ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > أرشيف لمواضيع قديمة

الملاحظات

 
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 20-04-04, 12:58 PM
المبلغ
 
المشاركات: n/a
افتراضي بسط الراحة لإثبات عدم سنية جلسة الإستراحة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا . من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )

(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) ...

اعلم سدد الله خطاك و ألهمك رشدك و هداك ، أن جِِِلسة الإستراحة لم ترد في شيء من السنة على وجه معتبر إلا في حديثين ؛ أحدهما عن مالك بن الحويرث و الآخر عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنهما .

فأما حديث مالك ، فمداره على أبي قلابة .

و رواه عن أبي قلابة رجلان و هما :

- أيوب السختياني

- و خالد الحذاء .

فاما أيوب فالمحفوظ عنه انه كان يحيل على صلاة عمرو بن سلِمة ، و كان شيخًا كبيرًا طاعنا في السن ؛ فقد روى البخاري عنه في باب ( كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة ) ،

عن أبي قلابة قال : " جاءنا مالك بن الحويرث فصلى بنا في مسجدنا هذا فقال : إني لأصلي بكم و ما أريد الصلاة ، و لكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يصلي . قال أيوب : فقلت لأبي قلابة : و كيف كانت صلاته ؟ قال : مثل صلاة شيخنا هذا – يعني عمرو بن سلمة – قال أيوب : و كان ذلك الشيخ يتم التكبير ، و إذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس و اعتمد على الأرض ، ثم قام "

ففي هذا اللفظ ، تمثيل صلاة ذلك الشيخ بصلاة مالك بن الحويرث التي حاكى بها صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم .

و قد ميّز أيوب في لفظ آخر ما كان من صلاة مالك بن الحويرث رضي الله عنه ؛ و هو من رواية أثبت الناس في أيوب ( حماد بن زيد ) ؛

قال يحيى : " ليس أحد أثبت في أيوب منه ،

وقال أيضا : من خالفه من الناس جميعا فالقول قوله في أيوب – ( تهذيب التهذيب 3/10) -

فروى البخاري في باب ( المكث بين السجدتين ) عنه عن أبي قلابة :

" أن مالك بن الحويرث قال لأصحابه : ألا أريكم كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟- و ذلك في غير حين صلاة - فقام ثم ركع فكبر ثم رفع رأسه فقام هنيئة ثم سجد ثم رفع رأسه ثم انتظر هنيئة ثم سجد ، ثم قال أبو قلابة : صلى صلاة شيخنا هذا ؛ يعني عمرو بن سلمة . قال أيوب : وكان عمرو يصنع شيئا لا أرى الناس يصنعونه ؛كان إذا رفع رأسه من آخر السجدتين في الأولى والثالثة استوى قاعدا ثم يقوم"

فهذه هي رواية أيوب السختياني الذي قال عنه ابن سعد :

" كان ثقة ثبتا في الحديث جامعا كثير العلم حجة عدلا " .

و قال حماد بن زيد : " كان أيوب عندي أفضل من جالسته وأشده أتباعا للسنة " . و كان شعبة يقول : " حدثني أيوب وكان سيد الفقهاء" ( تهذيب التهذيب 1/348) .

و أما خالد الحذاء فرواها من قول مالك ، فقد أخرج البخاري في باب ( من استوى قاعدا في وتر من صلاته ) عنه عن أبي قلابة قال : " أخبرنا مالك بن الحويرث الليثي أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم يصلّي ، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا " هذا في رواية هشيم عنه.

و خالفه عبد الوهاب الثقفي و وهيب فروياه من فعل مالك بن الحويرث رضي الله عنه. فقد روى ابن خزيمة ( 387) و ابن حبان (1935) و غيرهما ، عنه عن أبي قلابة قال : " كان مالك بن الحويرث مابيننا فيقول ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فصلى في غير وقت صلاة فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدا ثم قام واعتمد على الأرض "

و هذه مخالفة صريحة لأيوب ، الذي جعلها من فعل ذلك الشيخ .

و خالد ، و إن كان من رجال الصحيح ، إلا أنه تُكُلِّم فيه ، و لذلك أورده الذهبي في ( الميزان ).

قال أبو حاتم ( الجرح و التعديل 3/457 ) : - أيوب أحب إليّ من خالد في كل شيء .

قلت : و مما يرجح رواية أيوب على غيرها ، أنّ كُتُب أبي قلابة كانت عنده ، لأنه أوصى له بها ، فحملت إليه .

و أما حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه ، فورد من وجهين ؛

- أحدهما عن محمد بن عمرو بن عطاء

- و الآخر عن عباس بن سهل الساعدي
و قد رواها عن محمد بن عمرو بن عطاء ، محمد بن عمرو بن حلحلة ، كما في صحيح البخاري و غيره ، و لم يذكر جلسة الإستراحة لا نفيا و لا إثباتا .

و إنما انفرد بذكرها عنه عبد الحميد بن جعفر ، و هو و إن وثق ، إلا أنهم تكلموا فيه .

قال النسائي ( الضعفاء و المتروكين 1/72 ) : " ليس بالقوي "

و قال أبو حاتم : " لا يحتج به " و كذا في ( الميزان 4/347 ) : " كان يحيى القطان يروي عنه و يضعفه "

و قد اختصر الحافظ ابن حجر ترجمته فقال في ( التقريب 1/333 ) :

" صدوق رمي بالقدر ، و ربما وهم . "

قلت : لا شك أنه وهم في ذكر جلسة الإستراحة ؛ فإنه لم يذكرها أحد ممن روى حديث أبي حميد الساعدي ، سواء من طريق محمد بن عمرو بن عطاء أو من طريق عباس بن سهل .

و أما نفي جلسة الإستراحة ، فرواها عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمروبن عطاء عن عباس بن سهل ، عن أبي حميد ، و هي عند أبي داود و غيره ..

و قد انتقد الطحاوي و ابن القطان ، بسبب هذا الحديث ، حديثَ محمد بن عمرو الأول الذي يرويه مباشرة عن أبي حميد ، و قالا بأن بينهما رجل ، و حكما عليه بالإنقطاع . و تعقبهما ابن حبان و البيهقي و ذكرا بأنّ محمد بن عمرو سمع الحديث من أبي حميد و من عباس بن سهل ، وقالا : أنّ الطريقين محفوظان .

لكن الحافظ ابن حجر ردّ ذلك – في ( التلخيص 1/223 ) – و قال :" السياق يأبى ذلك كل الإباء . قال : و التحقيق عندي ؛ أنّ محمد بن عمرو الذي رواه عطاف بن خالد عنه ، هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني ..."

قلت : لكن سياق الحديث يأبى هذا التحقيق كل الإباء ؛ فقد جاء في السند هكذا : "... عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك عن عباس ... إلخ ". ( انظر سنن أبي داود الحديث رقم 733 )

و كأنّ الحافظ تنبه لذلك ، فسلك في ( الفتح 2/307 ) مسلكا آخر أقرب لسياق الروايات و ظاهر ألفاظها ، فقال :" ... فكأنّ محمدا ( بن عمرو بن عطاء ) شهد هو و عباس ( بن سهل ) حكاية أبي حميد بالقول ، فحملها عنه مَنْ تَقَدّم ذكره . و كأنّ عباسًا شهدها وحده بالفعل فسمع ذلك منه محمد بن عطاء ، فحدث بها كذلك ..." اهـ

قلت : و هذا يقوي الرواية النافية لجلسة الإستراحة ؛ فإنّ محمد بن عطاء رواها عن عباس و لم ينكر منها شيئًا . و لو كان فيها ما يخالف ما سمعه من أبي حميد لنبّه عليه .

هذا ، و قد سلك ابن القيم رحمه الله في ( حاشيته على أبي داود ) مسلكا آخر ، فقال :

"... وإنما وقع هذا لما رواه محمد بن عمرو عن أبي حميد ورواه العباس بن سهل عن أبي حميد خلط بعض الرواة وقال عن محمد بن عمرو عن العباس وكان ينبغي أن يقول وعن العباس بالواو ويدل على هذا أن عيسى بن عبدالله قد سمعه من عباس كما في رواية ابن المبارك فكيف يشافهه به عباس بن سهل ثم يرويه عن محمد بن عمرو عنه فهذا كله بين أن محمد بن عمرو وعباس بن سهل اشتركا في روايته عن أبي حميد فصح الحديث بحمد الله وظهر أن هذه العلة التي رمى بها مما تدل على قوته وحفظه وأن رواية عباس بن سهل شاهدة ومصدقة لرواية محمد بن عمرو وهكذا الحق يصدق بعضه بعضا ". اهـ

قلت : كلام مقبول ، لولا ما ورد من بعض الطرق بلفظ : " حدثني عباس بن سهل" . انظر ( موارد الظمآن 1/134 ) حديث رقم ( 496 ) و السنن الكبرى للبيهقي ( 2/101 ) حديث رقم( 2475 ).

و حتى على هذا التأويل ، فإنّ فيه تقوية لحديث عباس النافي لجلسة الإستراحة . لأنه كما أن رواية عباس تصدق رواية محمد بن عطاء ، فكذلك رواية محمد بن عطاء تصدق رواية عباس بن سهل .

ملاحظة : ورد حديث عباس بن سهل من بعض الطرق – و هي عند البيهقي و ابن حبان – هكذا : ... عن محمد بن عمرو بن عطاء حدثني مالك حدثني عباس بن سهل ... إلخ . جعل بعض الرواة بين محمد و عباس مالكا . و هذا خطأ سببه تصحف عبارة " عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك ".

و خلاصة ما سبق من البحث :

أنّ خالد الحذاء أخطأ في نسبة الجلسة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم . و خالفه مَن هو أحفظ منه و أثبت ، فنسبها إلى عمرو بن سلِمة ، و ميّزها عن صفة الصلاة التي صلاها مالك بن الحويرث رضي الله عنه . بل و استغربها و نبّه على أنّ الناس لا يفعلونها . و يعني بالناس مَن أدرك مِن التابعين.

و أنّ عبد الحميد بن جعفر أخطأ في ذكر الجلسة قبل القيام ، و نفاها عيسى بن عبد الله و غيره . و لم يتعرض لذلك جُل مَن روى حديث أبي حميد.

قد يقول قائل : كيف تضعف رواية وردت في صحيح البخاري ؟

و الجواب : أنّ هذا ليس بدعا من الأمر ؛ فقد روى البخاري في صحيحه ، في كتاب ( الإستئذان ) باب : من ردّ فقال : عليك السلام حديث رقم ( 6251 ) عن أبي هريرة من طريق عبد الله بن نُمير ، في حديث المسيء صلاته ، و فيه : " ثمّ اسجد حتى تطمئنّ ساجداً ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئنّ جالسا ..."

قال البخاري نفسه مشيرا إلى خطإ ابن نُمير : " و قال أبو أسامة في الأخير " حتى تستوي قائما " .

فقد يخطئ الثقة ، حتى و إن كان ما روى في الصحيح ؛ كما أخطأ ( معمر ) في حديث ماعز فأثبت الصلاة عليه . قال البخاري نفسه ( 6434) : " لم يقل يونس وابن جريج عن الزهري :" فصلى عليه " ... سئل أبو عبد الله هل قوله :" فصلى عليه " يصح أم لا ؟ قال : رواه معمر. قيل له : رواه غير معمر ؟ قال : لا "

و ههنا فائدة نستفيدها ، و هي : أنه ليس كل حديث ظاهره الصحة ، يُشرع العمل به . فقد يكون معلولاً ، أو منسوخاٌ ، أو معارَضاٌ بما هو أقوى منه ... و قديما قال ابن وهب رحمه الله : " الحديث مضلّة إلاّ للفقهاء " .

و بالمقابل ، فقد يكون الحديث ضعيفًا ، و لكن عمل الناس على مقتضاه . كما روى الترمذي في ( سننه ) حديث أبي هريرة رضي الله عنه

قال : " كان النبي صلى الله عليه و سلم ينهض في الصلاة على صدور قدميه " أي : لا يجلس جلسة الإستراحة .

قال الترمذي : حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم ، يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه . ثم بيّن ضعف الحديث .



لكن سلّمنا جدلاً ، أنّ اللفظ الذي رواه خالد محفوظ . فهل مجرد رؤية مالك بن الحويرث رسولَ الله صلى الله عليه و سلم يجلس قبل النهوض كافٍ لتكون سنة في الصلاة و هيئة من هيئاتها ؟ أم أنها من وقائع الأحوال التي لا تفيد العموم ؟

قال ابن القيّم رحمه الله في ( الزاد ) : " ... و مجرد فعله – صلى الله عليه و سلم – لا يدل على أنها من سنّة الصلاة ، إلاّ إذا عُلم أنه فعلها على أنها سنة يُقتدى به فيها . و أمّا إذا قُدر أنه فعلها للحاجة ، لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة . فهذا تحقيق المناط في هذه المسألة . اهـ

و قال ابن دقيق العيد رحمه الله في ( الإحكام ص : 251 ): - أنّ الأفعال إذا كانت للجبلّة أو ضرورة الخلقة لا تدخل في أنواع القُرب المطلوبة ، كما قال المغيرة بن حكيم : " أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع من سجدتين من الصلاة على صدور قدميه ، فلمّا انصرف ذكرتُ له ذلك فقال : إنها ليست من سنة الصلاة . و إنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي . و في حديث آخر غير هذا في فعل آخر لآبن عمر أته قال : " إنّ رجليّ لا تحملاني " .

قال : - فإن تأيّد هذا التأويل بقرينة تدلّ عليه ؛ مثل أن يتبيّن أنّ أفعاله السابقةَ على حالة الكبر و الضعف ، لم يكن فيها هذه الجِلسة ، أو يقترن فعلها بحال الكبر ، من غير أن يدل دليل على قصد القربة . فلا بأس بهذا التأويل ...

قال : - لكن لقائل أن يقول : ما وقع في الصلاة ، فالظاهر أنه من هيئتها ، لا سيما الفعل الزائد الذي تقتضي الصلاة منعه . و هذا قوي ، إلاّ أن تقوم القرينة على أن ذلك الفعل كان بسبب الكبر أو الضعف ، فحينئذٍ يظهر بتلك القرينة أنّ ذلك أمرٌ جِبِلي . فإن قوي ذلك باستمرار عمل السلف على ترك ذلك الجلوس ، فهو زيادة في الرجحان .اهـــ

قلت : و يُفهَم من هذا التقرير ، أنه ينبغي إثبات ثلاثة مطالب ، و هي:

- القرينة على أنّ تلك الجلسة كانت بسبب الكِبر أو الضعف .

- بيان أن صلاته صلى الله عليه و سلم في الحالات العادية لم يكن فيها تلك الجلسة .

- الدليل على استمرار السلف على ترك ذلك الجلوس .



أمّا المطلب الأول ؛ فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: " لا تبادروني بركوع و لا بسجود ، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تُدركوني به إذا رفعت ، إنّي قد بدَّنت "

رواه أحمد ( 4/92 و 98 ) و أبو داود ( 615 ) و اللفظ له ، و ابن ماجه ( 963 )و الدرمي ( 1321 ) و ابن الجارود ( 324 ) و ابن خزيمة ( 1594 ) و غيرهم ، كلهم من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .

و قوله : " بدّنت " أي كبرت و ضعفت .

كما ثبت عن عائشة رضي الله عنها : " أنّ النبيّ صلى الله عليه و سلم كان يصلي جالسًا فيقرأ و هو جالس ، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية ، قام فقرأ و هو قائم ، ثم ركع ، ثم سجد , ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك "

قولها : " ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك " أي أنه لا يقوم إلى الركعة الثانية ، و لكنه يبقى جالسا ، ليفعل ما فعل في الركعة الأولى .

و عنها أيضا : " أنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع "

و الحديثان مخرجان في الصحيحين .

و روى مسلم عنها كذلك أنها قالت : " لما بدّن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل كان أكثر صلاته جالسًا "

و عن حفصة رضي الله عنها أنها قالت : " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في سبحته قاعدا حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعدا وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها " .

هذه الأحاديث قرائن قوية على أنّ تلك الجلسة – إن ثبتت عنه – لم يكن يقصد بها القربة ، و إنما كانت لحاجة بسبب الضعف و الإسنان . سيما إذا ذكرنا أنّ مالك بن الحويرث رضي الله عنه كان قد وفد عليه في العام الذي قُبض فيه . و كان شابا حدثا ، مكث عنده نحوًا من عشرين ليلة .

و أمّا المطلب الثاني ؛ و هو كونه – صلى الله عليه و سلم – لم يكن يأت بتلك الجلسة في صلواته ، في الحالات العادية ، فالأحاديث في ذلك أكثر من أن تُحصى ، و أبعد من أن تُستقصى ...

و هذه طائفة منها :

- عن نعيم المجمر قال : " صليت وراء أبي هريرة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين فقال: آمين فقال الناس: آمين ، فلما ركع قال: الله أكبر ، فلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ، ثم قال: الله أكبر ، ثم سجد فلما رفع قال: الله أكبر ، فلما سجد قال: الله أكبر ، ثم استقبل قائما مع التكبير، فلما قام من الثنتين قال: الله أكبر فلما سلم ، قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. "

خرّجه بهذا اللفظ ، ابن خزيمة في صحيحه ( 688 ).

و رواه ابن حبان في صحيحه ( 1797 ) من وجه آخر بلفظ : " فلمّا سجد قال : الله أكبر، فلمّا رفع قال : الله أكبر؛ ثم استقبل قائمًا مع التكبير..."

و الحديث خرجه البخاري من وجه آخر برقم ( 789 ) ، و بوّب عليه : " باب التكبير إذا قام من السجود " ، وهذا ظاهر لا غبار عليه ، و لا يفهم من الحديث غير هذا.

و رواه في باب :" يهوي بالتكبير حين يسجد " ، بلفظ : " ... ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ... ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ، ثم يقول حين ينصرف : والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا "

و رواه مسلم في باب :" إثبات التكبير ... " ( 390) بلفظ : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس ثم يقول أبو هريرة إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم "

و رواه النسائي في السنن ( 2/235 ) برقم ( 1156 ) بلفظ أوضح ، و فيه : " فلما ركع كّبر ، فلما رفع رأسه قال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، ثم سجد وكبر ، ورفع رأسه وكبر، ثم كبر حين قام من الركعة ثم قال والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبها برسول الله صلى الله عليه وسلم ما زالت هذه صلاته حتى فارق الدنيا "

و هذا اللفظ صريح في القيام من الركعة .

- و عن عكرمة قال : " رأيتُ في مسجد الحرام شيخًا يصلي ؛ فإذا رفع رأسه كبّر ، و إذا وضع رأسه كبّر ، و إذا نهض فيما بين التكبيرتين كبّر. فأنكرتُ ذلك فأتيتُ ابن عباس فأخبرته ، فقال : لا أُمّ لك ، تلك صلاة أبي القاسم صلى الله عليه و سلم ."

الحديث رواه البخاري ( 787 – 788 ) ، و الطبراني في الكبير

( 11933 ) و اللفظ له .

و قوله : " و إذا نهض فيما بين التكبيرتين " يعني : بين الركعتين كما هو ظاهر سياق الحديث . و هو صريح في ترك جلسة الإستراحة .

و قد روى أحمد و الطحاوي و الطبراني عن عكرمة أنّ ذلك الشيخ هو أبو هريرة رضي الله عنه .

و الحديث ورد عند البخاري بلفظين ؛ أحدهما فيه :

" يكبّر في كل خفض و رفع ، و إذا قام و إذا رفع ".

و في الآخر :

" فكبّر ثنتين و عشرين تكبيرة "

و عند الجمع بين اللفظين اللذَين مخرجهما واحد ، فإنه لا يستقيم سياقهما إلاّ إذا أُلغيت جلسة الإستراحة . و تحريره : أن يكون الرفع و القيام معًا بتكبيرة واحدة ، و قد ورد ذلك في بعض ألفاظ حديث المسيء صلاته ، و فيه : " ثمّ اسجد حتى تطمئنّ ساجدًا ، ثمّ ارفع فقُم ..."

و كل هذه الأحاديث تشهد لحديث أبي هريرة : " كان النبي صلى الله عليه و سلم ينهض في الصلاة على صدور قدميه " أي : لا يجلس جلسة الإستراحة . حتى و إن كان ظاهر سنده ضعيفًا .

- و عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه : " جمع قومه فقال يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلى لنا بالمدينة فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ فأحصى الوضوء إلى أماكنه حتى لما أن فاء الفيء وانكسر الظل قام فأذن فصف الرجال في أدنى الصف وصف الولدان خلفهم وصف النساء خلف الولدان ثم أقام الصلاة فتقدم فرفع يديه فكبر فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما ثم كبر فركع فقال سبحان الله وبحمده ثلاث مرار ثم قال سمع الله لمن حمده واستوى قائما ثم كبر وخر ساجدا ثم كبر فرفع رأسه ثم كبر فسجد ثم كبر فانتهض قائما فكان تكبيره في أول ركعة ست تكبيرات وكبر حين قام إلى الركعة الثانية فلما قضى صلاته أقبل إلى قومه بوجهه فقال احفظوا تكبيري وتعلموا ركوعي وسجودي فإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي لنا كذا الساعة من النهار... الحديث "

قال الهيثمي ( 2/130 ): - رواه أحمد ، و في رواية عنده : " فصلّى الظهر فقرأ بفاتحة الكتاب و كبَّر ثنتين و عشرين تكبيرةً " . و الطبراني ، و في طُرقها كلها ( شهر بن حوشب ) و فيه كلام ، و هو ثقة إن شاء الله .

قلت : قال المنذري في الترغيب و الترهيب ( 4/48 ): الحديث رواه أحمد و أبو يعلى بإسناد حسن ، و الحاكم و قال : صحيح الإسناد .

قلت : القول الراجح في ( شهر بن حوشب ) ما قاله الحافظان ؛ الهيثمي و المنذري . و قد أخطأ مَن أطلق تضعيفه ، و مَن سبر أحاديثه أدرك ذلك .

قال الذهبي في ( مَن تُكلّم فيه ) ( 1/100 ) : " شهر بن حوشب علم من علماء التابعين وثقه أحمد وابن معين وقال أبو حاتم ما هو بدون أبي الزبير وقال النسائي وغيره ليس بالقوي .

و قال أبو حفص الواعظ في – تاريخ أسماء الثقات – ( 1/111 ) : "وقال يحيى : شهر بن حوشب ثبت وفي رواية أخرى عنه : شامي نزل البصرة وكان من الأشعريين من أنفَسهم وهو ثقة ."

قلت : روى عنه الأئمة ؛ مسلم في صحيحه ، و البخاري في ( الأدب المفرد ) و كان يثني عليه و يقوي أمره كما ذكر الترمذي ، و أصحاب السنن و غيرهم .

و المحققون من علماء الحديث يصححون حديثه منهم الهيثمي و المنذري و البوصيري ( مصباح الزجاجة 1/13) ، و الحافظ كما في ( الفتح 3/65) قال : " شهر حسن الحديث ، و إن كان فيه بعض الضعف " . و هذا هو الحق .

- و عن عبد الرحمن بن أبزى قال : " ألا أُريكم صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقام فكبّر ، ثمّ قرأ فوضع يديه على ركبتيه حتى أخذ كل عظم مأخذه ، ثمّ رفع حتى أخذ كل عظم مأخذه ، ثمّ سجد حتى أخذ كل عظم مأخذه ، ثمّ رفع حتى أخذ كل عظم مأخذه ، ثمّ سجد حتى أخذ كل عظم مأخذه ، ثمّ رفع فصنع في الركعة الثانية كما صنع في الركعة الأولى ، ثمّ قال : هكذا صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ."

قال الهيثمي ( المجمع 2/130) : - رواه أحمد و رجاله ثقات .

قلت : تأمل قوله " رفع فصنع في الركعة الثانية كما صنع في الركعة الأولى " كيف كان رفعه مباشرة للقيام ، و الشروع في الركعة الثانية ، كما تفيده فاء التعقيب . فأين جلسة الإستراحة ؟

- و عن أسماء بنت أبي بكر : " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف فقام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم قام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع ثم سجد فأطال السجود ثم رفع ثم سجد فأطال السجود ثم قام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع فسجد فأطال السجود ثم رفع ثم سجد فأطال السجود ثم انصرف ... الحديث "

رواه البخاري في باب ما يقول بعد التكبير رقم (712) .

- و عن عائشة رضي الله عنها قالت : " ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم مركبا له قريبا فلم يأت حتى كسفت الشمس فخرجت في نسوة فكنا بين يدي الحجرة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم من مركبه سريعا وقام مقامه الذي كان يصلي وقام الناس وراءه فكبر وقام قياما طويلا ثم ركع ركوعا طويلا ثم رفع ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع ثم سجد فأطال السجود ثم رفع ثم سجد سجودا دون السجود الأول ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم سجد وانصرف فكانت صلاته أربع ركعات في أربع سجدات فجلس وقد تجلت الشمس."

الحديث رواه الأئمة ، و هذا اللفظ لابن خزيمة في صحيحه ( 1378) .

و في الباب : عن عبد الله بن عمرو ، و فيه : " ... ثم سجد ثم قام ففعل في الأخرى مثل ذلك " أبو داود و النسائي و ابن خزيمة و اللفظ له (139) ...

و عن جابر بن عبد الله ، و فيه : " ... ثم سجد ثم رفع رأسه فقام ..." رواه ابن حبان (2843).

و عن أبي هريرة ، و فيه : " ... ثم سجد فأطال السجود وهو دون السجود الأول ثم قام ... " النسائي في السنن ( 1483 )

فهذه أحاديث كلها صحيحة ، صريحة في عدم سنية جلسة الإستراحة . و أما الشواهد فكثيرة ، منها :

حديث أبي هريرة الذي سبق ذكره ، و لفظه " كان النبي صلى الله عليه و سلم ينهض في الصلاة على صدور قدميه " رواه الترمذي(288) ، و فيه خالد بن إياس و هو ضعيف.

حديث وائل ، و فيه : " وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه " رواه أبو داود في السنن ( 736)

و عن أبي قلابة قال : " حدثني عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامه وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين يعني عمر بن عبد العزيز قال سليمان ( الراوي عن أبي قلابة ) فرمقت عمر في صلواته فكان بصره إلى موضع سجوده وإذا كبر فركع لم يرفع رأسه حتى يرى أن كل من خلفه قد ركع ثم يرفع رأسه ويعتدل قائما حتى يرى أن كل من خلفه قد رفع ثم يسجد فلا يرفع رأسه حتى يرى أن كل من خلفه قد سجد ثم إذا رفع رأسه للقيام رجع على صدور قدميه حتى يعتدل قائما..." رواه ابن عدي في الكامل 3/275 في ترجمة سليمان بن داود ، و استشهد به الألباني رحمه الله في ( صفة الصلاة ص89) و عزاه لابن عساكر.

و عن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه ، قال : " لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العتمة فقلت يا رسول الله أئذن لي أن اتعبد بعبادتك ... ( إلى أن قال ) : ...ثم كبر فسجد فسمعته يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ويردد شفتيه فأظن انه يقول وبحمده فمكث في سجوده قريبا من قيامه ثم نهض حين فرغ من سجدتيه فقرا فاتحة الكتاب ثم استفتح آل عمران لا يمر بأية رحمة الا سأل ولا أية خوف الا استعاذ ولا مثل الا فكر حتى ختمها ثم فعل في الركوع والسجود كفعله الأول ثم سمعت النداء بالفجر قال حذيفة فما تعبدت عبادة كانت أشد علي منها " رواه في مسند الحارث (241) قال الهيثمي (1/346) : هو في الصحيح باختصار.



فهذه هي صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم التي واظب عليها و تلقّاها عنه جِلّة أصحابه رضوان الله عليهم . و مهما استقصيت في البحث فلن تجد غيرها . و قد أوجزها البراء بن عازب رضي الله عنه فقال :

" رمقتُ محمدًا صلى الله عليه و سلم في صلاته ، فوجدته قيامه ، و ركعته ، و اعتداله بعد الركوع ، فسجدته ، فجلسته بين السجدتين ، فسجدته ، فجلسته بين التسليم و الإنصراف ، قريبًا من السّواء ."

رواه مسلم ( 471) باب اعتدال أركان الصلاة و تخفيفها في تمام . وهو عند البخاري ( 792) بلفظ : " كان ركوع النبي صلى الله عليه و سلم و سجوده ، و بين السجدتين ، و إذا رفع من الركوع – ما خلا القيام و القعود – قريبا من السواء "



فهذه هي الصلاة المشروعة و هيئاتها المسنونة ، ليس فيها شيء اسمه

(جلسة اإستراحة ) : قيام للقراءة ... فركوع ... فرفع منه ... فسجود ... فجلوس ... فسجود ... فقعود للتشهد ... على هذا تواطأت الأحاديث و تعاضدت الآثار .

و هي الصلاة ذاتها التي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُعلمها أُمّته ، كما في حديث المسيء صلاته الذي رواه الأئمة ، و فيه : " … ثمّ اسجد حتى تطمئنّ ساجدًا ، ثمّ ارفع حتى تطمئنّ جالسًا ، ثمّ اسجدْ حتى تطمئنّ ساجدًا ، ثمّ قُمْ … " ، و في لفظ : " حتى تستويَ قائمًا " .

و مع أنه قد تقرر في الأصول أنّ قوله – صلى الله عليه و سلم – الذي يُعلّمه الأمة مُقدّمٌ على فعله المجرد ، إلاّ أنّ ثمّة مَن يعترض فيقول : كيف تُذكر جِلسة الإستراحة في حديث المسيء صلاته ، الذي علّمه النبي صلى الله عليه و سلم فيه الواجبات دون السُّنن و المستحبات ؟

و هذا أمرٌ قد درج عليه بعض أهل العلم ، أعني كون كلّ ما ورد في حديث المسيء صلاته هو من الواجبات . و فيه نظر ، كيف ؟ و قد ورد في آخر الحديث : " و كانت هذه أهونَ عليهم من الأولى ؛ أنّ من انتقص مِن ذلك شيئًا انتقص من صلاته و لم يذهبْ كلها" ابن خزيمة ( 545) ، و الترمذي (302) ، الطيالسي (1/196).

و في حديث للنسائي في ( الكبرى) (1631) ، قوله صلى الله عليه و سلم : " فإذا فعلتَ ذلك فقد تمّت صلاتك ، و إن انتقصتَ منه شيئًا انتُقص من صلاتك ، و لم تذهب كلها"

فالحق ، أنّ الحديث سيق في مقام التعليم و الإرشاد إلى ما يحصل به التّمام ، و ذلك باجتماع الفرائض و السنن معًا. و هذه بعض ألفاظه :

" فإذا استويت قائمًا قرأتَ بأمّ القرآن ، ثمّ قرأت بما معك من القرآن …" رواه البيهقي في السنن من حديث أبي هريرة ( 3763) و عزاه الحافظ لأحمد و ابن حبان .

و فيه : قراءة شيء من القرآن مع الفاتحة ، و هو سنّة .

و من حديث رفاعة بن رافع ( 3764 ) و فيه :

" ثمّ اقرأ بأمّ القرآن و بما شاء الله أن تقرأ ، و إذا ركعت فضَعْ راحـتيك على ركبتيك و امددْ ظهرك (...) فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى "

و فيه : الأمر بوضع الراحتين على الركبتين ، و هو مِن تعليم الكيفيات الذي لا يدل على الوجوب ، كما تقرر في الأصول ، تقول : كيف أغسل ثوبي و أحمل متاعي ؟ فيقول المسئول : افعل كذا .غير مريد لإيجاب ذلك عليك . انظر ( الروضة الندية 1/104) ، و قد كان عبد الله بن مسعود و أصحابه يطبقون ، و كان علي رضي الله عنه يقول بالتخيير بين الإطباق و الإمساك بالركب .

و في رواية لأبي داود (857) و الحاكم (881) وصححه و وافقه الذهبي :

" إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء يعني مواضعه ثم يكبر ويحمد الله جل وعز ويثني عليه ويقرأ بما تيسر من القرآن ..."

و فيه الأمر بدعاء الإستفتاح ، و هو من فضائل الصلاة .

و في رواية للطبراني في المعجم الكبير ( 4528 ) :

" فإذا جلست في وسط صلاتك فاطمئنّ و افترش فخذك اليسرى ، ثمّ تشهّد ، ثمّ إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك "

و في هذه الرواية ؛ الإفتراش ، و هو غير واجب .بل و الجلوس كله سنّة.

و في رواية للنسائي ( 1136 ) : " ثمّ يكبّر و يركع ...ثمّ يقول : سمع الله لمن حمده ... ثمّ يكبّر فيسجد و يمكّن جبهته من الأرض ... ثمّ يكبّر فيرفع رأسه و يستوي قاعدًا على مقعدته و يقيم صلبه ..."

قال المنذري (1/301) : قال ابن عبد البر : هذا حديث ثابت .

و فيه : الأمر بإيقاع التكبير مع السجود ، كما تفيده الفاء . و هذا ليس بواجب ، بدليل الرواية التالية التي فيها الأمر بإيقاع التكبير قبل السجود ، كما تفيده ( ثم ) التي للتراخي .

و هي عند أبي داود ( 857 ) و فيها : " ثمّ يقول : الله أكبر ، ثمّ يركع حتى تطمئنّ مفاصله ، ثمّ يقول : سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا ، ثمّ يقول : الله أكبر ، ثمّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله ، ثمّ يقول : الله أكبر و يرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا ، ثمّ يقول : الله أكبر ، ثمّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله ، ثمّ يرفع رأسه فيكبّر ..."

و فيها : تكبيرات الإنتقال ، قال ابن بطال – كما نقله الحافظ في

( الفتح 2/271 ) - : ترك النّكير على مَن ترك التكبير ، يدلّ على أنّ السلف لم يتلقَّوه على أنّه ركن من الصلاة.

و كذلك قال ابن عبد البر ( التمهيد 7/87) : وأما التكبير فيما عدا الإحرام فقد كان تركه الصدر الأول فلذلك قال لهم أبو هريرة أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعب بعضهم على بعض تركه بل جعلوه من باب الكمال والتمام فلذلك قلنا أن التكبير فيما عدا الإحرام سنة يحسن العمل بها وليس بواجب وعلى هذا جمهور الفقهاء .

و لابن خزيمة (545) : " إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم ثم كبر..." . و رواه أبوداود (861) و الترمذي (302) .

و فيه : الأمر بالتشهّد ؛ قيل هو قول " أشهد أن لا إله إلاّ الله ، و أنّ محمّدًأ رسول الله " بعد الوضوء . و قيل : التشهّد يعني الأذان ، واستظهره المباركفوري في ( التحفة ) ، و مهما يكن من معنى ، فلا التشهّد بواجب و لا الأذان بفرض على الأعيان ، و لا الإقامة ..

المطلب الثالث : و هو بيان استمرار السلف على ترك جلسة الإستراحة و هذه طائفة من أخبارهم :

عن عبد الرحمن بن يزيد قال : " رمقتُ عبد الله بن مسعود في الصلاة ، فرأيتُه ينهض على صدور قدميه و لا يجلس إذا صلى في أول ركعة حين يقضي السجود "

رواه الطبراني في الكبير ( 9327 ) و صححه الحافظ في (الفتح2/203) و البيهقي في ( الكبرى2/125) و اللفظ له ، و أقرّ بصحته .

و في رواية أخرى عند الطبراني (9330) عن إبراهيم قال : " كان عبد الله إذا كبر حين يرفع رأسه من السجدة قام بها "

و حين تذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فإنك تذكر سادس ستّة في الإسلام ، كان يقول أمام الملأ : " ألا أصلي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ "

رواه أحمد(1/442) و أبو داود و الترمذي و حسّنه ، و ابن حزم (4/88 ) و صحّحه .

و الصلاة التي كان ينعتها و ينسبها لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، هي صلاته التي ذكرناها خالية من تلك الجلسة ، فلها حكم المرفوع .

عن عبيد بن أبي الجعد قال : " كان عليّ ينهض في الصلاة على صدور قدميه " أي لا يجلس في وتر من صلاته .

رواه ابن أبي شيبة ( 3978 )

و حين تذكر عليًّا فينبغي أن تذكر قولَ عمران بن الحصين فيه ، و قد صلّى مرّةً وراءه : " لقد صلّى بنا هذا صلاةَ محمد صلى الله عليه و سلم " رواه البخاري ( 826 )

و عن ابن عمر " أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه " ابن أبي شيبة

(3985)

و من وجه آخر : " أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما " عبد الرزاق (2964)

و تحرّي عبد الله بن عمر في اتّباع السنة لا يحتاج إلى كلام ...

هذا ، و قد اعترض الإمام البيهقي رحمه الله في (السنن 2125) و قال : وابن عمر قد بّين في رواية المغيرة بن حكيم عنه أنه ليس من سنة الصلاة وإنما فعل ذلك من أجل أنه يشتكي.

يعني – رحمه الله – ما رواه مالك في ( الموطأ ) ، و رواه هو من طريقه : " عن المغيرة بن حكيم أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع من سجدتين من الصلاة على صدور قدميه فلما انصرف ذكرت ذلك له فقال إنها ليست بسنة الصلاة وإنما أفعل ذلك من أجل أن أشتكي ." ( 9594)

قلت : و اعتراضه مردود من جهتين ؛

الأولى : أنّ المراد بالسجدتين الركعتان ، و هذا الإطلاق موجود في السنة، كحديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي قال فيه : " صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين ، وبعدها سجدتين ، وبعد المغرب سجدتين ، وبعد العشاء سجدتين ، وبعد الجمعة سجدتين . فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته " . رواه البخاري (1119) ومسلم في صحيحه ( 729) .

و الثانية : الفرق بين قوله " يرجع " و " ينهض " على صدور قدميه . و قد ورد بلفظ " تربع " كما في مصنف عبد الرزاق (3044) عن طريق مالك أيضًا .

و عن وهب بن كيسان قال : " رأيت ابن الزبير إذا سجد السجدة الثانية قام كما هو على صدور قدميه " ابن أبي شيبة (3983 و 3984) بإسناد صحيح كما قال الحافظ في ( الفتح2/304)

و عن عطاء : " أنه رأى معاوية إذا رفع رأسه من السجود لم يتلبث قال : ينهض وهو يكبر في نهضته للقيام " عبد الرزاق (2960)

و عن النعمان بن أبي عياش قال : " أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس " ابن أبي شيبة ( 3989) و عزاه الحافظ في ( التلخيص1/259) لابن المنذر.

و النعمان من أبناء كبار الصحابة ، كما في ( الكاشف للذهبي2/323).

و روى ابن أبي شيبة في ( المصنف3987) بسند صحيح عن الزهري قال " كان أشياخنا لا يمايلون يعني إذا رفع أحدهم رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة ينهض كما هو ولم يجلس "

قلت : و أشياخ الإمام الزهري لا يحصون عددًا ، فيهم الصحابة ؛ و منهم :

عبد الله بن عمر بن الخطاب

وعبد الله بن جعفر

وربيعة بن عباد

والمسور بن مخرمة

وعبد الرحمن بن أزهر

وعبد الله بن عامر بن ربيعة

وسهل بن سعد

وأنس بن مالك

وجابر بن عبد الله

وأبو الطفيل

والسائب بن يزيد

ومحمود بن الربيع
ومحمد بن لبيد

وغيرهم كثير... و أمّا شيوخه من كبار التابعين و أبناء الصحابة فأكثر من أن يحيط بهم قلم . و لمن أراد معرفة بعضهم فعليه بكتب التراجم و السير.

و بعد ...

هل يستطيع الذين يقولون بسُنّيّة جلسة الإستراحة أن يأتوا بصحابي واحد – خارج حديثي مالك بن الحويرث و أبي حميد – ممّن يجلس تلك الجلسة ؟؟؟

أم يقولون: أنّ في حديث أبي حميد الساعدي عشرة من الصحابة أقرّوا الصلاة التي اشتملت على جلسة الإستراحة . فنقول لهم : كما أنهم أقروا إثباتها من طريق عبد الحميد ، فقد أقرّوا نفيها من طريق محمد بن عمرو عن عباس . و ليس إحداهما بأولى من الأخرى ... و لم يبقَ لهم سوى رواية خالد الحذاء الفردة ، التي خالف فيها مَن هو أثبت منه . و لا شيء غيرها ...

حتى أنّ الترمذي حينما ذكر حديث أبي هريرة في النهوض على صدور القدمين قال – على الرغم من ضعف سنده -: "حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه " . و تعقّبه الشارح المباركفوري رحمه الله بقوله : لو قال الترمذي عليه العمل عند بعض أهل العلم أو عند أكثر أهل العلم لكان أولى فإنه قد قال في الباب المتقدم بعد رواية حديث مالك بن الحويرث : والعمل عليه عند بعض أهل العلم وبه يقول أصحابنا . ( التحفة2/147)

قلت : اعتراض المباركفوري رحمه الله لا وجه له . و الترمذي دقيق في كل عبارة يقولها ، و إنما قال ما قال لنُدرة من يعمل بذلك الحديث ، و كأنهم لقلّتهم صاروا عدمًا ، فلم يعتدّ بهم .

مذاهب الأئمّة :

قال ابن عبد البر ( التمهيد19/254) : " واختلف الفقهاء في النهوض من السجود إلى القيام فقال مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه : ينهض على صدور قدميه ولا يجلس ، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وقال النعمان بن أبي عياش : " أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يفعل ذلك" وقال أبو الزناد :" تلك السنة " ، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قال أحمد : " أكثر الأحاديث على هذا " . قال الأثرم : " ورأيت أحمد بن حنبل ينهض بعد السجود على صدور قدميه ولا يجلس قبل أن ينهض وذكر عن ابن مسعود وابن عمر وأبي سعيد وابن عباس وابن الزبير انهم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم " . وقال الشافعي : " إذا رفع رأسه من السجدة جلس ثم نهض معتمدا على الأرض بيديه حتى يعتدل قائما".

و قال في ( المغني1/311) : قال الخلال : رجع أبو عبد الله إلى هذا ؛ يعني ترك قوله بترك الجلوس .

قال الشيخ الألباني رحمه الله في ( صفة الصلاة 155) : و هو الأحرى به ، لِما عُرف عنه من الحرص على اتباع السنة التي لا معارض لها ...

قال : و قد قال ابن هانيء في " مسائله عن الإمام أحمد (1/57) : " رأيت أبا عبد الله ( يعني أحمد ) ربّما يتوكّأ على يديه إذا قام في الركعة الأخيرة ، و ربما استوى جالسًا ثم ينهض "... و هو اختيار الإمام إسحاق بن راهويه ، فقد قال في " مسائل المروزي " (1/147/2) : " مضت السنة من النبي صلى الله عليه و سلم أن يعتمد على يديه و يقوم ، شيخًا كان أو شابًًّا ".اهـ

قلت : ليس فيما ذكر الشيخ رحمه الله ما يدل على أنّ الإمامين كان يختاران الجلسة . فالإمام أحمد يشبه أن يكون فعل ذلك لضعف بسبب كبر سن أو مرض ، و هو ظاهر من قوله " ربما ... و ربما " و قوله " في الركعة الرابعة " يعني الأخيرة دون غيرها . و أما الإمام إسحاق بن راهويه فلا أدري أين وجد الشيخ الدليل على ما قال ، إلا أن يكون الإعتماد على اليدين للنهوض يعني الجلوس للإستراحة ...



حجج القائلين بجلسة الإستراحة و الرد عليها :



اعلم أنّ أقوى ما يتمسك به القائلون بجلسة الإستراحة هو حديثا مالك بن الحويرث و أبي حميد الساعدي رضي الله عنهما ، و قد بيّنا ما فيهما أول البحث بما لا مزيد عليه . و لهم كذلك أدلة أخرى يحسن ذكرها مع الكلام عليها ؛ منها :

اعتراض الشيخ الألباني رحمه الله على قول السيد سابق رحمه الله : " و قد اختلف العلماء في حكمها تبعًا لاختلاف الأحاديث ..."

قال رحمه الله في ( تمام المنة ص210) معلقًا : " هذا يوهم أن في هذه المسألة أحاديث متعارضة و ليس كذلك ، بل كل ما ورد فيها مثبت لها ، و لم يرد مطلقًا أيّ حديث ينفيها ، غاية الأمر أنها لم تذكر في بعض الأحاديث ، و هذا لا يوجب الإختلاف المدعى " يقول العبد الضعيف : كيف " لم يرد أي حديث ينفيها " ؟ و الأحاديث كلها تنفيها ؟..فكل من روينا عنه صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " رفع من السجود فقام " . أرجو أن يراجَع ما سبق من الأحاديث في هذا البحث .

فقوله " رفع فقام " يعني " لم يجلس " . لأنّ " قام " تعني بداهة " نفي الجلوس ". اللهم إلا إن أراد النفي باللفظ . و هذا إن ذُكر صار حشوًا ؛ لأنّ أصل هيئة الصلاة أن يكون القيام بعد الرفع من السجود ، فليس ثمة حاجة إلى ذكرها بالنفي ، و لو فعل لكان كمن قال :

" قام و لم يسجد سجدة ثالثة " . و انظر مثلاً إلى جلوس التشهد لمّا كان في أصل هيئة الصلاة كيف ذكره الراوي في حديث ابن بُحينة رضي الله عنه ، فقال : " قام و لم يجلس " لأن العهد به أن يجلس المصلي في كل ركعتين ... فـتَْركُ الرواة نفي جلسة الإستراحة باللفظ هو أبلغ في النفي لمن تأمل . لأنّ إغفالها يعني عدم اعتبارها أصلاً ، و الله تعالى أعلم.

بل إنّ قوله صلى الله عليه و سلم – في حديث المسيء صلاته - : " ثمّ ارفع حتى تستوي قائمًا " فيه إيجاب إيقاع القيام بعد الرفع من السجود مباشرة .

و من الإعتراضات ، قول المباركفوري في ( التحفة 28/147) – و هو يذكر أدلة النافين لسنية جلسة الإستراحة - : " فمنها حديث عكرمة قال:" صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة فقلت لابن عباس: إنه أحمق فقال: ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم " رواه البخاري ...قيل يستفاد منه ترك الجلسة الاستراحة وإلا لكانت التكبيرات أربعا وعشرين مرة لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود وأجيب عنه بأن جلسة الاستراحة جلسة خفيفة جدا ولذلك لم يشرع فيها ذكر فهي ليست بجلسة مستقلة بل هي من جملة النهوض إلى القيام فكيف يستفاد من هذا الحديث ترك جلسة الاستراحة ولو سلم فدلالته على الترك ليس إلا بالإشارة وحديث مالك بن الحويرث يدل على ثبوتها بالعبارة ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الأشارة "اهـ.

قلت : و للرد على هذا الإعتراض :

- أولاً قوله : " جلسة الإستراحة جلسة خفيفة جدًا " مخالف لِما ورد من صفتها ؛
ففي حديث مالك بن الحويرث من طريق خالد : " لم ينهض حتى يستوي جالسًا " ، و قد وردت هذه الصفة في الجلسة التي بين السجدتين ؛ ففي حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم (498) : " وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا".

و كذلك الحال في حديث أبي حميد من طريق عبد الحميد ، فإنه ذكرها في الصفة كما ذكر الجلسة التي بين السجدتين ، قال : " ثم هوى إلى الأرض ساجدا ثم قال الله أكبر ثم تجافى عضديه عن إبطيه وفتح أصابع رجليه ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم إلى موضعه معتدلا ، ثم هوى ساجدا ثم قال الله أكبر ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ( معتدلاً ) ثم نهض..." رواه ابن خزيمة في صحيحه ( 587) .و ما بين القوسين لابن حبان في صحيحه (1876) .

و حسب ذينك الحديثين فإنه يصير لكل ركعة سجدتان و جلستان . و لا بد إذًا – و الحال كذلك - أن يكون للجلسة الثانية ما للجلسة الأولى من الأذكار ... و هذا يكفي لمن أعطى النظر حقه لبيان ضعف تينك الروايتين .

قارن هذا الحديث بما مرّ من حديث البراء رضي الله عنه : " رمقتُ محمدًا صلى الله عليه و سلم في صلاته ، فوجدته قيامه ، و ركعته ، و اعتداله بعد الركوع ، فسجدته ، فجلسته بين السجدتين ، فسجدته ، فجلسته بين التسليم و الإنصراف ، قريبًا من السّواء ."

فهل تجد لتلك الجلسة مكانًا ؟؟؟

- و أمّا قوله رحمه الله : " فهي ليست بجلسة مستقلة بل هي من جملة النهوض إلى القيام " كلامه هذا يعني أنّ الجلسة ليست من سنن الصلاة و لا من هيئتها ، و إنما هي وسيلة للإستعانة بها على النهوض . يأتي بها مَن يحتاج إليها لضعفٍ أو مرضٍ أو عجز ، لتساعده على القيام . و هذا هو عين ما نقول به ...

و قال الحافظ في ( الدراية1/147) ردًّا على من تأوّل حديث مالك بحال الكبر : " تأويل يحتاج إلى دليل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث لما أراد أن يفارقه : " صلوا كما رأيتموني أصلي ". ولم يفصل له فالحديث حجة في الإقتداء به في ذلك "

و الجواب : أنّا بينا فيما سبق بالدليل صحة ذلك التأويل .

و أمّا قوله صلى الله عليه و سلم : " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، فهذا الحرف إنما رواه أيوب السختياني ، و قد ذكر صفة صلاة مالك – و هي التي أمر بالتأسي بها - و ليس فيها جلسة الإستراحة ، و إنما أضافها إلى صلاة عمرو بن سلِمة ... و قد مرّ فتذكّره .

هذا ، و قد انتقد الشيخ الألباني رحمه الله و طيب ثراه ، قول ابن القيّم رحمه الله : " و لو كان هديه صلى الله عليه و سلم فعلها دائمًا لذكرها كل واصف "

قال في ( تمام المنة ص212) : هذا الكلام غريب جدًا من مثل هذا الإمام ، فإن لازمه التهوين من شأن السنن كلها ، لأنه ليس فيها سنة يمكن أن يقال :" اتفق على ذكرها كل واصف لصلاته" .اهـ

قلت : و العجيب ، أن الشيخ الألباني رحمه الله فعل ما استغربه من ابن القيم ؛ فقال في

(صفة الصلاة ص179) – التعليق 7- "و إنما قلنا ( أحيانًا ) لأن الصحابة الذين رَوَوْا الوتر،لم يذكروا القنوت فيه ، فلو كان صلىالله عليه وسلم يفعله دائمًا لنقلوه جميعًا عنه".

مع أنّ الوتر أخفى من جلسة الإستراحة ؛ لأنّ النبي صلى الله عليه و سلم كان من عادته صلاته في البيت . لكن أن يجلس النبي صلى الله عليه و سلم في وتر من كل صلاة ، في كل نافلة و فريضة ، و يخفى ذلك عن أصحابه من المهاجرين و الأنصار رضي الله عنهم الذين كانوا يلونه في الصف، و يطلع عليه شاب من الأعراب الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم و مكثوا معه بضعة أيام . فهذا هو الأمر الذي ينبغي أن نستغربه .

و أغرب منه قول مَن قال : أنّ الأحاديث التي ليس فيها جلسة الإستراحة إنما هي لبيان الجواز ، أي جواز ترك الجلسة ، و كأنه جعل الصلاة التي كان النبي صلى الله عليه و سلم يصليها حتى فارق الدنيا ، و حفظها عنه أصحابه ، لبيان الجواز . و جعل تلك الرواية الفردة المنكرة المخالفة هي الأصل ... بل هي الفيصل بين السنة و البدعة ، و الفاروق بين المتبع للسلف و المخالف.

و خلاصة القول :

لقد تبيّن في الحديث الصحيح الصريح أنّ الصلاة التي لم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يصليها حتى فارق الدنيا هي صلاةٌ خلوٌ من جلسة الإستراحة . فمن أراد أن يلقى الله على ما لقيه نبيّه فليقتدِ به . و من أراد أن ينتسب للسلف ، فهؤلاء هم الصحابة و التابعون و جمهور الأئمة و الصالحون يرفعون من السجدة الأخيرة في كل وتر من الصلاة فيقومون و لا يجلسون .
  #2  
قديم 20-04-04, 06:18 PM
الظافر
 
المشاركات: n/a
Post بسم الله الرحمن الرحيم

جزاك الله خيرا على ما كتبت.

ولو وضعت هذا البحث على ملف مضغوط لكنت لك من الشاكرين، حتى يتسنى نقله مرتباً.
  #3  
قديم 20-04-04, 08:29 PM
أبو سلمى
 
المشاركات: n/a
افتراضي هل من أحد يضع لنا ما كتبه الشيخ الجديع

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزى الله الأخ الفاضل على ما كتب هنا خيرًا، وقد أخذت نسخة على جهازي وسأطالعه بعناية إن شاء الله.
وكنت قرأت مبحثًا في ذلك للشيخ عبد الله بن يوسف الجديع حفظه الله، لعله في كتابه: الأجوبة المرضية على الأسئلة النجدية، ثم فقدت الكتاب عن طريق الاستعارة، فهل يتكرم بعض الأخوة علينا بوضع مبحث الشيخ الجديع هنا فنستفيد من المبحثين، ونقارن الأعمال والنتائج، فهذا أفضل بلا شك.
وحتى نستطيع تكوين وجهة نظر لابد من مطالعة ما كتبه الشيخ الجديع ثانية، مضافا إلى ما هنا وبعدها ستتبلور المسألة، ونخرج بالنتيجة المرضية إن شاء الله، فنظرة إلى ميسرة حتى هذا الحين المشار إليه.
ولعل بعض الأخوة يتكرم علي بموقع كتب الشيخ الجديع كاملة على هذه الشبكة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
  #4  
قديم 21-04-04, 01:05 PM
المبلغ
 
المشاركات: n/a
افتراضي

أشكر الإخوة على اهتمامهم ... و أرجو ممن له معرفة بالأمور التقنية أن يتفضل فيضغطه . و له الشكر الجزيل .
  #5  
قديم 09-05-04, 06:27 PM
الداعية إلى الخير الداعية إلى الخير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-12-03
الدولة: السعودية
المشاركات: 79
افتراضي

سئل الشيخ عبد الله الجديع عن جلسة الاستراحة فقال:
الجواب :
التحقيق أن جلسة الاستراحة هذه من سنن الصلاة
برهان ذلك :
ما أخرجه البخاري 2/300 و غيره عن أيوب السختياني عن أبي قلابة أن مالك بن الحويرث قال لأصحابه
ألا أنبئكم صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟
قال : و ذاك في غير حين صلاة ، فقام ، ثم ركع فكبر، ثم رفع رأسه ، فقام هنية ، فصلى صلاة عمرو بن سلمة شيخنا هذا .
فقال أيوب :
كان يفعل شيئا لم أرهم يفعلونه ، كان يقعد في الثالثة أو الرابعة .
و في لفظ عند البخاري 2/302
من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة قال : أخبرنا مالك بن الحويرث الليثي :
أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا.
و رواه 2/302
من طريق وهيب عن أيوب عن أبي قلابة قال :
جاءنا مالك بن الحويرث فصلى بنا في مسجدنا هذا فقال :
إني لأصلي بكم و ما أريد الصلاة ، و لكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يصلي .
قال أيوب :
فقلت لأبي قلابة : و كيف كانت صلاته ؟
قال :
مثل صلاة شيخنا هذا - يعني عمرو بن سلمة - .
قال أيوب : و كان ذلك الشيخ يتم التكبير ، و إذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس و اعتمد على الأرض ثم قام
قلت :
و الجمهور على عدم شرعيتها و احتجوا بما يأتي :
1- أنها لم ترد في حديث أبي حميد الساعدي في صفة الصلاة ، و هو أطول حديث ورد في ذلك .
2- ورود الرواية عن أبي حميد بضد ذلك
فذكروا ما أخرجه أبو داود رقم ( 733 ) قال :
حدثنا علي بن الحسين بن إبراهيم ، حدثنا أبو بدر، حدثني زهير أبو خيثمة ، قال : حدثنا الحسن بن الحر ، حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء - أحد بني مالك - عن عباس بن سهل الساعدي :
أنه كان في مجلس فيه أبوه - و كان من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ، وفي المجلس أبو هريرة و أبو حميد الساعدي و
أبو أسيد ....
فذكر حديثا في صفة الصلاة و فيه :
فسجد فانتصب على كفيه و ركبتيه و صدور قدميه و هو ساجد ، ثم كبر فجلس فتورك و نصب قدمه الأخرى ، ثم كبر فسجد ، ثم كبر فقام و لم يتورك .
قال الطحاوي : ( شرح المعاني 4/355 )
(( و حديث أبي حميد فيه حكاية أبي حميد ما حكى بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فلم ينكر ذلك عليه احد منهم ، فدل ذلك أن ما عندهم في ذلك غير مخالف لما حكاه لهم ))
3- قول أيوب السختياني راوي حديث مالك بن الحويرث عن أبي قلابة : أنه لم ير الناس يفعلون ذلك .
4- أن المصلي إذا انتقل في صلاته من حال إلى حال فله في كل حال ذكر مخصوص ورَدَ فيه ، و لم يرد لهذه الجلسة ذكر ،
مما دل على أنها غير محفوظة .
5- لم يذكرها أحد ممن روى صفة الصلاة من الصحابة غير مالك بن الحويرث و لم يكن من الملازمين للنبي صلى الله عليه و سلم إنما حفظ ذلك في قدمة قدمها
فان كانت محفوظة فهي حين كبر النبي صلى الله عليه و سلم و أخذه اللحم .
قلت:
هذه جملة الوجوه التي استدلوا بها لإبطال شرعية هذه الجلسة
و إليك جواب ذلك و تحقيق القول فيه :
1- جواب الأول :
الصواب ثبوت هذه الجلسة في حديث أبي حميد الساعدي
فقد أخرج حديثه أحمد في مسنده 5/424 قال :
حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبدا لحميد بن جعفر، قال حدثني محمد بن عطاء ، عن أبي حميد الساعدي - قال : سمعته في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أحدهم أبو قتادة بن ربعي - يقول :
أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم.
قالوا له : ما كنت أقدمنا صحبة و لا أكثرنا له تِباعة .
قال : بلى.
قالوا : فاعرض .
قال :
كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ، و رفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه ، فإذا أراد إن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، ثم قال : الله أكبر، فركع ثم اعتدل فلم { يصوّب } رأسه و لم يُقنِعه ، ووضع يديه على ركبتيه ، ثم قال : سمع الله لم حمده ، ثم رفع و اعتدل ، حتى رجع كل عظم في موضعه معتدلا ، ثم هوى ساجدا و قال : الله أكبر ثم جافى و فتح عضديه عن بطنه ، و فتح أصابع رجليه ، ثم ثنى رجله اليسرى و قعد عليها و اعتدل ، حتى رجع كل عظم في موضعه ، ثم هوى ساجدا و قال : الله أكبر، ثم ثنى رجله و قعد عليها حتى يرجع كل عضو إلى موضعه ، ثم نهض فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك ...
و ذكر باقي الحديث .
و رواه أبو داود ( 730 ) و الترمذي ( 304 و 305 ) و ابن ماجه ( 1061 ) والدارمي ( 1363 ) و ابن الجارود ( 192 ) و البيهقي ( 2/72 ) من طريق عبد الحميد به .
و زادوا جميعا في آخر الحديث سوى أحمد :
قالوا : صدقت هكذا كان يصلي صلى الله عليه و سلم .
قلت :
محمد بن عطاء في الإسناد هو محمد بن عمرو بن عطاء كما عند الباقين ، و هذا سند متصل صحيح رجاله ثقات
قال الترمذي : (( حديث حسن صحيح ))
و صححه ابن القيم في تهذيب السنن ( 1/355 ) و أبطل قول من أعله ، و فصل ذلك بما لا مزيد عليه و أجاد و أفاد.
و أصل هذا الحديث عند البخاري من وجه آخر عن محمد بن عمرو
ومحل الشاهد فيه ظاهر، و هو ذكر الجلسة عقب السجود الثاني بل في الوصف من زيادة العلم : الطمأنينة في هذه الجلسة كبقية أحوال الصلاة .
و هذا يرد على من نفى ثبوتها في حديث أبي حميد ، بل فيه موافقة جماعة من الصحابة على ذلك ، و أن هذه هي صفة الصلاة النبوية .
2- جواب ثان :
من خلال الجواب السابق علمت أن ذكر الجلسة محفوظ في حديث أبي حميد فهل يصح الاعتراض عليه برواية من نفاها ؟
الجواب :
كلا و ذلك لكون راوي النفي عيسى بن عبد الله بن مالك مجهول الحال و لم يوثقه معتد به في التعديل ، و لو كان ثقة فإن من أثبتها في هذا الحديث أوثق منه و أشهر بالرواية .
فعليه ترجح رواية المثبت على رواية النافي .
3- جواب ثالث :
اعلم – أرشدك الله – أن كلام أيوب السختياني خرج - فيما يبدو - مخرج الاستنكار لا الإقرار .
هذا من جهة و من جهة أخرى فالذين أدركهم أيوب ليسوا ممن يُتدين بقولهم حتى يوافقه الدليل .
و السنن قاضية على كل ما يخالفها ، و لا يصح الاعتراض بمثل هذا لإبطال السنن ، خاصة و أن عامة من أدرك أيوب من التابعين ، حيث عده الحافظ ابن حجر في ( التقريب ) من الطبقة الخامسة و هم من ليس لهم إدراك أحد من الصحابة إلا الواحد و الاثنين ، وربما كانت رؤية ، أو مجرد إدراك من غير سماع .
هذا لو قلنا : إن من عناهم أيوب كانوا من سادة التابعين من أهل البصرة و علمائهم ، فكيف و الحال أن حكايته عن مجاهيل ؟
4- جواب رابع :
اعلم أن أفعال الصلاة و أقوالها توقيفية ، لا يصح فيها قياس.
و بناء عليه نقول :
إن عدم ورود تكبير خاص لهذه الجلسة أو ذكر فيها ؛ لا يبطل شرعيتها و لا يحكم به على من رواها بالخطأ ، لان الذكر خارج عن ذات الفعل ، و هما عملان مستقلان من أعمال الصلاة ، و حيث لم يرد ذكر مخصوص لهذه الجلسة لزم التسليم لما ورد ، و الإعراض عما لم يرد .
و الدليل هو الفصل في محل النزاع ، خاصة في هذا الباب
فلا يقال فيه بشيء من فعل أو قول إلا بنص .
و لو صححنا القياس و النظر في مثل هذا لكان الأولى إثبات ما حفظه الثقة ، ثم نلحقه بغيره من أفعال الصلاة في الذكر و الدعاء .
لكنا نقول : قد حفظ الثقة و لا نصحح القياس .
5- جواب خامس :
لو كان مالك بن الحويرث قد تفرد حقيقة بذكرها لما قدح ذلك في مشروعيتها ، و لكان ما روى حجة كافية لإثبات هذا الحكم لأنها زيادة علم قد عُني بحفظها حيث أقام هو و من معه عند رسول الله صلى الله عليه و سلم عشرين يوما ، حفظوا عنه شرائع الإسلام
و أحسنوا حفظ صلاته و أتقنوها ، و قال لهم حين أرادوا الرجوع إلى أهليهم : ( ... و صلوا كما رأيتموني أصلي ) و لازمُ هذا كمال العلم بصلاته صلى الله عليه و سلم ، و قد أعتمد أهل العلم ما رواه مالك بن الحويرث في صفة الصلاة فيما سوى ذلك.
فما الذي منع قبول هذه الزيادة ؟
فكيف وقد علمت أن مالكا لم ينفرد بها ؟
بل قد وافقه أبو حميد في عشرة من الصحابة ، بل قد ثبتت في حديث المسيء صلاته كما سيأتي .
و عدم ذكر بعض من روى صفة الصلاة من الصحابة لهذه الجلسة لا ينفي شرعيتها ، ما دام الأمر أنهم لم ينفوها ، و أنت لو تتبعت
ماورد في صفة الصلاة لوجدت بعضهم يزيد على بعض و بمجموع رواياتهم تعلم صفة صلاة النبي صلى الله عليه و سلم .
كما يجب أن تكون في الحسبان أن ما ليس بواجب من أفعال الصلاة لا تلزم المداومة عليه ، فلو فصل صحابي أفعال الصلاة النبوية فأشبهه آخر في ذلك ، لكن زاد كل على صاحبه ما ليس عنده ، ففي هذا برهان على أن ما يذكره كل منهما منفصلا ليس من واجبات الصلاة ، و صلاة من صلى على ما حفظ كل واحد على حده صحيحة ما لم يقم دليل على أن من أنقص عن صاحبه قصر في الحفظ أو اختصر .
و نحن لا نقول في هذه الجلسة : أنها من واجبات الصلاة ، إنما هي سنة .
و أما تعليل الجلسة بان النبي فعلها لعارض الكبر فيذكرون له ما أخرجه الدرامي في مسنده (ة 1321 ) قال :
أخبرنا أبو الوليد الطاليسي ، حدثنا الليث بن سعد ، عن محمد بن عجلان ، عن محمد يحي بن حبان ، عن ابن محيريز، عن معاوية :
أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
( إني قد بدنت ، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ، فإني مهما أسبقكم حين أركع تدركوني حين أرفع و مهما أسبقكم حين أسجد تدركوني حين أرفع ).
و رواه ابن ماجه ( 963 ) و البيهقي 2/92 و احمد 4/92 ، 98 من طريق ابن عجلان به .
قلت : سنده جيد
و الشاهد عندهم فيه قوله : ( إني قد بدنت ) قالوا: يعني كبرت و أخذني اللحم و لهذا كان يجلس هذه الجلسة .
قلت :
هذا القول ظن من قائله لا يستند إلى برهان ، و مثله لا يغني من الحق شيئا لافتقاره إلى النقل عن صاحب الشريعة ، فمن أبن لقائله أن هذه الجلسة لهذه العلة ؟
بل إن مفاد الأدلة الواردة في إثبات هذه الجلسة يرد هذه الدعوى و يبطلها
و ذلك من وجوه :
الأول : قول مالك بن الحويرث في بعض ألفاظ حديث مَقدَمِه على النبي صلى الله عليه و سلم : ( أتينا إلى النبي صلى الله عليه و سلم و نحن شببة متقاربون ...) كما في الصحيحين و غيرهما .
فهذا صريح في أنهم كانوا أحداثا لم يثقلهم شحم و لا أخذهم لحم .
الثاني : أمره صلى الله عليه و سلم لهم بان يصلوا كصلاته ، حيث قال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) فلم يكن ليأمرهم بذلك إلا و جميع ما رأوه من أفعاله عبادة مشرعة ، و سنة تتبع .
الثالث :
اعتناء مالك بن الحويرث بحفظها و تخصيصه لها بالذكر من بين أفعال الصلاة لدليل قاطع على تأكيد شرعيتها .
الرابع :
ما ورد في حديث أبي حميد و موافقة من الصحابة له على سياقة صفة الصلاة إنما أراد به ذكر الصفة الشرعية للصلاة ، و قد ذكر في جملتها هذه الجلسة ، و أقره من حضر ، فلو لم تكن من أفعال الصلاة لمل صح سكوتهم عليها ، بل و لا إيراد أبي حميد لها في صفة صلاة النبي صلى الله عليه و سلم .
الخامس :
ثبوتها في حديث المسيء صلاته يؤكد شرعيتها ، فان النبي صلى الله عليه و سلم كان بصدد بيان ما تصح به الصلاة أو تكمل ، فلو لم تكن من أفعالها لما صح ذكره لها في جملتها .
حاصل ما تقدم :
و مما سبق نخلص إلى أن جلسة الاستراحة سنة مشروعة من سنن الصلاة و هذا قول
مالك بن الحويرث ، و أبي حميد و أبي قتادة و آخرين من الصحابة و أبي قلابة و غيرهم من التابعين .
و قال الترمذي في الجامع (2/79 ) : ( و به يقول إسحاق و بعض أصحابنا ) .
قلت :
و هو الصحيح في مذهب الشافعية
و كان الإمام احمد على خلاف هذا ، ثم رجع إليه - رحمه الله – كما نقله ابن القيم في الزاد ( 1/241 ) عن الخلال قال : ( رجع احمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة ) .
و كذا نقله أحمد عن حماد بن زيد كما في المحلى ( 4/124 ) .
وهو قول أهل الظاهر .
قال النووي : في شرح المهذب ( 3/386 ) : ( و اعلم انه ينبغي لكل احد أن يواظب على هذه الجلسة لصحة الأحاديث فيها ، و عدم المعارض الصحيح لها ، و لا تغتر بكثرة المتساهلين بتركها فقد قال الله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم ) و قال ( و ما آتاكم الرسول فخذوه ) ..).

تحقيق القول في ثبوتها في حديث المسيء صلاته :

قال البخاري 11/36
حدثنا إسحاق بن منصور ، أخبرنا عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة :
أن رجلا دخل المسجد .... فذكر الحديث حتى قال :
( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا .. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ).
موضع الشاهد منه قوله بعد ذكر السجد الثانية : ( ثم ارفع حتى نتطمئن جالسا )
هكذا رواه عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر بإثبات الجلسة فيه
لكن خالفه أبو أسامة.
قال البخاري 11/549 :
حدثني إسحاق بن منصور حدثنا أسامة حدثنا عبيد الله بن عمر بالإسناد و بالحديث ، حتى قال :
( ...ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تستوي و تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تستوي قائما ...ثم افعل ذلك في صلاتك كلها )
هكذا قال أبو أسامة : ( ثم ارفع حتى تستوي قائما ) و لم يذكر الجلسة
و صرح البيهقي في السنن ( 2/126 127 ) بترجيح رواية أبي أسامة .
و أقول :
أبو أسامة هو حماد بن أسامة ( ثقة ثبت ) أثبت و أحفظ من ابن نمير على أن ابن نمير ثقة إمام .
و هذا يقتضي صحة ما رجحه البيهقي
لكن يشكل عليه ما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده ( و من طريقه البيهقي 2/162 - عن أبي أسامة بالحديث بذكر الجلسة
حيث فيه ( ... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن قاعدا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدا، ثم افعل ذلك في ركعة و سجدة ).
هكذا رواه إسحاق و إسحاق جبل في الحفظ و الإتقان.
و روايته عن أبي أسامة موافقة لرواية ابن نمير و ليس لابن نمير مخالف في ذكر الجالسة إلا أبو أسامة .
و هاأنت ترى انه قد اختلف النقل عنه ، مرة بإثباتها و أخرى بنفيها و كل ذلك صحيح لا سبيل لتغليط احد الرواة عنه .
فعليه لم يبق إلا ترجيح إحدى الروايتين عنه بمرجح خارجي.
فوجدناه لإثبات الجلسة ، و فقدناه لنفيها حيث وافق الإثبات رواية ابن نمير و هي سالمة من الاختلاف و لم نجد للنفي ما يشده .
فحاصل ذلك :
أن جلسة الاستراحة ثابتة في حديث المسيء صلاته من حديث أبي هريرة .
فان قيل قد روى احمد في مسنده ( 4/340 ) قال :
حدثنا يحي بن سعيد ، حدثنا ابن عجلان ، حدثنا علي بن يحيى بن خلاد ، عن أبيه ، عن عمه - و كان بدريا - قال :
فذكر الحديث و فيه ( ... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم قم ..)
فجوابه من و وجهين :
الأول : أن الحديث رواه غير واحد عن علي بن بيحيى و لم يذكروا ما ذكر ابن عجلان من الزيادة على السود الثاني .
و ابن عجلان و إن كان مقبول الرواية يحسن حديثه أو يصحح إلا انه متكلم في حفظه و ضبطه ، فتفرده عن غيره بزيادة فيه نظر ، بل يحتاج في مثل هذا الحالة إلى ما يشده .
الثاني :
أن حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته لا يقارب في الصحة حديث أبي هريرة من جهة حفظ الرواة و جودة السياقة ، و كمال الوصف .
قال البيهقي 2/373 :
( و ليس في هذا الباب حديث أصح من حديث أبي هريرة ).
قلت :
يعني جملة باب صفة الصلاة .
فلذا يمكن القول :
إن هذه الزيادة غير محفوظة في حديث المسيء صلاته .
فان قلت : إذا سلمت القول بثبوتها في حديث المسيء صلاته ، لزمك القول بوجوبها في الصلاة .
قلت :
إنما يصح هذا على قول من يقول : كال ما ثبت في حديث المسيء صلاته واجب .
و لا أقول به بل أرى أن الغرض من سياقه إثبات فرض الطمأنينة في أفعال الصلاة كما هو ظاهر لمن تأمله
و لذا فقد تضمن سننا و مندوبات غير هذا .
و لبسط هذا موضع آخر .
انتهى كلام الشيخ .
و لمزيد من الفائدة
انظر جزء في حديث أبي حميد
و حديث المسيء صلاته
من إعداد الشيخ محمد بازمول
  #6  
قديم 23-05-04, 01:41 PM
المبلغ
 
المشاركات: n/a
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
عدم ثبوت جلسة الإستراحة في حديث المسيء صلاته
تعقيبًا على كلام الشيخ الجديع حفظه الله و نفع به ، أقول :
أولاً : المحفوظ عن أبي أسامة هو قوله : " ثم ارفع حتى تستوي قائما "
رواها عنه إسحاق بن منصور عند البخاري (6270) و غيره ،
و تابعه عبيد الله بن سعيد أبو قدامة و هو من الحفاظ المتقنين ،
ويوسف بن موسى و هو من الثقات ،
و كلاهما عند البيهقي في السنن ( 2598) فهؤلاء جميعًا اتفقوا على رواية الأمر بالقيام بعد السجود الثاني ، مما يدل على خطإ رواية إسحق بن راهويه التي فيها الأمر بالجلوس بعد التشهد الثاني . و كون إسحاق جبلا في الحفظ لا يمنع من وقوعه في الخطإ ، " وقد أورد الذهبي في الميزان حديث إسحاق عن شبابة عن الليث عن عقيل عن بن شهاب عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم أرتحل وقال رواه مسلم عن عمرو الناقد عن شبابة ولفظه إذا كان في سفر وأراد الجمع أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما تابعه الزعفراني عن شبابة إلى أن قال ولا ريب أن إسحاق كان يحدث الناس من حفظه فلعله اشتبه عليه والله أعلم ( تهذيب التهذيب 1/191)
و يؤيد رواية أبي أسامة ، رواية يحيى بن سعيد التي أخرجها البخاري ( 760) من طريق مسدد ، و فيها : " ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها "
و مما يرجح رواية أبي أسامة التي فيها الأمر بالقيام ، حديث المسيء صلاته من طريق ابن عجلان ، و قد ذكره الشيخ و فيه : " ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم قم"
لكنه رده بقوله : " أن الحديث رواه غير واحد عن علي بن بيحيى و لم يذكروا ما ذكر ابن عجلان من الزيادة على السجود الثاني "
قلت : روى الحديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد ، و فيه :" ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يقول الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يرفع رأسه فيكبر..." أبو داود ( 857)
و رواه داود بن قيس عن علي كذلك بلفظ :" ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن قاعدا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع ... " أخرجه النسائي (1237) و عبد الرزاق (3739) و الطبراني (4520)
قلت : الرفع إذا أطلق فإنه يحمل على القيام ، بقرينة إحدى ألفاظ رواية ابن عجلان :" ثم اسجد فاطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن قاعدا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع ، ثم أفعل ذلك حتى تفرغ من صلوتك " أخرجه البيهقي في سننه( 3761) من طريق الليث ابن سعد .
و هكذا يتبيّن أن محمد بن عجلان لم ينفرد بذكر القيام .
و أما قول الشيخ الجديع : " و ابن عجلان و إن كان مقبول الرواية يحسن حديثه أو يصحح إلا انه متكلم في حفظه و ضبطه ، فتفرده عن غيره بزيادة فيه نظر ، بل يحتاج في مثل هذا الحالة إلى ما يشده "
فهذا الكلام كان الأولى أن يقال في حق عبد الحميد بن جعفر ، الذي وصف بالوهم ، و تفرد بذكر الجلسة في حديث أبي حميد الساعدي. و أما ابن عجلان فقد ذكرنا من تابعه من الرواة .
و مما يؤكّد خطأ رواية ابن نمير ، أن أبا هريرة رضي الله عنه نعت صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم التي كان يلازمها حتى فارق الدنيا و هي خلو من الجلسة ، و أقره على ذلك ابن عباس رضي الله عنهما كما في الصحيح .
و الخلاصة : أن المحفوظ في حديث المسيء صلاته النهوض بعد السجود الثاني ، و ما عداه فمنكر غريب . و حسبك من خطإ نبّه عليه البخاري رحمه الله .
و لي عودة إن شاء الله إلى مناقشة بقية كلام الشيخ حفظه الله ...
  #7  
قديم 23-05-04, 05:19 PM
أبو تيمية إبراهيم
 
المشاركات: n/a
افتراضي

المنقول عن الشيخ عبد الله الجديع قديم جدا ، و هو قول له قديم ، و الذي أعلمه من ثقات أصجابه أنه الآن يقول بخلافه ، و الأخير هو الذي عجاءت به أكثر الأخبار و عليه أكثر الصحابة و التابعين و جماهير أهل العلم ، و لابن المنذر في الأوسط كلام قيم عليها ، ينبغي قراءته و تدبره ، و الجلسة على التحقيق لا تثبت في حديث أبي حميد و لا كذلك في حديث أبي هريرة و في حديث مالك بن الحويرث محل نظر كما أشار إليه الأخ الفاضل المبلغ ، لكن المناقشة فقهية أكثر منها إسنادية ، و قد بحث ابن رجب أكثر الأحاديث في فتح الباري فلينظر .
و تحرير الكلام على الأحاديث و على فقه المسألة فيه طول ، لا أقدر عليه الآن ، و قد كتبت فيها كثيرا في كتابي ( صفة صلاة النبي صلى الله عليه و سلم ، كما رواها وائل بن حجر ) أضفت إليها زيادات باقي الصحب الكرام ، لكنه لم يتم ، و الله الموفق .
  #8  
قديم 14-06-04, 03:15 AM
هيثم حمدان. هيثم حمدان. غير متصل حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
المشاركات: 2,745
افتراضي

هل تجلس للاستراحة لو أن إمامك يجلس لها وأنت لا ترى سنّيتها؟
  #9  
قديم 14-06-04, 03:31 PM
أبو غازي
 
المشاركات: n/a
افتراضي

هل يلزم متابعة المأموم لجميع السنن التي يفعلها الإمام .. كرفع اليدين مع التكبير للركوع , وبعد القيام للركعة الثالثة وغيرها من السنن ؟
  #10  
قديم 14-06-04, 03:42 PM
زياد الرقابي زياد الرقابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-02
المشاركات: 2,941
افتراضي

فيما يتلعق بمتابعة المأموم للامام في السنن .



شيخ الاسلام رحمه الله يرى أن السنن تنقسم الى قسمين :

سنن أذا فعلها المأموم لايصير بينه وبين امامه اختلاف ، من السنن القولية : مثل البسملة في اول القراءة وغيره ، أو الفعليه : مثل القبض باليمنى على اليسرى .


وسنن اذا فعلها المأموم لم يتابع امامه متابعة تامة وصار بينهما اختلاف في الصفة .

ومنها جلسة الاستراحة .

فالقسم الاول من السنن المأموم مخير بين الفعل والترك .

والقسم الثاني ينبغى على المأموم ان يتابع فيه الامام فعلا وتركا .


ولايحضرني موقع كلامه والامثلة من عندي .

والله أعلم .
 

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:16 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.