس، فقعد أبو الحارث الوراق نصر بن حماد يبكي، فقال: عبد الله بن إدريس: إنك لطمت الرجل، فقال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدث.
لقد سألت أبا إسحاق عن هذا الحديث -وسرد شعبة قصته مع هذا الحديث، وكان شعبة يحفظ ألوفاً مؤلفة من الأحاديث، فلو كانت عشرة آلاف فقط لعلمت مدى ما بذله شعبة في طلب الحديث وفي تصحيحه - قال: سألت أبا إسحاق السبيعي عن هذا الحديث، فقلت له: هل سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء؟ وشعبة سأل أبا إسحاق هذا السؤال لأن أبا إسحاق كان يدلس تدليس الإسناد، فخشي أن يكون أبو إسحاق قد دلس فيه.
والتدليس معناه: عمل شيء بالخفاء، ويعرفه العلماء فيقولون: هو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، مثلاً: أنا في عصر الإمام أحمد وأقول: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس، فأنت عندما تريد أن تحدث بهذا الحديث فتقول: حدثنا فلان، قال حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس.
فإذا حصل لك شيء وسافرت، وحدثت بعشرة أحاديث في حال غيابك، وعندما عدت من سفرك أخبرك بها بعض إخوانك ممن حضر المجلس، فإذا حدثت بهذه الأحاديث العشرة عني مباشرة فستكون قد دخلت الدائرة الحمراء، فإما أن تكون كذاباً أو تكون مدلساً، فيجب عليك إذا أردت أن تحدث بهذه الأحاديث العشرة أن تقول: حدثنا فلان -أي زميلك- عن فلان -أي أنا- عن ابن عيينة عن الزهري عن أنس وبهذا تكون قد نزلت درجة في السند، والعلو هو أن تقلل عدد الوسائط بينك وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا يسمى: تدليس الإسناد وهو أكثر أنواع التدليس دوراناً في الأسانيد، والذي يدلس يحدث بلفظ (عن) ؛ لأن (عن) لفظة تحتمل السماع وعدمه، وهذا معنى قول المحدثين: (وقد عنعنه) أي: رواه بلفظ (عن) .
المهم: أن أبا إسحاق السبيعي كان ممن يدلس تدليس الإسناد، وشعبة كان يكره التدليس جداً، وكان يقول: التدليس أخو الكذب.
وكان يقول: لأن أشرب من بول حمار حتى أروي ظمئي أحب إلي من أن أدلس.
وكان يقول: لأن أزني أحب إلي من أدلس.
فلما سأل شعبة أبا إسحاق السبيعي وقال له: هل سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء؟ غضب أبو إسحاق وأبى أن يجيب، وكان يجلس مع أبي إسحاق السبيعي مسعر بن كدام، وهو أحد الأئمة الثقات الكبار الحفاظ، وكان أبو حاتم الرازي يقول عنه: مسعر المصحف، أي: أنه يحفظ الحديث كما يحفظ المصحف.
فقال مسعر: يا شعبة! إن عبد الله بن عطاء حيٌ بمكة.
وهم حينئذ في البصرة، قال شعبة: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته: هل سمعت حديث الوضوء من عقبة بن عامر؟ فقال: لا.
إنما حدثنيه سعد بن إبراهيم.
وهو مدني، فلقيت مالكاً في الحج، فقلت له: حج سعد بن إبراهيم؟ قال: ما حج العام، قال: فقضيت نسكي وتحللت وتحركت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم، فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.
ولكن حدثني زياد بن مخراق، من البصرة، فانحدرت إلى زياد وأنا كثير الشعر وسخ الثياب، فقلت: حديث الوضوء أسمعته من عقبة بن عامر؟ قال: ليس من حاجتك، فقلت: لابد، فقال: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل وتغسل ثيابك وتأتيني، قال: فذهبت إلى الحمام فغسلت ثيابي وأتيت، فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.
حدثني شهر بن حوشب، فقلت له: شهر عمن؟ قال: عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر.
هذا هو التدليس! فقد أصبح بين أبي إسحاق السبيعي وبين عقبة بن عامر أربعة رجال، فقال شعبة: حديثٌ صعد ثم نزل لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إليّ من أهلي ومالي.
لله در علماء الحديث والجرح والتعديل! ولا أستطيع أن أجد عبارة توفي حق علماء الحديث.
كان الإمام أبو زكريا يحيى بن معين يحدث يوماً، وعندما وصل في سند الحديث إلى الأعمش رأى أحد تلاميذه أخذ غفوة، فتابع ابن معين الحديث وأملى عشرة أحاديث، حتى وصل إلى الحديث العاشر وفي سنده ذكر الأعمش، فاستيقظ ذلك التلميذ وظن أنه لم يفته شيء من الحديث، فتابع كتابته من الأعمش، فاختلط عليه حديث في حديث آخر، وفاتته عشرة أحاديث، فعندما جاء هذا التلميذ يحدث قال له ابن معين: كذبت.
هذا الحديث ليس هذا سنده؛ لأنك كنت نائماً، وإذا لم تكن مصدقاً لما أقول فانظر إلى أصحابك فليس عندهم هذا الحديث عن الأعمش.
ومما يروى في ذلك: أن أبا نعيم الفضل بن دكين -وهو من الأئمة الحفاظ- كان من طريقته إذا جلس للتحديث: أن يقعد على كرسي يدور، وكان يجلس الإمام أحمد بن حنبل عن يمينه ويجلس يحيى بن معين عن يساره، فدفع يحيى بن معين مرة الفضول وقال: أريد أن أختبر الفضل هل هو حافظ ثبت أم لا؟ فقام يحيى بن معين فأتي بورقة وكتب فيها خمسين حديثاً، أربعون حديثاً من أحاديث الفضل وعشرة أحاديث ليست من أحاديثه.
فإذا قرأ: الفضل رحمه الله هذه الأحاديث ولم يميز بين حديثه وحديث غيره، فدرجة الحافظ لا تنطبق عليه، أي: فهو (سيئ الحفظ) .
فعرض يحيى بن معين الفكرة هذه على أحمد بن حنبل، فقال له أحمد: لا تفعل، فإن الرجل ضابط حافظ، فقال له: لا بد أن أعملها، وأخذ يحيى بن معين الورقة وأعطاها لأحد العلماء واسمه أحمد بن منصور الرمادي، وكان أحمد بن منصور يجلس مع الطلبة، فلما خف المجلس قليلاً قام أحمد بن منصور الرمادي وأعطى الورقة للفضل، فنظر فيها الفضل وجعلت عيناه تدوران، ثم قال لـ أحمد بن منصور الرمادي بعد أن أعطاه الورقة، (أما أنت فلا تجرؤ على أن تفعل هذا؛ وليس هذا إلا من عمل هذا) ، قال: ثم أخرج رجله ورفس يحيى بن معين فألقاه على الأرض، وقال: تعمل هذا عليَّ؟ قال: فقام يحيى وقبل جبينه، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، مثلك يحدث، إنما أردت أن أجربك، ووالله لرفستك أحب إليَّ من رحلتي.
أي: لو لم يخرج من هذه الرحلة إلا بهذه الرفسة لكان قد حصّل شيئاً كثيراً.
وشعبة بن الحجاج كان أشد رجل يعادي المدلسين، وكان يقول: (لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس) .
وهذا الكلام خرج مخرج الزجر والتنفير، لأنه لو عرض عليه الزنا والتدليس فلن يزني.
وقول الله عز وجل: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت:40] ، مع قوله: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر:7] وأنت عندما تقول لابنك محذراً: العب، أنت حر! فهل معنى هذا أنك أبحت له اللعب؟ لا.
والرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء إليه النعمان بن بشير وأراد أن يخص أحد أولاده بعطية، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: (أشهد على هذا غيري) ، فلو ذهب إلى أبي بكر فهل ستنفعه تلك الشهادة؟ لا.
إذاً هذا خرج مخرج الزجر.
فهو يقول: (لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس) .
فـ شعبة يعلم أن أبا إسحاق يدلس، فقال له: أسمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء؟ فغضب أبو إسحاق.
ومن غضبه تعرف أنه دلس، فقد أسقط أربعة من السند وكان يجالس أبا إسحاق السبيعي.
مسعر بن كدام فقال: (يا شعبة! عبد الله بن عطاء حي بمكة.
أي: إذا أردت التأكد فارحل إليه.
قال شعبة: فخرجت من بلدي إلى الحج لا أريد إلا الحديث.
خرج شعبة إلى الحج يريد أن يلقى عبد الله بن عطاء من أجل أن يسأله، هل سمع الحديث من عقبة بن عامر أم لا؟ قال شعبة: فدخلت على عبد الله بن عطاء في مكة فإذا هو رجلٌ شاب، وقلت له: حديث الوضوء هل سمعته من عقبة.

الافتقار والتواضع

قال:) وافتقار) الافتقار إذا أخطأه طالب العلم لم ينتفع بعلمه، والافتقار: هو التواضع وخفض الجناح للأقران فضلاً عن العلماء، فالعلم يهدي إلى التواضع، وكلما تبحر الإنسان في العلم؛ كلما أدرك فداحة ما كان فيه قبل ذلك من الجهل، لما يرى رجوع العلماء عن مسائل أبرموها، ويعتقد أنه ليس أفضل منهم، بل لقد كانوا أذكى منه، وكان لهم مئات المسائل، وربما لم يكن له إلا شيخ واحد أو أكثر، لكنه لا يصل إلى عشر معشار هؤلاء، ومع ذلك أخطئوا في مسائل، فيرحم نفسه ويرحم الآخرين.
وقد قرأت لبعض الذين صنفوا رسائل وطاولوا فيها جبال الحفظ والفقه بجهل عظيم، فلو كانت هيئة كبار العلماء لها قوة؛ لما انتشر كل هذا الفساد، وخير دليل على ذلك: نقابة الأطباء عندما أعلن وهو دكتور أحمد وهو دكتور الجهاز الهضمي، وهو رجل مشهود له بالكفاءة في جراحة الجهاز الهضمي على مستوى العالم -أعلن أنه اكتشف علاجاً للإيدز وبدأ يجربه على بعض المرضى؛ قامت الدنيا ولم تقعد كيف تجربه قبل أن يدخل المجالس الطبية العالمية، ويصرح لك به، أأرواح الناس لعبة؟! ومع نباهة الرجل ومع جلالة منصبه في الطب أوقفوه عن ممارسة المهنة.
وهؤلاء الذين يلعبون بالدين بهذه الرسائل التي يؤلفونها، وينقضون ديننا عروة عروة باسم المنهجية العلمية والحياد العلمي، ولا أحد يقول لهم: لماذا تكتبون هذا؟ لا حساب؛ لأن الهيئة في غاية الضعف، لا تملك لساناً ولا يداً، فهناك من كتبوا باسم المنهجية العلمية ويردون على كبار العلماء وكبار الحفاظ ويتهمونهم بالجهل، وهذا كله من باب الكبر وعدم الاعتراف بالجميل والله الذي لا إله غيره، لو وُجد واحد من هؤلاء الذين يكتبون الآن في الزمن الأول لما صلح أحدهم أن يصب الماء على الشيخ ليتوضأ، فضلاً عن أن يؤصل في مسألة علمية! لقد لبسوا لبوس العلماء فضللوا العوام الذين لا يفرقون بين العالم وبين شبيه العالم! وهناك قصة طريفة في مسألة الخلط بسبب اللباس، ذكرها أهل الأدب، ومنهم: أبو الفرج الأصفهاني في ترجمة أحد الشعراء الصعاليك في الجاهلية وهو ثابت بن جابر، وله لقب مشهور به: تأبط شراً، قيل: أنه وجد الغول في الصحراء مثل الخروف، فوضعه تحت إبطه ودخل على أهله، فلما رأوه وعرفوا أنه الغول، قالوا: يا ثابت تأبطت شراً، فألقى به، فلقب تأبط شراً، وهو أحد أشهر ثلاثة شعراء صعاليك، وهم ثلاثة شعراء: ثابت بن جابر، والشنفرى، صاحب اللامية الرائقة التي منها هذا البيت الجميل: وفي الأرضِ منأىً للكريمِ عن الأذى وفيها لمن خاف القِلَى متحول والشاعر الثالث: عروة بن الورد هؤلاء هم أشهر الشعراء الصعاليك.
فـ ثابت بن جابر - تأبط شراً - قابله ثقفي أحمق، فقال له: بم تغلب الرجال يا ثابت وأنت ذميم وضئيل؟ فقال: أذكر لعدوي أنني تأبط شراً فينخلع قلبه، فآخذ منه أريد، قال: أبهذا فقط؟ قال له: فقط.
فقال له: هل تبيعني اسمك؟ قال: بم؟ قال: بهذه الحُلة الجيدة -وكانت لديه حلة جديدة- وبكنيتي -وكان يكنى بأبي وهب فقال له: موافق، فقال الثقفي: لك حلتي ولك كنيتي، فقال له: وأنت تأبط شراً، فذهب الرجل مسروراً، فكتب تأبط شراً ثلاثة أبيات وبعثها لامرأة الثقفي الأحمق؛ قال فيها: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها تأبط شراً واكتنيت أبا وهب فهبه تسم اسمي وسماني اسمه فأين له صبري على معظم الخطب وأين له بأس كبأسي وسورتي وأين له في كل فادحة قلبي أخذ اسمي لكن هل أخذ جراءة قلبي؟ هل أخذ بأسي وصبري وجلدي على الأحداث؟ لم يأخذ هذا كله، إنما أخذ الاسم فقط.
فطالب العلم إذا دخل العلم بلا افتقار لم ينتفع، فلا بد أن يفتقر ويخفض الجناح لأقرانه، ويعلم أن الله لم يختصه بالفضل، وأن هناك من هم أذكى منه وأقدر منه، وأكثر قبولاً عند الناس منه.
ومسألة القبول هي من الله عز وجل، فإذا رضي الله عز وجل عن العبد جعل له قبولاً عند الخلق، فإذا مضى بهذا التواضع انتفع كثيراً بعلمه، وانتفع به، إنما إذا اعتقد أنه هو العالم المحقق المحرر، فإنه لا يكاد ينتفع، ولا يجعل الله عز وجل له لسان الصدق الذي يبحث عنه كل طالب علم.

الاهتمام بتدريس كتب الأدلة

إذاً فهذا الحديث عندما ندرسه نأخذ منه فقهاً، ونأخذ منه علماً وأدباً، ولذلك ننصح الذين يتصدون لتدريس الفقه بتدريس كتب الأدلة، فإذا رأى الشيخ أن من المصلحة تدريس متن فقهي، ساغ له ذلك بشرط أن يرسخ تعظيم الدليل عند الطلاب، وأنهم إذا ظهرت لهم الحجة فلا يقدمون عليها قول أحد كائناً من كان، وليكن هذا في حدود الأدب، فمثلاً: أحد الإخوة أعطاني رقعة لا أدري هل هي حاشية على كتاب ما أم ماذا؟ يقول المحشِّي: قال الحافظ في التقريب في ترجمة سعيد بن منصور: (وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به) ، فعلق المحشي قائلاً: (وهذا خطأ شديد كثيراً ما يقع فيه الحافظ ابن حجر) .
! أما (كثيراً ما يقع فيه) فليس هذا أدباً مع الحافظ، لكنه يقع في بعضه، وهذا لا يكاد يسلم منه الإنسان، فلو جمع عشرون خطأً للحافظ ابن حجر لما كانت كثيرة.
فالشيخ إذا رأى تدريس متن فقهي ساغ له ذلك، ولكن بشرط أن يرسخ تعظيم الدليل عند التلاميذ، وأن يعلمهم أن يتعصبوا للنبي صلى الله عليه وسلم أشد من تعصبهم لأي إمام؛ لأن الأئمة الكبار أرشدونا إلى ذلك، وعباراتهم في تبرئة أنفسهم أحياءً وأمواتاً موجودة في الكتب، وهذا المعنى قد نظمه أحد العلماء المتأخرين نظماً رائعاً جداً، فقال في أرجوزة له طويلة -وسأذكر وجه الشاهد منها في أن العلماء رسخوا عند تلاميذهم تعظيم كلام الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أولى أن يُتعصب له من قول الإمام- فقال رحمه الله: وقول أعلام الهدى لا يعمل بقولنا بدون نص يقبل فيه دليل الأخذ بالحديث وذاك في القديم والحديث قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام أخذٌ بأقوالي حتى تعرضا على الحديث والكتاب المرتضى ومالك إمام دار الهجرة قال وقد أشار نحو الحجرة كل كلام منه ذو قبول ومنه مردود سوى الرسول والشافعي قال إن رأيتمو قولي مخالفاً لما رويتمو من الحديث فاضربوا الجدارا بقولي المخالف الأخبارا وأحمد قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذاك فاطلبوا فانظر مقالة الهداة الأربعة واعمل بها فإن فيها منفعة لقمعها لكل ذي تعصب والمنصفون يكتفون بالنبي وبعد ذلك ذكر أبياتاً في التقليد، وذكر القصة الخرافية الموجودة في بعض كتب المتأخرين من الأحناف أن عيسى بن مريم حنفي المذهب، وهذه القصة الخرافية تقول: إن عيسى عليه السلام عندما ينزل إلى الأرض وقد دُرس القرآن ودرست السنة، والناس سوف يسألونه أسئلة وهو يريد أن يجيبهم، لكنه لا يعرف شيئاً، فيقول: يا رب! أريد أن أجيب على أسئلة الناس، فيقول الله عز وجل له: اذهب إلى نهر جيحون وستجد يداً مرفوعة من الأرض وبجوارها صندوق، فافتحه وستجد الفقه كله في ذلك الصندوق، فيقصد عيسى بن مريم نهر جيحون، فيجد يداً مرفوعة، وبجوارها صندوق، فيفتحه فيجد فقه أبي حنيفة، ويحمد الله عز وجل أنه وصل إلى فقه أبي حنيفة، ويبدأ يقضي به بين الناس.
والعجيب أن الراجز صاحب هذه الأبيات التي ذكرت بعضها، هو حنفي المذهب، يقول: واعجب لما قالوا من التعصب أن المسيح حنفي المذهب وهذا كله من مسائل التقليد التي جاءت في القرون المتأخرة.
إذاً: نقول: إن الشيخ إذا درس متناً فقهياً، أو درس كتاباً من كتب الأدلة، لابد أن يرسخ تعظيم الدليل عند تلاميذه، وإذا رد على عالم أخطأ فلابد أن يتأدب مع هذا العالم؛ لأن هذا العالم أراد الحق فأخطأ، وهذا المنتقد له أيضاً أخطاء، فلو عاملناه بنفس المعاملة لخطأناه، والعلماء الكبار الفحول كان لهم من الذكاء والدربة والممارسة أضعاف أضعاف هذا المتأخر.
ولعلنا نذكر نبذاً يسيرة، وهذا الاستطراد الطويل أردت به أن أبين تعظيم الدليل؛ لأن تدريس الأدلة من أعظم مميزاته: أنه يرسخ ملكة الاستنباط، ويجعل الطالب يأخذ من الدليل الواحد عشرة أو خمسة عشر حكماً فقهياًَ، فإذا جاءت مسألة من مسائل النوازل استطاع الفقيه أن يستخرج هذه الأحكام؛ لأنه مدرب على الدليل، بخلاف الذي يحفظ متناً فقهياً فقط، فإنه لا توجد عنده هذه الملكة، فإن هذه الملكة لا تكون إلا لرجل اهتم بدراسة الأدلة، لكن في حدود ما ذكرت من الأدب والتماس العذر.
ولا أنصح طالب العلم المبتدئ بقراءة كتاب: (المحلى) لـ ابن حزم، فإنه من أضر الكتب على طالب العلم المبتدئ، مع ما فيه من الفوائد والمسائل الفقهية؛ لأنه كتاب يحتاج إلى شخص ينقي فكر ابن حزم، ويأخذ من ابن حزم قوة اتباعه للدليل ثم يعطيه لطالب العلم خالصاً من الشوائب.

_____________________-

يتبع بأذن الله المحاضرة الثالثة
وأولها((الحرص واستغلال الأوقات في الطلب))
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:10 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.