ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #21  
قديم 15-10-11, 08:55 PM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: قصة محمد بن مسلمة ودلالتها ( تعقيب )

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عبد الباري مشاهدة المشاركة
وبيان ذلك":
أن المراد بالعموم هو أن الإذن في النيل منه وغيره من المكفرات، فهذه هي جهة العموم في الإذن، ومعناه أن الإذن لم يكن خاصا في النيل منه صلى الله عليه وسلم.
وأما الحالة الخاصة: فهي العملية التي كان يقوم بها، فلو قال ما قال بغير ذلك الإذن في قصة قتل كعب بن الأشرف لكان دليلا على النفاق.
بيان التناقض:
فإنكم قد استدللتم عموم الإذن في حديث الحجاج ومسلمة, ومراد العموم أنه اذن لهم ان يقولوا ما شاءوا من كلام يخدعونه به,سواء كان ذلك القول مكفر او غير المكفر من المعاصي. فلا معنى قولكم: انه كان مأذوناً في ما لو قاله في غير تلك الحالة لكان كافراً, فإنكم قد خصصتم العموم بعموم المكفرات, فكأنه أذن له عموم المكفرات, وهذا التخصيص لا يدل عليه الكلام.
وقلتَّ ما نصه: " فقوله: فقولوا ما بدا لكم عام لكل ما يتمكنون به من الحيلة في قتله ولو كان مكفرا" وهذا يناقض قولكم: أن المراد بالعموم هو أن الإذن في النيل منه وغيره من المكفرات، فهذه هي جهة العموم في الإذن، انهـــ وهو الواضح

الوقفة الثانية.
إنما أذن له النيل منه ولم يؤذن له غيره, ويدل ذلك رواية ابن إسحاق أنه قال: إنه لا بد لنا ان نقول , قال: فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك.. وأضح من ذلك رواية عمر في تاريخ المدينة أنه قال: أمحللي مما قلت لابن أشرق, قال أنت في حل مما قلت,. فلو لم يكن الإذن النيل منه لما قال محمد بن مسلمة: أمحللي مما قلت. ولما قال رسول الله انت في حل مما قلت, فاالعموم إنما هي عموم النيل وليس عموم الإذن. والمعلوم أن جواب السائل غير المستقل تابع للسؤال في عمومه, فلما سئل ابن مسلمة رسول الله عموم الإذن في النيل, كان جوابه تابع للسؤال في العموم والخصوص.
قال ابن حجر في فتح الباري (7/392): قد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوه أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه "اهـ

الوقفة الثالثة: ظاهر كلام ابن مسلمة:
فعند المانعين أن كلامه ليس ظاهر في الكفر, ولكن يحتمل الكفر وغيره. فلو كان ظاهره الكفر لكفر ابن مسلمة إلا إذا كان هناك مانع كمانع الضرورة عند المجيزين. فالكلام إذا كان ظاهراً في الكفر فلا نظر للمقصود والنيات.

تنبيه: استغربت كلامكم في المشاركة السابقة أن التقية والإكراه شيء واحد, والمعلوم أن التقية هو الاستخفاء بالإسلام وكتمان الدين وعدم إظهاره, فالمناط في الإعذار بالتقية إنما هو العجز عن إظهار الدين ولو لم يكن مكره. أما إظهار الكفر فلا يجوز إلا في حالة الإكراه
لأن الإكراه من باب الترك وليس مما يشترط فيه الإستطاعة وإنما يكون اشتراط الأستطاعة عند الإكراه على المخالفة بفعل المنهي عنه. أما التقية فإنما هي عدم تحقيق المطلوب, وتحقيق المطلوب مشروط بالإستطاعة.
قال ابن تيمية في المنهاج(6/424)" التقاة ليست بأن اكذب وأقول ما ليس في قلبي فإن هذا نفاق ولكن أفعل ما أقدر عليه كما في الصحيح عن النبي انه قال: من راى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطيع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.:"اهــ
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 16-10-11, 06:28 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

هذه وقفا سريعة:
الوقفة الأولى: ما ذكرتموه من تخصيص الاستئذان في النيل منه صلى الله عليه وسلم مردود عند المجيز من وجوه:
الوجه الأول: الرواية الصحيحة هي أن ابن مسلمة قال:" فأذنْ لي أن أقول شيئاً، قال: " قلْ " وهي الرواية الوحيدة في الصحاح، وهي أعم من النيل منه صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: رواية ابن سعد فقد تقدم أنها بدون سند، ومثلها لا يصح بناء الأحكام عليها كما لا يخفى على المانع
الوجه الثالث: ما ذكر من رواية ابن إسحاق، أو عمر بن شبة أيضا ليس مما يصح ويبنى عليه الحكم.
الوجه الرابع: أن قلوه كما في رواية ابن إسحاق:" فقولوا ما بدا لكم " معناه على إعادة السؤال: فقولوا ما بدا لكم مما لابد منه أن تقولوا ، وهذا واضح العموم كرواية الصحيح.
الوجه الخامس: أن رواية " أمحللي أنت " بمعنى " فأذن لي أن أقول " وليس فيها تخصيص في النيل، وحملها على موافقة رواية الصحيح أولى من مخالفتها لها مع أنها مما لا يصح سندا فيما رأيت كما تقدم.
الوقفة الثانية: ما ذكرتموه من العموم فهو عام في المكفرات والمعاصي من جهة، وعام في النيل منه صلى الله عليه وسلم وغيره من المكفرات من جهة ثانية، وليس بين الأمرين تعارض، وإنما يبحث المتكلم ما يريد بحثه وهو المكفرات هنا دون سائر المعاصي فإنها ليست محل البحث والخلاف بين المجيز والمانع.
الوقفة الثالثة: ظاهر كلام ابن مسلمة رضي الله عنه
اتضح من المشاركة السابقة أن العلماء متنازعون في هذا على ثلاثة أقوال، والتعريض هو قول واحد من هذه الثلاثة، وواضح من كلام ابن القيم أنه مناف للإيمان، ولا يقال هذا في المحتمل، وواضح من كلام ابن بطال أن سقوط المؤاخذة من قبل الإذن ولم يجعله من قبل اللفظ، وقريب من ذلك قول السبكي وبناء القياس عليه، وهذا خلاف لا ينكر مثله، فلا يقال في مثل ذلك إنه مخالف لقول جميع الشراح، وإنما يرجح من يرى قول المانعين بكونه محتملا بما عنده من الدلائل مع الإقرار بالاختلاف.
الوقفة الرابعة: ما استغربتموه من أن الإكراه والتقية شيء واحد، فقد كان ينبغي لكم نقل ما ذكرته باختصار، وهو هذا:
التنبيه الثالث: أكثر أهل العلم – فيما اطلعت عليه - على أن التقية داخلة في الإكراه، وأنها بعض صوره، ومن قرأ أقوال العلماء في ذلك علم أن التقية لا يلزم فيها التهديد بالأذية، بل الخوف من شرهم يكفي للعمل بالتقية ظاهرا، لا سيما فيمن يعيش بين ظهورهم، وتحت سلطانهم.
وعلى هذا فللإكراه صورتان رئيستان:
إحداهما: ما يكون بسبب الخوف ولو من غير تهديد مباشر، كمن يعيش بين الكفار فيخفي إسلامه، أو يتقيهم بلسانه، وعليه تدل آية التقية.
وقد ذكر غير واحد من أهل العلم ما بين الإكراه والتقية من المغايرة، لا حاجة للتطويل بها لشهرتها، وليس في قول هؤلاء العلماء قيد التهديد أو الأذية الفعلية.
وثانيهما: حمل المكره على الكفر، وتهديده بالأذى على اختلاف في نوع الأذى، وعليه تدل آية الإكراه.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنهما عذران متغايران، وأن الإكراه غير التقية، فجعلوا الإكراه حالة، والتقية حالة أخرى، وأجابوا عن الاعتراضات الواردة عليهم، وهي من موارد الاجتهاد فينظر فيه، منهم أبو بصير مصطفى حليمة، ومحمد سعيد القحطاني، ونايف علي الشحود اهـ.
هذا نص ما قلته، وهو غير ما نسبتم إلينا، وإن تطلب البحث – ولا أراه – بيان مذاهب العلماء في اعتبار التقية والإكراه من جنس واحد فيذكر حينها، ولا أظنه يخفى على مثلكم.
وأما ما ذكرتموه من أن التقية ليست في إظهار الكفر فغير صحيح، وهو معلوم من كلام ابن تيمية وغيره، ولعل بعض ذلك يأتي في قصة النجاشي وغيره من دلائل المجيزين
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 20-10-11, 08:17 AM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الأخ عبد العزيز سلمه الله وحفظه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( مجموع الفتاوى 14/120):
وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة: كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك، فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن، وإلا فلو قدر أنه سجد قدام وثن، ولم يقصد بقلبه السجود له، بل قصد السجود لله بقلبه، لم يكن ذلك كفرا، وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه، فيوافقهم في الفعل الظاهر، ويقصد بقلبه السجود لله، كما ذكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا على يديه، ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر.
فما تفسيركم لهذا الكلام ؟
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 20-10-11, 08:25 AM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

وما تفسيركم أيضا: لقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام مجموع الفتاوى (19/223):" ... فأي فائدة في الإخبار بهذا، بخلاف أمر النجاشي وأصحابه ممن كانوا متظاهرين بكثير مما عليه النصارى، فان أمرهم قد يشتبه.
ولهذا ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه لما مات النجاشي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال قائل: تصلى على هذا العلج النصراني وهو في أرضه ؟ فنزلت هذه الآية، هذا منقول عن جابر وأنس بن مالك وابن عباس، وهم من الصحابة الذين باشروا الصلاة على النجاشي " اهـ.
فما معنى التظاهر بالنصرانية ؟ أليس ذلك فعلا مكفرا أجيز تقية ؟ ولعله يأتي مزيد من الأقوال عن غير شيخ الإسلام ابن تيمية.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 22-10-11, 05:34 PM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عبد الباري مشاهدة المشاركة
الأخ عبد العزيز سلمه الله وحفظه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( مجموع الفتاوى 14/120):
وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة: كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك، فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن، وإلا فلو قدر أنه سجد قدام وثن، ولم يقصد بقلبه السجود له، بل قصد السجود لله بقلبه، لم يكن ذلك كفرا، وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه، فيوافقهم في الفعل الظاهر، ويقصد بقلبه السجود لله، كما ذكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا على يديه، ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر.
فما تفسيركم لهذا الكلام ؟
هذا قطعا لا يفهم من كلام شيخ الإسلام أن التقية نوع من الإكراه ، وهو فهم باطل ، ويدل على بطلان هذا الفهم أنه قال (وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر) وهذا هو الإكراه ، والإكراه كمانع من التكفير متفق عليه بين العلماء ولكن اختلفوا في صور الإكراه، ويوضح هذا قول الشيخ نفسه في (الفتاوى 7/219) :
(ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذى لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين إلا الجهمية جهما ومن وافقه ؛ فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه أخرس ، أو لكونه خائفا من قوم إن أظهر الإسلام آذوه ، ونحو ذلك ، فهذا يمكن أن لا يتكلم مع إيمان فى قلبه كالمكره على كلمة الكفر قال الله تعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) ، وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه ؛ فإنه جعل كل من تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . فإن قيل : فقد قال تعالى ( ولكن من شرح بالكفر صدرا) ، قيل: وهذا موافق لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا ، وإلا ناقض أول الآية آخرها ، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره وذلك يكون بلا إكراه لم يستثن المكره فقط ، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره ، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا ، وهي كفر وقد دل على ذلك قوله تعالى (يحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم قل استهزؤا أن الله مخرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) ، فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب ، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ولو كان الإيمان فى قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام ) انتهى .
وفي هذا النقل بيان لمراد الشيخ هنا وأن المسلم لا يعذر في الكفر فعلا أو قولا إلا عند الإكراه فقط ،


على العموم التقية داخله في الإكراه ضرورة فمن أكره فله أن يتقي الضرر بالتقية .
أما التقية فلا يدخل فيها الإكراه ولا يستلزم وجود إكراه للعمل بالتقية
التقية عندما تطلق غالباً يراد منها وقاية الناس بعضهم من بعض لسبب ما ، وأصل هذا جاء
في قوله تعالي :" لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ " (آل عمران:28)
قال ابن جرير الطبري في التفسير 3/227: ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتُظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر إلا أن تتقوا منهم تقاة فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تُعينوهم على مسلم بفعل .
وعن السدي قال: إلا أن يتقي تقاةً؛ فهو يُظهر الولاية لهم في دينهم، والبراءة من المؤمنين .
وعن ابن عباس قال: التقاة التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان .
وعنه قال: فالتقية باللسان؛ من حُمل على أمر يتكلم به وهو لله معصيةٌ، فتكلم مخافةً على نفسه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه، إنما التقية باللسان .
وعن عكرمة في قوله: إلا أن تتقوا منهم تقاة قال:ما لم يُهرِق دم مسلم، وما لم يستحل ماله . انتهى
وقال النسفي في معنى الاستثناء:" إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه، أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك وحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطال العداوة ".(تفسير النسفي 153/1).
فرخصة التقية تبيح ترك أظهار جنس العمل من الأقوال والأفعال الظاهرة من الأوامر والنواهي ؛حال عدم الاستطاعة والقدرة علي التزام الأداء سواء بالفعل أو النهي للحفاظ علي أحدي مقاصد الشريعة الخمسة .
وهذا مخالف لقواعد الدين الكلية وللوازم أصل الإيمان كما هو متفق عليه بين أهل العلم جميعاً وتارك جنس العمل من المأمورات والنواهي كافر بالإجماع والخلاف في ترك جنس العمل من الأوامر فقط .الأصل هو الإتيان بجنس العمل الظاهر عند التمكن وإلا كان صاحبه كافر
ويشترط لمخالفة ذلك وانتفائه في الظاهر أن يكون الإنسان عاجز عن الإتيان به وإظهاره . والأحكام الشرعية مشروطة بالقدرة والاستطاعة, فالتقية بسبب الضرورة - العجز والاستضعاف- هي من الرخص التي تسقط التكاليف الظاهرة
قال ابن قيم في الفوائد في الفوائد ( الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته فلا ينفع ظاهر لا باطن له وان حقن به الدماء وعصم به المال والذرية .,لا يجزىء باطن لا ظاهر له الا اذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل علي فساد الباطن وخلوه من الايمان (أهـ

قصة النجاشي
هناك قولا جلياً لأبن تيمية فقال ( 19/216-219 ).
وكذلك الكفار : من بلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر ، وعلم أنه رسول الله فآمن به وآمن بما أنزل عليه ، واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره ، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام ولا التزام جميع شرائع الإسلام ، لكونه ممنوعاً من الهجرة وممنوعاً من إظهار دينه ، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام ، فهذا مؤمن من أهل الجنة ، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون وكما كانت إمرأة فرعون ، بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر ، فإنهم كانوا كفار ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من ديـن الإسـلام ، فإنـه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه ، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون : {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} . وكذلك النجاشي هو وأن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام ، بل إنما دخل معه نفر منهم ، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه ، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفاً وصلى عليه ، وأخبرهم بموته يوم مات : ( إن أخاً لكم صالحاً من أهل الحبشة مات) وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك ، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت ، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس ولم يصم شهر رمضان ، ولم يؤد الزكاة الشرعية ، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم ، ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بالقرآن ، والله قد فرض على نبيه بالمدينة إنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلا بما أنزل إليه ، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه وهذا مثل الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم ، وفي الديات بالعدل والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع ، والنفس بالنفس والعين بالعين ، وغير ذلك
والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن ، فإن قومه لا يقرونه على ذلك ، وكثيراً ما يتولى بين المسلمين والتتار قاضيً بل وإماماً ، وفي نفسه أمور العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك ، بل هناك من يمنعه ذلك ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل ، وقيل : أنه سُمّ على ذلك ، فالنجاشي وأمثاله سعداء في لجنة وإن لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه ، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها . ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب ، قال الله تعالى {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ
يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .وهذه الآية قد قال طائفة من السلف : إنها نزلت في النجاشي ، ويروى هذا عن جابر وابن عباس وأنس ، ومنهم من قال : فيه وفي أصحابه ، كما قال الحسن وقتادة ، وهذا مراد الصحابة ولكن هو المطاع ، فإن لفظ الآية لفظ الجميع لم يرد واحد . أهـ


اما قول ابن تيمية (19/223) ...خلاف أمر النجاشى وأصحابه ممن كانوا متظاهرين بكثير مما عليه النصارى فان أمرهم قد يشتبه ولهذا ذكروا في سبب نزول هذه الآية انه لما مات النجاشى صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال قائل تصلى على هذا العلج النصراني وهو في أرضه فنزلت هذه الآية هذا منقول عن جابر وأنس بن مالك وابن عباس وهم من الصحابة الذين باشروا الصلاة على النجاشي وسلمان الفارسي فانه إذا صلى على واحد من هؤلاء لم ينكر ذلك أحد.......وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها بل الوجوب بحسب الإمكان وكذلك ما لم يعلم حكمه أهـ

فهذا مثل قوله في الإقتضاء (( ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر ،بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة)).[ اقتضاء الصراط المستقيم ص:176]
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 23-10-11, 07:26 AM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الأخ عبد العزيز سلمه الله تعالى

أولا: يبدو لي أنك لم تفهم وجه إيراد قول ابن تيمية هنا، ولم يكن هذا للحديث عن العلاقة بين التقية والإكراه، فقد بنت رأيي في ذلك، وذكرت أنكم نقلتم عني ما ليس من قولي.
وإنما وجه ذكر قول ابن تيمية هذا بيان أن التقية ليست فقط في كتمان الإيمان، بل قد تكون بالعمل الظاهر وهو فيما أرى واضح جلي.

ثانيا: ما يتعلق بقصة النجاشي لم يأت بعد تقرير وجه استدلال المجيزين، فينبغي انتظار وجه قولهم ثم ذكر الاعتراضات والمناقشات
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 27-10-11, 06:54 PM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الأخ ابو عبد الباري
بل فهمت مرادك
وقد أجبت كلام ابن تيمية فقلت في مشاركتي السابقة فقلت:
" قال (وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر) وهذا هو الإكراه ، والإكراه كمانع من التكفير متفق عليه بين العلماء ولكن اختلفوا في صور الإكراه، اهـــ
فكلامه لا يدل أن التقية قد يكون بالعمل الظاهر, بل كلامه في سياق الإكراه.
وقد أجبت ايضاً كلام الثاني لأبن تيمية فقلت.
ما قول ابن تيمية (19/223) ...خلاف أمر النجاشى وأصحابه ممن كانوا متظاهرين بكثير مما عليه النصارى فان أمرهم قد يشتبه ولهذا ذكروا في سبب نزول هذه الآية انه لما مات النجاشى صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال قائل تصلى على هذا العلج النصراني وهو في أرضه فنزلت هذه الآية هذا منقول عن جابر وأنس بن مالك وابن عباس وهم من الصحابة الذين باشروا الصلاة على النجاشي وسلمان الفارسي فانه إذا صلى على واحد من هؤلاء لم ينكر ذلك أحد.......وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها بل الوجوب بحسب الإمكان وكذلك ما لم يعلم حكمه أهـ

فهذا مثل قوله في الإقتضاء (( ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر ،بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة)).[ اقتضاء الصراط المستقيم ص:176

وهو واضح]
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 29-10-11, 05:43 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

ما ذكر في المناقشات الماضية هو في الأصل في علاقة الإكراه بالتقية من جهة، وفي صحة التقية بالعمل الظاهر، ولعلنا نزيدها وضوحا في مقال آخر، ويستوي في ذلك اللسان وبقية الجوارح، وهو أمر لا يخفى في نظري.
وقال ابن تيمية (الفتاوى12/204): وَ "الْأَشْعَرِيُّ" اُبْتُلِيَ بِطَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ تُبْغِضُهُ وَطَائِفَةٌ تُحِبُّهُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَكْذِبُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: إنَّمَا صَنَّفَ هَذِهِ الْكُتُبَ تَقِيَّةً وَإِظْهَارًا لِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى الرَّجُلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ قَوْلٌ بَاطِنٌ يُخَالِفُ الْأَقْوَالَ الَّتِي أَظْهَرَهَا وَلَا نَقَلَ أَحَدٌ مِنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ وَلَا غَيْرُهُمْ عَنْهُ مَا يُنَاقِضُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْمَوْجُودَةَ فِي مُصَنَّفَاتِهِ اهـ.
والمقصود: أن تصنيف الكتاب فعل ظاهر، وهؤلاء القوم زعموا أنه فعل ذلك تقية، ولم ينكر أن يكون تقية لكونه فعلا، وأن التقية لا تكون في الأفعال، وإنما ناقشهم بعدم وجود قول باطن يخالف هذا، فدل على أن التقية تكون بالأفعال عند الفريقين.
وأقاويل أهل العلم في هذا كثيرة، لكن ننتقل لدليل آخر من دلائل المجيزين.

الاستدلال بقصة النجاشي عند المجيزين
سلم النجاشي رحمه الله تعالى ورضي عنه وهو ملك الحبشة، وقد بقي على الحكم مسلما، ولم يطعه قومه على الإسلام، وبقي يحكم عليهم بما كان يحكم بهم قبل إسلامه.
وقد تأخرت وفاته حتى مات في السنة التاسعة عند الأكثر كما قال الحافظ في الفتح (7/231).
وجه استدلال المجيز بهذه القصة:
1) تأخر موت النجاشي إلى ما بعد فتح مكة، من السنة التاسعة للهجرة.
2) بقي النجاشي حاكما وملكا للحبشة حتى موته.
3) بقي النجاشي مسلما ومات على الإسلام لثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
4) نزلت كثير من أحكام الإسلام قبل فتح مكة، وفي حياة النجاشي.
5) والنجاشي لم يكن مكرها على البقاء في الحكم، بل كان يمكنه ترك الحكم، بدليل أنه قاتل من أجل البقاء في الحكم، كما كانت تمكنه الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدليل هجرة الصحابة من بلاده إلى المدينة.
6) لا بد للحاكم والملك أن يحكم بشيء، لأنه الحاكم الذي يسوس البلاد والعباد، وكان عادلا قبل إسلامه، ولا بد للعدل من حكم ونظام.
وعليه: فلا بد أن يكون حكمه عليهم: إما بشريعة الإسلام، أو بشريعة أخرى.
إذا تقرر هذا فيقال:
- الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهو أن النجاشي لم يزل يحكم بما كان يحكم به قبل الإسلام من السياسات حتى يثبت خلافه.
- ولأنه لم يرد في شيء من صحيح الأخبار والروايات – في علم المجيز – أنه ترك الحكم بما كان يحكم به، وعمل بشرائع الإسلام.

وعلى هذا جاءت أقوال العلماء:
1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" ... وكذلك الكفار، من بلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله فآمن به، وآمن بما أنزل عليه؛ واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام؛ لكونه ممنوعا من الهجرة، وممنوعا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام: فهذا مؤمن من أهل الجنة...
2) وقال أيضا:" وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى، فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم؛ ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفا وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال:" إن أخا لكم صالحا من أهل الحبشة مات".
3) وقال أيضا:" وكثير من شرائع الإسلام، أو أكثرها لم يكن دخل فيها، لعجزه عن ذلك فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلا بما أنزل الله إليه، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه.
4) وقال أيضا:" والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يقرونه على ذلك.
5) وقال أيضا:" ... فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها " اهـ(مجموع الفتاوى 19/217-219 ).
6) وقال أيضا:" ... فأي فائدة في الإخبار بهذا، بخلاف أمر النجاشي وأصحابه ممن كانوا متظاهرين بكثير مما عليه النصارى، فان أمرهم قد يشتبه.
ولهذا ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه لما مات النجاشي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال قائل: تصلى على هذا العلج النصراني وهو في أرضه ؟ فنزلت هذه الآية، هذا منقول عن جابر وأنس بن مالك وابن عباس، وهم من الصحابة الذين باشروا الصلاة على النجاشي " اهـ (مجموع الفتاوى (19/223).
وقال في الجواب الصحيح:" وقد ذكر أكثر العلماء أن هذه الآية الأخرى في آل عمران نزلت في النجاشي ونحوه، ممن آمن بالنبي لكنه لم تمكنه الهجرة إلى النبي، ولا العمل بشرائع الإسلام، لكون أهل بلده نصارى لا يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام، وقد قيل: إن النبي إنما صلى عليه لما مات لأجل هذا، فإنه لم يكن هناك من يظهر الصلاة عليه في جماعة كثيرة ظاهرة، كما يصلي المسلمون على جنائزهم.
ولهذا جعل من أهل الكتاب مع كونه آمن بالنبي بمنزلة من يؤمن بالنبي في بلاد الحرب ولا يتمكن من الهجرة إلى دار الإسلام ولا يمكنه العمل بشرائع الإسلام الظاهرة، بل يعمل ما يمكنه ويسقط عنه ما يعجز عنه " (الجواب الصحيح (2/202-203).
والآية هي { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب }.

فإن قيل: كان النجاشي أشجع من أن يترك الحكم بما أنزل الله، أو يرتكب المحرم خوفا من قومه، كيف وقد قال لهم في وجوههم ما قال عند ما نخرت بطارقتهم.
فالجواب: أن يقال: إن النجاشي رحمه الله مع أنه ملك، إلا أن سلطانه مستمد من رعيته ومن حوله، ورعيته وشعبه كفار، ومعلوم أن قوة السلطان مستمدة من التفاف شعبه حوله، وهم لا يجتمعون حوله إلا على ما يحقق مصلحة دينهم ودنياهم، ومن هنا يظهر سبب ضعف النجاشي في إلزام قومه بدين الإسلام وشرائعه، ولذا شبهه شيخ الإسلام رحمه الله بمؤمن آل فرعون ..." اهـ.

وإن قيل: مات النجاشي قبل اكتمال الشرائع، ولا دليل على أن الأحكام والشرائع قد بلغته.
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن وفاة النجاشي كانت بعد الفتح عند أكثر العلماء كما تقدم، وبناء عليه فقد نزلت الكثير من أحكام الشرع قبل ذلك بلا شك، ومن ذلك الصلاة والصيام والزكاة، ووجوب الهجرة، وقد بلغته بعض هذه الأحكام لما في قصة جعفر بن أبي طالب مع النجاشي، ولما في حديث عمرو الضمري من هجرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: صحيح أن الشرائع لم تكتمل على الوجه الذي تركها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هل اكتمال الشرائع شرط لترتب الأحكام على تركها ؟
لقد صح كما تقدم أن النجاشي ترك الهجرة الواجبة من أجل ما كان فيه من الملك، ومع ذلك فقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن عذره فيها عدم البلوغ، ولا العجز على التحقيق من الهجرة، وقد نزل في القرآن ذم من ترك الهجرة مع القدرة.
ومما يدل على أن النجاشي تخلف عن الهجرة لأجل ما كان فيه من الملك حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق إلى أرض النجاشي، فذكر حديثه، قال النجاشي: أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه" رواه أبو داود في سننه (رقم 3205) وابن أبي شيبة (7/350) وعبد ابن حميد (رقم 550) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (رقم 366) وغيرهم من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن أبيه به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي اهـ.
وقال الألباني في أحكام الجنائز (ص119-118 ط. مكتبة المعارف 1992م ): أخرجه أبو داود والبيهقي بإسناد صحيح كما قال البيهقي فيما نقله العراقي في " تخريج الأحياء " (2 /200) وله شاهد من حديث أبن مسعود أخرجه الطيالسي (346)، وله شواهد أخرى في مسند أحمد (5/290،292) اهـ.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 31-10-11, 01:00 AM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

قصة النجاشي

أولا: التمكن والإستطاعة شرط في التكليف. فلنجاشي لم يتمكن من الهجرة ولا إظهار دينه ولا شرائع الإسلام فضلا أن يلزم بها غيره. قال ابن تيمية في الفتاوى(19/216) " وكذلك الكفار : من بلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر ، وعلم أنه رسول الله فآمن به وآمن بما أنزل عليه ، واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره ، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام ولا التزام جميع شرائع الإسلام ، لكونه ممنوعاً من الهجرة وممنوعاً من إظهار دينه ، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام ، فهذا مؤمن من أهل الجنة ، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون وكما كانت إمرأة فرعون ، بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر ، فإنهم كانوا كفار ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من ديـن الإسـلام ، فإنـه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه ، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون : {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} . وكذلك النجاشي هو وأن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام ، بل إنما دخل معه نفر منهم ، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه ، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفاً وصلى عليه ، وأخبرهم بموته يوم مات : ( إن أخاً لكم صالحاً من أهل الحبشة مات) وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك ، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت ، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس ولم يصم شهر رمضان ، ولم يؤد الزكاة الشرعية ، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم ، ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بالقرآن ، والله قد فرض على نبيه بالمدينة إنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلا بما أنزل إليه ، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه وهذا مثل الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم ، وفي الديات بالعدل والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع ، والنفس بالنفس والعين بالعين ، وغير ذلك
والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن ، فإن قومه لا يقرونه على ذلك ، وكثيراً ما يتولى بين المسلمين والتتار قاضيً بل وإماماً ، وفي نفسه أمور العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك ، بل هناك من يمنعه ذلك ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل ، وقيل : أنه سُمّ على ذلك ، فالنجاشي وأمثاله سعداء في لجنة وإن لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه ، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها . ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب ، قال الله تعالى {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ
يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .وهذه الآية قد قال طائفة من السلف : إنها نزلت في النجاشي ، ويروى هذا عن جابر وابن عباس وأنس ، ومنهم من قال : فيه وفي أصحابه ، كما قال الحسن وقتادة ، وهذا مراد الصحابة ولكن هو المطاع ، فإن لفظ الآية لفظ الجميع لم يرد واحد . أهــ

فكلام الشيخ واضح من انه كان معذور في ترك الهجرة

ثانياً: هل كان النجاشي يحكم بما أنزل الله وهل الأصل ان النجاشي لم يزل يحكم بما يحكم به قبل الإسلام من السياسات. الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: أن كثيرا من الأحكام التي نزلت في المدينة كانت مقررة عند أهل الكتاب، فيما أنزل الله في كتبه السابقة، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى(16/44): "كثير من شرائع الكتابين يوافق شريعة القرآن" وأهل الكتاب مأمورون في الحكم بينهم بما أنزل الله في كتبه لهم، والحكم فيهم بذلك لا يمثل لهم خروجا عن الدين، فحكم النجاشي رحمه الله تعالى بينهم بشريعة القرآن التي توافق ما في كتابهم لا يكون مستغربا منه، قال الله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهوكفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"، فكل هذه الحدود موجودة في التوراة، وهم مأمورون بالحكم بها، ثم قال الله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"،وقد ثبت في الحديث المخرج في الصحيحين أن حد الرجم للزاني والزانية موجود في التوراة،

الوجه الثاني:قال الله تعالى "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط"، والآية فيها تخيير للرسول صلى الله عليه وسلم في الحكم بين أهل الكتاب أو في الإعراض عنهم وترك الحكم بينهم لعلمائهم ورؤسائهم، فحتى هذا الوقت من الزمن وهو بعد زمن موت النجاشي رحمه الله قطعا لأن المائدة من أواخر السورة نزولاً قال القرطبيفي تفسيره(6/31): "وهي مدنية بإجماع، وروي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلممن الحديبية... ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما أنزل عام الفتح" كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يترك الحكم بين أهل الكتاب الذين هم في دولته لعلماء أهل الكتاب ورؤسائهم، ما يبين أنه لم يكن صلى الله عليه وسلم ملزما بالحكم بينهم بما نزل عليه من الأحكام الشرعية التي تخالف ما عندهم، بل كان مخيرا-إذا أتوه ليحكم بينهم-في أن يحكم بينهم بما أنزل الله إليه أو يعرض عنهم.
فمادام الأمر كذلك، فلماذا لا يقال: إن النجاشي رحمه الله كان يُعرض عن النصارى الذين هم أهل دولته، و يترك الحكم بينهم في المسائل التي يختلف حكمها عندهم عما بلغه من الشريعة، إلى قادتهم وعلمائهم ليحكموا فيها بشريعتهم؟، لا شك إن هذا القول أولى وأسلم من الزعم أنه لم يكن يحكم بالشريعة، لاسيما أن القول بالإعراض عنهم هو ما دلت عليه الآي، وهو في الوقت نفسه قابل للتطبيق من دون أية عوائق، ثم ما دام أن الإعراض عن الحكم بينهم حكم شرعي، فإنه في تفويضه لهم ذلك يكون حاكما بالشريعة، ولا شك أن هذا هو الأليق بعبد زكاه الرسول ومدحه وصلى عليه واستغفر له بعد موته.

الوجه الثالث
النجاشي مسلم في دار الكفر يكتم إيمانه وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك ومعلوم أنه يجوز للمسلم في دار الكفر والحرب ما لا يجوز في دار الإسلام من كتمان دينه فالنجاشي رحمه الله لم يكن يستطيع أن يظهر إسلامه

أما ما قلتم من ان تخلف النجاشي عن الهجرة لأجل ما كان فيه من الملك فغير صحيح, وإنما هي لعدم تمكنه وبقي في ملكه لأن في ذلك مصلحة عظيمة لنفسه لمن معه من الموحدين. والله أعلم
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 31-10-11, 06:28 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الكلام في هذه القضية يدور على أمرين:
الأمر الأول: بأي شيء كان النجاشي يحكم به
الأمر الثاني: ما عذر النجاشي فيما تركه من الأحكام، وهذا بيان الوجهين:
أما الأمر الأول: فالحال عند المجيز واضح مما تقدم ذكره، وبيانه من وجوه:
الوجه الأول: كان النجاشي ملكا حاكما قبل إسلامه، وبقي على ملكه وحكمه بعد إسلامه، وهذا مما لا خلاف فيه بين المستدل والمعترض.
الوجه الثاني: أن الملك والحكم لابد له من نظام وأحكام، وقد كان النجاشي قبل إسلامه عادلا بالنص والإجماع، ولا بد للعدل من سيرة ونظام، وهذا من بدائه الأمور عند المستدل المجيز.
الوجه الثالث: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان كما تقرر عند أهل العلم، واستصحاب الأصل يقتضي أن النجاشي لم يزل يحكم بما كان يحكم به، ولم يأت دليل يقتضي أنه ترك الحكم بمكان كان يحكم به قبل إسلامه، ومن ادعى ذلك فهو المطالب بالدليل.
الوجه الرابع: أن القرائن تدل على أنه لم يترك ما كان يحكم به، ومن تلك القرائن أن قومه لم يطيعوه في الإسلام، ومن باب أولى أن لا يطيعوه على الحكم به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وكذلك النجاشي هو وأن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام ، بل إنما دخل معه نفر منهم ، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه ، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفاً وصلى عليه اهـ.
وقال أيضا: والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يقرونه على ذلك اهـ.
وعلى هذا جاءت أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومن ذلك قوله:
قال " ... فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها".
وقال أيضا:" ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن " اهـ.
هذا هو الأمر الأول،
أما الأمر الثاني: وهو عذر النجاشي فالذي يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه كان معذورا، وهو فرع عن تقريره أن النجاشي لم يكن يحكم بما أنزل الله تعالى، بل كان يحكم بما يمكنه الحكم به، وأن ذلك مقطوع به لا شك فيه عنده.
وأما عذره فهو العجز وعدم قدرته على إظهار دينه، لأن قومه لا يطيعونه على ذلك، فكان يتظاهر بالنصرانية، ولم يكن يلتزم شرائع الإسلام لعجزه. ، فقال:
" وكثير من شرائع الإسلام، أو أكثرها لم يكن دخل فيها، لعجزه عن ذلك فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم" .
" وكذلك الكفار، من بلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله فآمن به، وآمن بما أنزل عليه؛ واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام؛ لكونه ممنوعا من الهجرة، وممنوعا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام: فهذا مؤمن من أهل الجنة ".
ومن عذره أيضا عند ابن تيمية أنه لم يجد من يعلمه جميع شرائع الإسلام كما تقدم قريبا:" وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام: فهذا مؤمن من أهل الجنة ".
وإذا حققنا العذر المذكور وجدناه على النحو الآتي:
1) أما العذر بالجهل وأنه لم يكن عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام، فننبه على أمرين:
الأول: أن هذا صحيح، وليس فيه نفي وجود من يعلمه بعض الشرائع، والجهل ببعضها ليس عذرا في ترك ما بلغه من هذه الشرائع، وقد ذكر شيخ الإسلام من الشرائع التي لم يلتزم بها الزكاة والصيام والهجرة، وربما الصلاة، وهذه من الأحكام القديمة التي ورد في الأخبار أنها بلغت النجاشي، فلم يكن عذره في تركها عدم من يعلمه ويبلغه إياها.
الثاني: أنه عذره بالعجز، وركز على هذا العذر، لأنه لم يلتزم ما بلغه من هذه الشرائع، فكان العذر المهم الأساسي عند ابن تيمية عجز النجاشي عما ذكره.
2) وأما العذر بالعجز وعدم الاستطاعة، وأنه فعل ما فعل من أجل ذلك، فينبغي التنبيه على أمرين:
الأول: أن هذا صحيح في حد ذاته في الجملة وإن كان يستثنى من ذلك ما سيأتي، وأنه كان عاجزا عن الحكم بما أنزل الله تعالى، لأن قومه لا يطيعونه، لكن يبقى النظر في وجه بقائه في الحكم بهذه الحالة.
الثاني: أنه كان متمكنا من ترك الملك بدليل قتاله عليه مما يدل على وجود طامعين في الملك، ومن الهجرة التي منع منها ما كان فيه من الملك كما صرح به النجاشي نفسه وقد تقدم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وإذا صرح النجاشي بذلك لم يقبل من غيره عذره في ترك الهجرة.
وعليه: فعجز النجاشي ليس في ترك الملك وتبعاته، ومن الهجرة، وهو معذور لثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فما عذر النجاشي في بقائه على الملك والحكم مع عجزه عن الحكم بما أنزل الله تعالى، ولماذا ترك الهجرة من أجل ما كان فيه من الملك ؟
هنا يأتي إقرار المانع بقولكم:" وبقي في ملكه لأن في ذلك مصلحة عظيمة لنفسه لمن معه من الموحدين. والله أعلم " فيكون دليلا على اعتبار المصلحة الراجحة في هذا الباب، وأنها سبب العذر في البقاء مع العجز المذكور.
3) وأما القول بأنه في دار كفر وحرب فللمجيز وقفتان معها:
أولهما: كانت الحبشة دار كفر مع أن رئيسها مسلم، لكن لم تكن دار حرب، فإضافة وصف الحرب في هذا السياق غلط.
ثانيهما: هل يجيز المانع مثل هذا العمل في دار الكفر التي ينطبق وصفها عند الجمهور على أغلب بلاد المسلمين في هذا الزمان ؟
فإن أجاب المانع بالسلب فعليه أن يجيب بالفرق على قول جمهور الفقهاء في وصف الدار.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:25 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.