ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 13-12-02, 03:10 AM
العزيز بالله
 
المشاركات: n/a
افتراضي أقسام الناس في نصوص الصفات

أقسام الناس في نصوص الصفات




بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمدلله والصّلاة والسّلام على رسول الله وبعد :
فإنّ من المعلوم من دين الله بالضّرورة أنّ الله قد حصر طريق الهداية إليه في وحيه المنزّل على أنبيائه ، وأنّه تعالى قد أرسل الرّسول ليبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم ، فاجتمع أنّه الحق محصور في العلم بالغيب والعمل بالشّرع في نصوص الكتاب العزيز ، ونصوص السّنّة المشرّفة ، وكلّ ما سوى ذلك فهو تبع لهما ، كما قال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } .
ولهذا تكفّل الله تعالى لهذه الأمّة بحفظ هذين الأصلين : فقال : { إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون } ، وقال e : ( تركت فيكم ما لإن تمسّكتم به فلن تضلّوا أبداً كتاب الله ) ، قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( قد أمرنا الله تعالى باتباع ما أنزل إلينا من ربنا وباتباع ما يأتي منه من الهدى وقد أنزل علينا الكتاب والحكمة كما قال تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } والحكمة من الهدى قال تعالى : { وإن تطيعوه تهتدوا } والأمر باتباع الكتاب والقرآن يوجب الأمر باتباع الحكمة التي بعث بها الرسول وباتباعه وطاعته مطلقا . وقال تعالى : { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } وقال تعالى : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم } .
وقد أمر بطاعة الرسول في نحو أربعين موضعا كقوله تعالى : { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } وقوله تعالى : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } ، فهذه النصوص توجب اتباع الرسول وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في الكتاب كما أن تلك الآيات توجب اتباع الكتاب وإن لم نجد ما في الكتاب منصوصا بعينه في حديث عن الرسول غير الكتاب . فعلينا أن نتبع الكتاب وعلينا أن نتبع الرسول واتباع أحدهما هو اتباع الآخر )1.
ثمّ إنّه بعد عصر الصّحابة رضي الله تعالى عنهم بدأ الخلاف يدبّ بين المسلمين ، ونشأ عن ذلك حدوث الفرق الّتي أخبر بها الصّادق المصدوق e في الحديث المشهور : ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ واحدة ، قيل من هي يا رسول الله ؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) .
وقد تنوّعت بدع هذه الفرق في شتى جوانب الدّني ، فمنها المحدث في ذات الله تعالى وأسمائه وصفاته ، ومنها المحدث في قدر الله ومشيئته وإرادته وعلمه ، ومنها المحدث في أصحابه ومنها المحدث في الإيمان والأسماء ، ومنهم المحدث في الزّهد والسّلوك ، وغير ذلك كثير .
ولئن تباينت بدع تلك الفرق وتنوّعت وتباعدت ، فإنّها كلّها تشترك في أمر واحد لازم لكلّ من أحدث في دين الله مالم يأذن به ، ألا وهو : ترك الكتاب والسّنّة كمصدر للعلم والاهتداء ، هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى جعلوها قابلة لإعمال الفكر والنّقد بل والمعارضة تارة بالرّوغان عنها وتارة بالمواجهة والتّحدّي بل وبالرّدّ الصّريح أحياناً .
وإذا كان المجال هنا هو الكلام في جانب الأسماء والصّفات ، فسنذكر بإذن الله تعالى أقسام النّاس في التّعامل مع نصوص الصّفات بشيء من الاختصار مع الحرص على عدم الإخلال بجزء من المادّة ، والله الموفّق .

أوّلاً : نصوص الصّفات : نظرة عامّة .
من المعلوم أنّه لا يُعلم شيء من صفات الله تعالى وأسمائه إلاّ عن طريق النّصوص الشّرعيّة ، وإذا كان شيء من هذه الصّفات يمكن أن يثبته العقل فإنّ الأصل فيه لابدّ أن يكون النّصوص والعقل تابع له ، مع اعتقاد أنّ العقل الصّحيح لا يعارض النّقل الصّحيح .
وإذا كان كذلك ، فيجب التّنبيه في هذا الباب إلى الآتي :
1. إنّ نصوص الصّفات أقسام :
. فمنها نصوص القرآن : وهي قطعيّة في ثبوتها وقطعيّة في دلالتها .
. ومنها نصوص السّنّة : وهذه منها المتواتر المستفيض وهو مفيد للقطع في ثبوته ودلالته.
ومنها خبر الآحاد الّذي اختلف أهل الأثر في إفادته الظّن أو العلم ، والصّحيح أنّه يفيد العلم النّظري للمتمكّن في العلم إذا احتفّت به قرائن كموافقته لصريح القرآن أو تلقّته الأمّة بالقبول أو قام عليه إجماع بلفظه أو معناه أو متضمّناً له ، ولا شكّ أنّ نصوص الأسماء والصّفات الّتي وصلت إلينا بالسّند المتّصل الصّحيح بطريق الآحاد هي من النّوع المفيد للعلم للقرائن العديدة الّتي احتفّت بها ومن أهمّها تلقّي الأمّة لها بالقبول ، وإجماع الصّحابة على تلقّيها بالقبول وهذا طفحت به نصوص السّلف.
ولو فرض أنّها لم ترق لدرجة القطع فإنّ الشّرع عوّل على خبر الآحاد في العلميات والعمليات على حد سواء ، ولا أدلّ على ذلك من إرساله الآحاد من أصحابه بالتّوحيد ليبلّغوه للنّاس ، وهذا أمر مشهور لا يحتاج إلى تدليل .
. ومنها النّصوص الواردة عن الصّحابة رضوان الله تعالى عليهم : وإنّما جعلناها من أصول هذا العلم لأنّ العلماء عدّوا الحديث الموقوف الّذي لا مجال فيه للرّأي في حكم المرفوع ، ولا شكّ أنّ أسماء الله وصفاته من الغيب الّذي لا يمكن أن يتكلّم فيه الصّحابي برأي أو قياس ، إلاّ ما ثبت فيه تأثّره بما نقله مسلموا أهل الكتاب إلى المسلمين وهذا في الحقيقة قليل متميّز عرفه أهل السّنّة وبيّنوا مأخذه .
2 . نصوص الصّفات كلّها محكمة ليس من المتشابه وليس فيها تشابه .
إلاّ إذا أردنا التّفصيل فنقول : محكم من حيث المعنى متشابه من حيث الكيفيّة ، فكيفية الصّفات مما استأثر الله تعالى بعلمه .
لكن لا يُطلق على نصوص القرآن أنّها من المتشابه .

ثانياً : أقسام النّاس في نصوص الصفات
أوّلاً : أهل السّنّة : ( الإيمان والتّسليم ) .
أهل السّنّة يؤمنون بما ورد عن الله تعالى من الأسماء والصّفات ، ويقفون مع النّصوص الّتي ورد فيها الأسماء والصّفات موقف المؤمن المسلّم الموقن الّذي امتدحه الله تعالى بقوله : { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتّقين الّذين يؤمنون بالغيب ..} وأجلّ الغيب وأعظمه هو الله تعالى بصفاته .
قال محمد بن الحسن : ( اتّفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث الّتي جاءت بها الثقات عن رسول الله e في صفة الرب عزوجل من غير تفسيرولا وصف ولا تشبيه )2.
قال الإمام أحمد رحمه الله : ( ومن السّنّة اللازمة الّتي من ترك خصلة منها ولم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها : الإيمان بالقدر خيره وشرّه والتّصديق بالأحاديث فبه والإيمان بها لا يُقال لِم ؟ وكيف ؟ إنّما هو التّصديق بها والإيمان بها ، ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأُحكم له فعليه الإيمان به والتّسليم له مثل الصّادق المصدوق وما كان مثله في القدر ، ومثل أحاديث الرؤية كلّها وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنّما عليه الإيمان بها وأن لا يرد منها جزءاً واحداً )3.
وقال أبو نعيم الأصبهاني : ( طريقتنا طريقة المتّبعين الكتاب والسنة ، فمما اعتقدوه أن الأحاديث الّتي ثبتت عن النبي e في الرعش واستواء الله يثبتونها ويقولون بها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه)4.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : (فصل ثم القول الشامل في جميع هذا الباب : أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله وبما وصفه به السابقون ; الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث قال الإمام أحمد رضي الله عنه : لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث . ومذهب السلف : أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي ; بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه ; لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول وأفصح الخلق في بيان العلم وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد . وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة : فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه واستلزام الحدوث سابقة العدم ; ولافتقار المحدث إلى محدث ولوجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى . ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله . فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته)5.
وهذا الموقف منهم قائم على دعائم منها :
أ . أنّ الله تعالى أعلم بنفسه وبصفاته من الخلق ، فلولم تكن هذه النّصوص بظاهرها هي ما أراد منهم معرفته وعبادته بها لما أنزلها وتكلّم بها زأوحى بها للنّبيّ e ، قال تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } فبيّن أنّ من حكمة بيان أسمائه وصفاته أن ندعوه بها ، ودعاؤه بها يتضمّن معرفة معانيها والإيمان بها .
ب . إنّ الله سبحانه أراد من الخلق أن يعرفوه ليوحّدوه ويعبدوه ، وهذا التّوحيد وهذه العبادة لا تُعلم إلاّ من بمعرفة أسمائه وصفاته ، والأسماء والصّفات لا تُعلم إلاّ بالنّص فوجب الإيمان بها علماً بمعانيها وتفويضاً لكيفياتها .
ج . أنّ النّبيّ e وهو أعلم الخلق بربّه وهو أفصح النّاس وهو أخشى النّاس لله وأنصحهم لهم لولم تكن تلك النّصوص مفيدة لمعانيها الظّاهرة هي ما أراد الله من العباد لبيّن لهم ذلك ، وأخبرهم أنّ ظاهرها غير مراد مثلاً أو أنها تخييلات لا حقيقة لها ، بل العكس تماماً هو الّذي كان منه عليه الصّلاة والسّلام ، حتى إنّه كان يشير أحياناً تحقيقاً للمراد من الصّفة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال في هذه الآية { إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها } إلى قوله :{ إنّ الله كان سميعاً بصيراً } : ( رأيت النّبيّ e يضع إبهامَه على أُذُنه وأُصبعَه الدّعّاء على عينه )(6).
د . أنّ الله تعالى أنزل الكتاب بلغة العرب ، وأرسل رسوله e من خاصّة العرب ومن أفصحهم لساناً ، وذكر لهم أنّه أنزله قرآناً عربياً ليدّبّروا آياته ، وهذا يقتضي أن تكون معاني النّصوص المرادة منها هي ظواهرها ، ولأنّ غير ذلك ينافي الغاية من جعل القرآن عربياً ، وينافي الحث على التّدبّر لأنّ التّدبّر متضمّ، للفهم عن الله تعالى والبيان وهذا لا يكون إلاّ بالتزام لغة القرآن وهي لغة العرب ، والعرب يفهمون الكلام على ظاهره وخلاف ذلك يكون تلبيساً والله منزّه عنه .
فإذا تحقق للعبد أنّ الله تعالى أعلم بنفسه وأنّ رسوله e أعلم به منا وأنه أنصح الخلق لخلق وأفصحهم وأكملهم بياناً وأنه متكلّم بلسان عربي مبين فلا يبقى أدنى شك أو ريب في أن نصوص الصفات حق بما تضمّنته من صفات رب العالمين واسمائه الحسنى .
والحيدة عن هذا الأصل فيه اتّهام للرّب أو للرّسول المبلّغ عن ربّه أو للّغة الّتي جاء بها البيان أو للمستمع المتلقّي .
أمّا الربّ تعالى فأيّ تهمة له كفر وردّة ، وهذا لا يصرّح به من خالف هذا الأصل السّلفي في الأسماء والصّفات وإن كان في الحقيقة متضمناً لسوء الظّنّ بالله شعروا بذلك أم لم يشعروا ، وأعظم تهمة منهم للرّب عزوجل اتّهامه بضدّ ما وصف به نفسه من الرّحمة للخلق ، وإنكار ما امتنّ به على النّاس من الهداية وتبين الحق وتمييزه لهم عن الضّلال ، فكأنّ هؤلاء يدّعون أنّ الله تركهم بلا هدى ولا بيان حتّى اضطروا لطلبه وابتغائه من غيره تعالى الله عما يصفون .
وأمّا الرّسول فقد تلفّظ المخالفون بشيء من هذا كما سنرى في كلام أهل التّخييل والتّجهيل وهذا لا يقول به مؤمن .
وأمّا اتّهام اللغة فقد قال به المخالفون حين قرروا التّلاعب باللغة وأساليبها وادّعوا فيها ما ليس لهم فيه أصل ولاسلف ، ومن أشهر وقائعهم في اللغة ما ادّعوه من المجاز في الكلام العربي وما لزمهم أو التزموه بناء على ذلك من الإحداث والابتداع في اللغة العربية وهي لغة البيان والتبيين فأحالوها لغة تلبيس وتمويه .
فإذا عرف المؤمن أنّه لا يمكن أن يكون التّهمة موجّهة لله تعالى أو لرسوله e أو للغة ، فلم يبق إلاّ أنّه هو المتّهم ، إذا عجز عقله عن الفهم ، والإدارك لمعاني هذه النّصوص ولم يتصوّر فيه الإثبات أو النّفي كما جاء عن الله تعالى وعن رسوله e فليؤمن بها كما جاءت وليسلّم وليتّهم نفسه ، لا أن ينزّه نفسه الّتي ثبت لها النّقص عقلاً وشرعاً وبتّهم ربّه أو رسوله e أو اللغة الّتي أجمع عليه النّاس جيلاً بعد جيل ، وهذا هو معنى ما قال الإمام أحمد حين قال فيما تقدم : ( ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأُحكم له فعليه الإيمان به والتّسليم له ) .
قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( ومعلوم للمؤمنين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من غيره بذلك وأنصح من غيره للأمة وأفصح من غيره عبارة وبيانا بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة . ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته : كمل كلامه وفعله وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه وإما من عجزه عن بيان علمه وإما لعدم إرادته البيان . والرسول هو الغاية في كمال العلم والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين والغاية في قدرته على البلاغ المبين - ومع وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة : يجب وجود المراد ; فعلم قطعا أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر : حصل به مراده من البيان وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه وعلمه بذلك أكمل العلوم . فكل من ظن أن غير الرسول أعلم بهذا منه أو أكمل بيانا منه أو أحرص على هدي الخلق منه : فهو من الملحدين لا من المؤمنين )7.


الممثّلة : ( التّمثيل والتشبيه ) .
أشهر من عُرف عنهم التّمثيل والتّشبيه هم اليهود ، فقد جاء في القرآن شيء من ذلك ، قال تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله } فردّ عليهم بقوله : { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد }، وجاء في كتبهم المحرّفة وصف الله باجهل وبالتّعب فردّ الله عليهم بقوله : { وما مسّنا من لغوب } ، ووصفوه باللهو فردّ عليهم بقوله : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لا عبين }.
والنّصارى قالت بشيء من هذا التّمثيل حين نسبت إليه الولد.
ومن المنتسبين للإسلام عُرف تأثّر الرّافضة بمذهب التّمثيل والتّشبيه خصوصاً في متقدّميهم ، ومن أشهر من عُرف عنه التّمثيل في الإسلام هشام بن الحكم الرّافضي ولعله أول من قال إنّ الله جسم وأصحابه كشيطان الطّاق والجواليقي8 ، ، وكذلك يُروى عن داود الجواربي ومقاتل بن سليمان الخراساني ونعيم بن حمّاد المصري9.
قال شيخ الإسلام : ( الزيادة في الإثبات إلى حد التشبيه هو قول الغالية من الرافضة ومن جهال أهل الحديث وبعض المنحرفين )10.
وهذا المذهب إن صحّ عن هؤلاء معلوم فساده بضرورة العقل والشّرع والفطر السّليمة ، والله سبحانه بيّن في مواضيع كثيرة أنّه لا يشبهه شيء ولا يماثله شيء بل ولا يدانيه ، كما قال عزوجل : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وقال : { ولم يكن له كفواً أحد } وقال : { هل تعلم له سمياً } وقال : { ولا يحيطون به علماً } وقال : { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ، وغير ذلك كثير .
وسبب ضلال هؤلاء غلوهم في الإثبات وظنهم أنه هو ظاهر النّصوص ، فهم في طرف والنّفاة في طرف آخر مع اتّاقهم على هذا الأصل ، وفي هذا ملحظ مهم ، وهو أنّك لا تجد فرقتان متقابلتان من أهل البدع إلاّ وجدتهما تتّفقان في أصل ثمّ تتفرّقا بناء على طريقة تعاملها مع النّص .
فأنت ترى أنّ الممثّلة مثّلوا الله بخلقه ظناً منهم أنه ظاهر النّص ، ونفاة الصّفات عطّلوا النّصوص عن الصّفات وحرّفوا معانيها ظناً منهم أنّ ظاهرها هو التّمثيل ، وهذا هو منشأ الخطأ .
لأنّ المتقرر ببدائه العقول ـ السّليمة من سفه المنطق والمناطقة ـ أنّه ما من شيئين موجودين إلاّ وبينهما قدر مشترك ، وهو مسمى القدر المشترك الّذي لا يوجد أبداً في الخارج بشرط الإطلاق ، بل لا يوجد إلاّ مقيّداً ، فإذا قُيّد أفاد التّخصيص .
وهذا المعنى الكلّي الموجود في الذّهن كان سبب ضلال كثير من النّاس ، ومنهم الممثّلة فإنّهم تصّوروا أنّه يوجد في الخارج كما هو في الذّهن فطردوا التّمثيل في صفات الرّبّ تعالى ، قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( ومعلوم أن العقل لا ينفي بالقياس إلا القدر المشترك ; الذي هو مدلول القضية الكلية التي لا بد منها في القياس ; مثل أن ينفي الإرادة أو الرحمة أو العلم المشترك بين مسميات هذا الاسم والقدر المشترك في المخلوقين تلحقه صفات لا تثبت لله تعالى فينفون المعنى المشترك المطلق على صفات الحق وصفات الخلق - تبعا لانتفاء ما يختص به الخلق - فيعطلون كما أن أهل التمثيل يثبتون ما يختص به الخلق - تبعا للقدر المشترك - وكلاهما قياس خطأ . ففي هذه الصفات بل وفي الذوات ثلاث اعتبارات : أحدها : ما تختص به ذات الرب وصفاته . والثاني : ما يختص به المخلوق وصفاته . والثالث : المعنى المطلق الجامع . فاستعمال القياس الجامع في نفي الأول خطأ وكذلك استعماله في إثبات الثاني )11.
وقال أيضاً : ( لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد ; ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلا ، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال)12.
ولعلّ من المهم أن أختم كلامي هنا بما ذكره شيخ الإسلام أنّ التّعبير عن هذ المذهب بلفظ التّمثيل أولى من لفظ التّشبيه لثلاثة أسباب :
أوّلها : أنّه اللفظ الّذي جاء نفيه في القرآن : { ليس كمثله شيء } .
ثانيها : أنّ لفظ التّشبيه فيه إجمال ، لأنّ نفي الشّبه بين الخالق والمخلوق من كلّ وجه لا يصح ، بل بينهما نوع شبه وهو الاشتراك في مسمّى القدر المشترك وهو المعنى الكلّي العام القائم في الأذهان ، وهذا القدر من الاشتراك هو نوع شبه لا يقتضي المماثلة في حقاءق الصّفات بين الخالق والمخلوق .
ثالثها : أنّ هذا اللفظ صار يطلقه الجهميّة وأفراخهم على من أثبت الصّفات فنفيه مطلقاً قد يُفهم منه نفي الصّفات ، وإثباته قد يُفهم منه التّمثيل ، وما كان هذا سبيله فاجتنابه أولى 130
التّفويض : ( التجهيل ).
لفظ التّفويض مأخوذ من : فوّض الأمر إلى الله : أي ردّه ووكله إليه ، والمراد هنا أنّ العبد يفوّض امر الصّفات والأسماء إلى الله تعالى ، وهذا من حيث الإجمال يتضمّن أمرين أحدهما حق والآخر باطل.
أمّا الحق فهو أنّ الواجب على العباد الإيمان والتّسليم للنّصوص الّتي وردت بصفات الله تعالى ، وتفويض العلم بحقائقها وكيفياتها إلى الله تعالى لأنّ ذلك داخل ضمن الغيب والإيمان به ، مثله في ذلك مثل الجنّة والنّار واليوم الآخر وعذاب القبر وسائر أمور الغيب .
وهذا هو مذهب السّلف وهو معنى ما جاء عنهم في التّفويض لكنّهم مع هذا يثبتون ما جاء في النّصوص من الصّفات ويعلمون معانيها ويمرّونها على ظاهرها .
وأمّا المعنى الباطل : وهو ما نقصده في هذا القسم : فهو أنّ النّصوص الّتي وردت بصفات الله تعالى لا يعلم أحد من النّاس معاني تلك الألفاظ ، بل لا يعلم معناها إلاّ الله تعالى ، حتّى الرّسول لم يعلم ذلك ولا يعلمه ، بل علينا قراءة هذه الألفاظ وتفويض العلم بمعانيها إلى الله .
ولم يقفوا عند هذا بل زادوا إلى ذلك قيداً مهماً وهو : مع الجزم بأنّ ظاهر تلك الألفاظ غير مراد.
وهؤلاء هم المفوّضة المبتدعة والّذين أحسن شيخ الإسلام رحمه الله حين سماهم باسمهم الحقيقي وهو : ( أهل التّجهيل ) إذ في ما ذهبوا إليه يلزم منه تجهيل الرّسل وأتباعهم والسّلف الصّالح ، وقذفهم بهذه النّقيصة العظيمة ، وهي أنّهم جاءوا بألفاظ لا يعرفون معانيها ، وتلقّتها عنهم الأجيال الصّالحة المزكّاة بنصّ السّنّة والقرآن دون أن تفهم معناها ، وهذه مسبّة وتننقّص في حق أفضل الخلق.
قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( وأما أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف ، يقولون : إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معاني الآيات ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك . وكذلك قولهم في أحاديث الصفات : إن معناها لا يعلمه إلا الله مع أن الرسول تكلم بها ابتداء فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه .
( شبهة القوم14) :
وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله } فإنه وقف أكثر السلف على قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } ،وهو وقف صحيح لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره ; وبين " التأويل " الذي انفرد الله تعالى بعلمه ; وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو " التأويل " المذكور في كلام المتأخرين وغلطوا في ذلك . فإن لفظ " التأويل " يراد به ثلاث معان :
1. فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو : صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلا على اصطلاح هؤلاء ; وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك وأن للنصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله ولا يعلمه المتأولون .
ثم كثير من هؤلاء يقولون : تجري على ظاهرها فظاهرها مراد مع قولهم : إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله ، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة : من أصحاب " الأئمة الأربعة " وغيرهم .
2 . والمعنى الثاني " أن التأويل " هو تفسير الكلام - سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه - وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم ، وهذا " التأويل " يعلمه الراسخون في العلم وهو موافق لوقف من وقف من السلف عند قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } كما نقل ذلك عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم وكلا القولين حق باعتبار ، كما قد بسطناه في موضع آخر ; ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق .
3 . والمعنى الثالث أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها - وإن وافقت ظاهره - فتأويل ما أخبر الله به في الجنة - من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك - هو الحقائق الموجودة أنفسها ; لا ما يتصور من معانيها في الأذهان ويعبر عنه باللسان وهذا هو " التأويل " في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف أنه قال : { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا } وقال تعالى : { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق } وقال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ،وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله .
وتأويل " الصفات " هو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف - كمالك وغيره - : الاستواء معلوم والكيف مجهول ; فالاستواء معلوم - يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى - وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى .
وقد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : - تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل فمن ادعى علمه فهو كاذب .
وهذا كما قال تعالى : { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } . وقال النبي صلى الله عليه وسلم { يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر } ، وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ، وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } وقال : { أفلم يدبروا القول } فأمر بتدبر القرآن لا بتدبر بعضه . وقال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا ، وقال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها ، وقال الشعبي : ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها وقال مسروق : ما سئل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه ، وهذا باب واسع قد بسط في موضعه )15.
وقال أيضاً : (معرفة مراد الرسول ومراد الصحابة هو أصل العلم وينبوع الهدى ; وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف ويحكيه لا يكون له خبرة بشيء من هذا الباب كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها . أنه لا يفهم أحد معانيها ; لا الرسول ولا غيره ويظنون أن هذا معنى قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } مع نصرهم للوقف على ذلك ; فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآنا لا يفهم معناه ; بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها وأن جبريل كذلك ; وأن الصحابة والتابعين كذلك . وهذا ضلال عظيم وهو أحد أنواع الضلال في كلام الله والرسول صلى الله عليه وسلم )16.
وقد ظنّ كثير من النّاس أنّ مذهب التّفويض هو مذهب السّلف ، ذلك بسبب انتشار أصحاب المذاهب الفاسدة ، وكذلك ما نُقل عن السّلف من كلمات توهّمها هؤلاء مؤيّدة لما هم عليه ، مع أنّهم لو جمعوا نصوص السّلف لتبيّن لهم مرادهم منها ، ولم يقل قائلهم : وكلّ نص أوهم التّشبيها أوّله أو فوّض ورم تنـزيها .


التّأويل ( التّحريف ).
أوّل تحريف وقع فيه أهل التّأويل هو تحريف هذه الكلمة عن معناها الأصلي .
ومع أنّه لا مشاحّة في الاصطلاح ، إلاّ أنّ أهل البدع من عملهم أنّهم يصطلحون على ألفاظ ثمّ يفسّرون ألفاظ الكتاب والسّنّة بها وهذا تحريف .
ومنه لفظ التّأويل ، فإنّهم اصطلحوا على تسمية صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح تأويلاً ، ثمّ أطلقوا عقولهم في النّصوص تحريفاً ، فإذا ما أنكر عليهم منكر قالوا هذا تأويل وقد قال الله تعالى : { وما يعلم تأويله إلاّ الله والرّاسخون في العلم } .
وعلى العموم فإنّ لفظ التّأويل وقع في كلام السّلف ، وقد استعملوه بمعناه اللغوي الّذي ينتظم أمرين :
أوّلها : تفسير الكلام ، ومنه قول الطّبري وغيره : ( القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا ) .
ثانيها : حقيقة الكلام ومآله الّذي ينتهي إليه ، فإن كان الكلام خبراً فتأويله وقوعه ، ومنه قوله تعالى : { هل ينظرون إلاّ تأويله } وقول يوسف لأبيه : { هذا تأويل رؤياي } ، ومنه قول الله تعالى : { { وما يعلم تأويله إلاّ الله والرّاسخون في العلم } ، وإن كان أمراً فتأويله امتثاله كقول عائشة في ذكره e في الرّكوع والسجود : ( يتأوّل القرآن ) .
وقد اصطلح المتأخّرون على تسمية ( صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى المرجوح لقرينة تدلّ عليه ) تأويلاً ، لكنّهم اشترطوا لصحّة هذا التأويل شروطاً منها :
. أن يكون المعنى المصروف إليه اللفظ ممّا يحتمله اللفظ لغة ولو من بعيد .
. أن توجد قرينة تسوّغ صرف اللفظ عن ظاهره أو قل تمنع حمل النّص على ظاهره .
. أن يكون هذا الاستعمال ممّا يسوغ لغة .
لكنّ أهل البدع لم يلتزموا هذه الشّروط ، فصرفوا معاني نصوص الأسماء والصفات عن ظاهرها بدون قرينة توجب ذلك ، فقالوا : تأويل الاستواء : الاستيلاء ، واليد القدرة والغضب إرادة العقوبة والانتقام والرحمة إرادة الإنعام وهكذا وقعوا في مفاسد متعدّدة :
. فهم أوّلاً حرّفوا النّص عن دلالته .
. ثمّ عطّلوه عما دلّ عليه .
. وأنكروا صفة الرّحمن الّتي جاء بها النّص .
. ثمّ وصفوه تعالى بالنّقص إذ نفو عنه الكمال الّذي أثبته لنفسه .
كلّ هذا سوّغوه لأنفسهم استدلالاً بطاغوت التّأويل الّذي استخدموه للتّملّص من الأدلّة الّتي تنقض مذاهبهم .
وسبب هذا الخلط الّذي وقع فيه المبتدعة بشتّى أصنافهم وعلى راسهم المأوّلة أنّهم اعتقدوا أوّلاً ثمّ بحثوا لما اعتقدوه من أدلّة وردّوا ما عارضه .
وأمّا السّلف فإنّهم استدلّوا ثمّ اعتقدوا ، فالاعتقاد تابع للنّص لا العكس .
والشّبهة الّتي اعتمدها أهل التّأويل قرينة لصرف النّصوص عن ظاهرها شبهة عقليّة ، فقالوا : إنّه ثبت أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وإثبات ظاهر النّصوص يستلزم التّشبيه فوجب التّأويل .
قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( هذا يتبين بالقاعدة الرابعة وهو أن كثيرا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها ; أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في ( أربعة أنواع من المحاذير : - ( أحدها كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل ( الثاني أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله . فيبقى مع جنايته على النصوص ; وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل - قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى ( الثالث أنه ينفي تلك الصفات عن الله - عز وجل - بغير علم ; فيكون معطلا لما يستحقه الرب ( الرابع : أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب ومثله بالمنقوصات والمعدومات وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات . فيجمع في كلام الله وفي الله بين التعطيل والتمثيل يكون ملحدا في أسماء الله وآياته)17.
وقال أيضاً : (وطريقة التأويل طريقة المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم يقولون : إن ما قاله له تأويلات تخالف ما دل عليه اللفظ وما يفهم منه وهو - وإن كان لم يبين مراده ولا بين الحق الذي يجب اعتقاده - فكان مقصوده أن هذا يكون سببا للبحث بالعقل حتى يعلم الناس الحق بعقولهم ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما يوافق قولهم ليثابوا على ذلك فلم يكن قصده لهم البيان والهداية والإرشاد والتعليم بل قصده التعمية والتلبيس ولم يعرفهم الحق حتى ينالوا الحق بعقلهم ويعرفوا حينئذ أن كلامه لم يقصد به البيان فيجعلون حالهم في العلم مع عدمه خيرا من حالهم مع وجوده )18.
ثمّ بيّن وجوه الرّدّ عليهم : ( وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه : - ( أحدها بيان أن العقل لا تحيل ذلك . و ( الثاني أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل . و ( الثالث أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها بالاضطرار كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان . فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات . ( الرابع : أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص ; وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل وإنما يعلمه مجملا إلى غير ذلك من الوجوه . على أن الوجوه الأساطين من هؤلاء الفحول : معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية . وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ; ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا )

الفلاسفة ( التّخييل )
أمّا الفلاسفة فجاؤوا بالكفر الصّريح ، فقالوا إنّ نصوص الصّفات لا تدلّ على وجود حقائق ثابتة بما دلّ عليه ظاهرها ، وإنّما كان مقصود الرّسل التّخييل للنّاس .
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : (فأهل التخييل هم الفلاسفة والباطنية الذين يقولون : إنه خيل أشياء لا حقيقة لها في الباطن وخاصية النبوة عندهم التخييل .. وأولئك المتقدمون كابن سينا وأمثاله ينكرون على هؤلاء ويقولون : ألفاظه كثيرة صريحة لا تقبل التأويل لكن كان قصده التخييل وأن يعتقد الناس الأمر على خلاف ما هو عليه )19.
وقال : ( فأهل التخييل : هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه . فإنهم يقولون : إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور لا أنه بين به الحق ولا هدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق . ثم هم على قسمين : منهم من يقول : إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه . ويقولون : إن من الفلاسفة الإلهية من علمها وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم الأولياء من علمها ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين .
وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية : باطنية الشيعة وباطنية الصوفية . ومنهم من يقول : بل الرسول علمها لكن لم يبينها وإنما تكلم بما يناقضها وأراد من الخلق فهم ما يناقضها ; لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق . ويقول هؤلاء : يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل . قالوا : لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد . فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر . ( وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى . ويقول : إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة فهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم )20.
قال شيخ الإسلام راداً عليهم : ( وتلخيص النكتة : أن الرسل إما أنهم علموا الحقائق الخبرية والطلبية أو لم يعلموها وإذا علموها :
فإما أنه كان يمكنهم بيانها بالكلام والكتاب أو لا يمكنهم ذلك.
وإذا أمكنهم ذلك البيان : فإما أن يمكن للعامة وللخاصة أو للخاصة فقط .
فإن قال : إنهم لم يعلموها وإن الفلاسفة والمتكلمين أعلم بها منهم وأحسن بيانا لها منهم ; فلا ريب أن هذا قول الزنادقة المنافقين .
وإن قال : إن الرسل مقصدهم صلاح عموم الخلق وعموم الخلق لا يمكنهم فهم هذه الحقائق الباطنة فخاطبوهم بضرب الأمثال لينتفعوا بذلك وأظهروا الحقائق العقلية في القوالب الحسية ; فتضمن خطابهم عن الله وعن اليوم الآخر : من التخييل والتمثيل للمعقول بصورة المحسوس ما ينتفع به عموم الناس في أمر الإيمان بالله وبالمعاد . وذلك يقرر في النفوس من عظمة الله وعظمة اليوم الآخر ما يحض النفوس على عبادة الله وعلى الرجاء والخوف ; فينتفعون بذلك وينالون السعادة بحسب إمكانهم واستعدادهم ; إذ هذا الذي فعلته الرسل هو غاية الإمكان في كشف الحقائق لعموم النوع البشري ومقصود الرسل : حفظ النوع البشري وإقامة مصلحة معاشه ومعاده ، فمعلوم : أن هذا قول حذاق الفلاسفة مثل الفارابي وابن سينا وغيرهما وهو قول كل حاذق وفاضل من المتكلمين في القدر الذي يخالف فيه أهل الحديث .
فالفارابي يقول : " إن خاصة النبوة جودة تخييل الأمور المعقولة في الصور المحسوسة " أو نحو هذه العبارة . وابن سينا يذكر هذا المعنى في مواضع ويقول : " ما كان يمكن موسى بن عمران مع أولئك العبرانيين ولا يمكن محمدا مع أولئك العرب الجفاة أن يبينا لهم الحقائق على ما هي عليه فإنهم كانوا يعجزون عن فهم ذلك وإن فهموه على ما هو عليه انحلت عزماتهم عن اتباعه لأنهم لا يرون فيه من العلم ما يقتضي العمل " . وهذا المعنى يوجد في كلام أبي حامد الغزالي وأمثاله ومن بعده : طائفة منه في الإحياء وغير الإحياء وكذلك في كلام الرازي .
وأما الاتحادية ونحوهم من المتكلمين : فعليه مدارهم ومبنى كلام الباطنية والقرامطة عليه لكن هؤلاء ينكرون ظواهر الأمور العملية والعلمية جميعا وأما غير هؤلاء فلا ينكرون العمليات الظاهرة المتواترة لكن قد يجعلونها لعموم الناس لا لخصوصهم كما يقولون مثل ذلك في الأمور الخبرية . ومدار كلامهم : على أن الرسالة متضمنة لمصلحة العموم علما وعملا . وأما الخاصة فلا . وعلى هذا يدور كلام أصحاب " رسائل إخوان الصفا " وسائر فضلاء المتفلسفة .
ثم منهم من يوجب اتباع الأمور العملية من الأمور الشرعية وهؤلاء كثيرون في متفقهتهم ومتصوفتهم وعقلاء فلاسفتهم . وإلى هنا كان ينتهي علم ابن سينا إذ تاب والتزم القيام بالواجبات الناموسية .
فإن قدماء الفلاسفة كانوا يوجبون اتباع النواميس التي وضعها أكابر حكماء البلاد فلأن يوجبوا اتباع نواميس الرسل أولى . فإنهم - كما قال ابن سينا - : " اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من هذا الناموس المحمدي " . وكل عقلاء الفلاسفة متفقون على أنه أكمل وأفضل النوع البشري وأن جنس الرسل أفضل من جنس الفلاسفة المشاهير ثم قد يزعمون أن الرسل والأنبياء حكماء كبار وأن الفلاسفة الحكماء أنبياء صغار وقد يجعلونهم صنفين .
ومن زعم أنه وكبار طائفته أعلم من الرسل بالحقائق وأحسن بيانا لها : فهذا زنديق منافق إذا أظهر الإيمان بهم باتفاق المؤمنين .
وإن قال : إن الرسل كانوا أعظم علما وبيانا لكن هذه الحقائق لا يمكن علمها أو لا يمكن بيانها مطلقا أو يمكن الأمران للخاصة . قلنا : فحينئذ لا يمكنكم أنتم ما عجزت عنه الرسل من العلم والبيان . إن قلتم : لا يمكن علمها . قلنا : فأنتم وأكابركم لا يمكنكم علمها بطريق الأولى . وإن قلتم : لا يمكنهم بيانها . قلنا : فأنتم وأكابركم لا يمكنكم بيانها .
وإن قلتم : يمكن ذلك للخاصة دون العامة . قلنا : فيمكن ذلك من الرسل للخاصة دون العامة . فإن ادعوا أنه لم يكن في خاصة أصحاب الرسل من يمكنهم فهم ذلك : جعلوا السابقين الأولين دون المتأخرين في العلم والإيمان ، وهذا من مقالات الزنادقة ; لأنه قد جعل بعض الأمم الأوائل من اليونان والهند ونحوهم أكمل عقلا وتحقيقا للأمور الإلهية وللعبادية من هذه الأمة . فهذا من مقالات المنافقين الزنادقة ; إذ المسلمون متفقون على أن هذه الأمة خير الأمم وأكملهم وأن أكمل هذه الأمة وأفضلها هم سابقوها )21.

الحواشي :
1 . الفتاوى 19 / 82 وما بعدها .
2 . شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي 1/157 .
3 . مجموع الفتاوى 5/60 .
4 . مجموع الفتاوى 5/26 .
5 . أخرجه أيضاً أبوداود في السّنّة باب في الجهميّة وابن خزيمة في التّوحيد 1 / 97 ، والبيهقي في الأسماء والصّفات ص 234 ونقله ابن كثير بإسناد ابن أبي حاتم في التّفسير 1 / 529 ، وابن حبان كما في الإحسان 1 / 498 ـ 499 و 3 / 201 وإسناده صحيح .
6 . الفتاوى 5 / 26 .
7 . المجموع 3/181 ، 13/295 ، 17/296 .
8 . المجموع 33/170 والملل للشهرستاني 1/190ـ191، وما ذكره الشهرستاني عن نعيم لا يصح فقد جاء في سير أعلام النّبلاء عن نعيم : ( من شبّه الله بخلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه ) السير 10/610 ، فهذا دال على كذب هذ الدّعوى فإنّ نعيم من كبار السّلفيين في عصره ومن الرّادّين على الجهميّة بل مات في فتنة الجهميّة رحمه الله .
9. المجموع 6 / 51 .
10 . المجموع 2 / 62 ـ63 .
11 . المجموع 3/43 .
12 . انظر مثلاً المجموع 3/ 69 وما بعدها و 4 / 144 وما بعد .
13 . هذا العنوان من عندي للتوضيح .
15 . مجموع الفتاوى 5 ، 5 / 34 ـ 38 .
16 . السابق 5 / 413 .
17 . مجموع الفتاوى 3/48 .
18 . السابق 4 / 767 .
19 . مجموع الفتاوى 4/67 .
20 . الفتاوى 5 / 26 .
21 . مجموع الفتاوى 4/98 .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:17 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.