ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > أرشيف لمواضيع قديمة
.

الملاحظات

 
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-02-05, 11:17 AM
أبو محمد الألفى
 
المشاركات: n/a
Lightbulb المقتبس من (( ترجمان الأفذاذ ببيان الأحاديث الشواذ ))

الْحَمْدُ للهِ الْمُتَعَزِّزِ فِى عَلْيَائِهِ . الْمُتَوَحِّدِ فِى عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ . النَّافِذِ أَمَرُهُ فِى أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ . حَمْدَاً يُكَافِئُ الْمَزِيدَ مِنْ أَفْضَالِهِ وَنَعْمَائِهِ . وَيَكُونُ ذُخْرَاً لِقَائِلِهِ عِنْدَ رَبِّهِ يَوْمَ لِقَائِهِ . والصَّلاةُ وَالسَّلامُ الدَّائِمَانِ عَلَى الْمُصْطَفَى مِنْ رُسُلِ اللهِ وَأَنْبِيَائِهِ . وَرَضِىَ اللهُ عَنْ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَصْفِيَائِهِ . وبعد ..
الشَّاذ لغةً : اسم فاعل من شذ يشُذ ـ بكسر الشين وضمها ـ شذوذاً ، فهو شاذ إذا انفرد ، وهو فى اللغة المنفرد عن الجماعة . وأما اصطلاحا ، فقد ذكروا له ثلاثة حدود :
( الأول ) قول الإمام الشَّافِعيِّ . ذكره أبو عبد الله الحاكم فى (( معرفة علوم الحديث )) قال : سمعت أبا بكر أحمد بن محمد المتكلم الأشقر سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : قال لى الشَّـافِعيُّ : ليس الشَّاذ من الحديث أن يروى الثقة ما لا يرويه غيره ، وإنما الشَّاذ أن يروى الثِّقَةُ حديثاً يخالف فيه النَّاسَ .
( الثانى ) قول أبى عبد الله الحاكم . قاله فى (( معرفة علوم الحديث ))(1/119) : الشَّاذ هو الحديث الذى ينفرد به ثقة ، وليس له أصل متابع لذلك الثِّقَةِ .
( الثالث ) قول أبى يعلى الخليلِيُّ القزوينِيُّ . قاله فى (( الإرشاد ))(1/176) : الشَّاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة أو غير ثقة ، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به .
وقد لخصها الحافظ الجهبذ زين الدين العراقِيُّ فى (( التَّبصرة والتَّذكرة )) فقال :
وَذُو الشُّذُوذِ مَا يُخَـالِفُ الثِّقَهْ ... فِيهِ الْمَلاَ فَالشَّـافِعيُّ حقَّقَهْ
والحَاكِمُ الخِلاَفَ فِيهِ مَا اشْتَرَطْ ... وَلِلْخَلِيليْ مُفْرَدُ الرَّاوي فَقَطْ
والمعتمد من ذلك فى رسم الشَّاذ عند أكثر أهل المعرفة بالحديث هو قول الإمام الشَّافِعيِّ .
وأما ما ذكره الحاكم ، فليس بالمباعد كثيرا عن رسم الشَّافِعيِّ وحدِّه ، فهو يوافقه فى تفرد الثِّقَةِ ، وإنما زاد الشَّافِعيُّ عليه مخالفة ذاك الثِّقَةِ لغيره من النَّاسِ ، على أن صنيع الحاكم فى (( مستدركه على الصحيحين )) ؛ تصحيح الكثير مما تفرد به الثِّقَةُ وإن لم يتابع . ولا يغيبن عنك أن الوصف بالتفرد وعدم المتابع ، هو وصفٌ خالٍ عن قبول الحدبث أو رده ، وبهذا يثبت أن الشذوذ عند الحاكم أبى عبد الله لا يناقض الصِّحة ولا ينفيها ، كما ظنَّه من لم يمعن الفهم لدلالة معانى ألفاظه .
وقال الحافظ ابن حجر (( النكت على ابن الصلاح )) : (( والحاصل من كلامهم ، أن أبا يعلى الخليلي يسوِّي بين الشاذ والفرد المطلق ، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح ، وغير الصحيح ، فكلامه أعم ، وأخص منه كلام الحاكم ، لأنه يقول : إنه تفرد الثقة ، فيخرج تفرد غير الثقة ، فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ ، وأخص منه كلام الشافعي ، لأنه يقول (( إنه تفرد الثقة بمخالفة من هو أرجح منه )) . ويلزم عليه ما يلزم على قول الحاكم ، لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح ، وأن الرواية الراجحة أولى ، لكن هل يلزم من ذلك عدم الحكم عليه بالصحة ؟ ، فهذا محل توقف ، قد قدمت التنبيه عليه في الكلام على نوع الصحيح )) اهـ .
وما أفادناه الحافظ ابن حجر من دلالات الحدود الثلاثة جيد مستحسن ، إلا قوله (( لازم قول الخليلى أن يكون فى الشَّاذ : الصحيح ، وغير الصحيح )) ، فلست أدرى كيف فهم ذلك ؟ ، مع تصريح الخليلى بقوله (( وما كان عن ثقة يتوقف فيه ، ولا يحتج به )) ، فأين هذا من الصحة ؟ ، بل الشَّاذ عند أبى يعلى الخليلى يكادُ يكونُ كلُّه غيرَ صحيحٍ ، وليس كما فهمه الحافظ .
ومهما يكن من أمرٍ ، فإن ما ذكره الحافظ أبو يعلى الخليلى مردود ، بأن أكثر صحاح الأحاديث مما تفرد به الثقة ولم يتابع عليه ، إذ لم يشترطوا فى صحة الحديث متابعةً ولا عاضداً ، ولا توقفوا في أفراد الثقات ، بل احتجوا بها وأودعوها (( صحاحهم )) ، وذلك :
( 1 ) كحديث يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ )) الحديث .
فهذا مما تفرَّدَ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ به ، وتفرَّدَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ به عنه ، وتفرَّدَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ به عنه .
( 2 ) وكحديث ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَعَلَى رَأْسِـهِ الْمِغْفَرُ ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَـاءَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْـتَارِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ : (( اقْتُلْهُ )) .
فهذا مما تفرَّدَ الزهريُّ عن أنسٍ به .
( 3 ) وكحديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ، يَقُولُ : (( إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلِ : اللَّهُمَّ .. )) الحديث .
فهذا مما تفرَّدَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ به ، وتفرَّدَ ابْنُ أَبِي الْمَوَالِ به عنه .
( 4 ) وكحديث عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ : اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ ، وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .
فهذا مما تفرَّدَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ به ، وتفرَّدَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ به عنه ، وتفرَّدَ عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ الألهانى به عنه .
( 5 ) وكحديث يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ خَيْبَرَ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ ، صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلا بِالسَّوِيقِ ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا ، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَغْرِبِ ، فَمَضْمَضَ ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ .
فهذا مما تفرَّدَ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ الْحَارِثِيُّ عن سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ به ، وتفرَّدَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ به عنه .
( 6 ) وكحديث عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَقْطَعُ الصَّلاةَ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ : الْمَرْأَةُ ، وَالْحِمَارُ ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ )) ، قُلْتُ : مَا بَالُ الأَسْوَدِ مِنَ الأَحْمَرِ ؟ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتَنِي ، فَقَالَ : (( الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ )) .
فهذا مما تفرَّدَ به عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ به .
( 7 ) وكحديث قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلاصُهُ فِي مَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ )) .
فهذا مما تفرد به بَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ السدوسى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وتفرد النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ به عنه .
وهذه الأحاديث كلها صحاح ، ونظائرها عشرات بل مئات ، أخرجها الشيخان فى (( الصحيحين )) ، كما أخرجها غيرهما ممن صنف الصحيح : كابن خزيمة ، وابن حبان ، وابن الجارود ، والحاكم ، والضياء المقدسى ، وكلها حجَّة فيما دلت عليه من الأحكام ، مع كونها غرائب وأفراد ، تفرد بها الثقات بعضهم عن بعض ، كما بيَّناه فيما سبق .
ولا يرد هاهنا أن التفرد منتفٍ فى أغلب هذا الأحاديث ، بورودها من طرقٍ عن غير رواتها من الصحابة ، كالشواهد لها ، فإن التفرد حاصل لأكثرها بمعنى خاصٍ سيأتى بيانه .
  #2  
قديم 14-02-05, 03:50 AM
أبو داود الكناني
 
المشاركات: n/a
افتراضي

فضيلة الشيخ الكريم أبو محمد الألفي-جزاكم الله خيرا-
لكني قد وقفت على كلام رائق للشيخ حاتم العوني حول كلام الخليلي و الحاكم وقضية الترجيح بين المصطلحات فأحببت أن أنقله بتمامه للفائده و المناصحة و المدارسة
قال الشيخ -حفظه الله-في كتابه(المنهج المقترح)
لو قال أحد أهل الاصطلاح : (( الشاذ : أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس))(4)، فإننا بشرط (الجمع والمنع) المشترط في صناعة المعرفات المنطقية، سوف أفهم أن هذا هو الشاذ كله، ولا شاذ سواه. مع أن ذلك قد لا يكون خطر على بال قائله من أهل الاصطلاح، وإنما أراد التنبيه على أهم أنواع الشذوذ، أو على أشدها أثراً على قبول الحديث، أو على أكثرها وقوعاً، أو أشدها أثراً على قبول الحديث ، أو وإن جاز وصف غيرها بذلك أيضاً.. أو غير ذلك من احتمالات معنى الشرح غير الجاري على أصول المناطقة .
وليس معنى ذلك أن لا نفهم الكلام على ما يدل عليه ظاهر اللفظ ومنطوقه ، بل نحن نطالب بذلك . فإن ظاهر اللفظ ومنطوقه في العبارة السابقة إنما يقول : عن مخالفة الثقة للناس شذوذ ، ولم يقل إن كل ما سوى هذه الصورة ليس ( شاذاً) ، ولا أن هذا هو الشذوذ وحده . ولا نريد أن نحمل الكلام غير هذا المنى ، إلا إذا دل دليل خارجي على غيره .
أما الجفاء عن فهم شرح أهل الاصطلاح لاصطلاحهم ، فله وجوه متعددة ، منها : تسليط فهوم المتأخرين من المحدثين والأصوليين للمصطلح على شرح أهله له !! وعندها يؤول شرح أهل الاصطلاح على غير ظاهره ، ويبتسر نقله وفهمه ، ويفصل عن دلالة سياقه : سباقة ولحاقة ؛ كل ذلك من أجل أن يوافق كلام المتأخرين من المصنفين في علوم الحديث أو غيرهم من الفقهاء والأصوليين . مع أن الواجب عكس ذلك ، والسير على ضد هذا المنهج ، بتأويل كلام غير أهل الاصطلاح ـ ما أمكن ـ ليوافق كلام أهله ، وإلا رفض كلام أولئك الذين عم ليسوا من أهل الاصطلاح لمناقضته كلام أهله !!
ومن وجوه الجفاء في ذلك أيضاً : ( فكرة تطوير المصطلحات ) ، بعدم الرضى عن مدلول المصطلح المشروح بكلام أهله ، لسعة ذلك المدلول ، وتداخله مع مدلول مصطلح آخر . فيقود ذلك الشعور بعدم الرضى إلى المشاحة في الاصطلاح ، السابق بيان أخطارها (1).
وعلى كل حال ، فإن الخطأ في فهم كلام أهل الاصطلاح ، لا بد أن يجتمع في أسبابه غلو وجفاء ، وأحدهما قائد للآخر لا محالة!!
فربما اجتمع عند المتأخرين من التعصب المذهبي ما يقودهم إلى الغلو في فهم كلام إمامهم ن وهذا الغلو يتجه في النهاية نحو الجفاء عنه ليوافق كلامه ما ظنه ذلك المتعصب صواباً من كلام غيره من الأصوليين والمتأثرين بهم من المحدثين .
ومثال ذلك : ميل أتباع الإمام الشافعي إلى نصرة أقواله ، ذلك الميل الذي تحول مع مرور الزمان تعصباً . وضربت مثلاً بالشافعية ، لأن ( اسعد الناس بالحديث الشافعية ) ، وغالب مصنفات علوم الحديث ومصطلحه لأئمةٍ شافعية : من الحاكم ، إلى الخطيب ، على ابن الصلاح ، إلى النووي ، إلى العراقي ، على ابن حجر ، إلى السخاوي ، إلى السيوطي ، وقبلهم وبعدهم ، كل هؤلاء شافعية!
والمثال الواقعي للغلو والجفاء في فهم الشافعية لكلام الإمام الشافعي في مصطلح الحديث : كلامه في مصطلح ( الشاذ) ، السابق ذكره . وتفصيل هذا المثال فيه طول ، أرجو أن تكون فيه فائدة ، ولذلك سأطيل في تفصيله !
قال الإمام الحاكم ( الشافعي المذهب) في ( معرفة علوم الحديث ) : (( هذا النوع منه : معرفة ( الشاذ) من الروايات . وهو غير ( المعلول) ، فإن المعلول ما يوقف على علته : أنه دخل حديث في حديث ، أو وهم فيه راوٍ أو أرسله واحد فوصله واهم . فأما الشاذ ، فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات ، وليس للحديث اصل متابع لذلك الثقة . سمعت أبا بكر أحمد بن محمد المتكلم الأشقر .. ـ فأسند إلى الشافعي أنه قال : ـ ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره ، هذا ليس بشاذ ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس ، هذا الشاذ من الحديث))(1)
ـ ثم ذكر الحاكم بعد ذلك ثلاثة أمثلة للشاذ عنده .
وعبارة الإمام الشافعي هذه جاءت عنه بألفاظٍ أخرى أكثر وضوحاً ، فقال في بعضها : (( ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره ، إنما الشاذ من الحديث : أن يروي الثقات حديثاً : على نص ؛ ثم يرويه ثقة : خلافاً لروايتهم ز فهذا الذي يقال : شذ عنهم ))(2) .
ثم قال تلميذ الحاكم أبو يعلى الخليلي في ( الإرشاد ) : (( أما ( الشواذ) : فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز : ( الشاذ) عندنا : ما يرويه الثقات على لفظٍ واحدٍ ، ويرويه ثقة خلافه ، زائداً أو ناقصاً . والذي عليه حفاظ الحديث : ( الشاذ ) : ما ليس له إلا إسناد واحد ، يشذ بذلك ك شيخ ثقة كان ، أو غير ثقة ؛ فما كان عن غير ثقة : فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة : يتوقف فيه ، ولا يحتج به ))(3)
فواضح من تصرف الخليلي ، أنه اعتبر كلام الإمام الشافعي ومن وافقه من أهل الحجاز مذهباً خاصاً بهم واصطلاحاً لهم ، فلم يعترض على الاصطلاح بشيء.
ولعل الحاكم يكون هذا هو موقفه ، فيكون الخليلي قد ترجم لنا موقف شيخه الحاكم بعبارته الصريحة السابقة الذكر .
وقبل أن أنتقل إلى مواقف المتأخرين من هذه المسألة ، أشرح مذهب الحاكم والخليلي في تفسيرهما للشاذ .
فظاهر أنهما اتفقا أن من شروط ( الشذوذ ) أن يتفرد به راوٍ ، دون أن يكون له متابع .
ثم قد يظن أنهما اختلفا في أمرين اثنين ، هما :
الأول : أن الحاكم ذكر أن المتفرد بالشاذ ثقة ، وأما الخليلي فالشاذ عنده ما تفرد به ثقة أو غير ثقة . وهذا إنما ظنناه اختلافاً بين الحاكم والخليلي(4) بتسليط معايير الحدود المنطقية على كلام الحاكم ، باعتبار أن ما ذكره من شرحه للشاذ تعريفاً جامعاً منعاً . لكن لو عاملناه على غير ذلك ، وأخذنا بمنطوقه دون مفهومه ، لعرفنا أن الحاكم إنما ذكر أدق نوعي الشاذ ، وأشدهما خفاءً ، وأحوجهما إلى البيان .
والدليل القاطع بأن الحاكم لا يعارض في تسمية تفرد غير الثقة بالشاذ ، هو تصرفه وتطبيقه . ففي ( المستدرك ) أخرج حديثاً من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي الكوفي ( ت 218هـ)، وهو كذاب (5)، يرويه هذا من طريق جميع بن عمير التيمي الكوفي وهو مختلف فيه (2) ، قال عنه الحافظ في ( التقريب ) : (( صدوق يخطىء ويتشيع ))(3). ثم قال الحاكم عقب هذا الإسناد: ((هذا حديث شاذ، والحمل فيه على جميع بن عمير ، وبعده إسحاق بن بشر ))(4). فتعقبه الذهبي بقوله في ( تلخيص المستدرك ) : (( فلم يورد الموضوع هنا ؟!!))(5) .
فهذا تصرف قاطع على أن الحاكم يسمي تفرد غير الثقة شاذاً ، كما يسميه به الخليلي أيضاً .
وبهذا تعلم جور تسليط معايير الحدود المنطقية على كلام أهل الاصطلاح وشرحهم لمصطلحهم ، لأن كلامهم لم يوزن منهم بتلك المعايير !
الأمر الثاني الذي يظن أن الحاكم والخليلي اختلفا فيه : هو أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مانعاً من تصحيح الحديث ، ويظن أن الخليلي يخالف الحاكم في ذلك ، لأنه ذكر تفرد الشيخ الثقة يتوقف فيه ولا يحتج به .
أما أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مانعاً من وصفه بالصحة ، فذلك قد أخذوه من إطلاق الحاكم على تفرد الثقة بأنه شاذ(6).
وأصرح من ذلك كله في أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مناقضاً تصحيح الحديث والاحتجاج به أيضاً ، هو أنه في كتابه ( المدخل إلى الإكليل ) ، ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه (7) ، فقال في ( القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه ) : (( هذه الأحاديث الفراد والغرائب ن التي يرويها الثقات العدول ، تفرد بها ثقة من الثقات ، وليس لها طرق مخرجة في الكتب ...))(8)، ثم ضرب لهذا القسم أمثلة ، منها حديث اتفق على إخراجه الشيخان ، وهو حديث عائشة رضي الله عنها في سحر النبي صلى الله عليه وسلم(8) ، ثم قال الحاكم : (( هذا الحديث مخرج في الصحيح ، وهو شاذ بمرة ))(9).
فالحاكم موافق على أنه صحيح حجة ، لكنه يصفه بالشذوذ باعتبار التفرد فقط .
ولذلك أمثلة متعددة من تصرفات الحاكم!
فمن ذلك قوله عقب حديث في ( المستدرك ) : (( ولعل متوهماً يتوهم أن هذا متن شاذ ، فلينظر في الكتابين ( يعني صحيح البخاري ومسلم ) ، ليجد من المتون الشاذ ، التي ليس لها إلا إسناد واحد ، ما يتعجب منه ، ثم ليقس هذا عليها))(10) .
وقال عن حديث آخر في ( المستدرك ) : (( إسناد صحيح ، رواته عن آخرهم ثقات ، إلا أنه شاذ بمرة ))(11).

وقال عن آخر : (( هذا حديث شاذ صحيح الإسناد ))(1) .
وقال كذلك : (( هذا متن شاذ ، وإن كان كذلك ، فإن إسحاق الدبري صدوق ... ـ ووثق بقية رجال إسناده قبل الدبري ـ ))(2).
وقال الحاكم أيضاً في ( سؤالات السجزي له ) : (( بهز بن حكيم : من ثقات البصريين ، ممن يجمع حديثه. وإنما أسقط من الصحيح : روايته عن أبيه عن جده ، لنها شاذة لا متابع لها في الصحيح ))(3) . ومع ذلك فقد أكثر الحاكم الإخراج في ( المستدرك ) لبهز بن حكيم ، مصححاً لحديثه عن أبيه عن جده(4).
وبذلك لا يبقى عندك شك في أن الشذوذ عن الحاكم ليس وصفاً مناقضاً للصحة ، بل هو عبارة عن وصف الحديث بالتفرد بأصلٍ لا متابع له فيه ، بغض النظر عن قبوله أو رده .
ثم وازن بين كلام الحاكم وتصرفه هذا ، وهو من أهل الاصطلاح ، بما استقر عند المتأخرين من أن الشذوذ قسم من أقسام الضعيف
وما أحسن احتراز ابن الصلاح وإشارته الدقيقة إلى ذلك ن عندما قال : (( الشاذ المردود قسمان ..))، فقوله ( المردود ) ، فيه إشارة إلى أن من الشاذ ما هو مقبول غير مردود . وإن كان كلام ابن الصلاح قبل كلامه هذا ، في الموطن نفسه : ( نوع معرفة الشاذ ) ن يوحي إيحاءً يكاد يكون تصريحاً بخلاف ذلك الاحتراز الحسن وبغير تلك الإشارة الدقيقة
فانتهينا إذن إلى أن من الشاذ ما هو صحيح محتج به عند الحاكم ، فهل الخليلي يخالفه ؟
إن ظاهر كلام الخليلي في هذا الموطن : أن الحديث الفرد ، سواء كان من رواية ثقة أو غير ثقة ، فهو حديث لا يحتج به . لكن هذا الظاهر لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ من له أدنى علمٍ بعلم الحديث ، لن رد الغرائب والأفراد كلها لا يقول به أحد من أهل الحديث . وإذا كان هذا الظاهر على هذه الدرجة من ظهور رده ووضوح بطلانه ، فلا يمكن أن نظن بأحد حفاظ الحديث ونقاده أنه يقول به وعلى هذا بلا بد من تفسير كلام الخليلي بما لا يخالف البدهيات ، وتأويله بما لا يناقض الإجماع وهذا أباح للخليلي التعبير بمثل هذا التعبير ، وهو الذي رخص له عند نفسه أن لا يعقد عبارته بما البدهي كافٍ فإفهامه والإجماع كفيل بتقييده . وهذا مثال آخر وجديد ، على سهولة عبارات أئمة الحديث ، وخروجها على سليقة العرب : في صفائها ن ووضوحها ، وبعدها عن تطويل العبارة أو تعيدها ، بما العقول السليمة تعقله ، والأفهام الصحيحة تدركه .
ولك أن تعجب بعد ذلك من مواقف بعض المتأخرين من عبارة الخليلي تلك‍ والتي جاء أمثلها قول من فهم كلام الخليلي بناءً على تصريح الخليلي في موطن آخر م ( الإرشاد ) ، بأنه يصحح افراد الحفاظ الثقات . وهذا وإن كان دليلاً صحيحاً على عدم جواز فهم كلام الخليلي السابق على إطلاقه ، من أنه يرد الأفراد ولا يحتج بها مطلقاً= إلا أنه استدلال حاجة لنا فيه ، بعد أن فهمناه بداهةً ، وعلمناه بالإجماع
وإذا كان الخليلي لم يشذ عن الإجماع ولم يخالف البدهيات ، في أن أفراد الحفاظ صحيحة محتج بها اتفاقاً ، فما هو معنى قوله عن الشاذ: (( يشذ بذلك : شيخ ثقة كان ، أو غير ثقة ... وما كان عن يتوقف فيه ولا يحتج به ))؟
أجاب عن ذلك ابن رجب الحنبلي في ( شرح علل الترمذي ) ، حيث قال : (( لكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم : عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره ... وفرق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات ، وما ينفرد به إمام أو حافظ ؛ فما انفرد به إمام حافظ : قبل واحتج به ، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ ن وحكى ذلك عن حفاظ الحديث)).
إذن فالقسم المردود من أفراد الثقات عند الخليلي : هو الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف . وما سوى هذا القسم من أفراد الثقات ، فهو مقبول محتج به ، وهو انفراد من كان يحتمل التفرد بما تفرد به .
وهذا كله في معرفة ما يقبله وما لا يقبله الخليلي من أفراد الثقات ، ويحكيه عن أهل الحديث . لكن مسألتنا ك هل الشاذ عند الخليلي هو هو عند الحاكم ؟
أما حكم انفراد الثقات ، فاتفق عليه الحاكم والخليلي ، كما سبق عنهما . بتقسيمه إلى انفراد من يحتمل ذلك التفرد ن ومن لا يحتمله .
واتفق والحاكم والخليلي على تسمية ما لا يحتمل من التفرد بـ( الشاذ) ، ونص الحاكم على تسمية ما يحتمل من التفرد بـ( الشاذ) أيضاً ن ولم ينص الخليلي على هذا في ذلك الموطن .
فإذا أردنا وزن كلام الخليلي بمعايير المناطقة ، باعتباره أن حده لا بد أن يكون جامعاً مانعاً لصفات ( الشاذ) ، بعدما شرحانه من كلامه= يكون تفرد من يحتمل ذلك التفرد ليس بـ( شاذ) عند الخليلي .
لكن سبق أن تلك المعايير أجنبية عن علوم الحديث ، غريبة على علمائه ، فلا يصح أن يوزن كلامهم بها .
ويكون الخليلي بذلك الشرح للشاذ ، إنما أراد بيان قسمه المردود ، لأنه هو القسم الذي كان وصفه بـ( الشذوذ) سبباً لرده وعدم الاحتجاج به . فهو لذلك ، وبملاحظة منطوق كلامه وحده ، غير مخالفٍ للحاكم ، وليس عندنا ـ إلى الآن ـ ما يدل على أنه موافق له أيضاً . وإن كانت موافقته له هي الأقرب والأصل ، لأن اصطلاحهما اصطلاح علمٍ واحدٍ ، ولأن الحاكم شيخ الخليلي .
غير أني وجدت تطبيقاً عملياً للخليلي ، يدل على أنه موافق لشيخه الحاكم ، على تسيمة تفرد من يحتج بتفرده بـ( الشاذ)
حيث قال في ( الإرشاد) عن العلاء بن عبد الرحمن الحرقي : (( وقد أخرج مسلم في ( الصحيح ) : المشاهير من حديثه ، دون هذا(1) والشواذ))(2).
فها هو يطلق على مفاريد العلاء بن عبد الرحمن في ( صحيح مسلم ): أنها شواذ‍
ونخرج من هذا كله ، بأن ( الشاذ) عند الحاكم والخليلي معناه واحد ، وحكمهما على أنواعه واحد ، ورأيهما فيه متطابق تماماً
فالشاذ عندما : هو الأصل الذي انفرد بروايته راوٍ واحد . فإن كان المنفرد به يحتمل التفرد بمثله لحفظه وإتقانه وإمامته : لم يقدح ذلك في الاحتجاج بخبره ولم يمنع من تصحيحه ، وإن كان المتفرد به مقبولاً لكنه ليس يحتمل التفرد به : فهو متوقف فيه لا يحتج به ، وإن كان المتفرد به ضعيفاً : كان ذلك الحديث شديد الضعف غير نافعٍ للاعتبار .
وبعد هذا الذي استخلصناه من كلام الحاكم والخليلي في تعريفهما لـ( الشاذ) ، نرجع إلى التذكير بموقفهما من كلام الشافعي عنه .
أما الخليلي فالظاهر أنه اعتبر كلام الإمام الشافعي ومن وافقه من أهل الحجاز مذهباً لهم ، واصطلاحاً خاصاً بهم ، في استعمال مصلطح ( الشاذ) .
ولعل موقف الحاكم من كلام الإمام الشافعي مثل موقف الخليلي منه ، حيث ذكر الحاكم كلام الشافعي عقب تعريفه هو للشاذ، دون إشارة إلى قبول أو رد ، من ظهور اختلاف كلام الشافعي عن كلامه في تعريف الشاذ.
إلا أن موقف الحاكم من كلام الإمام الشافعي يحتمل فيه أيضاً أنه مختلف عن موقف الخيلي ، بأن يكون الحاكم فهم كلام الشافعي فهماً لا يعارض شرحه هو لمصطلح الشاذ . وقد يؤيد ذلك : أن الحاكم أورد كلام الشافعي ( وهو إمامه ) عقب كلامه دون استدراكٍ أو معارضةٍ أو أي تعقيب ، كهيئة المستدل بكلامه المحتج به وهذا ظاهر لمن نظر في سياق كلام الحاكم ، كما ذكرناه سابقاً(3).
فيحتمل أن يكون الحاكم قد فهم من كلام الإمام الشافعي ، أن ( الشاذ) في كلامه لم يرد بالمعنى الاصطلاحي ، وإنما ورد فيه بالمعنى اللغوي . فالشافعي حينها لم يقصد تعريف ( الشاذ) اصطلاحاً ، وإنما أراد بيان أولى أحوال الرواية وصفاً بالشذوذ لغةً‍
ولا شك أن الوصف بـ( الشذوذ) لغةً يقتضي الانفراد عن جماعةٍ ، ويوحي أيضاً بذم هذا المنفرد . وهذا المقتضى والموحى به أوضح وأبين في ( مخالفة المقبول لمن هو أولى منه ) من ( انفراد الراوي بأصلٍ لا متابع له عليه ). وإن كان ( انفراد الراوي بأصل لا متابع له عليه ) فيه انفراد عن جماعة الرواة بنقل ذلك الأصل أيضاً ، وفيه إيحاء بذم المنفرد به كذلك ، برد أكثر الشواذ ، إلا ما تفرد به إمام حافظ يحتمل ذلك التفرد . لكن تحقق ذلك المقتضى والمحى به من معنى ( الشاذ) لغةً في الذي ذكره الشافعي أكثر من اصلاح المحدثين فيه ، كما سبق .
وليس في ذلك مشاحة من الإمام الشافعي لاصطلاح المحدثين في ( الشاذ)، لكنه بيان لأحق أحوال الرواية بذلك الوصف لغةً ، وإن كان الاصطلاح عند الشافعي على غير ذلك .
وقد يشير على أن مصطلح ( الشاذ) عند الشافعي كان معروفاً أنه : ( انفراد الراوي باصل لا متابع له عليه )= قوله : (( ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره )). فنفيه لهذا المعنى عن ( الشاذ) يدل على علمه به ، ويشير إلى إطلاق المحدثين له على هذا المعنى ، وأن الشافعي كان يعرف ذلك ، ولعله كان يستخدمه على المعنى نفسه أيضاً‍ لكنه أراد أن يبين أن الانفراد ليس سبباً للراد مطلقاً ، كما يويحي به وصفه بـ( الشذوذ) ، وأن يبين أيضاً أن الشاذ لغةً على الحقيقة ، والأولى بهذا الوصف ، هو ( مخالفة الثقة لمن هو أولى منه ) .
وأنا أعلم أن من تمذهب بإلفه العلمي ، سوف يعبر هذا التفسير لكلام الإمام الشافعي : تمحلاً في الفهم ، وتعسفاً في التفسير . ولو أنه أنصف ، ونظر النظر المجرد عما ألفه ، وتذكر أن أفمام الشافعي من أهل القرن الهجري الثاني ، ومن أهل المراحل المتقدمة لنشأة علوم الحديث ومصلحه ، وأنه كان يخاطب أهل عصره ، بعملهم وفهمهم واصطلاحهم ، وأنه لم يكن يخطر على باله الاحتجاج الملح عندنا لشرح مصطلحاتهم ؛ من تذكر ذلك كله= علم أن تفسيري لكلام الإمام الشافعي ، بأنه أراد بالشذوذ في كلامه المعنى اللغوي له ، ليس فيه تمحل ولا تعسف‍
وأنا لا أجزم بأن هذا هو معنى كلام الإمام الشافعي ، لكني أورد إلى كلامه هذا المعنى ن على أنه احتمال آخر في فهمه . والجزم بمعنى كلامه ، إنما يكون باستقراء مصطلحه التطبيقي ، ومصطلح أهل عصره ، وأهل الحجاز منهم خاصةً لكلمة الخليلي في نسبة تفسير الشافعي للشاذ إلى أهل الحجاز أيضاً .
وما دمنا نتحدث عن كلام أهل الاصطلاح عن ( الشاذ)، والفهوم الجائزة لكالمهم ؛ فهذا الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الأثرم ( ت 273هـ) ، لما ذكر ( الشاذ) في كلامه . حمل على أنه يريد به ( مخالفة الراوي لمن هو أولى منه)، مع أن كلامه يدل بظاهره على غير ذلك المعنى‍
قال أبو بكر الأثرم : (( والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، وقد يهم الحافظ أحياناً))(1).
إن عبارة الأثرم واضحة أنه يتكلم عن ( أحاديث) ، لا عن ( حديث ) خالف فيه راوٍ من هو هو أولى منه . فهو يذكر أن ( الأحاديث) إذا دلت على أصل ، كان ذلك أثبت من الأصل الذي جاء به الواحد الشاذ ، ولم يقل : ( كان ذلك أثبت من المخالف الشاذ) ، إنما قال : ( الواحد) .
فالأثرم ـ بناءً على هذا) ـ يسمي تفرد الراوي بأصلٍ ( شاذا) ، فهو على رأي الحاكم والخليلي ، وليس على ما استظهر من كلام الإمام الشافعي . والغريب بعد ذلك ، كما ذكرنا آنفاً ، أن كلام الأثرم هذا فهم على أنه أراد به ما استظهر من كلام الإمام الشافعي ، بان الشاذ: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه(2).
وكلمة أخرى لأحد الأئمة من أهل الاصطلاح ، في تفسير معنى ( الشاذ) :
يقول الحافظ النقاد الإمام صالح (جزرة) بن محمد بن عمرو الأسدي البغدادي (ت294هـ): (( الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يعرف))(1).
ففهم ظاهر هذه العبارة ، يقول : إن الشاذ : هو التفرد المردود . فالتفرد من قوله : (( الذي لا يعرف )) ، والرد من قوله : (( المنكر)) .
وليس معنى ذلك أن هذا وحده هو ( الشاذ) عند صالح جزرة لنه العبارة خرجت منه غير موزونةٍ بما تقتضيه صناعة الحدود المنطقية ، من الجمع والمنع لكن معنى عبارته ، بما تقتضيه أساليب العرب : أن الشاذ حقاً ، أو الشذوذ المحض لغةً ـ عند صالح جزرة ـ: هو الحديث المنكر الذي لا يعرف . فهو إما أنه أراد الالتفات إلى دلالة المعنى اللغوي لـ( الشاذ)، كما سبق مع الإمام الشافعي . أو أنه أراد التنبيه إلى أخطر أنواع ( الشاذ) ،
وأحقها بالاهتمام .
كما أن هذه العبارة لا يلزم أنها تعني بأن ( الشاذ) هو ( المنكر) ، وأنهما مصطلحان متطابقان المعنى ، خاصة بعد الشرح المذكور آنفاً لعبارته هذه . إذ مقتضى ذلك الشرح : أن ( الشاذ) المردود ، هو الذي يقال له ( منكر)، دون غيره من ( الشذوذ) ، الذي هو تفرد الثقة الحافظ المحتمل لذلك التفرد .
ولعله مما يؤيد هذا الفهم لعلاقة ( الشاذ) بـ( المنكر) من كلام صالح جزرة ، هذا الحوار الذي دار بين أحد سائلي يحيى بن معين ويحيى ، حيث قال ذلك السائل لابن معين : (( ما تقول في الرجل حدث بأحاديث منكرة ، فردها عليه أصحاب الحديث ، إن هو رجع عنها ، وقال : ظننتها ، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي ، فقد رجعت عنها ؟ فقال يحيى : لا يكون صدوقاً أبداً ، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء ، فيرجع عنه . فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحدٍ فلا ))(2).
ولا أريد الدخول في مسألة علاقة ( الشاذ) بـ( المنكر ) ، فهذا خصم ليس هذا محله! لكن ما ذكرته إشارات لبعض ما يقال ، وأرجو الله أن ييسر لي كل ما يقال مستقبلاً في هذه المسألة . فإذا رجعنا إلى تفسير الشافعي للشاذ، وما ذكرناه فيه، فإن الذي لا محيد لنا من التسليم به حتى الآن ، على أقل تقدير ، أن نقول مثل الخليلي : إن للشاذ اصطلاحين معتبرين ، أحدهما : للشافعي وأهل الحجاز ، والآخرة : لغيرهم من حفاظ الحديث .
وهذا يشبه ( لا كل الشبه ) ما خرج به ابن الصلاح في نوع ( الشاذ) ، حيث قال : (( فخرج من ذلك ، أن الشاذ المردود قسمان ، أحدهما : الحديث الفرد المخالف . والثاني : الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف ))(3).
لكن ظهرت المشاحة في الاصطلاح عند ابن الصلاح ، وظهرت بوادر الميل إلى نصرة اقوال إمامه الشافعي ، عندما اعترض على تعريفي الحاكم والخليلي للشاذ : بالأفراد الصحاح (1)!! حتى عبر الحافظ العراقي عن هذا الاعتراض في ( ألفيته ) وشرحها : ( التبصرة والتذكرة ) ، بأنه رد من ابن الصلاح لتعريفي الحاكم والخليلي(2)!!!
ثم ازداد الميل إلى نصرة قول الإمام إلى درجةٍ أبعد ، عند الحافظ ابن حجر ، عندما أدخل في باب الاصطلاح الترجيح بين الاصطلاحات(3) ، مع أنه لا مدخل للترجيح في الاصطلاح ، لأن الترجيح مشاحة فيما لا تحق فيه المشاحة !!
بل جزم الحافظ بمعنى واحد من معاني الشذوذ في ( النزهة ) ، هو المعنى الذي استظهر من كلام إمامه ( وإمام المسلمين مع غيره من أئمة الإسلام ) :
الشافعي (4)!!!
ثم تبعه على هذا الانتصار لقول الإمام : السخاوي(5) ، والسيوطي(6) : الشافعيان !!
وأصبح اصطلاح غير الإمام : (( غير جيد ))(7) !!!
مع أنه قد سبق معنا أن اعتبار ما قله الإمام ( الشافعي ) اصطلاحاً له ، يحتاج إلى مزيد إثبات والاستدلال ، فهو غير مقطوع به أنه اصطلاحه أصلاً!!!
فانظر كيف تعاون الغلو والجفاء في فهم كلام أهل الاصطلاح ، بالتدريج ، إلى البعد عن فهم كلامهم !!!
وهذا ما أردت التمثيل له!
وهو آخر ما أحببت ذكره في هذه الخطوة
 

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:40 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.