ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 30-06-19, 10:53 PM
وليد بن عبده الوصابي وليد بن عبده الوصابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-14
المشاركات: 118
افتراضي تركوه في شهريه!

تركوه في شهريه!

لمْ تمر على ولادته الثانية إلا شهران فحسب، لم تكدْ روحه تعود إليه، ولما يكتمل أنسه بأهله ومَن إليه، إذا بهم عنه يرحلون، ولوليدهم يفارقون!

تركوه مسرَبلاً بعُبابه *** والحزن ملئ إهابهْ

لمَ لمْ يرحموا ضعفه؟ لمَ لم يرعوا عجفه؟!
يا ويحهم؛ حتى لم ينظروا في معطفه المبلل، أو يرحموا فؤاده المبلبل؟!

عذراً، فالأمر ليس إليهم، والقرار ليس بأيديهم.
بل إنهم غادروه، ودموعهم سحاء، وقلوبهم بالحزن سفحاء، ووجوههم عبس، فيا لها من أيام نحس!

شهران، غدت مخِدّة مُجدّة محدّة، حتى يخيل إليه أنها يومان لا شهران!

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** أنيس ولم يسمر بمكة سامر

إنه التولّه حقاً، والتولّع صدقاً، على صغاره وفراخه الذين "تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً" لفرقاه، وشجناً على إبقاه!

‏‎إذا بِنْتَ لم أحزن لفقد مفارقٍ
سواك، ولم أفرح بقرب مقيمِ

فيا ليتني أفديك من غربة النوى
بكل خليل واصل وحميمِ


أصغرهم الجَفر، أبو المكارم؛ جاءه، وهو لا يعرفه، يراه؛ فيهرول هارباً؛ يظنه أجنبياً عنه، وما هو -والله- بأجنبي، ولكن جنبه الاغتراب!

ولا زال يفتل حبال الوصل، ويُهرئ فُتل الفصل، حتى عاد إلى وكره وعشه!
وايم الله، ما كان يأنس إلا إليه، كتى أنه يرمي بكلكله الصغير عليه! يضاحكه .. يماحكه .. يمازحه .. يمانحه .. يداعبه .. يلاعبه .. يناغيه .. يناجيه ..

يخرج؛ فيتعلق بأهدابه، ويتشبث بأثوابه؛ حتى يأخذه حيث يمّم، إلى البر أو اليم!

وفجْر يوم، وما أدراك ما فجره؛ بينما هو يلاعبه؛ إذ جاءت مطية السفر؛ ركبها مع أمه وإخوته، فلما رأى والده متخلفاً عنهم؛ هوى بيديه الصغيرتين نحوه: باكياً شاكياً حاكياً ناكياً دامياً حامياً!
إنه لا يدرك كنه ذلك، ولا يعلم ما هناك!
فلم يملك والده إلا التلويح إليه بيده، لكنه لا يفهم لغة الإشارة، ولا يعدها كلاماً؛ لأنه نحوي يخالف اللغويين!

ولا زال صارخاً حتى غاب عنه عباب الراحلة، وخدّت بهم السير، وواصلت المسير، ولا يدري ما صنع؟! إلا أنهم أخبروه؛ أنه لا زال يبكي برهة من الزمان، ولم يغب عنه ذاك الإنسان! هكذا أظن، والله أعلم.

كان الصغير يبكي، والكبير يتقطع ويتمزع ويتهلع ويتفجع ويتصدع، ولكن: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على كل حال.


أما تلك الهذيبة: أم المحاسن؛ فلذته، ومن تحبه حباً جمّاً، وتهتمّ لفراقه هماً عمّا!

فكانت قد سكبت دمعها من حين نُمي إلى سمعها سفرهم بدونه!
من الليل وهي تبكي بكاء الثكلى -حماها الله -وبناتكم- من الثكل- والله لقد بكت بكاء خاف عليها من مغبته، وأشفق من معرته؛ لأنه احتبس نفَسها في صدرها، وهي تزيد في الإجهاش، حتى أن رأسها كان يعلو ويهبط دون إرادة منها!

حضنها إلى صدره، وتلا عليها آيات وتعاويذ هي وأخوَيها، حتى سكنت سكون نار تحت رماد، فلا زالت تجيش عند رؤيته وهو يحزم الأمتعة، وتدهش عند زوال الأقنعة!


وذاك الحزوّر أبو النعائم؛ آنس من نفسه جلَداً، ومن أمره رشداً؛ فطوى كشحه يبدي ابتسامة مصطنعة؛ يخفي وراءها قلباً خفّاقاً، ودمعة جامدة في محجره.

كان ينظر إلى شقيقته الباكية؛ بلهف وإشفاق؛ مهدئاً روعها، ومكفكفاً دمعها!

أيا وقفة البين ماذا شببـ *** ـت من النار فى كبد المُغرمِ

رميت جوانحه إذ رميت *** بقوس مشددة الأسهمِ

أما حنّتي (بالحاء المهملة)؛ فماذا يقول عنها، وهي: التقية النقية، الأبية الحبية، السرية الشذية، فقد كانت تخفي فيضاً من الدموع، تغالبها حتى لا تغلبه، وتكاسرها حتى لا تكسره -جبر الله قلبها- (وهو رجل تغلبه النساء، حتى قيل له: نصير المرأة، ويرى أن المرأة تحتاج إلى صبر، واهتمام، وحسن تعامل؛ فذاك -لعمر الله- قرين التكامل، وخدين التماثل)!


أما هو؛ فماذا يقول، وبمَ يصول، والأشرعة مهترئة، والأجنحة منكسرة؟!
يغالب دموعه الغمرة، ويحاول التجلد، ويدعو التبلد؛ ولا مجيب!

وهو يعلم أن وراء انهماره وانهياره؛ فجر أنهار، وفيض بحار!
لهذا السبب فقط؛ حجز محجره، ولبس مغفره، ولم ينظر لما قاله أعشى همدان:
ولئن بكيت من الفراق صبابة *** إن الكبير إذا بكى ليعنّفُ


ولسان حاله وحالها، ما قاله ابن دراج:
ولما تدانت للوداع وقد هفا *** بصبري منها أنة وزفير

تناشدني عهد المودة والهوى *** وفي المهد مبغوم النداء صغير

وطار جناح البين بي وهفت به *** جوانح من ذعر الفراق تطير


آه، لقد مضوا .. نعم، مضوا، وخلّفوه في همّه، مبللاً بغمه، فما ضرهم إذ رحلوا؛ أن يرحلوا بأشجانه وأحزانه؟!

‏ما ضرّ مَن رحلوا لو أنهم أخذوا ***
‏-قبل الرحيل- الأسىٰ والهم والألَما؟

‏لٰكنهم أخذوا أرواحنا، ومضوا ***
‏وخلَّفونا جسوماً تشتكي السقما!


هنا؛ وقف القلم هنا، ولم يحْر جواباً، لقد جف وعف، وضعف وعجف، وأبى السير؛ قائلاً: أقف عند هاته العقبة؛ لكي أخلو ببكائي، فهو عزائي:

فإذا أبصرت آثاراً لهم *** غشيتني زفرة فيها عبرْ

فأبيت الليل منها ساهراً *** بئس زاداً لأخي العيش السهرْ


لكن؛ في الله العزاء، ومنه الكفاء، ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

الناحب: وليد أبو نعيم.
١٤٤٠/١٠/١٧
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-07-19, 05:38 AM
أبو هاجر الغزي السلفي أبو هاجر الغزي السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-11
الدولة: إمام وخطيب
المشاركات: 3,771
افتراضي رد: تركوه في شهريه!

اللهم بارك!
جبر الله مصيبتك،وعفا الله عنك.
__________________
أسند اللالكائي : عن الحسن بن عمرو قال : قال طلحة بن مصرف :
(( لولا أني على وضوء لأخبرتك ببعض ما تقول الشيعة!! )).
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:50 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.