ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 15-09-06, 04:55 AM
أحمد بزوي الضاوي أحمد بزوي الضاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-03-06
الدولة: الجديدة ـ المغرب
المشاركات: 128
افتراضي منهج أهل السنة في التفسير 2

بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالميـن
( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) سورة البقرة ، الآية 32


سطر أهل السنة منهجهم في التفسير ـ ونحن هنا نقصد بالمنهج الطريقة العلمية المحددة والمرسومة مسبقا، وفقا لقواعد علمية مستمدة من الخبرة في معالجة النصوص والقضايا ـ والهدف منه وقاية المفسر من الوقوع في الخطأ، وقد أولى الزركشي هذا الجانب المنهجي أهمية خاصة، بحيث أفاض فيه القول وبين الطريقة العلمية التي ينبغي على المفسر التزامها، وذلك حتى لا يقع في المحظور. والغريب في تناول الزركشي لهذه القضية المنهجية هو الدقة والإحاطة والشمول، بحث تناول القضية من جميع أطرافها، فبين أن التفسير قسمان، قسم ورد تفسيره بالنقل، والآخر لم لم يرد فيه شيء. فالأول يتعين على المفسر أن لا يبادر إلى قبوله من الوهلة الأولى، بل عليه أن يقوم بدراسته دراسة نقدية من حيث المتن والسند حتى إذا ثبت لديه صحته أخذ به، ولا يجوز له تجاوزه إلى غيره، وهذا فيما يخص السنة . أما فيما يخص قول الصحابي أو التابعي فإنه يسطر فيه المبادئ التي قررها أهل السنة في التعامل معها. وهي التي سنتحدث عنها في الفصل الخاص بمصادر التفسير.
وفي ذلك يقول الزركشي : "واعلم أن القرآن قسمان : أحدهما ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره، وقسم لم يرد . والأول ثلاثة أنواع : إما أن يرد التفسير عن النبي أو عن الصحابة أو عن رؤوس التابعين، فالأول يبحث فيه عن صحة السند . والثاني ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتماده، وإن فسره بما شاهده من الأسباب والقرائن لا شك فيه، وحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدم ابن عباس، لأن النبي بشره بذلك حيث قال :( اللهم علمه التأويل ) ، وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض، لقوله ( أفرضكم زيد )(1). فإن تعذر الجمع جاز للمقلد أن يأخذ بأيها شاء . وأما الثالث وهم رؤوس التابعين إذا لم يرفعوه إلى النبي ولا إلى أحد من الصحابة فحيث جاز التقليد فيما سبق فكذا هنا، وإلا وجب الاجتهاد"(2).
وأما ما لم يرد في شأنه أي شيء مأثور ، فإنه يتعين الإجتهاد فيه، وأول طرق الإجتهاد هو تحقيق معاني مفرداته، وذلك بدراستها دراسة معجمية مستوفية، لأن ذلك هو الأساس الذي يمكنه من الاجتهاد الصحيح. كما أن الشرح المعجمي للألفاظ يزوده بأساس المعنى، ومن ثم وجدنا الزركشي ينص على أن أول ما " يجب على المفسر البداءة به العلوم اللفظية، وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني المفردات من ألفاظ القرآن من أول المعادن لمن يريد أن يدرك معانيه، وهو كتحصيل اللبن من أوائل المعادن في بناء ما يريد أن يبنيه (1) "
والزركشي لا يقرر هذا المبدأ المنهجي نظريا فقط، بل هو يقوم بمحاولة تطبيقية لنظريته، وذلك حتى يتسنى للباحثين من بعده الإستفادة منها، فيبين أن هناك ألفاظا مشكلة، وذلك لاحتمالها لمعنيين اصطلح عليهما بالظاهر والمؤول . والظاهر هو اللفظ الذي يحمل على المعنى المعجمي الصرف. أما المؤول فهو الذي لا يسعفنا المعجم في تحديد معناه، مما يضطرنا إلى الإستفادة من أداة منهجية تسعفنا في تحديد المعنى القرآني للكلمة، وهي دلالة السياق التي سيأتي الحديث عنها .
"وقد يكون اللفظ محتملا لمعنيين، وهو في أحدهما أظهر فيسمى الراجع ظاهرا، والمرجوح مؤولا.
مثال المؤول قوله تعالى :{ وهو معكــم أينما كنتم }(2) فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه عن ذلك، وحمله إما على الحفظ والرعاية، أو على القدرة والعلم والرؤية، كما قال تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }(3) ...
ومثال الظاهر قوله تعالى : (فمن اضطر غير باغ ولا عاد}(1) فإن الباغي يطلق على الجاهل، وعلى الظالم وهم فيه أظهر وأغلب، كقوله : {ثم بغى عليه لينصرنه الله}(2) ...
وقد يكون الكلام ظاهرا في شيء فيعدل به عن الظاهر بدليل آخر كقوله تعالى :{الحج أشهر معلوما}(3) والأشهر اسم لثلاثة ، لأنه أقل الجمع .
وكقوله تعالى :{ فإن كان له إخوة فلأمه الســدس }(4)، فالظاهر اشتراط ثلاثة من الإخوة، لكن قام الدليل من خارج على أن المراد اثنان، لأنهما يحجبانها عن الثلث إلى السدس"(5).
وفي هذه الدراسة اللغوية المعجمية، يحذر الزركشي من أن يفلت زمام الأمر من يد المفسر، فيبتدع منهجا لا يوحى به النص، مما يؤدي إلى مفارقات في النتائج والاستنباطات، ومن ثم يتعين عليه مراعاة مطابقة التفسير للنص المفسر، بحيث يقع الحافر على الحافر من غير زيادة أو نقصان في المبنى والمعنى، لأن ذلك قمين بالإزراء بكلام الله والبعد به عن مقصده وهدفه، بل قد يأتي بعكس النتــائج والأهــداف التي يتوخاها النص القرآني . يقول الزركشي : " ويجب أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر، وأن يتحرز في ذلك من نقص المفسر عما يحتاج إليه من إيضاح المعنى المفسر، أو أن يكون في ذلك المعنى زيادة لا تليق بالغرض، أو أن يكون في المفسر زيغ عن المعنى المفسر وعدول عن طريقته، حتى يكون غير مناسب له ولو من بعض أنحائه، بل يجتهد في أن يكون وفقه من جميع الأنحاء، وعليه بمراعاة الوضع الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف، وأن يوافي بين المفردات وتلميح الوقائع، فعند ذلك تتفجر له ينابيع الفوائد"(1) .
ثم ينتقل الزركشي إلى الحديث عن دلالة السياق وإبراز أهميتها في فهم وإدراك معنى آي الذكر الحكيم، بل يعتبرها من أعظم الأدوات المنهجية التي يتعين على المفسر أن يتسلح بها وهو يخوض غمار عملية من أصعب وأخطر العمليات التفسيرية، ذلك أنها تتعلق بتفسير كلام رب العالمين. وهذا التفسير الخطأ فيه ليس سهلا أو هينا، وذلك لما قد تترتب عنه من أحكام وأمور وقضايا تتعلق بحياة المسلم الاجتماعية والسياسية، والاقتصادية الدينية . فدلالة السياق إذن هي التي "ترشد إلى تبين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظراته. وانظر إلى قوله تعالى : { ذق إنك أنت العزيز الكريم }(1) ، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير"(2) .
ويطلب الزركشي من مفسر القرآن الكريم أن يكون حاضر البديهة، شديد الملاحظة متوقد الإحساس، وذلك حتى يتمكن من التفاعل معه تفاعلا حقيقيا، وإيجابيا يفضي إلى رفع الحجاب عن كل الحقيقة أو بعضها. ومن مظاهر حضور البديهة "ملاحظة النقل عن المعنى الأصلي، وذلك أنه قد يستعار الشيء لمشابهة، ثم يستعار من المشابة لمشابه المشابة، ويتباعد عن المسمى الحقيقي بدرجات، فيذهب عن الذهن الجهة المسوغة لنقله من الأول إلى الآخر، وطريق معرفة ذلك بالتدريج، كقوله تعالى : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين }(3). وذلك أن أصل "دون" للمكان الذي هو أنزل من مكان غيره، ومنه الشيء الدون للحقير، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب، فقيل زيد دون عمرو في العلم والشرف، ثم اتسع فيه فاستعير في كل ما يتجاوز حدا إلى حد، وتخطى حكما إلى حكم آخر، كما في الآية المذكورة، والتقدير لا تتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين"(4) .
ويختم الزركشي حديثه عن المنهج السني المقترح لتفسير الذكر الحكيم بالنص على أن معرفة أسباب النزول أداة منهجية عظيمة، تمكن الباحث من الوقوف على الظروف والملابسات المواكبة لنزول القرآن الكريم، مما يجعله يعيش في بيئة القرآن ساعة نزوله، وكل ذلك يساهم في إذكاء التفاعل مع الخطاب القرآني، بحيث تتفجر معانيه، وتتفتق غرره، وتتكف درره . وفي ذلك يقول :" معرفة النزول، وهو من أعظم المعين على فهم المعنى، وسبق منه في أول الكتاب جملة، وكانت الصحابة والسلف يعتمدونه، وكان عروة بن الزبير قد فهم من قوله تعالى : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما }(1) أن السعي ليس بركن، فردت عليه عائشة ذلك وقالت : لو كان كما قلت، لقال : " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " وثبت أنه إنما أتى بهذه الصيغة، لأنه كان وقع فزع في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام . فلما جاء الإسلام كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به، فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم، وأمرهم بالطواف. رواه البخاري في صحيحه، فثبت أنها نزلت ردا على ما كان يمتنع من السعي(2) ".
والملاحظ أن تناول الإمام الزركشي لقضية المنهج السني المقترح في تفسير القرآن الكريم يتسم بالإحاطة والشمول، بحيث يلم بدراسة القضايا من كل أطرافها. فيبدأ بالطرح النظري، ثم يعقبه بضرب الأمثال، فيكتمل بناء النموذج المقترح نظريا وتطبيقيا. وأما الراغب الأصفهاني فيضع أيدينا على منهج في التأويل يمكن أن يجنبنا الاختلاف والفرقة في تأويل النصوص المشكلة، وذلك حيث يقول : " والوجوه التي يعتبر فيها تحقيق أمثالها أن ينظر فإن كان ما ورد فيه ذلك أمرا أو نهيا عقليا فزع في كشفه إلى الأدلة المعقلية، فقد حث تعالى على ذلك في قوله عز و جل : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألبــاب }(1). وإن كان أمرا شرعيا فزع في كشفه إلى آية محكمة أو سنة مبينة. وإن كان من الأخبار الاعتقادية فزع إلى الحجج العقلية. وإن كان من الاعتبارية فزع إلى الأخبار الصحيحة المشروحة في القصص"(2) .
ومن هنا نستخلص أن من أول مهمات المفسـر ـ خاصة فيما يتعلق بالنصوص المشكلة ـ دراسة النصوص دراسة داخلية نصية تمكنه من تحديد طبيعتها، لأن ذلك كفيل بإرشادنا إلى المنهج الذي يتعين علينا أن ندرسها به، وبذلك يكون تفسيرنا منهجيا وعلميا وموضوعيا في الوقت نفسه.
__________________
أحمد بزوي الضاوي
أستاذ التعليم العالي
جامعة شعيب الدكالي
الجديدة
المغرب
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:54 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.