ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 18-10-16, 01:59 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد...
فهذه دروس ميسرة في شرح متن لب الأصول للإمام زكريا الأنصاري رحمه الله كتبتها لمن درس شرح الورقات وأخذ معه جملة من المقدمات في العلوم الشرعية على ما بينته في هذا الرابط:
http://www.feqhweb.com/vb/t22836.html
ثم إني بقيت مدة متحيرا كيف أشرح هذا الكتاب فرأيت أولا أن أسير فيه منهج أهل التدقيق فأخذت أكتب عند قوله المقدمات هل هي بكسر الدال أو بفتحها وهل هي مقدمة علم أو مقدمة كتاب وما الفرق بينهما وما النسبة المنطقية بين الاثنين، ثم شرعت في بيان موضوع علم الأصول فجرني هذا إلى بيان قولهم موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية فأخذت أبين الأعراض الذاتية والأعراض الغريبة وما يرد على هذا القول من إشكال، ثم أردت أن أقارن بين لب الأصول والأصل الذي أخذ منه أعني جمع الجوامع ولماذا عدل صاحب اللب عن عبارة الأصل وغير ذلك فرأيت أن الكلام سيطول جدا وسيعسر على الطالب فاستقر ذهني على أن أخفف المباحث وأقتصر على إفهام الطالب متن اللب فإن لتلك المباحث مرحلة أخرى.
وإني أنصح القارئ أن يقرأ ما كتبته في شرحي على الورقات قبل أو بعد أن يقرأ الدرس وسأقتطع من الشرح مقدار ما يتعلق بالدرس المكتوب فقط.

http://www.feqhweb.com/vb/showthread...ll=1#post77869


الدرس الأول- المقدمات

تعريف أصول الفقه والفقه

أصولُ الفقهِ: أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ، وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها، وحالُ المستفيدِ.
والفقه: علمٌ بحكمٍ شرعِيٍّ عمليٍّ مُكْتَسَبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
" أدلة الفقه الإجمالية " اعلم أن أدلة الفقه نوعان: نوع مفصّل معين وهو المتعلق بمسألة معينة نحو ( وأَقيموا الصلاةَ ) فإنه أمر بالصلاة دون غيرها، ونحو ( ولا تقربوا الزنا ) فإنه نهي عن الزنا دون غيره.
ودليل إجمالي غير معين وهي القواعد الأصولية نحو: ( الأمر للوجوب )، و( النهي للتحريم )، و( القياس حجة معتبرة ).
فالإجمالية: قيد احترزنا به عن أدلة الفقه التفصيلية التي تذكر في كتب الفقه فإنها ليست من أصول الفقه.
والاستدلال بالقواعد الأصولية يكون بجعلها مقدمة كبرى، والدليل التفصيلي مقدمة صغرى فنقول في الاستدلال على وجوب التيمم:
فتيمموا في قوله تعالى فإن لم تجدوا ماء فتيمموا أمرٌ- والأمرُ للوجوب= فتيمموا للوجوب أي أن التيمم واجب وهو المطلوب.
فالعلم بوجوب التيمم الذي هو فقه مستفاد من دليل تفصيلي هو ( فتيمموا ) بواسطة دليل إجمالي هو الأمر للوجوب.
وقولنا: " وطرق استفادةِ جُزئياتِها " أي جزئيات أدلة الفقه الإجمالية، وهي أدلة الفقه المفصلة؛ فإن قاعدة الأمر للوجوب مثلا دليل إجمالي له جزئيات كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فيبحث علم الأصول عن الأدلة الإجمالية، وعن طرق استفادة المسائل الفقهية من الأدلة التفصيلية وذلك بمبحث التعارض والترجيح حيث يبين فيه كيفية رفع التعارض الظاهري بين الأدلة التفصيلية، فالمقصود بالطرق هي المرجحات الآتي بيانها إن شاء الله كقاعدة تقديم الخاص على العام التي يرفع بها التعارض بين العام والخاص.
وقولنا: " وحال المستفيد " أي وصفات المستفيد للأحكام من أدلة الفقه التفصيلية وهو المجتهد فيبين في الأصول ما يشترط في الشخص كي يكون مجتهدا ككونه عالما بالكتاب والسنة ولغة العرب وأصول الفقه.
والخلاصة هي أن علم أصول الفقه يبين فيه ما يلي:
1- القواعد العامة لاستنباط الفقه كقواعد الأمر والنهي.
2- القواعد التي ترفع التعارض بين النصوص.
3- صفات المجتهد أي الشروط اللازمة للاجتهاد.
فهذه الثلاثة مجتمعة هي أصول الفقه.
وأما الفقه فهو: علمٌ بحكمٍ شرعِيٍّ عمليٍّ مُكْتَسَبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
مثل: النية في الوضوء واجبةٌ، فمن صدّق وحكم بهذه النسبة أي ثبوت الوجوب للنية في الوضوء مستنبطا هذا الحكم من النصوص الشرعية كقوله عليه الصلاة والسلام: ( إنما الأعمال بالنيات ) رواه البخاري ومسلم فقد فقه تلك المسألة.
فقولنا: " علم " أي تصديق.
وقولنا: " حكم شرعي " احترزنا به عن غير الحكم الشرعي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن النار محرقة، وأن الفاعل مرفوع، فالعلم بها لا يسمى فقها.
وقولنا: " عملي " كالعلم بوجوب النية في الوضوء، وندب الوتر، احترزنا به عن الحكم الشرعي غير المتعلق بعمل كالإيمان بالله ورسوله فليس من الفقه إصطلاحا.
وقولنا " مُكتسَبٌ " بالرفع صفة للعلم وهو العلم النظري، احترزنا به عن العلم غير المكتسب كعلم الله سبحانه وتعالى بالأحكام الشرعية العملية فإنه لا يسمى فقها لأن علم الله أزلي وليس بنظري مكتسب.
وقولنا: " من دليلٍ تفصيليٍّ " احترزنا به عن علم المقلد، فإن علمه بوجوب النية في الوضوء مثلا لا يسمى فقها لأنه أخذه عن تقليد لإمام لا عن دليل تفصيلي.

( شرح النص )

قال الإمام أَبو يحيى زكريا بنُ محمدِ بنِ أحمدَ الأنصاريُّ الشافعيُّ رحمه الله تعالى ( ت 926 هـ ):

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

الحمدُ للهِ الذي وَفَّقَنا للوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ، وَيسَّرَ لنا سُلوكَ مناهِجَ بقوَّةٍ أَودَعَها في العقولِ، والصلاةُ السلامُ على محمَّدٍ وآلهِ وصحبهِ الفائزينَ مِنَ اللهِ بالقَبولِ .
وبعدُ فهذا مُختصرٌ في الأَصلينِ وما معَهُما اختصرتُ فيهِ جمعَ الجوامعِ للعلَّامةِ التَّاجِ السُّبْكِيِّ رحِمَهُ اللهُ، وأَبدلْتُ مِنْهُ غيرَ المعتمدِ والواضحِ بهما معَ زياداتٍ حَسَنَةٍ، ونبَّهْتُ على خلافِ المعتزلةِ بعندِنا، وغيرِهمْ بالأصحِّ غالبًا.
وسمَّيْتُهُ لُبَّ الأصولِ راجيًا مِنَ اللهِ القَبولِ، وأَسألُهُ النَّفعَ بهِ فإنَّهُ خيرُ مأمولٍ.
وينحصرُ مقْصُودُهُ في مقدِّمَاتٍ وسبعِ كُتُبٍ.
......................... ......................... ......................... ......................... ...................
( بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ) الباء في البسملة للمصاحبة لقصد التبرك أي أؤلف مع اسم الله الرحمن الرحيم متبركا باسمه العظيم، والله: علم على المعبود بحق، والرحمن والرحيم صفتان مشبهتان من رحم، والرحمن أبلغ من الرحيم لأنه يزيد عليه بحرف وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولذلك قالوا: الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وأما الرحيم فهو خاص بالمؤمنين يوم القيامة.
( الحمدُ للهِ ) الحمد هو: وصف المحمود بالكمال حبا له وتعظيما ( الذي وَفَّقَنا ) التوفيق هو: جعل الله فعلَ عبده موافقا لما يحبه ويرضاه ( للوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ ) أي أصول الفقه، وفي هذا التعبير براعة استهلال وهو أن يستفتح المتكلم كلامه بألفاظ تدل على مقصوده وهنا ذكر المصنف كلمة الأصول ليشير إلى أن كتابه هذا في علم الأصول.
( وَيسَّرَ ) أي سهّل ( لنا سُلوكَ ) أي دخول ( مناهجَ ) جمع منْهَج و هو: الطريق الواضح، أي سهل الله لنا سلوك طرق واضحة في العلوم ( بـ ) سبب ( قوَّةٍ ) للفهم ( أَودَعها ) اللهُ سبحانه وتعالى ( في العقولِ ) يخص بها من شاء من عباده.
( والصلاةُ السلامُ على محمَّدٍ ) الصلاة من الله هو ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، ومن الملائكة والخلق هو طلب ذلك الثناء من الله تعالى، والسلام أي التسليم من كل النقائص، ومحمد اسم نبينا عليه الصلاة والسلام سمّي به بإلهام من الله تعالى لأنه يكثر حمد الخلق له لكثرة صفاته الجميلة ( وآلهِ ) هم مؤمنو بني هاشِم وبني المطَّلِب ( وصحبهِ ) أي أصحابه والصحابي من اجتمع مؤمنا بنبينا صلى الله عليه وسلم ( الفائزينَ ) أي الظافرينَ ( مِنَ اللهِ بالقَبولِ ) والرضا.
( وبعدُ ) أي بعد ما تقدم من البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر ( فهذا ) المُؤَلَّفُ ( مُختصرٌ ) وهو ما قل لفظه وكثر معناه ( في الأَصلينِ ) أي أصول الفقه وأصول الدين ( وما معَهُما ) أي مع الأصلين من المقدمات والخاتمة التي ذكر فيها نبذة في السلوك والتصوّف ( اختصرتُ فيهِ ) أي في هذا المختصر ( جمعَ الجوامعِ للعلَّامةِ ) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي الملقّب بـ ( التَّاجِ ) أي تاج الدين ( السُّبْكِيِّ ) نسبة إلى سُبْكٍ وهي قرية من قرى محافظة المنوفية بمصر المتوفي عام 771 هـ ( رحِمَهُ اللهُ ) وغفر له ( وأَبدلْتُ ) معطوف على اختصرتُ ( مِنْهُ ) أي من جمع الجوامع ( غيرَ المعتمدِ ) من المسائل ( و ) غير ( الواضحِ ) من الألفاظ ( بهما ) أي بالمعتمد والواضح ( معَ زياداتٍ حسنةٍ ) أضافها على جمع الجوامع.
( ونبَّهْتُ على خلافِ المعتزلةِ بـ ) قوله ( عندِنا ) أي عند الأشاعرة فحيث قال: عندنا فيعرف أن المعتزلة- ولو مع غيرهم- قد خالفوا الأشاعرة في هذه المسألة.
( و ) نبهَّتُ على خلاف ( غيرِهمْ ) أي غير المعتزلة كالحنفية والمالكية وبعض أصحابنا الشافعية ( بالأصحِّ ) فحيث قال: الأصح كذا فيعرف وجود خلاف في المسألة لغير المعتزلة ( غالبًا ) أي هذا بحسب غالب استعماله للتعبير بعندنا وبالأصح وقد ينبه على الخلاف بقوله: والمختار كذا.
( وسمَّيْتُهُ ) أي هذا المختصر ( لُبَّ الأصولِ ) واللب خالص كل شيء فمن أراد لبَّ هذا العلم فعليه بهذا الكتاب ( راجيًا ) أي مؤملا ( مِنَ اللهِ القَبولِ ) أي أن يتقبله عنده ولا يرده على صاحبه ( وأَسألُهُ النَّفعَ بهِ ) أي بلب الأصول لمؤلفه وقارئه ومستمعه وسائر المؤمنين ( فإنَّهُ خيرُ مأمولٍ ) أي مرجو.
( وينحصرُ مقْصُودُهُ ) أي مقصود لب الأصول ( في مقدِّمَاتٍ ) أي أمور متقدمة على الكتب السبعة تعرض فيها لتعريف علم الأصول وبيان الحكم الشرعي وأقسامه وغير ذلك ( وسبعِ كُتُبٍ ) الكتاب الأول في القرآن، والثاني في السنة، والثالث في الإجماع، والرابع في القياس، والخامس في الاستدلال بغير ذلك من الأدلة كالاستصحاب وبيان الأدلة المختلف فيها، والسادس في التعارض والترجيح، والسابع في الاجتهاد وما يتبعه من التقليد وأدب الفتيا، وما ضم إليه من مسائل علم الكلام وخاتمة التصوف، فهذا هو محتوى هذا الكتاب.

الُمقَدِّمَات

أصولُ الفقهِ: أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ، وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها، وحالُ مُسْتَفِيدِها. وقِيلَ مَعْرِفَتُها.
والفِقْهُ: علمٌ بحكمٍ شرعيٍ عمليٍ مكتسبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
......................... ......................... ......................... ......................... ...................
هذا مبحث ( المقدِّمات ) وهي أمور متقدِّمة على المقصود ينتفع بها الطالب قبل أن يدخل في مباحث العلم، ابتدأها بتعريف العلم كي يتصوره الطالب تصورا إجماليا قبل أن يدخل فيه فقال: ( أصولُ الفقهِ ) أي هذا الفن المسمى بهذا الاسم هو ( أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ ) أي غير المعينة كالأمر للوجوب والنهي للتحريم ( وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها ) أي جزئيات أدلة الفقه الإجمالية التي هي أدلة الفقه التفصيلية كأقيموا الصلاة، والمراد بالطرق المرجحات عند التعارض الآتي بيانها في الكتاب السادس ( وحالُ مُسْتَفِيدِها ) أي صفات مستفيد جزئيات أدلة الفقه الإجمالية وهو المجتهد.
( وقِيلَ ) إن أصول الفقه ( مَعْرِفَتُها ) أي معرفة أدلة الفقه الإحمالية وطرق استفادةِ جزئياتها وحال مستفيدها، فبعض العلماء اختار في تعريف أصول الفقه التعبير بأدلة الفقه الإجمالية.. وبعضهم اختار التعبير بمعرفة أدلة الفقه الإجمالية... أي إدراك تلك الأدلة، والفرق بين التعريفين هو أنه على التعريف الأول يكون أصول الفقه نفس الأدلة، عُرفت أم لم تعرف، وعلى التعريف الثاني يكون أصول الفقه المعرفة القائمة بعقل الأصولي، والمصنف أشار بقيل إلى أن التعريف الأول أولى، لأنه أقرب إلى المدلول اللغوي فإن الأصول في اللغة جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره كالدليل فإنه أصل للحكم، والأمر في ذلك هين فإن العلوم المدونة تارة تطلق ويراد بها القواعد وتارة تطلق ويراد بها معرفة تلك القواعد، كالنحو فتارة يراد به الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب ونحو ذلك وتارة يراد به معرفة تلك القواعد.
( والفِقْهُ: علمٌ ) أي تصديق ( بحكمٍ شرعيٍ ) أي مأخوذ من الشرع المبعوث به النبي صلى الله عليه وسلم ( عمليٍ ) قيد لإخراج الأحكام الشرعية الاعتقادية كالإيمان بالله واليوم الآخر ( مكتسبٌ ) هو بالرفع صفة للعلم لإخراج العلم غير المكتسب كعلم الله الأزلي ( من دليلٍ تفصيليٍّ ) للحكم قيد لإخراج علم المقلِّد.




الموضوع الأصلي: http://www.feqhweb.com/vb/t22873.html#ixzz4NR72uaYW
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18-10-16, 02:00 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثاني- تابع المقدمات

تعريف الحكم الشرعي

الحكمُ الشرعيُّ: خطابُ اللهِ المتَعَلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ اقتضاءً أو تخييرًا أو بأعمَّ منه وضعًا.
فقولنا: " خطابُ اللهِ " هو كلامه سبحانه وتعالى.
وقولنا: " المتَعَلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ " أي المرتبط بفعل البالغ العاقل على وجه البيان لحاله هل يطلب فعله أو يطلب تركه أو يخير فيه، فلا يكلف صبي أومجنون.
وقولنا: " اقتضاءً " أي طلبا للفعل وجوبا أو ندبا، أو طلبا للترك حرمة أو كراهة.
وقولنا: " أو تخييرًا " أي بين الفعل والترك وهو الإباحة.
مثال ذلك: قوله تعالى: ( وأقيموا الصلاةَ ) فهو خطاب من الله تعالى متعلق بفعل المكلف إيجابا للصلاة عليه.
مثال آخر: قوله تعالى: ( وكلوا واشربوا ) فهو خطاب من الله تعالى متعلق بفعل المكلف إباحًة له للأكل والشرب.
وقولنا: " أو بأعمَّ منه " أي بأعم من أن يكون متعلقا بفعل المكلف أو بغير فعله.
وقولنا: " وضعًا " أي جعلا لشيء علامة على الحكم التكليفي.
مثال ذلك: قوله تعالى: ( أقم الصلاةَ لدلوكِ الشمسِ ) فهو خطاب من الله تعالى متعلق بغير فعل المكلف وهو زوال الشمس عن وسط السماء عند الظهيرة من حيث جعله علامة على حكم شرعي وهو وجوب صلاة الظهر.
فالحكم الشرعي له قسمان:
أولا: الحكم التكليفي وهو : خطابُ الله المتعلقُ بفعلِ المكلَّفِ اقتضاءً أو تخييرًا.
وله خمسة أنواع: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
ثانيا: الحكم الوضعي وهو : خطابُ الله الوارد بجعل شيء سببا أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا.
وله خمسة أنواع: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح، والفاسد.
ويدخل في خطاب الله السنة النبوية لأن السنة مبينة للقرآن ومفصلة له، وكذا سائر الأدلة كالإجماع والقياس لأنها تكشف عن خطاب الله وليست منشئة للحكم قال تعالى: ( إن الحكم إلا لله ).

الكلام النفسي واللفظي

ذهب المتكلمون من الأشاعرة إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يتكلم بكلام لفظي صوتي مسموع بل هو متكلم بكلام نفسي توضيحه:
إن كل متكلم يرتّب الكلام في نفسه قبل أن ينطق به، فذلك الكلام اللفظي المسموع يكشف عن وجود مثله في النفس فالذي في النفس كلام نفسي والذي في الخارج كلام لفظي.
مثال: إذا أراد شخص أن يطلب ماء من شخص آخر فقبل أن يحرك لسانه قد قام بنفسه هذا المعنى فذلك المعنى النفسي الذي لا تختلف به اللغات هو الكلام النفسي.
والله سبحانه تكلم بالقرآن والإنجيل والتوراة والزبور وصحف إبراهيم وموسى بكلام نفسي معنوي لا لفظي مسموع فكل تلك الألفاظ التي تتلى معانيها قائمة بنفسه سبحانه منذ الأزل قبل أن يخلق الخلق ويبعث الرسل.
فخطاب الله المتعلق بفعل المكلفين هو كلامه النفسي الأزلي، والقرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المعتبرة تكشف عن ذلك الخطاب الأزلي وتدل عليه لا أنها نفسه.
فإن قيل فعلى هذا منذ الأزل قد قام في نفسه سبحانه معنى وأقيموا الصلاة ولا تقربوا الزنا أي خاطب الخلق ولا مخاطَب حينئذ فكيف يتم هذا؟
قالوا: إن هذه الخطابات وغيرها متعلقة بالمكلف على نحوين:
الأول: قبل وجوده ويسمى هذا بالتعلق الصلوحي بمعنى أن المخاطب إن وجد مستجمعا لشروط التكليف تعلق الخطاب به.
الثاني: بعد وجوده ويسمى هذا بالتعلق التنجيزي، فالتعلق الأول قديم أزلي، والثاني حادث.
هذا تقرير مذهبهم.
وذهب المتكلمون من المعتزلة إلى نفي هذا الكلام النفسي وأنه سبحانه متكلم بمعنى أنه خلق هذه الأصوات في محل فهو سبحانه خلق صوتا سمعه جبريل وموسى عليهما السلام فبلغوه.
وذهب أهل الحديث والسنة إلى أن الله متكلم بكلام لفظي مسموع وأن جبريل عليه السلام سمع كلام الله من الله فنزل به مبلغا رسله، قال تعالى: ( نزّله روحُ القدسِ من ربِّكَ ).
وهذا هو الحق الذي تشهد به الأدلة وتفصيل ذلك في كتب العقائد.

( شرح النص )

والحكمُ خطابُ اللهِ المتعلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ اقتضاءً أو تخييرًا أو بأعمَّ وضعًا، وهو الواردُ سببًا و شرطًا ومانعًا وصحيحًا وفاسدًا.
......................... ......................... ......................... ......................... ...................
لما ذكر أن الفقه علم بحكم شرعي أراد أن يبين المقصود منه فقال: ( والحكمُ خطابُ اللهِ ) أي كلامه المباشر وهو القرآن أو ما يرجع إليه كالسنة والإجماع وسائر الأدلة المعتبرة ( المتعلِّقُ بفعل المكلف ) أي المبين لحال فعل المكلف من حيث كونه مطلوب الفعل أو الترك أو مخييرًا فيه، وخرج بقوله المتعلق بفعل المكلف نحو قوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم فإنه خطاب الله تعالى لكن لم يتعلق بفعل المكلف ( اقتضاءً ) أي طلبا للفعل إيجابا وندبا أو طلبا للترك تحريما أو كراهة ( أو تخييرًا ) بين الفعل والترك وهي الإباحة، وخرج بقوله اقتضاءً أو تخييرًا نحو قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون فإنه وإن كان خطاب الله المتعلق بأعمال المكلفين إلا أنه ليس بالاقتضاء أو التخير فإنه لم يفهم منه طلب أو تخيير ( أو ) لم يتعلق بفعل المكلف بل ( بأعمَّ ) من فعل المكلف فقد يتعلق الخطاب الوضعي بفعله كقوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، فإن السرقة فعل المكلف، وقد لا يتعلق بفعله كقوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس، فإن دلوك الشمس أي زوالها عن وسط السماء ليس فعلًا للمكلف ( وضعًا ) أي جعلا للشيء سببا أو شرطا أو مانعا أو عده صحيحا أو فاسدًا ولذا قال ( وهو ) أي الوضع الخطاب ( الواردُ ) بكون الشيء ( سببًا و شرطًا ومانعًا وصحيحًا وفاسدًا ) وسيأتي بيانها إن شاء الله.

الموضوع الأصلي: http://www.feqhweb.com/vb/t22873.html#ixzz4NR794p6p
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-10-16, 07:16 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثالث- تابع المقدمات

التحسين والتقبيح

لا حكم إلا لله.
إذا ثبتَ أن الحكم هو خطاب الله فالحكم لله وحده، وحيث لا حكم لله فلا حكم لغيره وهو الحاكم سبحانه دون ما سواه وهذا محل اتفاق بين المسلمين.
ولكن حصل خلاف بين المسلمين فيما يلي:
هل العقل يمكن أن يدرك حكم الله؟ بمعنى أنه قبل ورود الشريعة ومجيء الرسل هل يمكن للعقل أن يكتشف حكمه سبحانه بناء على ما في الأفعال من مصالح ومفاسد فمثلا كان هنالك خلق يشركون بالله ويسرقون ويكذبون فهل العقل يمكن أن يدرك أن الله ينهى عن الشرك به والسرقة والكذب والظلم ونحوها لأنها قبيحة، وأنه يأمر بالتوحيد والعدل والصدق ونحوها لأنها حسنة، أو أن العقل لا دور له في إدراك هذه الأمور لأنها موقوفة على بيان الشرع ؟
1- قال المعتزلة: إن العقل يمكن له أن يدرك حكم الله فيمكن أن يعرف أنه هذا الفعل واجب عند الله وأن هذا الفعل محرم عند الله ويترتب عليه أنه من فعل الشرك مثلا استحق الذم في الدنيا عند الله والعقاب في الآخرة، ومن فعل التوحيد استحق المدح في الدنيا عند الله والثواب في الآخرة.
2- وقال الأشعرية وأكثر الحنابلة: إن العقل لا يدرك حكم الله قبل مجيء الرسول ولا تعرف الواجبات ولا المحرمات إلا بواسطة الرسل فمن فعل الشرك لم يستحق الذم في الدنيا عند الله ولا العقاب في الآخرة، ومن فعل التوحيد لم يستحق المدح في الدنيا عند الله ولا الثواب في الآخرة لإنه لم يأته رسول.
معاني الحسن والقبح

1- يطلق الحسن ويراد به موافقة الطبع الإنساني، ويراد بالقبح منافرته، كالحلو فهو موافق للطبع، والمر فهو منافر للطبع، وكالفرح والحزن فالأول موافق للطباع والثاني منافر لها، فكل ما كان محبوبا للنفوس فهو موافق للطبع وما كان مبغوضا لها فهو منافر للطبع، فهذا المعنى من الحسن والقبح عقلي أي يدركه العقل لوحده من غير توقف على شريعة ورسول.
2- يطلق الحسن ويراد به صفة الكمال، ويراد بالقبح صفة النقص، كالعلم فهو صفة كمال، وكالجهل فهو صفة نقص، وكالقدرة والحلم والكرم والشجاعة فهي صفات كمال، وكالعجز والطيش والبخل والجبن فهي صفات نقص، وهذا المعنى عقلي أيضا يدركة العقل مستقلا عن الشريعة.
3- يطلق الحسن ويراد به ما استحق فاعله عند الله المدح في الدنيا والثواب في الآخرة، والقبح ما استحق فاعله عند الله الذم في الدنيا، والعقاب في الآخرة، وهذا هو محل الخلاف فذهب الأشاعرة وغيرهم إلى أنه شرعي لأنه أمر غيبي يتوقف على إخبار الرسول، وذهب المعتزلة وغيرهم إلى أنه عقلي يدرك بالعقل.

شكر المنعم

شكر المنعم سبحانه وتعالى بمعنى ثناء العبد على ربه على نعمه بلسانه، واعترافه بقلبه بنعمته وفضله عليه، وصرف جوارحه في القيام بما يحبه خالقه.
ذهب المعتزلة إلى أن هذا الأمر واجب عقلي لأنه مبني على المسألة الأولى فإنه إذا ثبت أن شكر المنعم حسن فيجب على العبد أن يأتي به وإلا عرّض نفسه للذم والعقاب.
وذهب الأشاعرة وغيرهم إلى أنه واجب شرعي لأنه مبني على المسألة الأولى فإن الواجب هو ما استحق فاعله المدح والثواب إن فعل والذم والعقاب إن لم يفعل، وكون الفعل يترتب عليه هذا هو أمر شرعي، فلا يجب على العباد شيئا من شكر أو غيره ولا يحرم عليهم شيء من شرك أو غيره إلا بعد مجيء الرسول، فحيث لا رسول لا واجب ولا محرم.
( شرح النص )

فلا يُدْرَكُ حكمٌ إلا مِنَ اللهِ، وعندنا أَنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ بمعنى ترتّبِ الذمِّ حالا والعقابِ مآلًا شرعيّانِ، وأنَّ شُكرَ المنعِمِ واجبٌ بالشرعِ لا العقلِ، وأَنَّه لا حكمَ قبلَهُ بل الأمر موقوفٌ إلى ورودهِ.
......................... ......................... ......................... ......................... ...................
إذا ثبت أن الحكم خطاب الله وحده ( فلا يُدركُ حكمٌ إلا من اللهِ ) وحيث لا خطاب لله فلا يدرك حكمه سبحانه ( وعندنا ) أي عند الأشاعرة ( أَنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ ) لشيء ( بمعنى ترتّبِ ) أي استحقاق المدح و ( الذمِّ حالا ) أي في الحياة الدنيا ( والعقابِ مآلًا ) في الآخرة وذلك كحسن الطاعة وقبح المعصية، ثم إن كان المقصود بالمدح والذم هو مدح العقلاء وذمهم لمن اتصف بالكمال والنقص فهذا لا ريب أن عقلي يدرك بالعقل والفطرة، وإن كان المقصود بهما هو المدح والذم عند الله فهذا أمر غيب ( شرعيّانِ ) أي الحسن والقبح بهذا المعنى شرعيان أي لا يحكم بهما إلا الشرع المبعوث به الرسل فلا يؤخذ إلا من الشرع ولا يعرف إلا من الشرع، أما عند المعتزلة فعقليان أي يحكم بهما العقل بمعنى أنه طريق إلى العلم بهما يمكن إدراكه من غير ورود سمع لما في الفعل من مصلحة أو مفسدة يتبعه حسنه أو قبحه عند الله ( و ) عندنا ( أنَّ شكرَ المنعمِ ) وهو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق له فيستعمل سمعه ونظره وسائر حواسه فيما يحبه ويرضاه سبحانه ( واجبٌ بالشرعِ لا العقل ) وهذه المسألة فرع من ذلك الأصل وهو أن الحسن والقبح شرعيان ولا حكم قبل الشرع وعليه فمن لم تبلغه دعوة نبي لا يأثم بتركه خلافا للمعنزلة ( و ) عندنا ( أَنَّه لا حكمَ ) يخاطب به الخلق ( قبلَهُ ) أي قبل الشرع ببعثة أحد من الرسل عليهم السلام ( بل الأمرُ ) أي الشأن في ثبوت الحكم أنه ( موقوفٌ إلى ورودهِ ) أي ورود الشرع فحيث لا شرع لا حكم يعلم، وعند المعتزلة أن الأمر غير موقوف على وروده لأن العقل يستكشف حكم الله بما اشتمل عليه الفعل من مصلحة أو مفسدة.
تنبيه: المختار أن فعل المشرك يوصف بأنه سَيِّءٌ وشر وقبيح قبل مجيء الرسول لكن العقوبة إنما تُستحق بمجيء الرسول، وأن من الأفعال ما ظهر حسنه فأمر الله به، ومنها ما ظهر قبحه فنهى الله عنه لما فيه من القبح قال تعالى: ( إِنَّ الله يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) وعلى هذا عامة السلف.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-10-16, 07:16 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الرابع- تابع المقدمات

الحكم التكليفي

المكلّفُ هو: العاقلُ البالِغُ غيرُ الغافِلِ والمُلجَأِ.
فاحترزنا بالعاقل عن المجنون.
وبالبالغ عن الصبي.
وبغير الغافل عن الغافل وهو : مَن لا يدري كالنائم والساهي.
وبغير الملجأ عن الملجأ وهو : من يدري ولا مندوحة له عما ألجئ إليه، أي لا سعة ولا فسحة له.
كمن أخذ وألقي من مكان عال على شخص سيقتل بوقوعه عليه، فهو يدري أنه سيقتل غيره ولكن لا مندوحة له فيكون غير مكلف لأنه لا إرادة له.
وخرج بالملجأ المكره وهو : من يدري وله مندوحة بالصبر عما أكره عليه، كمن وضع سلاح خلف رأسه وأعطي سلاحا ليقتل غيره فإما أن يَقتل أو يُقتل، فهذا له إرادة وليس أمامه إلا الصبر، فهو مكلف؛ لأن الإكراه قد سلب رضاه لا اختياره.
والأحكام التكليفية ستة: الإيجاب والندب والتحريم والكراهة وخلاف الأولى والإباحة.
1- فالإيجاب هو: خطاب الله المقتضي طلب الفعل طلبا جازما، نحو قوله تعالى: وأقيموا الصلاة.
2- والندب هو: خطاب الله المقتضي طلب الفعل طلبا غير جازم، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة. رواه البخاري ومسلم.
3- والتحريم هو: خطاب الله المقتضي طلب الترك طلبا جازما، كقوله تعالى ولا تقربوا الزنا.
4- والكراهة هو: خطاب الله المقتضي طلب الترك طلبا غير جازم بنهي مقصود، كقوله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلسْ حتى يصلي ركعتين. رواه الشيخان.
5- وخلاف الأولى هو: خطاب الله المقتضي طلب الترك طلبا غير جازم بنهي غير مقصود.
أي لم يأت نهي مخصوص عن الفعل وإنما يستفاد النهي من ترك الأوامر التي للندب.
نحو قوله عليه الصلاة والسلام: صلوا قبل المغرب، رواه البخاري.
فهو يفيد أن ترك الصلاة قبل المغرب خلاف الأولى، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فالأمر بالشيء الواجب نهي عن ضده المحرم، والأمر بالشيء المندوب نهي عن ضده الذي هو خلاف الأولى.
ولو جاء نهي مخصوص غير جازم عن ترك الصلاة قبل المغرب لكره تركها.
فاتضح أنه إذا ورد نهي مخصوص عن شيء نهيا غير جازم فهو مكروه، وإذا لم يرد نهي مخصوص ولكن ورد دليل ندب يحث على فعل الشيء فحينئذ يكون تركُه تركًا للأولى.
6- والإباحة هي: خطاب الله المقتضي التخيير بين الفعل والترك، كقوله تعالى: ( وكلوا واشربوا ).

( مسائل )

الأولى: الخطاب يتناول المعدوم، بمعنى أنه إن وجد مستجمعا لشروط التكليف تناوله الخطاب.
فقوله تعالى: ( وأقيموا الصلاة ) يتناول من توجّه لهم الخطاب وهم الصحابة رضي الله عنهم وكل من جاء بعدهم، وكذا خطابات النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فكل تكليف وخطاب توجه للجيل الأول فهو يتناول بمقتضى اللفظ كل من جاء بعدهم.
قال تعالى: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَظ°ذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) أي ومن بلغه القرآن في الأزمنة التالية.
وهذا شائع حتى في العرف فقد يكتب الأب وهو على فراش الموت خطابا لابنه الذي لم يولد يوجهه ويرشده.
الثانية: الواجب والفرض مترادفان أي أنهما لفظان يطلقان على معنى واحد.
وقال الحنفية بالفرق بينهما وهو :
الفرض: ما ثبت بدليل قطعي، كالقرآن والسنة المتواترة، مثل قراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله تعالى: ( فاقرؤا ما تيسّر من القرآن )، وجاحد الفرض كافر مرتد.
والواجب: ما ثبت بدليل ظني، كخبر الواحد والقياس، مثل قراءة الفاتحة في الصلاة الثابتة بحديث الصحيحين: ( لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب )، وجاحد الواجب فاسق.
والخلاف لفظي أي عائد إلى اللفظ والتسمية لأن حاصله أن ما ثبت بدليل قطعي هل يسمى واجبا كما يسمى فرضا، وأن ما ثبت بدليل ظني هل يسمى فرضا كما يسمى واجبا؟ فعند الحنفية لا وعند الجمهور نعم.
الثالثة: المندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفات.
وقال القاضي حسين من الشافعية وغيره إنها ليست مترادفة بل الفعل إن واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو السنة، وإلا كأن فعله مرة أو مرتين فهو المستحب، أو لم يفعله وهو ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد فهو التطوع.
والخلاف لفظي أيضًا لأن حاصله أن ما سمي بأحد هذه الأسماء هل يسمى بالآخر أو لا فما سمي بالسنة هل يسمى بالمستحب والتطوع أيضا ؟ قال الجمهور نعم وقال القاضي وغيره لا.
الرابعة: لا يجب المندوب بالشروع فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: الصائمُ المتطوّعُ أميرُ نفسِهِ إنْ شاءَ صامَ وإنْ شاءَ أفطرَ. رواه أحمد الترمذي وهو صحيح.
مثال: من شرع في صلاة نافلة ثم عنّ له أن يقطعها فله ذلك ولا يلزمه القضاء.
مثال: من صام يوما تطوعا لله ثم رأى أن يفطر فله ذلك بلا أثم ولا يلزمه قضاء يوم آخر.
فإن قيل فالحج المندوب يجب إتمامه بالشروع فيه ؟
قلنا: إن الحج مستثنى لأن ندبه كفرضه في النية وغيرها من الأحكام بخلاف الصلاة والصوم ونحوهما، فالفرق هو:
1- نية النفل في الحج المندوب كنية الحج الواجب فينوي فيهما نية الدخول في الحج، بخلاف الصلاة والصوم فنية الفرض فيهما تختلف عن نية النفل، فالصلاة المفروضة كالظهر والعصر ينويهما إن أراد الفرض وينوي النفل كسنة راتبة أو الوتر إن أراد النفل.
2- الكفارة على من فسد حجه بالوطء لا فرق بين حج مفروض أو متطوع فيه، بخلاف الصوم مثلا فإن من وطئ زوجته في رمضان فسد صيامه ولزمته الكفارة، ومن وطئها في صوم متطوع فيه فسد صيامه ولم تلزمه الكفارة.
3- من فسد حجه وجب عليه إتمامه كمن وطئ زوجته في الحج فسد حجه ووجب عليه إتمامه إلى النهاية فلا يخرج منه لا فرق بين فرضه وندبه، وليس كذلك الصلاة والصوم فمتى فسدا خرج منهما وبطلت صلاته وصيامه.

( شرح النص )

والأَصحُّ امتِناعُ تكليفِ الغافِلِ والمُلْجَأِ لا المُكْرَهِ، ويتَعلَّقُ الخِطابُ عِندنا بالمعدومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا، فإِنْ اقتضى فِعلًا غيرَ كفٍّ اقتِضاءً جازِمًا فإِيجابٌ، أَوْ غيرَ جازمٍ فندبٌ، أَو كَفًّا جازِمًا فتحريمٌ، أو غيرَ جازِمٍ بنهيٍ مقصودٍ فكراهةٌ، أَو بغيرِ مقصودٍ فخِلافُ الأولى، أَوْ خَيَّرَ فإباحةٌ، وعرفتَ حُدُودَها، والأَصحُّ ترادُفُ الفرضِ والواجِبِ كالمندوبِ والمستَحَبِّ والتَّطَوُّعِ والسُّنَّةِ، والخُلْفُ لفظِيٌّ، وأَنَّهُ لا يجبُ إتمَامُهُ، وَوَجَبَ في النُّسُكِ لأَنَّهُ كَفَرْضِهِ نِيَّةً وغيرَها.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
استفتح المصنف المقدمات بعد تعريف الأصول والفقه بتعريف الحكم بقوله فيما سبق: والحكم خطابُ الله.. والكلام على الحكم يجر إلى بيان: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه، فالحاكم هو الله سبحانه وتعالى وقد ذكره بقوله: فلا يدرك حكم إلا من الله وما تبع ذلك من بيان أن العقل ليس بحاكم وأنه لا طريق لمعرفة الحكم بغير الشرع وهو ما يعرف بمسألة التحسين والتقبيح، والمحكوم عليه هو المكلف وقد ذكره هنا بقوله: والأصحُّ امتناع تكليف الغافل.. ،والمحكوم فيه هو العمل المكلف به العبد سيأتي الكلام عليه ( والأَصحُّ امتِناعُ تكليفِ الغافِلِ ) أي يمتنع ويستحيل عقلا أن يخاطب الغافل الذي لا يدري فكيف يقال للنائم مثلا صل وصم، فإن شرط الخطاب هو الفهم والغافل حال غفلته لا يدري ولا يفهم ( والمُلْجَأِ ) وهو المكره على فعل لا مندوحة له عما ألجئ إليه كالملقى من شاهق على شخص يقتله، وهو غير مكلف لأنه مسلوب الإرادة فهو كالسكين في يد القاطع ( لا المُكْرَهِ ) وهو من أكره على فعل من غير إلجاء بحيث يسعه الصبر، وهو مكلف لأن الإكراه سلب رضاه لا إرادته، ثم إن قوله: والأصح يشير إلى وجود خلاف في المسألة، فبعض العلماء ذهب إلى أنه لا يستحيل عقلا تكليف الغافل والملجأ ولكنهم اتفقوا على أنه غير واقع في الشريعة فالأمر لا يعدو عن كونه تدقيقا عقليا ( ويتَعلَّقُ الخِطابُ عِندنا بالمعدومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا ) أي إذا قلنا إن الخطاب هو الكلام النفسي الأزلي فحينئذ كيف يتعلق نحو وأقيموا الصلاة بالمكلف وهو غير مخلوق أصلا ؟ أجيب بأن التعلق نوعان: تعلق صلوحي معنوي بمعنى أنه إن وجد المكلف مستجمعا للشرائط صلح أن يتعلق الخطاب به، وهذا واقع منذ الأزل، وتعلق تنجيزي حال وجود المكلف والخطاب الأزلي غير متعلق به ( فإِنْ اقتضى ) ذلك الخطاب الأزلي الذي هو الكلام النفسي ( فِعلًا غيرَ كفٍّ اقتِضاءً جازِمًا ) بأن لم يجز تركه ( فإِيجابٌ ) نحو وأقيموا الصلاة، وقوله غير كفّ هذا قيد احترز به عن النهي، بيانه: إذا قيل افعل كذا نحو: قم وصل وصم، فالمطلوب فيها فعل شيء معين، وإذا قيل لا تفعل كذا نحو لا تقم ولا تزن ولا تسرق، فالمطلوب فيها هو كف النفس عن فعل تلك الأشياء وليس مجرد الترك، والكف هو منع النفس عن أن تقدم على فعل شيء ما، وكف النفس هو فعل من الأفعال النفسية التي يفعلها المرء، فحينئذ إذا قيل الأمر طلب فعل يدخل فيه التحريم لأن لا تسرق هو طلب فعل مخصوص وهو الكف عن السرقة، فتلخص أن هنالك فرقا بين الكف والترك، فالكف أمر وجودي تتوجه النفس إليه، والترك أمر عدمي كمن يترك معصية لم تقع في زمانه ولم تخطر على باله، فهنا أمران فعل وهو أمر وجودي، وترك وهو أمر عدمي، والفعل يشمل الفعل غير الكف أي ما ليس فيه منع النفس عن شيء ما بل هو إقدام على فعل ما كالصلاة والصيام، ويشمل الفعل الذي هو كف نحو لا تسرق ولا تزن، فإذا اتضح هذا علم أننا نحتاج للتقييد بقولنا غير كف حتى تستقيم التعاريف، وإنما لم أقيّد في الشرح لأنني بنيت الكلام على المتبادر من الفعل في العرف أنه في قبال الترك فهو أسهل وجرى عليه أيضا بعض العلماء فتأمل ( أو ) اقتضى الخطاب فعلا ( غيرَ جازِمٍ ) بأن جوز الترك ( فندبٌ ) كحديث لولا أن أشق علي أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ( أَو ) اقتضى الخطاب ( كَفًّا جازِمًا ) بأن لم يجز الفعل ( فتحريمٌ ) نحو ولا تقربوا الزنا ( أو ) اقتضى الخطاب كفًّا ( غيرَ جازِمٍ ) بأن جوز الترك ( بنهيٍ مقصودٍ ) أي مخصوص ( فكراهةٌ ) كحديث إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ( أَو ) اقتضى الخطاب كفًّا غير جازم ( بـ ) نهي ( غيرِ مقصودٍ ) أي غير مخصوص بل مستفاد من أوامر المستحبات ( فخِلافُ الأولى ) كحديث صلوا قبل المغرب المستفاد من ضده أن ترك الصلاة حينئذ خلاف الأولى ( أَوْ خَيَّرَ ) الخطاب بين الفعل المذكور والكف عنه ( فإباحةٌ ) نحو وكلوا واشربوا ( وعرفتَ ) أيها الطالب من هذا التقسيم الذي ذكرته لك ( حُدُودَها ) أي حدود تلك الأقسام فحد الإيجاب: خطاب الله المقتضي فعلا غير كفّ اقتضاء جازما، وحد الندب: خطاب الله المقتضي فعلا غير كفّ اقتضاء غير جازم، وحد التحريم: خطاب الله المقتضي كفًّا اقتضاء جازما، وحد الكراهة: خطاب الله المقتضي كفًّا اقتضاء غير جازم بنهي مخصوص، وحد خلاف الأولى: خطاب الله المقتضي كفًّا اقتضاء غير جازم بنهي غير مخصوص، وحد الإباحة: خطاب الله المخيّر بين فعل الشيء والكف عنه ( والأَصحُّ ترادُفُ ) لفظي ( الفرضِ والواجِبِ ) خلافا للحنفية ( كالمندوبِ ) أي كما أن الأصح ترادف ألفاظ المندوب ( والمستَحَبِّ والتَّطَوُّعِ والسُّنَّةِ ) والحسن والنفل والمرغب فيه أي مسماها واحد وهو الفعل غير الكف المطلوب فعله طلبا غير جازم، وخالف في ذلك القاضي حسين بن محمد من أصحابنا الشافعية، وخالف غيره أيضا فنفوا ترادفها فقالوا: الفعل إن واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو السنة وإلا كأن فعله مرة أو مرتين فهو المستحب أو لم يفعله وهو ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد فهو التطوع ( والخُلْفُ ) أي الخلاف في المسألتين ( لفظِيٌّ ) أي عائد إلى اللفظ والتسمية فالأمر فيهما هين ( وأَنَّهُ ) أي المندوب ( لا يجبُ إتمَامُهُ ) بالشروع فيه خلافا للحنفية ( وَوَجَبَ ) إتمام المندوب اتفاقا ( في النُّسُكِ ) من حج أو عمرة ( لأَنَّهُ ) أي النسك المندوب ( كَفَرْضِهِ ) أي كفرض النسك ( نِيَّةً وغيرَها ) من الأحكام كالكفارة، وهذا جواب سؤال مقدر تقديره إن من تلبّس بنسك مندوب كحج تطوع وجب اتمامه ولا يجوز قطعه فكيف تقولون إن المندوب لا يجب إتمامه ؟ والجواب هو: أن الحج خرج عن القاعدة لخصوصية فيه وهو أن نفله كفرضه في النية وغيرها من الأحكام.
تنبيهان: الأول: قال التاج السبكي صاحب جمع الجوامع: والصواب امتناعُ تكليفِ الغافلِ والملجأ وكذا المكرَه على الصحيح. اهـ وهنا خالفه المصنف في مسألة المكره فاختار تبعا لغيره أنه مكلف، فهذا مصداق واضح لقوله في المقدمة وأبدلت غير المعتمد والواضح بهما، فإن المصنف اعتمد تكليف المكره خلافا للتاج.
الثاني: ليست مسألة تعلق الخطاب بالمعدوم مختصة بالكلام النفسي عند الأشاعرة بل هي تشمل الكلام اللفظي فإنه يقال لفظ وأقيموا الصلاة الذي توجه إلى الصحابة هل يتعلق بمن بعدهم إلى قيام الساعة أو لا ؟ والجواب نعم ولا نحتاج لدليل آخر خلافا للمعتزلة القائلين لا يتناولهم نفس الخطاب الأول لأنهم معدومون ونحتاج لدليل آخر، والصواب هو الأول.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29-10-16, 10:47 AM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الخامس- تابع المقدمات

الحكم الوضعي


الأحكام الوضعية خمسة: السببُ، والشرطُ، والمانعُ، والصحيحُ، والباطِلُ.
1- السببُ هو: وصفٌ ظاهرٌ منضبِطٌ مُعَرِّفٌ للحكمِ.
فالوصف هو: معنى من المعاني القائمة بالذات نحو الخمر مسكر، فالخمر ذات والإسكار وصف.
والظاهر هو: الواضح، واحترز به عن الوصف الخفي، كالرضا فهو أمر خفي لا يطلع عليه من البشر غير صاحبه، فلا يقال إن الرضا سبب للبيع لخفائه بل يقال إن القبول والإيجاب سبب للبيع لأن لفظ القبول والإيجاب أمر ظاهر مسموع.
المنضبط هو: المطَّرِدُ الذي لا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، احترزنا به عن الوصف المضطرب مثل المشقة في السفر لا يصح جعلها سببا للقصر لأنها غير منضبطة تختلف من شخص لآخر ومن صحة لمرض ومن مكان لآخر ومن زمان لزمان وإنما السبب هو المسافة المحددة.
المعرِّف للحكم هو: المبين للحكم كالزنا سبب لوجوب الحد، والزوال سبب لوجوب الظهر، والإسكار سبب لحرمة الخمر.
وخاصة السبب المعرفة له هي: أنه ( يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم ) كالزنا يلزم من وجوده وجوب الحد ومن عدمه عدم الحد.
2- والشرط هو : وصف يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
كالطهارة يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة أو عدمها لأنه قد يتوضأ ويصلي وقد لا يصلي.
3- المانع هو : وصف وجودي ظاهر منضبط معرف نقيض الحكم. كالقتل فإنه مانع من الإرث.
وقولنا وجودي احترزنا به عن العدمي، فلا يقال إن عدم شيء هو مانع من كذا، بخلاف السبب فإنه قد يكون وجوديا كالزنا، وقد يكون عدميا كقولهم عدم العقل سبب لعدم صحة تصرف المجنون، لهذا لم يذكر هذا القيد في تعريف السبب.
وقولنا: المعرف نقيض الحكم أي أن وجوده دال على نقيض الحكم المترتب على السبب.
كالقرابة فإنها سبب للإرث وكالقتل فإنه مانع من حصول الإرث المترتّب على السبب، فإذا كانت القرابة يلزمها وجود الإرث، فالقتل مانع من وجود الإرث.
4- الصحيح هو: الفعل الذي وافق الشرع، كالصلاة إذا استجمعت شروطها وأركانها فإنها تكون صحيحة لموافقتها الشرع.
فإذا صحت العبادة قيل عنها إنها مجزئة أي أنها كافية في سقوط الطلب.
وإذا صحت المعاملة قيل عنها إنها نافذة أي تترتب عليها آثارها كالنكاح الصحيح يترتب عليه حل الاستمتاع بين الزوجين.
والباطل هو: الفعل الذي خالف الشرع، بفقد شرط من شروطه أو ركن من أركانه.
فإذا بطلت العبادة كصلاة غير متوضئ لم يسقط الطلب وبقيت الذمة مشغولة بفعل العبادة، وإذا بطلت المعاملة لم تترتب عليها آثارها كالبيع فإنه لا يترتب عليه انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع، وكالنكاح بلا شهود لا يترتب عليه حل الاستمتاع بين الزوجين.
( مسائل )


الأولى: الفعل قد يكون له وجهان من موافقة الشرع ومخالفته، وقد لا يكون له إلا وجه واحد.
فالأول: كالصلاة والبيع فإنهما تارة يقعان موافقين للشرع فيكونان صحيحين، وتارة يقعان مخالفين للشرع فيكونان باطلين.
والثاني: كمعرفة الله سبحانه والشرك به- عياذًا بالله- فالمعرفة دائما تكون موافقة للشرع، فإن لم تكن كذلك لم تكن معرفة بل كانت جهلا لا معرفة ولا يقال في الجهل إنه معرفة فاسدة، والشرك بالله سبحانه دائما يكون مخالفا فلا يوجد شرك تارة يقع موافقا وتارة يقع مخالفا.
فإذا علم هذا فقولنا الصحيح هو الفعل الذي وافق الشرع، نعني بالفعل الفعل ذا الوجهين أما الفعل الذي له وجه واحد فإنه - بحسب الاصطلاح الأصولي- لا يتصف بالصحة والبطلان.
الثانية: اختلف في تعريف الصحة والبطلان على قولين:
فالقول الأول أن الصحة هي: موافقة الفعل ذي الوجهين الشرع، والبطلان هو مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع.
والقول الثاني أن الصحة في العبادة اسقاط القضاء وفي العقد ترتب آثاره عليه، والبطلان في العبادة عدم سقوم القضاء، وفي العقد عدم ترتب آثاره عليه.
والفرق بينهما يظهر في صلاة شخص ظنّ نفسه متطهرا- وهو في الواقع ليس كذلك- فصلى، فعلى التعريف الأول تسمى صلاته صحيحة لأنها استجمعت الشروط والأركان في اعتقاده وهذا هو المطلوب وإن كنا نلزمه بالقضاء إذا تبين له بعد ذلك أنه لم يكن متطهرًا، وعلى التعريف الثاني لا تسمى صلاته صحيحة لأن القضاء لم يسقط عنه، والخلاف لفظي.
الثالثة: العبادة توصف بالإجزاء وعدمه، والمعاملة لا توصف بالإجزاء بل بالنفوذ أي ترتب أثر العقد على العقد.
الرابعة: هل الباطل والفاسد لفظان مترادفان أو لا ؟ ذهب الجمهور لترادفهما، وذهب الحنفية إلى التفريق بينهما فقالوا:
الباطل: ما لم يشرع بأصله ولا وصفه، والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه.
وذلك أن الشيء إذا وجدت أركانه وشروطه فقد تحقق أصل ماهيته، وهنالك أوصاف لازمة للأصل لكن لا تتوقف حقيقته عليها، فإذا كان النهي راجعا لخلل في الأركان والشروط فهو باطل، وإذا كان النهي ليس راجعا لخلل فيها بل لوصف لازم فهو فاسد.
مثال ذلك الصلاة بدون بعض الشروط أو الأركان كالصلاة بلا وضوء تكون باطلة.
ومثال الفاسد: صوم يوم النحر فالصيام هنا فاسد لأن الخلل لم يرجع إلى أركان الصيام وشروطه بل لما فيه من الإعراض عن ضيافة الرحمن.
ويترتّب على هذا أنه لو نذر أن يصوم يوما فصام يوم النحر لم يصح صومه عند الجمهور وصح مع الحرمة عند الحنفية.
والخلاف لفظي.

( شرح النص )


والسَّبَبُ: وَصْفٌ ظاهِرٌ مُنْضَبِطٌ مُعَرِّفٌ للحُكْمِ، والشَّرْطُ: ما يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ ولا يلزَمُ منْ وجودِهِ وجودٌ ولا عدمٌ والمانِعُ: وصفٌ وجوديٌّ ظاهرٌ منضَبِطٌ مُعَرِّفٌ نقيضَ الحكمِ، كالقتلِ في الإرثِ.
والصِّحَةُ: موافقةُ ذي الوجهينِ الشرعَ في الأصحِّ، وبصحةِ العبادةِ إجْزَاؤُها أي كفايتُها في سُقُوطِ التَّعَبُّدِ في الأصحِّ، وغيرِها تَرَتُّبُ أَثَرِهِ، ويختَصُّ الإجْزَاءُ بالمطلوبِ في الأصحِّ، ويُقَابِلُها البُطْلانُ وهوَ الفسَادُ في الأصَحِّ والخُلْفُ لَفْظِيٌّ.
.............................. .............................. .............................. .............................
بعد أن فرغ من الحكم التكليفي شرع في الحكم الوضعي فقال: ( والسَّبَبُ: وَصْفٌ ) أي معنىً ( ظاهِرٌ ) غير خفي ( مُنْضَبِطٌ ) لا مضطرب ( مُعَرِّفٌ للحُكْمِ ) قيد يخرج المانع فإنه معرف نقيض الحكم، مثاله زوال الشمس فإنه وصف ظاهر منضبط معرف للحكم الذي هو وجوب الظهر فيكون سببا شرعيا ( والشَّرْطُ: ما يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ ) للمشروط قيد يخرج المانع فإنه لا يلزم من عدمه شيء ( ولا يلزَمُ منْ وجودِهِ وجودٌ ولا عدمٌ ) قيد آخر يخرج السبب لأنه يلزم من وجود الوجود، مثال الشرط الطهارة للصلاة يلزم من عدمها عدم الصلاة ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم فتكون شرطا شرعيا ( والمانِعُ: وصفٌ وجوديٌّ ) لا عدمي ( ظاهرٌ ) لا خفي ( منضَبِطٌ ) لا مضطرب ( مُعَرِّفٌ نقيضَ الحكمِ ) المترتب على السبب ( كالقتلِ ) في باب ( الإرثِ ) فإنه مانع من وجود الإرث المسبب عن قرابة أو زوجية أو ولاء ( والصِّحَةُ: موافقةُ ) الفعل ( ذي الوجهينِ ) وهما موافقة الشرع ومخالفته ( الشرعَ ) فإذا وافق فهو صحيح، وإن لم يوافق فهو باطل ( في الأصحِّ ) من القولين، وقيل الصحة ما أسقط القضاء في العبادة، وما ترتب عليه آثاره في العقد، فعلى الأول هنالك تعريف يجمع الصحة في العبادة والعقد، وعلى الثاني الصحة في العبادة لها معنى، وفي العقد لها معنى آخر والخلاف بينهما لفظي ( وبصحةِ العبادةِ إجْزَاؤُها ) إجزاؤها مبتدأ مؤخر وبصحة العبادة خبر مقدم، والأصل هو: وإجزاءُ العبادة ناشئ عن صحتها، فإذا صحت العبادة قيل عنها إنها مجزئة ثم فسر الإجزاء بقوله ( أي كفايتُها في سُقُوطِ التَّعَبُّدِ ) أي الطلب وإن لم يسقط القضاء في بعض الحالات كما في صلاة من ظنّ طهارته ثم تبين له حدثه ( في الأصحِّ ) من القولين، وعلى القول الثاني يكون المقصود بالإجزاء هو: سقوط القضاء ( و ) بصحة ( غيرِها ) أي غير العبادة كالعقد ( تَرَتُّبُ أَثَرِهِ ) عليه وهو ما شرع الغير له كحل الانتفاع في البيع، وحل التمتع في النكاح، ثم إن هذا أيضا خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والأصل هو: وترتُّبُ أثرِ العقد ناشئ عن صحة العقد ( ويختَصُّ الإجْزَاءُ بالمطلوبِ ) أي العبادة واجبة كانت كالصلوات والخمس والزكاة أو مستحبة كالوتر وسائر النوافل، فلا توصف العقود بالإجزاء ولا بعدم الإجزاء ( في الأصحِّ ) من القولين، وقيل بل لا يوصف بالإجزاء إلا الواجب من العبادات، فلا يقال: نافلة مجزئة، كما يقال فريضة مجزئة، والخلاف لفظي ( ويُقَابِلُها ) أي الصحة ( البُطْلانُ ) وهو مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع ( وهوَ ) أي البطلان ( الفسَادُ في الأصَحِّ ) فهما مترادفان، وقال الحنفية: الباطل: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه، والخلاف لفظي لأن حاصله أن ما لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه هل يسمى فاسدا كما يسمى باطلا أو لا ؟ وأن ما شرع بأصله ولم يشرع بوصفه هل يسمى باطلا كما يسمى فاسدا أو لا ؟ فعند الحنفية لا وعند الجمهور نعم ( والخُلْفُ لَفْظِيٌّ ) في المسائل السابقة.
تنبيه: اعلم أن الأشعرية نفوا تأثير الأسباب، فقالوا: ليست النار هي التي تحرق بل الله هو الذي يخلق الحرق عند تماس النار مع جسم آخر، وليس الماء هو الذي يروي العطش بل الله الذي يخلق الري عند شرب الماء، وليست السكين هي التي تقطع بل الله هو الذي يخلق القطع والبين عند تماس السكين مع جسم آخر، ولهذا يقولون: إن الماء يحصل عنده الري لا به، والسكين يحصل عندها القطع لا بها، ثم طردوا هذا الأصل في الشرعيات فنفوا أي تأثير للأسباب الشرعية فليس الزنا إلا علامة معرفة على وجوب الحد من غير أن يكون له تأثير ومدخلية في وجوب الحد، وليس الحدث إلا علامة معرفة على انتقاض الوضوء بلا تأثير ولذا يقولون: يحصل النقض عند الحدث لا به، ولذا يقولون في تعريف السبب أنه معرِّف للحكم أي من غير تأثير فيه، والذي اختاره أهل الحديث والأثر هو إثبات تأثير الأسباب بإذن الله تعالى، فالزنا مثلا لمعنى فيه وأنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا حرمه الله وجعله سببا للحد ورتب عليه العقوبة. وتفصيل ذلك موكول لمحله.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29-10-16, 10:48 AM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس السادس- تابع المقدمات

الأداء والقضاء والإعادة والرخصة والعزيمة


الأداء هو: فعلُ العبادةِ أو ركعةٍ في وقتها.
فإذا كان للعبادة وقت محدد ابتداءً وانتهاءً ففعلت العبادة في وقتها فهي أداء، كالصلوات الخمس، وإذا ضاق الوقت وتمكن المصلي من إيقاع ركعة كاملة- بأن فرغ من السجدة الثانية- في الوقت والباقي خارج الوقت فهي تعتبر أداءً أيضا لقوله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصلاةِ فقدْ أدركَ الصلاةَ. رواه البخاري ومسلم.
ومع تسميتها أداء إلا أنه يحرم عليه تأخيرها إلى وقت لا يسعها كاملة بلا عذر.
وقولنا العبادة هو شامل للعبادة الواجبة كالصلوات الخمس والمندوبة كالنوافل.
وقولنا في وقتِها الوقت هو: الزمان المقدّر في الشرع للعبادة، سواء أكان موسعا كوقت الصلاة فإنه وقت واسع يسع فعل العبادة أكثر من مرة، أو مضيّقا بأن كان الوقت لا يسع سوى فعل العبادة مرة واحدة كوقت الصوم.
فإن كانت العبادة غير مؤقتة بوقت كالنفل المطلق فلا يسمى فعله أداء ولا قضاء في الاصطلاح.
والقضاء هو: فعلُ العبادةِ أو إلا دون ركعةٍ بعد وقتها تدراركًا لما سبقَ لفعلِهِ مقتضٍ.
فإذا فعلت العبادة بتمامها بعد وقتها المقدر لها فهي قضاء، وإذا أدرك دون ركعة ففعلها في وقتها والباقي خارج الوقت فهي قضاء أيضا، لأن أقل ما يدخل في الأداء أدراك ركعة كاملة.
وقولنا: تداركًا لما سبق لفعله مقتض أي طلب وذلك أن القضاء يكون مقتضاه وطلبه الداعي لفعله متقدما عليه، ولكنه لما تأخر حتى خرج الوقت طولب بتدارك ما فاته، كصلاة الظهر بعد دخول وقت العصر فإنّ الطلب بالصلاة بقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس قد تقدم فبقيت ذمة العبد مشغولة إلى أن يتدارك بفعلها بعد وقتها.
وخرج بقولنا تداركا إعادة الصلاة المؤداة في وقتها بعد الوقت.
مثاله شخص تيمم في مكان يغلب فيه وجود الماء كالمدن فصلى الظهر في وقتها ثم بعد دخول وقت العصر وجد الماء فتوضأ، فهذا نطالبه بإعادة الظهر، فالظهر المعادة هي عبادة فعلت بعد وقتها فهل تسمى قضاء؟
الجواب: لا تسمى لأن صلاته ثانية ليس لتدارك ما فاته من الوقت، وإنما تسمى إعادة.
والإعادة: فعلُ العبادةِ ثانيا في وقتها مطلقًا.
كمن صلى الظهر منفردًا ثم أدرك جماعة يصلون الظهر فأعادها معهم فهذه تسمى إعادة لأنه فعل العبادة مرة ثانية في وقتها.
وقولنا: مطلقًا أي سواء كانت الإعادة لعذر كوجود خلل في الأولى أو بدون عذر بأن رأى أن يعيدها مرة أخرى.
والنسبة بين الأداء والإعادة هي العموم والخصوص المطلق لأن كل إعادة أداء لأنه يصدق على الإعادة تعريف الأداء وهو فعل العبادة في وقتها وليس كل أداء إعادة لأنه قد يصلي الشخص في الوقت مرة واحدة ولا يعيد.
والرخصة هي: الحكمُ الشرعي المُتَغَيِّرُ من صعوبة على المكلَّف إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي.
مثل أكل الميتة للمضطر، فالحكم الأصلي هو حرمة أكل الميتة ولكن تغير الحكم في حق المضطر رحمة بالعباد، فهنا أكل الميتة يسمى رخصة لأن الحكم قد تغير من الصعوبة وهو حرمة أكلها إلى السهولة وهو وجوب أكلها لعذر وهو الاضطرار مع قيام وبقاء السبب المقتضي للحرمة التي هي الحكم الأصلي وذلك السبب هو خبث الميتة.
والرخصة أربعة أقسام:
1- رخصة واجبة كأكل الميتة للمضطر فإنه يجب عليه أن يأكل كي ينقذ حياته من الموت.
2- رخصة مندوبة كقصر الصلاة للمسافر فإنه يندب له القصر فإن أتم صلاته جاز.
3- رخصة مباحة كبيع السَّلَم وهو بيع شيء موصوف في الذمة فإنه رخصة لأن الأصل في البيع أن يكون لشيء حاضر معين ولكنه أجيز لحاجة الناس إليه.
4- رخصة خلاف الأولى كفطر مسافر في صوم واجب لا يضره، فإن الصوم حينئذ يكون مستحبا لقوله تعالى: وأن تصوموا خير لكم، والفطر خلاف الأولى.
ولا تكون الرخصة محرمة أو مكروهة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه. رواه أحمد وغيره وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
والعزيمة هي: الحكم الشرعي الذي لم يتغير أصلًا، أو تغير إلى صعوبة، أو إلى سهولة لا لعذر، أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي.
كوجوب الصلوت فإن الحكم لم يتغير أصلًا.
وكحرمة الاصطياد قبل الإحرام فإنه تغير إلى صعوبة لأنه كان مباحا قبل الإحرام بحج أو عمرة.
وكحل ترك الوضوء لكل صلاة لمن لم يحدث، فإن الحكم الأصلي هو وجوب الوضوء لكل صلاة أحدث أو لم يحدث ثم تغير إلى جواز الصلاة بالوضوء الأول من غير وجود عذر دعا إلى هذا التغيير.
وكإباحة الفرار أمام عشرة من الكفار فأكثر في القتال، فإنه كان يحرم الفرار لقلة المسلمين يومئذ، ثم تغير الحكم إلى الجواز مع عدم قيام السبب للحكم الأصلي لأن المسلمين كثروا، وإنما جوز ذلك لعذر وهو مشقة الثبات أمام العشرة.
فالحكم الأصلي هو وجوب الثبات أمام عشرة من الكفار قد تغير إلى جواز عدم الثبات لعذر وهو المشقة، ولكن مع عدم بقاء سبب الحكم الأصلي فإن السبب في الحرمة وقتها هو قلة المسلمين، أما وقد كثروا فلم يبق الحكم كما كان.

( شرح النص )


والأَصَحُّ أَنَّ الأَداءَ فِعْلُ العِبَادةِ أَوْ رَكْعَةٍ في وَقْتِها، وهُوَ زَمَنٌ مُقَدَّرٌ لها شَرْعًا، وأَنَّ القَضَاءَ فِعْلُها أَوْ إلا دُونَ رَكْعَةٍ بَعْدَ وَقْتِها تَدارُكًا لما سَبَقَ لفِعْلِهِ مُقْتَضٍ، وأَنَّ الإعادةَ فِعْلُها وَقتَها ثانيًا مُطْلَقًا.
والحُكمُ إنْ تَغَيَّرَ إلى سُهُولةٍ لِعُذْرٍ معَ قيامِ السَّبَبِ للحُكمِ الأصليِّ فرُخْصَةٌ واجِبةٌ ومَنْدُوبةٌ ومُباحةٌ وخِلافُ الأَوْلى كأَكلِ مَيتَةٍ وقَصْرٍ بشَرطِهِ وسَلَمٍ وفِطْرِ مُسافرٍ لا يَضُرُّهُ الصُّومُ وإلا فَعَزِيمَةٌ.
......................... ......................... ......................... .........................
لما كان الأداء والقضاء والإعادة والرخصة والعزيمة من أقسام الحكم الوضعي عند بعض العلماء ذكرها بعده فقال: ( والأَصَحُّ أَنَّ الأَداءَ فِعْلُ العِبَادةِ ) من صلاة وصوم وغيرهما، واجبة كانت أو مندوبة ( أَوْ ) فعل ( رَكْعَةٍ ) من الصلاة ( في وَقْتِها ) مع فعل البقية بعد الوقت، وقيل إن الأداء فعل كل العبادة في وقتها ففعل بعضها في الوقت ولو ركعة كاملة لا يكون أداء حقيقة، بل يكون قضاءً على قول بعض العلماء، أو يكون البعض الواقع في الوقت أداء والواقع بعده قضاء فتتصف الصلاة بهما معا على قول آخر لبعض العلماء ( وهُوَ ) أي وقت العبادة المؤداة ( زَمَنٌ مُقَدَّرٌ لها شَرْعًا ) موسعا كان أو مضيقا فإن لم تكن العبادة مؤقتة كالنفل المطلق فلا يسمى فعلها أداء ولا قضاء اصطلاحا ( و ) الأصح ( أَنَّ القَضَاءَ فِعْلُها ) أي العبادة كاملة ( أَوْ ) فعلها ( إلا دُونَ رَكْعَةٍ ) خرج به ما لو أدرك ركعة في الوقت فإنه أداء كما سبق ( بَعْدَ وَقْتِها تَدارُكًا لما سَبَقَ لفِعْلِهِ مُقْتَضٍ ) أي طلب، وخرج بالتدارك إعادة الصلاة المؤداة في وقتها بعد الوقت فإنه ليس من القضاء، وقيل إن القضاء يشمل ما لو أدرك بعض الصلاة ولو ركعة ( و ) الأصح ( أَنَّ الإعادةَ فِعْلُها ) أي العبادة ( وَقتَها ثانيًا مُطْلَقًا ) أي سواء أكان لعذر كوجود خلل في الأولى أو بدون عذر، وقيل الإعادة مختصة بوجود خلل في الأولى ( والحُكمُ ) الشرعي ( إنْ تَغَيَّرَ ) من صعوبة على المكلف ( إلى سُهُولةٍ ) كأن تغيّر من حرمة شيء إلى حله ( لِعُذْرٍ معَ قيامِ السَّبَبِ ) المقتضي على قول أهل الحديث أو المعرِّف على قول الأشاعرة ( للحُكمِ الأصليِّ فرُخْصَةٌ ) أي فالحكم السهل يسمى رخصة ( واجِبةٌ ومَنْدُوبةٌ ومُباحةٌ وخِلافُ الأَوْلى ) هذه أقسام الرخصة وقد مثّل لها على الترتيب بقوله ( كأَكلِ مَيتَةٍ ) للمضطر هذا مثال الرخصة الواجبة ( وقَصْرٍ ) من مسافر ( بشَرطِهِ ) كأن يكون سفره بلغ مسافة القصر، وهذا مثال الرخصة المندوبة ( وسَلَمٍ ) وهو بيع شيء موصوف في الذمة بلفظ السَلَم أو السلف، وهذا مثال الرخصة المباحة ( وفِطْرِ مُسافرٍ ) في زمن صيام واجب كرمضان ( لا يَضُرُّهُ الصُّومُ ) وهذا مثال الرخصة التي هي خلاف الأولى، فإن ضره الصوم فالفطر هو الأولى ( وإلا ) أي وإن لم يتغير الحكم كما ذكر بأن لم يتغير أصلا كوجوب المكتوبات، أو تغير إلى صعوبة كحرمة الاصطياد بالاحرام بعد إباحته قبله، أو تغير لسهولة لا لعذر كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية ما دام محافظا على وضوئه الأول بعد أن كان يجب الوضوء عند القيام لكل صلاة، أو تغير لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي كإباحة ترك ثبات واحد من المسلمين أمام عشرة من الكفار في القتال بعد أن كان محرما وسبب الحرمة قلتنا في بداية الإسلام، ولم تبق القلة حال الإباحة لكثرتنا حينئذ وعذر الإباحة مشقة الثبات المذكور لما كثرنا ( فَعَزِيمَةٌ ) أي فيسمى الحكم حينئذ عزيمة.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29-10-16, 10:49 AM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس السابع- تابع المقدمات

المقدمة الكلامية


الدليل هو: ما يمكنُ التوصّلُ بصحيحِ النظرِ فيه إلى مطلوبٍ خبريٍّ.
كالعَالَمِ فإن من نظر في حاله وعلم أنه ليس أزليا بل هو حادث بعد أن لمْ يكنْ توصّل إلى نتيجة أن العالم لا بد له من خالق.
وكأقيموا الصلاة، فإن من نظر في حال هذه الآية وعلم أن لفظ أقيموا أمر توصل إلى أن الصلاة واجبة.
فقولنا: ما يمكن التوصّل أي أن هذا شأن الدليل ولا يشترط أن يوصل بالفعل لأن مَن أعرض ولم ينظر فيه لن يصل.
وقولنا: بصحيح النظر فيه أي بالنظر والفكر الصحيح فيه بأن يكون نظره في الدليل من الجهة التي من شأنها أن ينتقل الذهن بها إلى النتيجة وهو المسمى بوجه الدلالة، فإن من نظر في الدليل ولم يعرف وجه دلالته لن يصل للمطلوب.
وقولنا: إلى مطلوب خبري أي إلى أمر تصديقي لا تصوري فما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب تصوري حدٌ لا دليل، واعلم أن الدليل عند الأصوليين يختلف عنه عند المناطقة، فعند المناطقة هو مجموع المقدمتين، وعند الأصوليين هو موضوع النتيجة، فإذا قيل: العالم حادث، وكل حادِثٍ لا بد له من محدث، فهذا هو الدليل عند المناطقة والنتيجة هي: العالم لا بد له من محدِث، أما عند الأصوليين فالدليل مفرد وهو العالَم ، ووجه الدلالة هو الحد الأوسط وهو الحدوث.
والحدّ هو: ما يميّز الشيء عن غيره، وهو الجامع لأفراده المانع من دخول غير أفراده فيه، ويقال له: المطّرد المنعكس، فالمطرد هو المانع، والمنعكس هو الجامع، مثل: الصلاة: عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
والإدراك بلا حكم يسمى تصورًا ومع حكم يسمى تصديقا.
نحو: الزنا حرام، فالحكم بثبوت الحرمة للزنا تصديق، وإدراك معنى الزنا لوحده أو الحرمة لوحدها تصور.
والنظر هو: الفكر الموصل إلى العلم أو الظن أو الاعتقاد.
والعلم هو: حكم جازم لا يقبل تغيّرًا. نحو: الله واحد.
وقولنا: لا يقبل تغيرًا، أي لكونه نشأ عن موجِب وسبب يقتضيه فيكون موافقا للواقع، وقد يكون الموجب هو الضرورة نحو زيدٌ قائمٌ لمن رآه واقفًا، أو الدليل القاطع من: عقل كالحكم بأن العالم حادث، أو شرع كالحكم بأن الزنا حرام، أو عادة كالحكم بأن الحجر ليس بقوت.
فإن لم يكن الحكم عن موجب مما ذكر فيسمى بالاعتقاد كاعتقاد المقلد سنية صلاة الوتر.
وإن لم يكن مطابقا للواقع فيسمى جهلا مركبا كاعتقاد الملاحدة بقدم المادة، وأما الجهل البسيط فهو انتفاء العلم.
وإن لم يكن الحكم جازما فهو الظن إن كان راجحا وهو الوهم إن كان مرجوحا وهو الشك إن كان متساويا.
مثال الظن حكم الفقيه بأن القرء هو الطهر، فيكون إدراكه بأن القرء الحيض وهما، ومثال الشك لو استوى عنده الأمران.
والسهو: الغفلة عن المعلوم الحاصل، فإذا نبه عليه تنبه له .
وأما النسيان فهو: زوال المعلوم من الحافظة، فيستأنف طلبا جديدًا لتحصيله.

( مسائل )


الأولى: اختلف الناس في العلم بالنتيجة الحاصل بعد النظر على أقوال:
1- القول الأول للأشاعرة وهو أن قدرة الناظر لا تأثير لها في حصول النتيجة بل الله سبحانه يخلق النتيجة في قلب العبد عند النظر كما يخلق الري عند الشرب.
وجمهورهم ذهبوا إلى أن العلم الحاصل عند النظر عادي لا يجوز تخلفه إلا خرقا للعادة كما تخلفت النار عن حرق إبراهيم عليه السلام، وذهب بعضهم إلى أن العلم بالنتيجة لازم للنظر لا يجوز تخلفه أبدًا.
2- القول الثاني للمعتزلة أن قدرة الناظر أوجدت العلم بالمطلوب، وقالوا إن هذا العلم ضروري الحصول لازم عقلي للنظر يستحيل انفكاكه عنه، ويعرف مذهبهم بالتوليد وهو أن المرء خلق فعله وهو النظر، وعن النظر تولّد العلم، فالعلم بالنتيجة فعل للعبد بواسطة نظره، فالنظر فعل العبد الأول المباشر والعلم فعله الثاني غير المباشر.
3- القول الثالث لأهل الحديث أن الله خلق بنظر العبد العلم بقلبه، كما يخلق بالنار الحرارة، فليس نظر العبد هو الخالق للعلم كما هو قول المعتزلة ولا أن نظر العبد لا مدخل له كما هو قول الأشاعرة، وأن العلم الحاصل بالنظر مما جرت سنة الله بخلقه فهو عادي كما فهم هذا من كلام الإمام في الرد على المنطقيين والله أعلم.
الثانية: اختلفوا في العلم هل يقبل التفاوت أو لا بمعنى هل يوجد علم هو أقوى من علم آخر على قولين:
1- القول الأول أنه لا يتفاوت فإن حقيقة العلم واحدة وهي حكم جازم مطابق للواقع عن موجِب فلا يختلف جزم ويقين عن جزم ويقين آخر، وبنوا عليه أن الإيمان الذي هو التصديق والمعرفة لا يتفاوت فلا يوجد إيمان أقوى من إيمان ولا يزيد الإيمان ولا ينقص فإن زيادته على اليقين لا تتصور ونقصانه عن اليقين يدخله بالكفر، نعم بعض المؤمنين أعمالهم الصالحة أكثر من الآخر هذا مسلم ولكنه خارج عما نحن فيه، وهو اختيار كثير من المتكلمين.
2- القول الثاني أنه يتفاوت فإن العلم الضروري الأولي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين أقوى في الجزم من العلم النظري كالعلم بأن العالم حادث ولذا كان هنالك حق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين كمن أيقن بحلاوة العسل ولم يره أو رآه ولم يذقه أو رآه وذاقه، ولا ريب أن الإيمان يتفاوت في نفسه ويزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة وتفصيل ذلك موكول لمحله.

( شرح النص )


والدليلُ: ما يُمْكِنُ التوصّلُ بصحيحِ النظرِ فيهِ إلى مطلوبٍ خبريٍّ، والعلمُ عندنا عَقِبَهُ مُكْتَسَبٌ في الأصحِّ.
والحدُّ: ما يُمَيِّزُ الشيءَ عنْ غيرِه، ويقالُ: الجامِعُ المانِعُ والمطَّرِدُ المنْعَكِسُ، والكلامُ في الأزلِ يسمى خِطابًا ويَتنوَّعُ في الأصحِّ.
والنظرُ: فكرٌ يؤدي إلى علمٍ أو اعتقادٍ أو ظنٍّ.
والإدراكُ بلا حكمٍ تصوّرٌ، وبهِ تصوّرٌ بتصديقٍ وهو الحكمُ، وجازِمُهُ: إن لم يقبلْ تغيّرًا فعلمٌ، وإلا فاعتقادٌ صحيحٌ إنْ طابَقَ، و إلا ففاسِدٌ، وغيرُ الجازمِ ظنٌّ ووهمٌ وشكٌّ لأنَّهُ راجِحٌ أو مرجوحٌ أو مساوٍ.
فالعلمُ: حكمٌ جازِمٌ لا يقبلُ تغيِّرًا، فهوَ نظريُّ يُحَدُّ في الأصحِّ . قالَ المحققونَ : ولا يتفاوتُ إلا بكثرةِ المتَعَلَّقَاتِ .
والجهلُ: انتفاءُ العلمِ بالمقصودِ في الأصحِّ ، والسهْوُ: الغَفْلَةُ عَنِ المعلومِ .
.............................. .............................. .............................. ................
اعتاد كثير من الأصوليين ذكر مقدمة كلامية منطقية يتعرضون فيها إلى تعريف العلم وتقسيمه إلى تصور وتصديق، وبيان ما يوصل إلى التصور وهو الحد وما يوصل إلى التصديق وهو الدليل، وما يتبع ذلك، وقد تابعهم صاحب جمع الجوامع وكذا مختصِره فقال: ( والدليلُ: ما ) أي شيء ( يُمْكِنُ التوصّلُ ) بالقوة وإن لم يتوصل بالفعل ( بصحيحِ النظرِ فيهِ ) بأن يعرف وجه الدلالة، وهذا قيد احترز به عن النظر الفاسد فإنه لا يوصل صاحبه ( إلى مطلوبٍ خبريٍّ ) أي تصديقي لا تصوري وسواء كانت النتيجة يقينية أو ظنية، وقيل إن الذي يوصل لنتيجة ظنية لا نسمه دليلا بل أَمارة ( والعلمُ ) بالمطلوب الحاصل ( عندنا ) أي عند الأشعرية ( عَقِبَهُ ) أي عقب صحيح النظر ( مُكْتَسَبٌ ) للناظر ( في الأصحِّ ) وقيل لا بل هو علم ضروري لا يمكن للنفس أن تدفعه، وواضح أن الخلاف بين القولين لفظي فهو علم مكتسب بالنظر إلى أن النظر الذي أوصل لهذا العلم مكتسب، وهو علم ضروري بالنظر إلى أن النتيجة الحاصلة بعد النظر تضطر النفس للاذعان بها ولا قدرة لها على دفعه، هذا وقد ذهب غير الأشاعرة إلى مذاهب بينت بعضها في الشرح ( والحدُّ ) عند الأصوليين ( ما يُمَيِّزُ الشيءَ عنْ غيرِه ) وأما عند المناطقة فلا يكفي التمييز بل لا بد أن يكون بجميع الذاتيات، والصحيح هو قول الأصوليين ونظار المتكلمين كما بسطه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفريد الرد على المنطقيين، وقد بينته باختصار في كتابي الواضح في المنطق فارجع إليه إن شئت ( ويقالُ ) أيضا الحد هو ( الجامِعُ ) لأفراده ( المانِعُ ) من دخول غيره ( و ) يقال أيضا الحد هو ( المطَّرِدُ المنْعَكِسُ ) فالمطرد هو الذي كلما وجد وجد المحدود فلا يدخل فيه شيء من غير أفراد المحدود فيكون مانعا، والمنعكس هو الذي كلما وجد المحدود وجد هو فلا يخرج عنه شيء من أفراد المحدود فيكون جامعا، ومؤدى التعاريف واحد ( والكلامُ ) النفسي ( في الأزلِ يسمى خِطابًا ) حقيقة بتنزيل المعدوم الذي سيوجد منزلة الموجود، وقال بعضهم لا يسمى خطابا، وإنما يسمى كذلك عندما يوجد المكلف ويسمع الخطاب ( ويَتنوَّعُ ) الكلام النفسي إلى أمر ونهي وخبر واستفهام وغيرها ( في الأصحِّ ) وقيل لا يتنوع الكلام النفسي لعدم من تتعلق به الأوامر والنواهي ونحوهما في الأزل فكيف يسمى أمرا مثلا ولا وجود للمأمور، بل تتنوع عند وجود المكلف، وقد تقدم أن الحق هو أن كلام الله تعالى لفظ ومعنى وهو بلا شك يتنوع إلى أمر ونهي وغيرهما ( والنظرُ: فكرٌ يؤدي ) أي يوصل ( إلى علمٍ أو اعتقادٍ أو ظنٍّ ) وإنما زاد الاعتقاد ليشمل الحد النظر الفاسد الذي يوصل صاحبه إلى اعتقاد أمر غير مطابق للواقع ( والإدراكُ بلا حكمٍ تصوّرٌ ) كتصور زيد وقائم من غير حكم بالنسبة بينهما ( و ) الإدراك المتقدم ( بهِ ) أي بالحكم أي معه لأن الباء هنا بمعنى مع ( تصوّرٌ بـ ) أي مع ( تصديقٍ وهو ) أي التصديق ( الحكمُ ) فقط، اعلم أننا إذا قلنا: زيدٌ قائمٌ، فيوجد عندنا أربعة أمور: 1- تصور معنى زيد، 2- تصور معنى قائم، 3- تصور معنى ثبوت القيام لزيد، 4- إذعان النفس بوقوع قيام زيد في الواقع وهو المسمى بالحكم، فإذا اتضح هذا فاعلم أن في التصديق مذاهب: الأول: أن التصديق هو الخطوة الرابعة فقط وهو الحكم، وأما الخطوات الثلاث المتقدمة عليه فهي شروط فيه والثاني: أن التصديق مركب من الخطوات الأربع فحينئذ يكون التصديق مخلوطا بالتصور دائما، وقد اختار الإمام زكريا الأنصاري المذهب الأول فتأمل فإن في عبارة المصنف نوع تعقيد ( وجازِمُهُ ) أي الحكم أي والحكم الجازم ( إن لم يقبلْ تغيّرًا ) بأن كان ناشئا عن سبب وموجب من ضرورة أو دليل قاطع فيكون مطابقا للواقع ( فعلمٌ ) كالحكم بأن العالم حادث ( وإلا ) أي وإن قبل التغير بأن لم يكن ناشئا عن ضرورة أو عن دليل قاطع ( فاعتقادٌ ) أي يسمى اعتقادًا لا علما وهو ( صحيحٌ إنْ طابَقَ ) الواقع كاعتقاد المقلدين بسنية صلاة الضحى ( وإلا ) أي وإن لم يطابق الواقع ( ففاسِدٌ ) كاعتقاد الملاحدة بقدم المادة وما استندوا عليه ليس أكثر من وهم وشبهة لا يرقى أن يسمى دليلًا، فتلخص أن الاعتقاد هو: الحكم الجازم الذي يقبل التغير، فإن علم المقلد قد يتغير بتغير من يقلده، وصاحب الاعتقاد الفاسد قد يتراجع عنه لظهور الحق له ( وغيرُ الجازمِ ظنٌّ ووهمٌ وشكٌّ لأنَّهُ ) أي غير الجازم إما ( راجِحٌ أو مرجوحٌ أو مساوٍ ) فالحكم الراجح ظن والحكم المرجوح وهم، وإذا تساوى الحكمان فشك ( فالعلمُ ) على ما ظهر من التقسيم ( حكمٌ جازِمٌ لا يقبلُ تغيِّرًا ) وإن شئت قل هو: حكم جازم مطابق للواقع عن موجِب ( فهوَ نظريُّ يُحَدُّ في الأصحِّ ) اختلف في العلم هل تصوره ضروري فلا يحتاج لتعريف كتصورنا معنى الجوع والعطش، أو نظري فيحتاج لتعريف؟ ذهب البعض إلى الأول وذهب البعض الآخر إلى الثاني وهو مختار المصنف ( قالَ المحققونَ ) جمع محقق وهو من يثبت الشيء بدليله ( ولا يتفاوتُ ) العلم ( إلا بكثرةِ المتَعَلَّقَاتِ ) اختلف في العلم هل يتفاوت بأن يكون بعضه أقوى من بعض بأن يكون علم العقل اليقيني وجزمه بشيء هو أقوى من علمه اليقيني وجزمه بشيء آخر فكلاهما جازمان ولكن بعضهما أقوى وأشد من الآخر ؟ ذهب البعض إلى أنه يتفاوت في نفسه، وذهب البعض الآخر إلى أنه لا يتفاوت في نفسه وإنما من حيث متعلَّقاته أي من حيث المعلومات التي يتعلق بها فالعلم بثلاثة مسائل هو أظهر من العلم بمسألتين، والعلم بمسألتين أظهر من العلم بمسألة واحدة، ولكن العلم والجزم في نفسه واحد لا يتفاوت ولا يوجد فيه أقوى وأضعف، واختار المصنف الثاني ونسبه إلى المحققين، والصواب خلافه كما علمت ( والجهلُ انتفاءُ العلمِ بالمقصودِ ) أي ما من شأنه أن يقصد فيعلم، ويشمل الحد ما لو لم يحصل إدراك من أصله وهو الجهل البسيط أو أدرك على خلاف ما هو عليه وهو الجهل المركب ( في الأصحِّ ) وقيل العلم إدراك المعلوم على خلاف ما هو عليه، فلا يصدق إلا على الجهل المركب دون البسيط ففيه قصور ( والسهْوُ الغَفْلَةُ عَنِ المعلومِ ) الحاصل فيتنبه له بأدنى تنبيه، والنسيان زوال المعلوم عن الحافظة فيستأنف طلبا جديدا لتحصيله.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29-10-16, 10:50 AM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثامن- تابع المقدمات

مسائل متفرقة


1- الحَسَنُ هو: فعلٌ يُمدح فاعله عليه، فيشمل: ( الواجب والمندوب )، والقبيح هو: فعلٌ يذمّ فاعله عليه، وهو الحرام.
وما لا يمدح عليه ولا يذم واسطة بين الحسن والقبيح ويشمل بقية الأحكام وهي: ( المباح والمكروه وخلاف الأولى ).
2- الفعل الذي يجوز تركه ليس بواجب، سواء أكان يجوز فعله كصوم المسافر، فإنه يجوز صومه، أم كان يمتنع الفعل كصوم الحائض فإنه يمتنع صومها شرعًا، فكلا الفعلين لا يوصفان بالوجوب لأن الواجب يمتنع في الشرع تركه، وهما لا يمتنع تركهما، وقال بعض الفقهاء الصوم على المسافر والحائض وذوي الأعذار واجب لوجوب القضاء، والخلاف لفظي راجع إلى اللفظ دون المعنى.
3- المندوب مأمور به أي يسمى بذلك حقيقة لأن لفظ ( أَ- مَ- رَ ) يشمل الأمر بالواجب والامر بالمستحب، فيصح أن يقال بالمعنى الحقيقي إن الله أمرنا بسنة الفجر.
4- التكليف هو:إلزام ما فيه كُلفة،أي مشقة والإلزام يرفع الاختيار فلا يشمل التكليف حينئذ سوى ( الواجب والحرام ) وقيل: التكليف: طلب ما فيه كلفة، أي بإلزام أو بدونه فيشمل ( الواجب والمندوب والحرام والمكروه وخلاف الأولى ).
5- المباح إذا نظرنا إليه من حيث إنه مأذون بفعله فيكون جنسا يشمل الواجب والمندوب لأن كلا منهما مأذون بفعله، وإذا نظرنا إليه من حيث إنه مخير بين فعله وتركه فلا يكون جنسا للواجب لأنه لا تخيير فيه بل يجب فعله ولا يجوز تركه.
6- المباح غير مأمور به في ذاته كما هو واضح لأنه ليس بواجب ولا مندوب، ولكن قد يعرض للشيء المباح ما ينقله لحكم آخر كالسكوت فهو مباح ولكن قد يسكت في موقف إذا تكلم فيه فإنه ينقذ مسلم من الهلاك فيكون سكوته حرامًا.
7- الإباحة حكم شرعي لأنها تخيير بين الفعل والترك، وهذا التخيير يتوقف على إذن الشارع وقال بعضهم: لا لأن الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل، وهو مستمر قبل ورود الشرع وبعده إلى أن يرد شرع بغير ذلك ولذا قالوا: الأصل في الأشياء الإباحة، والخلاف لفظي لأن القولين لم يتواردا على محل واحد فإن الإباحة بالمعنى الأول شرعية وبالمعنى الثاني عقلية.
8- الوجوب لشي إذا نسخ بقي الجواز له لأن الوجوب يتضمن الإذن بالفعل مع المنع من الترك فإذا نسخ المنع من الترك بقي الإذن بالفعل أي عدم الحرج في الفعل والترك فيشمل الإباحة والندب والكراهة وخلاف الأولى، ولا دليل على تعيين أحدها، وقيل إذا نسخ الوجوب بقيت الإباحة وقيل الاستحباب، وقيل بل يعود الحكم إلى ما كان عليه قبل الوجوب.
9- الأمر بشيء واحد من أشياء معينة يوجب واحدًا لا بعينه وهو ما يعرف بالواجب المخير كما في كفارة اليمين، قال تعالى: ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) فإذا فعلها كلها فينظر: فإن فعلها مرتّبة واحدة بعد الأخرى فالواجب هو أولها، وإن فعلها كلها معا فأعلاها ثوابا هو الواجب، وإن تركها جميعا يعاقب على أدناها عقابا يوم القيامة هذا إن عوقب ولم يغفر له.
10- يجوز تحريم واحد لا بعينه من أشياء معينة كأن يقال: لا تفعل هذا أو ذاك وهذه المسألة افترضها الأصوليون، وجعلوها في مقابل الواجب المخير، وقالوا إذا وقع ذلك فعلى المكلف أن يترك فعل واحد منها، وله أن يفعل الباقيات.
11- فرض العين هو: مُهِمٌ يُقْصَدُ تحصيلُهُ جزمًا مع النظرِ بالذاتِ إلى الفاعلِ، فقولنا: مهم: أي أمر يعتنى به كالصلوات الخمس، يُقصد: أي يطلب حصوله من المكلف، جزمًا: أي قصدًا جازمًا، احترز به عن السنة، مع النظر بالذات لفاعله: أي أن الطلب توجّه لكل مكلف، احترز به عن فرض الكفاية.
وفرض الكفاية: مُهِمٌ يُقْصَدُ حصولُهُ جزمًا من غير نظرٍ بالذاتِ إلى الفاعلِ، فيجب على الكل ويسقط بفعل البعض أي أن الطلب توجّه للجميع فإن فعل البعض سقط الطلب، وذلك أن قصد الشرع هو حصول الفعل في الواقع لا يهم من يفعله ومن يتركه كصلاة الجنازة والأمر بالمعروف بخلاف فرض العين فلا يسقط بفعل البعض.
وفرض العين أفضل من فرض الكفاية، لشدة اعتناء الشارع بقصد حصوله من كل مكلف.
12- مَنْ شرعَ في فرض الكفاية لم يجب عليه إتمامُهُ، إلا في الجهاد وصلاة الجنازة والحج والعمرة، فمن شرع في تغسيل الميت مثلا جاز له تركه لشخص آخر ولم ينقلب في حقه فرض عين عندما شرع فيه.
ويستثنى الجهاد لما فيه من كسر معنويات الجند بالانسحاب من الجيش، وصلاة الجنازة لما فيها من هتك حرمة الميت، والحج والعمرة لما تقدم من وجوب إتمام نفلهما فضلا عن فرضهما.
13- سنة العين: مُهِمٌ يُقْصَدُ تحصيلُهُ بلا جزمٍ مع النظرِ بالذاتِ إلى الفاعلِ، كسنة الفجر والوتر.
وسنة الكفاية: مُهِمٌ يُقْصَدُ تحصيلُهُ بلا جزمٍ من غير نظرٍ بالذاتِ إلى الفاعلِ، كابتداء السلام، وهي مطلوبة من الكل وتسقط بفعل البعض.
وسنة العين أفضل من سنة الكفاية، ولا تتعين سنة الكفاية بالشروع فيها أي لا تنقلب سنة عين في تأكيد طلب إتمامها على من شرع فيها.
( شرح النص )


مسألةٌ: الأصحُّ أَنَّ الحَسَنَ: ما يُمدحُ عليه، والقبيحُ: ما يُذَمُّ عليه، فما لا ولا واسِطَةٌ، وأنَّ جائِزَ التركِ ليسَ بواجبٍ، والخُلْفُ لفظِيٌّ، وأَنَّ المندوبَ مأمورٌ بهِ، وأنَّهُ ليسَ مكلَّفًا بهِ كالمكروهِ بناءً على أن التكليفَ إلزامُ ما فيهِ كُلْفَةٌ لا طَلَبُهُ، وأنَّ المباحَ ليسَ بجِنْسٍ للواجِبِ، وأنهُ في ذاتِه غيرُ مأمورٍ بِهِ، وأن الإباحةَ حكمٌ شرعِيٌّ، والخلفُ لفظِيٌّ، وأنَّ الوجوبَ إذا نُسِخَ بَقِيَ الجوازُ وهوَ عدمُ الحرجِ في الأصحِّ .
مسألةٌ: الأمرُ بأحدِ أشياءَ يوجِبُهُ مبهمًا عندنا فإنْ فعلَها فالمختارُ: إنْ فعَلَها مُرَتَّبَةً فالواجب أَوَّلُها أو معًا فأعلاها، وإنْ تركها عُوقِبَ بأدناها، ويجوزُ تحريمُ واحدٍ مبهمٍ عندنا كالمخَيَّرِ.
مسألةٌ: فرضُ الكفايةِ مُهِمٌّ يُقْصَدُ جَزمًا حصولُهُ مِنْ غيرِ نظرٍ بالذاتِ لفاعِلِهِ، والأصحُّ أنَّهُ دونَ فرضِ العينِ، وأنَّهُ على الكلِّ ويسقطُ بفعلِ البعضِ، وأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ بالشُّرُوعِ إلا جهادًا وصلاةً ووجنازة ًوحجًّا، وسُنَّتُهَا كفرضِها بإبدالِ جزمًا بضِدِّهِ.
......................... ......................... ......................... .......................
هذه ( مسألةٌ ) في بيان صفة الفعل من حيث كونه حسنا أو قبيحا ( الأصحُّ أَنَّ الحَسَنَ: ما يُمدحُ عليه، والقبيحُ: ما يُذَمُّ عليه ) قد تقدم أن التحسين والتقبيح موقوف على بيان الشرع ولا دور للعقل، فإذا علم هذا فإن الفعل الذي حسّنه الشرع يكون حسنا، والفعل الذي قبحه الشرع يكون قبيحا، فالحسن هو الفعل الذي يمدح صاحبه عليه شرعا، فيشمل الواجب والمندوب، والقبيح هو الفعل الذي يذم صاحبه عليه شرعا، فلا يصدق إلا على الحرام ( فما لا ) يمدح عليه ( ولا ) يذم عليه ( واسِطَةٌ ) بين الحسن والقبيح، وهو يشمل المباح والمكروه وخلاف الأولى، وقيل: الحسن الفعل المأذون لصاحبه فيه، فيشمل الواجب والمندوب والمباح، والقبيح: ما نهي عنه شرعا، ولو كان النهي مستفادًا من أوامر الندب كما مرّ في خلاف الأولى فيشمل على هذا الحرام والمكروه وخلاف الأولى ولا توجد واسطة، وهذا ما اختاره صاحب الأصل أعني جمع الجوامع وقد اعتمد الإمام الأنصاري خلافه فتنبّه، فتلخص أن الواجب والمندوب يوصفان بالحسن، والحرام يوصف بالقبح، والبقية لا توصف لا بالحسن ولا القبح ( وأنَّ جائِزَ التركِ ليسَ بواجبٍ ) الواجب يتضمن الإذن بالفعل مع المنع من الترك، فكل ما يوصف بأنه يجوز تركه لا يسمى واجبًا، ونعني بما يجوز تركه أن الفعل غير واجب سواء أكان جائز الفعل مثل صوم رمضان للمسافر فإنه يجوز له أن يصوم، أو كان ممتنع الفعل مثل صوم الحائض، فنقول بما أننا يصح أن نقول إن الصيام يجوز تركه فلا نسمه واجبا، وقال بعض الفقهاء: يجب الصوم على ذوي الأعذار كالحائض والمسافر ووجوب القضاء عليهم يدل على ذلك، وأجيب بأن وجوب القضاء لا يدل على وجوب الأداء وكلامنا فيه ( والخُلْفُ لفظِيٌّ ) لأن ترك الصوم حال العذر جائز اتفاقا، والقضاء بعد زوال العذر واجب اتفاقا فلم يبق إلا الخلاف في اللفظ دون المعنى ( و ) الأصح ( أَنَّ المندوبَ مأمورٌ بهِ ) أي يسمى بذلك، وقيل لا يسمى وأن الواجب هو المأمور به، والخلاف مبني على أن مادة أَ مَ رَ هل هي حقيقة في الإيجاب فقط، أم في القدر المشترك بين الإيجاب والندب أي في الطلب، والصحيح أنها للقدر المشترك ( و ) الأصح ( أنَّهُ ) أي المندوب ( ليسَ مكلَّفًا بهِ كالمكروهِ ) فلا يشملهما لفظ التكليف وذلك ( بناءً على أن التكليفَ ) في الاصطلاح ( إلزامُ ما فيهِ كُلْفَةٌ ) أي مشقة من فعل أو ترك ( لا طَلَبُهُ ) أي طلب ما فيه كلفة، وقيل إن المندوب والمكروه مكلف بهما كالواجب والحرام وذلك بناء على أن التكليف هو طلب ما فيه كلفة فيشمل ما عدا المباح ( و ) الأصح ( أنَّ المباحَ ليسَ بجِنْسٍ للواجِبِ ) وذلك إذا قلنا: إن المباح هو ما خيّر بين فعله وتركه، فلا يندرج الواجب والمندوب تحت هذا التعريف، وقيل إن المباح جنس يشمل المخير فيه والواجب والمندوب وذلك إذا قلنا: إن المباح هو المأذون في فعله، ولا خلاف بين القولين في المعنى ( و ) الأصح ( أنهُ ) أي المباح ( في ذاتِه غيرُ مأمورٍ بِهِ ) فإنه ليس بواجب ولا مندوب وإنما قد يؤمر به لعارض، وقيل إنه مأمور به لأن المباح قد يتحقق به ترك الحرام فيتحقق بالسكوت مثلا ترك القذف فيكون السكوت واجبا، ولا خلاف في المعنى لأن مرده إلى أنه يكون واجبا لعارض وهذا مسلّم ( و ) الأصح ( أن الإباحةَ حكمٌ شرعِيٌّ ) لأنها التخيير بين الفعل والترك، وهو متوقف على الشرع، وقيل ليست حكما شرعيا لأن الإباحة هي انتفاء الحرج عن الفعل والترك وهذا موجود قبل الشريعة ومستمر بعدها، والخلاف لفظي لأنها بالمعنى الثاني لا تتوقف على نص من الشرع ( والخلفُ لفظِيٌّ ) في المسائل الثلاث وهي أن المباح ليس بجنس للواجب، وغير مأمور به في ذاته، وأن الإباحة حكم شرعي ( و ) الأصح ( أنَّ الوجوبَ إذا نُسِخَ بَقِيَ الجوازُ وهوَ ) أي الجواز المذكور ( عدمُ الحَرَجِ ) في الفعل والترك فيشمل المندوب والمباح والمكروه وخلاف الأولى ( في الأصحِّ ) لأنه لا دليل عندنا على تعيين أحد تلك المعاني، وقيل إذا نسخ الوجوب بقيت الإباحة، وقيل الاستحباب، وقيل بل يعود الحكم إلى ما كان عليه قبل الوجوب والخلاف حقيقي معنوي، هذه ( مسألةٌ ) في الواجب والحرام المخيرين ( الأمرُ بأحدِ أشياءَ ) معينة كما في كفَّارة اليمين ( يوجِبُهُ مبهمًا عندنا ) أي يوجب واحدًا لا بعينه وهو الواجب المخيّر، ونفى المعتزلة الواجب المخيّر لأن الجمع بين الوجوب والتخيير ممتنع وقالوا إن الواجب هو الكل ويسقط الوجوب بفعل واحد، وفي الحقيقة إنه لا مانع عقلا ولا عرفا أن يقول السيد لعبده يجب عليك فعل هذا أو هذا أيهما فعلت خرجت به عن العقوبة وإن تركتهما معا عاقبتك ( فـ ) على القول الصحيح من وجوب واحد مبهم ( إنْ فعلَها ) كلها أي الأشياء التي خير فيها ( فـ ) القول ( المختارُ ) هو التفصيل فيقال: ( إنْ فعَلَها مُرَتَّبَةً ) واحدة بعد الأخرى ( فالواجبُ أَوَّلُها ) فيثاب عليه ثواب الواجب ويثاب على البقية ثواب المندوب ( أو ) فعلها كلها ( معًا فأعلاها ) ثوابا هو الواجب في حقه ( وإنْ تركها ) كلها ( عُوقِبَ بأدناها ) عقابا يوم القيامة إن لم يغفر له ( ويجوزُ تحريمُ واحدٍ مبهمٍ ) من أشياء معينة كأن يقال: لا تتناول السمك أو اللبن أو البيض، فعلى المكلف أن يترك فعل أمر واحد باختياره وله أن يفعل الباقي ( عندنا ) خلافا للمعتزلة، وهذا ( كـ ) الواجب ( المخَيَّرِ ) فيحرم واحد لا بعينه، هذه ( مسألةٌ ) في فرض وسنة الكفاية ( فرضُ الكفايةِ ) أمر ( مُهِمٌّ يُقْصَدُ ) شرعا ( جَزمًا ) يخرج السنة ( حصولُهُ مِنْ غيرِ نظرٍ بالذاتِ لفاعِلِهِ ) وإنما ينظر إليه بالتبع لأنه لا يتأتى الفعل إلا بفاعل ( والأصحُّ أنَّهُ دونَ فرضِ العينِ ) في الفضل، وقيل إن فرض الكفاية أفضل ( و ) الأصح ( أنَّهُ ) فرضٌ ( على الكلِّ ويسقطُ بفعلِ البعضِ ) وقيل بل هو فرض على البعض ورجّحه الأصل ( وأنَّهُ ) أي فرض الكفاية ( لا يَتَعَيَّنُ بالشُّرُوعِ ) فيه أي لا يصير فرض عين على الشارع فيه ( إلا جهادًا وصلاةً وجنازة ًوحجًّا وعمرةً ) فتتعين بالشروع فيها ( وسُنَّتُهَا ) أي سنة الكفاية ( كفرضِها ) أي كفرض الكفاية فيما مر ولكن ( بإبدالِ جزمًا بضِدِّهِ ) فنقول في حدها: مهم يقصد تحصيله بلا جزم من غير نظر بالذات إلى فاعله.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29-10-16, 10:52 AM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس التاسع- تابع المقدمات

الواجب الموسّع- مقدمة الواجب- اجتماع الأمر والنهي


أولا: الواجب الموسّع.
1- وقت الجواز للصلاة المكتوبة هو وقتٌ كامل لأدائها ففي أي جزء من هذا الوقت أُوقِعَتْ الصلاة فيه فقد وقعتْ اداءً لأن وقتها مُوَسّعٌ.
ويجبُ على من أراد أن يؤخر الصلاة كالظهر عن أول الوقت أن يعزم بقلبه على أدائها في الوقت، فإن لم يعزم أثم.
2- مَن ظنّ أنه لن يتمكن من فعل العبادة آخر الوقت لعارض ما فأخرّها أثِمَ وإن لم يتحقق ظنه، كالمحكوم عليه بالقتل وجب عليه أن يبادر وأن لا يؤخر إلى الوقت الذي يظن فوات الواجب فيه، فإن أخّر كان عاصيا ولو بان خلاف ظنه كأن عفي عنه أو أجّل ليوم آخر، ثم إن فعلها بعد ذلك اعتبرت أداءً لا قضاءً ما دام أنها وقعت في وقتها المقدر لها شرعا.
3- مَنْ ظنّ أنه يتمكن من فعل العبادة آخر الوقت فأخّر فبان خلاف ظنه لم يأثم إلا في الفرض الذي وقته العمر كله، كمن أدرك وقت العشاء وأخّرها وهو يظن سلامته لآخر الوقت ثم أصيب بسكتة- نسأل الله العافية- فمات قبل أن يصلي فلا إثم عليه لأن التأخير جائز في حقه.
ولكن يستثنى الفرض الذي وقته موسع جدا وهو العمر كله كالحج فإنه متى تمكن من فعله وأخّر ظنا لسلامته فمات أثم، لأنّا لو لم نقل بذلك لما وجب أبدًا إذْ كل من وجب عليه الحج له أن يؤخره حتى يموت وهو لم يحج، وحينئذ هو واجب موسع ولكن بشرط السلامة وهذه مجازفة كبيرة فالمتعين هو المبادرة على من استطاع إليه سبيلا فإن لم يبادر وتمكن من فعله قبل الموت فلا شيء عليه وإن مات أثم.
ثانيا: مقدمة الواجب.
1- الفعل المقدور للمكلف الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، ويسمى مقدمة الواجب كالوضوء فإنه لا يتم فعل الصلاة الا به فيكون واجبا بنفس الدليل الذي أوجب الصلاة، كما أنه واجب بدليل آخر عليه.
واحترز بالمقدور عن غير المقدور كتمام العدد في وجوب صلاة الجمعة فإنه ليس إليه وغير مخاطب به، واحترز بالمطلق عن المقيد، وهو الذي لا يجب إلا بقيد من سبب أو شرط كالزكاة فلا تجب إلا بالنصاب، وكالحج فلا يجب إلا بالاستطاعة فلا يخاطب العبد بتحصيل النصاب والاستطاعة كي تجبان عليه، وإنما القاعدة السابقة الكلام فيها على فعل ثبت وجوبه وتقرر على المكلف ولكنه توقف إيقاعه في الواقع على تحصيل أمر ما فهل يجب ذلك الأمر الذي يسمى مقدمة الواجب أو لا يجب ؟
والجواب يجب كمن أمر بالوضوء ولا ماء عنده وعنده ثمن الماء فيجب عليه شراؤه لأنه لا يتم الوضوء إلا به.
2- لو لم يقدر شخص على ترك محرّم إلا بترك غيره من الجائز وجب الترك، فلو تزوج شخص من امرأة ولم يرها ثم سافرت إليه واختلطت زوجته بأجنبية ولم يميز بينهما وجب اجتناب قربان الاثنين إلى حصول التمييز، ولو طلق شخص إحدى زوجتيه ونسيها وجب اجتنابهما حتى يتذكر لأن ترك الحرام واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ثالثا: اجتماع الأمر والنهي.
هل يجتمع الأمر والنهي في شيء واحد بأن يكون شيء واحد مأمورًا به وفي نفس الوقت منهيًا عنه؟
والجواب إن اجتماع الأمر والنهي يكون على أنحاء:
1- أن يكون الاجتماع في جهة واحدة، بأن يكون مأمورا به من جهة ومن نفس تلك الجهة هو منهي عنه، وهذا باطل يلزم عليه التناقض كأن يقال اجلس هنا كي لا تؤذي غيرك، ولا تجلس هنا كي لا تؤذي غيرك، فالأمر بالجلوس في محل ما لدفع الأذى، والنهي عن الجلوس في نفس المحل الأول لدفع الأذى، فاجتمع أمر ونهي من جهة واحدة وهو باطل.
2- أن يكون الاجتماع في أكثر من جهة وبين الجهتين تلازم، كالأمر بصلاة النافلة المطلقة، والنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، فالأمر بالنافلة للتقرّب بالعبادة لله، والنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة لموافقة عبّاد الشمس في سجودهم، فالأمر له جهة والنهي له جهة أخرى ولكن بينهما ملازمة لأن الموافقة للكفار في السجود لا تتحقق بغير الصلاة فهي لازمة للصلاة غير منفكة عنها.
3- أن يكون الاجتماع في أكثر من جهة وبين الجهتين انفكاك، كالأمر بالصوم للتقرّب بالعبادة لله والنهي عن الصوم يوم الجمعة كراهة الضعف عن كثرة العبادة في ذلك اليوم، فكل له جهة وبين الجهتين انفكاك لأن الضعف المذكور غير لازم فإنه كما يحصل بالصوم يحصل بغيره كقلة الأكل أو كثرة التعب في عمل دنيوي، فيصح الصوم.
ومثله النهي عن الصلاة في المكان المغصوب، فالأمر بالصلاة له جهة، والنهي عن الغصب له جهة أخرى وهي التعدي على ملك الغير، وهذا المعنى غير لازم للصلاة فكما يتحقق الغصب في الصلاة يتحقق في الأكل والنوم مثلا في المكان المغصوب، فالصلاة صحيحة تجزئ عن القضاء مع معصية الغصب.
فإذا علم هذا فقد قالوا: ( الأمرُ المطلقُ لا يتناولُ المكروهَ ) ويقصدون أن الأمر بشيء ما لا يندرج تحته طلب أي شيء منهي عنه تحريما أو كراهة ولا يجزئ فعل المنهي عن المأمور إن كان النهي له جهة واحدة أو جهتان متلازمتان، فمثلا قد أمر الشرع بصلاة النافلة فهل يشمل أمره هذا ركعتين في وقت النهي ؟ الجواب لا يشمل ولا تصح الصلاة.
وهنا مسألتان:
1- من دخل ملك غيره بغير إذنه فقد غَصَبَ ، فإن خرج تائبا فخطواته في الطريق نحو المخرج تكون واجبة لأن ما لا يتم الواجب الذي هو الخروج من المغصوب إلا به فهو واجب، وإن خرج غير تائب فخطواته تلك خطوات غاصب آثم.
2- مَن سقط على جريح حوله جرحى إن استمر فوق الذي سقط عليه ولم يبرح من مكانه فسيقتله وإن تحرك وقع على جريح آخر لشدة الزحام فيقتله ولا يوجد مكان آخر ينتقل إليه غير ذاك فماذا يفعل؟
والجواب: يستمر على ذلك الجريح ولا ينتقل لأن الضرر لا يزال بضرر آخر مثله أو أشد منه.
( شرح النص )


مَسألةٌ: الأَصحُّ أَنَّ وقْتَ المكتوبةِ جوازًا وقتٌ لأدائِهَا، وأَنَّه يجبُ على المؤخِّرِ العزمُ، ومَنْ أَخَّرَ معَ ظنِّ فوتِهِ عصى، وأَنَّهُ إنْ بانَ خِلافُهُ وفَعَلَهُ فأداءٌ، وأَنَّ مَنْ أَخَّرَ معَ ظنِّ خِلافِهِ لمْ يَعْصِ بخِلافِ ما وقْتُهُ العُمْرُ كَحَجٍّ.
مَسألةٌ: المقدورُ الذي لا يتِمُّ الواجِبُ المطلقُ إلا بِهِ واجِبٌ في الأصحِّ، فلو تَعَذَّرَ تَرْكُ مُحَرَّمٍ إلا بتركِ غيرِهِ وَجَبَ، أَو اشْتَبَهَتْ حَلِيلَةٌ بأجنَبِيَّةٍ حَرُمَتا، كما لو طلَّقَ مُعَيَّنَةً ثم نسيَها.
مسألةٌ: مُطلَقُ الأمرِ لا يتناولُ المكروهَ في الأصحِّ، فإنْ كانَ له جِهِتانِ لا لزومَ بينهما تناوَلَهُ قطعًا في نهيِ التنزيهِ وعلى الأصحِّ في التحريمِ، فالأصحُّ صِحَّةُ الصلاةِ في مغصوبٍ، وأَنَّهُ لا يُثابُ عليهِ، وأَنَّ الخارِجَ من مغصوبٍ تائِبًا آتٍ بواجبٍ، وأَنَّ الساقِطَ على نحوِ جريحٍ يَقْتُلُهُ أَو كُفْأَهُ يستَمِرُّ .
.............................. .............................. .............................. .............................
هذه ( مسألةٌ ) في الواجب الموسّع ( الأَصحُّ أَنَّ وقْتَ ) الصلاة ( المكتوبةِ جوازًا ) وهو وقت الاختيار قيد أخرج به وقت الضرورة والحرمة لأن الكلام في المسألة على وقت الجواز ( وقتٌ لأدائِهَا ) ففي أي جزء منه أوقعت الصلاة فقد أوقعت في وقت أداء ولا يقيد الوجوب بأول ولا آخر، وقيل إن وقت الأداء هو آخر الوقت فإن فعلت في أول الوقت أو وسطه فهو تعجيل للطاعة كتعجيل دفع الزكاة قبل حلول الحول ( و ) الأصح ( أَنَّه يجبُ على المؤخِّرِ ) أي مريد تأخير الصلاة عن أول الوقت ( العزمُ ) في أول الوقت على الفعل في الوقت، وقيل لا يجب عليه العزم واختاره الأصل وهو خلاف معتمد المذهب الذي صححه الإمام النووي في المجموع ( ومَنْ أَخَّرَ ) الواجب الموسع ( معَ ظنِّ فوتِهِ ) أي فوت ذلك الواجب بنحو موت أو حيض كمن علمت أن عادتها أن تأتيها الحيضة آخر الوقت فلا يجوز لها تأخير الصلاة ( عصى ) لظنه فوت الواجب بالتأخير وإنما الأعمال بالنيات ( و ) الأصح ( أَنَّهُ إنْ بانَ خِلافُهُ ) بأن تبين خلاف ظنه ولم يمت أو تأتي المرأةَ الحيضة ( وفَعَلَهُ ) أي فعل الواجب قبل خروج وقته ( فـ ) فعله ( أداءٌ ) لأن العبرة بالوقت في الواقع وهو لم يخرج، وقيل: إن فعله قضاء لأنه فعله بعد الوقت الذي تضيّق بظنه وإن بان خلاف ظنه لأن العبرة بظنه ( و ) الأصح ( أَنَّ مَنْ أَخَّرَ ) الواجب الموسع ( معَ ظنِّ خِلافِهِ ) أي خلاف فوته بأن ظن عدم فوت الوقت بالتأخير ( لمْ يَعْصِ ) لأن التأخير جائز له فهو عكس المسألة التي قبلها ( بخِلافِ ما ) أي الواجب الذي ( وقْتُهُ العُمْرُ كَحَجٍّ ) فإن من أخّره بعد أن أمكنه فعله مع ظن عدم فوته كأنّ ظن سلامته من الموت إلى مضي وقت يمكنه فعله فيه ومات قبل فعله يعصي على الأصح، وقيل لا يعصي.
هذه ( مَسألةٌ ) في مقدمة الواجب، الفعل ( المقدورُ ) للمكلف ( الذي لا يتِمُّ ) أي لا يوجد ( الواجِبُ المطلقُ إلا بِهِ واجِبٌ ) بنفس وجوب الواجب ( في الأصحِّ ) وقيل لا يجب بوجوبه بل بدليل خاص يدل عليه، واحترز بالواجب المطلق عن الواجب المقيد وجوبه بما يتوقف عليه كالزكاة وجوبها متوقف على ملك النصاب فلا يجب تحصيله ( فلو تَعَذَّرَ تَرْكُ مُحَرَّمٍ إلا بتركِ غيرِهِ ) من الجائز ( وَجَبَ ) ترك ذلك الغير الجائز لتوقف ترك المحرم الذي هو واجب عليه، كما لو اختلط طعام مائع مباح بطعام مائع محرّم فيجب عليه ترك الطعام المباح لأنه يتعذر تمييز الحلال عن الحرام ( أَو اشْتَبَهَتْ حَلِيلَةٌ ) لرجل من زوجة أو أمة ( بأجنَبِيَّةٍ حَرُمَتا ) وتبقى الحرمة إلى أن يميّز بينهما فتحل له حينذاك ( كما ) أي ومثله ما ( لو طلَّقَ مُعَيَّنَةً ) من زوجتيه مثلا ( ثم نسيَها ) أي نسى من طلق فإنهما يحرمان عليه وتبقى الحرمة إلى التمييز بينهما.
هذه ( مسألةٌ ) في اجتماع الأمر والنهي ( مُطلَقُ الأمرِ لا يتناولُ المكروهَ في الأصحِّ ) بمعنى أن الأمر بشيء ما له أمثلة وجزئيات فهل يندرج تحته صورة منهي عنها فتكون صحيحة لأن الأمر يقتضي الصحة ؟ كما لو قال أب لابنه: ادرسْ واجباتك، وفي سياق آخر قال له يا بني: لا تبق مستيقظا إلى منتصف الليل، فالأمر بالدراسة من جزئياته الدراسة في منتصف الليل، فهل أمره بالدراسه يتناول تلك الحالة بحيث إنه إذا رآه يدرس في ذلك الوقت لن يعاقبه، ويكون الولد ممتثلًا، أو أن تلك الحالة غير مندرجة في أمره ؟ ذهب الجمهور إلى أن المنهي عنه لا يندرج تحت الأمر إذا كان لهما جهة واحدة أو جهتان بينهما تلازم، فإن لم يكن بينهما تلازم فتندرج صورة النهي في الأمر بحيث تجزئ وإن كانت مذمومة من جهة النهي عنها، كما في الصلاة في المكان المغصوب، وقوله: مطلق الأمر احترز به عن الأمر المقيد بغير المكروه فلا خلاف في عدم تناول الأمر له كما لو قيل: صل في غير وقت النهي، فمن الواضح أن الصلاة في وقت النهي تكون غير مندرجة حينذاك اتفاقا، وقوله المكروه أي كراهة تحريم أو كراهة تنزيه، وقوله في الأصح إشارة إلى قول بعض العلماء بأن المنهي عنه يندرج تحت الأمر المطلق ولذا صححوا الصلاة في أوقات النهي والجمهور عندهم أن هذه الصلاة باطلة ( فإنْ كانَ له ) أي للمكروه ( جِهِتانِ لا لزومَ بينهما ) كالصلاة في المكان المغصوب فإنها صلاة وغصب وكل منهما يوجد بدون الآخر فالصلاة توجد في مكان غير مغصوب والغصب يوجد بدون صلاة في ذلك المكان ( تناوَلَهُ ) مطلق الأمر ( قطعًا في نهيِ التنزيهِ ) كما في النهي عن الصلاة في الأمكنة المكروهة كالحمام فإن النهي للكراهة وليس للتحريم ولا يوجد تلازم بين الصلاة والكون في الحمام ويمكن أن يوجد أحدهما بدون الآخر كما هو ظاهر ( وعلى الأصحِّ في ) نهي ( التحريمِ ) كما في الصلاة في المكان المغصوب، وقيل لا يتناوله في هذه الحالة ( فالأصحُّ صِحَّةُ الصلاةِ في مغصوبٍ وأَنَّهُ لا يُثابُ عليهِ ) أي الأصح أن الصلاة تصح فرضا كانت أو نفلا ولكن لا يثاب عليها بسبب الغصب، وقال بعضهم يثاب عليها من جهة الصلاة ويعاقب عليها من جهة الغصب والعقاب قد يكون بحرمانه ثواب تلك الصلاة وقد يكون بغير ذلك، وقال الإمام أحمد رحمه الله لا تصح ويجب إعادتها ( و ) الأصح ( أَنَّ الخارِجَ من ) محل ( مغصوبٍ تائِبًا ) أي نادما على الدخول فيه عازما على أن لا يعود إليه في المستقبل ( آتٍ بواجبٍ ) لتحقق التوبة الواجبة بخروجه تائبا، وقال بعض المعتزلة هو آت بحرام لأن ذلك شغل ملك غيره بغير إذنه كالماكث ( و ) الأصح ( أَنَّ الساقِطَ على نحوِ جريحٍ ) بين جرحى ( يَقْتُلُهُ ) إن استمر عليه ( أَو ) يقتل ( كُفْأَهُ ) فإن لم يكن كفأه فينقلب عليه كما لو سقط على مسلم وبجنبه جريح كافر فينقلب على الكافر لأن إزهاق حياة مسلم أمر عظيم ( يستَمِرُّ ) عليه ولا ينتقل إلى كفئه لأن الضرر لا يزال بالضرر.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01-11-16, 08:16 PM
ابراهيم ابونصار ابراهيم ابونصار غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-08-12
المشاركات: 42
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

بارك الله فيك وزادك الله فهما يا مولانا
وأسأل الله أن يعينك على إتمامه
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:59 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.