ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > أرشيف لمواضيع قديمة

الملاحظات

 
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 26-02-05, 09:37 AM
أهل الحديث
 
المشاركات: n/a
افتراضي قريبا بإذن الله تعالى اللقاء مع الشيخ الدكتور علي بن عبدالله الصيّاح

سيبدا اللقاء قريبا بإذن الله تعالى مع الشيخ علي بن عبدالله الصيّاح حول علم الحديث وما يتعلق به

ونسال الله أن يجزي الشيخ خيرا على موافقته على اللقاء ، وأن يجعل هذا اللقاء نافعا لطلاب العلم الشرعي.

وهذه ترجمة للشيخ كتبها الشيخ عبدالرحمن بن صالح السديس المشارك معنا في الملتقى

ترجمة مختصرة لفضيلة الشيخ الدكتور علي الصياح
الاسم ، والنسب:
علي بن عبد الله بن شديد الصياح ويرجع نسبه إلى قبيلة مطير.
ميلاده ، ونشأته :
ولد: في عام 1388 من الهجرة النبوية في مدينة الرياض، وبها نشأ ، وتعلم ، أما الموطن الأصلي ، فمنطقة القصيم.
طلبه للعلم :
بدأ الشيخ علي بطلب العلم مبكرا ، ولازم الشيخ عبد الرحمن البراك ، والشيخ عبد الله السعد مذ كان عمره أربعة عشر عاما ،
كما أنه أتم حفظ القرآن ، وعمره ستة عشر عاما على الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن التويجري إمام جامع حي الفاروق في ذلك الوقت ، والمدرس بالمعهد العلمي بالرياض ، وقرأه كذلك على الشيخ الدكتور صلاح عبد المقصود ، والشيخ محمد نذير خان الهزاروي- رحمه الله - .
شيوخه :
تلقى الشيخ علي العلم من جموع من العلماء مما كان له بالغ الأثر في تحصيله ، وكان من أبرزهم:
الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز –رحمه الله-.
والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين–رحمه الله-.
والشيخ: صالح العلي الناصر–رحمه الله-.
والشيخ: إسماعيل الأنصاري- رحمه الله -، وقد أجازه.
والشيخ: صالح الفوزان-حفظه الله-.
والشيخ: عبد الله الجبرين-حفظه الله-.
والشيخ: عبدالرحمن البراك-حفظه الله-.
والشيخ: عبدالعزيز الراجحي-حفظه الله-.
والشيخ: عبد الله السعد-حفظه الله-، وقد أجازه.
والشيخ: سعد الحميد-حفظه الله-.
والشيخ: حسن حفظي-حفظه الله- في اللغة وعلومها.
وغيرهم من أهل العلم .
ولكن أبرز الشيوخ الذين لازمهم ، وقرأ عليهم كثيراً ، ولهم أثر كبير عليه :
الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك ، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد حيث لازم الشيخين منذ أن كان سنه أربعة عشر عاما ، وإلى الآن.


الدراسة النظامية :
درس المرحلة الابتدائية ، والمتوسطة ، والثانوية في مدارس وزارة المعارف ، ثم التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين- قسم السنة وعلومها في الرياض ، وتخرج منها في عام 1412هـ.
وفي الجامعة تتلمذ على جموع من المشايخ الفضلاء كالشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير ، والشيخ عبد العزيز التخيفي ، وغيرهم .
ثم درس مرحلة الماجستير في جامعة الملك سعود - كلية التربية- قسم الثقافة الإسلامية- شعبة التفسير والحديث - ، وكانت أطروحة الماجستير عنوانها : "يعقوب بن شيبة السدوسي آثاره ، ومنهجه في الجرح والتعديل"، وتخرج عام 1418هـ.
أما الدكتوراه ففي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- كلية أصول الدين- قسم السنة وعلومها- ، وكان عنوان رسالته " كتاب العلل لابن أبي حاتم تحقيق وتخريج ودراسة من أول المسألة رقم 1089 إلى نهاية المسألة رقم 1239"، ونوقشت الرسالة في عام 1422هـ ، ومنح درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى .
المؤلفات العلمية
1- تحقيق ودراسة " الجزء العاشر من مسند يعقوب بن شيبة".طبع.
2- "جهود المحدثين في بيان علل الحديث" طبع.
3- "قَصَصٌ وَنَوادرٌ لأئمةِ الحديثِ المُتقدّمين في تتبعِ سُنّةِ سيّدِ المُرْسلين والذبِّ عنها" طبع.
4- "إِشْكَالٌ وَجَوَابُه فِي حَدِيثِ أُمِّ حَرَام بِنْتِ مِلْحَانَ" طبع.
5- "الدَّاعِيَةُ البَصِير..أخلاقُهُ وَصفاتُهُ وَمنهجُهُ في ضوءِ الكِتابِ والسُّنةِ الصحيحة" طبع.
6- «مِنْ سِيَرِ عُلَماءِ السلفِ عِنْدَ الفتنِ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ نَمُوذَجَاً» طبع.
7- "أحاديث تعظيم الربا على الزنا دراسة نقدية" طبع .
8- "يعقوب بن شيبة السدوسي آثاره ومنهجه في الجرح والتعديل"- الماجستير -، وهي تطبع حالياً بعنوان «الموسوعة العلمية الشاملة عن الإمام الحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي» حيث ضمّ إليها عدداً من الأعمال العلمية المتعلقة بيعقوب بن شيبة .
9- "المنهج العلمي في دراسة الحديث المعل" بحث محكم في جامعة الإمام محمد بن سعود.
10- " الثِّقَاتُ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا وَقْفَ الْمَرْفُوعِ أو إِرْسَالَ الْمَوْصُولِ" بحث محكم في الجامعة الإسلامية.
11- تحقيق" مُلَخَّصٌ مِنْ مُسْنَدِ أبي يوسف يَعْقُوب بنِ شَيْبَةَ بنِ الصَّلْتِ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّاب" للكاملي (ت835) تحت الطباعة.
12- "هَكَذَا حَجَّ الصَّالِحُونَ...!" تحت الطباعة، وأصله برنامج بثّ في إذاعة القرآن.
(وهذه ستكون سلسلة تدخل فيها بقية العبادات: "الصلاة" و" الصيام" ونحو ذلك).
13-" المدخل إلى الثقافة الإسلامية " مقرر لطلاب الجامعة ، بالاشتراك مع بعض زملائه .

النشاط العلمي:
للشيخ علي جهود مشكورة في نشر العلم في الداخل ، كما شارك في عدد من الدورات العلمية في بعض دول أوربا ، وأفريقية ، وغيرها .

العمل الرسمي:
هو الآن أستاذ مساعد بقسم الثقافة الإسلامية –كلية التربية - جامعة الملك سعود بالرياض .
وكلف بتدريس طلاب الدراسات العليا بقسم الثقافة الإسلامية ، وغيرهم من طلاب الجامعة .
وفي ترجمة الشيخ أمور حسنة كثيرة تركتها مراعاة للشيخ ، نسأل الله له التوفيق ، والسداد ، وأن ينفع به العباد .
حرر في 17/ 1/ 1426هـ .
  #2  
قديم 26-02-05, 09:38 AM
أهل الحديث
 
المشاركات: n/a
افتراضي

دراسات في الشريعة
كيف يكون قلبك إذا اجتمع الناس حولك .. ؟!
د. علي بن عبد الله الصياح[*]
aliasayah@maktoob.com

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ يُوسف الأَصْبَهَانِيّ [1] لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ [2] :
« حَدِّثِ النَّاسَ وَعَلِّمهُم ، وَلكن انظرْ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَكَ كَيْفَ يَكُونُ قَلْبكَ ؟ »
[3] .
وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : كنتُ أجلسُ يومَ الجُمُعة في مَسْجِدِ الْجَامِعِ ،
فيجلس إليَّ النَّاس ؛ فإذا كَانوا كثيراً فَرحتُ ، وإذا قَلُّوا حَزنتُ ، فسألتُ بشرَ بنَ
منصور [4] ، فَقَالَ : هَذا مجلسُ سوء لا تعدْ إليه ، قَالَ : فَمَا عُدتُ إليهِ .
وقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يوماً وقام من المجلس وتبعه الناس فَقَالَ : يَا قومِ ! لا
تطؤوا عَقبي ، ولا تمشوا خَلْفي ، وَوَقَفَ فَقَالَ : حَدّثَنا أبو الأشهب عَن الحَسَنِ قَالَ :
قَالَ عُمَرُ بنُ الخطّاب : إنَّ خَفْقَ النّعالِ خَلْفَ الأحمق قلَّ مَا يبقي مِنْ دِينهِ [5] .
وقال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - : « أَخِّرُوا عَلَيَّ خَفْقَ نِعَالِكُمْ ؛
فإنها مُفْسدةٌ لِقُلُوبِ نَوْكَى [6] الرِّجَال » [7] .
إنَّ المُسْلمَ وَخَاصةً العالِم المُرَبّي ، والدّاعية لأنَّهُما عُرْضةٌ لخَفْق النّعالِ خَلْفَهُما
أكثر مِنْ غَيرهِما بحاجةٍ مُلحة لتفقد قلبه وما يَرِدُ عَليهِ مِنْ خَطَرات وأفكار وهواجس ؛
فالقلبُ إنَّما سُمي قلباً لكثرة تقلبهِ .
والمُسْلمُ الفطن لدينه يستشعرُ قَوْلَهُ تَعَالَى : ] وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ
وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ ( الأنفال : 24 ) إنَّ هذه الآية تستوجب اليقظة الدائمة ،
والحذر الدائم ، والاحتياط الدائم ؛ اليقظة لخلجات القلب ، والحذر من كل هاجسة
فيه وكل ميل مخافةَ أن يكون انزلاقاً ، والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف
والهواجس . كما تستوجب التعلق الدائم بالله سبحانه مخافة أنْ يقلّب هذا القلب في
سهوة من سهواته .
إنَّ هذه الآية تهز القلب حقاً ، ويجد لها المؤمن رجفة في نفسه حين يخلو إليها
لحظات ناظراً إلى قلبه الذي بين جنبيه ، وهو في قبضة الواحد القهار ، وهو لا
يملك من تصريف قلبه شيئاً ، وإن كان يحمله بين جنبيه .
وقد كَانَ أكثر حَلف النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم : لا ، ومقلب القلوب . قَالَ
البخاريُّ في صَحيحهِ [8] : بَاب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ] وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
وَأَبْصَارَهُمْ [ ( الأنعام : 110 ) ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمر قَالَ : « أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم يَحْلِفُ : لا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ » .
وعَنْ أَنَس بنِ مَالك قَالَ : « كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ :
يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ، قَالَ : فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! آمَنَّا بِكَ وَبِمَا
جِئْتَ بِهِ ؛ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : فَقَالَ : نَعَمْ ! إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَلِّبُهَا » [9] . فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذلك وهو
سيّد الخلق ؛ فكيف بالناس وهم غير مرسلين ولا معصومين ؟!
ولذا كان مِنْ دعاء الراسخين في العلم : ] رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ [ ( آل عمران : 8 ) .
وقد تفاوت الفضلاء في العناية بهذا الجانب أعني ملاحظة القلب وما يَرِدُ عليه :
1- فصنفٌ لا يلتفت لهذا أصلاً ، وكأنه في مأمنٍ من هذه الخطرات
والواردات ، بل ربما عدَّ الخوف من هذا والعناية به ضرباً من الوسوسة والتنطع .
وهذا التصور فيهِ غفلةٌ عن نصوص الكتاب والسنة التي تبين أهمية القلب ،
وأنَّ عليه مدارَ القولِ والعملِ . وفي الحَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى
قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ » [10] .
وأدلُّ شيءٍ عَلَى أهميةِ العنايةِ بالقلب وأحوالهِ قولُه صلى الله عليه وسلم :
« أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ
كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ » [11] .
وفي الأثرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : « الْقَلْبُ مَلِكٌ ، وَلَهُ جُنودٌ ؛ فَإذا صَلَحَ المَلِكُ
صَلَحَتْ جُنُودُهُ ، وإذا فَسَدَ المَلِكُ فَسَدَتْ جُنُودُهُ » [12] .
كمَا أنَّهُ فيهِ غفلةٌ عن سير الصحابة والتابعين والعلماء المحققين الذين كانت
لهم عناية عظيمة بجانب الإخلاص والصدق والخوف من الرياء والنفاق .
قال البُخاريُّ في صَحيحهِ [13] : بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لا
يَشْعُرُ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ : مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ
مُكَذِّبًا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَ مِيكَائِيلَ .
وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ : مَا خَافَهُ إِلا مُؤْمِنٌ ، وَلا أَمِنَهُ إِلا مُنَافِقٌ ، وَمَا يُحْذَرُ مِنْ
الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ] وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى
مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ ( آل عمران : 135 ) .
قال ابنُ رَجَب : « كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على
أنفسهم النفاق ، ويشتد قلقهم وجزعهم منه ، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر ،
ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر . كما تقدم أنَّ
دسائس السوء الخلفية توجب سوء الخاتمة » [14] .
وتجد عند بعض هذا الصنف من الجرأة في إظهار النفس ، وحب الشهرة ما
يعجب منه الناظر ، وقد قالَ إبراهيمُ بنُ أدهم : « مَا صَدَقَ اللهَ عَبْدٌ أحبَّ الشهرة »
[15] :
- فمنهم من يسجل تلاوته ليُعرف [16] .
- ومنهم من يكتب ويؤلف ليشتهر .
- وربما يحزن هذا الصنف إذا رأى فلاناً يحضر عنده المئات والألوف من
النّاس ، وهو لا يحضر عنده إلاّ عددٌ قليل ، وربما وَقَعَ في الحسد المحرم ، ورُبّما
استعدى عليه الولاة كما وقع ذلك من خصوم شيخ الإسلام ابنِ تيمية . قال الشيخُ
بكر أبو زيد مبيناً ذلك : « ولمَّا بلغ - رحمه الله - الثانية والثلاثين من عمره وبعد
عودته من حجته ، بدأ تعرضه - رحمه الله - لأخبئة السجون ، وبلايا الاعتقال ،
والترسيم عليه الإقامة الجبرية خلال أربعة وثلاثين عاماً ، ابتداء من عام 693هـ
إلى يوم وفاته في سجن القلعة بدمشق يوم الاثنين 20/11/728هـ ، وكان سجنه
سبع مرات : أربع مرات بالقاهرة و بالإسكندرية ، وثلاث مرات بدمشق ، وجميعها
نحو خمس سنين ، وجميعها كذلك باستعداء السلطة عليه من خصومه الذين نابذ ما
هم عليه في الاعتقاد والسلوك والتمذهب عسى أنْ يفتر عنهم ، وأنْ يُقصر لسانه
وقلمه عمَّا هم عليه ، لكنه لا يرجع » [17] .
- وهذا المُعجب لا يقنع بأن يكونَ عضواً في لجنة ، بل لا بدَّ أن يكون رئيساً
يُرجع إليه في هذه اللجنة . فليتنبه الدعاة الفضلاء الذين يتنافسون على رئاسة
المراكز الإسلامية لهذا المدخل على قلوبهم ، والذي ربما كان على حساب دينهم
وقلوبهم ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ إبراهيم الكَرْجيّ [18] ، يَقولُ لسبط أخيهِ والنّاس ينتابون
بابه على طبقاتهم لسؤدده : يا أسفي على ابن أبي القاسم ! سَالَ بهِ السيلُ أينَ هُوَ
والحالة هذه مِنْ دِينهِ ؟ وكان يقولُ إذا خلا بهِ : يا بنيَّ ! عليك بدينك ؛ فإن خَفْقَ
النّعالِ خَلْفَ الإنسان وعلى بَابِ دَارهِ مَعَاول تهدم دينه وعقله [19] .
- ورأيه هو الصواب المعتمد ، ورأي غيره خطأ دائماً .
- وأيّ كتابٍ أوْ مَقال يُعْرضُ عليه : ضعيف .
- وأي محاضرة : هزيلة .
- وأيّ عالمٍ أو طالبِ علمٍ أو داعيةٍ : منهجه كيتَ وكيت .. ، عنده قصور في
كذا وكذا .. مِنْ غيرِ عَدلٍ ولا نَصَفة .
فهو لا يبقي ولا يذر .
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ : « كُنْتُ عِنْدَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وعنده رَجلٌ ،
تخوَّفتُ إنْ قمتُ مِنْ عنده أنْ يَقَعَ فيَّ ، قَالَ : فَجَلَستُ حَتى قَامَ ؛ فَلمَّا قَامَ ذَكرتُهُ
لإيَاس قَالَ : فَجَعَلَ يَنْظر في وَجهي ، وَلا يقولُ لي شيئاً حَتى فَرغتُ ، فَقَالَ لي :
أغزوتَ الدَّيْلمَ ؟ قُلتُ : لا ، قَالَ : فغزوتَ السِّند ؟ قُلتُ : لا ، قَالَ : فغزوتَ الهند ؟
قُلتُ : لا ، قَالَ : فغزوتَ الرُّوم ؟ قُلتُ : لا ، قَالَ : يَسْلمُ مِنْكَ الدَّيلم والسِّند والهند
والرُّوم ، وَلَيسَ يَسْلمُ مِنْكَ أَخُوكَ هذَا ؟!! قَالَ : فلمْ يَعُدْ سُفْيَانُ إلى ذاكَ » [20] .
2 - وصنفٌ بالغَ في الحذر والتحري حتى وصل به الأمر إلى ترك بعض
العبادات والعمل ، وربما حصل لهذا الصنف نوعٌ من الوسوسة ، وقد قال بعضُ
العلماء : الوسوسة إنما تحصل للعبد من جهل بالشرع أو خبل في العقل ، وكلاهما
من أعظم النقائص والعيوب .
قال ابنُ رَجَب : « والقدرُ الواجبُ مِن الخَوفِ مَا حَمَلَ عَلَى أداءِ الفَرائضِ
وَاجتنابِ المَحَارمِ ؛ فَإنْ زَادَ عَلَى ذَلكَ بحيث صَارَ بَاعِثاً للنّفوسِ عَلَى التشميرِ في
نوافل الطاعاتِ وَالانكفافِ عَنْ دقائق المكروهاتِ وَالتبسطِ في فُضولِ المُبَاحاتِ كَانَ
ذَلكَ فَضْلاً مَحْموداً ، فَإنْ تَزايدَ عَلَى ذَلكَ بأنْ أورثَ مَرَضاً أوْ مَوتاً أوْ هَمّاً لازماً
بحيث يَقْطعُ عَنْ السّعي في اكتسابِ الفضائلِ المطلوبةِ المحبوبةِ لله عز وجل لم يكنْ
مَحْموداً ... ، والمقصودُ الأصلي هُوَ طاعةُ الله عز وجل وَفعل مراضيه ومحبوباته ،
وترك مناهيه ومكروهاته ، وَلا نُنكر أنَّ خشيةَ اللهِ وَهيبته وعظمته في الصدور
وإجلاله مقصودٌ أيضاً ، ولكن القدر النافع من ذلكَ مَا كَانَ عوناً عَلى التقرب إلى الله
بفعل ما يحبه ، وترك ما يكرههُ ، وَمَتى صَارَ الخوفُ مانعاً مِنْ ذلكَ وقاطعاً عنه فَقد
انعكس المقصود منه ، وَلكنْ إذَا حَصَلَ ذَلكَ عَنْ غَلَبة كَانَ صاحبه مَعْذوراً » [21] .
3 - وصنفٌ توسط واعتدل فلم يُغِفل هذا الجانب ، وكذلك لم يبالغ في الحذر ،
بل يعملْ ويدعُ ، ويتحرز من تقلُّب القلب ؛ فهو دائماً يدعو : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ
قَلْبِي عَلَى دِينِكَ . وَمِنْ عَلاَمةِ هذا الصنف أنَّه لا يبالي إذا ظَهَرَ الحق والخير على
لسان مَنْ كان . قال الإمام الشافعي : « ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفَّقَ ويُسدَّد
ويُعان ، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبالِ بَيّنَ الله الحق على لساني أو لسانه » [22] ،
وقال أيضاً : « ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ » .
فأسأل الله تعالى مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ أنْ يثبتَ قَلْبِي وَقَلْبَكَ عَلَى دينهِ ، وأنْ لا يزيغه
عَنْ سبيل الهدى والإيمان بعد أنْ هداه .
________________________
(*) قسم الثقافة الإسلامية ، كلية التربية ، جامعة الملك سعود بالرياض .
(1) من عُبّاد أهل البصرة وقرائها ، يروي الرقائق ، ويروى عنه في الورع الحكايات الكثيرة ، وكان
ابن المبارك يسميه عروس الزّهاد ، قال الذهبيُّ : (الزاهد العابد القدوة -- عروس الزّهاد) ، قال ابنُ
مَهْدِيّ : كَتَبَ أخو مُحَمَّدُ بنُ يُوسف إلى أخيه يشكو إليه جور العمّال ، فكتب إليه مُحَمَّدُ : يا أخي !
بَلَغني كِتابك ، وإنه ليسَ ينبغي لمن عَمِلَ بالمعصيةِ أنْ ينكرَ العقوبة ، وما أرَى ما أنتم فيه إلا من شؤم
الذنوب ، الثقات لابن حبان (9/74) ، طبقات المحدثين بأصبهان (2/24) ، حلية الأولياء (8/225)
، سير أعلام النبلاء (9/125) .
(2) هو : أبو سعيد البصري ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال ، والحديث قال ابن المديني : ما رأيت
أعلم منه ، مات سنة ثمان وتسعين ومائة ، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة ، تقريب التهذيب (ص351) .
(3) حلية الأولياء (8/234) .
(4) هو : السليمي بفتح المهملة وبعد اللام تحتانية أبو محمد الأزدي ، من خيار أهل البصرة وعُبَّادهم
، قال الذهبيُّ : (الإمام المحدث الرباني القدوة --) ، قال غسان بن الفضل : كان بشر بن منصور من
الذين إذا رؤوا ذُكِرَ الله ، وإذا رأيت وجهه ذكرت الآخرة ؛ رجل منبسط ليس بمتماوت ، ذكي فقيه ،
وقال أسيد بن جعفر : بشر بن منصور ما فاتته التكبيرة الأولى قط ، ولا رأيته قام في مسجدنا سائل
قط فلم يُعطَ شيئاً إلا أعطاه ، مات سنة ثمانين ومائة ، الثقات لابن حبان (8/140) ، حلية الأولياء
(6/240) ، سير أعلام النبلاء (8/359) .
(5) حلية الأولياء (9/12) ، شعب الإيمان (2/310) .
(6) النُّوكُ : بالضم : الحُمْق ؛ والأَنْوَك : الأحمق ، وجمعه نَوْكَى ، قال الشاعرُ : ودَاءُ الجِسْمِ مُلْتَمِسٌ
شِفاءً / وداءُ النُّوكِ ليسَ له دَواءُ لسان العرب (10/501) ، وانظر : القاموس (ص1234) .
(7) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (1/548) ، الدارمي في سننه (1/144) ، المدخل إلى السنن
الكبرى للبيهقي (ص 319) .
(8) (6/2691 رقم 6956) .
(9) أخرجه : الترمذي (2140) ، و أحمد بن حنبل في المسند (3/112) وغيرهما ، قال الترمذيّ :
(وَفِي الْبَاب عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ وَ أُمِّ سَلَمَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَ عَائِشَةَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ،
وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَنَسٍ ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ أَبِي
سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَحَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَنَسٍ أَصَحُّ) ، وإسنادهُ قويّ
، وللحديث شواهد تقويه .
(10) أخرجه : مسلم في صحيحه (4/1987 رقم 2564) .
(11) أخرجه : البخاري في صحيحه (1/28 رقم 52) ، ومسلم في صحيحه (3/1219 رقم 1599)
من حديث النُّعْمَان بْنِ بَشِيرٍ .
(12) أخرجه : معْمَر في جامعه ضمن مصنف عبد الرزاق (11/221 رقم 20375) ، و البيهقيّ في
شعب الإيمان (1/133) ، وإسنادهُ جيّد .
(13) (1/26) .
(14) جامع العلوم والحكم (1/58) .
(15) التاريخ الكبير للبخاريّ (4/363) .
(16) نعم ! ربما يكون هناك من يكون مقصده صحيحاً سليماً فيريد نفع الناس ، ورفع الجهل ، وهذا
مأجور على نيته ، ولكن مع ذلك عليه دوام المراقبة لقلبه ونواياه .
(17) الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيميّة (ص 28) .
(18) هو : أبو بكر العجلي الكرجي القَزوينيّ ، قَالَ عبدُ الكريم القَزوينيّ : (شيخٌ مُعمّر ، موصوفٌ
بالعلمِ والورع ، وفي بيته أئمة مقدمون ، وإليهم إمامة لجامع العتيق بقزوين) ، التدوين في أخبار
قزوين (1/148) .
(19) التدوين في أخبار قزوين (1/149) .
(20) شعب الإيمان (5/314) ، تاريخ مدينة دمشق (10/18) ، قلتُ : وهذا أسلوبٌ تربويٌّ عميق
ولطيفٌ ، ولكَ أنْ تتصور أخي الكريم حالنا لو فعلنا كما فعل إياس عند مَنْ جعَلَ أعراض الناس فاكهةً
له ، هل تراه يعود ؟! .
(21) التخويف من النار (ص : 20) .
(22) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص 326) ، حلية الأولياء (9/118) ، والفقيه والمتفقه
(2/26) .

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 200 ] صــ ‌ 22 ربيع الآخر 1425 ـ يونيو 2004 ))
  #3  
قديم 26-02-05, 09:39 AM
أهل الحديث
 
المشاركات: n/a
افتراضي

دراسات في الشريعة
هكذا حج الصالحون ..
د. علي الصياح
aliasayah@maktoob.com
أثناء جمعي لمادة هذا المَقَال مِنْ كتب الآثار والسير وغيرها ؛ كانت تمرّ عليّ
آثارٌ أجدني مضطراً للوقوف عندها طويلاً مُعْجباً ومندهشاً مما فيها :
- مِنْ فقهٍ سليمٍ لحقيقةِ الحجِ وَمقصدِهِ وَحكمتهِ وَغَايتهِ .
- ومِنْ قوةٍ في العَبادةِ ، وَصدقٍ في الالتجاء ، والانطراحِ بين يدي الربّ
سبحانهُ وَتعالى .
- ومِنْ صفاء أرواحٍ تستشعرُ قربها مِنْ الله في هذه الشعيرةِ العظيمةِ .
- ومِنْ إخاء ومحبة وبذل وعطاء ...
وَمَا مَثَلي وَمَثل هذه الآثار إلاّ كرجلٍ دَخَلَ حَدِيقَةً ذات بهجة ، تأسر الناظر
بكثرة ورودها المتنوعة ، ورائحتها الجميلة ، ويحتار المرء فيما يختار من هذه
الورود التي فيها .. فالكلّ جميل ، وإنْ كان بعضها أفضل من بعض .
وأنتَ واجدٌ هذا الاستشعار لحكمة الحج من لدن سلفنا الصالح منذ أوَّل لحظة
يُحْرمون فيها بالحج .. إلى أن يطوفوا طواف الوداع .
وكلٌّ يتعبد الله بما يُسّر له بما لا يخرج عن دائرة اتباع هدي رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وكذلك صحابته الكرام .
فمن السلف من يُسِّر له الصلاة .. ومنهم من يُسِّر له الإكثار من الحج والعمرة ،
ومنهم من يُسِّر له الذكر والدعاء ... والعلم .. والدعوة .. والبكاء من خشية الله ..
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا يعود إلى فقه المرء بنفسه وطاقتها
وميلها .. وهذا الفقه مطلوبٌ شرعاً .
وأعظم ما تلمس في هذه الآثار الواردة في الحجّ :
- عنايةُ السّلف بالتوحيدِ .... ونبذ الشرك :
نعم ! لا فائدة من حجٍّ لا يقوم على التوحيد .. ونبذ الشرك ..
إنّ مَنْ يقول وهو متلبس بشعيرة من أعظم الشرائع : « مَدَداً يا رسولَ الله »
أو « مَدَداً يا علي » .. أو يذبح لغير الله ، ويتوسل بالأولياء والصالحين ..
ويدعوهم من دون الله .. لم يستشعر أنّ الحج شُرع في الأصل لتوحيد الله عز وجل ،
قَالَ تعالى : ] وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [ ( الحج : 26 ) .
فللتوحيدِ أُقيمَ هذا البيت مُنذُ أوَّل لحظة عرَّف الله مكانه لإبراهيم - عليه
السلام - ، وملَّكه أمره ليقيمه على هذا الأساس : ] أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [ .
وقال تعالى في سياق آيات الحج : ] حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [
( الحج : 31 ) .
وفي القرآن الكريم سورة تُسمّى « سورة الحج » ، كلها تتحدث عن التوحيد
والعبادة ، ونبذ الشرك بجميع صوره ، وتنعى على أولئك الذين يعبدون غير الله
تعالى ، أو يدعون من دونه ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، بل يدعون مَن ضَرُّه أقرب
من نفعه .
وفي حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - : « ثم أهلَّ بالتوحيد : لبيك
اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك
لبيك » [1] .
ومما يُشرَعُ في يوم عرفة الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاصٍ وصدقٍٍ ، ففي
حَدِيثِ عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قَالَ : كانَ أكثر دعاء رسول الله صلى الله
عليه وسلم يوم عرفة : « لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ،
بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير » [2] .
ومما تلمس في هذه الآثار أيضاً :
- تعظيم حرمات الله :
وهذا التعظيم امتثال لأمر الله عز وجل في قوله في سياق آيات الحج : ] ذَلِكَ
وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّه [ ( الحج : 30 ) . فهل عظَّم حرمات
الله من واقعها وفي الحج أيضاًَ ؟!
كم نرى في الحج من أخلاق وأفعال لو صدرت من غير الحاج لاستُنكرت ؛
فكيف بالحاج ؟!
فيا حجاجَ بيتِ الله ! حُجّوا كَما حَجَّ الصالحون ؛ بدءاً من إمامِ الصالحين
المتقين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم صحابته الكرام ، ومن تبعهم بإحسان
من سلفنا الصالح ..
لا أطيل عليك - أيها القارئ الكريم - وأدعك تعيش مع حج الصالحين ...
علّك تضع لك منهجاً علمياً وعملياً مستفيداً من سِيَر هؤلاء الصالحين وأخلاقهم
وأعمالهم ...
1 - قَالَ مجاهد : قَالَ رجلٌ عند ابنِ عُمر ما أكثرَ الحاج ! فقالَ ابنُ عمر : ما
أقلهم ! قَالَ : فرأى ابنُ عُمَر رَجلاً عَلى بعيرٍٍ عَلى رَحلٍٍ رَثٍّ خطامه حبل ، فَقَالَ :
لعلَّ هذا [3] .
2 - قَالَ الجريري : أحرم أنس بن مالك من ذات عرق ، قَالَ : فما سمعناه
متكلماً إلا بذكر الله حتى حلّ ، فَقَالَ له : يا ابن أخي هكذا الإحرام [4] .
3 - قَالَ منصور بن المعتمر : « كَانَ شُرَيح هو : ابن الحارث القاضي إذا
أحرمَ كأنَّه حَيةٌ صمَّاء » [5] .
قَالَ ابن قدامة تعليقاً على قول أبي القاسم الخرقي : « ويستحب له قلة الكلام
إلا فيما ينفع ، وقد روي عن شريح أنه كان إذا أحرم كأنه حية صمّاء » : ( وجملة
ذلك أن قلة الكلام فيما لا ينفع مستحبة في كل حال صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع
في الكذب وما لا يحل ، فإنَّ مَنْ كثر كلامه كثر سقطه . وهذا في حال الإحرام أشدُّ
استحباباً ؛ لأنه حال عبادة واستشعار بطاعة الله عز وجل فيشبه الاعتكاف ، وقد
احتج أحمد على ذلك بأن شريحاً - رحمه الله - كان إذا أحرم كأنه حية صماء ،
فيُستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية وذكر الله تعالى ، أو قراءة القرآن ، أو أمر
بمعروف أو نهي عن منكر ، أو تعليم لجاهل ، أو يأمر بحاجته أو يسكت ، وإن تكلم
بما لا مأثم فيه أو أنشد شعراً لا يقبح فهو مباح ولا يُكْثِر ) [6] .
4 - قَالَ أبو إسحاق السبيعيّ : « حَجّ مَسروقٌ هو : ابن الأجدع فَمَا نَامَ إلاّ
سَاجداً » [7] .
قَالَ ابنُ مفلح : « باتَ عند الإمام أحمد رجلٌ فَوَضع عنده ماء ، قالَ الرجلُ :
فلم أقمْ بالليل ، ولم أستعمل الماء ، فلمَّا أصبحتُ قال لي : لِمَ لا تستعمل الماء ؟
فاستحييتُ وسكتُ ، فقالَ : سبحان الله ! سبحان الله ! ما سمعت بصاحب حديثٍ لا
يقوم بالليل . وجرت هذه القصة معه لرجلٍ آخر ، فقال : أنا مسافر ، قالَ : وإن
كنت مسافراً ، حَجَّ مسروقٌ فما نام إلاّ ساجداً . قال الشيخ تقيّ الدين : فيه أنه يُكره
لأهل العلم ترك قيام الليل ، وإن كانوا مسافرين » [8] .
5 - قَالَ محمد بن سوقة عن أبيه أنه حَجّ مَعَ الأَسْود ، فكان إذا حضرت
الصلاة أناخ ولو على حجر ، قَالَ : وَحَجَّ نيفاً وَسبعينَ [9] .
6 - وقالَ ضمرةُ بنُ ربيعة : « حَججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة ،
فما رأيته مضطجعاً في المحمل في ليل ولا نهار قط ، كان يصلي ، فإذا غلبه النوم
استند إلى القتب » [10] .
7 - قَالَ الربيع بن سليمان : حججنا مع الشافعي ، فما ارتقى شرفاً ولا هبط
وادياً إلا وهو يبكي وينشد :
يا راكباً قف بالمحصب من منى واهتف بقاعد خيفنا والناهضِ
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائضِ
إن كان رفضاً حب آل محمدِ فليشهد الثقلان أني رافضي [11]
8 - قَالَ خيثمة : « كَانَ يعجبهم أن يموتَ الرجلُ عند خير يعمله ؛ إما حج ،
وإما عمرة ، وإما غزوة ، وإما صيام رمضان » [12] .
9 - قَالَ ابنُ المبارك : جئتُ إلى سفيان الثوري عشية عرفة ، وهو جاثٍ
على ركبتيه ، وعيناه تهمِلان ، فالتفت إليَّ ، فقلت له : مَنْ أسوأ هذا الجمع حالاً ؟
قَالَ : الذي يظنُّ أن الله لا يغفر لهم [13] .
10 - وروي عن الفُضَيل أنه نظر إلى نشيج الناس وبكائهم عشيَّة عرفة ،
فقال : أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانِقاً - يعني : سدس درهم -
أكان يردُّهم ؟ قالوا : لا . قَالَ : والله ! لَلْمغفرة عند الله أهون من إجابة رجلٍ لهم
بدانِق .
وكان للسلف عناية بكثرة الحج :
11 - قَالَ إبراهيمُ النخعيّ عن الأسود بن يزيد قَالَ قَالَ عبدُ الله بنُ مسعود :
« نُسُكان أحبّ إليَّ أنْ يكونَ لكل واحدٍ منهما : شعثٌ وسفرٌ » ، قَالَ : فسافر
الأسود ثمانين ما بين حجة وعمرة لم يجمع بينهما ، وسافر عبد الرحمن بن الأسود
ستين ما بين حجة وعمرة لم يجمع بينهما [14] .
12 - وقال ابنُ شوذب : « شهدتُ جنازة طاوس بمكة سنة ست ومائة ،
فسمعتهم يقولون : رحمك الله يا أبا عبد الرحمن ! حَجَّ أربعين حجة » [15] .
13 - قَالَ أبو إسحاق السبيعيّ : « جمع الأسود بن يزيد بين ثمانين حجة
وعمرة ، وجمع عمرو بن ميمون بين ستين حجة وعمرة » [16] .
14 - قَالَ الحسنُ بنُ عمران - ابن أخي سفيان بن عيينة - : حججتُ مع
عمي سفيان آخر حجة حجَّها سنة سبع وتسعين ومائة ، فلمَّا كنا بجمع وصلى
استلقى على فراشه ثم قَالَ : قد وافيتُ هذا الموضعَ سبعين عاماً ، أقولُ في كلّ سنة :
اللهم ! لا تجعله آخر العهد من هذا المكان ، وإني قد استحييتُ مِنْ الله من كثرة ما
أسأله ذلك ، فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت أول يوم من رجب سنة ثمان
وتسعين ومائة ، ودُفن بالحجون ... وتوفي وهو ابن إحدى وتسعين سنة [17] .
وممن ذُكر أنه حجّ أكثر من أربعين حجة : سعيد بن المسيب [18] ، عطاء بن
أبي رباح [19] ، و محمد بن سوقة [20] ، و بكير بن عتيق [21] ، و ابن أبي عمر
العدني [22] ، سعيد بن سليمان [23] ، جعفر الخلدي [24] ، العباس بن سمرة أبو
الفضل الهاشمي [25] ، و أيوب السختياني [26] ، و همام بن نافع [27] .. وغيرهم
كثير .
ومن المعاصرين سماحة الشيخ : عبد العزيز بن باز - عليه رحمة الله -
وغيره .
قلتُ : والأصلُ أنَّ كثرةَ الحج والعمرة مرغبٌ فيها شرعاً ، ففي حديث عبد
الله بن مسعود قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تابعوا بين الحج
والعمرة ؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ،
وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة » [28] .
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : « مَنْ حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه »
[29] .
وعنه - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : « العمرة
إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة » [30] .
وقال أبو غالب : قَالَ لي ابنُ عباس - رضي الله عنهما - : « أَدْمِن
الاختلافَ إلى هذا البيت ، فإنك إنْ أدمنتَ الاختلافَ إلى هذا البيت ؛ لقيتَ الله عز
وجل وأنت خفيف الظهر » [31] .
فيا أخي : لا تغلب على الحج إلاّ من عُذر ، فالعمر قصير ، والفُرص لا
تعوّض ، وهذا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم والصالحين وحسبك !
نعم ! ربما يكون هناك مصالح تقتضي عدم الإكثار من الحج ، ولكن هذه
المصالح لا يقررها إلاّ العلماء العارفون بالكتاب والسنّة .
________________________
(1) رواه مسلم .
(2) رواه : الترمذي في سننه ، (5/572) ، رقم (3585) ، وأحمد بن حنبل في مسنده ، (2/ 210)
، وقال الترمذي : (هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه ، و حماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد ،
وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني ، وليس بالقوي عند أهل الحديث) ، قلتُ : وللحديث شواهد لعله
يتقوَّى بها ، وخاصةً أنَّ الحديث في باب الترغيب .
(3) أخرجه : عبد الرزاق في المصنف ، (5/19) .
(4) الطبقات الكبرى ، (7/22) .
(5) الطبقات الكبرى ، (6/141) .
(6) المغني ، (3/135) .
(7) الطبقات الكبرى ، (6/79) ، مصنف ابن أبي شيبة ، (7/148) ، مسند ابن الجعد ، (1/ 79) ،
حلية الأولياء ، (2/95) .
(8) الآداب الشرعية ، (2/169) .
(9) الطبقات الكبرى ، (6/72) .
(10) تاريخ مدينة دمشق ، (35/195) ، سير أعلام النبلاء ، (7/119) .
(11) سير أعلام النبلاء ، (10/58) .
(12) حلية الأولياء ، (4/115) .
(13) حسن الظن بالله ، (ص92) .
(14) مصنف ابن أبي شيبة ، (3/291) .
(15) العلل ومعرفة الرجال ، (2/463) .
(16) الثقات ، لابن حبان ، (4/31) ، مصنف ابن أبي شيبة ، (7/157) ، التاريخ الكبير ، لابن أبي
خيثمة ، (3/62) .
(17) الطبقات الكبرى ، (5/497) ، المجالسة ، للدينوري ، (3/218) .
(18) حلية الأولياء ، (2/164) .
(19) تاريخ ابن معين ، (رواية الدوري) ، (3/276) .
(20) حلية الأولياء ، (5/6) .
(21) الطبقات الكبرى ، (6/347) .
(22) سير أعلام النبلاء ، (12/97) .
(23) ميزان الاعتدال ، (3/208) .
(24) تاريخ بغداد ، (7/230) .
(25) تاريخ مدينة دمشق ، (26/253) .
(26) حلية الأولياء ، (3/5) ، سير أعلام النبلاء ، (6/21) .
(27) التاريخ الكبير ، للبخاريّ ، (8/237) ، الثقات ، لابن حبان ، (7/586) .
(28) أخرجه : الترمذيّ في سننه كتاب الحج ، باب : ما جاء في ثواب الحج والعمرة ، و النسائي
في سننه كتاب الحج ، فضل المتابعة بين الحج والعمرة ، وابن أبي شيبة في المصنف ، و البزار ، و
أبو يعلى ، و ابن خزيمة و ابن حبان في صحيحيهما ، وغيرهم ، قَالَ الترمذي : (حديثُ ابن مسعود
حديثٌ حسن صحيح غريب) .
(29) رواه البخاري و مسلم و النسائي و ابن ماجه والترمذي ، إلا أنه قَالَ : (غفر له ما تقدم من
ذنبه) .
(30) رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .
(31) أخبار مكة ، (1/411) ، رقم (886) .

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 196 ] صــ ‌ 14 ذو الحجة 1424 ـ فبراير 2004 ))
  #4  
قديم 26-02-05, 09:40 AM
أهل الحديث
 
المشاركات: n/a
افتراضي

دراسات في الشريعة
القوة في العبادة
د. علي بن عبد الله الصياح[*]
ali1388a@maktoob.com
- قَالَ سعيدُ بنُ المُسَيّب - رحمةُ اللهِ عليهِ - : « مَا لقيتُ النَّاسَ منصرفين
مِنْ صلاةٍ منذُ أربعينَ سنة » [1] .
- وقَالَ أيضاً : « مَا دَخَلَ عليّ وقتُ صلاةٍ إلاّ وقد أخذتُ أهبتها ، ولا دَخَلَ
عليّ قضاء فرضٍ إلاّ وأنا إليه مشتاقٌ » .
- وقَالَ أيضاً : « مَا فاتتني التكبيرةُ الأولى منذُ خمسينَ سنة ، وما نظرتُ في
قَفَا رجلٍ في الصلاةِ منذُ خمسينَ سنة » .
- وقَالَ بُرْدُ مولى ابنِ المُسَيّب - رحمةُ اللهِ عليهِ - : « مَا نُودي للصلاةِ منذُ
أربعين سنة إلا وسعيدٌ في المسجد » [2] .
- وقَالَ رَبِيعةُ بنُ يزيد - رحمةُ اللهِ عليه - : « مَا أذّن المؤذنُ لصلاةِ الظهر
منذُ أربعين سنة إلا وأنا في المسجدِ ، إلاّ أنْ أكونَ مريضاً أو مسافراً » [3] .
- وقَالَ وَكِيعُ بنُ الجراح - رحمةُ اللهِ عليهِ - : « كَانَ الأعمشُ قَريباً مِنْ
سبعين سنةً لمْ تفتهُ التكبيرةُ الأولى ، واختلفتُ إليهِ قريباً مِنْ ستين فمَا رأيتُهُ يَقضي
رَكْعةً » [4] .
- وقَالَ محمد بن سماعة القاضي - رحمةُ اللهِ عليهِ - : « مَكثتُ أربعين سنةً
لم تفتني التكبيرةُ الأولى إلا يوماً واحداً ماتتْ فيه أمي ، ففاتتني صلاةٌ واحدةٌ في
جماعةٍ » [5] .
- وقَالَ أسيد بن جعفر - رحمةُ اللهِ عليهِ - : « بشرُ بنُ منصور ما فاتته
التكبيرةُ الأولى قط ، ولا رأيته قام في مسجدنا سائلٌ قط فلم يُعط شيئاً إلا أعطاه »
[6] .
- وقَالَ يحيى بنُ مَعِين - رحمةُ اللهِ عليهِ - : « أقامَ يحيى بنُ سعيد [7]
عشرين سنة يختم القرآن في كلِّ ليلةٍ [8] ، ولم يفته الزوالُ في المسجد أربعين سنة ،
وما رؤي يطلب جماعة قط » [9] .
قرأتُ هذه الأقوال ووقفتُ عند « خمسين سنة » ، و « أربعين سنة » ،
و « عشرين سنة » ؛ متعجباً من هذه الهمّة والقوة في تربية النفس على الإيمان
وأسبابه في ضَوءِ هدي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وصحابتِهِ الكرام . ثمَّ تأملتُ
في حالي وحالِ كثيرٍ من أبناء هذا الزمان في هذه المسائل الإيمانية العظيمة فذهلتُ
من النتيجة ؛ إذ لا يخلو يوم فضلاً عن أسبوع دع الشهرَ والسّنة من نَظَرٍ في قفا
المصلين أو وجوههم .
إنّ هذا التأخر والتفويت نوعٌ من الضعف ، ينبغي أن يقابَل بالقوة والحزم
والعزم ، قَالَ تعالى : ] خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ ( البقرة :
63 ) . ] خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا [ ( البقرة : 93 ) . ] وَكَتَبْنَا لَهُ فِي
الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ [ ( الأعراف :
145 ) . ] يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِياًّ [ ( مريم : 12 ) .
وإذا حققنا هذه القوة في أنفسنا تحقق النصر الذي وعدنا الله إياه في كتابه
الكريم .
فما أحسنَ أنْ يعاهدَ المسلم نفسه مِنْ الآن على المحافظةِ على الصلاة كما
حَافظَ عليها أولئكَ .. فيكون في المسجدِ مع الآذان أو قبله ولا يتأخر !
قَالَ إبراهيمُ النخعيُّ : « إذا رأيتَ الرجلَ يتهاونُ في التكبيرةِ الأولى فاغسلْ
يديكَ منه » [10] .
وفقنا اللهُ وإيّاك للعلم النافع والعمل الصالح .
________________________
(*) كلية الدراسات الإسلامية ، كلية التربية ، جامعة الملك سعود .
(1) الطبقات الكبرى ، 5/131 .
(2) حلية الأولياء ، 2/163 ، حلية الأولياء ، 2/162 ، سير أعلام النبلاء ، 4/221 .
(3) المعرفة والتاريخ ، 2/217 ، الثقات ، 4/232 .
(4) حلية الأولياء ، 5/49 .
(5) تاريخ بغداد ، 5/341 .
(6) حلية الأولياء ، 6/240 .
(7) هو القطّان .
(8) صحَّ النهي عن ختم القرآن في أقل من ثلاث ليال ، وفي المسألة خلاف بين أهل العلم ، ويظهر
أنَّ القطّان ممن اجتهد ورأى أنه يجوز ، والله أعلم .
(9) تاريخ بغداد ، 14/141 .
(10) حلية الأولياء ، 4/215 .

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 193 ] صــ ‌ 26 رمضان 1424 ـ نوفمبر 2003 ))
  #5  
قديم 26-02-05, 09:40 AM
أهل الحديث
 
المشاركات: n/a
افتراضي

دراسات في الشريعة
من وصايا العلماء عند الفتن واشتباه الأمور
ملك اللسان ، وكف اليد ، ومعالجة ما في الصدر
د. علي بن عبد الله الصيّاح
"alial-moer ali'' >1388a@maktoob.com<
هذه ثلاث وصايا عظيمة مستقاة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم قَالها شيخُ المقرئين والمُحدثين ، وحافظُ أهل الكوفة في زمانه ، وأحد الستة
الذين حفظوا العلم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم [1] : سُليمانُ بنُ مِهْرَان
الأعمش وَمَنْ قرأ سيرته عَرَفَ إمامة هذا الرجل في العلم والعمل والزهد .
قال العِجْليُّ : « حَدّثني أبي قال : هاجتْ فتنةٌ بالكوفة فعَمِلَ الحَسَنُ بنُ الحُرّ
طعاماً كثيراً ودعا قُرّاء أهل الكوفة ، فكتبوا كتاباً يأمرون فيه بالكف ، وينهون عن
الفتنة ، فدعوه فتكلم بثلاث كلمات فاستغنوا بهن عن قراءةِ ذلكَ الكتاب فَقَالَ : رَحِمَ
اللهُ امرأً « مَلَكَ لِسَانَهُ » [2] ، « وَكفَّ يدَهُ » [3] ، « وَعَالجَ مَا في صدرهِ » [4] ،
تَفَرَّقوا ؛ فإنه كَانَ يُكره طول المجلس » [5] . وفي روايةٍ أُخرى : « فَقالَ الأعمشُ :
مَلَكَ لسانَه رجلٌ ، وحَفِظَ نفسَه ، وعَلِمَ ما في قلبه ، إنّه كانَ يُقَال : إنه إذا طَالَ
المجلسُ كان للشيطان فيه مطمعٌ . أحضرْ طعامَكَ » .
إنّ الحديثَ عن الفتن وما ورد فيها من الآيات والأحاديث أخذ جانباً من عناية
المحدثين ؛ فقلما يخلو كتاب من كتب السنة كصحيح البخاريّ ، وصحيح مسلم ،
وسنن أبي داود ، و الترمذي وغيرها كثير من كتاب أو باب « الفتن » ، قال الإمامُ
البُخاريُّ في صحيحهِ : « كتاب الفتن ، باب ما جاء في قول الله تعالى : ] وَاتَّقُوا
فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً [ ( الأنفال : 25 ) ، وما كان النبي صلى
الله عليه وسلم يحذر من الفتن » .
ونحن في هذا الزمان - زمان الفتن - بحاجة لتأمل الآيات والأحاديث الواردة
في الفتن ، وأخذ العبر والعظات والأحكام ، والخروج بفقه ما ينبغي عمله عِندَ الفتن
في ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال عبد الرحمن بن أبزي : قلتُ لأبيّ بن كعب لما وقع الناس في أمر عثمان :
أبا المنذر ! ما المخرج ؟ قال : كتابُ الله ما استبان لك فاعمل به ، وما اشتبه
عليك فكِله إلى عالمه [6] .
وكذا دراسة هدي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسلكهم عند الفتن
التي مرت بهم بدءاً من فتنة مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه .
قال أحمدُ بنُ حنبل : حدثنا إسماعيل قال : حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين
قال : « هاجتْ الفتنة وأصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ؛ فما
خفَّ فيها منهم مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين » [7] .
وفي ظني أنَّ مراعاة تلك الوصايا الثلاث من أعظم الأسباب لحفظ المسلم من
الولوج في تلك الفتن التي تجعل طالب العلم في حيرةٍ واشتباه .
وبالمقابل تجد من لم يملك لسانه يقطع في أمور لو وردت على الخليفة الراشد
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لجمع لها أهل بدر ، واستخار الله فيها شهراً ،
وربما ترتب على هذه المسائل عدم كف اليد عن دماء المسلمين المحرمة ، وانتهاك
حرمة المسلم بالظنون والتخرصات .
ولو أنَّ كلَّ مسلم اشتغل بنفسه وعالج ما في صدره لوجد في ذلك شغلاً عن
الخوض في الفتن .
ومما ينبغي التفطن له :
أنه ليس من ملك اللسان واعتزال الفتن عدم الرد على شبهات المبطلين
واعتراضاتهم على أحكام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
وليس من الخوض في الفتن كذلك :
- تقرير مشروعية الجهاد في سبيل الله ، وأنه ذروة سنام الإسلام .
- وبيان وجوب موالاة المؤمنين ، ومعاداة الكافرين .
- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
- والتحذير من البدع والخرافات ، والمذاهب الهدامة من العلمانية والحداثة
وغيرهما .
بل إنَّ الكلام في هذه المسائل في هذا الزمان أصبح من أهم المهمات وأفضل
الجهاد لما نرى من محاولات عالمية جادّة لطمس معالم الإسلام في المسائل المتقدمة ،
وتصويرها بصورة الإرهاب والمنافاة لحقوق الإنسان ، وحرية الرأي ، واحترام
الآخر بزعمهم .
وإنّ من أخطر الأمور على النشء المسلم عدم المعرفة التامة بأحكام الإسلام
في المسائل المتقدمة ، وعدم تصورها التصور الصحيح الموافق للكتاب والسنة
الصحيحة ، فينبغي على الجميع العمل ، وبذل الجهد والطاقة في توضيح المفاهيم
السابقة ، لينالوا شرف خدمة هذا الدين العظيم .
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن .
________________________
(1) قال علي بن المديني : (حفظ العلم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ستة : عمرو بن دينار
بمكة ، و الزهري بالمدينة ، و أبو إسحاق السبيعي و الأعمش بالكوفة ، و قتادة و يحيى بن أبي كثير
بالبصرة) ، تاريخ بغداد (9/9) .
(2) عَقَدَ الشيخُ محمدُ بنُ عبد الوهاب في كتابهِ (الفتن) باباً قال فيه : (باب كف اللسان في الفتنة)
وذكر عدداً من الأحاديث الواردة في ذلك فلتراجعْ ، (ص 114) ، قال ابن رجب : (وقوله صلى الله
عليه وسلم : (ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، فأخذ بلسان نفسه ثم قال : كف
عليك هذا ، إلى آخر الحديث) ، هذا يدلُ على أنَّ كفّ اللسانِ وضبطه وحبسه هو أصلُ الخير كلّه ،
وأنَّ من مَلَك لسانه فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه) ، جامع العلوم والحكم (1/274) .
(3) في سنن أبي داود (4/97رقم 4249) ، ومسند أحمد (2/441) من طريق الأعمش عن أبي صالح
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ويل للعرب من شر قد اقترب أفلح من كف يده)
، ورجاله ثقات ، وقد اختلف في الحديث رفعاً ووقفاً ، ورواية الرفع قوية ، وقد عَقَدَ الشيخُ محمدُ بنُ
عبد الوهاب في كتابهِ (الفتن) باباً قال فيه : (من أحاديث النهي عن السعي في الفتنة) وذكر عدداً من
الأحاديث الواردة في ذلك فلتراجعْ ، (ص 118) .
(4) قال النوويُّ في رياض الصالحين (ص310) : (باب فضل العبادة في الهرج وهو الاختلاط
والفتن ، ونحوها عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(العبادة في الهرج كهجرة إلي) ، رواه مسلم) ، وقال في شرح صحيح مسلم : (المراد بالهرج هنا
الفتنة واختلاط أمور الناس ، وسببُ كثرةِ فضلِ العبادة فيه أنّ الناس يغفلون عنها ، ويشتغلون عنها
ولا يتفرغ لها إلا أفراد) ، قال المناويُّ : ( [ العبادة في الهرج ] أي وقت الفتن واختلاط الأمور ، [
كهجرة إليّ ] في كثرة الثواب ، أو يقال المهاجر في الأول كان قليلاً لعدم تمكن أكثر الناس من ذلك ،
فهكذا العابد في الهرج قليل ، قالَ ابنُ العربي : وجهُ تمثيله بالهجرة أنَّ الزمن الأول كان الناس يفرون
فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله ؛ فإذا وقعت الفتن تعين على المرء أن يفر بدينه من
الفتنة إلى العبادة ، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة وهو أحد أقسام الهجرة) فيض القدير (4/ 373)
.
(5) عرفة الثقات (1/433) ، وانظر : العلل ومعرفة الرجال (2/384) ، تاريخ مدينة دمشق (13/
56) .
(6) التاريخ الأوسط (1/64) ، وإسناده صحيح .
(7) العلل ومعرفة الرجال (3/182) ، وانظر : أخبار المدينة (2/281) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية
: (وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض ، و محمد بن سيرين من أورع الناس في منطقه ،
ومراسيله من أصح المراسيل) منهاج السنة (6/236) .

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 191 ] صــ ‌ 14 رجب 1424 ـ سبتمبر 2003 ))
  #6  
قديم 26-02-05, 09:41 AM
أهل الحديث
 
المشاركات: n/a
افتراضي

دراسات في الشريعة
نعم .. هم رجال ونحن رجال
ولكن من نحن ومن هم ؟
د. علي بن عبد الله الصياح[*]
E-Mail : asayah@ksu.edu.sa
هذه الكلمة مأثورة عن الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - . قال أبو محمد بنُ
حزم : « هذا أبو حنيفة يقول : ما جاءَ عن اللهِ تعالى فعلى الرأسِ والعينين ، وما
جاءَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فسمعاً وطاعةً ، وما جاءَ عن الصحابةِ
- رضي الله عنهم - تخيَّرنا من أقوالهم ، ولم نخرجْ عنهم ، وما جاءَ عن التابعين فهُمْ
رجالٌ ونحنُ رجالٌ » [1] ، إذنْ قائلُ هذه الكلمة السائرة الإمامُ المشهورُ : أبو حنيفةَ
النعمانُ ابنُ ثابت فقيهُ العِراق الذي رأى أنس بنَ مَالك ، وسمع عطاء بن أبي رباح ،
و نافعاً مولى ابن عمر ، و عكرمة مولى ابن عباس وغيرهم ، وقد وُلد سنة
ثمانين ، وماتَ سنة خمسين ومائة على الصحيح [2] ، وعُرِفَ أنَّ المقصود بقوله :
« هم رجال » أقرانه ونظراؤه من التابعين .
إذا تبين مَا تقدم عُلِمَ أنَّ هذه الكلمة ابتُذِلتْ عندَ كثيرٍ مِنْ الناس في هذا الزمان
خاصةً المتعالمين منهم ممن يسمون مفكرين ، وكذلك من الناشئة في طلب العلم ، فلم
يراعوا مكانة القائل ، ولا قدر من قيلت فيه هذه الكلمة .
نعم إذا قال : « هم رجال ، ونحن رجال » من كان في منزلة أبي حنيفة في
نظرائه من أهل العلم فحُقَّ له ذلك ؛ لأنَّ قول بعضهم ليس حجةً على بعض .
إنَّ هذه الكلمة أصبحتْ مطية يركبُها مَنْ يريدُ أنْ يردَّ أقوالَ الأئمة المتقدمين ،
والسلفِ الصادقين بلا حُجةٍ ولا بُرهان ، ومَنْ يريدُ أن يمرر آراءه الشاذة ، وأقوالَه
الضعيفة ، واختياراتِه الغريبة ، ومَنْ يريدُ أنْ يُظهِر نفسهُ على حساب أئمة العلم
والدين .
نعم « هُمْ رجالٌ ونحنُ رجال » في أصلِ الخِلْقةِ والصفاتِ المشتركة من سمعٍ
وبصرٍ وجوارح ، ولكنَّ الله حباهم بفضله ومنته وحكمته غزارةً في العلم ،
وإخلاصاً في العمل ، وصِدْقاً في الدعوة ، وصبراً عِند الأذى والبلاء .
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية : « ومَنْ آتاه اللهُ علماً وإيماناً عَلِمَ أنّه لا يكون
عند المتأخرين من التحقيق إلا ما هُو دونَ تحقيقِ السلفِ لا في العلم ولا في العمل »
[3] . ما أجمل وأبلغ هذه العبارة من هذا الإمام الخبير !
قال الخطيبُ البغداديُّ لمّا ذَكَرَ الأئمةَ المتقدمين وما وَقَعَ مِنْ بعضهم من وَهْم
في الجمعِ والتفريق بين الرواة : « ولعل بعض مَنْ ينظرُ فيما سطرناه ، ويقفُ على
ما لكتابنا هذا ضمَّنَّاه ، يلحقُ سيئ الظن بنا ، ويرى أنّا عَمَدْنا للطعنِ على من تقدّمنا ،
وإظهار العيب لكبراءِ شيوخنا وعلماءِ سلفنا ، وأنّى يكونُ ذلكَ وبهم ذكرنا ،
وبشعاعِ ضيائهم تبصرنَا ، وباقتفائنا واضحَ رسومِهم تميزنا ، وبسلوك سبيلهم عن
الهَمَجِ تحيزنا ؟ وما مثلُهم ومثلُنا إلا ما ذكر أبو عَمْرو بنُ العلاء فيما أخبرنا أبو
الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ قال : أخبرنا أبو طاهر عبد الواحد بن عُمر
بن محمد بن أبي هاشم قال : حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال : حدثنا الرّياشي
عن الأصمعي قال : قالَ أبو عَمرو : مَا نَحْنُ فيمن مَضَى إلاّ كبَقْلٍ في أُصولِ نَخْلٍ
طُوالٍ » [4] ، وأبو عَمْرو بنُ العلاء هو : المازني البصريّ شيخ القرّاء والعربية ،
وأحدُ القرّاء السّبعة ، مات سنة أربع وخمسين ومائة [5] ، فإذا كان أبو عمرو يقول
هذا وهو متقدم الوفاة ، فماذا ترانا نقول ونحن نعيش في القرن الخامس عشر من
الهجرة وما فيه من كثرة الشبهات ، ووفرة الشهوات ؟ رحماكَ ربِّ !
قال الشاطبيُّ - لمّا ذَكَر طريقينِ لأخذِ العلم عن أهلهِ - : الأوَّل : المشافهه ،
والثاني : مطالعة كتب المصنفين . قال : وهو نافع في بابه بشرطين ثم ذكر الشرط
الأوَّل ، ثم قال : « الشرطُ الثاني : أنْ يتحرى كتبَ المتقدّمين مِنْ أهلِ العلم المراد ؛
فإنهم أقعدُ بهِ منْ غيرهِم من المتأخرين ، وأصلُ ذلكَ التجربةُ والخَبَرُ : أمَّا
التجربةُ فهو أمرٌ مشاهَد في أيّ علمٍ كان ؛ فالمتأخرُ لا يبلغُ مِنْ الرسوخِ في علمٍ ما
بلغه المتقدمُ ، وحسبكَ منْ ذلكَ أهلُ كلّ علمٍ عمليّ أو نظريّ ؛ فأعمالُ المتقدمين في
إصلاحِ دنياهم ودينهم على خلافِ أعمالِ المتأخرين ؛ وعلومُهم في التحقيقِ أقعدُ ،
فتحققُ الصحابةِ بعلوم الشريعة ليسَ كتحققِ التابعين ؛ والتابعونَ ليسوا كتابعيهم ؛
وهكذا إلى الآن ، ومَنْ طالعَ سيرهَم وأقوالَهم وحكاياتِهم أبصرَ العَجبَ في هذا
المعنى ، وأما الخَبَرُ ففي الحديث : « خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم
الذين يلونهم » ... والأخبارُ هنا كثيرةٌ ، وهي تدلُ على نقصِ الدينِ والدنيا ،
وأعظمُ ذلكَ العلم ، فهو إذاً في نقصٍ بلا شك ؛ فلذلك صارتْ كتب المتقدمين
وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم على أيّ نوعٍ كان ،
وخصوصاً علم الشريعة الذي هو العروةُ الوثقى ، والوزَر الأحمى وبالله تعالى
التوفيق » [6] .
وقال الذهبي : « جزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين
في الحفظ والمعرفة » [7] .
وقد عَقَد ابنُ القيم في كتابه : « إعلام الموقعين » فصلاً لبيان فضل علم
السلف قال في أوله : « فصل في جواز الفتوى بالأثار السلفية والفتاوى الصحابية ،
وإنها أوْلى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم ، وأن قربها إلى الصواب بحسب
قرب أهلها من عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأن فتاوى
الصحابة أوْلى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين ، وفتاوى التابعين أوْلى من فتاوي
تابعي التابعين ، وهلم جراً ، وكما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب
وهذا حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد فرد من المسائل ؛ كما أن عصر
التابعين وإن كان أفضل من عصر تابعيهم فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل
شخص شخص ، ولكنِ المفضلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر
المتأخر ، وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم ؛ فإن
التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين ... «
[8] .
ومِنْ علاماتِ أهل البدع : الوقيعةُ في سلفِ الأمة ورميهم بالجهل تارةً ، وبعدم
الفهم والسذاجة تارة كما يقولون : « منهج السلف أسلم ، ومنهج الخلف أعلم
وأحكم » .
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية : « ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتابَ
والسنةَ وما اتفق عليه أهلُ السنةِ والجماعةِ من جميعِ الطوائف أنّ خيرَ قرونِ هذه
الأمة في الأعمالِ والأقوالِ والاعتقادِ وغيرها من كل فضيلةٍ أنّ خيرها القرنُ الأولُ
ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما ثَبَتَ ذلكَ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غيرِ
وجهٍ ، وأنهم أفضلُ من الخَلَفِ في كل فضيلةٍ من علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ
وبيانٍ وعبادةٍ ، وأنهم أوْلى بالبيانِ لكل مُشْكلٍ ، هذا لا يدفعُه إلاّ من كابرَ المعلوم
بالضرورة من دين الإسلام ، وأضله الله على علمٍ ، كما قال عبدُ الله بن مسعود
- رضي الله عنه - : « مَنْ كانَ منكم مستناً فليستن بمن قد مات ؛ فإن الحي لا تؤمن
عليه الفتنة ، أولئكَ أصحابُ محمد ؛ أبرّ هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها
تكلفاً ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا
بهديهم ؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم » . وقال غيره : عليكم بآثارِ مَنْ سَلَفَ ؛
فإنهم جاؤوا بما يكفي وما يشفي ، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه . هذا وقد
قال صلى الله عليه وسلم : « لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا
ربكم » ، فكيف يحدث لنا زمان في الخير في أعظم المعلومات وهو معرفة الله
تعالى هذا لا يكون أبداً وما أحسن ما قال الشافعي - رحمه الله - في رسالته : هم
فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى ،
ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا » [9] .
قال ابنُ رَجَب : « وقد ابتلينا بجَهَلةٍ من النّاس يعتقدون في بعض من توسع
في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم ؛ فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من
كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله ، ومنهم من يقول هو أعلم
من الفقهاء المشهورين المتبوعين ... وهذا تنقُّص عظيم بالسلف الصالح وإساءة ظن
بهم ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم » [10] ، وقال : « فلا يوجد في كلام من
بعدهم من حق إلاّ وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة ، ولا يوجد في
كلام من بعدهم من باطل إلاّ وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله ، ويوجد
في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به ،
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل
متابعةً لمن تأخر عنهم » [11] .
- ومن أخطر الأمور تربية النشء على الاعتراض على الأئمة السابقين ،
والعلماء الربانيين بغير حجة ولا برهان ، وتصويرُ ذلكَ بأنه هو التجردُ والاجتهادُ
وعَلامةُ العلم والتحقيق ، ونشر مثل هذه الكلمات : « هم رجال ونحن رجال » ،
و « وكم ترك الأوَّل للآخر » ، « والمتأخر جمع ما عند الأولين من العلم فهو أوسع
علماً » ونحو ذلك من الكلمات الواسعة والتي قد تفهم خطأ كما تقدم .
- إنّ ما تقدم ليس دعوةً للتقليد ؛ فإنّ التقليد وهو : قبول قول الغير من غير
معرفة دليله لا يجوز لمن تحققت أهليته واتسع وقتُه ، بل هي دعوة للاتباع الصادق ،
وإنزال الناس منازلهم ، « فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته ولا يرفع
متَّضع القدر في العلم فوق منزلته ويعطي كل ذي حق فيه حقه وينزل منزلته ، وقد
ذكر عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن ننزل الناس منازلهم مع ما نطق به القرآن من قول الله تعالى : ] وَفَوْقَ
كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ ( يوسف : 76 ) . كما قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه .
ووضع الأمور في مواضعها ، والعدل في القول والعمل ، ومعرفة أنّ لسلفنا
الصالح منهجاً فريداً متكاملاً في العلم والعمل ، نابعاً من الكتاب والسنة ، وما عليه
الصحابة الكرام ، فكانوا بحق هم أجدر من يقتدى بهم بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم وصحبه الكرام .
وفي الصحيحين من حديث عَبيدة السلمانيّ عن عبدِ الله بن مسعود قال :
« سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الناس خير ؟ قال : قرني ، ثم الذين
يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه
شهادته » .
والأمر كما قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية : « ومَنْ آتاه اللهُ علماً وإيماناً عَلِمَ أنّه
لا يكون عند المتأخرين من التحقيق إلا ما هُو دونَ تحقيقِ السلفِ لا في العلم ولا في
العمل » .
- وثمتَ أمر آخر تنطوي عليه كلمة « هُمْ رجالٌ ونحنُ رجال » وهو تزكية
النفس ، وقد دلَّ الكتاب والسنة على المنع من ذلك . قال تعالى : ] فَلاَ تُزَكُّوا
أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [ ( النجم : 32 ) ، وقال سبحانه : ] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ [ ( النساء : 49 ) ، وروى مسلم في
صحيحه من حديث يزيدَ بنِ أبي حَبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء قال :
سمّيتُ ابنتي برَّةَ ، فقالتْ لي زينبُ بنتُ أبي سلمة : إنّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم نهى عن هذا الاسم ، وسُمِّيتُ برَّة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا
تزكوا أنفسكم ، الله أعلم بأهل البرِّ منكم ، فقالوا : بم نسمّيها ؟ قال : « سموها
زينب » . فطالبُ العلمِ الصادقِ لا يزكي نفسَه تصريحاً أو تلميحاً .
قال ابنُ رَجب : « وأمَّا مَنْ علمه غيرُ نافعٍ فليس له شغل سوى التكبر بعلمه
على الناس ، وإظهار فضل علمه عليهم ونسبتهم إلى الجهل ، وتنقُّصهم ليرتفع بذلك
عليهم ؛ وهذا من أقبح الخصال وأردئها ، وربما نسب من كان قبله من العلماء إلى
الجهل والغفلة والسهو ، فيوجب له حب نفسه وحب ظهورها ، وإحسان ظنه بها
وإساءة ظنه بمن سلف ، وأهل العلم النافع على ضد هذا يسيئون الظن بأنفسهم
ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف
عليهم وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها ، ... وكان ابن
المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد :
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد » [12]
- ثم لماذا لا تفهم كلمة « هم رجال ونحن رجال » فهماً آخر سليماً يناسب
حالنا وزماننا فيقال : « هم رجال » صَدَقوا في الطلب والعلم والعمل والدعوة ،
وصَبَروا على ذلك ، فأصبحوا رجالاً بكل معاني الرجولة ، و « نحنُ رجالٌ »
بمعنى : عندنا من المؤهلات والصفات ما يجعلنا نقتدي ونستفيد منهم ، وأن نخدم
الدينَ كما خدموه مع معرفتنا الأكيدة بالفرق الكبير بيننا وبينهم في العلم والعمل ؟
- وعَوْداً على بدء : إذا قال : « هم رجال ونحن رجال » من كان في منزلة
أبي حنيفة في نظرائه من أهل العلم فحُقَّ له ذلك ؛ لأنَّ قول بعضهم ليس حجةً على
بعض ، والله المستعان وعليه التكلان ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه
أجمعين .
________________________
(*) قسم الدراسات الإسلامية ، كلية التربية ، جامعة الملك سعود .
(1) الإحكام لابن حزم (4/ 573) ، وانظر : المدخل للسنن الكبرى ، ص 111 ، الانتقاء لابن عبد البر
(144) ، المبسوط للسرخسي (11/3) ، المسودة .
(302) ، سير أعلام النبلاء (6/401) ، التقرير والتحبير (2/ 415) ، وغالب من كتب في مناقب أبي
حنيفة نقل هذا الكلام .
(2) الكاشف (2/322) ، تهذيب التهذيب (10/401) .
(3) مجموع الفتاوى (7/ 436) .
(4) موضح أوهام الجمع والتفريق (1/ 12 - 13) .
(5) سير أعلام النبلاء (6/407) .
(6) الموافقات (1/97 - 99) .
(7) تذكرة الحفاظ ، ج 3 ، ص 948 .
(8) إعلام الموقعين (4/118 - 119) .
(9) مجموع الفتاوى (4/157 - 158) .
(10) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ، ص61 .
(11) المرجع السابق ، ص65 .
(12) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ، ص 86 - 87 .

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 190 ] صــ ‌ 6 جمادى الآخرة 1424 ـ أغسطس 2003 ))
  #7  
قديم 26-02-05, 09:41 AM
أهل الحديث
 
المشاركات: n/a
افتراضي

دراسات في الشريعة
في ضوء تطبيقات الأئمة المتقدمين
المنهج السليم في دراسة الحديث المعل
د. علي بن عبد الله الصيّاح
تمهيد :
إنّ مما يسر الباحث في علمِ الحديثِ الشريف ما يَرى من انتشارِ المنهجيةِ
السليمة في دراسةِ الحديثِ وعلومِهِ ، والعنايةِ بعلوم سلفنا الزاخرة ؛ جمعاً ودراسةً
وتحليلاً واستنطاقاً .
ومن ذلك العناية بأدق أدق وأجل علوم الحديث : « علم العلل » قَالَ الحافظُ
ابنُ حجر رحمة الله عليه : « المُعَلَّل : وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها ،
ولا يقوم به إلاّ من رزقه الله فَهْماً ثاقباً ، وحفظاً واسعاً ، ومعرفةً تامةً بمراتب
الرواة ، وملكةً قويةً بالأسانيد والمتون ، ولهذا لم يتكلم فيه إلاّ القليل من أهل هذا
الشأن ؛ كعلي بن المديني ، و أحمد بن حنبل ، و البخاري ، و يعقوب بن شيبة ،
و أبي حاتم ، و أبي زرعة .. » [1] .
قال أبو عبد الله الحميديُّ رحمة الله عليه : « ثلاثُ كتبٍ من علوم الحديث
يجبُ الاهتمامُ بها : كتابُ العلل ، وأحسنُ ما وضع فيه كتاب الدّارقُطنيّ ، والثاني :
كتابُ المؤتلف والمختلف ، وأحسنُ ما وضع فيه الإكمال للأمير ابنِ ماكولا ، وكتابُ
وفيات المشايخ ، وليس فيه كتابٌ [2] » [3] . وقال ابنُ رجب رحمة الله عليه :
« ولما انتهى الكلام على ما ذكره الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمة الله عليه في
كتاب الجامع ... أحببتُ أن أتبع كتاب العلل بفوائد أُخر مهمة .. وأردت بذلك تقريب
علم العلل على من ينظر فيه ، فإنه علمٌ قد هُجر في هذا الزمان ، وقد ذكرنا في
كتاب العلم أنَّه علمٌ جليلٌ قلَّ من يعرفه من أهل هذا الشأن ، وأنَّ بساطه قد طُوي
منذ أزمان » [4] .
وبفضل الله انتشر بين طلبة الحديث العناية بهذا الفن الدقيق ، وحرص
الباحثون في الدراسات العليا على تسجيلِ الموضوعات في هذا الفن ، من ذلك مثلاً :
« مرويات الزهري المعلة في كتاب العلل للدارقطني » ، و « مرويات الإمامين
قتادة بن دعامة و يحيى بن أبي كثير المعلة في كتاب العلل للدارقطني » ،
و « مرويات أبي إسحاق السبيعي المعلة في كتاب العلل للدارقطني » ، و « علل
ابن أبي حاتم تحقيق وتخريج ودراسة » [5] ، و « الأحاديثُ التي أعلها الإمامُ يحيى
بنُ معين من خلال سؤالات الدوري و ابن محرز و الدارمي و ابن الجنيد و الدّقاق »
و « الأحاديثُ التي أعلها البخاريُّ في التاريخ الكبير » ، و « الأحاديثُ التي
أعلها البخاريُّ في التاريخ الأوسط » ، و « الأحاديث التي أعلها علي بن المديني » ،
و « الأحاديث التي أعلها الإمامُ أحمد بن حنبل في مسنده » ، و « الأحاديثُ
التي أعلها العُقيليّ في كتابهِ الضعفاء » ، و « الأحاديثُ المرفوعةُ المعلة في كتاب
الحِلْية لأبي نُعيم » ، و « الأحاديثُ التي أعلها أبو داود في سننه » وغيرها .
وما أحسنَ ما قال الدكتور أحمد محمد نور سيف وفقه الله : « بدأنا نَقْربُ من
وضع منهج متقاربٍ يُصور لنا مناهج النُّقاد في تلك الحقبة من الزمن ، هذه الحقبة
هي العصور الذهبية لنُقَّاد الحديث ، مدرسة علي بن المديني ، و يحيى بن معين ،
و أحمد بن حنبل والمدرسة التي قبلهم ، والمدرسة التي بعدهم . هذه المدارس في
الواقع قد تكون مدارس ، وقد تكون مدرسة ، قد تتقارب المناهج وقد تفترق وقد
تختلف ، ولكن لا يمكن أنْ نتصور أو أن نستطيع أنْ نُلِمَّ بتلك المناهج في إطارٍ عامٍّ
محددٍ إلاَّ بمثلِ هذه الدراسة .. » [6] .
وقبل الدخول في موضوع البحث أنبه على أمورٍ ينبغي للباحث أن يتنبه لها
لكي يصلَ للغاية والفائدة المرجوة من الدراسة ، وهي :
1 - أن لا يحاكم الباحثُ الأئمةَ والنقادَ المتقدمين على ضوء معلوماته ومعارفه
التي استمدها من بعض الكتب المتأخرة التي قد تخالف بعض مصطلحات
الأئمة المتقدمين وعباراتهم ، فيعمد إلى تغليط الأئمة في مصطلحاتهم فيفوّت على
نفسِهِ علماً كثيراً ؛ من ذلك مثلاً لفظة ( مرسل ) معناها عند المتأخرين : ما
أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنَّ الأئمة المتقدمين يوسعون معناها
بحيثُ تشمل الانقطاع ؛ من ذلك مثلاً قول ابن أبي حاتم رحمة الله عليه في كتاب
العلل : « سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيث رَوَاهُ الفِرْيابِيُّ ، عَنْ عُمَر بنِ رَاشِد ، عَنْ يَحْيَى بنِ
إسْحَاقَ بنِ عَبْد اللّه ابن أَبِي طَلْحة ، عَنْ الْبَرَاء ، عَنْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم
قَالَ : الْرِّبَا اثنان وسَبْعُون بَاباً ، أدناها مِثْلُ إتيانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ » ، قَالَ أَبِي : هو
مرسل ، لم يدرك يَحْيَى بنُ إِسْحَاق الْبَرَاء ، ولا أدرك والدُهُ الْبَرَاء » [7] ، ومن ذلك
أيضاً لفظ التدليس عند المتقدمين يطلق على الإرسال بخلاف تعريف المتأخرين له ،
ومن ذلك لفظة ( حسن ) ، ولفظة ( منكر ) ، ولفظة ( مجهول ) وغيرها من
المصطلحات .
2- اتباعُ الأئمةِ المتقدمين في تعليلهم للأخبار ، وعدم التسرع في الرد عليهم ،
وهذا من باب الاتباع المحمود لا التقليد المذموم ، قال ابنُ رجب : « قاعدةٌ مهمةٌ :
حذّاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ، ومعرفتهم بالرجال ، وأحاديث كل
واحد منهم ، لهم فهم خاص يفهمون به أنَّ هذا الحديث يشبه حديث فلان ، ولا يشبه
حديث فلان ، فيعللون الأحاديث بذلك ، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره ،
وإنما يرجع فيه إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عَنْ سائر أهل العلم » [8] ،
وما قاله ابنُ رجب يتعذر في مثل هذه الأزمنة مما يجعل الأمر كما قال ابنُ حجر :
« قد تقصرُ عبارة المعلل منهم فلا يفصحُ بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى
الروايتين على الأخرى كما في نقد الصيرفي سواء ؛ فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام
من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله فالأوْلى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح
الحديث إذا صححه ، وهذا الشافعيّ مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه
فيقول : « وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث » ، وهذا حيث لا يوجد مخالف
منهم لذلك المعلل ، وحيثُ يصرح بإثبات العلة ، فأمَّا إن وجد غيره صححه فينبغي
حينئذ توجه النظر إلى الترجيح بين كلاميهما ، وكذلك إذا أشار إلى المعلل إشارةً ولم
يتبين منه ترجيح لإحدى الروايتين ، فإنْ ذلك يحتاج إلى الترجيح ، والله أعلم » [9] ،
وقال أيضاً : « وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم
وقوة بحثهم وصحة نظرهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم
لهم فيه ، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد »
[10] .
وتأمل هذه القصة التي ذكرها ابنُ أبي حاتم قال : « سمعتُ أبي رحمه الله
يقولُ : جاءني رجلٌ من جِلَّةِ أصحابِ الرأي مِنْ أهلِ الفهم منهم ، وَمَعَه دفترٌ
فعرضه عليَّ ، فقلتُ في بعضها : هذا حديثٌ خطأ قد دَخَل لصاحبه حديثٌ في
حديث ، وقلتُ في بعضه : هذا حديثٌ باطل ، وقلتُ في بعضه : هذا حديثٌ منكر ،
وقلتُ في بعضهِ : هذا حديثٌ كذب ، وسائرُ ذلك أحاديثُ صحاح ، فقال : من أين
علمتَ أنّ هذا خطأ ، وأنَّ هذا باطل ، وأنّ هذا كذب ، أخبرك راوي هذا الكتاب
بأني غلطتُ وأني كذبتُ في حديث كذا ؟ فقلتُ : لا ؛ ما أدري هذا الجزء من رواية
مَنْ هو ، غير أني أعلم أن هذا خطأ ، وأنّ هذا الحديث باطل ، وأن هذا الحديث
كذب ، فقال : تدعي الغيب ؟ قال : قلت : ما هذا ادعاء الغيب ، قال : فما الدليل
على ما تقول ؟ قلتُ : سلْ عما قلتُ من يحسن مثل ما أُحسن ؛ فإن اتفقنا علمتَ أنَّا
لم نجازف ولم نقله إلا بفهم ، قال : من هو الذي يحسن مثل ما تحسن ؟ قلت : أبو
زرعة ، قال : ويقول أبو زرعة مثل ما قلتَ ؟ قلت : نعم : قال : هذا عجب .
فأخذ فكتب في كاغَدٍ[*] ألفاظي في تلك الأحاديث ، ثم رجع إليّ وقد كتب
ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث ؛ فما قلت إنه باطل قال أبو زرعة :
هو كذب ، قلتُ : الكذب والباطل واحد ، وما قلت إنه كذب قال أبو زرعة : هو
باطل ، وما قلت إنه منكر قال : هو منكر كما قلتُ ، وما قلت إنه صحاح قال أبو
زرعة : هو صحاح ، فقال : ما أعجب هذا ! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما ؟
فقلت : فقد علمت أنَّا لم نجازف ، وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا ، والدليل على
صحة ما نقوله أن ديناراً نَبَهْرَجاً [11] يحمل إلى الناقد فيقول : هذا دينار نبهرج ،
ويقول لدينار : هو جيد ، فإن قيل له : من أين قلت إن هذا نبهرج ؛ هل كنت
حاضراً حين بهرج هذا الدينار ؟ قال : لا . فإن قيل له : فأخبرك الرجل الذي
بهرجه أني بهرجت هذا الدينار ؟ قال : لا ، قيل : فمن أين قلتَ إن هذا نبهرج ؟
قال : علماً رزقت ، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك ، قلتُ له : فتحمل فصّ ياقوت
إلى واحدٍ من البصراء من الجوهريين فيقول : هذا زجاج ، ويقول لمثله : هذا
ياقوت ، فإن قيل له : من أين علمت أن هذا زجاج ، وأن هذا ياقوت هل حضرت
الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج ؟ قال : لا ، قيل له : فهل أعلمك الذي صاغه
بأنه صاغ هذا زجاجاً ، قال : لا ، قال : فمن أين علمت ؟ قال : هذا علم رزقت ،
وكذلك نحن رزقنا علماً لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأنّ هذا الحديث كذب ،
وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه » [12] .
وتأمل أيضاً هذه القصة التي ذكرها أبو يعلى الخليليُّ . قال : أخبرنا علي بنُ
عُمَر الفقيه قال : حدّثنا أبو محمد عبد الرحمن بنُ أبي حاتم قال : سمعتُ أبي يقول :
دخلتُ قَزوين سنةَ ثلاث عشرة ومائتين مع خالي محمد بن يزيد ، و داود العقيلي
قاضيها ، فدخلنا عليه فدفع إلينا مَشْرَساً [13] فيه مسند أبي بكر ؛ فأولُ حديثٍ رأيتُه
فيه : حدثنا شعبةُ عَنْ أبي التَيّاح عَنْ المغيرة بن سُبَيْع عَنْ أبي بكر الصديق قال :
قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : « يخرج الدجالُ من أرضٍ يقال لها : خراسان
يتبعه أقوامٌ كأنّ وجهوهم المجانُّ المُطرَقَةُ » [14] ، فقلتُ : ليس هذا من حديث شعبة
عَنْ أبي التَيّاح ، وإنما هو من حديثِ سعيد بن أبي عَرُوبة و عبد الله بن شَوْذَب عَنْ
أبي التَيّاح ، فقلتُ لخالي : لا أكتبُ عنه إلاّ أن يرجع عَنْ هذا ، فقال خالي : أستحي
أن أقول ، فخرجتُ ولم أسمعْ منه شيئاً » [15] .
وذكرها ابنُ أبي حاتم في الجرح والتعديل [16] باختصار فقال : « سمعتُ أبي
يقول : داود بن إبراهيم هذا متروك الحديث كان يكذب ، قدمتُ قزوين مع خالي
فحمل إليَّ خالي مسنده فنظرتُ في أول مسند أبي بكر رضي الله عنه فإذا حديث
كذب عَنْ شعبة ، فتركته وجهد بي خالي أن أكتب منه شيئاً ، فلم تطاوعني نفسي ،
ورددتُ الكتب عليه » .
هذه القصة التي وقعت لأبي حاتم وعمره ثمانية عشر تبيّن مدى ما وَصَل إليه
القوم من سعة حفظ ، وسرعة استحضار ، ودقة نقد ، وقوة في الحق ؛ فالحديثُ
ورجالهُ وطرقهُ تجري مع أنفاسهم كما يجري الهواء ، وعندما يسمعون الخطأ
والوهم لا يقاومون الدافع الشرعي المتأصل في نفوسهم في رد وتصحيح هذا الوهم
والخطأ مهما كانت منزلة الواهم والمخطئ ، فلا محاباة في الذّب والدّفاع عَنْ
سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لا لقريبٍ ولا لشريفٍ ، وهذا في الحقيقة من
حفظ الله لهذا الدين .
وقصصُ أئمةِ الحديثِ وأخبارهُم في هذا البابِ كثيرةٌ جداً ؛ فعلى طالب العلم
أنْ يعرفَ للقومِ منزلتهم ، وقدم صدقهم فيتأنّى كثيراً عندما يهمُّ بمخالفتهم أو تعقبهم
خاصةً في جوانب الحديث الدقيقة كالعلل .
3 - جمعُ طرقِ الحديث ، والنظر فيها مجتمعةً ، ومعرفة مراتب رواتها ،
قالَ الخطيبُ البغداديّ رحمة الله عليه : « والسبيلُ إلى معرفةِ علة الحديث أنْ يجمع
بين طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان
والضبط ، كما أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأشناني بنيسابور قال :
سمعتُ أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي يقول : سمعتُ عثمان بن سعيد الدارمي
يقول : سمعتُ نعيم بن حماد يقول : سمعت ابن المبارك يقول : إذا أردتَ أن يصحَّ
لكَ الحديث فاضرب بعضه ببعض » [17] .
وقال علي بنُ المديني رحمة الله عليه : « البابُ إذا لم تجمع طرقه لم يتبين
خطؤه » [18] ، وقال يحيى بنُ معين رحمة الله عليه : « اكتب الحديث خمسين مرة ،
فإنّ له آفات كثيرة » [19] ، وقال ابن رجب : « معرفة مراتب الثقات ، وترجيح
بعضهم على بعض عند الاختلاف ، إمّا في الإسناد ، وإمّا في الوصل والإرسال ،
وإما في الوقف والرفع ونحو ذلك ، وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة
ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث » [20] . وقال ابنُ حجر : « ويحصل
معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع الطرق » [21] ، وقال ابن الصلاح رحمة الله عليه :
« ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك
تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول ، أو وقف في المرفوع ، أو
دخول حديث في حديث ، أو وهم واهم بغير ذلك » [22] .
4 - اتباعُ منهجٍ منضبطٍ عند دراسةِ الحديثِ المُعل يوافق طريقة الأئمة
المتقدمين ، وهذا هو المقصود من هذا البحث ، وقد رأيتُ دراسةً لحديثٍ مُعل
كَتَبه أحدُ الباحثين وَقَع فيه بأوهام عجيبة وغَلّط الأئمة ، وجره الإسنادُ من حيثُ لا
يشعر إلى أسانيد أخرى لا علاقة لها بالعلة ولا بالطريق فأعلها ؛ لأنه لم يتبع المنهج
السليم في دراسته ؛ فكانت النتيجة المتوقعة . وعدمُ اتباعِ المنهج السليم في دراسة
الحديث المُعل على طريقة الأئمة المتقدمين يُنْتج لنا مَنْ يقول لإمامِ العللِ في زمانهِ
علي بن المديني [23] : « ما هكذا تُعَل الأحاديث يا بنَ المديني » !! ، كما قد وَقَع
مِنْ بعضِ المعاصرين هداهم اللهُ وفتح عليهم ، والله المستعان وعليه التكلان .
تعريف العلة والحديث المُعل في الاصطلاح :
ترد كلمة عِلة ومُعَلّ ، ومعلول في لسان الأئمة المتقدمين على معنيين :
المعنى الأوَّل : معنى عام ويراد به الأسباب التي تقدح في صحة الحديث
المانعة من العمل به . قال ابن الصلاح : « اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير
ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المُخرِجة له من حال الصحة إلى
حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل ؛ ولذلك
نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب ، والغفلة ، وسوء الحفظ ،
ونحو ذلك من أنواع الجرح ، وسمّى الترمذيُّ النسخَ علةً من علل الحديث » [24] .
وما قاله ابن الصلاح ظاهر ؛ ففي كتاب العلل لابن أبي حاتم ، وكتاب العلل
للدارقطني أمثلةٌ كثيرةٌ تدلُّ على ما قال ، وكذلك في تطبيقات الأئمة المتقدمين ؛
فالعلة عندهم لها معنى واسع وشامل ، بحيث تشمل ما قاله ابن الصلاح ، والمعنى
الخاص الآتي الذكر وإن كان المعنى الخاص هو مراد من نبه على قلة من تكلم في
هذا الفن ، وأنَّه علمٌ عزيزٌ وشريف ، طُوي بساطه منذ أزمان .
المعنى الثاني : معنى خاص ، ويشمل :
- الاختلاف في إسناد الحديث كرفعه ووقفه ، ووصله وإرساله ، وغير ذلك .
- الاختلاف في متن حديث كاختصار المتن ، أو الإدراج فيه ، أو روايته
بالمعنى وغير ذلك .
- العلة الغامضة في إسنادٍ ظاهرهُ الصحة حتى لو كان الإسناد فرداً ، وهذه
العلةُ الغامضةُ لا يمكن أن يوضع لها ضابط محدد لأنّ لها صوراً كثيرةً ومتعددةً ،
وفي بعضها دقة وغموض ، لا يعلمها إلاّ حذاق هذا الفن ؛ فمن ذلك مثلاً : ما قاله
يعقوب بن شيبة السدوسيّ : « كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عَنْ اثنين ،
فيسند الكلام عَنْ أحدهما ، فإذا حدّث به عَن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله »
[25] ، قال ابنُ رجب : « ومن هذا المعنى : أنّ ابن عيينة كان يروي عَنْ ليث ،
و ابن أبي نجيح جميعاً عَنْ مجاهد عَنْ أبي معمر عَنْ علي حديث القيام للجنازة ، قال
الحميديُّ : فكنا إذا وقفناه عليه لم يُدخل في الإسناد أبا معمر إلاَّ في حديث ليث
خاصة ، يعني أنّ حديث ابن أبي نجيح كان يرويه مجاهد عَنْ علي منقطعاً » [26] .
والاستعمال الثاني هو المراد في كلام كثير من المتأخرين ، وهو الذي ذكروه
في كتب المصطلح ، وهو مراد من تكلم عَنْ أهمية العلل ودقتها وقلة من برز فيها ،
وقد أشار إليه الحاكم في معرفة علوم الحديث [27] ، وعرّفه ابنُ الصلاح بقوله :
« هو الحديث الذي اطلع فيه على علةٍ تقدحُ في صحته مع أنّ ظاهره السلامة منها »
[28] ، وعرّفه ابنُ حجر بقوله : « هو حديث ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش
على قادح » [29] .
وعليه يكون الحديث المُعل متفاوتاً من حيثُ الظهور والخفاء ، والوضوح
والغموض ، وقد يكون الكلام على الحديث المعل من حيثُ الصناعة الحديثية ولا
يلزم من ذلك القدح في صحته ، والله أعلم .
تنبيه :
يجتهد بعضُ طلبة الحديث وفقهم الله لالتماس تعريفٍ دقيقٍ للحديثِ المُعل من
خلال كتاب علل ابن أبي حاتم فقط ، وفي هذا عندي نظر : من جهة أنّ ابنَ أبي
حاتم مات عَن الكتاب وهو مسودة لم يبيض [30] ، وقد أورد أحاديث استطراداً ليبين
أحكامها الفقهية ( رقم 1100 ، 1213 ، 1217 ) ، أو العقدية ( 2/209 رقم
2118 ) .
وللخروجِ بمعنى دقيق لا بدَّ من استقراء :
1 - كتب العلل الخاصة ، أو المتضمنة للعلل : كعلل ابن المديني ،
و الترمذي ، والدّارقُطنيّ ، و ابن الشهيد مع علل ابن أبي حاتم ، وكتاب التمييز
لمسلم بن الحجاج وغيرها .
2 - استعمالات الأئمة المتقدمين أمثال : شعبة بن الحجاج ، و يحيى القطان ،
و ابن المديني ، و ابن معين ، و أحمد بن حنبل ، و البخاري ، و مسلم بن الحجاج ،
و يعقوب بن شيبة ، و أبي زرعة ، و أبي حاتم ، و الترمذي ، و العقيلي .. إلى
الدّارقُطنيّ .
خطوات دراسة الحديث المُعل :
سننطلق في بيان هذه الخطوات من نصِّ إمامين من أئمة العلل هما : الإمام
أبو يوسف يعقوب بن شيبة السدُوسِي المتوفى سنة ( ت 262هـ ) [31] ، والإمام
أبو الحسن علي بن عُمَر الدّارقُطنيّ ( ت 385هـ ) رحمة الله عليهما ، قال عبدُ
الغني بنُ سعيد الأزدي ( ت 409هـ ) : « ولم يتكلم أحدٌ على علل الأحاديث بمثل
كلام يعقوب ، و علي بن المديني ، والدّارقُطنيّ » [32] .
كلامُ يعقوب بنِ شيبة :
قال أبو القاسم علي بنُ الحسن بن عساكر في تاريخه بعد أنْ ساقَ حديثَ :
« تابعوا بين الحج والعمرة » من طريق أبي يوسف يعقوب بن شيبة السدوسي قال :
« قال أبو يوسف : « تابعوا بين الحج » حديثٌ رواه عَاصِم بن عُبَيد الله بن عَاصِم
بن عُمَر بن الخطاب وهو مضطرب الحديث ، فاختلف عنه فيه ، فرواه عَنْ عاصم :
عبيد الله بن عُمَر ، و شريك بن عبد الله ، و سفيان بن عيينة ؛ فأمَّا : عبيدُ الله بن
عُمَر فإنه وَصَله وجوّده فرواه عنه عَنْ عبد الله بن عَامِر بن ربيعة ، عَنْ أبيه ، عَنْ
عُمَر [33] عَن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر فيه عُمَر ، رواه مرة أخرى عَنْ
عُمَر عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا نرى هذا الاضطراب إلا من عَاصِم وقد
بين ابنُ عيينة ذلك في حديثه قال علي بن المديني : قال سفيان بن عيينة : كان
عَاصِم يقول : عَنْ عبد الله بن عَامِر بن ربيعة عَنْ أبيه عَنْ عُمَر ، ومرة يقول :
عَنْ عبد الله بن عَامِر عَنْ عُمَر ولا يقول عَنْ أبيه » [34] .
كَلامُ الدّارقُطنيّ :
فقد سئل عَنْ حديثِ عَامِر بنِ ربيعة العدوي عَنْ عُمَر عَن النبي صلى الله
عليه وسلم : « تابعوا بين الحج والعمرة ؛ فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ » الحديث ،
فقالَ : « يرويه عَاصِمُ بنُ عُبَيد الله بن عَاصِم بن عُمَر بن الخطاب ولم يكن بالحافظ
رَواهُ عَنْ عبدِ الله بنِ عَامِر بن ربيعة عَنْ أبيه عَنْ عُمَر ، وكان يضطربُ فيه ،
فتارةً لا يذكر فيه عَامِر بنَ ربيعة فيجعله عَنْ عبد الله بن عَامِر عَنْ عُمَر ، وتارةً
يذكر فيه ، حَدّث به عنه : عُبيد الله بن عُمَر ، و محمد بن عَجلان ، و سفيان
الثوري ، و شريك بن عبد الله ، واختلف عنهم ؛ رواه ابنُ عُيينة عنه فبانَ
الاضطراب في الإسناد من قبل عَاصِم بن عُبَيد الله لا من قِبل من رواه عنه ، فأمّا
روايةُ عبيد الله بن عُمَر عَنْ عَاصِم فرواهُ زُهير ، و ابن نمير ، و عبدة بن سليمان ،
و أبو حفص الأبار ، و أبو بدر ، و محمد بن بشر عَنْ عبيد الله ، فاتفقوا على
قولٍ واحدٍ ، وأسندوه عَنْ عبد الله بن عَامِر عَنْ أبيه عَنْ عُمَر ، وخالفهم علي بن
مسهر ، و أبو أسامة ، و يحيى بن سعيد الأموي فرووه عَنْ عبيد الله ، ولم يذكروا
في الإسناد عَامِر بن ربيعة ، ورواه ابن عجلان عَنْ عَاصِم فَجَوّد إسناده خالدُ بنُ
الحارث عنه ، وخَالفه بكرُ بنُ صدقة عَنْ ابن عجلان فلم يذكر في الإسناد عَامِر بن
ربيعة ، وتابعه الليثُ بنُ سعد على إسناده إلا أنه وقفه ، ورواه الثوريُّ عَنْ عَاصِم
واختلف عنه ؛ فقال حسينُ بنُ حفص : عَنْ سفيان عَنْ عَاصِم عَنْ عبد الله بن عَامِر
عَنْ أبيه عَنْ عُمَر ، وخَالفه أبو أحمد الزبيريّ فرواه عَنْ الثوري فنقَصَ من إسنادهِ
عَامِر بنَ ربيعة ، ورواه محمدُ بنُ كثير عَنْ الثوري عَنْ عَاصِم عَنْ عبد الله بن
عَامِر عَنْ أبيه عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر فيه عُمَر ، ورواهُ شَريكُ
بن عبد الله عَنْ عَاصِم ، واختلف عنه فأسنده يحيى بن طلحة عَنْ شَريك وجوّد
إسنادَه ، وخَالفه أسباطُ بنُ محمد عَنْ شريك فلم يذكر في الإسناد عامراً . وقال
عثمانُ بنُ أبي شيبة عَنْ شريك عَنْ عَاصِم عَنْ عبد الله بن عَامِر عَنْ أبيه عَنْ النبي
صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر عُمَر . ورواهُ سفيانُ بنُ عيينة عَنْ عَاصِم فجوّد
إسنادَه وبين أنّ عاصماً كان يضطرب فيه ؛ فمرةً ينقصُ من إسنادهِ رجلاً ، ومرةً
يزيد فيه ، ومرةً يقفه على عُمَر ، وقال ابنُ عُيينة : وأكثر ذلك كان يقوله عَنْ عبد
الله بن عَامِر عَنْ أبيه عَنْ عُمَر عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم .. » [35] .
بيّن يعقوبُ بنُ شيبة ، والدّارقُطنيّ في كلامِهمَا السابق علةَ حديث عُمَر بن
الخطاب عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم : « تابعوا بين الحج والعمرة ... » بياناً
شافياً ، واشتمل بيانهما لعلة الحديث على عدة خطوات مرتبة :
1 - تحديد مدار الحديث :
بدأ يعقوبُ بذكرِ الراوي الذي تلتقي عنده الأسانيد وهو مدار الحديث وذكر
اسمه كاملاً فقال : « تابعوا بين الحج » حديثٌ رواه عَاصِم بن عُبَيد الله بنِ عَاصِم
بنِ عُمَر بن الخطاب » ، ونحوه قول الدّارقُطنيّ .
فالخطوة الأولى تحديد الراوي مدار الحديث من حيثُ اسمُهُ ونسبُهُ ومولدهُ
ووفاتهُ وموطنهُ وأشهر أو أبرز أو أجل شيوخه ، وأشهر تلاميذه [36] ، وقد عُني
المحدثون بمعرفة الرجال من جميع النواحي المتقدمة ؛ فمن الناحية الاسمية عُنُوا
بإزالة الإبهام وتعيين أسماء الرواة وآبائهم وكناهم وألقابهم وأنسابهم ، وضبطوا ذلك
بغاية الدقة ، وبينوا ما هو على ظاهره من الأنساب وما ليس على ظاهره ، وميزوا
كلَّ راوٍ عما سواه تمييزاً دقيقاً [37] ، وكذلك عُنُوا بتواريخ الرواة مولداً ووفاةً
وسماعاً [38] ، قال السخاويُّ : « تواريخ الرواة والوفيات ... وهو فنٌّ عظيم الوقع
من الدين ، قديم النفع به للمسلمين ، لا يستغنى عنه .. » [39] .
وللمتقدمين أقوال كثيرة دقيقة دالة على مدى اهتمامهم بهذا الجانب من علوم
الحديث ؛ فمن تلك الأقوال : قولُ سفيان الثوري : « لما استعمل الرواةُ الكذب ،
استعملنا لهم التاريخ » [40] ، وقولُ حفص بن غياث : « إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه
بالسنين » [41] ، وقولُ حسّان بن زيد : « لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ ،
نقول للشيخ : سنة كم ولدت ؟ فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من كذبه » [42] .
وهذه الخطوة من الأهمية بمكان حيث إنّ أسماء الرجال وأنسابهم وكناهم قد
تتشابه مما يوقع الباحث في أوهام كبيرة . قال المعلميُّ رحمة الله عليه « الأسماء
كثيراً ما تشتبه ويقع الغلط والمغالطة فيها ... وقد يقول المحدث كلمة في راوٍ فيظنها
السامع في آخر ، ويحكيها كذلك وقد يحكيها السامع فيمن قيلت فيه ويخطئ بعض
من بعده فيحملها على آخر ؛ ففي الرواة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام المخزومي ، و المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام الحزامي ،
و المغيرة بن عبد الرحمن بن عوف الأسدي ، حكى عباس الدوري عَنْ يحيى بن
معين توثيق الأوّل ، وتضعيف الثالث ، فحكى ابنُ أبي حاتم عَن الدوريّ عَنْ ابن
معين توثيق الثاني ووَهّمه المزيُّ ، ووثق أبو داود الثالث وضعف الأوَّل ، فذكرت
له حكاية الدوريّ عَن ابن معين فقال : غَلِط عباس ، وفي الرواة محمد بن ثابت
البناني و محمد بن ثابت العبدي وغيرهما ... وفي الرواة عُمَر بن نافع مولى ابن
عُمَر ، و عمر بن نافع الثقفي .. » [43] .
وقد كَثُرتْ أوهام المحققين المعاصرين في تسمية الرواة وأنسابهم ، وتجرؤوا
على كتب السلف ، بل قد وَهّموا الأئمة في ذلك !! والله المستعان .
ولا بدَّ هنا من التنبه إلى :
1 - عدم التوسع في هذه الخطوة بحيث تخرج عَنْ مقصودها الأصلي وهو
التعريف بالراوي المدار لا ترجمته ترجمةً مستوفية ؛ فمثلاً سعيد بن المسيب ،
و سالم بن عبد الله بن عُمَر ، و نافع مولى ابن عُمَر ، و الزهري ، و مالك بن أنس
وغيرهم من كبار الأئمة المشهورين بالثقة والعدالة لا حاجة للإطالة في تراجمهم
لشهرتهم بل يكتفى بتعريف مختصر .
2 - العناية بالرجوع إلى المصادر الأصلية المتقدمة التي عُنيت بهذا الجانب
كتاريخي البخاري الكبير ، والأوسط ، والجرح والتعديل وغيرها قدر الإمكان ؛ لأنّ
في رجوع الباحث للمصادر الأصلية المتقدمة تعميقاً لعلاقة طالب العلم بها ، وفهماً
لكلامهم في هذا الشأن ، ودُرْبة على طرائقهم في التأليف وغير ذلك من الفوائد .
2 - بيان حال الراوي الذي تلتقي عنده الأسانيد :
بعد تحديد المدار بيّن يعقوبُ بنُ شيبة حالَ المدار من حيثُ القوة والضعف
فقال : « وهو مضطرب الحديث » ، وقال الدّارقُطنيّ : « ولم يكن بالحافظ » .
فالخطوة الثانية دراسة حال الراوي من حيث القوة والضعف ، ويراعى في
دراسة حال المدار أمور :
1 - هل هو ثقة أو ضعيف أم فيه تفصيل ؟
2 - هل حديثه عَنْ جميع شيوخه متساوٍ أو فيه تفصيل ؛ فقوي عَنْ بعضهم ،
وضعيف عَن البعض الآخر .
3 - هل حديث تلاميذه عنه متساوٍ أو فيه تفصيل ؛ فبعضهم أقوى من بعض .
4 - هل حديثه مستقيم طوال عمره أم طرأ عليه تغير واختلاط ؟ وهل هذا
التغير ضار أم غير ضار ؟ وهل حدّث بعد التغير أم لا ؟ وهل ظهرت له مناكير
بعد التغير أم لا ؟ ولا بدَّ من تحديد مبدأ التغير والاختلاط بدقة .
5 - هل حديثه في جميع الأماكن متساوٍ ، أم فيه تفصيل ؟ وسببُ ذلكَ .
6 - هل وُصف بالتدليس ؟ وهل ثبت عنه ذلك ؟ وما نوعُ تدليسه ؟ وهل هو
مكثر منه أم مقل ؟ وهل تدليسه عام في شيوخه أم خاص ببعض الشيوخ ؟ وهل
يدلس عَن الثقات فقط أم عَن الثقات والضعفاء ؟ وكيفية تعامل الأئمة مع حديثه
المدلس [44] .
7 - هل هو يرسل عَنْ شيوخه ؟ وهل ثبت عنه ذلك ؟ فإن ثبت أنه يرسل
ينظر في ثبوت سماعه من شيوخه ؟ ويعتنى بكلام الإمام البخاري في تاريخه الكبير
والأوسط وتصرفاته في الصحيح .
وللشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمة الله عليه كلامٌ نفيسٌ في كيفية البحث عَنْ
أحوال الرواة في كتب الجرح والتعديل في كتابه القيّم « التنكيل » ولعلي أذكرها
باختصار خشية الإطالة ، وإنْ كانت جديرة بأن تذكر كاملة بحروفها ، قال [45] :
« من أحب أن ينظر في كتب الجرح والتعديل للبحث عَنْ حال رجل وقع في
سندٍ فعليه أن يراعي أموراً :
الأوَّل : إذا وجد ترجمة بمثل ذاك الاسم فليتثبت حتى يتحقق أن تلك الترجمة
هي لذاك الرجل .
الثاني : ليستوثق من صحة النسخة وليراجع غيرها إن تيسر له ليتحقق أنّ ما
فيها ثابت عَنْ مؤلف الكتاب .
الثالث : إذا وجد في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة
فلينظر أثابتةٌ هي عَنْ ذاك الإمام أم لا ؟
الرابع : ليستثبت أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة فإنّ الأسماء تتشابه .
الخامس : إذا رأى في الترجمة « وثقه فلان » أو « ضعفه فلان » أو
« كذبه فلان » فليبحث عَنْ عبارة فلان ؛ فقد لا يكون قال « هو ثقة » أو
« هو ضعيف » أو « هو كذاب » .
السادس : أصحاب الكتب كثيراً ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد
الاختصار أو غيره ، وربما يخل ذلك بالمعنى ..
السابع : قال ابن حجر في لسان الميزان ( 1/71 ) : وينبغي أن يتأمل أيضاً
أقوال المزكين ومخارجها ... فمن ذلك أن الدوري قال عَن ابن معين إنه سئل عَن
ابن إسحاق و موسى بن عبيدة الربذي أيهما أحب إليك ؟ فقال : ابن إسحاق ثقة .
وسئل عَنْ محمد بن إسحاق بمفرده فقال : صدوق وليس بحجة . ومثله أن أبا حاتم
قيل له : أيهما أحب إليك يونس أو عقيل ؟ فقال : عقيل لا بأس به . وهو يريد
تفضيله على يونس . وسئل عَنْ عقيل و زمعة بن صالح فقال : عقيل ثقة متقن .
وهذا حكم على اختلاف السؤال . وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام
أئمة أهل الجرح والتعديل ممن وثق رجلاً في وقت وجرحه في وقت آخر .
الثامن : ينبغي أن يبحث عَنْ معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله .
التاسع : ليبحث عَنْ رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه
مستعيناً على ذلك بتتبع كلامه في الرواة واختلاف الرواية عنه في بعضهم مع
مقارنة كلامه بكلام غيره .
العاشر : إذا جاء في الراوي جرح وتعديل فينبغي البحث عَنْ ذات [46] بين
الراوي وجارحه أو معدله من نفرة أو محبة ... » .
والحق أنّ كلام المعلمي هذا ينبغي أن يقرر على طلاب السنة وعلومها في
الدراسات العليا مع شرحٍ وتطبيق ، وأرجو أن يتحقق هذا ، والله الموفق .
ومما تقدم يتبين :
أ - أنّ دراسة حال الراوي ليست بالأمر الهيّن كما يظن البعض بل ربما
راجع الباحث عشرات الكتب ، ودرس عشرات الأسانيد للبحث عَنْ فائدة معينة ، أو
التحقق منها ، وربما بدأ بدراسة حال الراوي من مولده ونشأته إلى وفاته
لاستخلاص حكم دقيق لحاله ، وتأمل حال السلف في هذا الباب :
1 - قال محمدُ بنُ إبراهيم بن أبي شيخ الملطي : « جاء يحيى بن معين إلى
عفّان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة فقال : أما سمعتها من أحد ؟ قال : نعم حدثني
سبعة عشر نفساً عَنْ حماد ، قال : والله لا حدثتك ، فقال : إنما هو درهم ، وأنحدرُ
إلى البصرة فأسمع من التبوذكيّ قال : شأنك ، فانحدر إلى البصرة ، وجاء إلى
التبوذكي ، فقال له : أما سمعتها من أحد ؟ قال : سمعتها على الوجه من سبعة عشر
وأنت الثامن عشر ، قال : وما تصنع بهذا ؟ قال : إنّ حماد بن سلمة كان يخطئ
فأردت أن أميّزَ خطأه من خطأ غيره ؛ فإذا رأيتُ أصحابه اجتمعوا على شيء علمتُ
أنّ الخطأ من حماد نفسه ... » [47] .
2 - قال ابن حبان : « ولقد دخلتُ حمص وأكثر همي شأن بقية ، فتتبعت
حديثه وكتبت النسخ على الوجه ، وتتبعت ما لم أجد بعلو من رواية القدماء عنه ،
فرأيته ثقة مأموناً ؛ ولكنه كان مدلساً .. » [48] .
ب - أنَّ من يعتمد على الكتب المتأخرة فقط كما هو الجاري في كثير من
الأحيان دون الرجوع إلى المصادر الأصلية المتقدمة من تواريخ وسؤالات وعلل
وغيرها قد قصّر وربما فاته الشيء الكثير عَنْ هذا الراوي المعين ، والله المستعان .
3 - ذكر الرواة عَن المدار وبيان اختلافهم عنه :
بعد تحديد المدار ، وبيان درجته في الرواية ذكر يعقوب بن شيبة الرواة عَن
المدار وبين اختلافهم فقال : « فاختلف عنه فيه ، فرواه عَنْ عاصم : عبيد الله بن
عُمَر ، وشريك بن عبد الله ، وسفيان بن عيينة ؛ فأمَّا عبيدُ الله بن عُمَر فإنه وَصَله
وجوّده ، فرواه عنه عَنْ عبد الله بن عَامِر بن ربيعة ، عَن أبيه ، عَن عُمَر [49] عَن
النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر فيه عُمَر ، رواه مرة أخرى عَنْ عُمَر عَن النبي
صلى الله عليه وسلم » . وقال الدّارقُطنيّ : « حدّث به عنه : عبيد الله بن عُمَر
و محمد بن عجلان و سفيان الثوري و شريك بن عبد الله ، واختلف عنهم ... » .
فالخطوة الثالثة ذكر الرواة عَن المدار وبيان اختلافهم واتفاقهم عَن المدار ،
قال ابن حجر : « فمدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف » [50] ويراعى هنا
أمور :
1- التأكد من سلامة الإسناد إلى الراوي عَن المدار ، وأنه ثابت عنه ؛ فإن لم
يكن ثابتاً فلا يعتمد عليه ولا يذكر إلاّ من باب التنبيه عليه .
2 - التأكد من عدم وجود اختلاف على الراوي عَن المدار ؛ فإن كان هناك
اختلاف يُدْرس للتحقق من الرواية الراجحة .
3 - دراسة حال الراوي وبيان درجته من حيثُ الرواية ، ولا يتوسع في
ترجمته بل يذكر ما يفي بالغرض .
4 - ترتيب الروايات عَن المدار حسب الاتفاق والاختلاف ؛ فيُقال مثلاً :
اختلف عَن الزهري على خمسة أوجه :
الأوّل : رواه فلان ، وفلان في الراجح عنه عَن الزهري ..... يذكر الوجه .
الثاني : رواه فلان ، وفلان في الراجح عنه عَن الزهري ..... يذكر الوجه .
وهكذا .
4 - الموازنة بين الروايات وبيان الراجح وأسباب الترجيح :
بعد الخطوات السابقة بين يعقوب بن شيبة ، والدّارقُطنيّ أنّ سبب الاضطراب
في الحديث من عَاصِم بن عُبَيد الله نفسه لا من الرواة عنه ، وذكَرَا ما يدلُّ على ذلك
فقالَ يعقوبُ : « ولا نرى هذا الاضطراب إلا من عَاصِم ، وقد بين ابنُ عيينة ذلك
في حديثه قال علي بن المديني : قال سفيان بن عيينة : كان عَاصِم يقول : عَنْ عبد
الله بن عَامِر بن ربيعة عَنْ أبيه عَنْ عُمَر ومرة يقول : عَنْ عبد الله بن عَامِر عَنْ
عُمَر ولا يقول عَن أبيه » ، وقال الدّارقُطنيّ : « ورواه سفيانُ بنُ عيينة عَن عَاصِم
فجوَّد إسناده وبين أن عاصماً كان يضطرب فيه ؛ فمرة ينقص من إسناده رجلاً
ومرة يزيد ومرة يقفه على عُمَر ... » .
إذاً الخطوة الرابعة الموازنة بين الروايات وبيان الراجح وأسباب الترجيح ؛
وهذه من أهم خطوات الدراسة وبها يتميز الناقد البصير من غيره ، ومن خلالها
يتبين دقة نظر الباحث ، وعمق معرفته بالعلل ، ومنها يعرف فضل علم الأئمة
المتقدمين وبراعتهم ودقتهم ؛ فهناك قرائن وقواعد طبقها الأئمة للموازنة بين
الروايات المعلة ، قال ابن حجر : « والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا
يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد ، بل يرجحون بالقرائن » [51] ، وقال
ابنُ عبد الهادي عَنْ قبول زيادة الثقة : « فيه خلاف مشهور ؛ فمن الناس من يقبل
زيادة الثقة مطلقاً ، ومنهم من لا يقبلها ؛ والصحيح التفصيل وهو أنها تُقبل في
موضع ؛ دون موضع فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظاً ثبتاً والذي لم
يذكرها مثله أو دونه في الثقة كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله : « من
المسلمين » في صدقة الفطر ، واحتج بها أكثر العلماء ، وتقبل في موضع آخر
لقرائن تخصها ، ومن حكم في ذلك حكماً عاماً فقد غلط ؛ بل كل زيادة لها حكم
يخصها ؛ ففي موضع يجزم بصحتها .. وفي موضع يغلب على الظن صحتها ..
وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة .. وفي موضع يغلب على الظن خطؤها .. وفي
موضع يتوقف في الزيادة » [52] .
وقال العلائيُّ رحمة الله عليه : « وأمَّا أئمةُ الحديثِ فالمتقدمون منهم كيحيى
بن سعيد القطان ، و عبد الرحمن بن مهدي ، ومن بعدهما كعلي بن المديني و أحمد
بن حنبل ، و يحيى بن معين ، وهذه الطبقة ، وكذلك من بعدهم كالبخاريّ ، و أبي
حاتم ، و أبي زرعة الرازيين ، و مسلم ، و النسائي ، و الترمذي ، وأمثالهم ، ثم
الدارقطني و الخليلي كلُّ هؤلاء يقتضي تصرفهم في الزيادة قبولاً وردّاً الترجيح
بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث ، ولا يحكمون في المسألة بحُكْمٍ
كُليّ يعم جميعَ الأحاديث ، وهذا هو الحق الصواب كما سنبينه إن شاء اللهُ تعالى .. »
[53] .
والأئمةُ يصرحون أحياناً بهذه القرائن والطرق ، وأحياناً تفهم وتستنبط من
صنيعهم ؛ فمن تلك الطرق والقرائن [54] :
1 - الترجيح بالحفظ والإتقان والضبط .
2 - الترجيح بالعدد والكثرة .
3 - سلوك الراوي للجادة والطريق المشهور .
4 - الترجيح بالنظر إلى أصحاب الراوي المقدمين فيه .
5 - الترجيح باعتبار البلدان واتفاقها .
6 - الترجيح بالزيادة .
7 - عدمُ وجودِ الحديث في كتب الراوي الذي رُوي الحديث عنه .
8 - شهرة الحديث وانتشاره من طريق يدل على غلط من رواه من طريق
آخر .
9 - وجود قصة في الخبر تدل على صحة الطريق .
10 - التفرد عَنْ إمام مشهور وله تلاميذ كثيرون .
11 - تحديثُ الراوي في مكان ليس معه كتبه .
12 - التحديث بنزول مع إمكانية العلو في السماع .
13 - عدم العلم برواية الراوي عمن روى عنه ، أو عدم سماعه منه .
14 - إمكانية الجمع بين الروايات عند التساوي .
15 - رواية الراوي عَنْ أهل بيته .
16 - اختلاف المجالس وأوقات السماع .
17 - ورود الحديث بسلسلة إسناد لم يصح منها شيء .
18 - التحديث من كتاب .
19 - ضعف الراوي أو وهمه أو اضطرابه .
20 - مشابهة الحديث لحديث راوٍ ضعيف .
21 - أن يروي الرجل الحديثَ على وجهين : تارةً كذا ، وتارةً كذا ، ثم
يجمعهما معاً ؛ فهذا قرينة على صحتهما معاً .
22 - قبول الراوي للتلقين .
23 - ورود الحديث عَنْ راوٍ وقد ورد عنه ما يدل على خلافه موقوفاً .
24 - مخالفة الراوي لمَا روى سواء وُجِد اختلاف أو لم يوجد على تفصيل
في ذلك .
25 - اضطراب إحدى الروايات .
26 - دلالة الرواية على الكذب .
27 - شهرة الراوي بأمر معين ؛ كاختصار المتون ، أو الإدراج فيها ، أو
الرواية بالمعنى ، أو التصحيف في الألفاظ أو الأسماء ، أو قصر الأسانيد ، أو جمع
الرواة حال الرواية .
والحق أنَّ قرائن الترجيح كثيرة لا تنحصر ؛ فكلُّ حديثٍ له نقدٌ خاص . قال
ابنُ حجر : « ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع
الأحاديث ، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص ، وإنّما ينهض بذلك الممارس
الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات ، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام
بحكم كلي يشمل القاعدة بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث
بمفرده » [55] .
وقال ابن رجب : « قاعدةٌ مهمةٌ : حذّاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم
للحديث ، ومعرفتهم بالرجال ، وأحاديث كل واحد منهم ، لهم فهم خاص يفهمون به
أنَّ هذا الحديث يشبه حديث فلان ، ولا يشبه حديث فلان ، فيعللون الأحاديث بذلك ،
وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره ، وإنما يرجع فيه إلى مجرد الفهم والمعرفة
التي خصوا بها عَنْ سائر أهل العلم » [56] .
وفي الختام أنبه على أمور :
1 - ضرورة العنايةِ بعلم علل الحديث بالنسبة للمشتغلين بالحديث وعلومه ،
ومن لا يحسنه ولا يفهمه لا يحل له الحكم على الأحاديث حتى يتعلمه ويفهمه ،
وينبغي تشجيع الطلبة على دراسته ، وتقرير مقرر خاص لطلبة الدراسات العليا في
هذا الفن والبحث فيه .
2 - ضرورة فهم مصطلحات أئمة الحديث المتقدمين حسب استعمالهم لها عَن
طريق الجمع والاستقراء والدراسة والموازنة .
3 - اتباع الأئمةِ المتقدمين في تعليلهم للأخبار ، وعدم التسرع في الرد عليهم ،
وهذا من باب الاتباع المحمود لا التقليد المذموم .
4 - جمع طرقِ الحديث ، والنظر فيها مجتمعةً ، ومعرفة مراتب رواتها .
5 - اتباع منهجٍ منضبطٍ عند دراسةِ الحديثِ المُعل يوافق طريقة الأئمة
المتقدمين ، فيبدأ أوّلاً بتحديد مدار الحديث ، ثم بيان حال المدار من حيثُ القوة
والضعف ، ثم يذكر الرواة عَنْ المدار ويبين اختلافهم واتفاقهم عنه ، ثم يوازن بين
الروايات ويبين الراجح وأسباب الترجيح .
6 - خطأ من يقول إنَّ زيادة الثقة مقبولة مطلقاً ، فإنّ طريقة الأئمة المتقدمين
الحكم حسب القرائن ، وتقدم قريباً النقل في ذلك عَن ابن عبد الهادي ، و العلائيّ ،
و ابن حجر ، وقال ابن رجب : « ثم إنّ الخطيبَ تناقضَ فذكر في كتاب « الكفاية »
للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله كلها لا تعرف عَنْ
أحد من متقدمي الحفاظ ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين ، ثم إنه اختار أن
الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء ، وهذا يخالف
تصرفه في كتاب « تمييز المزيد » [57] .
7 - خطأ وضع حكمٍ أو قاعدةٍ كليةٍ في الترجيح بين الأحاديث المعلة ، بل
الأمر كما قال ابنُ حَجَر : « كل حديث يقوم به ترجيح خاص ... ولهذا لم يحكم
المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم
عندهم في كل حديث بمفرده » ، وقال البقاعي عند كلامه على تعارض الوصل
والإرسال : « إنّ ابنَ الصلاح خَلَطَ هنا طريقةَ المحدثين بطريقةِ الأصوليين ، فإن
للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظراً لم يحكه ، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل
عنه ، وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحكمٍ مطرد ، وإنما يديرون ذلك على القرائن »
[58] .
8 - أنَّ الأئمة المتقدمين أمثال شعبة بن الحجاج ، و يحيى القطان ، و علي
ابن المديني ، و أحمد بن حنبل ، و البخاري ، و يعقوب بن شيبة ، و أبي زرعة ،
و أبي حاتم ، و النسائي ، و الدّارقُطنيّ ، وغيرهم في باب التعليل كمسألة زيادة
الثقة ، والتعليل بالتفرد بضوابط متفقون بالجملة وإن وقع منهم بعض الاختلاف
الجزئي لأسباب معينة ؛ ومما يدل على ذلك :
قصة السائل مع أبي حاتم التي ذكرتها في أوَّل البحث ؛ وفيها يقول أبو حاتم :
« جاءني رجلٌ من جِلَّةِ أصحابِ الرأي مِنْ أهلِ الفهم منهم ، وَمَعَه دفترٌ فعرضه
عليَّ ، فقلتُ في بعضها : هذا حديثٌ خطأ قد دَخَل لصاحبه حديثٌ في حديث ،
وقلتُ في بعضه : هذا حديثٌ باطل ، وقلتُ في بعضه : هذا حديثٌ منكر ، وقلتُ
في بعضهِ : هذا حديثٌ كذب ، وسائرُ ذلك أحاديثُ صحاح ، فقال : من أين علمتَ
أنّ هذا خطأ ، وأنَّ هذا باطل ، وأنّ هذا كذب ؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني
غلطتُ وأني كذبتُ في حديث كذا ؟ فقلتُ : لا ، ما أدري هذا الجزء من رواية مَنْ
هو ، غير أني أعلم أن هذا خطأ ، وأنّ هذا الحديث باطل ، وأن هذا الحديث كذب ،
فقال : تدعي الغيب ؟ قال قلت : ما هذا ادعاء الغيب ، قال : فما الدليل على ما
تقول ؟ قلتُ : سلْ عما قلتُ من يحسن مثل ما أحسن ؛ فإن اتفقنا علمتَ أنَّا لم
نجازف ولم نقله إلا بفهم ، قال : من هو الذي يحسن مثل ما تحسن ؟ قلت : أبو
زرعة ... » .
وقال محمدُ بنُ صالح الكِيلِينِي : « سمعتُ أبا زرعة وقالَ لهُ رجلٌ : ما الحُجةُ
في تعليلكم الحديث ؟ قال : الحجة أنْ تسألني عن حديثٍ لهُ عِلةٌ فأذكرُ علتَه ثم تقصدُ
محمد بن مسلم بن وارة ، وتسأله عنه ، ولا تخبره بأنّك قد سألتني عنه فيذكر علته ،
ثم تقصدُ أبا حاتم فيعلله ، ثم تميزُ كلامَ كلّ منّا على ذلكَ الحديث ، فإنْ وجدتَ بيننا
خلافاً في علته ، فاعلم أنّ كلاً منا تكلم على مراده ، وإنْ وجدتَ الكلمة متفقة ، فاعلمْ
حقيقةَ هذا العلم ، قال : فَفَعَلَ الرجلُ ، فاتفقت كلمتُهم عليه ، فقال : أشهدُ أنَّ هذا
العلمَ إلهام » [59] .
9 - أنّ تعاليل الأئمة للأخبار مبنيةٌ في الغالب على الاختصار ، والإجمال ،
والإشارة ، فيقولون مثلاً : « الصواب رواية فلان » ، أو « وَهِمَ فلان » أو
« حديث فلان يشبه حديث فلان » أو « دَخَلَ حديثٌ في حديث » ولا يذكرون
الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول مع وجودها عندهم واستحضارهم إياها
وسببُ ذلك أنّ كلامهم في الغالب موجه إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية
والعلل والإشارة فيدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها ، وقد خشي
الأئمة من أنْ يساء الظن بهم إذا تكلموا بهذا الفن عند من لا يحسنه ولا يفهمه .
قالَ الإمامُ مسلم بن الحجاج : « أمّا بعد : فإنك يرحمك الله ذكرتَ أنّ قِبَلكَ
قوماً ينكرون قولَ القائلِ مِنْ أهلِ العلم إذا قالَ : هذا حديثٌ خطأ ، وهذا حديثٌ
صحيحٌ ، وفلانٌ يخطئ في روايته حديث كذا ، والصوابٌ ما روى فلانٌ بخلافهِ ،
وذكرتَ أنهم استعظموا ذلكَ مِن قولِ من قاله ونسبوه إلى اغتيابِ الصالحين مِن
السلف الماضين ، وحتى قالوا : إن مِن ادعى تمييز خطأ روايتهم من صوابها
متخرص بما لا علم له به ، ومدعٍ علمَ غيب لا يوصل إليه ، واعلم وفقنا الله وإياكَ
أنْ لولا كثرة جهلة العوام مستنكري الحق ورايه بالجهالة [**] لما بان فضل عالم
على جاهل ، ولا تبين علم من جهل ، ولكن الجاهل ينكر العلم لتركيب الجهل فيه ،
وضد العلم هو الجهل ؛ فكلُّ ضد نافٍ لضده ، دافع له لا محالة ، فلا يهولنك
استنكار الجهالِ وكثرة الرعاع لما خص به قوم وحرموه ؛ فإن اعتداد العلم دائر إلى
معدنه ، والجهل واقف على أهله » [60] .
وقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة : « لأنه ضرر على العامة أن يكشف
لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث ؛ لأنَّ علم العامة يقصر
عَنْ مثل هذا » [61] وانظر تعليق ابن رجب على كلام أبي داود في شرح العلل [62] .
وقد حصل ما خشي الأئمة منه فتجد بعض المشتغلين بالحديث فضلاً عَنْ
غيرهم يُغْلظ القول للأئمة عند نقله تعاليلهم للأخبار وأنه ما هكذا تُعل الأخبار ونحو
ذلك من العبارات ؛ لعدم فهمه لمرادهم وكيفية معرفة ذلك ، وفي الأمثلة التطبيقية
سأذكر حديثاً قال عنه أبو حاتم : « والحديثُ عندي ليس بصحيح كأنه موضوع »
فتعقبه بعضُ المعاصرين بقولهِ : « كذا قال أبو حاتم رحمه الله في العلل ، وهل
نترك ظاهر إسناد الحديث لكلام الإمام الحافظ أبي حاتم الرازي : ( كأنه موضوع )
أم نحكم بصحة الحديث بناءً على ظاهر إسناده ؟!! علمها عند ربي ، ولكن ما شهدنا
إلاّ بما علمنا وما كنا للغيب حافظين . فحكمنا على الإسناد بظاهر الصحة وتركنا ما
وراء ذلك » راجع كلام مسلم وتأمله !! .
وهنا كلامٌ نفيسٌ لابنِ رجب أرى لزاماً عليَّ أنْ أذكره بطولهِ ؛ لأنَّه يُعبر عَنْ
مرادي في هذا البحث ، ومقصدي منه . قالَ : « عَنْ أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه
عَن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا حُدِّثتم عني حديثاً تعرفونه ولا تنكرونه
فصدقوه ، فإني أقولُ ما يُعرف ولا ينكر ، وإذا حُدِّثتم عني بحديث تنكرونه ولا
تعرفونه فلا تصدقوا به ؛ فإني لا أقولُ ما يُنكر ولا يُعرف » ، وهذا الحديثُ معلولٌ
أيضاً ، وقد اختلفوا في إسنادهِ على ابنِ أبي ذئب ، ورواهُ الحفاظُ عنه عَنْ سعيد
مرسلاً ، والمرسلُ أصحُّ عند أئمة الحفاظ منهم : ابن معين و البخاري و أبو حاتم
الرازي و ابن خزيمة وقال : « ما رأيتُ أحداً من علماءِ الحديث يثبت وصله » .
وإنما يحملُ مثل هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة أئمةِ أهلِ
الحديث الجهابذة النقّاد الذين كثرت دراستهم لكلام النبيّ صلى الله عليه وسلم ،
ولكلام غيرهِ لحال رواةِ الأحاديثِ ونَقَلةِ الأخبارِ ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم وضبطهم
وحفظهم ؛ فإنَّ هؤلاءِ لهم نقدٌ خاصٌ في الحديثِ مختصونَ بمعرفتهِ كَمَا يختصُّ
الصيرفيُّ الحاذقُ بمعرفةِ النقودِ جيدها ورديئها وخالصها ومشوبها ، والجوهريُّ
الحاذقُ في معرفةِ الجوهر بانتقاد الجواهر .
وكلٌّ من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عَنْ سَبَب معرفتهِ ولا يقيمُ عليه دليلاً لغيرهِ ،
وآيةُ ذلكَ أنَّه يُعرَضُ الحديث الواحد على جماعةٍ ممنْ يعلمُ هذا العلم فيتفقون على
الجوابِ فيهِ مِنْ غيرِ مواطأة ، وقد امتحن منهم غير هذا مرّة في زمنِ أبي زرعة
وأبي حاتم فوجد الأمر على ذلكَ ، فقال السائلُ : « أشهدُ أنَّ هذا العلم إلهام » ، قال
الأعمشُ : « كان إبراهيمُ النخعيُّ صيرفياً في الحديثِ ، كنتُ أسمعُ من الرجال
فأعرض عليه ما سمعتهُ » ، وقال عَمرو بنُ قيس : « ينبغي لصاحبِ الحديثِ أنْ
يكونَ مثلَ الصيرفيّ الذي ينقد الدرهمَ الزائفَ والبهرج وكذا الحديث » .
وقال الأوزاعيُّ : « كنا نسمعُ الحديثَ فنعرضه عَلى أصحابنا كما نعرضُ
الدرهمَ الزائفَ على الصيارفة ؛ فما عرفوا أخذنا وما أنكروا تركنا » ، وقيل لعبدِ
الرحمن بنِ مهدي : إنك تقولُ للشيءِ : هذا يصحُ ، وهذا لم يثبتْ ؛ فعمن تقولُ ذلكَ ؟
فقالَ : أرأيتَ لو أتيتَ الناقدَ فأريته دراهمك فقال : هذا جيدٌ ، وهذا بهرج ، أكنتَ
تسأله عَن ذلك أو تسلم الأمرَ إليهِ ؟ قال : « لا بل كنتُ أسلمُ الأمرَ إليهِ ، فقالَ :
فهذا كذلك لطولِ المجادلةِ والمناظرةِ والخبرةِ ، وقد رُوي نحو هذا المعنى عَن الإمامِ
أحمد أيضاً وأنه قيل له : يا أبا عبد الله ! تقولُ : هذا الحديثُ منكرٌ ؛ فكيف علمتَ
ولم تكتبْ الحديثَ كلَّه ؟ قالَ : مثلنا كمثلِ ناقد العين لم تقع بيده العين كلها ؛ فإذا
وقع بيده الدينار يعلم بأنه جيّد ، أو أنه رديء ، وقال ابنُ مهدي : « معرفةُ الحديثِ
إلهام » ، وقالَ : « إنكارنا الحديثَ عند الجهال كهانة » . وقال أبو حاتم الرازي :
« مثل معرفةِ الحديثِ كمثلِ فصّ ثمنه مائة دينار وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة
دراهم » ، قال : « وكما لا يتهيأ للناقدِ أن يخبر بسبب نقدهِ ؛ فكذلكَ نحن رزقنا
علماً لا يتهيأ لنا أن نخبر كيف علمنا بأنَّ هذا حديثٌ كذب ، وأنّ هذا حديثٌ منكر إلا
بما نعرفه ، قال : « ويعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره ، فإن تخلف عنه في
الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش ، ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره فإن
خالفه في المائية والصلابة علم أنه زجاج ، ويعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه وأن
يكون كلاماً يصلح مثل أن يكون كلام النبوة ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم
تصح عدالته بروايته . والله أعلم » [63] .
وبكل حال ؛ فالجهابذةُ النقادُ العارفون بعللِ الحديثِ أفرادٌ قليلٌ من أهل
الحديث جداً ، وأوَّل من اشتهر في الكلام في نقد الحديث ابنِ سيرين ، ثم خَلفه
أيوب السختياني ، وأخَذَ ذلك عنه شعبةُ ، وأخذ عَنْ شعبة : يحيى القطان و ابن
مهدي ، وأخذ عنهما : أحمدُ و علي بن المديني و ابن معين ، وأخذ عنهم مثل :
البخاريّ و أبي داود ، و أبي زرعة ، و أبي حاتم ، وكان أبو زرعةَ في زمانه يقول :
« مَنْ قَالَ يفهم هذا وما أعزّه إلا رفعت هذا عَنْ واحد واثنين ؛ فما أقلّ من تجد
من يحسن هذا ! » ، ولما ماتَ أبو زرعة قال أبو حاتم : « ذهب الذي كان يحسن
هذا المعنى ، يعني أبا زرعة ، أي ما بقي بمصر ولا بالعراق واحد يحسن هذا ،
وقيل له بعد موت أبي زرعة : يُعرَفُ اليوم واحد يَعرِف هذا ؟ قال : لا ، وجاءَ بعد
هؤلاء جماعة منهم النسائي و العُقيلي و ابن عدي و الدّارقُطنيّ ، وقلّ مَن جَاء
بعدهم مَنْ هو بارع في معرفة ذلكَ حتى قال أبو الفرج الجوزي في أول كتابه
الموضوعات : « قلَّ من يفهم هذا بل عُدم » ، والله أعلم » [64] .
هذا ما تيسر كتابته ؛ فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له ، وإن يكن
خطأ فمني ومن الشيطانِ واللهُ منه بريء ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه .
________________________
(1) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص43) .
(2) مراد الحميديّ بقوله : (وليس فيه كتاب) يريد كتاباً جامعاً وشاملاً لجميع الوفيات بيّن ذلك ابنُ
الصلاح ، و الذهبيّ وإلاَّ فقد أُلفت كتبٌ كثيرة في معرفة الوفيات .
(3) سير أعلام النبلاء 19 : 124-125 .
(4) شرح علل الترمذي (2/467) .
(5) أُخذ هذا الموضوع رسائل دكتوراه في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ومن نعمةِ اللهِ
عليّ أنْ كنتُ أحد المشاركين في هذا المشروع القيم .
(6) مقدمة كتاب (الإمام علي بن المديني ومنهجه في نقد الرجال) ، ص 7 .
(7) العلل (1/381 رقم1136) ، وانظر أيضاً المسألة رقم (1184) .
(8) شرح علل الترمذي (2/757-758) ، نقد بعضُ المعاصرين كلامَ ابنِ رجب هذا ، ولو تأمل في
تعاليل الأئمة للأخبار لوجد ذلك بيناً واضحاً ، وإنّما أُوتي من عدم التوسع في قراءة كتب العلل ، وعدمِ
معرفةِ مناهج الأئمة في ذلك .
(9) النكت على كتاب ابن الصلاح (2/711) .
(10) النكت (2/726) .
(*) الكاغد : الورق .
(11) النبهرج : هو الباطل ، والرديء من الشيء ، لسان العرب (2/217) .
(12) تقدمة الجرح والتعديل ، ص 349 ، 351 .
(13) هو الجلد المدبوغ القاموس (2/696) .
(14) أخرجه : الترمذي في سننه ، كتاب الفتن ، باب ما جاء من أين يخرج الدجال (4/441 رقم
2237) ، و ابن ماجه في سننه كتاب الفتن ، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم وخروج
يأجوج و مأجوج (2/1353- 1354 رقم 4072) ، وابن أبي شيبة في المصنف (7/494) ، وأحمد
بن حنبل في مسنده (1/ 190 رقم 12) وغيرهم وقال الترمذي : (حسن غريب) ، وإسناده قويّ لا
ينزل عَنْ درجة الحسن ، وقد كتبتُ في تقويته جزءاً .
(15) الإرشاد (2/696 ، 697) ، وذكرها القزويني في التدوين في أخبار قزوين (3/2) ، والذهبي
في سير أعلام النبلاء (17/62) وإسنادها صحيح .
(16) (3/407 رقم 1866) .
(17) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/995- 996) .
(18) المرجع السابق (2/212) .
(19) المرجع السابق .
(20) شرح علل الترمذي (2/467 ، 468) .
(21) نزهة النظر ، ص45 .
(22) علوم الحديث (ص81-82) .
(23) قال الإمامُ البخاريُّ رحمة الله عليه (ما استصغرتُ نفسي عند أحدٍ إلاّ عند علي بنِ المديني)
تاريخ بغداد (2/17) .
(24) علوم الحديث (ص84) ، وانظر : ألفية السيوطي شرح أحمد شاكر (ص59-60) .
(25) شرح علل الترمذي (2/765) .
(26) المرجع السابق (2/764-765) وانظر : علل ابن أبي حاتم (رقم1130 ، 1185 ، 1194 ،
1227) .
(27) (ص107) .
(28) علوم الحديث (ص81) .
(29) فتح الباقي على ألفية العراقي (1/226) .
(30) أوردتُ الحجج الدالة على ذلك في القسم الذي حققته من علل ابن أبي حاتم (1/58-64) .
(31) يعقوبُ مع الإمام البخاريّ (ت 256هـ) من أبرز تلاميذ إمام العلل في زمانه علي بن المديني
(ت 234هـ) ، قال الذهبيُّ في ترجمته : (صاحب المسند الكبير العديم النظير المُعَلل ، الذي تم من
مسانيده نحوٌ من ثلاثين مجلداً) ، وقال أيضاً في تذكرة الحفاظ : (صاحب المسند الكبير المعلل ، ما
صُنف مسندٌ أحسن منه) انظر : السير 12/ 476 ، تذكرة الحفاظ 2/ 577 .
(32) ترتيب المدارك 2 / 57 .
(33) كذا وقع في المطبوع والمخطوط ، وسياق الكلام يدل على أنّ الأصوب حذف (عُمَر) هنا ، والله
أعلم .
(34) تاريخ دمشق (25/259) .
(35) علل الدّارقُطنيّ (2/127-131) .
(36) يستفاد أشهر الشيوخ وأشهر التلاميذ من الاستقراء ، أو من نصوص النقاد في ترجمته ، أو من
اختيار البخاري في التاريخ الكبير ، أو ابن أبي حاتم في الجرح ، أو الذهبي في الكاشف .
(37) انظر لمعرفة المصنفات في هذا : بحوث في تاريخ السنة المشرفة (183-191) ، وموارد
الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (396-402) وكلاهما للدكتور : أكرم العمري .
(38) انظر لمعرفة المصنفات في هذا المرجعين السابقين .
(39) فتح المغيث3/ 310 .
(40) الكامل 1/ 84 ، الكفاية ، ص 119 .
(41) الكفاية ، ص 119 .
(42) الجامع للخطيب1/ 131 .
(43) التنكيل (1/62-63) .
(44) يستفاد في هذا الباب من كتاب (منهج المتقدمين في التدليس) تأليف : ناصر الفهد ، تقديم
الشيخ : عبد الله السعد .
(45) التنكيل (1/62-72) .
(46) كذا وقع ، ويبدو أنّ في الكلام سقطاً ، والله أعلم .
(47) المجروحين (1/32) .
(48) المرجع السابق (1/200) .
(49) كذا وقع ، وتقدم التنبيه على ما فيه .
(50) النكت (2/711) .
(51) النكت (2/687) .
(52) نقله الزيلعي في نصب الراية (1/336-337) .
(53) نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد ، ص 209 .
(54) كان في النية أنْ أذكر لكل قرينةٍ مثالاً مع دراسته حسب الخطوات السابقة وهي ولله الحمد معدة
ولكن رأيتُ أنَّ المقام لا يسمح بذلكَ ؛ لأنَّ البحث سيطول جداً على القارئ في مثل هذا الموضع ،
وسأفرد البحث بكتاب ، وأذكر لكل قرينة مثالاً يوضحها إنْ شاء الله تعالى .
(55) النكت (2/712) .
(56) شرح علل الترمذي (2/757-758) .
(57) شرح علل الترمذي (2/638) .
(58) توضيح الأفكار (1/339-340) .
(59) معرفة علوم الحديث (113) ، الجامع لأخلاق الراوي (2/255-256) .
(**) هكذا في التمييز .
(60) التمييز (169) .
(61) (ص30) .
(62) (2/806-807) .
(63) الجرح والتعديل (1/351) ، وانظر : الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/255) .
(64) جامع العلوم والحكم (ص241-242) .

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 176 ] صــ ‌ 8 ربيع الآخر 1423 ـ يوليو 2002 ))
 

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:36 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.