ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 26-10-19, 03:35 PM
وليد بن عبده الوصابي وليد بن عبده الوصابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-14
المشاركات: 118
افتراضي جزءٌ في مواساة الآخرين.. (من سعادتي.. أن أراك سعيداً)!

جزءٌ في مواساة الآخرين..
(من سعادتي.. أن أراك سعيداً)!

عياذاً بالله من الأنا، ولياذاً به من الأثرة.. التي تسقط حاجز الإخاء، وتكسّر سياج الصفاء، وتبعثر نمير الماء، وتحطم الحديقة الغناء..

إنني في حياتي؛ أستشعر قول ربي سبحانه وتعالى: "إنما المؤمنون إخوة".

قال القرطبي: أي: في الدِّين والحرمة لا في النسب؛ ولهذا قيل: أخوّة الدِّين؛ أثبت من أخوّة النسب؛ فإن أخوّة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوّة الدِّين لا تنقطع بمخالفة النسب".

وتأملوا إلى رونق هاته الكلمة وصفائها (إخوة) إنها كلمة مفعمة بالتبادل، مشبعة بالتكافل، حاشا التخاذل والتقاتل!

وأستشعر قول حبيبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين، في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى)!

قال ابن أبي جمرة: "الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف، وإن كانت متقاربة في المعنى، لكن بينها فرق لطيف..
فأما التراحم، فالمراد به: أن يرحم بعضهم بعضاً بأخوة الإيمان، لا بسبب شيء آخر.
وأما التوادد، فالمراد به: التواصل الجالب للمحبة، كالتزاور والتهادي.
وأما التعاطف، فالمراد به: إعانة بعضهم بعضاً، كما يعطف الثوب عليه ليقويه".
(فتح الباري: ١٣ /٥٥٧-٥٥٨)

وايم الحق؛ لا يطيب لي العيش، ولا يهنأ لي البال.. وصاحبي عكر المزاج، أو في أخلاط وأمشاج.

أسعى لصديقي؛ بالملاءمة والمواءمة، لا الملاومة والمذاءمة..
أشقى بالوقوف معه، والأخذ بيده..
أحسّ ما هو فيه، وما ينطوي عليه..
وأحاول إيناسه بما يخفف لوعته، وأقدّم ما يسدّ جوعته، وأتمتم بما يفرج كربته، وأنفّه ما ينفّس ضيقته.. فأنا أخوه، وهو أخي وإن لم تلدني أمه، أو تلده أمي.
فبيننا آصرة الأخوة والدين، ورابطة التقوى واليقين.. فلا والله لن أتركه نهباً للأعداء، أو كلأً للأقذاء..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يحقره، ومن كان في حاجة أخيه؛ كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة؛ فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً؛ ستره الله يوم القيامة).

ويعجبني قول القائل:
لي صاحب يحنو على وجعي *** ويسرّني لو ساءني همّي

يختال بي في الناس مفتخراً *** ويذم من دَأبوا على ذمّي

لم ألقهُ إلا وقلتُ له: *** كم من أخ لي لم تلدْ أمّي

وقول الآخر:
الناس للناس ما دام الوفاء بهم *** والعسر واليسر أوقاتٌ وساعاتُ

وأكرم الناس ما بين الورى رجل *** تُقضى على يده للناس حاجاتُ

لا تقطعنَّ يد المعرف عن أحدٍ *** ما دمت تقدر والأيام تاراتُ

واذكر فضيلة صنع الله إذ جعلتْ *** إليك لا لك عند الناس حاجاتُ

قد مات قوم وما ماتت فضائلهم *** وعاش قوم وهم في الناس أمواتُ


قال ابن حبان: "والإخوان؛ يُعرفون عند الحوائج؛ لأن كل الناس في الرخاء أصدقاء! وشر الإخوان؛ الخاذل لإخوانه عند الشدة والحاجة".
(روضة العقلاء: ٢٢١)

وقال ابن المقفع، تـ١٤٢ -عن ناس زمانه-: "مولعون في الرخاء بالتحاسد، وفي الشدة بالتخاذل"!

قال أبو نَعيم: إذا كان هذا حال ناس القرن الثاني الفاضل؛ فكيف بحال ناس القرن الخامس عشر العاضل؟!
كان الله لنا ومعنا، هو حسبنا ومولانا.

وأُرى أن صاحبي ليس بحاجة؛ أن يلحن لي بقوله، أو يلمح إلي بفعله -كما قال القائل-:
وفي النفس حاجات، وفيك فطانة *** سكوتي؛ بيان عندها وخطابُ


ولا زلت معه -والحمد لله- حتى دخل ديوان السعادة، وركب قطار الأمان، وتفيأ الظلال، وجاور الأهل والإخوان، وزاور الأصدقاء والخلان..

الآن؛ طابت نفسي، وهدأت جوانحي، وبرد كبدي.. أن رأيته يرفل في أثواب الفرح، ويمشي على أرض المرح.

قال المنفلوطي (الإنسان): "وكنت قد عاهدتُ الله قبل اليوم، ألاَّ أرى محزوناً؛ حتى أقف أمامه وقفة المساعد إن استطعت، أو الباكي إن عجزت"!

ولا يهمني ما فعله الآخرون مع صاحبي، من تنكر وتندر، فهؤلاء يعبّرون عن رخص أنفسهم، ويرمزون لضعتهم.. فهم قد انسلخوا من معاني النبل، وتجردوا من معادن المروءة، وتخلّوا عن مُثل الأخلاق والقيم..
فلا عليك - خلّي الكريم- وخانهم، وخلّهم وشانهم، "واصبر على ما يقولون، واهجرهم هجراً جميلاً" بلا أذية أو شكاية، وعاملهم بالحسنى، فأنت الفائز الأعلى "ولا تك في ضيق مما يمكرون" "إن العاقبة للمتقين".

ومن لم يهتم لأمر أخيه، ولا يتوجع لعثرته؛ فليس منهم!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن لم يسُرُّه ما يسُرُّ المؤمنين، ويسوؤه ما يسوء المؤمنين، فليس منهم"!
(الفَتاوى: ١٠ /١٢٨)
وجاء في الأثر: (من لم يهتم بأمر المسلمين؛ فليس منهم) وقد روي مرفوعاً وموقوفاً؛ لكنه ضعيف.

وجاء نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

قال ابن القيم: "المؤمن يتوجّع لعثرة أخيه المؤمن؛ كأنه هو الذي عثر بها، ولا يشمت به".
(مدارج السالكين: ٤٣٦/١).

بل إن ذلك؛ من علامات السعادة. قال الشاطبي: "من علامات السعادة على العبد: تيسير الطاعة عليه، وموافقة السنة في أفعاله، وصحبته لأهل الصلاح، وحسن أخلاقه مع الإخوان، وبذل معروفه للخلق، واهتمامه للمسلمين، ومراعاته لأوقاته".
(الاعتصام: ٢/ ١٥٢).

وقال الشيخ عبد الرحمن الثعالبي (ت: ٨٧٥) في كتابه (الأنوار المضيئة): "إغاثةُ اللهفان، ومواساةُ أهل الفاقة؛ واجبة، وسخاوةُ النفس بالصدقة على المحتاج؛ مِنْ علامة السعادة".

وقال: "إدخالُ السرور على المؤمنين، وسخاوةُ النفس وذهابُ شحها وبخلها؛ علامةُ الفلاح".

فينبغي للصديق بل على المسلم عموماً؛ أن يشعر بأخيه المسلم ولو كان في بلاد نائية، فأخوّة الدين تجمعنا، ورابطة الإسلام تربطنا..
نتوجع لإخواننا في فلسطين والعراق وسوريا واليمن.. وهكذا في جميع البلدان.
نشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ولا ننساهم من صادق الدعوات، وإن تيسرت بعض الماديات، فهذه أخلاق الإسلام، وقيم رسول الأنام عليه الصلاة والسلام، الذي كان يتفقد أصحابه وأحبابه، وهكذا كان أصحابه وأتباعه إلى يوم الناس.


كم أسعد وأفرح.. حين أن أمسح الحزن عن أحدهم، أو أوفق لمواساة ثانٍ، أو أربت على كتف ثالث، أو أخفف مصيبة رابع، أو أصلح بين اثنين، لا سيما بين الزوجين، أو أواسي مكروباً، أو أؤاسي منكوباً..
أشعر حينها بالدفء .. بالرضا .. بالسعادة .. بالانشراح .. ويبقى يومي كله كذلك.

وعجبي؛ من أناس يحاولون جاهدين؛ إدخال الحزن، وإيصال الأسى، وبث التشاؤم على من حولهم!
أيّ قلوب يملكونها، وأي أفضال يرتجونها؟!

وقد كان الناس؛ نقيض هؤلاء النسناس؛ فقد وُجد من يألم ويسأم؛ إن لم يسطع قضاء حاجات إخوانه!

يقول أبو العباس أحمد بن الحسن بن علي بن الأمير الزرهوني: رُئي العتبي في يوم صايف، وهو يتفصد عرقاً! فسئل عن حاله؟ فقال:
حوائج إخوان أريد قضاءها *** كأني إذا لم أقضهن مريضُ
(معجم السفر: ٣٩)

واعلم أيها المعوان؛ أن حاجتك لأخيك؛ أشد من حاجته إليك!

قال الفُضيل بن عياض: "أما علمتم؛ أن حاجة الناس إليكم، نعمة مِن الله عليكم"؟!

وكان سفيان الثوري؛ ينشرح إذا رأى سائلاً على بابه، ويقول: مرحباً بمن جاء يغسل ذنوبي!

وعجبت والله جداً؛ لهاتين القصتين لسلطان وإمام؛ في التوجع لحال المسلمين، والتفجع لمصاب المؤمنين..

أما العالِم..
فقد نقل عبد الغافر الفارسي في ترجمة شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني في ذكر سبب وفاته، أنه دُفع إليه كتاب ورد من بخارى، يشتمل على ذكر وباء عظيم وَقَع بها، واستدعى فيه أغنياء المسلمين بالدعاء على رؤوس الملأ، في كشف ذلك البلاء عنهم، واشتد الأمر على عامة الناس. فلما قرأ الكتاب؛ هاله ذلك، وأثَّر فيه، وتغير في الحال، وغلبه وجع البطن من ساعته، وأنزل من المنبر، وبقي أسبوعاً لم يسكن ألمه، ولم ينفعه علاج، حتى توفي رحمه الله.

وأما السلطان..
فقد ذكر الحافظ ابن كثير في ترجمة الملك المجاهد نور الدين، إبان حروبه مع الصليبيين، ما نصه: "وقد كان الملك نور الدين؛ شديد الاهتمام، قوي الاغتمام بذلك، حتى قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءً في ذلك، فيه حديث مسلسل بالتبسم؛ فطلب منه أن يبتسم؛ ليصل التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إني لأستحي مِنَ الله أن يراني متبسماً، والمسلمون يحاصرهم الفرنج بثغر دمياط!


وأختم قائلاً: هذه أخلاق الإسلام، وسجايا رسول الأنام، عليه الصلاة والسلام، وصحابته الكرام، ومن تبع أدبهم من الفخام العظام إلى هذه الأيام، بل وإلى نزول عيسى عليه السلام.. فهل لي ولك أن نتشبه بهم، ونتأسى بهديهم، وننفي عن أنفسنا دغل الأنانية، وننقي قلوبنا من دخل الاستئثارية.. ولتعلم: أن الأيام دول، فاليوم لك، وغداً عليك، فاحذر ثم احذر، وسلام السلام عليك.

محبك: وليد أبو نعيم.
١٤٤١/٢/٢٧
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:11 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.