ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 22-11-16, 11:23 PM
أبو سهيل عبد الخالق المولات أبو سهيل عبد الخالق المولات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-11-15
المشاركات: 148
افتراضي ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

جملة النقول في جزء الآثار تنبيك إن شاء الله عن مقاصد التشريع من النهي عن البدع، والله تعالى أعلم بمراده ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم:
أ - قصد الشرع إلى صون الشريعة من التغيير.
فما من بدعة تحيى إلا وسنة تموت. وهل غُيِّر الدين الأول والتوراة والإنجيل .. إلا بالمحدثات والآراء والتأويلات المستحسنة؟ وهل غير دين إبراهيم إلا بما رآه عمرو بن لحي والملأ "بدعة حسنة"؟
ومن تأمل طريقة الصحابة في ترك السنن للبيان والنهي عن توقيت عمل مطلق .. ونحو ذلك علم أن مرادهم بقاء الدين كما وصى الله به نبيه. وإذا كان الإثم لازما لمن بدل وصية رجل في ماله فكيف بالذي يبدل وصية الله ورسوله (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين. فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) [البقرة181]. وهذا معنى لا أحسب طلب الدلالة عليه إلا تكلفا، والله أعلم.
ب- قصد الشرع إلى حصول القرب للعبد من الله تعالى.
فنهى عن البدع لأنها لا تقرب إلى الله، وأمر بالسنة لأنها السبيل إليه سبحانه. وبين الابتداع والابتعاد تقارب في المعنى واللفظ، فلا يكون الابتعاد من الله قربة إليه. وما أقرب الشبه - في الاشتقاق الأصغر - بين "بَدَعَ" و"عَبَدَ" و"بَعُدَ"، كذلك البدع بُعْدٌ وَلَغوٌ واتباع سراب .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت اهـ[خ934/م851] فألغى عملا مشروعا لما وضع في غير مظنته، كذلك كل عبادة لم تقع الموقع المأذون فيه كانت لغوا، وإن ظن الناس أن فيها مصلحة، كما ظن من قال لصاحبه أنصت مصلحة النهي عن المنكر وأنه عمل لصالح الخطبة، فلم يحَصل شيئا.
لذلك لم يكن المتعبد ببدعة عابدا حقيقة، لأن العبادة هي الخضوع لله وامتثال أمره، والبدعة غير مأمور بها، فالمتعبد بها غير مطيع فهو غير عابد. ولا نقول هو عاص لأن العاصي على علم خالف، ولكن أصدق وصف أنه ضال، أراد أن يطيع فعمل بشيء غير مطلوب .. فلا يمكن أن تكون البدعة في الحقيقة عبادة ..
والنكتة هنا أن البدع ليست في القدر - أي في الواقع - سببا للتقوى وتزكية النفوس كما قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام [صحيح رواه ابن حبان1391وغيره]. ومن أسماء الله "المؤمن" وهو الذي يصدق الشرع بالواقع والقدر، فإذا حرم شيئا شرعا فقد جعل فيه الضرر قدرا، كما إذا أذِن في الشيء شرعا رفع ضرره قدرا بل يجعل فيه المصلحة. والشرع والقدر أمر واحد من الله، قال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) [الروم29] فالدين الذي هو شرع الله هو الفطرة التي هي خلق الله.
ولما اختلج في صدور الذين لا يعلمون نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور لِما رأوا فيها من مصلحة أظهر الله لهم آياته كما أخبر سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [فصلت53] كما عاينوا أن الكحول الذي كانوا يستشفون به ويقولون: هذا الواقع يكذب الرواية أن الخمر لا شفاء فيها! خلاف ما كانوا يظنون، أدركوا أخيرا أنه لا يشفي من سقم بل يخدر الداء زمنا ثم يقوم أنشط ما كان، فلا يزيد المبتلى إلا علة. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون!
وكما أتاهم تأويل ما كانوا فيه يترددون من شأن شراب بول الجمل وغمس الذباب في الشراب ونحو ذلك مما كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب .. وهو مشهور.
وكما عاينوا أن لحم الميتة سم مهلك قدرا، كما حرمه الله شرعا. وعاينوا أنه لا يضر المضطر الذي أوشك الهلاك جوعا، كما أباحه الله شرعا، قالوا: وجدنا المعدة تفرز في حال شدة الجوع عصارة هضمية تقضي على الداء وتجعله غداء. فلما كان حراما شرعا كان ضررا قدرا، ولما أبيح شرعا رفع الله منه الضرر قدرا، إذ الفطرة والشرعة من الله الواحد الأحد سبحانه.
وكما عاينوا أن نتف الإبط هو مقتضى الفطرة لا الحلق، فقالوا: إن في أصل كل شعرة منه جراثيم تموت ما أصيبت بالهواء لا تزول إلا بالنتف، ومتى حلق الشعر بقيت وأورثت خُنُوزًا ودمامل وحكة .. وأن الحلق يقوي الشعر فيشق بعد ذلك على الحالق النتف، ويظن أنه عَسِرٌ وإنما هو عسَّر على نفسه .. فلما خالف السنة ما ازداد إلا بعدا عنها وشق عليه الرجوع إليها ..
كذلك البدع لما نهى الله عنها ورسولُه لم يجعل الله فيها المصلحة الحق قدرا، وما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا، إذ لا بركة فيها، كما لا بركة في الأرض العقيم التي لا تنتج وإن زُرِعت الدهرَ، ولا يخرج زرعها إن خرج إلا نكدا. وإنما يلاحِظ هذا في وجوه العاملين مَن رُزِقَ السلامة من حب البدع واقترافها (1). ومن كذب بالحق لما جاءه فسوف يأتيه تأويل ما كان يُنهى عنه من البدع! ولات حين مناص.

كتاب الصحيح المنتخل من كلام الاولين في بدع العمل ( ص 330 _333)
يتبع
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-11-16, 11:55 PM
أبو سهيل عبد الخالق المولات أبو سهيل عبد الخالق المولات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-11-15
المشاركات: 148
افتراضي رد: ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

وتأمل هذا في عبودية البغض في الله مثلا، فإن النبي الذي حرم البدع ونفَّر منها بأشد صيغ النهي مبغض لها قاصد تبغيضها إلى قلوب العباد. وتجد مستحسني البدع أشد الناس تهاونا فيها، لا يَنفرون مما نفَّر منه، ولا يحذرون منها العباد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، بل تجد أثقل شيء عليهم أحاديث النبي في ذم كل بدعة. فلو كان من الدين استحسان البدع لأوجدت في القلوب تقوى وقربا من الله يقتضي الحب فيه والبغض فيه سبحانه. لكن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم على أثره سائرون، يحذرون من البدع وهم لها مبغضون، متأسون به صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا.
كذلك يجعل الله بركة الإيمان والصلاح والقبول والولاء للنبي صلى الله عليه وسلم باتباع السنة عمل النبي صلى الله عليه وسلم، فترى صاحب السنة مشرق الوجه ناضر المحيا منقادا للسنة لا يتلكأ، بخلاف البدعة فإنها لا تأتي بخير .. لا أقصد دمع العين ونحوه فإنك تجده في النصارى ... ولكن الحقائق التي تقوم في القلوب وكمال الانقياد والاتباع وانشراح الصدر للسنة فعلا وتركا .. وحسن المآل يوم المعاد. لذلك كلما قرب القرن من زمن النبوة كان أسلم من الخلاف والبدعة وأعظم بركة، وكلما ابتعد كان أبعد عن ذلك. فكيف يأتي متأخر بعمل أهدى من الأولين؟! تدبر عافاني الله وإياك.
والمقصود أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فالسنة والحكمة والمصلحة شرعا وقدرا فعله كذلك وما أخفاه فالسنة والمصلحة إخفاؤه، وما فعله تارة وتركه تارة فالمصلحة قدرا فعله كذلك، وهكذا .. تفكر في الصلاة مثلا: ما أظهره النبي صلى الله عليه وسلم منها شرعا كصلاة الجماعة رفع الله عنه الضرر قدرا فليس فيه رياء بل هو المصلحة، وما أخفاه وسن إخفاءه كقيام الليل ففي إظهاره المفاسد كالرياء فإنه يتسلل إلى القلب .. ونحو ذلك كالعُجب، مما قد يكون عقوبة للمخالفة كما قال تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) [المائدة 14] فلما نسوا حظا مما ذكروا به وهو سنة نبيهم عيسى عليه السلام غير الله قلوبهم فضرب بعضَها ببعض عياذا بالله.
كذلك فطرة ابن آدم ما يكون به قوامه منه ما المصلحة الدوام عليه كل يوم كالطعام والشراب والنوم .. ومنه ما حاجته إليه أحيانا كالجماع، فلو اتخذ ما سنةُ الفطرة فعلُه أحيانا سنةً راتبةً كل يوم لعاد عليه بالفساد .. كذلك ما سنة الشرع فعله أحيانا لا يتخذ سنة راتبة، لأنه إنما ينتفع به أو يكمل انتفاعه به ما دام كذلك .. ولكن الناس يرون عاقبة ذلك في الفطرة كالجماع فيُسَلمون، لأنها معجلة، ولا يرون ذلك في الشرع، فتراهم يجادلون لأن الله أخر بيان العقبى إلى يوم الدين ..
والمقصود أن الله تعالى أطلع نبيه على وجوه الأعمال النافعة قدرا وأسرعها وصولا بالعبد. فاحفظ هذا فإنه ذكرى لمن كان يرجو لقاء ربه فإنما الأمر بالاتباع. والله المستعان لا حول ولا قوة إلا به.
الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل (ص 333 _ 334)
يتبع
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23-11-16, 12:03 AM
أبو سهيل عبد الخالق المولات أبو سهيل عبد الخالق المولات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-11-15
المشاركات: 148
افتراضي رد: ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

ج- القصد إلى تزكية العبد من اتباع الهوى اللازم للابتداع.

ومنه منازعة الربوبية إذ الابتداع مناف للعبودية، لأن التشريع حق الرب وحده. ففي الإحداث مضاهاة للربوبية التي معناها انفراد الله عز وجل بالتشريع في وجوه القربات وما شابهها. وإنما لك من اسم ربك «الرب» أن تربي الناس بما سنه رسوله صلى الله عليه وسلم ورُبِّي به السابقون إذا أُذن لك، (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) [آل عمران 78] لا بما بدا لكم حسنا. فإنك إن فعلت كنت متعبدا لله حقا باسمه الرب أنه هو الذي تفرد بالتربية وتعيينِ أبوابها .. وتأمل هذا في قول الله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) [التوبة31] كانوا أربابا لما ابتدعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. كذلك المبتدع مضاهٍ ربَّه سبحانه في هذا الحد الذي هو من حدود الله، وما الأحبار والرهبان إلا مبتدعة في دين أنبيائهم.
وقد ذكروا من أسماء الله الحسنى «البديع» الذي ابتدأ الخلق من غير مثال سابق وأبدعه إبداعا، فمن ابتدع أشرك مع الله نفسه في هذا المعنى. وفي الحديث الإلهي [خ5609]: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، وليخلقوا ذرة اهـ فكما امتنعت مضاهاة الله عز وجل في التصوير والخلق لأنه «الخالق» «المصور» كذلك امتنعت في الأحكام والتشريع لأنه هو «الرب» «البديع» إذ له وحده الخلق والأمر. قال ربنا تبارك وتعالى (ألا له الخلق والأمر) [الأعراف 54] فتفكر كيف نبه على التوحيد في الخلق والأمر الذي يتناول الأمر القدري والأمر الشرعي بتقديم لام الاختصاص والضمير بعدها، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وقدم ذلك بآية التنبيه "ألا" ليُنبه على أنه سبحانه انفرد بحق الإحداث بغير مثال سابق في الخلق والأمر سبحانه وتعالى. ومن نازع ربه في شيء من ذلك فقد انسلخ من العبودية أو من تمامها واتبع هواه، ومن أعطى القرآن بخزامه فقد برئ من الهوى كما قال أبو الدرداء ..
ومن اتباع الهوى أنك تجد صاحب البدعة يوالي عليها ويعادي أكثر من حبه السنن الثابتة، لأنها أخص به، والفيصل بينه وبين غيره. فلسان حاله ينطق أن لا حق إلا فيها وأن الضلال في تركها فيستميت في نصرتها ما لا يفعل مثله في نصر السنة! وهذا هو الهوى عينه، ودليل على ما في قلبه من الفساد، فإن البدع تميز صاحبها ويمتاز بها عن المسلمين ويتراءى للناس بها، فهي من جنس لباس الشهرة الذي يعود على صاحبه بخلاف قصده (1). والعقوبة بخلاف القصد السيئ سنة شرعية وكونية.
ومنه ما قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة [732] أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الفقيه قال أخبرنا عمر بن أحمد قال ثنا محمد بن هارون بن حميد قال ثنا أبو همام قال نا بقية قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟ قال قلت: قوم سوء! قال: ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث!
وقال الهروي [ذم الكلام919] أخبرنا محمد بن موسى حدثنا الأصم حدثنا الصغاني حدثنا أحمد بن أبي الطيب حدثنا بقية حدثنا نعيم بن غريب حدثني عنبسة بن سعيد الكلاعي قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا غل صدره على المسلمين واختلجت منه الأمانة. قال نعيم: فسمعه مني الأوزاعي فقال: أنت سمعته من عنبسة؟ قلت: نعم. قال صدق، لقد كنا نتحدث أنه ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب ورعه اهـ
وهذا كما قال ربنا وهو أعلم بمن خلق (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه) [الرعد36] فكل من تحزب في دينه ببدعة ينكر بعضا من السنن، وأقربها أدلة النهي عن البدع. (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) [الحج72] ونعوذ بالله من مَثَل السوء.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره ثم إنها تخلُف من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل اهـ فهذا بيان أن الخلوف الذين يرثون الكتاب من بعد الأولين يقولون بألسنتهم ما لا يفعلون بأعمالهم وقلوبهم من حب الله وولايته والاعتصام بالسنة .. وما هم بمعتصمين! ويفعلون ما لا يؤمرون! فيا ليت شعري مَن أمرهم بإقامة الموالد؟! .. مَن أمرهم باستحسان البدع والتفنن في اختراعها؟! .. آلله أذن لهم أم على الله يفترون؟!! أوَلم يكفهم ما به تقرب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُه وما به سبقوا، حتى أحدثوا غيره؟! أَوَ لم يكن لله أولياء من السابقين الأولين أشد حبا واجتهادا في طاعته، حتى أتى المتأخرون بِبِدْعٍ من القول والعمل وقالوا: قُرُبَةٌ حسنة؟! أَوَلم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم أحباء من أصحابه يحتفلون به .. حتى أتى مَن أحدث ما لا يرى الحق والولاية إلا فيه، ويرى الضلالة والجفاء في خلافه؟!! (كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) [الأنعام 108] (1).
ويا ليت شعري ما يضر هؤلاء لو تركوا محدثاتهم واعتصموا بالسنة!! وقد كان العلماء ربما تركوا السنة المقررة والحديث المحكم خوفا من اشتباهه عند الناس بالسنن الراتبة أو الواجب اللازم، ولم يكتفوا بالبيان بالقول حتى بينوا بالفعل (الترك). فإذا كان هذا سَنَن السابقين الأولين مع السُنَن المقطوع بكونها مشروعة، فما الظن بما لم يثبت فيها؟!
ولماذا يستميت المخالفون في نصرة ما أحدثوا بما قدروا عليه من الاحتجاج بالمتشابهات وبالتواصي بها والدوام عليها!! والولاء والبراء .. فانظر كيف نزلت البدعة من صاحبها الذي خرجت من قلبه بمنزلة الولد الذي خرج من صلبه! يستميت فيها! والسعيد من وعظ بغيره.
والمبتدع أهون شيء عليه تحريف كلام الله ورسوله بأنواع التأويلات لأنه يبتدع ثم يستدل، حتى إذا أُعلم بنهي عام أو خاص فكَّر وقدَّر وعبس وبسر، ثم زعم أن قصد الشرع من النهي كذا وكذا .. كما هو العهد بالمسَوَّدين منهم!
وقد قال ربنا تبارك وتعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) [آل عمران 7] فالمحكمات هن أم الكتاب أي معظم الأدلة، والمتشابهات هي القليلة التي يشتبه أمرها ويُشكِل، فتتردد بين موافقة المحكمات وبين مخالفتها. فأما الذين نظروا في الأدلة بقلوب فيها زيغ سابق عن النظر، أي عندهم أفكار يهوونها زائغة عن المعنى الذي تقرره المحكمات الغالبة التي جرى عليها العمل العتيق فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة.
قال البخاري في جزء رفع اليدين [ص140] قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة اهـ (1) وروى ابن أبي حاتم في التفسير [3196] حدثنا أبي ثنا الحسن بن الربيع ثنا ابن إدريس ثنا محمد بن إسحاق قوله (وابتغاء تأويله) ما تأولوا وزينوا من الضلالة ليجيء لهم الذي في أيديهم من البدعة ليكون لهم به حجة على من خالفهم للتصريف والتحريف الذي ابتلوا به، كميل الأهواء وزيغ القلوب، والتنكيب عن الحق الذي أحدثوا من البدعة اهـ
فهذا الصنف متبع للهوى غير محَكم للشرع في اختياره، لذلك يقع في الفتنة من حيث لا يحتسب.
وأي فتنة وهوى أعظم من أن يرى صاحب البدعة نفسه قد سبق إلى فضل قصر عنه النبي صلى الله عليه وسلم والسابقون؟ وفتنةٍ تسلل بها إلى القلوب اتهام النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يُبَلغ بعضا من الدين، ولم يبينه للعمل به! ولمزٍ للصحابة بالغفلة والنقص وهم الذين سماهم الله "السابقين" إلى كل خير و"الأولين" فيه وإليه .. ! وأي فتنة أعظم من بدع أورثت القلوب شكا في دلالات القرآن والسنة .. حتى رأوا المحكمات (الظواهر) التي هي أغلب أنواع الأدلة محتملات لا توجب العلم .. ؟!!
فجاء الشرع ليطهر القلب من هذه الأدران بما فرض من الاتباع ونهى عن الابتداع. والله تعالى أعلم بمراده ومقاصد نبيه صلى الله عليه وسلم.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-11-16, 01:19 AM
أبو سهيل عبد الخالق المولات أبو سهيل عبد الخالق المولات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-11-15
المشاركات: 148
افتراضي رد: ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

د - قصد الشرع إلى دوام العبد على العمل ومحبته.
لذلك سلك الشرع به سبيل اليسر. والبدع - سواء بالزيادة أو بالترك مثلما تقدم - زيادة تكليف، آيل مع الزمن إلى الكلال عن المشروع، وللنفوس إقبال وإدبار. فمنَعَ الشرع كل بدعة حفاظا على إقبال النفوس على العبادة، ولبقاء الدين في مقدور العبد (1).
ومادة "ب د ع" في لسان العرب تأتي بمعنى الانقطاع والكلال، ففي العين قال الخليل: وأُبْدِعَ البعيرُ فهو مُبْدَعٌ ... وأُبْدِعَتِ الإبلُ إذا تُركت في الطريق من الهُزال. وأُبْدِعَ بالرّجلِ إذا حَسِرَ عليه ظَهْرُهُ اهـ ومثله وفي الصحاح.
فالبدعة لا تصل بصاحبها إلى الله، وآيلٌ أمر راكبها إلى الانقطاع عن السنة، وعن ورود الحوض يوم تبلى الأعمال والسرائر.
روى البخاري [3278] عن ابن عباس قال حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن موسى قال لفتاه آتنا غداءنا (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) ولم يجد موسى النصَب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به اهـ وكذلك يَنْصَبُ من تجاوز حد السنة.
وروى الفريابي في القدر [324] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا ابن عون عن محمد - يعني ابن سيرين - أنه كان يرى أن أسرع الناس ردة أهل الأهواء اهـ سند صحيح.
هـ قصد الشرع إلى توحيد العباد على الصراط.
فالبدع تفرق عن سبيل الله، وتقطع أمر الأمة، هذا ينتصر لها، وهذا يحاربها .. وكل عند نفسه متعبد لله بما يصنع .. قال تعالى (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) [المومنون54] أَمْرَهم أي دينهم قطعوه بينهم زُبُرا أي كتبا جمع زبور، فألَّفُوا كتبا في "تصورات" لهم ومذاهبهم وقالوا: بها نفهم كلام الله، وهي المثناة في حديث عبد الله بن عمرو المذكور. فاختلفوا، فتقطعوا أمرهم، وصاروا أحزابا متفرقين. وتأمل الموصول " ما " كيف يدل على غاية في التحقير لأن التنكير في سياق الذم يفيد التحقير، أي أن ما أحدثوه وهم به فرحون نكرة لا يعرف في الدين، ولا قيمة له عند رب العالمين. ولماَّ ذكر الدين الذي هو الحق عرَّفه بالإضافة فقال "أمرهم " أي أنهم تركوا المعلوم صدقه وعاقبته إلى ما لا يعلمون!!
وقد أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر واقع في الأمة بقوله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ اهـ[خ6889/م2669]. والله المستعان. وهو ما حذر الله عز وجل عباده في قوله (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [الأنعام 154]
وقد روى ابن جرير [التفسير 1813] حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) قال: بلى! قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، وقالت النصارى (ليست اليهود على شيء) ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا اهـ وغاية ما أحدثه أولئك كان بدعوى أنه " بدعة حسنة " .. !
وقد قال أبو عبيد [فضائل القرآن 44] ثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: إن هذا الصراط محتضَر، تحضره الشياطين، يقولون: هلم يا عبد الله، ليصدوا عن سبيل الله، فعليكم بكتاب الله فإنه حبل الله اهـ فبين أن من أراد أن يسلك الصراط اكتنفته الشياطين من الإنس والجن كل يقول: ههنا الطريق يا عبد الله! أي إن كنت تريد العبادة والصلاح فهنا الطريق. كما تفعل كافة الفرق المنتسبة إلى الدعوة اليوم، والله يهدينا وإياهم.
وقد روى ابن ماجه [3992] وغيره عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار. وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة. والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة اهـ وهو حديث حسن مليح، تعددت مخارجه، ويشهد لمعناه القرآن والسنة والآثار.
ويا ليت شعري ما ينهزهم إلى رد الحديث!؟ آلسند أو المعنى!؟
أما السند فالاعتبار له سند (1). وعهدنا بهم في ما نشطت له أنفسهم من الأخبار الضعيفة السند يقولون: إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد! فليكن الأمر هنا كذلك.
أو معناه استنكروا!؟ وقد شهدت له المحكمات من القرآن والسنة والآثار؟ فهل ينكرون أن كل ضلالة في النار!؟
بلى قد صدق الله وهو أعلم بمن خلق (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) [الرعد 36]، فكل من تحزب في دينه ببدعة لا تجده إلا منكرا بعض ما أنزل الله على رسوله، والله المستعان.
وكلما أنكر الناس سنة أو تركوها ازداد ما بينهم من الاختلاف كما قال الله تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) [المائدة14] وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم. ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا اهـ
فما ترك الناس حظا مما ذكروا به إلا وقعوا في الاختلاف، والبدع تورث نقص السنن وتورث الاختلاف فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تواد اثنان في الله جل وعز - أو قال: في الإسلام - فيفرق بينهما أول ذنب يحدثه أحدهما اهـ[صحيح الأدب المفرد403] وفي لفظ: .. فيفرق بينهما إلا ذنب يحدثه أحدهما اهـ[السلسلة الصحيحة637]
وقال ربنا تبارك وتعالى (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) [الأنعام 68] فقرن بين ذكر الذين يخوضون في آيات الله وما وعد الناس من أن يُلبَسوا شيعا، وهكذا شأن البدع سببها الخوض في آيات الله، ومآلها الاختلاف والاقتتال كما قال تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) [البقرة253] وهو الذي فهم ابن عباس لما قال في الذين يعجلون بحفظ حروف القرآن: متى ما تسارعوا هذه المسارعة يحيفوا، ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا اهـ
وكم من خلاف عند كثير من الناس صار "معتبرا" و "له حظ من النظر" وإنما سببه بدعة وقعت! إما من كلام الأصاغر في الدين ممن أشبه العلماء وليس منهم .. أو أنه زيغة حكيم ينبغي أن تطوى ويعذر عليها، من باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اهـ وقال ابن عباس: ويل للأتباع من زلة العالم! قيل: وكيف ذلك!؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيخبره ويرجع، ويقضي الأتباع بما حكم اهـ
كتاب الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل (ص 338 _ 342 )
يتبع
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 23-11-16, 01:36 AM
أم السبطين العلوي
 
المشاركات: n/a
افتراضي رد: ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته . جزاكم اللهُ خيرا و جعلكم لبِنةً لنُصرة دينه و سراجاً لهداية الغافلين عنه .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23-11-16, 01:50 AM
أبو سهيل عبد الخالق المولات أبو سهيل عبد الخالق المولات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-11-15
المشاركات: 148
افتراضي رد: ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

فاعتد ناس بما هذا بابه حتى كثر الخلاف عندهم، وضعف اليقين في القلوب، ورأوا أن أكثر الدين مختلف فيه، وأن الإجماع قليل جدا!! وإنما الخلاف المعتبر ما كان بين فقهاء الصحابة، وكل بدعة بعدهم ضلالة، ليس النوازل التي تُخَرج على مسائلهم ..
وقد تقدم أن من المتشابهات ما يقع عند كلام الأصاغر في الدين وعند الاختلاف كما قال ربنا تبارك وتعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم. وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب. فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم) [الشورى14 - 15] فالذين أورثوا الكتاب من بعد المختلفين وهم المنتسبون إلى العلم وقعوا في شك مريب، لا كأهل العلم الشاهدين التنزيل، الذين شُرع لهم الدين أي بُين وأظهِر وسُهل كما قال تعالى (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا) [الأعراف 163] شُرَّعاً أي ظاهرة ميسورة الأخذ. فبعد أن كان ميسورا ظاهرا لهم صاروا في لَبس شديد. وهذا تنبيه لأمتنا لذلك قصه الله علينا. والله المستعان. ثم أمر الله أحدنا أن يستقيم على الأمر لئلا يكون كحالهم فقال (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم) فالاستقامة على الأمر هي السنة، والأهواء هي البدع.
وقال ربنا (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير) [هود 110 - 112] فأمر بالاستقامة على الأمر وهو السنة وحذر من الطغيان فيه وهو الابتداع، بعد أن أخبر عن اختلاف بني إسرائيل وما هم فيه من الشك المريب.
ومثله قول الله تعالى في سورة فصلت (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب) [45] بعد أن ذكر ربنا أن كتابه هذا فصلت آياته وأحكمت وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه للمؤمنين هدى وشفاء، وهذا الذي يسميه الناس "القطعية"، فكذلك كان الكتاب الذي أنزل على موسى، فاختلفوا، فصاروا في عمى وشك مريب ..
ولما اختلف الناس بعد أنبيائهم واقتتلوا صار لأهل الشوكة في كل زمان صولة يحملون الناس بالسلطان على ما أحدثوا، فإذا قام فيهم من يردهم إلى الأمر الأول قتلوهم وأرهبوهم واشتروا إدهان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب بلعاعة من الدنيا كما قال ابن مسعود: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة - أي بدعة - يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة! قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إذا كثرت قراؤكم، وقَلَّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقَلَّت أمناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة اهـ فإذا كان أمراء غير أمناء على الدين وقراء يلتمسون الدنيا بعمل الآخرة داهنوهم فأفتوا بما يرضي أمراءهم، فعمت البدع وغُيِّر الدين!! وهذا المعنى الذي ذكر أبو عبد الرحمن بَيِّن في آي من القرآن قال ربنا جل جلاله (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار. ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) [البقرة 176] فأخبر أنهم اشتروا البدع الضلالة بالهدى وهي سنة نبيهم وكتموا العلم ليأكلوا في بطونهم، ولا يُضَيق عليهم كما يضيق على الذين يأمرون بالقسط من الناس. وهذا واللهِ وعيدٌ لأهل العلم شديد.
ومثله قول الله تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) [البقرة160] فالبينات العلم آيات الله، والهدى العمل الصالح سنن الأنبياء، كما قال ابن مسعود: إنما هما اثنتان: الهدي والكلام، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم اهـ[عبد الرزاق 20076]
وقال ربنا جل في علاه (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) [آل عمران188] فأخذ الله عليهم موثقا لتبينُنَّه للناس ولا تكتمونه
لدنيا تصيبونها أو تخافون عليها، ففرحوا بالكتمان وأحبوا أن يحمدوا بأنهم هم أهل العلم والدعوة القائمون بأمر الله وما هم بفاعلين!
ولما صمت الصامتون وأدهن المدهنون نشأت قرون لا يعلمون من الدين إلا ما هم في شك منه مريب.
وكل هذا الوبال كان سببَه حدوثُ البدع واستحسانها! نعوذ بالله من شرها.
فانظر إلى جناية البدعة على الدين! لتعلم أن من حذر منها يعلم من الله ما لا تعلمون صلى الله عليه وسلم.
هذه مقاصد إن شاء الله أومأ العلماء إليها في كلمات متفرقة. ليست عللا يناط بها أحكام البدع وجودا وعدما، ولا قواعد للأحكام والنوازل، ولكن هي معانٍ يطمئن إليها قلب الحريص على دينه مجانب الحوادث والأهواء جملة. وإنما تضبط بمتابعة ما سلكه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فعلا و تركا.
ومتى أُبقِيت السنة على حالها بقي الدين محفوظا سمحا محبوبا موصِلاً إلى الكمال المطلوب للعبد من طريقه الأقرب الأوحد بإذن الله الواحد الأحد.

كتاب الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل (ص342_344 )
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23-11-16, 01:23 PM
أبو سهيل عبد الخالق المولات أبو سهيل عبد الخالق المولات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-11-15
المشاركات: 148
افتراضي رد: ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

نقلا من الكتاب الجامع في باب البدعة.
الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل
للأستاذ محمد مبارك حكيمي المغربي.
ويليه بإذن الله بحث اخر بعنوان : باب في بيان أن حديث <<كل بدعة ضلالة>> محكم العموم
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22-01-17, 11:50 AM
أبو سهيل عبد الخالق المولات أبو سهيل عبد الخالق المولات غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-11-15
المشاركات: 148
افتراضي رد: ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال ابن المبارك: هم أهل البدع. وقال أبو عبيد في غريب الحديث [3/369]: والذي أرى أنا في الأصاغر أن يؤخذ العلم عمن كان بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويقدم ذلك على رأي الصحابة وعلمهم، فهذا هو أخذ العلم من الأصاغر.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:48 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.