ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #31  
قديم 31-10-11, 06:48 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي الدليل الخامس عند المجيزين

وسننتقل بعد هذا إلى الدليل الخامس من دلائل المجيزين، والمقصود أن يتضح بعض ما استدل به القائلون بالجواز فقط
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 01-11-11, 05:58 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي الدليل الخامس: قصة نبي الله يوسف عليه السلام

ذكر الله تعالى في كتابه قصة يوسف عليه السلام، وذكر أنه تولى لعزيز مصر الكافر منصب الخزائن بطلبه، وأن الملك جعله موضع الثقة، وفوض له أمر الخزائن.
قال الله تعالى { وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم }.

توطئة:
وقبل الخوض في الاستدلال بهذه القصة لا بد من بيان بعض ما يترتب من المفاسد على أخذ الولاية من الكافر، وتحريمها في الأصل، فنقول باختصار:
1) من المتقرر في الفقه السياسي الإسلامي أن الحاكمية في الأرض لا تكون إلا لله تعالى وحده، كما قال تعالى { إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه }.
2) ومن المتقرر أيضا أن التحاكم إلى غير شريعة الله تعالى واتخاذها نظام عمل وحكم مناف للإيمان كما قال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}.
3) ومن المتقرر أيضا أن الذين يحكمون بغير ما أنزل الله حكما عاما، وتشريعا ثابتا يحادون الله في أمره، وينازعونه في حكمه، وقد قال تعالى{ولا يشرك في حكمه أحدا} فلا يجوز للمسلم المشاركة في هذا النوع من الحكم في الأصل.
4) ومن المتقرر أيضا أن طاعة الحكام في تشريعاتهم المخالفة لشرع الله تعالى من جنس اتخاذهم أربابا من دون الله كما قال تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ... الآية} مع قصة عدي بن حاتم الطائي كما هو معروف.
5) ومما يترتب على أخذ الولاية من الكافر الركون إليهم، وقد قال تعالى { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}.
6) ومما يترتب على ذلك أيضا الولاء لهم بالمعونة وتزكيتهم بنتفيذ أعمالهم، كما حكى الماوردي في النكت والعيون (3/50) والقرطبي في تفسيره (9/141) عن بعض العلماء.
7) ومما يترتب على ذلك أيضا توطيد سلطانه وتقوية أركانه، وإطالة عمر دولتهم كما يقول الأشقر (ص32) وسيأتي شيء من أقوال العلماء في أسرة الجمالي مع الفاطميين إن شاء الله تعالى.
وغير ذلك من المفاسد الكثيرة، ولهذا كان الأصل في ذلك التحريم عند أهل العلم.
ولكن هل يجوز ذلك عند الضرورة لتحقيق المصلحة الراجحة ؟هذا ما تدل عليه قصة يوسف عليه السلام مع الملك الكافر الذي أخذ منه الولاية كما سنقرره في الحلقة التالية على مذهب المجيزين.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 02-11-11, 02:29 PM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

نحن بانتظارك على تقرير استدلال قصة يوسف
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 02-11-11, 05:23 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

هذا الاستدلال شبيه من بعض الوجوه بقصة النجاشي رحمه الله تعالى ورضي عنه، إذ كانت في تولي المسلم رئاسة دولة كافرة مع عجزه عن التزام شرائع الإسلام - لا سيما المتعلقة بالحكم - نظرا لمصلحة راجحة في ذلك.

وهذه القصة في تولي المسلم منصبا عاما من الوزارات مثلا في دولة كافرة، وهو غير قادر على فعل كل ما يريد ويعلمه من دين الله تعالى وشريعته

ووجه الاستدلال بقصة يوسف عليه السلام:
أن ملك مصر كان كافرا، وكان يحكم بشريعة ودين مخالف لدين يوسف عليه السلام، وكان التحاكم إلى شرع الله واجبا في شريعة يوسف عليه السلام، ولم يكن يوسف عليه السلام قادرا على فعل كل ما أراد من الحكم مما يخالف دين الملك، ولم يكن يوسف أيضا مكرها، بل هو الذي طلبه، وإنما فعله للمصلحة العامة الراجحة، فدل ذلك كله على جواز مثل ذلك، فيحتمل ما في أخذ هذه الولاية من الكافر من المفسدة لتحقيق المصلحة الراجحة في الولاية.

وإذا تقرر أن صحة الاستدلال والنتيجة متوقف على صحة المقدمات التي ذكرت، وهي خمسة فلنبين صحة هذه المقدمات، فنقول:

المقدمة الأولى: أن ملك مصر كان كافرا.
وأما أن ملك مصر كان كافرا: فيدل على كفره مع قومه قوله تعالى عن يوسف عليه السلام { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون*واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار *ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون*}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وكذلك يوسف كان نائبا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون، وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان " (مجموع الفتاوى 28/68).
ويدل عليه أيضا قوله تعالى { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا}.
قال ابن تيمية في سياق كلامه عن النجاشي بعد كلام:" ... بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر؛ فإنهم كانوا كفارا، ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام؛ فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } (مجموع الفتاوى 19/217).

المقدمة الثانية: أن هذا الملك كان يحكم بدين وشريعة غير دين الله
ويدل على ذلك قوله تعالى في قصة يوسف مع أخيه {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله }.
أي أن الملك كانت له شريعة غير شرع الله، حيث لم يكن يوسف ليقدر أن يأخذ أخاه على شرع الملك حتى حكم إخوته في حكم من سرق، فحكموا بشرع الله عند أبيهم يعقوب بأخذه رقيقا (الأقليات الإسلامية لمحمد درويش ص 285).
وفي قوله { كذلك كدنا ليوسف }: دليل على أن الملك الكافر لم يكن ليترك له الخيار في الحكم بما يشاء.
قال ابن جرير الطبري:"
ما كان يوسف ليأخذ أخاه في حكم ملك مصر وقضائه وطاعته منهم، لأنه لم يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يسترق أحد بالسرقة " ( تفسير الطبري – تحقيق أحمد شاكر 16/187).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"
ومن هذا الباب: تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارا، كما قال تعالى { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به } الآية، وقال تعالى عنه { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ...} الآية، ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فان القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله { فاتقوا الله ما استطعتم } " اهـ (مجموع الفتاوى 20/56-57)).

المقدمة الثالثة: وجوب التحاكم لله في شرع يوسف عليه السلام
كان مقررا في شرع يوسف عليه السلام وجوب التحاكم إلى شرع الله تعالى في الأصل، ويدل عليه ما تقدم من قول الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام { إن الحكم إلا لله }، وقد تقرر أن الشرائع متفقة على أن الحاكمية لله، بل ما أرسل الله الرسل إلا ليكون الدين – ومنه الحاكمية - كله لله.

المقدمة الرابعة: أن يوسف لم يكن قادرا على فعل كل ما يريد
قال ابن تيمية في سياق كلامه عن النجاشي بعد كلام:"
... بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر؛ فإنهم كانوا كفارا، ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام؛ فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } (مجموع الفتاوى 19/217).
وقال الشوكاني في فتح القدير:"
أي ما كان يوسف ليأخذ أخاه بنيامين في دين الملك أي ملك مصر وفي شريعته التي كان عليها، بل كان دينه وقضاؤه أن يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون الاستعباد سنة، كما هو دين يعقوب وشريعته.
وحاصله: أن يوسف ما كان يتمكن من إجراء حكم يعقوب على أخيه مع كونه مخالفا لدين الملك وشريعته، لو لا ما كاد الله له ودبره حتى وجد السبيل إليه ... اهـ (فتح القدير 3/60 ط.2 دار الوفاء – 1997م 1418هـ بتحقيق لجنتها العلمية).
وقال العلامة محمد رشيد رضا في تفسير المنار:"
الركن الثالث من دين الرسل: وهو العمل الصالح وترك الفواحش والمنكرات، فكان يوسف - عليه السلام - يكتفي منه بما كان خير قدوة فيه كما علم من قصته في بيت وزير البلاد وفي السجن ثم في إدارته لأمور الملك، وكان يقرهم على سائر شريعتهم كما سيأتي في احتياله على أخذ أخيه الشقيق بمقتضى شريعتهم الإسرائيلية بقول الله تعالى: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) " (تفسير المنار 12/256).
وقال جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل:"
وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا لاستبد بما شاء، وهذا من وفور فطنته وكمال حكمته، ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر (دينا) لها، والآيات في ذلك كثيرة " (محاسن التأويل 6/204).

المقدمة الخامسة: أن يوسف عليه السلام فعل ذلك للمصلحة ولم يكن مكرها
أما أنه لم يكن مكرها فظاهر الآيات تدل على هذا، فإن يوسف هو الذي طلب المنصب ورغب، وإنما كان ذلك للمصلحة العامة فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"
... وكذلك ما ذكره عن يوسف الصديق وعمله على خزائن الأرض لصاحب مصر لقوم كفار.
وذلك أن مقارنة الفجار إنما يفعلها المؤمن في موضعين : أحدهما أن يكون مكرها عليها، والثاني : أن يكون ذلك في مصلحة دينية راجحة على مفسدة المقارنة أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة " (مجموع الفتاوى 15/325).
قال الشوكاني في تفسيره:"
طلب يوسف عليه السلام منه ذلك، ليتوصل به إلى نشر العدل ورفع الظلم، ويتوسل به إلى دعاء أهل مصر إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأوثان " (فتح القدير ( 3/49).
وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره:"
{قال } يوسف طلبا للمصلحة العامة { اجعلني على خزائن الأرض } .... إلى أن قال: وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه (تفسير السعدي 4/39 ضمن موسوعة مؤلفاته).
وقال الدكتور عمر الأشقر بعد سرد دلالات قصة يوسف:"
بناء على ذلك كله يظهر لنا جواز المشاركة في الحكم غير الإسلامي، ومن خلال عرض قصة يوسف عليه السلام إذا كان يترتب على ذلك مصلحة كبرى، أو دفع شر مستطير، ولو لم يكن بإمكان المشارك أن يغير في الأوضاع تغييرا جذريا " (حكم المشاركة في الوزارة ص 41-42).
وقال سليمان محمد توبولياك بعد مناقشة القصة:"
ومما سبق نرى أن الآية صريحة في أن يوسف عليه السلام طلب أن يشارك في النظام الجاهلي عند فرعون مصر، الذي كان يحكم بالقوانين الوضعية الجائرة، ومع ذلك أمره الله تعالى واعتبر ذلك رحمة منه ليوسف، ولو كان ذلك غير جائز لم يقره الله عليه ولم يعتبر ذلك رحمة بل نقمة يجب اجتنابها " (الأحكام السياسية للأقليات المسلمة ص 103).

وهذا كله دليل: على أن المصلحة العامة قد ترجح المفسدة المترتبة على أخذ الولاية من الحاكم الكافر.
ولهذا استدل الكثير من الفقهاء بهذه القصة على جواز أخذ هذه الولاية، فأثنوا على من أخذ الولاية من الكفار المرتدين وغيرهم، ولم يعيبوهم بما بذلوا في طاعتهم وتوطيد أركان حكمهم، وربما سعوا لقلب نظامهم، لكن دون تحقيق ذلك يلزم العمل تحت سلطانهم وولايتهم، فاغتفروا لهم ما صدر منهم في ذلك كله كما سيأتي ذكر مثالين في تاريخ المسلمين من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 02-11-11, 06:03 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي اعتراضات وأجوبة:

الاعتراض الأول:

فإن قيل
: إن ملك مصر في زمن يوسف عليه السلام أسلم، لما رواه ابن جرير الطبري عن مجاهد، ومجاهد مقبول القول في التفسير.
فالجواب:
أن ما رواه ابن جرير في تفسير الآية { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } لا يصح من هذا الوجه، وذلك أن ابن جرير رواه بسنده فقال:
حدثنا المثنى قال حدثنا عمرو قال حدثنا هشيم عن أبي إسحاق الكوفي عن مجاهد قال: أسلم الملك الذي كان معه يوسف عليه السلام ".
وهذا سند ضعيف مسلسل بالعلل القادحة:
العلة الأولى: أبو إسحاق الكوفي هو عبد الله بن ميسرة، وهو ضعيف قاله ابن معين.
فروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عن يحيى بن معين أنه قال: أبو إسحاق الكوفي الذي يروى عنه هشيم هو عبد الله بن ميسرة، وهو ضعيف الحديث، وقد روى عنه وكيع، وربما قال هشيم: ثنا أبو عبد الجليل، وهو عبد الله بن ميسرة، وأيضا يدلسه اهـ (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 5/177 ترجمة عبد الله بن ميسرة).
وترجم له ابن عدي في الكامل فقال: عبد الله بن ميسرة أبو ليلى، وهو أبو إسحاق الذي يروي عنه هشيم، وهشيم يكنيه مرة بأبي إسحاق، ومرة يكنيه أبو ليلى، ومرة يكنيه أبو جرير، ومرة يكنيه أبو عبد الجليل، سمعت بن أبي داود يقول: أبو ليلى هو عبد الله بن ميسرة وهو سجستاني، وحدث أبو ليلى هذا عن أبي حريز وهو أيضا سجستاني، ثنا بن حماد ثنا عباس عن يحيى قال: أبو ليلى الذي يروي عن مزيدة ضعيف، وكان هشيم يروي عنه يسميه مرة، ويكنيه مرة، ويقول مرة: أبو إسحاق، ومرة أبو عبد الجليل ... اهـ (الكامل لابن عدي 4/171 ترجمة عبد الله بن ميسرة).
العلة الثانية: تدليس هشيم وقد عنعن عند ابن جرير الطبري، وهو ممن لا تقبل عنعنته في اصطلاح الحافظ ابن حجر العسقلاني، فإنه ذكره في المرتبة الثالثة وهي " من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقا، ومنهم من قبلهم "، ثم ذكر ترجمته فقال:" مشهور بالتدليس مع ثقته، وصفه النسائي وغيره بذلك، ومن عجائبه في التدليس أن أصحابه قالوا له: نريد أن لا تدلس لنا شيئا فواعدهم، فلما أصبح أملى عليهم مجلسا يقول في أول كل حديث منه: حدثنا فلان وفلان عن فلان، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئا ؟ قالوا: لا، قال: فإن كل شيء حدثتكم عن الأول سمعته، وكل شيء حدثتكم عن الثاني فلم اسمعه منه اهـ.
العلة الثالثة: المثنى شيخ ابن جرير الطبري فهو المثنى بن إبراهيم الآملي، يروي عنه ابن جرير كثيرا في التفسير والتاريخ، لم يعرف له راو غير الطبري، ولا عثر الباحثون عن حاله على كثرتهم له ترجمة، ولا عرف له توثيق مطلقا، لكن صحح ابن كثير سندا فيه المثنى هذا، وعن بعض الباحثين أنه استقرأ رواياته فلم يجد فيها نكارة مع أن شيوخه من الثقات.
والحقيقة أنه مجهول عين على قاعدة اصطلاح المحدثين، ومن قال إن الصحاري روى عنه فقد وهِمَ، وإنما روى الصحاري عن ابن جرير عنه.
وعلى فرض توثيقه فالأثر ضعيف بالعلتين الأخريين، والأولى وحدها كافية في تضعيفه على رأي من يقبل عنعنة هشيم بن بشير رحمه الله تعالى.

الاعتراض الثاني:

وإن قيل:
إن يوسف عليه السلام كان يحكم بشرع الله تعالى، وأنه كان ممكنا مطلق اليد في حكمه.
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن يوسف إنما تولى منصب عزيز مصر، وهو منصب الذي اشترى يوسف أول دخوله مصر، وراودته زوجته، وليس منصب الملك، وبين المنصبين فرق واضح.
قال ابن كثير: كان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير واسمه أظفير بن روحب، وهو العزيز، وكان على خزائن الأرض، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العمالقة اهـ.
وقال أيضا: ولي الملك يومئذ الريان بن الوليد، ويوسف الوزارة في بلاد مصر، مكان الذي اشتراه من مصر، زوج التي راودته (تفسير ابن كثير 2/290، 500 نقلا عن محمد سلامة درويش).

الوجه الثاني: أن يوسف إنما تولى هذا المنصب بإذن الملك وإرادته، ولا يعقل أن يطلب منه يوسف أن يوليه منصبه ويتنازل له عن الملك، لأنه يريد أن يستخلصه لنفسه .

الوجه الثالث: أن يوسف لو كان هو الملك لحكم بشرع الله تعالى، ولم يكن قادرا على ذلك، بدليل أنه لم يستطع أن يأخذ أخاه بشرع الملك لولا ما كاد الله له في ذلك كما في قوله تعالى {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ... الآية}.
وذلك لأنه لم يكن في حكم الملك أن يسترق أحد بالسرقة كما قال الطبري في تفسير هذه الآية.

الوجه الرابع: مما يدل على أن يوسف لم يكن مطلق اليد في الأرض، وأن الناس ليسوا تبعا له، هو استمرار المجتمع الذي كان فيه على كفره وشكه في دعوة التوحيد مع ما بذله يوسف عليه السلام من جهود في ذلك، كما قال تعالى {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به}.

الوجه الخامس: أن المجتمع الكافر لابد له من عادات وسنن في قبض الأموال وصرفها تختلف عن سنن الله وشرعه، ومع ذلك لم يكن ليوسف أن يخالف تلك القوانين والسنن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"
ومن هذا الباب: تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارا، كما قال تعالى {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به } الآية، وقال تعالى عنه { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ...} الآية، ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فان القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله { فاتقوا الله ما استطعتم } " اهـ (مجموع الفتاوى 20/56-57).
وقال جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل:"
وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا لاستبد بما شاء، وهذا من وفور فطنته وكمال حكمته، ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر ( دينا ) لها، والآيات في ذلك كثيرة " محاسن التأويل (6 /204 ).
وتقدم نحو ذلك عن الشوكاني، ومحمد رشيد رضا وغيرهما.

تنبيه:
هذه الوجوه ذكرها محمد سلامة درويش في رسالته العلمية " ماجستير" بعنوان (الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها من أحكام في العبادات والإمارة والجهاد) بإشراف الدكتور أحمد الكبيسي (ص 287-291) وقد نقلتها عنه مع بعض التصرف فيها بالاختصار والزيادة وتعديل العبارة.

الاعتراض الثالث:
وإن قيل: إن هذا في شرع من قبلنا، وليس بشرع لنا لمخالفته ما جاء في شريعتنا.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن شريعة يوسف عليه السلام موافقة لشريعتنا في وجوب التحاكم إلى شرع الله، وأن ذلك من مقتضى التوحيد، وهذا واضح من قول الله تعالى عن يوسف عليه السلام { إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه }.

الوجه الثاني: أن الله امتن على يوسف فعله، وجعله من التمكين له في الأرض كما قال تعالى{ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء } (الأقليات المسلمة لسليمان محمد (ص 105) والأقليات الإسلامية لمحمد درويش (ص285).
وهذا يدل على أن هذا ليس من خصائص يوسف عليه السلام، وإنما هذا طريقة من طرق التمكين، يسرها الله تعالى ليوسف عليه السلام.

الوجه الثالث: أن النصوص التي تتكلم عن تمكين يوسف عليه السلام في الأرض تدل على أن هذا الحكم ليس خاصا بيوسف دون سواه، كما قال تعالى { نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين }، ولا دليل على دعوى التخصيص (الأقليات المسلمة لسليمان محمد (ص 105-106) والأقليات الإسلامية لمحمد درويش (ص 286).

الوجه الرابع: أنه ليس في شريعتنا ما يخالف ذلك عند الضرورة، وإنما المنع من ذلك عند الاختيار والسعة، وقد تقدمت قريبا قصة النجاشي رحمه الله تعالى ورضي عنه، وتقدمت قبله دلائل من قصة الحجاج بن علاط ومحمد بن مسلمة والقياس مما يدل على أن هذا من باب الضرورة والمصلحة الراجحة، ولهذا استدل بها كثير من الفقهاء، وعمل بها المسلمون في مثل هذه الظروف كما سيأتي في المثالين إن شاء الله تعالى.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 02-11-11, 08:03 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي المثال الأول: أسرة بدر الجمالي مع الفاطميين

المثال الأول: أسرة بدر الجمالي مع الفاطميين

أولا: من أقوال العلماء في الفاطميين

توافقت أقوال كثير من أهل العلم أن الفاطميين كاذبون في نسبهم، وكاذبون في انتسابهم إلى الإسلام، وأنهم كفار ملحدون، وقد أفتى بعض العلماء بوجوب الهجرة من البلاد التي يحكمونها لكفرهم وتعطيلهم للشرائع، ونشرهم للإلحاد والباطنية، وهذه نبذة من أقوالهم:
1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المنطقيين:
" وأما قرامطة البحرين أبو سعيد بن الجنابى وأصحابه فأولئك كانوا يتظاهرون بالكفر الصريح، ولهذا قتلوا الحجاج وألقوهم في بئر زمزم، واخذوا الحجر الأسود وبقى عندهم مدة، بخلاف العبيديين، فإنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام، ويقولون إنهم شيعة، فالظاهر عنهم الرفض، لكن كان باطنهم الإلحاد والزندقة، كما قال أبو حامد الغزالي في كتاب "المستظهري": ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، وهذا الذي قاله أبو حامد فيهم هو متفق عليه بين علماء المسلمين، وكانوا يأمرون عامتهم بالعبادات، وهم على درجات مرتبة عندهم، كلما ارتفع درجة غيروا الشريعة عنده، فإذا انتهى أسقطوا عنه الشرع " (الرد على المنطقيين ص325 تحقيق عبد الصمد شرف الدين الكتبي).
وفي هذا النقل فائدة هي الإجماع على كفرهم، وإن ذكر عن بعض العلماء خلاف ذلك.
2) وقال الحافظ ابن كثير في البداية (12/333)::
قال أبو شامة: ... لم يكونوا فاطميين، وإنما كانوا ينسبون إلى عبيد، وكان اسمه سعيدا، وكان يهوديا حدادا بسلمية، ثم ذكر ما ذكرناه من كلام الأئمة فيهم وطعنهم في نسبهم.
قال: وقد استقصيت الكلام في مختصر تاريخ دمشق في ترجمة عبد الرحمن بن إلياس، ثم ذكر في الروضتين في هذا الموضع أشياء كثيرة في غضون ما سقته من قبائحهم، وما كانوا يجهرون به في بعض الأحيان من الكفريات، وقد تقدم من ذلك شئ كثير في تراجمهم.
قال أبو شامة: وقد أفردت كتابا سميته " كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد "، وكذا صنف العلماء في الرد عليهم كتبا كثيرة، من أجل ما وضع في ذلك كتاب القاضي أبو بكر الباقلاني، الذي سماه " كشف الأسرار وهتك الأستار " وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في بني أيوب يمدحهم على ما فعلوه بديار مصر:
أبدتم من بلى دولة الكفر من بني عبيد بمصر إن هذا هو الفضل
زنادقة، شيعية، باطنية مجوس وما في الصالحين لهم أصل
يسرون كفرا، يظهرون تشيعا ليستروا سابور عمهم الجهل
3) وللحافظ الذهبي كلام كثير فيهم، وقد ذكر مختصر تاريخهم وعقائدهم في السير، في ترجمة عبيد الله المهدي وذريته، ونقل في آخر ترجمته عن القاضي عياض كلاما فقال:
نقل القاضي عياض في ترجمة أبي محمد الكستراتي ، أنه سئل عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يقتل ؟ فقال: يختار القتل ولا يعذر، ويجب الفرار، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع، لا يجوز.
قال القاضي عياض: أجمع العلماء بالقيروان، أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة " (سير أعلام النبلاء، ترجمة 65 ج 15/ ص141-151).
4) ومن ذلك قول الذهبي أيضا في آخر ترجمة عمارة بن علي بن زيدان، أبو محمد الحكمي الذي صلبه صلاح الدين الأيوبي (20/596):" وله بيت كيس في العبيديين:
أفاعيلهم في الجود أفعال سنة * وإن خالفوني في اعتقاد التشيع.
قلت: يا ليته تشيع فقط، بل يا ليته ترفض، وإنما يقال: هو انحلال وزندقة" اهـ.
5) وقال ابن العماد في شذرات الذهب 2/291) في حوادث ووفيات سنة (322هـ): وفيها المهدي عبيد الله، والد الخلفاء الباطنية العبيدية الفاطمية، افترى أنه من ولد جعفر الصادق، وكان بسلمية، فبعث دعاته إلى اليمن والمغرب، وحاصل الأمر أنه استولى على مملكة المغرب، وامتدت دولته بضعاً وعشرين سنة، ومات في ربيع الأول بالمهدية التي بناها، وكان يظهر الرفض، ويبطن الزندقة ".
ثانيا: أسرة بدر الجمالي وأقوال العلماء فيهم

تولي كل من بدر الجمالي وولده الأفضل وحفيده أبي علي مهام عالية وخطيرة من الدولة العبيدية الكافرة، فأظهروا الولاء لبني عبيد القداح، ووطدوا أركان دولتهم.
وهذه الولاية التي أظهرتها هذه الأسرة، والخدمات التي قدمتها للعبيديين الكفرة، وتوطيدها لأركان دولتهم، لم يخرجها عن الإسلام، بل ولا عن دائرة أهل السنة عند العلماء، لأن المسلمين كانوا مستضعفين تحت وطأة العبيديين، وبهذه الحيلة تمكنوا من إزاحة ملكهم، فدل ذلك على أن إظهار الولاء للعبيديين الكفرة، وتنفيذ كثير من أوامرهم ورغباتهم بقصد تقليل شرِّهم جائز مباح، وما فيه من المصلحة الراجحة يبيح ذلك عند المجيزين، وهذه تعليقات العلماء على بدر الجمالي وولده الأفضل بن بدر الجمالي وحفيده أحمد بن الأفضل الملقبين بأمير الجيوش:
قال ابن كثير في البداية (12/234) في ترجمة الأفضل ابن أمير الجيوش:" أبو القاسم شاهنشاه الأفضل بن أمير الجيوش بمصر، مدبر دولة الفاطميين، وإليه تنسب قيسرية أمير الجيوش بمصر، والعامة تقول مرجوش، وأبوه باني الجامع الذي بثغر الإسكندرية بسوق العطارين، ومشهد الرأس بعسقلان أيضا، وكان أبوه نائب المستنصر على مدينة صور، وقيل على عكا، ثم استدعاه إليه في فصل الشتاء فركب البحر فاستنابه على ديار مصر، فسدد الأمور بعد فسادها، ومات في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقام في الوزارة ولده الأفضل هذا، وكان كأبيه في الشهامة والصرامة، ولما مات المستنصر أقام المستعلي واستمرت الأمور على يديه اهـ.
ثم علق ابن كثير عليه فقال:" وكان عادلا حسن السيرة، موصوفا بجودة السريرة، فالله أعلم ".
وترجم الحافظ الذهبي للأفضل بن أمير الجيوش في سير أعلام النبلاء (19/508 ترجمة 294) فقال فيه:" وكان الأمراء تكرهه لكونه سنيا، فكان يؤذيهم، وكان فيه عدل، فظهر بعده الظلم والبدعة ".
ثم قال الذهبي:
قال أبو يعلى بن القلانسي: كان الأفضل حسن الاعتقاد، سنيا، حميد السيرة، كريم الأخلاق، لم يأت الزمان بمثله.
ثم قال الذهبي:
ووزر بعد هلاك الآمر أمير الجيوش أبو علي أحمد بن الأفضل، وكان شهما مطاعا، وبطلا شجاعا، سائسا سنيا، كأبيه وجده، فحجر على الحافظ، ومنعه من أعباء الأمور، فشد عليه مملوك للحافظ إفرنجي، فطعنه وقتله".
وذكر ابن العماد في شذرات الذهب (4/46، 77) ترجمة الأفضل ابن أمير الجيوش فقال: كان في الحقيقة هو صاحب الديار المصرية، ولى بعد أبيه وامتدت أيامه، وكان شهما مهيبا بعيد الغور فحل الرأي، ولى وزارة السيف والقلم للمستعلى ثم للآمر، وكانا معه صورة بلا معنى، وكان قد أذن للناس في إظهار عقائدهم، وأمات شعار دعوة الباطنية فمقتوه لذلك " اهـ.
وقال أيضا في أحمد بن الأفضل: وولى وزارة السيف والقلم، وكان شهما مهيبا عالي الهمة كأبيه وجده، فحجر على الحافظ ومنعه من الظهور، وأخذ أكثر ما في القصر، وأهمل ناموس الخلافة العبيدية لأنه كان سنيا كأبيه لكنه أظهر التمسك بالإمام المنتصر وأبطل من الأذان حي على خير العمل وأبطل قواعد القوم ... اهـ.

تنبيه:
لم يكن أخذ الولاية مقصورا على أسرة الجمالي، بل تولى بعدهم بفترة هذه المناصب صلاح الدين الأيوبي بقصد قلب نظامهم، والإطاحة بملكهم، وقد مكنه الله تعالى ذلك فحمده المسلمون وأثنوا عليه ثناء لا يخفى على المانعين.
وكذلك أخذ ولاية القضاء منهم كثير من العلماء والفقهاء على اختلاف مذاهبهم كما ذكر ذلك في تراجمهم الحافظ بن حجر العسقلاني في " رفع الإصر عن قضاة مصر " فراجعه إن شئت تراجمهم والثناء على كثير منه بحسن الاعتقاد والسيرة وغير ذلك من عبارات الثناء على كثير من هؤلاء القضاة، الذي وصف بعضهم بلقب " ثقة الدولة ".
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 02-11-11, 08:07 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي المثال الثاني: تولي الولايات بين المسلمين والتتار

أولا: من أقوال العلماء في التتار

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى 35/408):" ... فيجب على المسلمين أن يحكموا الله ورسوله في كل ما شجر بينهم ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق أو غيره مما يخالف شرع الله ورسوله وحكم الله ورسوله وهو يعلم ذلك : فهو من جنس التتار الذين يقدمون حكم " الياسق " على حكم الله ورسوله، ومن تعمد ذلك فقد قدح في عدالته ودينه ووجب أن يمنع من النظر في الوقف والله أعلم.

وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون }:" ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم الياساق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير " اهـ.

ثانيا: أخذ بعض الفضلاء الولاية من يد هؤلاء التتار

إذا تبين حال التتار وما كانوا يحكمون به، فليعلم أن أخذ الولاية من يدهم كان معروفا ، وأن بعض أهل الفضل كان يتلقى منهم الولايات، ويقيم ما يستطيعه من العدل، ولم يكن هذا كفرا بل ولا معصية، وإنما هو من جنس الأعمال الصالحة، ولم يكن هؤلاء مكرهين على أخذ هذه الولايات مع ما فيها من الدخول تحت طاعة التتار، وائتمار أوامرهم، وتنفيذ سياساتهم.
وفي التعليق على هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( مجموع الفتاوى 19/218):"
وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا بل وإماما، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها" اهـ.
وقال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى (قواعد الأحكام ص 73 ):"
ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبا للمصالح العامة ودفعا للمفاسد الشاملة، إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح عباده تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها، وفي ذلك احتمال بعيد" اهـ.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 03-11-11, 07:48 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي الدليل السادس من دلائل المجيزين

بعد ذكر الدليل الخامس من أدلة المجيزين، سننتقل للدليل السادس قريبا إن شاء الله تعالى وسنعرضه على طريقتهم ليجيب عنه المانع إن رغب في ذلك
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #39  
قديم 04-11-11, 06:17 PM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الاخ ابو عبد الباري أحسن الله إليك
وللمانعين إعنراضات غير ما ذكرت

أولا: أن عمل يوسف ليس ولاية قال ابن العربي في احكام القران: "فإن قيل: كيف استجاز أن يقبلها بتولية كافر ، وهو مؤمن نبي ؟ قلنا : لم يكن سؤال ولاية ؛ إنما كان سؤال تخل وترك ، لينتقل إليه ؛ فإن الله لو شاء لمكنه منها بالقتل والموت والغلبة والظهور والسلطان والقهر ، لكن الله أجرى سنته على ما ذكر في الأنبياء والأمم ، فبعضهم عاملهم الأنبياء بالقهر والسلطان والاستعلاء ، وبعضهم عاملهم الأنبياء بالسياسة والابتلاء ، يدل على ذلك قوله : ** وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين }"


ثانياً: معنى التمكين هو أن لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره، وإليه الإشارة بقوله: يتبوأ منها حيث يشاء، لأنه تفسير للتمكين قال البقاعي في تفسير هذه الأية: "لدينا مكين : أي شديد المكنة ، من المكانة ، وهي حالة يتمكن بها صاحبها من مراده، أمين: من الأمانة وهي حال يؤمن معها نقض العهد" وقال ابن عاشور التحرير والتنوير تفسير سورة يوسف آية 56: "وقوله: يتبوأ منها حيث يشاء، كناية عن تصرفه في جميع مملكة مصر، وقال: ويكنّى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرّف ، لأنّ صاحب المكان يتصرّف في مكانه وبيته، ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر، ويقال: هو مكين بمعنى مُمَكّن، فعيل بمعنى مفعول"
فعلى هذا يكون يد يوسف مطلقا كما يدل الأية ويشبه أن تكون حالة الملك مع يوسف عليه السلام كحالة الرئيس مع رئيس الوزراء في النظام البرلماني، حيث تطلق يد رئيس الوزراء في تصريف وتنظيم أمور الدولة ويوزعون السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء كما هي في حال فرنسا ويسمونه شبه الرئاسي. ويكون يد يوسف مطلقتاً في شؤؤن خزائن الأرض وهي ما يسمونه هذا العصر بوزير الإقتصاد.. قال ابن جرير رحمه الله في قوله تعالى: إنك لدينا مكين أمين: "أي: متمكن مما أردت، وعرض لك من حاجة قِبلنا، لرفعة مكانك ومنزلتك لدينا، أمين على ما أؤتمنت عليه من شيء"
ونقل عن "ابن زيد في قوله:(اجعلني على خزائن الأرض)، قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام قال: فأسلم سلطانه كُلَّه إليه، وجعل القضاء إليه، أمرُه وقضاؤه نافذٌ،
ونقل عن السدي في قوله تعالى: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء" قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحب أمرها، وكان يلي البيعَ والتجارة وأمرَها كله ، فذلك قوله:"وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء".
ونقل عن ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:(يتبوأ منها حيث يشاء) قال: ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا، يصنع فيها ما يشاء ، فُوِّضَتْ إليه، قال: ولو شاء أن يجعَل فرعون من تحت يديه، ويجعله فوقه لفعل" قال البغوي في تفسير هذه الاية: "** وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ } يعني: أرض مصر ملكناه ، ** يَتَبَوَّأُ مِنْهَا } أي: ينزل ** حَيْثُ يَشَاءُ } ويصنع فيها ما يشاء" وقال الشوكاني: "معنى " مكين" : ذو مكانة وأمانة بحيث يتمكن مما يريده من الملك ويأمنه الملك على ما يطلع عليه من أمره، أو على ما يكله إليه من ذلك" وقال: "وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ" أي: ومثل ذلك التمكين العجيب، مكنا ليوسف في الأرض أي: جعلنا له مكاناً، وهو عبارة عن كمال قدرته ، ونفوذ أمره ونهيه، حتى صار الملك يصدر عن رأيه، وصار الناس يعملون على أمره ونهيه "يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء" أي : ينزل منها حيث أراد ويتخذه مباءة، وهو عبارة عن كمال قدرته كما تقدّم ، وكأنه يتصرف في الأرض التي أمرها إلى سلطان مصر، كما يتصرف الرجل في منزله"
وقال الطاهر ابن عاشور: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، والتبوؤ : اتخاذ مكان للبوء، أي الرجوع، فمعنى التبوؤ النزول والإقامة، وتقدم في قوله تعالى: أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا، في [ سورة يونس : 87 ]، وقوله: يتبوأ منها حيث يشاء، كناية عن تصرفه في جميع مملكة مصر، فهو عند حلوله بمكان من المملكة لو شاء أن يحل بغيره لفعل ، فجملة: يتبوأ، يجوز أن تكون حالاً من يوسف ، ويجوز أن تكون بياناً لجملة: مكنا ليوسف في الأرض"

ثالثاً: يصح عند بعض المانعين استدلال بقصة يوسف على اخذ الولاية من كافر من هذا الوجه, ولكن هل يصح استدلال بهذه القصة على ارتكاب المكفر للمصلحة راجحة؟ هذا هو محل النزاع
فنسأل هل الأصل في نبي ان يفعل محرماً أو كفراً أم لا؟ مع أن الأنبياء معصومين عن الكبائر فضلاً عن المكفرات من تحكيم بغير شرع الله وغيره.
يتوقف استدلال بقصة يوسف أن نقول أن الاصل هو أنه حكم بدين الملك.

فإن قيل في قوله تعالى: "ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك"، دليل أن دين الملك هو الذي كان سائدا، وليس ما جاء به يوسف، فجواب المانعون من وجوه
أولاً: أن الآية وإن كانت دالة على أن للملك نظاما يعمل به، وأن يوسف عليه السلام لا يمكنه أخذ أخيه من خلال هذا النظام، لايدل أن يوسف عليه السلام كان متقيدا بنظام الملك أو كان ملتزما بالعمل به في خصوص ولايته التي طلبها، ألم يقل له الملك: إنك اليوم لدينا مكين أمين، وألم يعقب النص القرآني على ذلك بقول الله تعالى: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين"، وقد مر بنا تفسير أهل العلم لذلك، فإذا كان يوسف عليه السلام متقيدا بقانون الملك ونظامه في خصوص ولايته لا يمكنه الخروج منه، لم يكن هناك تمكين حقيقي.
وأما أن يكون دين الملك معمولا به في غير ما تولاه يوسف عليه السلام، فما يضيره في شيء أن يُقضَى فيه بحسب دين الملك، إذ لا تكسب كل نفس إلا عليها .
الوجه الثاني: أن يوسف عليه السلام لو كان متقيدا بقانون الملك في خصوص ولايته أو فيما تولاه أو كان مجبرا على الالتزام به لا يملك الخروج عنه، لم يكن قادرا على استبدال الحكم الذي قاله إخوته بحكم الملك، ولم يكن مستطيعا لأخذ أخاه بهذه الوسيلة التي اتبعها، فإن ذلك مخالف لدين الملك، فمقدرته على أخذ أخيه وتطبيق شريعة يعقوب التي هي من ملة إبراهيم عليه السلام، وإبدال عقوبة بعقوبة، دليل على تمكنه في الأرض، وإنفاذ ما يرى وعلى عدم تقيده بنظام الملك، وهذا أمر بَيِّن لا ينبغي أن يخالف فيه أحد، وهذه الآية تبين أن يوسف ما كان يتبع دين الملك، بل كان يحتال فيما خالف شريعة الله من دين الملك لينفذ شريعة الله، وهذا لا يضيره في شيء ما دام أنه يحكم بالشريعة، فالحكم الوحيد الذي ذكرته الآيات في هذه القصة، هو هذا الحكم وهو لم يحكم فيه بما خالف شرع الله، فكيف يقال إن يوسف عليه السلام ما كان بإمكانه إنفاذ شريعة الله.

أما قولكم في مقدمة الرابعة لم يكن يوسف عليه السلام قادرا على فعل كل ما أراد من الحكم مما يخالف دين الملك فقد تبين من قصة أخذه لأخيه أنه خالفه-ولا يقدح في ذلك أنه خالفه بحيلة كادها الله له. وما نقلتم من ابن تيمية لا يخالف على ما قررنا لمن يمعن النظر في كلامه. وهناك كتاب مفيد "حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية د/عمر الأشقر
" مع أني أخالفه إلا أنه مفيد للمجيزين وغيرهم.
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 06-11-11, 06:27 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي عيدكم مارك وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

ما ذكرتم في المشاركة الأخيرة يتضمن ثلاثة أمور وهي:
الأول: قول ابن العربي في إنكار أن يكون يوسف عليه السلام أخذ الولاية من الملك
الثاني: أن التمكين المذكور في الآية يعني أن يوسف كان مطلق اليد
الثالث: هل فعل يوسف عليه السلام الكفر حتى يستدل بهذه القصة
وهذا تعليق مختصر على هذه الأمور الثلاثة:
أما الأول منها والاستدلال بقول القاضي أبي بكر ابن العربي رحمه الله تعالى، فالجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا خلاف ظاهر القرآن، فإن يوسف عليه السلام كان في سجن الملك، ثم طلبه الملك بعد ثبوت براءته ليستخلصه لنفسه في تجاوز المحنة المتوقعة لأجل أن لدى يوسف عليه السلام معرفة بهذا الشأن لتفسيره رؤيا الملك، فأعلمه الملك أنه لديه مكين أمين أي ذو مكانة وأمانة، فقال يوسف {اجعلني على خزائن الأرض}، وهذا طلب منه أن يوليه الملك على الخزائن لأنه حفيظ عليم، وهو ظاهر.
الوجه الثاني: أن العلماء من المفسرين وغيرهم لم يفهموا من الآية إلا أن يوسف طلب الولاية من الملك، ولهذا استدلوا بهذه الجملة { اجعلني على خزائن الأرض } على مسألتين:
الأولى: جواز طلب الولاية لمن كان كفؤا لها إذا علم أنه لا يقوم بها على وجهها غيره، وجعلوا هذا معارضا لحديث النهي عن طلب الإمارة وهو معروف في مواضعه.
الثانية: أخذ الولاية من يد الكافر، وأقوالهم في هذا كثيرة مشهورة مع ظاهر النص القرآني.
قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية:" وهذا من يوسف صلوات الله عليه مسألة منه للملك أن يوليه أمر طعام بلده وخراجها، والقيام بأسباب بلده، ففعل ذلك الملك به فيما بلغني اهـ.
وقال ابن أبي زمنين في تفسير هذه الآية :" {قال} يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} يعني: أقوات أرض مصر {إني حفيظ} لما وليت {عليم} بما يصلحهم من ميرتهم اهـ
وقال الماوردي في النكت والعيون عند هذه الآية:" اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين:
أحدهما: جوازها إن عمل بالحق فيما تقلده, لأن يوسف عليه السلام ولي من قبل فرعون, ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره.
الثاني: لا يجوز ذلك له لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم وتزكيتهم بتنفيذ أعمالهم" اهـ.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (1/241ط. إحياء التراث):" لما ظهر للملك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه { قال ائتوني به أستخلصه لنفسي } أي أجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله {قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} أي ذو مكانة وأمانة {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سني الخصب لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه من الاحتياط لهم والرفق بهم وأخبر الملك أنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الأشياء ومصالح الأهراء وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة اهـ.
وقد روى أبي حاتم في تفسيره آثارا مسندة يقوي بعضها ضعف بعض.
الوجه الثالث: أن ابن العربي استبعد طلب يوسف عليه السلام أخذ الولاية من الكافر ولم يتبين له أن هذا على وجه المصلحة الراجحة كما تبين لغيره من العلماء، فتأول الآية على غير وجهها، ولهذا لم يتابعه على قوله أكثر أهل العلم ممن جاء بعده كما يتضح من قراءة تفاسيرهم.

وأما الأمر الثاني: وهو أن التمكين معناه أن لا ينازعه أحد في ملكه، فهو قول بعض العلماء، وقد تقدم الجواب على هذا الاعتراض وهو الثاني في المشاركة (رقم 37) فيراجع ما تقدم.
وأما مفهوم لفظ " التمكين " في الآية، وأنه يفيد أن يوسف عليه السلام كان مطلق اليد في كل ما يريد، فقد ذكره وأطال المناقشة بذلك بعض الفضلاء من المشايخ، وهنا ننبه على أمور:
الأول: أن لفظ التمكين لا يدل على أن يوسف كان مطلق اليد كما يريد المانعون، وذلك أن لفظ التمكين ورد في هذه القصة مرتين، وفي كل منهما {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض}، الأولى عند ما اشتراه عزيز مصر، وقبلها {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ... الآية}، ولم يكن هذا التمكين دالا على أنه كان مطلق التصرف والحركة، بل كان عبدا مقيدا في خدمة سيده، لكن الله تعالى سماه تمكينا، فدل على أن لا تلازم بين لفظ "التمكين " وبين كونه مطلق اليد في التصرف.
ولما لم تكن الأولى مفيدة للحرية في كل التصرفات حيث كان في بيت عزيز مصر عبدا مملوكا، لم تكن الثانية دالة على أنه كان له أن يفعل ما يريد، ومن فرق بينهما فعليه بيان الدليل على ذلك.
الثاني: أن قوله {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } يفيد عند كثير من أهل العلم أن يوسف لم يكن يتمكن من الخروج عن نظام الملك، وإلا لم يكن بحاجة إلى حيلة، بل كان يحكم بما يشاء، وهذا هو مراد من قال بذلك من العلماء، ولهذا احتاج أن يكيد الله له حيلة يتمكن بها من الخروج عن الحكم بقانون الملك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( الفتاوى الكبرى 6/131-132):" ... قد كان من دين ملك مصر فيما ذكره المفسرون: أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين، ولو قالوا ذلك لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزمه غيرهم، ولهذا قال سبحانه: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} أي: ما كان يمكنه أخذه في دين ملك مصر، لأن دينه لم يكن فيه طريق إلى أخذه { إلا أن يشاء الله } استثناء منقطع أي: لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر، أو يكون متصلاً بأن يهيئ الله سبحانه سبباً آخر بطريق يؤخذ به في دين الملك من الأسباب التي كان الرجل في دين الملك يعتقل بها ... اهـ المراد منه.
وقد ذكرنا في المشاركة (رقم 37) جملة من أقاويل الأئمة في هذا المعنى، وأن يوسف عليه السلام لم يكن يتجاوز قانون الملك.

الثالث: قد عدّ كثير من أهل العلم ولاية يوسف عليه السلام من باب التوكيل، وأنه طلب أن يكون وكيلا على الخزائن، وهذا كثير في كتب الفقهاء عند بيان مشروعية الوكالة بالكتاب والسنة، والوكالة من جنس الولاية.
قال الماوردي في الحاوي الكبير (6/ 494):" ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف للعزيز: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} أي وكلني على خزائن الأرض اهـ.
وقال الشوكاني في الدراري المضيئة (2/356 ):" وقد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على جواز التوكيل كقوله تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} [الكهف:19] وقوله: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} اهـ.
واستدل بها سيد سابق في فقه السنة (3/229) وغير هؤلاء من الفقهاء.
وإذا صح هذا فيدل على أن يوسف عليه السلام لم يكن له أن يتصرف في غير ما وكل له، ولا له التصرف بما هو خارج عن إذن موكله، ولا تعارض بين التوكيل وبين تمكين الوكيل فيما وكل إليه وإن كان لا يخرج عن إذن الموكل، ولهذا يذكر الفقهاء في المضاربة أنها توكيل، ويجعلون من شروطها تمكين الوكيل المضارب من التصرف في المال، مع تقريرهم أنه لا يجوز له أن يتاجر فيما نهى عنه صاحب المال.
الرابع: ما ذكرتم من تشبيه سلطة يوسف عليه السلام بمنصب رئيس الوزراء فيوافقكم على هذا التوصيف بعض المجيزين مثل الشيخ محمد سلامة درويش في الأقليات الإسلامية (ص 288) وجوابه من وجهين:

أولهما: هو مناقض لما ذكرتم من أنه تولى بعض أعماله من الطعام ونحوه، ولا تبعة عليه في غير ذلك، فهذا ليس وصف رئيس الوزراء، بل هو وصف وزير المالية تقريبا، وسيأتي في (ثانيهما).
وإذا سلمنا ذلك: فرئيس الوزارء محدود بضوابط فيما يتعلق بتغيير الأنظمة المتعلقة بالحكم ونظامه، فهل يعني هذا أنكم تقولون بنحو ذلك ؟
ثانيهما: هو مجرد استرواح، وهو مقابل عند المجيز بأنه أشبه بمنصب وزير المالية، ويشهد لهذا أنه طلب أن يجعله على خزائن الأرض، وهو ما قبله منه الملك بناء على أن السؤال معاد في الجواب، وهو الأقرب لقولكم المذكور في الوجه الأول، وإذا كان كذلك فوزير المالية له صلاحيات محدودة، وليس له أن يغير كل ما يتعلق بالوزارة، ومع ذلك فهو ممكن من إدارتها، فلا تعارض بين التمكين والتحديد.
قال الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي في إدارة الوقت من منظور إسلامي (ص 80):" ومن التفويض أيضاً ما فعله ملك مصر مع يوسف عليه السلام حين فوضه بالقيام بمهمات حِفظ خزائن الدولة، وهذا يشبه إلى حد كبير منصب (وزير المالية) في عصرنا الحاضر، إذ منحه جميع الصلاحيات التي تخوله القيام بعمله وتنفيذ خطته الزراعية طويلة الأجل، وقد عبر الله عزَّ وجلَّ عن تلك الصلاحيات بقوله: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} "أي وطَّأْنا ليوسف في أرض مصر" . فهو حر يتصرف كيف يشاء وفق الخطط والأهداف المرسومة، وهذه الحرية تتيح للمسئول المناخ المناسب للإبداع والابتكار اهـ.

وأما الأمر الثالث: وهو ما ذكرتم من قولكم " هل يصح الاستدلال بهذه القصة على ارتكاب المكفر للمصلحة الراجحة ؟ ... وهل الأصل في نبي أن يفعل محرما أو كفرا أم لا ؟ مع أن الأنبياء معصومون من الكبائر فضلا عن المكفرات من تحكيم بغير شرع الله وغيره " ؟
فهذا كلام وجيه عند الوقوف مع ظاهره، ولا بد للمستدل بهذه القصة من جواب على هذا في نظري,
ويمكن أن يقول المجيز في الجواب على السؤال: لم يفعل نبي الله يوسف عليه السلام مكفرا، ولا فعل محرما، بل ما فعله كان جائزا إن لم يكن مستحبا أو واجبا، لأن العمل بتحكيم الشرع قد سقط بالعجز، وجاز العمل بغيره للمصلحة الراجحة.
ولبيان ذلك وجوه:

الوجه الأول: أن ما فعل مع العذر لا يكون مذموما شرعا، ولا يقال لمن أكل الميتة للاضطرار إنه أكل الحرام، كما لا يقال لمن ترك الواجب لعذر إنه ترك الواجب، وعلى هذا فلو فعل النبي عليه السلام بمقتضى العذر الشرعي– فرضا وتقديرا – ما هو مذموم في الأصل لم يكن فعل محرما ولا مذموما، والنزاع الذي يذكره العلماء في هذا نزاع لفظي.
الوجه الثاني: أن ترك الحكم بما أنزل الله تعالى عند العجز بمعناه المتقدم ليس كفرا لسقوطه كما تقدم في قصة النجاشي رحمه الله تعالى ورضي عنه، والقائل بالمصلحة الراجحة يلحقه بهذا الباب، وما سقط لعذر لا يكون مطلوبا من هذه الجهة، فلا يقال في مثل هذا إنه فعل كفرا أو محرما.
الوجه الثالث: قد تقدم أن الدخول تحت ولاية الكافر يلزم منها غالبا مفاسد منها ما هو كفر في الأصل، ومنها ما هو معصية، والمانع لم يعلق على هذا بالمخالفة، فإن أقر بصحة الاستدلال بهذه القصة على جواز أخذ الولاية من الكافر لزمه إقرار جواز ما يترتب عليها، وترجيح ما فيها من المصلحة الراجحة.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:59 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.