ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #11  
قديم 09-05-05, 09:07 AM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي

وجزاكم أنتم خيراً كثيراً ونفع بكم ، وأسأل الله أن يحسن عاقبتنا جميعاً في الأمور كلها وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 21-10-05, 11:23 PM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 820
افتراضي

جزاك الله خير وغفر لك ورزقك الفردوس الأعلى

ويرفع للفائدة

والله المستعان
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 04-11-05, 06:55 PM
أبو فاطمة الاثري أبو فاطمة الاثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-03-05
المشاركات: 311
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الرحمن السديس

قال العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله كما في الدرر السنية 1/583
فعاد الذي عادى لدين محمد ** ووال الذي والاه من كل مهتد
وأحبب لحب الله من كان مؤمناً ** وأبغض لبعض الله أهل التمرد
وما الدين إلا الحب والبغض والولا ** كذاك البرا من كل غاو ومعتد


جميعاً جزاكم الله خير
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 06-11-05, 06:35 AM
هشام بن سعد هشام بن سعد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-09-04
المشاركات: 283
افتراضي

بسم الله والحمد لله
الشيخ ابن وهب ومما يُزاد إلى كلامكم أن الذهبي (السير 11/286) شكك في نسبة هذه الرسالة للإمام أحمد رحمه الله.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 06-11-05, 08:32 AM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 820
افتراضي

د . عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف

كلمات في الولاء والبراء



من الانحرافات الظاهرة التي تبدو طافية على السطح في مثل هذه الأيام ما نسمعه ونقرؤه من نشاط محموم ومكثف من أجل إقامة »السلام« مع يهود ، وإنهاء الصراع معهم في ظل الوفاق الدولي . ومن جانب آخر نشاهد كثرة ما يعقد فـي الساحة من مؤتمرات وملتقيات للتقارب بين الأديان ! والحوار والزمالة - بالذات - بين الإسلام والنصرانية.. وتلحظ على هؤلاء المشاركين في تلك المؤتمرات ممن يحسبون من أهل الإسلام هزيمة بالغة في نفـوسهم ، وحبّاً للدعة والراحة.. وكرهاً للجهاد وتوابعه ، فالإسلام دين السلام والوئـام و« التعايش السلمي»! حتى قال أحدهم : هيئة الأمم المتحدة تأخذ بالحل الإسلامي لمعالـجـة المشكلات التي تواجه الإنسانية! (1) كما تلمس من كلامهم استعداداً كاملاً للارتماء في أحضان الغرب.. فضلاً عن جهلهم المركب بعقيدة الإسلام الصحيح.. ومن أهمها عقيدة الولاء والبراء..

وهذه المكائد والمخططات - عموماً - حلقة من حلقات سابقة تستهدف القضاء على عقيدة البراءة من الكفار وبغضهم.. إضافة إلى كيد المبتدعة من الباطنيين وأشباههم.. ومع هذه الحملة الشرسة والمنظمة من أجل مسخ عقيدة البراء فإنك ترى - في الوقت نفسه - الفرقة والشحناء بين الدعاة المنتسبين لأهل السنة ، ولأجل هذا وذاك ، أحببت أن أؤكد على موضوع الولاء والبراء من خلال النقاط التالية .

- 1 -

إن الولاء والبراء من الإيمان ، بل هو شرط من الإيمان ، كما قال سبحانه : ((تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)) [المائدة:80-81] .

يقول ابن تيمية عن هذه الآية : »فذكر جملة شرطية تقتضي أن إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف "لو" التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال : ((ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ)) فدل ذلك على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ، لا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب ، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي ، وما أنزل إليه..« (2).

والولاء والبراء أيضاً أوثق عرى الإيمان ، كما قال -صلى الله عليه وسلم- : « أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله » رواه أحمد والحاكم .

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : « فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد ، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله.. ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء ، لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل ، ولا بين المؤمنين والكفار ، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (3) .

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : »أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين« رواه النسائي وأحمد .

وتأمل معي هذه العبارة الرائعة التي سطرها أبو الوفاء بن عقيل (ت 513 هـ) :

« إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان ، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة ، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون كفراً.. وعاشوا سنين ، وعظمت قبورهم ، واشتريت تصانيفهم ، وهذا يدل على برودة الدين في القلب » (4) .

- 2 -
الولاء معناه المحبة والمودة والقرب ، والبراء هو البغض والعداوة والبعد ، والولاء والبراء أمر قلبي في أصله.. لكن يظهر على اللسان والجوارح.. فالولاء لا يكون إلا لله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين كما قال سبحانه : ((إنَّمَا ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُــولُـــهُ والَّذِينَ آمَنُوا..)).. فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والإشفاق عليهم، والنصح لهم ، والدعاء لهم ، والسلام عليهم ، وزيارة مريضهم وتشييع ميتهم ومواساتهم وإعانتهم والسؤال عن أحوالهم ، وغير ذلك من وسائل تحقيق هذا الولاء .

والبراءة من الكفار تكون : ببغضهم - ديناً - وعدم بدئهم بالسلام وعدم التذلل لهم أو الإعجاب بهم ، والحذر من التشبه بهم ، وتحقيق مخالفتهم - شرعاً - وجهادهم بالمال واللسان والسنان ، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام (5) وغير ذلك من مقتضيات البراءة منهم (6).

- 3 -

أهل السنة يرحمون الخلق ويعرفون الحق ، فهم أحسن الناس للناس ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، وهم في وئام تام ، وتعاطف وتناصح وإشفاق كالجسد الواحـــد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى لـه سائر الجسد بالحمى والسهر ، حتى قال أحد علمائهم وهو - أيوب السَّخِتْياني -: « إنه ليبلغني عن الرجل من أهل السنة أنه مات ، فكأنما فقدت بعض أعضائي» (7) .

ولذا قال قوّام السنة إسماعيل الأصفهاني : "وعلى المرء محبة أهل السنة في أي مــوضــع كانوا رجاء محبة الله لـه ، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول الله تعالى : »وجبت محبتي للمتحابين فيّ ، والمتجالسين فيّ ، والمتلاقين فيّ« رواه مالك وأحمد ، وعـلـيه بغض أهل البدع في أي موضع كانوا حتى يكون ممن أحب في الله وأبغض في الله" (8) .

ولا شك أن هذا الولاء فيما بين أهل السنة ، إنماهو بسبب وحدة منهجهم ، واتحاد طريقتهم في التلقي والاستدلال ، والعقيدة والشريعة والسلوك ، ..

- 4 -

الكفار هم أعداؤنا قديماً وحديثاً سواء كانوا كفاراً أصليين كاليهود والنصارى أو مرتدين ، قال تعالى : ((لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)) [آل عمران 28] .

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية : "نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكفار وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال تعالى: ((ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)) أي ومن يرتكب نهي الله في هذا فهو بريء من الله ، كما قال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً..)) [النساء 144] ، وقال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ)) (9) .

فهذه حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ، وهي أن الكفار دائماً وأبداً هم أعداؤنا وخصومناً.. كما قرر ذلك القرآن في أكثر من موضع ، فقد بين الله سبحانه وتعالى هذه الحقيقة فقال سبحانه عنهم : ((لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ ولا ذِمَّةً..)) ، وقال تعالى : ((مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ولا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ..))، وقال سبحانه : ((ودَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم..)) ، هكذا حذر الله تعالى من الكفار: ((أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)).. ولكي يطمئن قلبك.. فانظر إلى التاريخ في القديم والحديث.. وما فعله الكفار في الماضي وما يفعلونه في هذه الأيام ، وما قد سيفعلونه مستقبلاً .

ورحم الله ابن القيم عندما عقد فصلاً فقال : « فصل في سياق الآيات الدالة على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم وخيانتهم وتمنيهم السوء لهم ، ومعاداة الرب تعالى لمن أعزهم أو والاهم أو ولاّهم أمر المسلمين» (10) .

- 5 -

إن الناس في ميزان الولاء والبراء على ثلاثة أصناف ، فأهل الإيمان والصلاح يجب علينا أن نحبهم ونواليهم . وأهل الكفر والنفاق يجب بغضهم والبراءة منهم ، وأما أصحاب الشائبتين ممن خلطوا عـمـلاً صالحاً وآخر سيئاً ، فالواجب أن نحبهم ونوليهم لما سهم من إيمان وتقوى وصلاح ، وفي الوقت نفسه نبغضهم ونعاديهم لما تلبسوا به من معاصٍ وفجور . وذلك لأن الولاء والبراء من الإيمان ، والإيمان عند أهل السنة ليس شيئاً واحداًلا يقبل التبعيض والتجزئة ، فهو يتبعض لأنه شعب متعددة كما جاء في حديث الصحيحين في شعب الإيمان "الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، والأحاديث في ذلك كثيرة معلومة، فإذا تقرر أن الإيمان شعب متعددة ويقبل التجزئة، فإنه يمكن اجتماع إيمان وكفر - غير ناقل عن الملة - في الشخص الواحد ودليله قوله تعالى : ((وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا..)) فأثبت الله تعالى لهم وصف الإيمان، مع أنهم متقاتلون، وقتال المسلم كفر كما في الحديث : « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ، وفي الـحديث الآخر يقول -صلى الله عليه وسلم- : « لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقـاب بعض » ، فدل ذلك على اجتماع الإيمان والكفر - الأصغر - في الشخص الواحد .

يقول ابن تيمية :

«أما أئمة السنة والجماعة ، فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم ، فيكون مع الرجل بعض الإيمان ، لا كله ، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه ، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه ، وولاية الله بحسب إيمان العبد وتقواه ، فيكون مع العبد من ولاية الله بحسب ما معه من الإيمان والتقوى ، فإن أولياء الله هم المؤمنون المتقون ، كما قال تعالى : ((أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُوا يَتَّقُونَ))" (11) .

- 6 -
موالاة الكفار ذات شعب متعددة ، وصور متنوعة.. وكما قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - : « مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة ، منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية.. ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات» (12) .

ويقول أيضاً : "ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة ، وقد يراد بها مطلق الحقيقة ، والأول هو الأصل عند الأصوليين ، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية ، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة.. إلى أن قال : »فقوله تعالى : ((ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ..)) قد فسرته السنة وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة ، العامة..» (13) .

فمن شعب موالاة الكفار ، التي توجب الخروج من الملة ؛ مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين كما قال سبحانه : ((ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ..)) [ البقرة: 102] .

ومنها عدم تكفير الكفار أو التوقف في كفرهم أو الشك فيه ، أو تصحيح مذهبهم (14).. فما بالك بحال من يدافع عنهم ويصفهم بأنهم إخواننا في الإنسانية - إن كانوا ملاحدة أو وثنيين - أو "أشقاؤنا" - إن كانوا يهوداً أو نصارى - فالجميع في زعمهم على ملة إبراهيم عليه السلام!

- 7 -

يقع خلط ولبس أحياناً بين حسن المعاملة مع الكفار - غير الحربيين - وبغض الكفار والبراءة منهم ، ويتعين معرفة الفرق بينهما ، فحسن التعامل معهم أمر ، وأما بغضهم وعداوتهم فأمر آخر ، وقد أجاد القرافي في "الفروق" عندما فرّق بينهما قائلاً :

« اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة بقوله ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ..)) الآية ، فمنع الموالاة والتودد ، وقال في الآية الأخرى : ((لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ..)) فلا بد من الجمع بين هذه النصوص ، وأن الإحسان لأهل الذمة مطلوب ، وأن التودد والموالاة منهي عنهما.. وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا لهم ؛ لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ودين الإسلام ، وقد حكى ابن حزم الإجماع - في مراتبه - على أن من كان في الذمة ، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه ، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح.. فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على موادات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر ، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع ، وصار من قبل ما نهي عنه في الآية وغيرها ، ويتضح ذلك بالمثل ، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا والقيام لهم حينئذ ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها ، هذا كله حرام ، وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق وأخلينا لهم واسعها ورحبتها والسهل منها ، وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس والولد مع الوالد ، فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفر وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه واحتقار أهله ، وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادماً ولا أجيراً يؤمر عليه وينهى.. وأما ما أمر من برهم من غير مودة باطنية كالرفق بضعيفهم ، وإطعام جائعهم ، وإكساء عاريهم ، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة ، واحتمال أذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفاً معهم لا خوفاً وتعظيماً، والـدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم.. فجميع ما نفعله معهم من ذلك لا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم ، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا -صلى الله عليه وسلم- ، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا ، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا عز وجل، ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالاً لأمر ربنا..» (15).

- 8 -

وإن من أعظم ثمرات القيام بهذا الأصل : تحقيق أوثق عرى الايمان ، والفوز بمرضاة الله الغفور الرحيم ، والنجاة من سخط الجبار جل جلاله ، كما قال سبحانه : ((تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَـالِــدُونَ * ولَــوْ كَـانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)) [المائدة:79-80] .

ومن ثمرات القيام بالولاء والبراء : السلامة من الفتن.. قال سبحانه : ((والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ)) [ الأنفال:73] .

يقول ابن كثير: "أي إن تجانبوا المشركين ، وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل" (16) .

ومن ثمرات تحقيق هذا الأصل: حصول النعم والخيرات في الدنيا، والثناء الحسن في الدارين، كما قال أحد أهل العلم: "وتأمل قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام : ((فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ ويَعْقُوبَ وكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِياً * ووَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِياً)) [مريم: 50] ، فهذا ظاهر أن اعتزال الكفار سبب لهذه النعم كلها ولهذا الثناء الجميل - إلى أن قال - فاعلم أن فرط اعتزال أعداء الله تعالى والتجنب عنهم صلاح الدنيا والآخرة بذلك ، يدل على ذلك قوله تعالى : ((ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ)) [ هود:113]" (17) .

وهذا أمر مشاهد معلوم ، فأعلام هذه الأمة ممن حققوا هذا الأصل قولاً وعملاً ، لا زلنا نترحم عليهم ، ونذكرهم بالخير ، ولا يزال لهم لسان صدق في العالمين.. فضلاً عن نصر الله تعالى لهم والعاقبة لهم.. فانظر مثلاً إلى موقف الصديق -رضي الله عنه- من المرتدين ومانعي الزكاة.. عندما حقق هذا الأصل فيهم.. فنصره الله عليهم وأظهر الله تعالى بسببه الدين.. وهذا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقف موقفاً شجاعاً أمام المبتدعة في فتنة القول بخلق القرآن.. فلا يداهن ولا يتنازل.. فنصر الله به مذهب أهل السنة وأخزى المخالفين.. وهذا صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- يجاهد الصليبيين - تحقيقاً لهذا الأصل - فينصره الله تعالى عليهم ويكبت القوم الكافرين.. والأمثلة كثيرة..

فيجب على الدعاة إلى الله تعالى أن يحققوا هذا الأصل في أنفسهم اعتقاداً وقولاً وعملاً ، وأن تقدم البرامج الجادة - للمدعوين- من أجل تحقيق عقيدة الولاء والبراء ولوازمهما.. وذلك من خلال ربط الأمة بكتاب الله تعالى ، والسيرة النبوية ، وقراءة كتب التاريخ ، واستعراض تاريخ الصراع بين أهل الإيمان والكفر القديم والحديث ، والكشف عن مكائد الأعداء ومكرهم "المنظم" في سبيل القضاء على هذه الأمة ودينها ، والقيام بأنشطة عملية في سبيل تحقيق الولاء والبراء كالإنفاق في سبيل الله ، والتواصل واللقاء مع الدعاة من أهل السنة في مختلف الأماكن ، ومتابعة أخبارهم ونحو ذلك .

الهوامش :

1- د. معروف الدواليبي / انظر جريدة العالم الإسلامي بمكة عدد 1243 . وانظر دور هيئة الأمم في إسقاط عقيدة الولاء في كتاب الجهاد للعلياني .

2- من كتاب الإيمان ص 14

3- من رسالته أوثق عرى الإيمان ص 38 .

4- من لآداب الشرعية لابن مفلح 1/268 .

5- يقول القاضي أبو يعلي :"وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام المسلمين دون الكفر فهي دار الإسلام ، وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الاسلام فهي دار الكفر" ، المعتمد في أصول الدين ص 276.

6- انظر تفصيل ذلك في كتاب الولاء والبراء للقحطاني، وكتاب الموالاة والمعاداة للجلعود.

7- الحجة في بيان المحجة للأصفهاني (قوام السنة) 2/487 .

8- المرجع السابق 2/501 .

9- تفسير ابن كثير 1/ 357 .

10- أحكام أهل الذمة 1/238 .

11- الأصفهانية ص 144 .

12- الدرر السنية 7/159 .

13- مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 3/7-10 .

14- انظر الشفا لعياض 2/1071 .

15- مختصراً من الفروق 3/14-15 .

16- تفسير ابن كثير 2/316 .

17- من كتاب منهاج الصواب في قبح استكتاب أهل الكتاب ص 52 ، وانظر أضواء البيان للشنقيطي 2/485 .

مجلة البيان – العدد 51 - شوال 1412 هـ .
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 06-11-05, 08:35 AM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 820
افتراضي

د . عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف

أحوال السلف الصالح في تحقيق عقيدة الولاء والبراء



يقول أبو الدرداءِ- رضي الله عنه- : " ما أنصف إخواننا الأغنياء، يحبوننا في الله ويفارقوننا في الدنيا، إذا لقيته قال : أحبكَ يا أبا الدرداء ، فإذا احتجت إليه في شيءٍ امتنع مني " [1]

ويقول أيوب السيختياني- رحمه الله- : " إنَّه ليبلغني عن الرجل من أهل السنة أنَّه مات، فكأنما فقدتُ بعض أعضائي " .

وكان أحمد بن حنبل- رحمه الله- إمام أهل السنة، إذا نظر إلى نصراني أغمض عينيه ، فقيل له في ذلك، فقال- رحمه الله- : " لا أقدرُ أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه " [2] فانظر - يا رعاك الله – كيف كان تعظيم الله وتوقيره في قلب الإمام أحمد يجعله لا يطيق النظر إلى من افترى على الله وكذب عليه ، وأي افتراء أعظم من مقالة النصارى أن لله ولد – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – قال عمر بن الخطاب في شان النصارى : " أهينوهم ولا تظلموهم ، فإنهم سبُّوا الله تعالى أعظم المسبة " .

وهذا بهلول بن راشد رحمه الله من أصحاب مالك بن أنس رحمه الله دفع إلى بعض أصحابه دينارين ليشتري به زيتاً ، فذُكر للرجل أن عند نصراني زيتاً أعذب ما يوجد . فانطلق إليه الرجل بالدينارين وأخبر النصراني أنه يريد زيتاً عذباً لبهلول بن راشد ، فقال النصراني : نتقرب إلى الله تعالى بخدمة بهلول كما تتقربون أنتم إلى الله بخدمته . وأعطاه بالدينارين من الزيت ما يعطى بأربعة دنانير، ثم أقبل الرجل إلى بهلول وأخبره الخبر ، فقال بهلول : قضيت حاجةً فاض لي الأخرى ، رُدَّ علىّ الدينارين فقال : لم ؟ قال: تذّكرت قول الله تعالى : (( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) (المجادلة: من الآية22) .

فخشيت أن آكل زيت النصراني فأجد له في قلبي مودة فأكون ممن حاد الله ورسوله على عرض من الدنيا يسير [3]

وسئل الإمام أحمد عن جار رافضي ؟ فقال : " لا تسلم عليه ، وإذا سلم لا يُرد عليه " [4] وكان ابن رجاءٍ من الحنابلة، يهجرُ من باع لرافضي كفنه ، أو غسله ، أو حمله [5]

ولما كان العزُّ بن عبد السلام في دمشق، وقعَ فيها غلاءٌ فاحش، حتى صارت البساتينُ تباع بالثمن القليل ، فأعطتهُ زوجته ذهباً وقالت : اشرِ لنا بستاناً نصيّف فيه، فأخذ الذهبَ وباعهُ، وتصدق بثمنه، فقالت: يا سيدي اشتريت لنا ؟ قال : نعم بستاناً في الجنة. إنِّي وجدتُ الناس في شدةٍ، فتصدقتُ بثمنه، فقالت المرأة : جزاك الله خيراً [6]

وهذا محمد بن عبدوس المالكي، من علماءِ المالكية، كان في غايةِ النصحِ والإشفاقِ على المسلمين، ففي أحدَ المرات ذهبَ إلى أحدِ أصحابه وعليه جُبَّةَ صوف، وكانت ليلةً شاتيةً، فقال له : ما نمتُ الليلةَ غمّاً لفقراءِ أمة محمد ، ثم قال : هذه مائةُ دينار ذهبا،ً غلةُ ضيعتي هذا العام، أحذر أن تُمسي وعندك منها شيء وانصرف .

دخل أبو الوليد الطرطوشي- رحمه الله- على الخليفة في مصر، فوجدَ عنده وزيراً راهباً نصرانياً، قد سلّم إليه القيادة، وكان يأخذُ برأيهِ، فقال الطرطوشي:

يا أيها الملك الذي جودهُ يطلبهُ القاصدُ والراغب

إنَّ الذي شرفت من أجله يزعمُ هذا أنَّه كاذب [7]

فعندئذٍ اشتد غضبُ الخليفة، فأمرَ بالراهبِ فسُحبَ وضُرب ، وأقبل على الشيخِ فأكرمهُ وعظَّمهُ بعد ما كان قد عزم على إيذائه .

يقول القرافي معلقاً على هذه القصة : " لما استحضر الخليفةُ تكذيب الراهبِ للرسول- صلى الله عليه وسلم- وهو سببُ شرفه ، وشرفَ آبائهِ وأهل الأرض ، بعثهُ ذلك عن البعدِ عن السكونِ إليه والمودة، وأبعدهُ عن منازلِ العزِّ إلى ما يليقُ به من الذلِ والصغار [8]



--------------------------------------------------------------------------------

[1] الزهد لابن المبارك ( ص 232) .

[2] طبقات الحنابلة ( 1/12) .

[3] ترتيب المدارك للقاضي عياض ( 1/337) .

[4] طبقات الحنابلة ( 2/14) .

[5] طبقات الحنابلة ( 2/57) .

[6] طبقات الشافعية للسبكي ( 214) .

[7] الذي شرفت من أجله هو النبي صلى الله عليه وسلم .

[8] الفروق ( 3/16) .
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 06-11-05, 08:38 AM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 820
افتراضي

د . عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف

الحب في الله والبغض في الله




الحمد لله رب العالمين ، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد .

فإنَّ الحبُّ في الله والبغضُ في الله أوثقُ عرى الإيمان ، وتحقيقهُ في واقعنا هو المقياسُ الشرعي السديد تجاه الناس بشتى أنواعهم ، والحبُّ في الله والبغض في الله هو الحصنُ الحصينِ لعقائدِ المسلمين وأخلاقهم أمام تياراتِ التذويب والمسخ، كزمالةِ الأديان والنظام العالمي الجديد، والعولمة ونحوها .

ومسائلُ هذا الموضوع كثيرة ومتعددة ، وقد عُني العلماء قديماً وحديثاً بتحريرها وتقريرها ، لكن ثمة مسائل مهمة – في نظري – تحتاجُ إلى مزيدِ بحثٍ وتحقيقٍ وإظهار .

منها : أنَّ الحبّ في اللهِ تعالى والبغضُ في الله متفرعٌ عن حبِ الله تعالى ، فهو من لوازمهِ ومقتضياته ، فلا يمكنُ أن يتحققَ هذا الأصلُ إلاَّ بتحقيقِ عبادةِ الله تعالى وحبّه ، فكلَّما ازدادَ الشخصُ عبادةً لله تعالى وحدهُ ازدادَ تحقيقاً للحبّ في الله والبغضُ في الله ، كما هو ظاهرٌ في قصة الخليل إبراهيم- عليه السلام- وهو أظهرُ في سيرة نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- .

ومنها: أنَّ الحبّ في الله والبغضُ في الله لهُ لوازمُ ومقتضيات ، فلازمُ الحبِّ في الله : الولاءُ، ولازمُ البغضِ في الله البراء ، فالحبُّ والبغضُ أمرٌ باطنٌ في القلب ، والولاءُ والبراء أمرٌ ظاهرٌ، كالنصحِ للمسلمين ونصرتهم والذب عنهم ومواساتهم ، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، وترك التشبه بالكفار، ومخالفتهم ، وعدم الركونِ، والثقة بهم ، فإذا انتفى اللازم – الولاء والبراء – انتفى الملزوم – الحبُ والبغض – هذا التلازمُ بين الحب والبغض ، وبين الولاءِ والبراءِ، يتسقُ مع التلازمِ بين الظاهرِ والباطنِ في الإيمان .

ومنها : أنَّ الحبُ في الله والبغضُ في الله من أعظمِ أسبابِ إظهارِ دين الإسلام ، وكفِّ أذى المشركين ، بل إنَّ تحقيقهُ سببٌ في إسلامِ الكافرين ، وها ك بعض الأحداث التي تقررُ ذلك ، فقد ساقَ شيخُ الإسلام ابن تيمية جملةً ممَّا ذكره الواقدي في معازيه وغيره .

فمن ذلك أنَّ اليهود خافت وذلت من يومِ قتلِ رئيسهم كعب بن الأشراف على يدِ محمدٍ بن مسلمة – رضي الله عنه - [1]

ويقول شيخ الإسلام : " وكان عددُ من المشركين يكفون عن أشياءَ ممَّا يؤذي المسلمين، خشية هجاءِ حسان بن ثابت ، حتى إنَّ كعب بن الأشراف لما ذهبَ إلى مكة، كان كلَّما نزلَ عند أهلِ بيتٍ هجاهم حسان بقصيدة ، فيخرجونهُ من عندهم ، حتى لم يبق بمكة من يؤويه " [2]

ولما قَتل مُحيَّصةَ – رضي الله عنه – ذلك اليهودي فزجرهُ أخوهُ حويصة ، قال مُحيَّصة : " والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلكَ لضربتُ عُنقك، فقال حويصة : والله إنَّ ديناً بلغَ منك هذا لعَجَبٌ، ثُمَّ أسلم حويصة " [3]

ولعلَّ هذه الرسالة المختصرة تحققُ شيئاً من هذا الأصلِ الكبير عموماً ، وتُظهرُ جملة من المسائل المذكورة خصوصاً ، وبالله التوفيق .

أهمية الموضوع

قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم- : (( أوثق عرى الإيمان : الحبُ في الله والبغضُ في الله )) وفي حديث آخر، قال- صلى الله عليه وسلم- : (( من أحبَّ في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله ؛ فقد استكمل الإيمان)) ([4]) إذاً الحبُ في الله والبغض في الله ليس إيماناً فحسب ، بل هو آ كد وأوثق عُرى الإيمان ، فحريٌّ بنا أن نحرص على هذا الأمر .

كان- صلى الله عليه وسلم- يُبايعُ على هذا الأمر العظيم ، فقد جاءَ عن جرير بن عبد الله البجلي- رضي الله عنه- أنَّهُ قال : أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يبايعُ فقلت : يا رسول الله ، أبسط يدك حتى أبايعك ، واشترطُ علىّ وأنت أعلم . فقال : ((أبايعك على أن تعبد الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتُناصح المسلمين ، وتفارق المشركين)) [5] .

هذا هو الشاهد ، فهو- صلى الله عليه وسلم- بايع جرير بن عبد الله على أن ينا صح المسلمين، وهذا هو الحبُ في الله ، ويفارقُ المشركين، وهذا هو البغضُ في الله , تفارق المشركين بقلبك وقالبك ، بقلبك بأن تبغضهم وتعاديهم كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله ، وتفارقهم بجسدكَ كما سيأتي الإشارةُ إلى الهجرة، وهي الانتقالُ من دارِ الكفرِ إلى دارِ الإسلام، إذا لم يكن الشخص مستطيعاً أن يظهرَ دينهُ في بلاد الكفر، وكان قادراً على الهجرة ؛ فإذا اجتمع الأمران تعيّنَ عليه الهجرة والانتقال من دارِ الكفر إلى دار الإسلام .

جاءَ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- لما سألَ الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن آيات الإسلام ، فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم- : (( أن تقول أسلمت وجهي لله عز وجل وتخليت ،وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم قال : كل مسلم على مسلم حرام أخوان نصيران ، لا يقبل الله عز وجل من مشركٍ بعد ما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين )) [6] .

فتأمل رحمك الله كيف أنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- جعل ذلك شرطاً في قبول العمل ، ولا شكَّ أن هذا مقتضٍ البغضُ في الله لأعداء الله عز وجل، من الكافرين والمرتدين، قال الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله عليهم- : " فهل يتم الدين أو يقام علمُ الجهاد أو علمُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاَّ بالحبِ في الله والبغض في الله ، والمعاداة في الله، والموالاة في الله ، ولو كان الناسُ متفقين على طريقةٍ واحدةٍ، ومحبةٍ من غيرِ عداوةِ ولا بغضاء، لم يكن فرقاناً بين الحقِّ والباطل ، ولا بين المؤمنين والكفار ، ولا بين أولياءِ الرحمن وأولياء الشيطان " [7]

الحبُ في الله والبغض في الله من مكملات حبِّ الله عز وجل، وحب الرسول- صلى الله عليه وسلم-، فإنَّ حبَّ الله وحبَّ الرسول من أعظم الفرائض والواجبات وآكدها ، وفي المقابلِ فإنَّ بغضَ رسولهِ، أو بغضَ شيءٍ مما جاءَ عن الله، أو صحّ عن رسول الله، فهو من أنواعِ الردةِ والخروج عن الملة .

الناظرُ إلى واقع المسلمين الآن، يجدُ أنَّهم قد ضيّعوا هذا الأصل ، فربما كان الحبُ من أجل شهوات، فيتحابون من أجل المال ، ويتباغضون من أجل المال ، ويتحابون من أجلِ القبيلة والعشيرة، ويتباغضون من أجلها، فإذا كان الشخصُ من قبيلتهم أحبوهُ، ولو كان كافراً، ولو كان تاركاً للصلاة مثلاً، والشخص يبغضونه إن لم يكن منهم، أو من عشيرتهم، ولو كان أفضلُ الناسِ صلاحاً و تقى ، ورُبما حصل الحبُ من أجلِ وطنٍ أو من أجلِ قومية ، وكلُ ذلك لا يجدي على أهلهِ شيئاً ، ولا تنفع هذه الصلاة وتلك المودات ؛ فلا يُبتغى بها وجهُ الله، ولا قيمةَ لها عند الله .

وقد أشارَ إلى هذا ابن عباسٍ حبرَ هذه الأمة وترجمان القرآن فيما معناه : " من أحبَّ في الله وأبغض في الله ، ووالى في الله وعادى في الله ؛ فإنَّما تُنال ولايةُ الله بذلك " أي إذا أردت أن تكون ولياً من أولياء الله عليك بهذا الأمر .

ثُمَّ قال ابن عباس : " ولن يجد أحدٌ طعمَ الإيمان إلاَّ بذلك ، وقد صارت عامة

مؤاخاة الناس لأجل الدنيا ، وذلك لا يُجدي على أهله شيئاً "، وصدق- رضي الله عنه-، فهذا في كتاب الله عز وجل ، قال تعالى : (( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ)) (البقرة:166) .

قال ابن عباس ومجاهد : المراد بالأسباب هنا : المودات والصلات التي ليست لأجلِ الله تعالى " لماذا ؟ لأنَّ الحبَّ في الله، والبغض في الله، يُرادُ به وجهُ الله ، والله تعالى هو الباقي سُبحانه الدائم ، فلهذا ما كان للهِ يبقى ، أما ما لم يكن لله فهو يضمحلُ، فالشخصُ الذي يحبُ آخر من أجلِّ الدنيا هذه الرابطة تنتهي وتفني، وتتقطع وتجد أن هؤلاء يتعادون .

يقولُ شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- : " والناس إذا تعاونوا على الإثمِ والعدوان أبغض بعضهم بعضاً ، وإن كانوا فعلوا بتراضيهم ، قال طاووس : " ما اجتمع رجلانِ على غير ذات الله إلاَّ تفرقا عن تقال، ... إلى أن قال : فالمخالة إذا كانت على غيرِ مصلحةِ الاثنين، كانت عاقبتها عداوة ، وإنَّما تكون على مصلحتها إذا كانت في ذات الله " [8] .

وهذا واقع ؛ فنجد الذين يجتمعون على شرٍ أو فساد – مثلاً – سرعان ما يتعادون ورُبما فضح بعضهم الآخر .

قال أبو الوفاء بن عقيل ( 513هـ ) -رحمه الله- : " إذا أردت أن تعلمَ محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبوابِ الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنَّما انظر إلى مواطأتهم أعداءَ الشريعة "

ثم قال- رحمه الله- : " عاش ابن الرواندي والمعري- عليهم لعائن الله- ينظمون وينثرون كفراً ، عاشوا سنين، وعُظِّمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم ، وهذا يدلُ على برودةِ الدين في القلب " والآن أيُّها الإخوة تجدون كثيراً من المجلات والصحف، والمؤلفات الساقطةِ التي تحاربُ دينَ الله عز وجل ؛ ومع ذلك ترى الكثيرِ من أهلِ الصلاة قد انكبوا على شرائها، أو الاشتراك فيها .

نحنُ في زمانٍ حصل فيه تلبيسٌ وقلبٌ للمفاهيم ؛ فتجد بعض الناس إذا تحدث عن الحبِ في الله والبغض في الله، قال : هذا يُؤدي إلى نفر ة الناس ، يؤدي إلى كراهيةِ الناس لدين الله عز وجل .

وهذا الفهمُ مصيبة ، فالناسُ يقعون في المداهنةِ والتنازلاتِ في دين الله عز وجل باسمِ السماحة، ، ولا شك أنَّ هذا من التلبيس، فالحبُ في الله، والبغض في الله، ينبغي أن يتحققَ ، وينبغي أن يكون ظاهراً ؛ لأنَّ هذا أمرٌ فرضهُ الله علينا ، ولهذا يقولُ ابن القيم- رحمه الله- عن مكائدِ النفس الأمارةِ بالسوء : " إنَّ النفسَ الأمارة بالسوء تُرى صاحبها صورة الصدق، وجهاد من خرج عن دينه، وأمره في قالب الانتصاب لعداوة الخلق، وأذاهم وحربهم ، وأنَّهُ يُعرضُ نفسهُ للبلاءِ ما لا يطيق، وأنَّهُ يصيرُ غرضاً لسهام الطاعنين وأمثال ذلك من الشبه " [9]

فبعضُ الناس يقول : لو أحببنا هذا الشخص في الله ، وأبغضنا فلاناً الكافر أو المرتد، لأدّى هذا إلى العداوةِ وإلى أنَّهُ يُناصبنا العداء ، وهذا من مكائدِ الشيطان ، فعلى الإنسانِ أن يحققَ ما أمرَ اللهُ به، وهو سُبحانه يتولى عبادهُ بحفظهِ كما قال تعالى : (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) (الزمر:36) وقال عز وجل :

(( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً)) (الطلاق:3) .



--------------------------------------------------------------------------------

[1] الصارم المسلول ( 2/152)

[2] الصارم المسلول ( 2/390)

[3] الصارم المسلول ( 2/185)

[4] أخرجه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة في الإيمان وحسنه الألباني .

[5] أخرجه أحمد والنسائي والبيهقي وصححه الألباني .

[6] أخرجه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

[7] أوثق عرى الإيمان ( ص 38 ) .

[8] مجموع الفتاوى ( 15/128، 129)

[9] كتاب الروح ( ص 392) .
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 06-11-05, 08:39 AM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 820
افتراضي

د . عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف

معنى الحب في الله والبغض في الله




يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في كتابه (قاعدة في المحبة) : ( أصلُ الموالاة هي المحبة كما أنَّ أصلَ المعادة البغض ، فإنَّ التحاب يوجبُ التقاربَ والاتفاق ، والتباغضَ يوجبُ التباعدَ والاختلاف ) [1]

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن- رحمة الله عليهم- : (أصلُ الموالاة : الحب ، وأصلُ المعاداةِ : البغض ، وينشأ عنهما من أعمالِ القلوبِ والجوارح ما يدخلُ في حقيقةِ الموالاةِ والمعاداة ؛ كالنصرةِ والأنس والمعاونة، وكالجهادِ والهجرةِ ونحو ذلك من الأعمال ) [2] .

وسئلَ الإمامُ أحمد- رحمة الله- عن الحب في الله ، فقال : " ألاَّ تُحبه لطمعٍ في ديناه [3]

فمن خلالِ أقوال هؤلاءِ الأئمة ونحوهم، يتبيّن لنا أنَّ الحب والبغض أمرٌ قلبي ، فالحب محله القلب ، والبغض محلهُ القلب، لكن لا بد لهذا العمل القلبي أن يظهرَ على الجوارح ، فلا يأتي شخصٌ يقول : أنا أبغض فلاناً في الله، ثم تجدُ الأنس والانبساط والزيارة والنصرة والتأييد لمن أبغضه في الله ! فأين البغض في الله ؟ فلا بد أن يظهرَ على الجوارح ، فلو أبغضنا مثلاً أعداءَ الله من النصارى ومن اليهود، فهذا البغض محلهُ القلب، لكن يظهرُ على الجوارح من عدم بدئهم بالسلام – مثلاً – كما قال- صلى الله عليه وسلم- : ((لا تبدءوا اليهود والنصارى باليهود بالسلام )) أو من خلال عدم المشاركة في أعيادهم ؛ لأنَّ هذه المشاركة من التعاون على الإثم والعدوان ، والله يقول : (( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ)) (المائدة: من الآية2)

وكذلك الحب في الله ، فإذا أحببنا عباد الله الصالحين، وأحببنا الأنبياء والصحابة وغيرهم من أولياء الله تعالى ، فهذا الحبُ في القلب لكن له لوازم وله مقتضيات تظهرُ على اللسان وعلى الجوارح ، فإذا أحببنا أهلَ الإسلام أفشينا السلام، كما قال- عليه الصلاة والسلام- : (( ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم )) .

كذلك النصيحة ، فعند ما أرى أخاً لي من أهل الإسلام يُقصرُ في الصلاة، كأن يخل بأركانها أو واجباتها، فأنصحهُ، فهذا من مقتضى الحبِ في الله ، فإذا عُدم ذلك فهذا يدل على ضعف الإيمان، فلو وجدنا رجلاً يقول : أنا أحب المؤمنين لكنه لا يسلّم عليهم ، ولا يزورُ مريضهم ، ولا يتبعُ جنائزهم ، ولا ينصحُ لهم ، ولا يشفقُ عليهم ؛ فهذا الحب لا شك أنَّ فيه دخنٌ ونقص لا بد أن يتداركه العبد .

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في فتاويه (إنَّ الله عقد الأخوة والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم ، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم، من يهود، ونصارى، ومجوس، ومشركين، وملحدين، ومارقين وغيرهم، من ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم ، وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين ، وكل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية، فإنَّهُ تجب محبته وموالاته ونصرته ، وكل من كان بخلاف ذلك فإنَّه يجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة ، فالولاءُ والبراء تابعٌ للحب والبغض ، والحب والغض هو الأصل ، وأصلُ الإيمان أن تحبّ في الله أنبياءه وأتباعهم ، وأن تبغض في الله أعداءه وأعداء رسله ) [4]

وقد بيّن أهلُ العلم أن المؤمن تحبُ محبته وإن أساء إليك ، والكافر يجبُ بغضه وعداوته وإن أحسن إليك .

فالمسلم وإن قصّر في حقك وظلمك، فيبغض على قدر المظلمة ؛ لكن يبقى حق الإسلام وحق النصرة وحق الولاية .

ماذا يجب علينا تجاه المسلمين ممن خلطوا عملاً صالحاً وأخر سيئاً ، فهم ليسوا من أولياء الله الصالحين ، وليسوا من أعداء الله الكافرين ؟

الواجبُ في حقهم أن نحبهم ونواليهم بقد طاعتهم وصلاحهم ، وفي نفس الوقت نبغضهم على قدر معصيتهم وذنبهم .

فمثلاً : جارك الذي يشهد الصلوات الخمس، عليك أن تحبه لهذا الأمر، لكن لو كان هذا الجار يسمعُ ما حرم الله من الأغاني مثلاً، أو يتعاطى الربا، فعليك أن تبغضه على قدر معصيته ، وكلما ازداد الرجل طاعةً ازددنا له حبّاً ، وكلما زاد معصية ازددنا له بغضاً .

وقد يقول قائل : وكيف يجتمع الحب والبغض في شخص واحد ؟ كيف أحب الشخص من جانب وأبغضه من جانب ؟

أقول : هذا ميسر ، فهذا الأب رُبما ضرب ابنه وآلمه تأديباً وزجراً ، ومع ذلك يبقى الأصل أنَّ الأبُ يحبُ ابنه محبةً جبلية ، فيجتمع الأمران .

وكذلك المعلم مع تلاميذه أو الرجل مع زوجته إذا زجرها، أو هجرها إذا كان الأمر يقتضي ذلك، لكن يبقى الأصل في ذلك محبتها والميل إليها ، فإذا كان الشخصُ يجتمع في إيمانٍ مع ارتكابِ محرمات أو ترك واجبات – ممَّا لا ينافي الإيمان بالكلية – فإنَّ إيمانه يقتضي حبّه ونصرته ، وعصيانهِ يقتضي عداوته وبغضه – على حسب عصيانه .

ومما يبيّن هذا الأمر، ما جاء في هدى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقد حقق- عليه السلام- الأمرين ، والدليل ذاك الرجل الذي يشربُ الخمر في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واسمه عبد الله ، وكان كثيراً ما يُؤتى به فيجلد ، فأتي به في أحدِ المرات، فقال أحد الحاضرين : لعنهُ الله ما أكثر ما يُؤتى به ، فقال- عليه السلام- : (( لا تلعنهُ ، أما علمت أنَّه يحبُ الله ورسوله )) أو كما ورد في الحديث – فمقتضى العداوة والبغضاء أن أقام عليه الحد فجلده ، وفي نفس الوقت أيضاً، مقتضى الحب والولاء له، أن دافع عنهُ- عليه الصلاة والسلام- فقال : (( لا تلعنه)) .

معاودة الكافرين

هذه المسألة تغيبُ في هذا الزمان، بسبب جهل الناس، وتكالب قوى الكفر على إلغاء الولاء والبراء، وإلغاء ما يسمى بالفوارق الدينية .

قال الشيخ حمد بن عتيق (ت 1301هـ ) : (فأما معاداة الكفار والمشركين، فاعلم أنَّ الله أوجب ذلك وأكد إيجابه ، وحرّم موالاتهم وشدد فيه ، حتى أنَّه ليس في كتاب الله حكمٌ فيه من الأدلة أكثر وأبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) .

وقال في موضع آخر : " وهنا نكتة بديعة في قوله : (( إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ )) (الممتحنة: من الآية4) ، وهي أنَّ الله قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله ، على البراءةِ من الأوثان المعبودة من دون الله ، لأنَّ الأول أهمُ من الثاني ، فإنَّه قد يتبرأ من الأوثان ، ولا يتبرأ ممن عبدها ، فلا يكون آتياً بالواجب عليه، وأما إذا تبرأ من المشركين، فإنَّ هذا يستلزمُ البراءة من معبوداتهم [5]

فإذا علم هذا تبين خطأ وانحراف كثيرٍ من الناس، عند ما يقولون : نتبرأ من الكفر، ونتبرأ من عقيدة التثليث عند النصارى، ونتبرأ من الصليب ، لكن عند ما تقول لهم تبرؤوا من النصارى . يقولون : لا نتبرأ منهم ولا نواليهم .

لوازم الحب في الله والبغض في الله .

أشرنا إلى أنَّ الحب في الله والبغض في الله ،عملان قلبيان، لكن لهذا الحب لوازم مثل : النصح للمسلمين ، والإشفاق عليهم ، الدعاء لهم ، والسلام ، وزيارة مريضهم ، وتشييع جنائزهم ، وتفقد أحوالهم .

أما لوازم البغض فمنها : ألا نبتدئهم بالسلام ، والهجرة من دار الكفرِ إلى دار الإسلام ، وعدم التشبه بهم ، وعدم مشاركتهم في الأعياد – كما هو مبسوط في موضعه .



--------------------------------------------------------------------------------

[1] قاعدة في المحبة ( ص 387)

[2] الدرر السنية ( 2/157) .

[3] طبقات الحنابلة ( 1/57) .

[4] الفتاوى السعدية ( 1/98) .

[5] النجاة والفكاك ( ص 22) .
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 13-11-05, 10:25 PM
حمزة الكتاني حمزة الكتاني غير متصل حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: 12-07-05
المشاركات: 1,357
افتراضي

من أهم ما كتب في عقيدة الولاء والبراء تأصيلا وجمعا، كتاب "الدواهي المدهية للفرق المحمية" لشيخ الإسلام أبي المواهب جعفر بن إدريس الكتاني الإدريسي الحسني، المتوفى عام 1323، وقد طبع طبعة ثانية حديثا بدار الكتب العلمية في حوالي 250 صفحة..
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 22-12-05, 06:36 AM
عبدالكريم الساير عبدالكريم الساير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-03
المشاركات: 820
افتراضي

منزلة الولاء والبراء من التوحيد
الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي
من محاضرة: الأسئلة

السؤال: هل صحيح أن التوحيد له هذه الأقسام الثلاثة فقط: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، أم أن هناك أقساماً أخرى، وهل الولاء والبراء -مثلاً- من التوحيد، فهو يدخل في الأنواع الثلاثة؟

الجواب: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، هذا أعظم شيء أمر الله تبارك وتعالى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به، وحث عليه الإسلام؛ بعد الشهادتين، فهو من جملة الاعتقادات، ومن الأحكام العملية المتعلقة بالاعتقادات، وهي جزء من الشهادتين.

والركن الثاني هو الصلاة، لكن من حيث أن حقوق لا إله إلا الله الاعتقادية القلبية كثيرة، فمن أعظمها ولازمها المعاداة للكفار.

وعندما يقول إنسان: لا إله إلا الله، فإن لها ركنين: النفي والإثبات.

فالنفي: لا إله، وهي نفي الألوهية عما سوى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويدخل في ذلك النفي، البراءة من الشرك والمشركين، فلا يعقل أن شخصاً يقول: أنا أتبرأ من الشرك؛ لكن تجده يحب المشركين: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة:51] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [آل عمران:149] إلى آخر الآيات.

فهذه قضية مهمة جداً، وهي داخلة ضمن تحقيق توحيد الألوهية، وإن لم نجعلها قسماً من أقسام التوحيد.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:26 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.