ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 31-03-14, 10:25 AM
مجالي البوق مجالي البوق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-06-12
المشاركات: 150
افتراضي العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه..

الحمدُ للهِ وحدهُ والصلاةُ والسلام على من لا نبيَّ بعدهُ , وبعد:
فقد كتبتُ بحثًا قصيرًا فيما يتعلقُ بمسألة العملِ بالرُّؤى وأحكام وضوابط هذه المسألة , وذلك لما أرى لهذا الموضوع من أهمية بالغة.
ويشتمل هذا البحث على عددٍ من النقاط والمباحث , ومن أهمها :

1- الكلام على فضل الرؤيا ومكانتها.

2- تأويل الرؤى:فضله وأهميته , ويندرج تحت هذا المبحث النقاط التالية:

أ- تأويل الرؤيا نوع من الفُتيا.
ب- التعبيرُ والكِهانة.
ج- علامات وأمارات التعبير عن طريق القرين.
د- الاعتماد على الكُتب القديمة في التعبير , وما يترتب عليه من الأخطاء.
هـ- قواعد اليقظة تختلف عن قواعدِ المنام , ويندرج تحت هذا المبحث ذكر بعض الأمثلة من السنّة النبوية ومن التعبيرات المُعاصرة , ومن أهمها مثال الخطأ في الرؤى المُتعلقة بالمهدي.

3- الرؤى الحقّ لا تُخالف الشرع.

4- معنى كون الرؤيا لا يترتب عليها حكم شرعي , وكلام العلماءِ في ذلك.

5- معنى كون الرؤيا للتأنيس والبشارة والنذارة.

6- أحكام العمل بالرؤيا , ويندرج تحت هذا المبحث:
*ذكر الأدلة من القرآن والسنّة , وأقوال الصحابة -رضوان الله عليهم- في العمل بالرؤى.

7- أحكام رؤية النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في المنام , وذكر أقوال أهل العلم في ذلك.
*يندرج تحت هذا المبحث ذكر بعض الصور التي ذُكرت عن بعض المُحدثين والفقهاء , و عملهم برؤى رُؤيَ فيها النبيّ -صلى الله عليه وسلم- , ومن ذلك ما ورد عن شيخ الإسلام ابن تيمية في رؤيا الاشتراط في الدعاء للميت , و الإمام مسلم في رؤيا حمزة الزيات , والإمام أبي داود في رؤيا أبان بن عياش , وابن قدامة ورؤيا عمر في التقبيل للصائم , وفُتيا العز بن عبد السلام في رؤيا الركاز المُخالفة للشرع , وما ذكره النووي في رؤيا غدًا من رمضان.

8- ذكر أوجه العمل بالرؤى, ويندرج تحت هذا المبحث :
أ- أن يكونَ العملُ بها في أمرٍ مباح.
ب- العمل بها لفائدة يرجو نجاحها.
ج- العمل بها إذا كان فيها تحذيرٌ أو تبشيرٌ.
د- العمل بها في ترك أمرٍ مباح.
هـ- العمل بها إذا وافقها سبب ظاهر.

9- تواطؤ الرؤى , ويندرج تحت هذا المبحث:
أ- الكلام على حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- "أرى رؤياكم قد تواطأت" وذكر كلام العلماء عليه.
ب- ابن تيمية وتواطؤ الرؤى.
ج- متابعة ابن القيم لشيخه في هذه المسألة.
د- الشيخ محمد بن عثيمين و موافقته لشيخ الإسلام في هذه المسألة.

10- ضوابط الرؤى المتواطئة , ويشتمل على ذكر بعض الأمثلة لتوضيح معنى التواطؤ.
*من أهمها : مثال السجين ومثال صدور العفو عن السجناء ومثال المهدي.

11- المُحكم والمتشابه من الرؤى .

12- أحداث الحرم المكيّ عام 1400 هـ , ويشتمل على:
أ- ذكر حادثة جهيمان العتيبي في فتنة المهدي.
ب- كيف وقع الخطأ في العمل بالرؤى في هذه الحادثة.

13- الرؤيا تسرُّ ولا تغر , وبيان لموقف المسلم من الرؤى التي تُرى فيه.

14- الرؤى جندٌ من جند الله.

15- ذكر نماذج وصور للعمل بالرؤى عند السلف وغيرهم من أهل العلم , ومن أبرز هذه النماذج والصور ما ورد عن :
أ- عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- ورؤيا النار وكيف حفزته على قيام الليل.
ب-عمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- برؤيا الشمس والقمر.
ج- رؤيا أبي بكر الباغندي في منصور بن المعتمر.
د- رؤيا الوليد بن مسلم في الأوزاعي.
هـ- رؤيا محمد بن رمح في الإمام مالك.
و- رؤيا ابن القاسم ورأس الخنزير.
ز- رؤيا عمر بن عبد العزيز في الحجاج.
ح- رؤيا نور الدين زنكي.
وغيرها من رؤى العلماء من فقهاء ومحدثين , وعملهم بما جاء في هذه الرؤى.



هذا و أسألُ الله أن ينفع بهذا البحثِ و يجعله خالصًا لوجهه الكريم ويكتب له القبول و الانتشار بين المسلمين , وسأقوم بنشره هنا تباعًا ثمَّ تنزيله كاملًا في هيئة كتاب PDF ومستند WORD بعون الله تعالى.
ولا غِنى لي بعد الله سبحانه من توجيهات إخواني من أهل العلم ما يبدوا لهم من ملحوظات على ما كتبتهُ في هذه المسألة , ورائدنا في ذلك هو الوصول إلى الحقِّ وبيانه للنّاس.
__________________
اللهم اجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، و وفقنا للعمل الصالح.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 31-03-14, 10:30 AM
مجالي البوق مجالي البوق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-06-12
المشاركات: 150
افتراضي رد: العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه (القسم الأول)

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ وبعد ,
فإنَّ مسألةَ العملِ بالرؤى من المسائلِ المُهمَّةِ والحساسةِ - والخطِرةِ في بعضِ الأحيانِ- , وإنَّ الخطأَ في العملِ بها قدْ ينجُمُ عنهُ فِتنٌ وشرورٌ عظيمةٌ , ومعَ ذلكَ، فإنَّ الخطأَ في تطبيقِ أمرٍ اعتبرهُ الشرعُ لا يُسوِّغُ إهمالهُ أو إلغاءهُ؛ لأنّ كثيرًا من الأمورِ التي اعتبرها الشرعُ المُطَهَّرُ قد يقعُ الخطأُ في تطبيقيها والعملِ بها, ولا يعني ذلكَ أبدًا تركُ العملِ بها , أو التقليلِ من شأنها ,ولكنَّ الذي ينبغي هو تقريرُ الأحكامِ والضوابطِ المُعْتبرةِ للعملِ بها؛ فيحصُلُ بذلكَ الجمعُ بينَ اعتبار ما اعتبرهُ الشرعُ وبيَّنَ فضلَهُ وشأْنَهُ , وبينَ اجتنابِ الوقوعِ في الشرورِ والمفاسدِ من جرَّاءِ الخطأِ في تطبيقهِ والعملِ به، ومنْ هذهِ الأمورِ التي اعتبرها الشرعُ وبيَّنَ فضلها وعظيمَ شأنها : "الرؤى".


فَضْلُ اَلْرُّؤْيَا ومكانتها :

وردت نصوصٌ كثيرة تبيّنُ فضلَ الرُّؤيا ومكانتها في هذا الدين، وسأورِدُ بعضها- على سبيل الاختصار-؛ لأن المقصود هو الكلام على ما يتعلّق بمسألة العمل بالرُّؤى، والكلام على فضلها هو بمثابةِ التوطئةِ والتمهيدِ بين يديّ الكلام على هذه المسألة، ومن هذه النصوص:

1. قولُ النبيِّ –صلى الله عليه وسلم- :« رؤيا المؤمن جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة »[1]، قال بعض السلف :"وما كانَ من النبوةِ فإنه لا يكذِب"[2].
2. قول النبيِّ –صلى الله عليه وسلم- : « لم يبقَ منَ النبوةٍ إلّا المُبشرِّات », قالوا : و ما المُبشراتُ ؟ قال: « الرؤيا الصالحة »[3]، و قوله "المبشرات" هذا هو الأصل في الرؤيا أنها مبشرة غالبًا و لا يمنع أن تأتي الرؤيا منذرةً و محذِّرةً، و هي صادقةٌ يريها الله لعبده المؤمن؛ رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه[4].
3. وردَ في تفسيرِ قولهِ تعالى : {لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ}[5] تفسيرُ النبي –عليه الصلاة والسلام- لها بالرؤيا الصالحةِ[6].
4. كان النبيُّ- صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- إذا صلى الصبحَ أقبل عليهم بوجهِه فقال: « هل رأى أحدٌ منكم البارحةَ رُؤْيا؟ »[7].

وهذا في المسجدِ أمامَ النّاسِ، وفيهم من هوَ قويُّ الإيمانِ ومن هو ضعيفُ الإيمانِ , أو منَ المُنافقينَ , ومع ذلكَ يسألُهُم ويَعْبُرُها لهم ولا يُتَصوَّر أنَّ هذا تضيعٌ للوقتِ , أو انشغالٌ بما لا فائدةَ فيهِ، بل هوَ تعليمٌ للأمَّةِ وتنبيهٌ لها على أهميتها وفضلها والاعتناءِ بها , وأنَّ هذا من الأمورِ التي شرَعها النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- لأُمتهِ في السؤالِ عنها والحِرْصِ على سماعِها ومعْرِفتها.

5. تأثيرُ الرؤيا في تحفيزِ المُسلم على العملِ الصالحِ , وتثبيتهِ في أوقاتِ الشدَّةِ:
ومن ذلك قصةُ عبد الله بن عمر والرؤيا التي رأى فيها جهنم كأنَّها بئرٌ مطوية...", وقصها على حفصة –رضي الله عنها- فقصتها على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال: « نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل » فما تركَ عبد الله بن عمر قيام الليل بعدَ ذلك[8].

فتأمَّل كيفَ أثّرتِ الرؤيا في تحفيز عبد الله بن عُمر وحثهِ على قيامِ الليلِ مع أنَّ هُناكَ في القُرآنِ من الآياتِ الدّالةِ على فضلِ قيامِ الليلِ وكذلك الأحاديث التي يرغبُ فيها الرسول –صلى الله عليه وسلم- في قيامِ الليلِ , و منَ البعيدِ ألّا يكونَ عبدُ اللهِ بن عمر قد اطّلع عليها، ولكن انظر كيفَ أثرت الرؤيا فيه!
ومن ذلك ما جاء في القرآن , قال تعالى: {إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }[9], فهذه الآية تدلُكَ على مدى تأثيرِ الرؤيا في نفوسِ الصحابة –رضوانُ الله عليهم- وأنَّ الرسولَ –صلى الله عليه وسلم- لو أراهُ اللهُ المُشركينَ وأنّهم كثيرون , وسمعَ الصحابةُ منهُ هذهِ الرؤيا لربما أدَّى ذلك إلى الفشلِ والتنازعِ فيما بينهم , ولكنَّ اللهَ لطفَ بهم وسلّمَ وأرى نبيَّهُ الكريم –صلوات الله وسلامه عليه- عدد المشركين قليلًا , فسُرَّ الصحابةُ بذلك وتشجّعوا على القتال , وهذا مع كونهم يؤمنون بوعدِ اللهِ الصادق بالنصرِ والتمكين , ويتلون آياتِ الله , ويسمعون كلامَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- , ويدركون فضل الشهادة وهم على جانبٍ عظيم من الإيمان , ومع ذلك فإنَّ الرؤيا تؤثر في نفوسهم سلبًا أو إيجابًا {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} ؛ فلا شك أنَّه من يهمل تأثيرها، ويقلل من قيمتها، ومن عِظَم شأنها في النفوس مُجانبٌ للصوابِ مُخالفٌ لما دلَّتْ عليه نصوص الكتاب والسنّة.

ولماّ كان شأن الرؤى بهذه المثابة اهتم العلماء من الفقهاء والأصوليين بذكر ما يتعلق بها من أحكامٍ وضوابط، ولو كان إلغاؤها أمرًا صحيحًا معتبرًا لما اشغلوا أنفسهم بها, وسيأتي شيءٌ من كلامهم في هذا الأمر بإذن الله.







تَأْويلُ اَلْرَّؤى( فَضْلُهُ وأَهْميَتُهُ ):

إنَّ تأويلَ الرؤيا يُعتبرُ من الأهميةِ بمكان؛ فإنَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- وصفَ التأويلَ بأنَّهُ [علم] , قال تعالى : {وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ}[10] ,وقال تعالى : {رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ }[11]، والأحاديث هنا المقصود بها الرؤى, وهذا العلمُ لهُ أصولهُ التي يُسْتمدُّ منها من الكتاب والسنةِ والقياسِ والأمثالِ والشعرِ وغيرِ ذلك.

ولتقريرِ أهميّةِ هذا الأمرِ- أعني: تأويلَ الرُّؤى- سأتناول الحديثَ عنه في المباحث الآتية.

يتبع..



------------------------------------------------------------------------------------------
[1] رواه البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- برقم( 6988), انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) ,ج: 12 ,ص:373.
[2] قاله ابن سيرين ، ذكر ذلك ابن حجر في (الفتح) , ج: 12 ,ص: 407.
[3] رواه البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- برقم (6990), انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري), ج 12 ,ص: 375.
[4] ذكره ابن حجر بنحوه عن المهلب, انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري), ج: 12 ,ص: 375 - 376.
[5] سورة يونس , آية: 64.
[6] أخرجه الترمذي و ابن ماجه و صححه الحاكم من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبادة بن الصامت , و قد حكم الألباني بصحته في صحيح سنن الترمذي حديث رقم (2273) , ج:2 ,ص:510-511.
[7] رواه مسلم من حديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه- برقم (2275), انظر (صحيح مسلم) ت: محمد عبد الباقي, ج:4 ,ص:1781.
[8] رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- برقم (1121-1122) انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري), ج:3 ,ص:6.
[9] سورة الأنفال, آية: 43.
[10] سورة يوسف, آية: 6.
[11] سورة يوسف, آية: 101.
__________________
اللهم اجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، و وفقنا للعمل الصالح.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 31-03-14, 11:16 AM
مجالي البوق مجالي البوق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-06-12
المشاركات: 150
افتراضي العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه (القسم الثاني)

تعبير الرؤيا نوعٌ من الفُتيا:

قد وصفَ القُرآن الكريم تأويلَ الرؤيا وتعبيرها بأنَّهُ فُتيا, ووصفَ السؤالَ عن الرؤيا؛ لمعرفة تأويلها بالاستفتاء. يقول تعالى:{يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ}[1], ويقول: {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ}[2] ,فهذا الاستعمالٌ بلفظِ" أفتوني" و" أفتنا" يُشعرُ بأنَّ السؤالَ عن التعبيرِ يُعتبرُ استفتاءً.

وقال تعالى : {قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ}[3] , وإذا كان الأمرُ هكذا فإنَّ تأويل الرؤيا يعتبرُ من الفُتيا, وما كانَ شأنهُ كذلك فلا يتصدى له إلا من كان لديهِ علمٌ في هذا الشأن، كيف وقد وُصِفَ تأويل الرؤى بما يدل على أنه عِلمٌ من العلوم كما في قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ}, والعِلم لا يخوض فيه إلا أهلُه.

وقد سُئل الإمامُ مالك - رحمه الله -:" أيَعْبُرُ الرؤيا كلُّ أحدِ؟ " , فأجاب: " أبالنبوةِ يُلعب؟ " وقال: " الرؤيا جزءٌ من النبوّة فلا يُلْعَبُ بالنبوّة".
وهو يشيرُ بهذا الجواب إلى ما ورد في الحديث من كون الرؤيا جزءًا من النبوّة.[4]


وقد ذهب بعضُ أهلِ العلم إلى أنَّ تأويلَ الرؤيا وتفسيرها من الفُتيا, واستدلوا بما تقدمَ من الآياتِ, ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) حيث قال - رحمه الله -: "... أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير المَرائي داخلٌ في الفتوى؛ لقوله للفتيَيْ: {قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ}, وقال الملك: {أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ},وقال الفتى ليوسف:{أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ} الآيات ،فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم"[5].

وقال ابن حجر: "أنها -أي الرؤيا- لمّا أَشبهت النبوةَ من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يُتَكلَّم فيها بغير علم"[6]، فالحافظ ابن حجر يؤكد على أنه لا ينبغي أن يتصدى لتعبير الرؤيا من لا علم عنده.

وقال صاحب الفروق: "وقوله- عليه السلام- :« لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» حضَّ على نقلها والاهتمامِ بها؛ ليبقى لهم بعده- عليه السلام- جزء من النبوة فبشر بذلك أمته، ولا يعبر الرؤيا إلا من يعلمها ويحسنها ، وإلا فليترك"[7]،فهذا الإمام القَرَافيّ- رحمه الله- يؤكِّد أيضًا على أن تعبير الرؤيا لا يقوم به إلا من يعلمها ويحسنها، فإن لم يكن كذلك فإنه يجتنب التعبير ويتركه.

وقال الشيخ خليل بن شاهين الظاهري- رحمه الله- : " لا ينبغي أن تُقَصَّ الرؤيا إلا على معبِّر، ويجب على من لا يعرف علم التعبير أن لا يعبر رؤيا أحد؛ فإنه يأثم على ذلك؛ لأنها كالفتوى، وهي في الحقيقة علم نفيس"[8] ،وكلامُه- رحمه الله- فيه تصريحٌ بأن التعبير فُتيا، وأنّ من عبّر بدون علم فإنه يأثم.

وعندما سُئل الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله- عن حكم تعبير الرؤيا أجاب بقوله: " بشرط أن يكون الإنسان عنده علم"اهـ[9] , يعني يجوز له التعبير بشرط أن يكون عندهُ علم.

فهذه جملةٌ من أقوال أهل العلم الذين يرون أن تعبير الرؤيا لا يتصدّى له إلا من كان لديه علم في هذا الشأن، وبعضهم يُصَرِّحُ بأنها فتيا، وأن التعبير بدون علم لا يجوز، وأن صاحبه يأثم، وحتى من ذهب من المُعاصرين إلى أن تعبير الرؤيا ليس فتيا بالمعنى الشرعي- وهو الشيخ فهد اليحيى-، الذي يرى أن ورود التعبير في القرآن بلفظ الفتيا إنما هو من باب اللغة، وأما الفتوى الشرعية فهو مصطلح حادث لا تتنزًّلُ عليه ألفاظ القرآن الكريم-، وذكر بعض الفروق بين التعبير والإفتاء، إلا أنه مع ذلك قال: " لا ريب أن الواجب عدم التعجل في تعبير الرؤيا والتخرص في ذلك، وأما أن يجتهد الشخص في تعبير الرؤيا استنادًا لما تدل عليه من رموز دون أن يجزم بذلك أو يُشعِر الرائي أنه من أهل التعبير فلا يظهر المنع منه" اهـ.[10]، فهو يتفق مع من سبقه في أن التعبير لا يجوز بالخرص والظن، وأما من كان يعبر استنادًا إلى ما تدل عليه رموز الرؤيا فعمله جائزٌ لا مانع منه.

وإنَّما أسهبتُ في هذه المسألة وذكرتُ أقوال أهل العلم فيها؛ لأن من أسبابِ وقوعِ بعض الشرور والمفاسد في أمرِ الرؤى وما يترتب عليها تعبيرها بغيرِ علمٍ, والتصدي للتعبير والتأويلِ من قِبلِ أُناسٍ ليسَ عندهم علمٌ ولا خبرةٌ أوتمكنٌ في تفسير الرؤى. وقد يأخذُ النَّاس تعبيراتهم مُعتقدينَ صحتها ويبنون على ذلك بعضَ التصورات والتصرفات التي قد ينجُمُ عنها مفاسدُ وشرورٌ تَعظُمُ أحيانًا.



التعبيرُ والكِهانة:

ومما تجدرُ الإشارةُ إليهِ والتنبيهُ عليهِ أنَّ التعبير في الأصلِ نوعٌ من الإلهام الذي يُلهمهُ الله من شاءَ من عباده؛ فيعرفُ كيفَ يستخرجُ التعبير ويدرك وجهه. والمعبر المُلهَم من عُرِف بالتعبير في سنٍّ لا يُتصَوَّرُ معها تحصيلُ علمٍ ولا اكتساب، ولا خبرةٍ ولا تجارب , وتكون تعبيراته مطّردةٌ وتُصبحُ كأنها قواعد يمكن الاستفادة منها في تعبير رؤى الناسِ.[11]
وممن عُرِفَ بالإلهام في التعبير الشيخ "يوسف المطلق" –رحمه الله- ؛ فقد كان يعبر الرؤيا وهو ابن عشر سنين , ومنهم كذلك الشاعرُ والأديب والمفسر "ياسر الأمير" ،وقد عرف بالتعبير وهو ابن اثنتي عشرة سنة[12].
كما يمكن كذلك أن يكون التعبير عن طريق التعلُّم والاكتساب- بالنظر والقراءة فيما يتعلق بهذا الشأن- , وبالاطلاع على أصول وقواعد التعبير عند الـمُلهَمِين من المعبِّرين في العصر.
وليس معنى كون المعبر ملْهَمًا أنه إذا سُئِل عن كيفية تعبيره للرؤيا , أجاب بقوله : "هكذا وقع في نفسي" ؛ فالمُلهَم يعرف وجه التعبير ويمكن أن يبيِّنه لك , وليس معنى الإلهام ( ما يقعُ في النفس ويُلقَى فيها )، فإنَّ هذا قد يكون من القرين ولا علاقةَ له بالتعبير.
وقدْ يكونُ- أيضًا- منَ الجآنِّ المُرافقِ للشخصِ بسبب مسٍ أو غيره , وليسَ هذا من بابِ الاستعانةِ بالجنِّ في الأمرِ المباح عند من يرى جواز ذلك[13] ؛لأنَّ هذا الجآنَّ ليسَ من أهلِ العلم بالتعبيرِ، وغايةُ ما يُخبرُ بهِ إنما هي أمورٌ حصلت في الماضي أو هيَ موجودةٌ في الواقع وليستْ لها علاقة بتعبيرِ الرؤيا- لا من قريبٍ ولا من بعيد-[14].







عَلامَاتٌ وأَمَارَاتٌ للتَعْبيرِ عنْ طريقِ القَريْنِ:

ونذكرُ هنا بعض العلامات التي يُعرف بها أنَّ هذا التعبيرَ لا يستنِدُ إلى الأصول والقواعد في علمِ التعبير وإنّما يستنِدُ إلى إخبارِ القرينِ أوِ الجآنِّ : إمّا عن طريق ما يُلقَى في النفسِ مع عدمِ معرفةِ وجهِ التعبيرِ ,أو عن طريقِ ما يُلقى في سمعهِ من كلامِ الجآنِّ وإخبارهِ عن أشياء يظنُّها تعبيرًا للرؤيا.
ومن ذلكَ:

1. تعبيرُ الرؤيا بأمورٍ قد حصلت.
فأنتَ حينما تسألُ هذا النوع من المُعبرين يُخبركُ بأنَّهُ حصل لكَ كذا وكذا من أمورٍ ماضيةٍ , وهذا ليسَ تعبيرًا، وإنّما هو إخبارٌ عن طريقِ القرينِ أو الجآنِّ ؛ لأنَّ الأصلَ في تعبير الرؤيا أنَّها تُخبرُ عن أمرٍ يقعُ في المُستقبل , أو أمرٍ واقعٍ في الحاضرِ ولكنَّهُ يخْفى عليك, أمّا أنْ يكونَ تعبيرها إخبارًا عن أمورٍ وقعت وحصلت أو أمورِ معلومةٍ لك في الواقع الحاضر، فهذا لم يُفدكَ شيئًا وإنّما هوَ من بابِ تحصيلِ الحاصل.

2. ومنها أنْ يعبُرَ كُلَّ جُزئيةٍ في الرؤيا- حتى وإنْ كانتْ طويلة-؛ فيصبحُ التعبيرُ كلامًا طويلًا كأنَّهُ قصة.
والأصلُ في التعبير عند المُلْهَمينَ أنَّ المعبِّرَ إنّما ينظر إلى القصدِ والغايةِ من الرؤيا , فيكونُ هذا القصدُ هو الشاهدُ المُعتبر في التعبيرِ وما عدا ذلكَ فهو من بابِ الحواشي والمُكمِّلات للرؤيا.

3. ومنها أنْ يذْكُرَ المُعبِّرُ أمورًا دقيقةً في تعبيرهِ للرؤيا- ليست بخافيةٍ على الرائي-؛ ليُثبِتَ قوة تعبيرهِ.

وهو بذلك إنّما يبرهن على أنَّهُ إنّما يستقي تعبيرهُ عن طريقِ إخبارِ القرينِ والجآنِّ , كمن يخبر عن لونِ الحذاء الذي تلبسهُ الزوجة, أو يلبسه الزوج , أو يُخبر عن لونِ غرفةِ النوم , أو يُخبر أنَّكَ مصابٌ بعينٍ في منطقة محدّدة من الجسد- وليس في الرؤيا ما يدل على مكانها-, أو يُحدُّد أوقاتًا معينةً (بالسنةِ والشهرِ واليومِ والساعةِ والدقيقة).

4. ومنها أنّكَ لا تجدُ علاقةً- لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ- بينَ الرؤيا وبين هذا التعبير الذي عبرهُ لك هذا المُعبّر , حتى إنّك لتتعجبُ وتصيبك الدهشة من جرّاءِ ما سمعت.

5. ومنها أنَّ بعضهُم يشترطُ أن تكونَ الرؤيا حديثة , ولم يمر عليها أكثر من ثلاثة أيام؛ وهذا واللهُ أعلم لأنَّهُ إذا مضت هذه المدة , ربما أتى القرين بالعجائب؛ فحتى لا ينكشفَ أمرهُ و يُفتضِح يشترِطُ هذا الشّرط الذي لا دليل عليه لا من كتابٍ ولا من سُنةٍ ولا من عملِ صحابيٍّ أو تابعيٍّ ، ولا من عُرْفٍ عند أهل العلمِ بالتعبير في القديم أو في الحديث.

وقد ابتُلينا بكثرةِ هذا النوعِ من المُعبرينَ , وليس هذا من التعبيرِ في شيء، وهو أشبهُ بالكهانةِ منه بالتعبيرِ الذي عُرفَ عندَ النبيِّ –صلى الله عليه وسلم- , وأصحابهِ –رضوانُ الله عليهم- , ومن بعدهم من السلفِ –رحمهم الله- الذين كانوا أئمةً في هذا الشأنِ.
ولا شكَّ أنَّ أخذَ التعبيرِ من هؤلاءِ لهُ مدخلٌ فيما قد يحصلُ من المفاسد والشرورِ العظيمة مما يتصل بالكلامِ على ما يتعلّق بمسألةِ العملِ بالرؤى.



التعبيرُ عنْ طريقِ الكُتُبِ القديمةِ:

إنَّ النظرَ فيما وردَ من التعبيرِ في الكتبِ القديمةِ ينبغي أنْ يكونَ المقصودُ منه دراسةَ أوجهِ التعبير , وكيف كان قدماء المعبرين يعبرون الرؤى و يستنبطون العلاقة بين التعبير والرمز المُعبَّر.
أمَّا أنْ يعتمدَ التفسيرات القديمة؛ ليُفسر بها الرؤى في هذا العصر، فإنَّ هذا يقع بهِ من الشرِّ والفسادِ بسببِ الخطأ في التعبير بالتفسيراتِ القديمة- كما سنوضِّح -، ومن هنا يُعلَم أن اشتراط أن يكون المُعبِّر للرؤيا عنده علم فيها، لا يعني أن يعتمد التعبيراتِ الموجودة في الكتب القديمة؛ فإنّ هناك فروقًا بين التعبير في الماضي، والتعبير في الحاضر، ومن لا يدرك هذه الفروق فسوف يأتي في تعبيره للرؤى بالعجائب.

ولتوضيح ذلك أوردُ بعض الأمثلة:

1- الجمل: كان يُعبر في القديم كرمزٍ للسفرِ , ولكن بعد ظهور السيارات أصبحَ يرمزُ للخطر وما يتصلُ به , ولذلك لمّا جاء رسول "تركي بن عبد العزيز" إلى المُعبِّر في وقته الشيخ "محمد المصري" , يقول له: إنَّ الأميرَ رأى أنَّه راكبٌ جملًا والنَّاسُ من قدامه وخلفهِ وعن يمينه وعن شمالهِ , فقال الشيخ:خيرًا إن شاء الله،ثُمَّ لمّا مشى الرسول ,قال: هذا نعَشَه.[15]
وهذا التعبيرُ هو المُعتمدُ عند المُلْهَمينَ من أهل التعبيرِ في هذا الوقت , والجملُ عندهم قد يرمزُ لرجلٍ يُشكِّل خطرًا عليك , وقد يرمزُ لأمرٍ مكروه يُشكل خطرًا –مثل مرضٍ أو حادث أو غيره- وهكذا.[16]

2- النَّار: رُبما كانت تُعبر في القديم بالفتنة[17] , وأمّا في الوقت المُعاصر فإنّ تعبيراتها تدورُ حول حصول منفعة للرائي , قد تكونُ منفعةً دينية وقد تكون دنيوية؛ ولهذا قد تعبر بالهدايةِ والصلاحِ والنفعِ والمالِ والعلم وغيرِ ذلك مما هوَ خير.
ولمّا سُئل الشيخُ "يوسف المطلق" –رحمه الله- عن رؤيا شخصٍ رأى فيها دارَ فُلانٍ من الناس وقد اشتعلت كلها نارًا , قال: هي بشرى لأهلِ البيتِ كلِّهم بالهدايةِ والصلاحِ[18].
ويدلُّ لهذا التعبير قوله تعالى : {أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى}[19], فقرن بين النّارِ والهدى.
ويدلُّ على تعبيرها بالمنفعة قولهُ تعالى :{إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَ‍َٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ} [20], والاصطلاءُ : التدفئة ، وهي نوعٌ من المنفعةِ , ولا فرق بين أن تكونَ الرؤيا التي فيها النار واقعة في زمن الصيف أو الشتاءِ بخلافِ الُمتقدِّمينَ فإنهم يفرقون بين ذلك.

3- المطر: يعبر عند السابقين بالخير والرحمة والعلم والرزق , وأما عندَ المُلهَمين من أهل التعبير في هذا العصر فهو يُعبر بحصولِ الابتلاء [21], وتختلف درجتهُ باختلاف المطرِ - شدةً وضعفًا وكثرةً وقلةً- , وهل أصابه أم لا.
ووجهُ تعبيرِ المطر بالابتلاءِ أنَّهُ لم يُذكَر لفظُ المطر في القرآن إلا مُقترنًا بالعذاب , كقوله - تعالى- :,{وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ}[22] ,{فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ}[23],{وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا}[24],{ وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ}[25], وهو اللفظُ المستخدم عند الناس؛ فهم يستعملون كلمة مطر ولا يستعملون كلمة غيث.

4- البحر: وقد يُعبر عند الأولين بالسلطانِ والعلمِ وغير ذلك , وهو عندَ المُلْهَمينَ في هذا العصرِ يُعبرُ بالخطرِ والمشكلةِ و ما قاربَ هذا.
فمن رأى نفسَهُ في البحرِ فهو يتعرّض لمشكلةٍ أو خطر , وإذا كان راكبًا في سفينة فهي بشرى له بالنجاةِ من مشكلةٍ أو خطرٍ.
وإذا كانَ يسبحُ في البحرِ حتى يصل إلى الشاطئ , فهو خطرٌ يُحسِن التّعامُلَ معه حتى تحصل النجاةُ منه , وهكذا[26].

وإنّما ذكرتُ هذه الأمثلة؛ لشيوعها وانتشارها , وكثرةِ ورودها في رؤى النَّاسِ , فمن كان يعتمدُ في تفسيرهِ للرؤى على الكتب القديمة فإنه حرّيٌّ بأنْ يأتيَ بالعجائب في تفسيرِه ويقع في أخطاء لا حصرَ لها.





قواعدُ وأحكامُ اليقظةِ تختلفُ عن قواعدِ وأحكامِ المنام:

ومما يتّصِلُ بالتأويل،و يجدرُ التنبيهُ عليهِ أنَّ أحكام اليقظةِ تختلفُ عنْ أحكامِ المنامِ , وإنَّ إجراء أحكام المنام وتفسير الرموز الواردة فيه على نفس ما تدل عليه من أحكام اليقظة هو من الأخطاءِ في تفسيرِ الرؤى, وهو من أهمِّ أسبابِ وقوع المفاسد جرَّاء العمل برؤيا يعتقدُ صاحبها- أو مَن عَبَرَها له- أنَّها على ظاهرها , ويجرى هذا الظاهر على نحو الأحكامِ في اليقظة.
ومثال ذلك: أن يرى شخصًا في المنام وهو حليق بينما هو في الواقع ذو لحية , فيفسر الرؤيا على ظاهرها ويجري عليها أحكام اليقظةِ ويقول: إن هذه الرؤيا تدل على أنَّ هذا الشخص فاسق- وإن كان يظهِر لنا أنَّهُ متدين-!
ويقع بسبب هذا من سوء الظنِّ بهذا الشخص والتحذيرِ منهُ ورميِه بالتهم , وربما وصلَ الأمرُ بالحكمِ عليه بالردَّةِ والعياذ بالله.
ومثلُ ذلكَ لو رآهُ ممسكًا بسجارة يدخنُ بها , أو يمسك بزجاجة خمر يشربُ منها ونحو هذا , ثُمَّ يُجرِي في تفسيرها أحكام اليقظة- كما فعل في المثال السابق-.

ولتوضيحِ فساد هذا نورِدُ الأمثلة التالية:

- الدجال يطوف بالكعبة:

عن عبد الله بن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: « بينا أنا نائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف أو يهراق رأسه ماء، قلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم, ثم ذهبت ألتفت، فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين كأن عينه عنبة طافية قالوا: هذا الدجال أقرب الناس به شبها ابن قَطَن رجل من خزاعة »[27].

لاحظ في هذا الحديث:
1- اجتماع الثلاثة في وقت واحد: الرسول- عليه الصلاة و السلام-، و عيسى بن مريم- عليه الصلاة و السلام- و الدجال، و تأمل: هل يمكن أن تكون الرؤيا على ظاهرها؟ ويحدث هذا في الواقع ؟
2- خلو المطاف إلا من هؤلاء و في رواية مسلم[28] هناك رجلان يعتمد عليهما المسيح ابن مريم- عليه الصلاة و السلام- و تأمل: هل يمكن أن يكون المطاف على هذه الصفة؟
فالإشكال ليس محصورًا فقط على دخول الدجال إلى مكة، بل كذلك على اجتماعهم في وقت واحدٍ، و خلوِّ المطاف إلا منهم، و هذه الإشكالات ليس بعضها أولى من بعضٍ في أهمية الجواب عنها ، ولم أرَ من أشار إلى غير الإشكال المتعلق بالدجال ودخوله مكة؛ وعلى هذا فإيراد الإشكال في نفسه ينبغي ألا يكون؛ لأنه لا يُعارَضُ ما في اليقظة بما يُرَى في المنام، ولأنه مع كون رؤيا الأنبياء حق لا يلزم أن تكون الرؤيا هنا صريحةً ويجتمع الثلاثة في زمن واحد بأجسادهم و أرواحهم و هم أحياء، ولكن تزول هذه الإشكالات كلها بما ذكرتُه من أن هناك مغايرةً بين قواعد اليقظة و المنام، و هذا يعتبر أصلاً عظيمًا من أصول التعبير[29] .


- عمر –رضي الله عنه- وإسبالهُ القميص:

عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: « بينا أنا نائم رأيت الناس عُرِضوا عليّ وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعُرِض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجترُّه، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدِّين » [30].
والإسبال في اليقظة منهيٌّ عنه , ولكن في هذه الرؤيا كان صفة مدحٍ لعمر تتعلقُ بإيمانهِ وعملهِ. قال ابن حجر: "وهذا من أمثلة ما يُحمَدُ في المنامِ ويُذَمُّ في اليقظة شرعًا -أعني جرّ القميص- ا هـ" [31] .
وهذا يدلك على أن هناك أمورًا قد تكون مذمومة في اليقظة ولكنها تكون محمودة في المنام وبهذا تعرِفُ أن أحكام اليقظة تختلف عن أحكام المنام وتعبيراته.

تلك كانت أمثلةً مما ورد في السنة النبوية المطهرة وهذه أمثلةٌ أخرى أوردها في هذا الخصوص من جملة التعبيرات المعاصرة:

- يصلي وظهره إلى الكعبة:

رأى أحدهم أنه يصلي وظهره إلى الكعبة، فهذه الرؤيا حينما عُرِضتْ على بعض الجهلة ممن يزعمون معرفتهم بالتعبير أجرى عليها قواعد وأحكام اليقظة وقال: إن هذا الرجل يرتدّ والعياذ بالله، ولكن عبرها الشيخ يوسف المُطْلَق - رحمه الله - فقال: "هذا رجلٌ خطب امرأةً وسيولِّيها ظهره ويتركها." ووجه هذا التعبير أن الكعبة[32] في هذه الرؤيا ترمز إلى المرأة، وكون الرائي يصلي وظهره إلى الكعبة- وهوالشاهد هنا- يعني: أنه يتركها ولا يُقبِل عليها، فانظر - رحمك الله - إلى الفرق بين تأويل العلماء بالتعبير وبين الجاهلين به.

- سالم حليق:

وهذا شخصٌ قال لي: "رأيت أحد إخواني في الله من أهل الاستقامة في المنام وهو حليق اللحية وخشيت أن يتغير حال هذا الشخص وينتكس والعياذ بالله." فقلت له: إن الرؤيا ليست لها علاقة بصاحبك، ولكن: ما اسمه؟ فأجاب بأن اسمه (سالم)، فقلت له بأن هذه الرؤيا تعني أنه سيحصل لك أمرٌ ويُقَدِّر لك الله السلامة منه، وستنفق مالاً كثيرًا بسببه، فقال لي: "نعم صدقت، فأنا بعد الرؤيا وقع لي حادث سيرٍ ونجاني الله منه وصرفْتُ مبلغًا كبيرًا لإصلاح السيارة."
فتأملْ كيف أن الرؤيا ليس لها تعلقٌ بالمرئيّ وإنما كانت تتعلق باسمه (سالم)- هذا من جهة-، ومن جهةٍ أخرى فإن كونه حليق اللحية رمزٌ يتعلق بإخراج المال وإنفاقه بالنسبة للرائي.
ومن هنا ندرك الخطأ في اعتبار الرؤيا متعلقةً بالمرئيّ، والخطأ الثاني في تفسير الحلاقة بما يتفق مع الأحكام التي تجري في اليقظة، وأن حلقها نوعٌ من المعصية والفسق، ولربما أجرى بعض المعبرين الجهلة هذا الحكم في اليقظة على هذه الرؤيا، وقال: إن سالمًا هذا رجلٌ فاسقٌ، واحذروا منه وانتبهوا فهو يُظهِر لكم خلاف ما يُبطِن ...إلخ من أنواع التهم والقذف والله المستعان؛ فالحلاقة للرأس أو للّحْية تتعلق بالمال، ويختلف تعبيرها بحسب الرؤيا؛ فهي إما مالٌ تنفقه وتخرجه، أو مالٌ يأتيك[33].


- رأت زوجها يدخن:

وهذه إحدى النساء رأت زوجها يدخن، تقول: مع أنه في الواقع لا يدخن، وتعبيرها أن هذا خبرٌ سارٌّ يعمُّ أهل البيت؛ فالتدخين هنا يرمز إلى ما يحصل به الغبطة والسرور و(يكيِّفُ) الشخص, ووجه التعبير بهذا أن الدخان والشيشة عند من يتعاطاها تُعتَبر كيفًا له[34] ، وبعض الجهلة قد يُجرِي هذه الرؤيا وأمثالها على ظاهرها في أحكام اليقظة، وربما قال: إن هذا الزوج أو الرجل فاسقٌ واحذري منه وانتبهي له إلى غير ذلك مما يترتب عليه من الإفساد وإيقاع الشرور بين المرأة وزوجها.

- يشرب الخمر:

ومن ذلك - كذلك - أن أحدهم رآى في المنام صديقًا له وفي يده زجاجة خمرٍ يشرب منها. يقول هذا الرائي: "فوقع في نفسي من الشك والظن السيء بهذا الصديق وكدت أن أُحذِّر منه أصدقائي الآخرين وأنه قد يكون مندسًّا بيننا وغير ذلك." ثم وفقه الله وسأل عن تعبيرها، فقال له المعبِّ:ر "ستصيب صديقك هذا منفعة." ووجه تعبير الخمر بالمنفعة أن الله -سبحانه وتعالى- قال: {يَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ}[35] ؛ فاعتُبِر الإثم في اليقظة واعتُبِر النفع في تأويل رؤيا المنام.
وقد ذكرتُ هذه الأمثلة؛ للتنبيه على هذه المسألة وأن هناك فرقًا بين أحكام وقواعد اليقظة وبين أحكام وقواعد المنام، وكذلك نقول لو كان تعبير الرؤيا على ظاهرها لما احتاج الناس إلى من يفسّرها لهم، ولأصبح في متناول الكثيرين منهم أن يفسّر الرؤى على هذا الأساس، ومن هنا تقع المفاسد والشرور؛ لما يترتب على هذا النوع من التفسير من تصوراتٍ وتصرفاتٍ وسلوكيات. ومن أخطر ذلك:

- رأى أنه المهدي:

وهذا أحد الإخوة رأى في المنام هاتفًا يسمعه ولا يراه يقول له "أنت المهدي." وكان الرائي من آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولما سأل عنها الشيخ يوسف المُطْلَق - رحمه الله - فسّرها له بقوله "إنها بشارةٌ لك باستكمال بعض الأمور الناقصة في دينك"[36]، ومعنى كلام الشيخ - رحمه الله - أن الله سيهدي هذا الرائي.

ولقد سمعتُ - بنفسي - عددًا من الرؤى رآى فيها أصحابها هواتف في المنام يسمع الرائي فيها هاتفًا يقول: "أنت المهدي" ومن ذلك ما وقع لي عام 1422هـ وأنا في جنيف-سويسرا- بعد أن ألقيتُ محاضرةً عن الرؤى سألني أحدهم - وكان من آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله "إثر سهرةٍ حمراء نمتُ فرأيتُ هاتفًا يقول "قُم حارب الظلم، أنت المهدي" وكان رجلاً عاقلاً وقال لي: "أعتقد أن الرؤيا أولها حقٌ وآخرها باطل" فقلتُ له: "بل كلها حق" فتعجّب من كلامي، فقلت له: إنها تعني أن الله سيهديك، وتشارك في محاربة الظلم، فقال: "صدقْت، فإني بعد الرؤيا مَنّ الله عليّ بالاستقامة، وشاركْتُ في الجهاد أيام حرب البوسنة ضد الصرب".

والمقصود أنه يستحيل أن نعبر هذه الرؤى على ظاهرها وإلا أصبح عندنا عشرات المهديين بل مئاتٌ، ولا يمكن أن يكونوا كلهم المهدي المنتَظَر الذي بشّر به المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ومثل هذه الرؤى الصريحة - التي يعتقد من يسمعها أو يراها أنها على ظاهرها في البشارة - قد يقع بسببها مفاسد وشرور وفتن، ومن ذلك ما كان يعتقده البعض ويحلف ويقسم عليه من أن أبا عمر محمد بن عبد الله السيف - رحمه الله - هو المهدي بسبب عددٍ من الرؤى التي وردتْ فيه، وفهموا منها ذلك.

وكنتُ أقول إن هذه الرؤى تدل على أنه رجلٌ مَنّ الله عليه بالهدى فيما يقوم به من الجهاد والدعوة إلى الله والفُتيا في أرض الشيشان، ويستحيل أن يكون هو المهديُّ الذي بشّر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الرجل ليس من آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - كما صرّح هو بنفسه عن ذلك, وكان بعض من يغلو فيه يقول: لعله من آل البيت وهو لا يعلم!! وكنتُ أقول: حتى لو صح هذا، فإن أحكام الشرع لا تتعلق بأمورٍ تظهر لبعض الناس وتخفى على آخرين، وفي هذه المسألة لا بد أن يكون نسبُه ظاهرًا واضحًا للجميع وأنه من آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما قُتِل - رحمه الله - عام 1426هـ تبيّن صدق وصحة ما كنتُ أقوله - ولله الحمد -، وسيأتي الكلام على ما يتعلق بحادثة جهيمان - رحمه الله - وما حصل من الفتنة في أمر المهدي؛ بسبب الخطأ في تفسير وفهم الرؤى المتعلقة بالشخص الذي كانوا يرون أنه المهدي، ألا وهو محمد بن عبد الله القحطاني - رحمه الله -.

وإنما أسهبتُ في الحديث عن هذا الأمر؛ لما حدث بسببه ولما سوف يحدث مستقبلاً من مفاسد وفتن نتيجةً للخطأ في فهم الرؤى وتفسيرها في هذا الخصوص.

ومنذ عام 1426هـ وما بعده من الأعوام كنتُ أحذِّر الشباب وأحذِّر من حولي بأن هناك فِتنًا قادمةً فيما يتعلق بأمر ظهور المهدي وأن هناك شخصيتين سوف تُدَّعى لهما المهدية أو الخلافة والإمامة العظمى وأنه سوف يحصل بسببهما -الشخصيتين- فتنٌ ومفاسد وشرور، ولن يتم لهما الأمر لا من حيث دعوى المهدية ولا من حيث انعقاد البيعة بالخلافة والإمامة العظمى، وأن الأول منهما سيُقتَل وأما الثاني فلم يتضحْ لي من خلال الرؤى ما إذا كان سيُقتَل أو أنه سيرجع عن هذا الأمر ولا يستمر فيه ويَسْلم من القتل.

وها نحن ذا في هذه الآونة، وفي هذا العام 1435هـ نسمع مَن يزعم أن أبا بكر البغدادي - الملقب بأمير المؤمنين للجماعة التي أطلقت على نفسها لقب (الدولة الإسلامية في العراق والشام) - هو الخليفة, وهناك قلةٌ من النّاس بدأوا يتكلمون عنه يقولون لماذا لا يكون هو المهدي الذي بشّر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة أنّه قرشيٌّ هاشميٌّ !!

ولا أدري، فلربما كان هذا الرجل هو الأول من الشخصيتين اللتين حذَّرْتُ منهما؛ فيكون مآله إلى القتل!.

لقد كانت الرؤى تأتي بكثرةٍ ويظهر فيها أن جهيمان موجودٌ وحي، وكنتُ أقول: ستتكرر الفتنة في شأن المهدي؛ فاحذروا وانتبهوا , لا تتسرعوا ولا تستعجلوا , ولكنْ قدَرُ اللهِ نافذٌ , وهيَ أحداثٌ ستقعُ ولعلَّ الأمَّة تستفيدُ منها في مستقبل الأيامِ عندَ ظهور المهديِّ الحق , وتعرفُ إلى من تَرُدُّ الأمرَ في هذهِ المسائلِ والأمور العظيمة.
إنَّ هناكَ أشخاصًا كثيرين في العالم الإسلاميِّ تتبّعتُهم , ادَّعوا المهْديَّة ولا يزالون يُصرون على ذلك , وهم موجودون في الوقت الحاضر , ونخشى أن يحدث بسبب أحدٍ منهم فتنة كما حدثت فيما قبل , ونعوذُ بالله من مضلات الفتن.

إنّ الفتن إذا أقبلت التبست فيها الأمور وحارت فيها العقول , والمعصومُ من عصمهُ الله.

يتبع..

----------------------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة يوسف, آية: 43.
[2] سورة يوسف, آية: 46.
[3] سورة يوسف, آية: 41.
[4] ذكره ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)، ج: 12، ص: 363.
[5] انظر كتابه ,ص:365 ، ذكر ذلك ضمن الفوائد المستنبطة من سورة يوسف.
[6] انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) ,ج:12 ,ص:363.
[7] القرافي, انظر كتابه ج:4,ص:411.
[8] انظر كتابه (الإشارات في علم العبارات)، ص: 645.
[9] لقاء الباب المفتوح، اللقاء رقم: (218) ,النص المُفرّغ من موقع إسلام ويب (على هذا الرابط ).
[10] انظر (منهج الفتوى في القضايا الفقهية المعاصرة)، ص: 274، ورقة عمل مُقدّمة في مؤتمر: الفتوى واستشراف المستقبل.
[11] انظر(كشف اللثام عن الرؤى والأحلام) ياسر الأمير ، ص:34، وما ذكره المؤلًّف عن الشيخ يوسف المطلق- رحمه الله- في هذا الخصوص.
[12] انظر كتابه (كشف اللثام عن الرؤى والأحلام).
[13] ابن تيمية , نقله عنه ابن عثيمين في (القول المفيد على كتاب التوحيد)، ج:2، ص:77.
[14] انظر(كشف اللثام عن الرؤى والأحلام) ، ص: 34، وما نقله في هذا الخصوص عن الشيخ يوسف المطلق- رحمه الله-.
[15] انظر كتاب (من رأى رؤيا فكانت كما رأى) لإبراهيم الحازمي ,ج1:، ص:155 (بتصرف يسير).
[16] انظر (كشف اللثام عن الرؤى والأحلام), ص:41 فقرة(14)، وانظر ص:72 فقرة(118).
[17] انظر كتاب (إعلام الموقعين عن رب العالمين) لابن القيم, ج:1 - ص: 190-191, عند كلامهِ على القياس ودوره في تأويل الرؤيا.
[18] انظر (كشف اللثام عن الرؤى والأحلام), ص:75 فقرة (133).
[19] سورة طه, آية:10.
[20] سورة النمل, آية:7.
[21] انظر ( كشف اللثام عن الرؤى والأحلام), ص:98 فقرة (25).
[22] سورة الأعراف, آية :84.
[23] سورة هود, آية:82.
[24] سورة الفرقان, آية:40.
[25] سورة الشعراء, آية: 173.
[26] انظر (كشف اللثام عن الرؤى والأحلام) ,ص:98.
[27] رواه البخاري برقم (7128) , انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري), ج:13 - ص:90.
[28] انظر (صحيح مسلم) ت:محمد فؤاد عبد الباقي,ج:1 - ص:155 (كتاب الإيمان/باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال) , حديث رقم(169).
[29] من مشاركة لي في ملتقى أهل الحديث (الرابط هنا).
[30] رواه البخاري برقم(7009), انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري), ج:12 -ص:396.
[31] انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) ,ج:12 - ص:396.
[32] انظر(كشف اللثام عن الرؤى والأحلام), ص:76-77 فقرة (137) ,وانظر وجه تأويل الرؤيا وإلى ما ترمز إليه الكعبة.
[33] انظر (كشف اللثام عن الرؤى والأحلام), ص:101 فقرة (35).
[34] انظر (كشف اللثام عن الرؤى والأحلام) ,ص:70 فقرة (110).
[35] سورة البقرة, آية:219.
[36] انظر (كشف اللثام عن الرؤى والأحلام), ص:56 فقرة (63).
__________________
اللهم اجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، و وفقنا للعمل الصالح.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 31-03-14, 07:51 PM
عبدالله بن أحمد المشوح عبدالله بن أحمد المشوح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-01-14
المشاركات: 52
افتراضي رد: العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه..

جزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 31-03-14, 08:40 PM
مجالي البوق مجالي البوق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-06-12
المشاركات: 150
افتراضي رد: العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه (القسم الثالث)

الرؤى الحق لا تخالف الشرع:

إنّ الرؤيا الصادقة الصالحة هي من عند الله -سبحانه وتعالى- , ولا يمكنُ أن تناقض أو تعارض الشرع الذي هو من عندِ اللهِ -سبحانه وتعالى-, وما كان من عند الله ليسَ فيه تناقضٌ أو اختلاف , قال الله تعالى: {وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا}[1].

ولكن قد تعارض الرؤيا مذهبًا من المذاهبِ أو قولاً من أقوالِ أهل العلمِ , إلا أنها لا يمكن إن كانت حقًا صادقة أن تعارض قاعدةً كُلِّيّةً أو أمرًا مُجمعًا عليه , وهذا ضابطٌ مهمٌّ لمعرفة الرؤيا الصادقة والصالحة في نفسها.



- قصة أبي جمرة الضبعي:

عن شعبة أنَّهُ قال: سمعت أبا جمرة الضُّبعيَّ قال : "سألتُ ابن عباس -رضي الله عنهما- عن المتعة فأمرني بها, وسألته عن الهدي فقال فيها جَزورٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ أو شِركٌ في دم. قال: وكأنَّ ناسًا كرهوها, فنمت فرأيتُ في المنام كأنَّ إنسانًا يُنادي : حجٌّ مبرور , ومتعةٌ مُتقبلة. فأتيتُ ابن عباس -رضي الله عنهما- فحدثتهُ, فقال: الله أكبر, سنة أبي القاسم -صلى الله عليه وسلم-"[2].

فهذا حَبرُ الأمة وترجمان القرآنِ فرحَ بهذه الرؤيا ؛ لأنها تؤيدُ ما كان يذهبُ إليه من التمتع في الحج , بينما كان الآخرون على خلاف ذلك في زمن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- الذي كان ينهى عن التمتع في الحج ؛ فالرؤيا هنا خالفت مذهبًا من المذاهب وقولًا من أقوالِ العلماء , وخالفت ما كان عليه الأمير في مكة وعامةُ الناس في ذلك الوقت , ولكنّها ليست باطلة، بل هيَ حقٌّ غيرَ أنّها توافق قولًا آخرًا، ومذهبًا آخرًا تدل نصوص الشرع عليه.

فإذا كان هذا العالم الرباني فرحَ بهذهَ الرؤيا التي تؤيِّدُ قولًا مغمورًا وغيرَ مشهور حتى إنّهُ وردَ في ثنايا هذه القصة أنّهُ أكرم أبا جمرةَ صاحبَ الرؤيا واستضافهُ ثلاثة أيام فرحًا به وبرؤياه.

فإذا كان هذا شأن هذا الصحابي العالم , فما بالك برجلٍ من المسلمينَ في هذه الأيام التي تعُجُّ بالفتن والضلالاتِ، ما بالك به وقد أتتهُ رؤيا ترشدهُ إلى عملٍ دون آخر وإلى موقفٍ يتخذه دون آخرٍ وإلى القولِ في مسألةٍ دون قولٍ آخر وهو في هذا كله لم تخرج رؤياه عما دل عليه الشرعُ, أفيخرجُ بصنيعهِ هذا عما كان عليهِ سلفه الصالح -رضوانُ الله عليهم- أو يُنكَرُ عليه عمله بالرؤيا في هذه الحال؟! قال ابن حجر في ذكر فوائد هذه القصة: " ويؤخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يسره، وفَرَحُ العالم بموافقته الحق، والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم، والتكبير عند المسرة، والعمل بالأدلة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل العلم؛ ليُعمَل بالراجح منه الموافق للدليل". [3]

ومن هنا يتضح بأنّ القولَ ببطلان الرؤيا التي تُخالِف الشّرع لا يُقصَد به مخالفتها لقولِ عالمٍ- وإن كان مشتهرًا- , أو مخالفتها لمذهبٍ من المذاهبِ- وإنْ كانَ هو السائدُ والمعمول به -؛ فالشرعُ ليسَ محصورًا في قول عالمِ دون آخر أو مذهبِ إمامٍ دونَ آخرٍ , فمتى ما وافقت الرؤيا قولَ عالم آخر أو مذهبَ إمامٍ آخر تشهدُ له الأدلّة فإنّها لم تخرج عن دائرة الشرعِ، بل قد يكون فيها بشارة من جهة دلالاتها على الخيرِ في كونِ هذا القولِ أو المذهب -الذي أيّدته الرؤيا- هو الأقربُ إلى الحقِّ والصواب.

ومما يستفاد من هذه القصة أنه "يُستأنًس بالرؤى إذا اختلفت الأقوال على العاميِّ في الفتوى وتحيّرَ فيها ثم رأى رؤيا ترجِّح أحدها فلا مانع من الأخذ بها"[4].

يقول الشاطبي رحمه الله " وذلك أن هذه الأمور - يعني أمور الكشف والرؤى وغيرها من وسائل الاطلاع على الغيب - لا يصح أن تراعى وتعتبر ; إلا بشرط أن لا تخرم حكمًا شرعيًّا ولا قاعدةً دينية ; فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكما شرعيا ليس بحق في نفسه ، بل هو إما خيال أو وهم ، وإما من إلقاء الشيطان ، وقد يخالطه ما هو حق وقد لا يخالطه ، وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع ؛ وذلك أن التشريع الذي أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام لا خاص - كما تقدم في المسألة قبل هذا- وأصله لا ينخرم ، ولا ينكسر له اطّراد ، ولا يُحاشَى من الدخول تحت حكمه مُكلَّف ، وإذا كان كذلك فكل ما جاء من هذا القبيل الذي نحن بصدده مضادًا لما تمهد في الشريعة ; فهو فاسد باطل "[5] اهـ .

والرؤيا إذا كانت صادقة فإنها لا يمكن أن تخالف الشرع بل تأتي موافقة ومطابقة له، يقول ابن القيم رحمه الله: " ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل- عليهما السلام بالرؤيا-, وأما رؤيا غيرهم فتُعرَض على الوحي الصريح ، فإن وافقته وإلا لم يُعمل بها , فإنْ قيل : فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة ، أو تواطأت ؟ قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبِّهةً عليه، أو منبِّهةً على اندراج قضيةٍ خاصةٍ في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه، فيتنبَّه بالرؤيا على ذلك."[6]





هل يترتب على الرؤيا حكم شرعي؟:

والرؤيا لا يترتب عليها حكم شرعي بمعنى أنها لو تضمنت الأمر بقتل شخص أو إقامة الحد عليه لأنه سارق أو زانٍ أو شارب خمر؛ فهذا كله من قبيل الأحكام القضائية ولا يُلتفَت إلى هذا النوع من الرؤى وما دلت عليه إذا لم يكن في الواقع ما يؤيدها من البينات والدلائل والقرائن المعتبرة في القضاء وفض الخصومات والمنازعات بين الناس وكذلك من معاني عدم ترتب الحكم على الرؤيا أنه لا اعتداد بالرؤى والأحلام إذا خالفت نصًّا شرعيًّا بأن اقتضت ترك واجب أو ارتكاب محرم أو تحريم مباح أو أدت إلى خرم قاعدة شرعية كلية؛ لأنها حينئذ تكون منشِئةً لحكم أو رافعةً أو مخصصةً له [7], ويقول الشاطبي- رحمه الله- في هذا الخصوص:
" وَأَضْعَفُ هَؤُلَاءِ احْتِجَاجًا قَوْمٌ اسْتَنَدُوا فِي أَخْذِ الْأَعْمَالِ إِلَى الْمَنَامَاتِ، وَأَقْبَلُوا وَأَعْرَضُوا بِسَبَبِهَا: فَيَقُولُونَ: رَأَيْنَا فُلَانًا الرَّجُلَ الصَّالِحَ، فَقَالَ لَنَا: اتْرُكُوا كَذَا، وَاعْمَلُوا كَذَا. وَيَتَّفِقُ هَذَا كَثِيرًا [لِـ] الْمُتَرَسِّمِينَ بِرَسْمِ التَّصَوُّفِ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي كَذَا، وَأَمَرَنِي بِكَذَا، فَيَعْمَلُ بِهَا وَيَتْرُكُ بِهَا؛ مُعْرِضًا عَنِ الْحُدُودِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشَّرِيعَةِ. وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَا مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُحْكَمُ بِهَا شَرْعًا عَلَى حَالٍ؛ إِلَّا أَنْ تُعْرَضَ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ سَوَّغَتْهَا عُمِلَ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِلَّا؛ وَجَبَ تَرْكُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا، وَإِنَّمَا فَائِدَتُهَا الْبِشَارَةُ أَوِ النِّذَارَةُ خَاصَّةً، وَأَمَّا اسْتِفَادَةُ الْأَحْكَامِ؛ فَلَا" ثم ذكر قصة الكتاني وأبي يزيد البسطامي ثم قال: " فَلَوْ رَأَى فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُولُ: إِنَّ فُلَانًا سَرَقَ فَاقْطَعْهُ، أوْ عَالِمٌ فَاسْأَلْهُ، أَوِ اعْمَلْ بِمَا يَقُولُ لَكَ، أَوْ فُلَانٌ زَنَى فَحُدَّهُ. . . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْعَمَلُ، حَتَّى يَقُومَ لَهُ الشَّاهِدُ فِي الْيَقَظَةِ، وَإِلَّا؛ كَانَ عَامِلًا بِغَيْرِ شَرِيعَةٍ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَحْيٌ" [8] اهـ.


ومن أمثلة ذلك لو تعلقت الرؤيا بإبطال شهادة شهود عدول ثبتت عدالتهم في الواقع فإنه لا يُلتَفت إليها ولا يُعمَل بها فيما دلت عليه وهذا كما ورد في "مسألة سئل عنها ابن رشد في حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في أمر ; فرأى الحاكم في منامه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : " لا تحكم بهذه الشهادة ; فإنها باطل " ; فمثل هذا من الرؤيا لا معتبر بها في أمر ولا نهي ، ولا بشارة ولا نذارة ; لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة ، وكذلك سائر ما يأتي من هذا النوع " [9] اهـ .

وقد ذكر الشاطبي هذه المسألة في موضع آخر فقال: " مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، إِذْ سُئِلَ عَنْ حَاكِمٍ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ فِي قَضِيَّةٍ، فَلَمَّا نَامَ الْحَاكِمُ؛ ذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ لَهُ: لا تَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ، فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَلَ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِبْطَالٌ لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ بِالرُّؤْيَا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَقَدَ، إِذْ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ مِنْ نَاحِيَتِهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ رُؤْيَاهُمْ وَحْيٌ، وَمَنْ سِوَاهُمْ؛ إِنَّمَا رُؤْيَاهُمْ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ"[10] اهـ، وإنما أعدتُ ذكر ما يتعلق بهذه المسألة؛ لبيان ما أفتى ابن رشد فيها لأن الشاطبي لم يتعرض لهذا في الموضع السابق.

ومما يُستأنس به من القصص لتوضيح هذه المسألة- أعني أن الرؤيا لا يترتب عليها حكم شرعي- ما نقله الشاطبي- رحمه الله في كتابه- الاعتصام حيث قال: " يُحْكَى أَنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي دَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا رَآهُ؛ قَالَ: عَلَيَّ بِالسَّيْفِ وَالنَّطْعِ، قَالَ: وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّكَ تَطَأُ بِسَاطِي وَأَنْتَ مُعْرِضٌ عَنِّي، فَقَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى مَنْ عَبَرَهَا، فَقَالَ لِي: يُظْهِرُ لَكَ طَاعَةً وَيُضْمِرُ مَعْصِيَةً. فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: وَاللَّهِ مَا رُؤْيَاكَ بِرُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَلَا أَنَّ مُعَبِّرَكَ بِيُوسُفَ الصِّدِّيقِ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَبِالْأَحْلَامِ الْكَاذِبَةِ تَضْرِبُ أَعْنَاقَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَاسْتَحْيَا الْمَهْدِيُّ، وَقَالَ: اخْرُجْ عَنِّي، ثُمَّ صَرَفَهُ وَأَبْعَدَهُ.

وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ أَفْتَى بِوُجُوبِ قَتْلِ رَجُلٍ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَرُوجِعَ فِيهِ فَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ رَجُلًا رَأَى فِي مَنَامِهِ إِبْلِيسَ قَدِ اجْتَازَ بِبَابِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَدْخُلْهَا؟ فَقِيلَ: هَلْ دَخَلْتَهَا؟ فَقَالَ: أَغْنَانِي عَنْ دُخُولِهَا رَجُلٌ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: لَوْ أَفْتَى إِبْلِيسُ بِوُجُوبِ قَتْلِي فِي الْيَقَظَةِ؛ هَلْ تُقَلِّدُونَهُ فِي فَتْوَاهُ؟ فَقَالُوا: لَا! فَقَالَ: قَوْلُهُ فِي الْمَنَامِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْيَقَظَةِ "[11] اهـ.

وإنما نقلتُ هاتين القصتين عن الشاطبي- رحمه الله-؛ لأن فيهما جوابًا محكمًا لمن أراد أن يبني على الرؤى أحكامًا بالقتل وهو من أعظم الحرمات بعد الشرك بالله.




الرؤيا للتأنيس والبشارة والنذارة:

ومما سبق يتبين أن الرؤيا إنما تأتي للاستئناس وأنها تحمل في طياتها البشارة أو النذارة ولكن لا يعني هذا عدم العمل بها طالما أنها لا تخالف الشرع ولم تخرج عن حدود القواعد الموضوعة في الشريعة, وربما دفع بعض الناس العمل بالرؤى أو أن يترتب عليها إخبارٌ عما يكون من أحداثٍ أو غير ذلك فيقول: إن الرؤى يُستأنَس بها فقط؛ وهذا في الحقيقة لا يعرف معنى الاستئناس ومعنى كونها في البشارة أو النذارة، ولتوضيح ذلك نذكر بعض أقوال أهل العلم في هذا الخصوص.

ذكر الشاطبي - رحمه الله - قصة الكتّاني فقال: " يُحْكَى عَنِ الْكَتَّانِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- قَالَ: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يُمِيتَ قَلْبِي، فَقَالَ: قُلْ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعِينَ مَرَّةً: يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ " ثم علّق عليها بقوله: " فَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ لَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ، وَكَوْنُ الذِّكْرِ يُحْيِي الْقَلْبَ صَحِيحٌ شَرْعًا، وَفَائِدَةُ الرُّؤْيَا التَّنْبِيهُ عَلَى الخير وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبِشَارَةِ، وَإِنَّمَا يَبْقَى الْكَلَامُ فِي التَّحْدِيدِ بِالْأَرْبَعِينَ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدُ عَلَى اللُّزُومِ اسْتَقَامَ"[12].

فتأمل كيف جعل هذه الرؤيا فيها بشارةٌ ووجه ذلك أنها دلت على الخير وهو حصول إحياء القلب بنوعٍ من الذكر, لكن لمّا كان في الرؤيا تحديدٌ بعددٍ وهو - رحمه الله - قد قرر في قواعد البدع أن تحديد ذكرٍ معينٍ بعددٍ يعتبر من البدع الإضافية، اعترض هنا على صحة الاستفادة من هذه الرؤيا والبناء عليها، لكنه استثنى بعد ذلك وقال: وإذا لم يوجد على اللزوم استقام, ومعنى كلامه هذا أنه لو عمل بهذه الرؤيا بدون الالتزام بها دائمًا وإنما يفعلها أحيانًا ويتركها أحيانًا أو يفعلها ولكن بدون الالتزام بهذا العدد الوارد فيها على الدوام فإن هذا يستقيم ولا يكون فيه بأسٌ ولا محذورٌ شرعي.

والذي قصدته من إيرادي هذه القصة هو بيان كيف تكون مثل هذه الرؤى داخلةً في إطار البشارة وذلك بما تحمل فيها من الدلالة على خيرٍ قد يغفل عنه الرائي بخلاف ما يتبادر إلى الذهن من كونها تفيد البشارة على نحو ما نتصور من أنها تبشر بحصول أمرٍ سارٍّ أو ما شابه ذلك، وأن مفهوم البشارة أوسع كما سيأتي مزيد إيضاحٍ لهذا المعنى.

ومن ذلك ما ذكره عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: " رَأَيْتُ رَبِّي فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: اتْرُكْ نَفْسَكَ وَتَعَالَى " ثم علق عليها بقوله: " وَشَأْنُ هَذَا الْكَلَامِ مِنَ الشَّرْعِ مَوْجُودٌ، فَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّنْبِيهِ لِمَوْضِعِ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ النَّفْسِ مَعْنَاهُ تَرْكُ هَوَاهَا بِإِطْلَاقِ، وَالْوُقُوفُ عَلَى قَدَمِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ 40 فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ}[13]،. . . . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ" [14].

فتأمل كيف اعتبر الشاطبي - رحمه الله - هذه الرؤيا لم تخرج عن كونها مفيدةً للبشارة واعتبر ما جاء فيها من توجيه الرب الكريم لعبده أبي يزيد موافقًا للشرع ، وأنه يمكن العمل بمقتضاها وعلل ذلك بقوله: " فَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّنْبِيهِ لِمَوْضِعِ الدَّلِيلِ" وهذا يعني أن الرؤيا قد يأتي فيها تنبيهٌ على موضع الدليل ويكون هذا من جملة ما تحمله من البشارة؛ لأنها دلت الرائي على خيرٍ قد غفل عنه كما تقدم في المثال السابق.

ومن قصص الرؤى التي أوردها الشاطبي - رحمه الله - وخرجت عن إطار كونها بشارةً أو نذارةً ولكنها لا تخالف ما دلّ عليه الشرع في اليقظة ما ذكره بقوله : " خرّج أبو عمر بن عبد البر عن حمزة بن محمد الكناني; قال : خرّجت حديثًا واحدًا عن النبي من مئتي طريق أو من نحو مئتي طريق - شكّ الراوي - قال : فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل، وأعجبتُ بذلك; فرأيت يحيى بن معين في المنام، فقلت له : يا أبا زكريا، قد خرّجت حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من مئتي طريق. قال: فسكت عني ساعة، ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت: { أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ }[15] ،ثم علّق عليها بقوله: " وهو صحيح في الاعتبار; لأن تخريجه من طرق يسيرةٍ كافٍ في المقصود منه، فصار الزائد على ذلك فضلًا" اهـ، وهذا وجه كون الاشتغال بجمع طرقٍ كثيرةٍ للحديث داخلًا تحت دلالة قوله تعالى: (ألهاكم التكاثر).

ثم قال بعد ذلك "...العلوم المأخوذة من الرؤيا مما لا يرجع إلى بشارة، ولا نذارة; فإن كثيرا من الناس يستدلون على المسائل العلمية بالمنامات ، وما يُتلَقَّى منها تصريحًا ; فإنها وإن كانت صحيحة ; فأصلها الذي هو الرؤيا غير معتبر في الشريعة في مثلها ، كما في رؤيا الكناني المذكورة آنفًا ; فإن ما قال فيها يحيى بن معين صحيح ، ولكنه لم نحتجّ به حتى عرضناه على العلم في اليقظة ; فصار الاستشهاد به مأخوذًا من اليقظة لا من المنام ، وإنما ذكرت الرؤيا تأنيسًا ، و على هذا يُحمَل ما جاء عن العلماء من الاستشهاد بالرؤيا " اهـ[16].

فكلامه هذا يُشعر بأن هذا النوع من الرؤى لم يخرج مخرج البشارة أو النذارة، وأن ما جاء فيه من الاستشهاد على مسائل علمية إنما هو على سبيل التأنيس، وأن الاحتجاج إنما هو بما في العلم الشرعي، قلتُ: وفائدة الرؤيا هنا أنها نبهت على موضع الاستدلال وأن الاشتغال بجمع طرقٍ كثيرةٍ للحديث مع كفاية إثباته بالطرق القليلة نوعٌ من التكاثر المنهي عنه- والله أعلم-، وقد تقدَّمَ ما ذكره ابن حجر في فوائد قصة رؤيا أبي جمرة الضبْعيّ وقوله "... والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي..."[17].

وخلاصة القول أن الرؤى قد تأتي بالبشارة أو النذارة وقد لا تدل على بشارةٍ ولا نذارةٍ ولكن مع ذلك يؤخذ بها طالما لم تخالف الشرع، ويكون ذكرها على سبيل الاستئناس وتعَضَّد بما يدل عليها من الأدلة الشرعية ولا يحتج بها استقلالًا.




يتبع..


---------------------------------------------------------------------------------------------------------
[1] سورة النساء, آية:82.
[2] رواه البخاري برقم (1688) , انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري), ج:3 -ص:534.
[3] انظر (فتح الباري بشرح صحيح البخاري), ج:3- ص:431.
[4] انظر الرؤى الصادقة حجيتها وضوابطها ضمن (مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها) ,ج:19, ع:42 -ص:34.
[5] انظر (الموافقات) للشاطبي,ت: مشهور آل سلمان, ج:2 - ص:457.
[6] انظر (مدارج السالكين) لابن القيم, ج:1 -ص:75-76.
[7] انظر الرؤى الصادقة حجيتها وضوابطها ضمن (مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها) ,ج:19, ع:42 -ص:31.
[8] انظر (الاعتصام) للشاطبي,ج: 1-ص:260-261.
[9] انظر (الموافقات) للشاطبي,ج:2- ص: 457.
[10] انظر (الاعتصام) للشاطبي, ج:1 -ص: 262-263.
[11] انظر (الاعتصام) للشاطبي, ج:1 -ص:261-262.
[12] المصدر السابق, ص:260.
[13] سورة النازعات, آية: 40-41.
[14] انظر (الاعتصام) للشاطبي, ج:1 -ص:260.
[15] سورة التكاثر , آية :1.
[16] انظر (الموافقات) للشاطبي,ج:1-ص:114-115.
[17] سبق ذكره عند الكلام على مبحث : الرؤى الحق لا تُخالف الشرع.
__________________
اللهم اجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، و وفقنا للعمل الصالح.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 31-03-14, 08:49 PM
مجالي البوق مجالي البوق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-06-12
المشاركات: 150
افتراضي رد: العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه (القسم الرابع)

أحكام العمل بالرؤيا:

كان ما سبق بمثابة المقدمة والتمهيد للوصول إلى الحديث عن صلب هذا الموضوع وهو ما يتعلق بالعمل بالرؤى، وأحكام ذلك، واستخلاص الضوابط والشروط المتعلقة بهذا الخصوص، وقد مر بعض هذه الضوابط فيما مضى من الكلام وكان لا بد من التقديم بتلك المقدمة؛ لإيضاح بعض المفاهيم والتصورات الخاصة بالرؤى وتعبيرها، ولنشرع فيما أردنا الحديث عنه ونقرر المسائل المتعلقة بموضوع العمل بالرؤى.


العمل بالرؤيا :


دل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على جواز العمل بالرؤيا- وإن كانت رؤيا واحدةً- بشرط عدم مخالفتها لما دل عليه الشرع ومن الأدلة على ذلك:

- يوسف عليه السلام يبني على رؤيا الملك:

ذكر القرآن الكريم في سورة يوسف عليه- الصلاة والسلام- قصة ملك مصر ورؤيا البقرات السبع السمان اللاتي يأكلهنّ السبع العجاف، ومع كون الملك كافرًا إلا أن ذلك لم يمنع أن تكون رؤياه صادقة؛ ولذلك فسرها يوسف- عليه الصلاة والسلام- بما هو معروف، وكانت هذه الرؤيا بمثابة المرشد إلى وضع سياسةٍ اقتصاديةٍ لمصر في المدة التي تضمنتها الرؤيا وهي أربعة عشرة سنة، ومن الواضح عمل النبي الكريم يوسف- عليه الصلاة والسلام- بهذه الرؤيا، والأصل الذي تقرر في علم الأصول أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يأتِ في شرعنا ما يخالفه.



- يوسف عليه السلام وصاحبا السجن:

مما ذكره القرآن كذلك قصة يوسف عليه الصلاة والسلام مع الفتيين اللذين دخلا معه السجن، و كان كل منهما قد رأى رؤيا وفسره يوسف -عليه السلام- ، كانت صادقة مع كونهما كافرين، والمقصود أن يوسف بنى على رؤيا الناجي منهما - وهو ساقي الملك - ورتّب عليها عملًا وهو الطلب الذي طلبه منه كما قال تعالى:{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ}[1] ,أي: اذكر قصتي وقضيتي عند الملك, فهذا الطلب جاء بناء على ما اعتقده من نجاة هذا الفتى، فلا حرج أن يبني الإنسان على رؤيا ويخطط على أساسها أمرًا يتعلق بمستقبله قال تعالى:{ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ}[2] ،فلما كُشف الغيب المتعلق بأرض مصر عن طريق رؤيا الملك عمل يوسف عليه الصلاة والسلام بمقتضاه، ولما كُشف الغيب المتعلق بنجاة ساقي الملك عمل يوسف- عليه الصلاة والسلام- كذلك بمقتضاه, وهذا مع كون الرؤيا الواحدة تفيد الظن كما يُشعر بذلك قوله: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا} ،وهذا على القول بتفسير الظن الذي هو خلاف اليقين كما هو ظاهر الآية الكريمة، وإلا فإن الظن يأتي بمعنى العلم اليقيني كما في قوله تعالى:{إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ}[3] ,أي: تيقنت, ومن هذا نستخلص جواز العمل بالرؤيا الواحدة مع كونها تفيد الظن طالما أنها لا تخالف الشرع.


- لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق:

ذكرَ ابن كثير - رحمه الله - في تفسيرهِ سبب نزولِ هذهِ الآية: {لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحٗا قَرِيبًا}[4], فقال:
" كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أُرِيَ في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلمّا وقع ما وقع من قضية الصُّلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ذلك ، فقال له فيما قال : أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: « بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ » قال: لا. قال: « فإنك آتيه ومطّوِّفٌ به » " اهـ [5].

فهذه الرؤيا التي أشارت إليها الآية الكريمة حينما رآها النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل وسعى لتحقيقها؛ فخرج من المدينة مع جمعٍ من أصحابه يبلغون نحوًا من ألفٍ وأربعٍ مئة رجلٍ, وصدّه المشركون مع من كان معه من أصحابه وتحققت الرؤيا في العام المقبل.

فالمسلم إذا تأسى بنبيه - صلى الله عليه وسلم - وسعى في العمل على تحقيق رؤيا رآها - وهي لا تخالف الشرع - فإنه لا يُنكَرُ عليه, وإن قُدِّر أن منعه مانعٌ من تحقيق الرؤيا في وقتٍ فإنه لا ييأس ويعيد الكرة فهي إن كانت رؤيا حقٍّ فلا بد أن تقع.

لا يُقال إنّ رؤيا الأنبياء حقٌّ بخلاف غيرهم؛ فإن الأصل في كل ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو محل القدوة والتأسي به , إلا فيما قام الدليل على اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - به دون غيره من الناس, وهو قد بيّن لأمتهِ أنه ليس يبقى بعده من النبوة إلا المُبشِّرات, وفسّرها بالرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له, ولو كان أمر الرؤى قاصرًا عليه فقط لما كان في هذا البيان المتعلق بالرؤى الصالحة فائدة, والواقع يدل على أن رؤى غير الأنبياء يكون فيها الحق والصدق , لكنَّ رؤى الأنبياء يؤخذ منها الحكم والتشريع بخلاف رؤى غيرهم، وكلامنا هنا إنما هو في العمل بالرؤى التي لا تخالف الشرع ولا يترتب عليها حكمٌ أو تشريع.

ولم يزل أهل العلم يستدلون بما ورد عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بأمر الرؤى وكيف كان يعمل برؤى أصحابه- رضوان الله عليهم-، ومن ذلك ما ذكره الشاطبي- رحمه الله- عند ذكره لحديث ليلة القدر، وحديث عبد الله بن زيد في الأذان حيث قال: " قال- عليه الصلاة والسلام- : « أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها ; فالتمسوها في العشر الغوابر» , وفي حديث آخر :« أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر ، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» , ثم علق على هذين الحديثين بقوله: " فهذا بناء من النبي- صلى الله عليه وسل-م على رؤيا النوم" وتابع قائلا: " ونحو ذلك وقع في بدء الأذان ، وهو أبلغ في المسألة. عن عبد الله بن زيد قال : لما أصبحنا أتينا رسول الله- صلى الله عليه وسل-م فأخبرته الرؤيا ; فقال :« إن هذه لرؤيا حق... الحديث » ، إلى أن قال عمر بن الخطاب : والذي بعثك بالحق ; لقد رأيت مثل الذي رأى قال : فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: « فلله الحمد ; فذاك أثبت » "اهـ [6].

فهذا الكلام منه- رحمه الله تعالى- في بيان عمل النبي- صلى الله عليه وسلم- برؤى أصحابه- رضي الله عنهم- سواء فيما يتعلق بوقت ليلة القدر أو فيما يتعلق بتشريع الأذان برؤيا عبد الله بن زيد, فالمستفاد هو مشروعية العمل بالرؤى إلا فيما يتعلق برؤيا الأذان؛ فإن إقراره- صلى الله عليه وسلم- بما ورد فيها كان تشريعًا للأذان وهذا ليس إلى غير النبي- صلى الله عليه وسلم-، فيبقى العمل بالرؤيا فيما ليس فيه تشريع حكمٍ أو عبادةٍ؛ فإن الدين قد كمل في حياته- صلى الله عليه وسلم-.

يقول الشاطبي - رحمه الله -: "ولما ثبت أن النبي- صلى الله عليه وسلم- تصرف بمقتضى الرؤيا الصالحة كان مَن فعل مثل ذلك ممن اختص بشيء من هذه الأمور على طريقٍ من الصواب، وعاملاً بما ليس بخارجٍ عن المشروع لكن مع مراعاة شرط ذلك، والدليل على صحة ما تقدم أمران:

الأمر الأول :أن النبي- صلى الله عليه وسلم- عمل بمقتضى ذلك أمرًا ونهيًا وتحذيرًا وتبشيرًا وإرشادًا مع أنه لم يذكر أن ذلك خاص به دون أمته؛ فدل على أن الأمة حكمهم في ذلك حكمه- شأن كل عمل صدر منه ولم يثبت دليل على الاختصاص به دون غيره-.
الأمر الثاني: عمل الصحابة- رضوان الله عليهم- بالرؤى، ثم ذكر قول الصديق- رضي الله عنه- : إنما هما أخواك وأختاك."[7]



- رؤيا الطفيل- رضي الله عنه-:

ومن ذلك ما أورده الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى- حينما ذكر في باب قول ماشاء الله وشئت رؤيا الطفيل- رضي الله عنه-، قال- رحمه الله-:
" ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير ابن الله , قالوا : وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ماشاء الله وشاء محمد, ثم مررت بنفر من النصارى , فقلت: أإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله , قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ماشاء الله وشاء محمد, فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي- صلى الله عليه وسل-، فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحد؟ قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه , ثم قال: أما بعد فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها فلا تقولوا ماشاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده" ، ثم ذكر في مسائل هذا الباب ما يستفاد من هذا الحديث فقال: " الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي, السادسة: أنها قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام اهـ"[8].

وكون الرؤيا تكون سببًا لشرع بعض الأحكام فهذا إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- خاصةً، وأما أن تكون الرؤيا سببًا لتشريع بعض الأحكام بعد وفاته- عليه الصلاة والسلام- فلا.
فالقدر المشترك الذي يستفاد من الأحاديث التي أخبرت أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رتب عملاً على رؤيا هو جواز العمل بالرؤى، لكن إن كان فيها تشريعٌ لبعض الأحكام فهذا عمل خاص به- صلى الله عليه وسلم-، وإن لم يكن فيها تشريع فهو عمل يشترك فيه النبي- صلى الله عليه وسلم- وأمته.



عمل الصحابة- رضوان الله عليهم- بالرؤى:

لم يقتصر الأمر في العمل بالرؤى على النبي- صلى الله عليه وسلم-، وإن كان هذا كافيًا في بيان جواز العمل بها- بالشرط المتقدم-, وإنما تبعه على هذا أصحابه- رضوان الله عليهم- سواء منهم الخلفاء الراشدون أو عامتهم- رضوان الله عليهم-.


- الصديق ينفذ وصية ثابت بن قيس:

ذكر ابن القيم- رحمه الله- هذه القصة في كتاب الروح فقال : " ونظير هذا من الفقه الذي خصّهم به دون الناس قصة ثابت بن قيس بن شماس، وقد ذكرها أبو عمر بن عبد البر وغيره، قال أبو عمر: أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا سعيد بن عفير وعبد العزيز بن يحيى المدني، حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن إسماعيل بن محمد بن ثابت الأنصارى عن ثابت ابن قيس بن شماس أن رسول الله قال له: « يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدًا وتُقتَل شهيدًا وتدخل الجنة », قال مالك: فقتل ثابت بن قيس يوم اليمامة شهيدًا. قال أبو عمر: روى هشام بن عمار عن صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عطاء الخراساني قال: حدثتني ابنة ثابت بن قيس بن شماس قالت: لما نزلتْ: " يا أيها الذين آمنو لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه؛ ففقدَه رسول الله، وأرسل إليه يسأله ما خبره، قال: أنا رجل شديد الصوت أخاف أن يكون قد حَبِط عملي، قال: « لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير» ، قال: ثم أنزل الله " إن الله لا يحب كل مختال فخور" فأغلق عليه بابه وطفق يبكي؛ ففقده رسول الله، فأرسل إليه فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجمال وأحب أن أَسُودَ قومي، فقال: « لست منهم، بل تعيش حميدًا وتُقتَل شهيدًا وتدخل الجنة » ، قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة، فلما التقوا وانكشفوا، قال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله، ثم حفر كل واحد له حفرة فثبتا وقاتلا حتى قُتِلا، وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة؛ فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينما رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حُلُـمٌ فتضيِّعَه، إني لما قتلت أمس مرّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعي، ومنِزلُه في أقصى الناس، وعند خِبائه فرس يستن في طُوَلِه، وقد كفا على الدرع بُرْمَة، وفوق البُرْمَة رحْلُه، فأتِ خالدًا فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمْتَ المدينة على خليفة رسول الله- يعني أبا بكر الصديق- فقل له أن علي من الدين كذا وكذ،ا وفلان من رقيقي عتيق وفلان، فأتى الرجلُ خالدًا فأخبره؛ فبعث إلى الدرع فأتى بها وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته، قال: ولا نعلم أحدًا أُجِيَزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس- رحمه الله- انتهى ما ذكره أبو عمر".
ثم علق- رحمه الله- على هذه القصة بقوله: " فقد اتفق خالد وأبو بكر الصديق والصحابة معه على العمل بهذه الرؤيا وتنفيذ الوصية بها، وانتزاع الدرع ممن هي في يده وهذا محض الفقه" اهـ[9] .




- قصة الصعب بن جَثّامة وعوف بن مالك:

ومن عمل الصحابة بالرؤى التي دلت القرائن على صحتها بالإضافة إلى قصة ثابت بن قيس بن شمّاس السابقة , القصة التي أوردها ابن القيم- رحمه الله- في شأنِ الصعب بن جثّامة وعوف بن مالك، قال- رحمه الله-:

" وصح عن حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب أن الصعب بن جثّامة وعوف بن مالك كانا متآخيين، قال صعب لعوف: أي أخي، أيُّنا مات قبل صاحبه فليتراءى له، قال: أوَ يكون ذلك؟! قال: نعم، فمات صعبٌ فرآه عوف فيما يرى النائم كأنه قد أتاه، قال: قلت أي أخي، قال: نعم، قلت: ما فُعِل بكم؟ قال: غُفِر لنا بعد المصائب، قال: ورأيت لمعة سوداء في عنقه، قلت: أي أخي، ما هذا؟ قال عشرة دنانير استسلفتها من فلان اليهودي فهنّ في قرني فأعطوه إياها، واعلم أن أي أخي أنه لم يحدث في أهلي حدث بعد موتى إلا قد لحق بى خبره حتى هرة لنا ماتت منذ أيام، واعلم أن بنتى تموت إلى ستة أيام فاستوصوا بها معروفًا، فلما أصبحتُ قلت: إن في هذا لمعلمـًا فأتيت أهله فقالوا: مرحبا بعوف، أهكذا تصنعون بتركة إخوانكم؟ لم تقربنا منذ مات صعب، قال: فأتيت فاعتللت بما يعتلُّ به الناس، فنظرت إلى القرن فأنزلته فانتثلت ما فيه فوجدت الصرة التي فيها الدنانير فبعثت بها إلى اليهودي، فقلت: هل كان لك على صعب شيء؟ قال رحم الله صعبًا كان من خيار أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- هى له، قلت: لتخبرني، قال: نعم أسلفته عشرة دنانير، فنبذتها إليه، قال: هي والله بعيانها، قال قلت: هذه واحدة.

قال فقلت: هل حدث فيكم حدث بعد موت صعب؟ قالوا: نعم، حدث فينا كذا حدث، قال قلت: اذكروا، قالوا: نعم، هرة ماتت منذ أيام، فقلت: هاتان اثنتان.

قلت: أين ابنة أخيه؟ قالوا: تلعب، فأُتِيتُ بها فمسستها فإذا هي محمومة، فقلت: استوصوا بها معروفًا فماتت في ستة أيام" .

ثُمَّ علق على هذه القصة التي صحح إسنادها، فقال:
"وهذا من فقه عوف- رحمه الله- وكان من الصحابة؛ حيث نفّذ وصية الصعب بن جثاّمة بعد موته، وعلم صحة قوله بالقرائن التي أخبره بها من أن الدنانير عشرة وهي في القرن، ثم سأل اليهودي فطابق قوله لما في الرؤي؛ا فجزم عوف بصحة الأمر، فأعطى اليهودي الدنانير، وهذا فقه إنما يليق بأفقه الناس وأعلمهم وهم أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-، ولعلّ أكثر المتأخرين يُنكِر ذلك، ويقول: كيف جاز لعوف أن ينقل الدنانير من تركة صعب وهي لأيتامه وورثته إلى يهودى بمنام" اهـ[10].
فهذا فيه العملُ بالرؤى التي دلت القرائن الحسيّة على صدقها , وفي هاتين القصتين (قصة ثابت بن قيس و قصة عوف بن مالك) عَمِلَ الصحابة برؤيا تتضمن بعض الأحكام - كما هو ظاهر في وصية ثابت التي في المنام- , فإنَّ فيها انتزاع الدرع ممن هي في يدهِ , واعتاقُ الرقيق مع أنه مالٌ يصير إلى الورثة .

ولهذا أَشْكَـلَ على بعض أهل العلم تخريجُ هذه القصة على الأصول التي قررها في أنَّ الرؤى لا ينبني عليها حُكم, قال الشاطبي- رحمه الله- : " وذلك أن هذه الأمور لا يصح أن تُرَاعى وتعتبر ; إلا بشرط أن لا تخرم حكمًا شرعيًا ولا قاعدةً دينية ; فإن ما يخرِم قاعدةً شرعية أو حكمًا شرعيًا ليس بحقٍّ في نفسه ، بل هو إما خيالٌ أو وهم ، وإما من إلقاء الشيطان ، وقد يخالطه ما هو حقٌّ وقد لا يخالطه ، وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابتٌ مشروع ؛ وذلك أن التشريع الذي أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامٌ لا خاص- كما تقدم في المسألة قبل هذا- , وأصله لا ينخرم ، ولا ينكسر له اطّراد ، ولا يحاشى من الدخول تحت حكمه مكلّف ، وإذا كان كذلك فكل ما جاء من هذا القبيل الذي نحن بصدده مضادًا لما تمهّد في الشريعة ; فهو فاسدٌ باطل ".[11]

ولـمّا خالفت هذه القصة - أعني قصة ثابت بن قيس وإنفاذ أبي بكر -رضي الله عنه- للوصية- لمّا خالفت هذا الأصل الذي قرره في المسألةِ السابقةِ , أجاب عنها بقوله: " وما روي " أن أبا بكر- رضي الله عنه- أنفذ وصية رجل بعد موته برؤيا رئيت " ; فهي قضية عين لا تقدح في القواعد الكلية لاحتمالها ، فلعلّ الورثة رضوا بذلك، فلا يلزم منها خرم أصل"[12].

ولكنَّ ظاهر كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى - وما علّقَ بهِ على قصتي الصعب بن جثامة و ثابت بن قيس أنَّ هذا النوع من الرؤى يُعمَل به ولكن بشرط أن تدل القرائن الحسية على صدقهِ.

والقرائنُ الحسية المقصود بها: علامات وأمارات وردَتْ في الرؤيا تبيَّن صدق الرؤيا بوجود هذه العلامات في الواقع ؛ فلا يمكن أن يكون بعض الرؤيا صادقًا وبعضهُ كاذبًا , أو تكون الرؤيا في أولها حق وفي آخرها باطل.

وقد ذهب إلى هذا القولِ الشيخ محمد بن عُثيمين- رحمه الله- ؛ حيث ذكر تعليقًا على المسألةِ السادسة من مسائل باب قول ما شاء الله وشئت من كتاب التوحيد , وقد مرّت معنا هذه المسألة عند الكلامِ على رؤيا الطُّفيل - رضي الله عنه - حيث قال- رحمه الله- : " المسألة السادسة : أنها قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام , من ذلك رؤيا إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- أنه يذبح ابنه, وهذا الحديث، كذلك أثبت النبي- صلى الله عليه وسلم- رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان , فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- إنها رؤيا حق , وأبو بكر- رضي الله عنه- أثبت رؤيا من رأى ثابت بن قيس بن شماس , فقال للذي رآه : إنكم ستجدون درعي تحت بُرْمَة وعندها فرس يستن فلمّا أصبح بادر وذهب إلى خالد بن الوليد وأخبره , فذهبوا إلى المكان ورأوا درعًا تحت البُرْمَة عندها الفرس , فنفّذَ أبو بكر وصيّته؛ لوجود القرائن التي تدل على صدقها , لكنْ لو دلت على ما يخالف الشريعة فلا عبرة بها، ولا يُلتَفت إليها؛ لأنها ليست رؤيا صالحة"[13].


يتبع..

--------------------------------------------------------------------------------------
[1] سورة يوسف, آية:42.
[2] سورة الأعراف, آية:188.
[3] سورة الحاقة, آية:20.
[4] سورة الفتح, آية:27.
[5] انظر (تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير) لمحمد الرفاعي,ج:4 -ص:209-210.
[6] انظر (الموافقات) للشاطبي,ج:4 -ص:466-467.
[7] انظر (الموافقات) للشاطبي,ج:2 -ص:446-454.
[8] انظر (القول المفيد على كتاب التوحيد), ج:2 -ص:412-421.
[9] انظر (الروح) لابن القيم، ص:15.
[10] انظر (الروح) لابن القيم، ص: 14.
[11] انظر (الموافقات) للشاطبي,ج:2 -ص:457.
[12] انظر (الموافقات) للشاطبي,ج:2 -ص:458.
[13] انظر (القول المفيد على كتاب التوحيد),ج:2 -ص:421.
__________________
اللهم اجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، و وفقنا للعمل الصالح.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 31-03-14, 09:36 PM
رياض العاني رياض العاني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-08-11
الدولة: العراق - بغداد
المشاركات: 5,842
افتراضي رد: العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه..

جزاك الله خيرا علي هذا البحث القيم
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-04-14, 06:00 AM
عمــاد البيه عمــاد البيه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-03-13
الدولة: الإسكندرية - مصر
المشاركات: 246
افتراضي رد: العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه..

لا يجوز العمل بمقتضى الرؤى ولا أخذ حكم شرعي منها وعلى هذا إجماع العلماء

ولا يوجد أي دليل في قصص الأنبياء التي ذكرتها لأن أحد طرفي القصة إما الرائي أو المفسر كان نبي والأنبياء رؤياهم حق وتأويلهم حق

فلا يجوز أبدا قياس غيرهم عليهم
ومن العجيب أن تقول بعد استشهادك بقصصهم في غير محلها:
وإن كان هذا كافيًا في بيان جواز العمل بها!!

وأما قصة ثابت بن قيس فلم يصححها غير الحاكم ولا يٌسلم له بصحتها لاسيما وأنه لم يروها واحد من السبعة
وشيخ الحاكم أبي العباس محمد بن يعقوب مجهول ليس له ترجمة
كذلك قول الهيثمي في مجمع الزوائد "رجاله رجال الصحيح" لا تعني تصحيحه كما هو معلوم عند أئمة هذا الشأن بل أحيانا تكون تضعيفا للحديث لأنه لو علم صحة الحديث لصرح بذلك أما اكتفاء المحدث بقول "رجاله ثقات" أو "رجاله رجال الصحيح" معناه أنه اطلع على علة كانقطاع في السند أو إرسال خفي أو راو عُرف عنه تدليس فاكتفي بذكر حال الرواة إجمالا
والمعروف أيضا أن البخاري ومسلم ينتقيان أحاديث رجالهما فليس لمجرد أن الراوي من رجال البخاري أو مسلم معناه أن كل ما يحدث به صحيح فبعض رجال البخاري لم يأخذ منهم البخاري إلا حديثا واحدا وترك كل ما عداه
وهذا مما يعاب على مستدرك الحاكم أنه أورد أحاديث كثيرة قال أنها على شرط الشيخين وهي ليست كذلك
بل الشيخان أصلا لم يصرحا بكل الشروط التي التزموها في تخريج أحاديثهم

وقصة الصعب بن جثامة فقد روى البخاري في التاريخ الصغير أولها فقط وليس فيها ذكر للوصية وهذا نص ما في الرواية
قال البخاري (حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد قال أخبرنا ثابت عن شهر بن حوشب قال آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين عوف بن مالك والصعب بن جثامة فمات صعب قال عوف فرأيته فيما يرى النائم قال غفر لنا بعد أيهات)
وقد أخرجها البيهقي بدون ذكر الوصية أيضا
ونص ما فيها : (فقال أحدهما لصاحبه: إن مت قبلك يا أخي فتراء لي قال فمات صعب قبله فتراء له عوف فرآه فقال كيف أنت يا أخي قال بخير ما صنعت قال غفر لنا يوم دعونا عند حانوت فلان ولم يكن في أهلي مصيبة إلا لحقني أجرها حتى هرة لنا ماتت منذ ثلاثة أيام).
وفي إسناد البيهقي الخضر بن أبان فإن كان الهاشمي فهو ضعيف, وفيه أيضا جعفر بن سليمان الضبعي وهو صالح في نفسه وقد وثق, ولكن في روايته عن ثابت شيء. قال علي بن المديني : أكثر جعفر يعنى بن سليمان عن ثابت وكتب مراسيل, وفيها أحاديث مناكير عن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولو صحت أي من القصتين فهي أولا قضايا قضايا أعيان ولو كان ذلك معروفا مطردا عند الصحابة لكثر نقل الأخبار الصحيحة في ذلك وهم خير القرون والغالب على رؤياهم الصدق.
وثانيا في كلا منهما قرائن قوية محسوسة في الحقيقة اقترنت بالرؤيا وعلى ذلك يكون عمل أبي بكر وعوف بن مالك في إنفاذ الوصية كان مبنيا على القرينة الحسية وليس فقط على المنام
قال الشاطبي في الموافقات (2/203):
(ما روي أن أبا بكر رضي الله عنه أنفذ وصية رجل بعد موته برؤيا رؤيت فهي قضية عين لا تقدح في القواعد لاحتمالها, فلعل الورثة رضوا بذلك, فلا يلزم منها خرم أصل.)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (4/519):
(وتصح الوصية بالرؤيا الصادقة المقترنة بما يدل على صدقها ... لقصة ثابت بن قيس التي نفذها الصديق.)
فاشترط شيخ الإسلام وجود القرائن الدالة على صدقها, وفهم من كلامه هذا أنه لا يجيز ذلك إذا عريت عن قرائن شاهدة.
وهذا ما يفهم من كلام ابن القيم رحمه الله , فقد قال رحمه الله بعد تقريره جواز الاعتماد على القرائن في أحكام تخص الدماء والأموال وغيرها, كاللوث في القتل والقيافة في إلحاق النسب :
(والمقصود أن القرائن التي قامت في رؤيا عوف بن مالك وقصة ثابت بن قيس لا تقصر عن كثير من هذه القرائن)

ومن أهم الأسباب أيضا في عدم أخذ حكم من الرؤى أو اتخاذ قرار في الدنيا بناء على رؤيا أن ذلك يستلزم أولا أن تكون الرؤيا صادقة
ولا أحد يمكنه أن يعرف إن كانت رؤياه صادقة أو حديث نفس أو أضغاث أحلام
ولا يمكن التأكد من أن الرؤيا صادقة إلا إذا تحققت
فكيف ينبني على رؤيا حكم أو قرار وصاحبها لا يدري إن كانت صادقة أم كاذبة


كذلك فإن القلم رفع عن النائم فمن رفع عنه القلم لا يأتيه أمر أو نهي


وهذا الأمر يجب التحذير منه لأنه مدخل للشيطان ويفتح باب كبير جدا للكذب والافتراءات والأوهام والاتهامات فكل إنسان حينها يدعي أن له حق عند فلان بحلم وهذا يتهم هذا بحلم وهذا فساده ظاهر

الرؤيا الصالحة لا تفيد إلا في شئ واحد فقط وهو ما دلت عليه الأحاديث ألا وهو البشـــــــــارة
ولو كان فيها سوى ذلك قيد أنملة لأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي بلغ الرسالة كاملة فكان خير وأكمل من بلغ صلوات الله تعالى وسلامه عليه
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-04-14, 08:11 PM
مجالي البوق مجالي البوق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-06-12
المشاركات: 150
افتراضي رد: العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه (القسم الخامس)

أحكام رؤية النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام:

ومن الرؤى المهمة التي اعتنى العلماء بذكر ما يتعلق بها من الأحكام في كُتُبهم , رؤية النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام , وهل يترتب على رؤياهُ حكمٌ أم لا ؛ وذلك لأنَّ رؤيتهُ- عليه الصلاة والسلام- في المنام ليست كرؤية غيره من الناس, حيث قال- عليه الصلاة والسلام- : « من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي»[1], وقال أيضًا :« من رآني فقد رأى الحق»[2].

وهذه بعضُ أقوالِ أهلِ العلم في هذه المسألة:

قال الشوكاني -رحمه الله- في المسألة السابعة :" في رؤيا النبي- صلى الله عليه وسلم- , ذكر جماعة من أهل العلم : منهم الأستاذ أبو إسحاق " أنه يكون حجة ويلزم العمل به" وقيل : لا يكون حجة ولا يثبت به حكم شرعي وإن كانت رؤية النبي- صلى الله عليه وسلم- رؤية حق والشيطان لا يتمثل به، لكنّ النائم ليس من أهل التحمل للرواية؛ لعدم حفظه , وقيل: إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا , ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا- صلى الله عليه وسلم- قد كمّله الله- عز و جل- وقال: " اليوم أكملت لكم دينكم " ، ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته- صلى الله عليه وسلم- إذا قال فيها بقول أو فَعَلَ فيها فعلاً يكون دليلاً وحجة، بل قبضه الله إليه بعد أن كمّل لهذه الأمة ما شرعه الله لها على لسانه، ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت وإن كان رسولاً حيًا وميتًا، وبهذا تعلم أن لو قدّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله- صلى الله عليه وسلم- أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة" اهـ [3].

هذا ما ذهب إليه الشوكاني - رحمه الله -، وفيما قاله نظر؛ " فقد جاءنا على أنّ رؤيته - صلى الله عليه و سلم - في المنام على صفته التي كان عليها رؤيا حق، فإذا ثبت ذلك كان ما قاله أيضًا حق، فَلِم ﻻ يُعمَل به استئناسًا فيماﱂ يثبت اعتباره أو إلغاؤه؟"[4] ، والعمل به في هذه الحال ليس عملًا بما يخالف الشرع؛ لأن الرؤيا إن كانت صادقةً فإنها لا يمكن أن تخالف الشرع، وإنما تأتي مطابقةً له، وقد تقدّم قول ابن القيم - رحمه الله - في هذا[5].

وقال القرافي - رحمه الله -:" فَلَوْ رَآهُ - أي النبي صلى الله عليه وسلم- فِي النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ امْرَأَتَكَ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهُوَ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا هَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ,وَقَعَ فِيهِ الْبَحْثُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ إِخْبَارَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْيَقَظَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخَبَرِ فِي النَّوْمِ؛ لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ لِلرَّائِي بِالْغَلَطِ فِي ضَبْطِ الْمِثَالِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ عَنْ حَرَامٍ إِنَّهُ حَلَال أَو عيّن حكمًا على الشَّرِيعَةِ قَدَّمْنَا مَا ثَبَتَ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَا رُئي فِي النّوم؛ لما ذَكرْنَاهُ كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ مِنْ أَخْبَارِ الْيَقَظَةِ فَإِنَّا نُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ " اهـ[6] .

وكلام القرافي هنا مستقيم ولا لبس فيه؛ لأجل أن الممنوع هو العمل بما يعارض الشرع.


يقول ابن دقيق العيد في شرحه على العمدة: "وقد تكلّم الفقهاء فيما لو رأى النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام ، وأمره بأمر : هل يلزمه ذلك ؟ وقيل فيه : إن ذلك
إما أن يكون مخالفًا لما ثبت عنه- صلى الله عليه وسلم- من الأحكام في اليقظة أو لا، فإن كان مخالفًا عمِل بما ثبت في اليقظة ؛ لأنّا - وإن قلنا : بأن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم- على الوجه المنقول من صفته ، فرؤياه حق - فهذا من قبيل تعارض الدليلين ، والعمِل بأرجحهما . وما ثبت في اليقظة فهو أرجح ، وإن كان غير مخالف لما ثبت في اليقظة : ففيه خلاف" اهـ[7] .


ويقصِدُ بالخلاف , أنَّ هناك من يرى أنَّها حُجة يُعملُ بها , وهناك من يرى أنها ليست حجة ولا يُعملُ بها- على نحو ما ذكرهُ الشوكاني آنفًا- , ولا شكَّ أنَّ العملَ برؤيا النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام والتي لا تخالفُ شرعهُ في اليقظةِ إمّا لازمٌ أو جائزٌ , وهذا يختلف بحسبِ نوعِ المأمورِ بهِ أو المنهيِّ عنهُ في الرؤيا , وهل هوَ في أحكام الشرعِ واجبٌ أو مستحبٌ؛ فإن كان ما أمرَ به في الرؤيا من الواجبات وجبَ العملُ بها , وإن كان ما أمرَ به في الرؤيا من المستحباتِ اُستحب لهُ العملُ بها, والله أعلم.


وذكر ابن القيم عند الكلام على مسألة الاشتراط في التوبة والدعاء ما نصه: " وكذلك المصلِّي على الميت شُرِع له تعليق الدعاء بالشرط ، فيقول : اللهم أنت أعلم بسره وعلانيته ، إن كان محسنًا فتقبل حسناته ، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته ; فهذا طلب للتجاوز عنه بشرط ، فكيف يمُنَع تعليق التوبة بالشرط ؟
وقال شيخنا -يعني ابن تيمية- : كان يشكل عليّ أحيانًا حال من أصلي عليه الجنائز ، هل هو مؤمن أو منافق ؟ فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة ، فقال : يا أحمد الشرط الشرط ، أو قال : علق الدعاء بالشرط" اهـ[8] .


فهذا فيه أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- أشْكَلَتْ عليه مسألة الاشتراط في الدعاء للميت إذا جُهِلَ حالهُ وشكَّ في كونه مسلمًا أو غيرَ مسلمٍ , فعمل بهذه الرؤيا في هذه المسألة وهو مصيرٌ من ابن تيمية- رحمه الله- في أن للرؤى مدخلاً في المسائل العلمية وتوجيه الرائي إلى العمل بشيءٍ ما في مسألةٍ من المسائلِ- كما في هذه القصة-.

وهو يرى أنَّ الرائي ينتفعُ برؤياهُ من حيثُ زيادةُ الإيمان لكنّهُ لا يُلزِمُ غيرهُ بما رآهُ , ويرى كذلك أنَّ للإلهامِ والرؤيا الصادقة أثرٌ في الترجيحِ بينَ الأدلة , يقول - رحمه الله تعالى -: "فقد يكشف لكثير من أبناء زماننا يقظةً ومناماً ويعلمون ذلك ويتحققونه، وعندنا من ذلك أمور كثيرة لكن الجواب في المسائل العلمية يُعتمَد فيه على ما جاء به الكتاب والسنة فإنه يجب على الخلق التصديق به وما كُشِف للإنسان من ذلك أو أخبره به من هو صادق عنده فهذا يَنْتَفِعُ به مَنْ عَلِمَهُ، ويكون ذلك مما يزيده إيمانًا وتصديقًا بما جاءت به النصوص، ولكن لا يجب على جميع الخلق الإيمان بغير ما جاءت به الأنبياء"[9].

وقال أيضًا: "ففي مثل هذه الحال التي لا يتبين الأمر الشرعي في الواقعة المعينة يأمر الشيخ عبد القادر وأمثاله من الشيوخ " تارةً " بالرجوع إلى الأمر الباطن والإلهام إن أمكن ذلك و " تارةً " بالرجوع إلى القدَر المحض؛ لتعذُّرِ الأسبابِ المرجِّحَةِ من جهة الشرع كما يرجِّح الشارع بالقُرعة ؛ فهم يأمرون ألا يُرجِّح بمجرّد إرادته وهواه؛ فإن هذا إما محرمٌ وإما مكروهٌ وإما منقِصٌ ، فهم في هذا النهي كنهيهم عن فضول المباحات ، ثمّ إن تبين لهم الأمر الشرعي وجب الترجيح به وإلاّ رجحَّوا : إما " بسببٍ باطن " من الإلهام والذوق وإما " بالقضاء والقدر " الذي لا يُضَاف إليهم.

ومن يرجِّح في مثل هذه الحال " باستخارة الله " كما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن فقد أصاب . وهذا كما أنّه إذا تعارضت أدلة " المسألة الشرعية " عند الناظر المجتهد وعند المقلِّد المستفتي -بأي شيء يرجِّح- فإنه لا يرجِّح شيئًا، بل ما جرى به القدر أقرُّوه ولم ينكروه ، وتارةً يرجِّح أحدهم : إما بمنام، وإما برأيٍ مشيرٍ ناصحٍ، وإما برؤية المصلحة في أحد الفعلين"[10].

وهكذا فإنك ترى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يرى أنه يمكن أن يكون الترجيحُ بين الأدلة الشرعية المتعارضة بالرؤيا (أي بالمنام)- إذا تعذّر عليه الترجيح بمقتضى الأدلة الشرعية-، وعملُه بالرؤيا المتقدِّمة في مسألة الاشتراط في الدعاء للميت تطبيقٌ عمليٌّ واضحٌ لِما يراه.

وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - قصة هذه الرؤيا فقال: "وقد ذكر ابن القيم في أعلام الموقعين عن شيخه ابن تيمية- رحمه الله- أنه أشكل عليه مسائل من مسائل الدين أو الفقه فرأى النبي= صلى الله عليه وسلم- في المنام وكان من جملة ما أشكل عليه أنه تُقَدَّم له جنائز لا يدري هل هو مسلم أم لا، فقيل له: عليك بالشرط يا أحمد: يقول له الرسول- عليه الصلاة والسلام- في المنام: عليك بالشرط يا أحمد، وهذا سند ابن القيم عن شيخه ابن تيمية سندٌ صحيح؛ لأن الرجلين كلاهما ثقة ولا يقول قائل إننا اعتمدنا هنا على إثبات حكمٍ شرعيٍ برؤيا؛ لأن هذه الرؤيا يؤيدها القرآن- كما أشرنا إليه قبل قليل- في قصة اللعان وهو أن الاستثناء في الدعاء سائغٌ ،وعلى هذا فإن هذه الرؤيا موافقة لقواعد الشريعة فيُعمَل بها"اهـ[11].

فهذا تقرير من الشيخ- رحمه الله- في جواز العمل بمثل هذه الرؤى التي تشهد لها النصوص الشرعية , وأنَّ الاحتجاج بها لم يأتِ استقلالًا،ا بل لأنَّ هناك من نصوص الشريعة ما يشهد لها , فالاحتجاج حقيقةً هو بنصوصٍ شرعية , والرؤيا إنما كانت فائدتُها تنبيه الرائي على موضع الدليل كما مرَّ ذكرهُ عند الكلامِ على رؤيا أبي يزيد البسطامي وكلام الشاطبي- رحمه الله- عنها[12].



- فتيا العز بن عبد السلام:

ومن التطبيقات العملية لأهل العلم فيما إذا اشتملت رؤية النبي- صلى الله عليه وسلم- على أمر يخالف الشرع ما مر معنا في مسألة ابن رشد التي ذكرها الشاطبي- رحمه الله- في مسألة الحاكم (القاضي) الذي رأى النبي- عليه الصلاة والسلام- ينهاه عن اعتبار شهادة الشهود الذين شهدوا عنده في قضية من القضايا، وما أفتى به ابن رشد في مسألة العمل بهذه الرؤيا.

ومن التطبيقات العملية كذلك ما ذكره صاحب تهذيب الفروق عن العز بن عبد السلام حيث قال: " قال العز بن عبد السلام لرجل رأى النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام يقول له: إن في المحل الفلاني ركازًا، اذهب فخذه ولا خمس عليك فذهب ووجده واستفتى ذلك الرجل العلماء ، فقال له العز : أخرج الخمس فإنه ثبت بالتواتر ، وقصارى رؤيتك الآحاد" اهـ [13].

فهذه الرؤيا دلّت القرينة الحسية على كونها صادقة؛ حيث وُجِد الركاز في المكان الذي أرشد إليه الرسول- صلى الله عليه وسلم- في الرؤيا, ومع أن رؤية النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام حق، إلا أن هذا العالم لم يُسقط حكم الخُمس الواجب إخراجه من الركاز - وهو ما وُجد من دِفن الجاهلية -؛ لأن هذا الحكم ثبت بالتواتر - كما يقول العز بن عبد السلام-, وهذه الرؤيا من قبيل الآحاد وقد تقرّر في الأصول أنه لو تعارض خبر متواتر وخبر آحاد قدمنا الخبر المتواتر, وهذا كله يدلك على أنه لابد في العمل برؤيا النبي- صلى الله عليه وسلم- أن لا تخالف ما ثبت عنه من الشرع في اليقظة ؛ فهذا ضابط وشرط للعمل برؤيا من رأى النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام.




- الإمام مسلم ورؤيا حمزة الزيات:

إنّ من صور إيراد علماء الحديث للرؤى في كتبهم في معرض الاستئناس بالرؤيا فيما يتعلق بمعرفة أحوال الرواة ما ذكره الإمام مسلم- رحمه الله- في صحيحه بشأن أحد رواة الحديث وهو أبان بن أبي عياش، قال- رحمه الله-: " وحدثنا الحسن الحلواني قال: سمعت عفان قال: سمعت أبا عُوَانة قال: ما بلغني عن الحسن حديث إلا أتيت به أبان بن أبي عياش فقرأه عليّ. وحدثنا سويد بن سعيد: حدثنا علي بن مسهر قال: سمعت أنا وحمزة الزيات من أبان بن أبي عياش نحوًا من ألف حديث. قال علي: فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام فعرض عليه ما سمع من أبان فما عرف منها إلا شيئًا يسيرا خمسة أو ستة."[14]

وقد علّق الإمام النووي على إيراد مسلم لهذه الرؤيا بقوله: " قوله ( إن حمزة الزيات رأى النبى- صلى الله عليه و سلم فى المنام، فعرض عليه ما سمعه من أبان فما عرف منه إلا شيئا يسيرًا ) قال القاضي عياض - رحمه الله - : هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرّر من ضعف أبان، لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت، ولا تثبت به سنة لم تثبت، وهذا بإجماع العلماء. هذا كلام القاضي وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يُغَيَّر بسبب ما يراه النائم ما تقرر فى الشرع"[15].

فتأمل كيف يورد هذا الإمام الكبير من أئمة الحديث مثل هذه الرؤيا التي تؤكد ما قيل عن أبان بن أبي عياش من قبل علماء الجرح والتعديل، ولولا أن لرؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم- قدر وشأن عندهم لم يوردها في بيان حال راوٍ من الرواة.




- الإمام أبو داود ورؤيا في أبي عياش:

ومن أمثلة استئناس أئمة الحديث بالرؤى في معرفة حال الرواة وإيرادهم لبعض الأحاديث ما ذكره الإمام أبو داود في سننه حيث قال: " حدثنا موسى بن إسمعيل، حدثنا حماد ووهيب نحوه عن سهيل عن أبيه عن ابن أبي عائش، وقال حماد عن أبي عياش : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " من قال إذا أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل وكتب له عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح" قال في حديث حماد : فرأى رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيما يرى النائم فقال: يا رسول الله، إن أبا عياش يحدث عنك بكذا وكذا قال" صدق أبو عياش"[16].

وهذا إنما أورده أبو داود- رحمه الله- ؛لأن فيه تأييدًا لرواية أبي عياش بالإضافة إلى ما ذكره علماء الحديث فيه- رحمه الله-.


- ابن قدامة و رؤيا عمر :

و هذا الموفق ابن قدامة صاحب المغني و هو من ائمة أهل العلم و الفقه يستأنس بذكر رؤيا في مسألة فقهية يقول- رحمه الله- :
"إذا ثبت هذا ، فإن المقبِّل إذا كان ذا شهوةٍ مفرطة ، بحيث يغلب على ظنه أنه إذا قبّل أنزل ، لم تحل له القبلة ; لأنها مفسدة لصومه ، فحرمت ، كالأكل ، وإن كان ذا شهوة ، لكنه لا يغلب على ظنه ذلك ، كره له التقبيل ; لأنه يعرِّض صومه للفطر ، ولا يأمن عليه الفساد .

وقد روي عن عمر ، أنه قال : رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في المنام ، فأعرض عني ، فقلت له : ما لي ؟ فقال : « إنك تقبُّل وأنت صائم »[17].

فأنت ترى أن الموفّق - رحمه الله - يستأنس بذكر رؤيا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- في تقرير كراهة القبلة للصائم على النحو الذي ذكره، و هذه الرؤيا وردت في أثر أخرجه ابن أبي شيبة- رحمه الل-ه في مصنفه حيث قال : حدثنا أبو أسامة عن عمرو بن حمزة قال: أخبرني سالم عن ابن عمر قال : قال عمر : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في المنام فرأيته لا ينظرني ، فقلت : يا رسول الله ، ما شأني ؟ قال :« ألست الذي تقبِّل وأنت صائم» ، قلت : والذي بعثك بالحق لا أقبِّل بعدها وأنا صائم[18].

و بهذا نعرف أن أهل العلم قد يستأنسون بالرؤى إذا وافقت حكمًا شرعيًّا- كفعل مندوب أو ترك مكروه-، و أنه يستحب العمل على وِفقها.

قال النووي رحمه الله : " أما اذا رأى النبى- صلى الله عليه و سلم- يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهِيٍّ عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف فى استحباب العمل على وِفقه؛ لأن ذلك ليس حكمًا بمجرّد المنام، بل تقرّر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم"[19].

فهذه جملةٌ من أوجه استئناس أهل العلم بالرؤى- منهم المحدثون و منهم الفقهاء-، و كل هذا يدلك على مكانة الرؤى و قدرها في نفوسهم، وبخاصة التي يُرى فيها النبي - صلى الله عليه و سلم-، ولو لم تكن بهذه المثابة؛ لما ذكروها في كتبهم- رحمهم الله-، وهم بذلك رسموا لنا منهجًا في كيفيَّة التعامل مع الرؤى و الأحوال التي يُستأنَس بها فيها على ضوء ما أكرمهم الله به من العلم في الفقه و الحديث؛ فجزاهم الله عنا خيرًا.



- رؤيا غدًا من رمضان:

ذكرتُ فيما مضى أمثلة لرؤى رؤي فيها النبي- صلى الله عليه و سلم- و كيف تعامل العلماء مع تلك الرؤى- و خاصة التي تخالف الشرع- ، و كذلك كيف أنهم أوردوا هذه الرؤى في معرفة أحوال بعض رواة الحديث ، و هنا أذكر - تتميمًا للفائدة - ما ذكره النووي- رحمه الله -في مسألة دخول شهر رمضان حيث قال : " لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان ، ولم ير الناس الهلال ، فرأى إنسان النبي- صلى الله عليه وسلم- في المنام فقال له : الليلة أول رمضان، لم يصحّ الصوم بهذا المنام- لا لصاحب المنام ولا لغيره -. ذكره القاضي الحسين في الفتاوى، وآخرون من أصحابنا ونقل القاضي عِيَاض الإجماع عليه "[20].

وهذه المسألة قد تكون افتراضية ، و قد تكون وقعت و بيّن فيها النووي الحكم المتعلق بها مما يتفق مع ما ذكرناه في أمر العمل بالرؤى و الحمد لله .

و قد ذكرتُ ما أمكن جمعه من المرائي التي فيها النبي- صلى الله عليه و سلم- مما ذكره أهل العلم في كتبهم و ما يتصل بها من الكلام عليها، وجمعته كلّه في هذا الموضع؛ لاتصاله بأحكام رؤيته- عليه الصلاة و السلام- في المنام حتى يسهل على القارئ الرجوع اليها متى ما أراد ذلك مع ما قد يكون بينها من الاختلاف في الأحكام المتعلقة بها- على نحو ما سبق ذكره- و الله الموفق .





يتبع..


-------------------------------------------------------------------------------
[1] رواه البخاري من حديث أنس -رضي الله عنه- برقم (6994) , انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري ,ج:12 -ص:383.
[2] رواه البخاري من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- برقم (6996) , انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري ,ج:12 -ص:383.
[3] انظر (إرشاد الفحول) للشوكاني , ص: 249.
[4] انظر الرؤى الصادقة حجيتها وضوابطها ضمن (مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها) ,ج:19, ع:42 -ص:19.
[5] تقدم ذكره عند الكلام على ( الرؤيا الحق لا تخالف الشرع) .
[6] انظر (الذخيرة) للقرافي,ج:13 -ص:273.
[7] انظر ( إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام) لابن دقيق العيد, ج:3 -ص:248-249.
[8] انظر (إعلام الموقعين عن رب العالمين), ج:3 -ص:387.
[9] انظر (مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية) جمع وترتيب:عبد الرحمن الحنبلي وابنه محمد, ج: 24-ص: 376.
[10] انظر (مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية) جمع وترتيب:عبد الرحمن الحنبلي وابنه محمد, ج: 10-ص: 471-472.
[11] موقع فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين , فتاوى نور على الدرب (نصية) الجنائز , (الرابط هنا).
[12] تقدم ذكره عند الكلام (الرؤيا للتأنيس والبشارة والنذارة) .
[13] انظر (الموسوعة الفقهية) , ج:22 -ص:11.
[14] انظر (صحيح مسلم), ت: محمد فؤاد عبد الباقي , ج:1 -ص:25 (المقدمة : الباب :5/حديث:7).
[15] انظر (صحيح مسلم بشرح النووي) ج:1 -ص:115 (الكشف عن معايب رواة الحديث).
[16] انظر (عون المعبود شرح سنن أبي داود) , حديث رقم (5056), ج:13 -ص:417-419.
[17] انظر (المُغْني) لابن قدامة, ج:3 -ص:48.
[18] انظر (المصنف لابن أبي شيبة), ت:محمد عوامة, ج:16 -ص:57 , حديث رقم (31144).
[19] انظر (شرح النووي على صحيح مسلم) , ج:1 -ص:115 (الكشف عن معايب رواة الحديث).
[20] انظر (المجموع شرح المهذّب) ، ج:6 -ص:281.
__________________
اللهم اجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، و وفقنا للعمل الصالح.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01-04-14, 08:33 PM
مجالي البوق مجالي البوق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-06-12
المشاركات: 150
افتراضي رد: العملُ بالرُّؤى أحكامه وضوابطه القسم السادس)

أوجه العمل بالرؤيا:

تقرر فيما سبق أن العمل بالرؤى يكون فيما لم يخالف الشرع, وأنه جائز إذا دلت القرائن على صحتها و صدقها- سواء القرائن الحسية أو القرائن الشرعية-, وأنه يجوز العمل بها استئناسًا في معرفة أحوال الرواة وفي الترجيح بين الأدلة وفي اختيار أحد الأقوال في المسألة إلى غير ذلك مما سبق الكلام عليه ، ونضيف هنا أوجهًا أخرى للعمل بالرؤى.

والعامل بالرؤى لا يخلو عمله بها من أحد هذه الأوجه :

الأول: "أن يكون في أمر مباح ، كأن يرى المكاشف أن فلانًا يقصده في الوقت الفلاني ، أو يعرف ما قصد إليه في إتيانه من موافقة أو مخالفة ، أو يطّلع على ما في قلبه من حديث أو اعتقاد حقٍّ أو باطلٍ ، وما أشبه ذلك ; فيعمل على التهيئة له حسبما قصد إليه ، أو يتحفظ من مجيئه إن كان قصده الشر ; فهذا من الجائز له ، كما لو رأى رؤيا تقتضي ذلك ، لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع" [1].

ذكر هذا الشاطبي- رحمه الله-, ونظرا لأن أمر الكشف لا يعنينا هنا فإني أعدت كتابة هذا الوجه بصياغة أخرى تتعلق بالرؤيا؛ لأنها نوع من الكشف لكنه في المنام و ليس في اليقظة وذلك على النحو التالي كالشرح والتفسير له:
الأول: أن يكون في أمر مباح, كأن يرى الرائي رؤيا أن فلانًا يقصده في الوقت الفلاني, أو يرى رؤيا تدل على ماقصد إليه في إتيانه من موافقة أو مخالفة, أو يرى رؤيا تخبره عما قام في قلبه من اعتقاد حقٍّ أو باطلٍ أو حقد أو خيانة وما شابه ذلك, ففي هذه الحالة يتهيّأ لمعاملة هذا الشخص الذي رأى فيه هذه الرؤيا بأن يستعد لاستقباله، أو يحذر في التعامل معه ومخاطبته، أو يتحفظ من مجيئه- إذا دلت الرؤيا على أن قصده الشر-, فهذه الأحوال يجوز له أن يعمل فيها بما دلت عليه الرؤيا من الاستعداد له وأخذ الحيطة والحذر, ولكنه يعامله بحسب الشرع من إجراء الأحكام على الظاهر فيرد عليه السلام، ويعامله بسائر الحقوق الشرعية.

فالرؤيا هنا عمل صاحبها بأمر مباح وكانت نافعة له من جهة أنها نبّهته على أمر يتعلق بشخص أو حدث فيأخذ حذره ويستعد في التعامل معه ولكن ضمن ما أمر به الشرع.
يقول الشاطبي- رحمه الله- : " فإن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا ، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عمومًا أيضا ; فإن سيد البشر - صلى الله عليه وسلم - مع إعلامه بالوحي يجُرِي الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم - وإن علم ببواطن أحوالهم - ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه " أهـ [2].

فعِلْم النبي- صلى الله عليه وسلم- ببواطن المنافقين لم يمنعه من إجراء أحكامهم على الظاهر، وكذلك إذا رأى الإنسان رؤيا فيها تحذير من شخص فإنه يأخذ حذره ويتحفظ في التعامل معه، ولكنه يجري الأحكام في التعامل معه على الظاهر؛ فإن الرؤيا لن تكون أقوى وأصدق من علم النبي- صلى الله عليه وسلم- ببواطن المنافقين.


الثاني: " أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها؛ فإن العاقل لا يدخل على نفسه ما لعله يخاف عاقبته" [3].

وهذا يعني أنه قد يأتي في الرؤيا ما يدله على خير له فيعمل من أجل تحقيقه حتى يظفر به أو تدله الرؤيا على شر سيقع فيعمل على التحفظ والاستعداد لتلافيه أو تقليل آثاره.

الثالث: "أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد لكل عدته ; فهذا أيضًا جائز ، كالإخبار عن أمر ينزل إن لم يكن كذا ، أو لا يكون إن فعل كذا ; فيعمل على وفق ذلك على وزان الرؤيا الصالحة ، فله أن يجري بها مجرى الرؤيا" [4].

وهذا يعني أن الرؤيا قد يأتي فيها تحذير فيستعد لذلك، أو يأتي فيها تبشير فيستعد لذلك أيضًا، ويأخذ لكلٍ عُدّته, وهذا أيضا من الجائز في العمل بالرؤى.

ومن تأمل حال الناس وواقعهم وجد أنهم مفطورون على العمل بالرؤى- وبخاصة فيما كان فيه تبشير لهم- فيتهيأون نفسيًّا لذلك ويستعدون له، وكذلك إذا كان في الرؤى تحذير وبيان لخطر قد يداهمهم يستعدون للتعامل معه وتخفيف آثاره وأضراره- قدر الاستطاعة- فإن أي عاقل حريص على أن يبتعد عما فيه ضرر عليه ويقترب مما فيه خير ومنفعة له.


- ترْك المباح لرؤيا رآها:

و من الوجوه الجائزة في العمل بالرؤيا أن يترك الرائي بسببها أمرًا مباحًا أو أمرًا جائزًا له، وهذا لا حرج فيه أيضًا؛ يقول الشاطبي- رحمه الله- في معرض الحديث عن كرامات الأولياء وما يحصل لهم من الكشف الذي قد يحملهم على الامتناع عن تناول بعض المباحات, وأن هذا لم يخرج عن إطار الشريعة، ويذكر أجوبة عن أفعالهم هذه ومنها قوله: " أو نقول : كان المتناوَل مباحا له ; فتركه لهذه العلامة كما يترك الإنسان أحد الجائٍزَيْنِ؛ لمشورة أو رؤيا أو غير ذلك " [5].

فالشاطبي يرى أن الإنسان يمكن أن يترك بعض المباحات- سواء كانت أفعالاً أو أقوالاً أو مطعوماتٍ أو مشروباتٍ- وأن هذا أمر مباحٌ؛ لأنه ينتقل من جائز إلى جائز كما لو كان الحامل له على ذلك مشورةً من أحد إخوانه أو رؤيا رآها أو رؤيت له؛ فالرؤيا يمكن العمل بها في ترك أمر مباح أو جائز، وليس هذا من تحريم المباح وإنما هو ينتقل بهذا من مباح إلى مباح ومن جائز إلى جائز ، وعلى هذا تُحمل كثير من قصص رؤى السلف والعلماء وعملهم بها ؛ فإنها دائرة بين ترك شيء والإقبال على آخر ضمن المباحات أو الأمور الجائزات والله أعلم.


- العمل بالرؤيا اذا وافقها سبب ظاهر:

و من الوجوه الجائزة في العمل بالرؤى ، العمل بها إذا وافقها سببٌ ظاهر . يقول الشاطبي- رحمه الله- : " وعلى هذا لو رأى رؤيا بأن هذا الماء المُعيّن مغصوب أو نجس ، أو أن هذا الشاهد كاذب ، أو أن المال لزيد وقد تحصّل بالحجة لعَمْرو ، أو ما أشبه ذلك ; فلا يصح له العمل على وفق ذلك ما لم يتعيّن سبب ظاهر ; فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم ، ولا ترك قبول الشاهد ، ولا الشهادة بالمال لزيد على حال ; فإن الظواهر قد تَعيَّن فيها بحكم الشريعة أمر آخر ; فلا يتركها اعتمادًا على مجرد المكاشفة أو الفراسة ، كما لا يعتمِد فيها على الرؤيا النومية ، ولو جاز ذلك ; لجاز نقض الأحكام بها وإن ترتبت في الظاهر موجباتها ، وهذا غير صحيح بحال فكذا ما نحن فيه"
. [6]
و من هنا يتبين - من خلال ما ذكره الشاطبي أنه لا يجوز العمل بمجرد الرؤيا التي دلت على أن هذا الماء نجس أو مغصوب و هو يريد الوضوء به, فلا يترك الوضوء به و ينتقل إلى التيمم بمجرد هذه الرؤيا التي رآها؛ لأن الشرع لا يجيز له العدول عن الماء إلى التيمم إلا بوجود سبب ظاهر يمنع من استعمال الماء ، لكن - يقول الشاطبي - لو انضم إلى هذه الرؤيا التي رآها سبب ظاهر في الواقع يعتبر كقرينة على أن الماء قد تنجس أو أنه مغصوب فعند ذلك يجوز له العمل بهذه الرؤيا التي وافقها سبب ظاهر و هذا السبب الظاهر الذي يمكن اعتباره كقرينة مثاله كما لو أبصر حول الإناء الذي به الماء كلبًا قريبًا منه؛ فإن هذا مظنة لأن يكون الكلب قد ولغ فيه ، أو كان هذا الإناء الذي به الماء واقعًا ضمن مجموعة من الأشياء يعلم أنها مغصوبة و لا يدري إن كان هذا الماء مغصوبًا أم لا، فهذا سبب و قرينة إذا انضمت إلى الرؤيا قوي العمل بها ، لكن إن كان هناك ماء آخر يعلم طهارته و أنه مباح فاستعمله و توضأ به و ترك الماء الأول الذي دلت الرؤيا على أنه نجس أو مغصوب فلا حرج عليه في هذه الحال أن يعمل بالرؤيا- و لو لم يكن هناك سبب ظاهر-؛ لأنه في هذه الحال عدل عن ماء إلى ماء و هو تركٌ لمباح إلى مباح آخر و انتقالُ من أمر جائز إلى أمر جائز آخر فيجوز له ذلك كما تقدم بيانه من كلام الشاطبي نفسه عند الحديث عن ترك المباح لرؤيا رآها .





-----------------------------------------------------------------------------------------------
[1] انظر (الموافقات) للشاطبي, ج:2 -ص:471.
[2] انظر (الموافقات) للشاطبي, ج:2 -ص:467.
[3] المصدر السابق , ص:471-472.
[4] المصدر السابق, ص:473.
[5] المصدر السابق, ص:469.
[6] انظر (الموافقات) للشاطبي,ج:2 -ص:458 (بتصرفٍ يسير).
__________________
اللهم اجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، و وفقنا للعمل الصالح.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:58 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.