ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-01-07, 03:00 AM
أبو إسلام عبد ربه أبو إسلام عبد ربه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-05
المشاركات: 681
افتراضي الإقناع بـ (حجية الإجماع, وأن عدم العلم بالمخالف = حجة قطعية أو إجماع)

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا البحث كنتُ قد وعدتُ به منذ فترة طويلة, وقد انتهيتُ منه قريبا بفضل الله تعالى, وهو يمثل بابا بأحد الأبحاث التي كانت تشغلني الفترة الماضية.
وهذه الأبحاث تمثل ثمرة ما يقارب العشرين عاما في دراسة علم أصول الفقه .
=========
وسأتابع الرد على الشبهات لمدة ثلاثة أيام فقط, ولا يمكنني المتابعة بعد ذلك؛ لضيق الوقت جدا, والحق واضح بفضل الله تعالى .
===================
والكلام هنا – بعون الله تعالى - في ستة مطالب:
المطلب الأول: بيان اتفاق العلماء على حجية الإجماع, وبيان أن أول من أنكره: النَّظَّام المتهم بالزندقة .
المطلب الثاني: تحذير المسلمين من خطر منكري حجية إجماع علماء الدين .
المطلب الثالث: بيان الأدلة القطعية على حجية الإجماع, ويتقرر بقاعدتين :
القاعدة الأولى: أنه يستحيل أن يخلو عصر من ناطق بالحق .
القاعدة الثانية: ضمان الله تعالى حفظ أقوال أهل العلم التي بها يُحفظ الدين .
المطلب الرابع: تصريح الإمام الشافعي بوجوب اتباع القول الواحد الذي بَلَغَه عَمَّن سبقوه .
وإليكم التفصيل:

المطلب الأول: بيان اتفاق العلماء على حجية الإجماع

أول من أنكر إمكان وقوع الإجماع وحجيته هو الزنديق " إبراهيم النَّظَّام " .
قال الإمام الجويني - إمام الحرمين -:
اقتباس:
(فأول من أنكر الإجماع: النَّظَّام). انتهى
وقال الإمام ابن قدامة – بعد أن ذكر أدلة حجية الإجماع -:
اقتباس:
(هذه الأحاديث لَمْ تَزَلْ مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع ولا يُظْهِر فيه أَحَدٌ خِلَافا إلى زَمَن النَّظَّام). انتهى
وقال الإمام الزركشي في (البحر المحيط) في أصول الفقه:
اقتباس:
(فَهُوَ– أي الإجماع -حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ غَيْرُ النَّظَّامِ وَالْإِمَامِيَّةِ .
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَوَّلُ مَنْ بَاحَ بِرَدِّهِ النَّظَّامُ، ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْضُ الرَّوَافِضِ). انتهى
قلتُ: فهل تعلمون أيها الإخوة الأفاضل من هو النَّظَّام ؟!!
إنه إبراهيم النَّظَّام الزنديق الكافر, الذي كان يسعى لهدم الشريعة الإسلامية .
وفي بيان حقيقته يقول الإمام تاج الدين السبكي في كتابه (الإبهاج) في أصول الفقه:
اقتباس:
(واعلم أن النٌظَاَّم المذكور هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام, كان ينظم الخرز بسوق البصر , وكان يُظْهر الاعتزا ل, وهو الذي ينسب إليه الفرقة النظامية من المعتزلة؛ لكنه كان زنديقا. وإنما أنكر الإجماع لقصده الطعن في الشريعة .. وكل ذلك زندقة, لعنه الله . وله كتاب نصر التثليث على التوحيد. وإنما أظهر الاعتزال خوفًا من سيف الشرع, وله فضائح عديدة, وأكثرها طعن في الشريعة). انتهى
قلتُ :
هذا هو القدوة الذي يقتدي به منكرو الإجماع في إنكار إمكان وقوع الإجماع!!
وَلَيْتَهمُ قرأوا كلام العلامة محب الله بن عبد الشكور في كتابه (مُسَلَّم الثُّبُوت ) في أصول الفقه, حيث قال– مع شرحه للعلامة عبد العلي الأنصاري (فواتح الرحموت):
اقتباس:
(الإجماع حجة قطعا, ويفيد العلم الجازم عند الجميع من أهل القبلة , ولا يُعْتَدّ بشرذمة من الحمقى الخوارج والشيعة لأنهم حادثون بعد الاتفاق؛ يشككون في ضروريات الدين مثل السوفسطائية). انتهى
وترى دائمًا أهل الباطل يزعمون أن الإجماع مختلف في حجيته, وقد أبطل العلماء هذه الشبهة على مر الأزمان .
ومن ذلك قول الإمام أبو المظفر السمعاني:
اقتباس:
(إذا تَعَرَّفْنَا حال الأمة؛ وجدناهم متفقين على تضليل من يخالف الإجماع وتخطئته, وَلَمْ تَزَل الأمة يَنْسُبون المخالفين للإجماع إلى المروق وشَقّ العصا ومحادة المسلمين ومشاقتهم, ولا يَعُدُّون ذلك من الأمور الهَيِّنَة, بل يَعدُّون ذلك من عِظَام الأمور, وقبيح الارتكابات, فَدَلَّ أنهم عَدُّوا إجماع المسلمين حجةً يَحْرُم مخالفتها, وفي المسألة دلائل كثيرة ذكرها الأصحاب, وأوردها المتكلمون, والقدر الذي قلناه كافٍ, وهو المعتمد). انتهى
وفي ذلك يقول الإمام الجويني– إمام الحرمين -:
اقتباس:
(فإنَّ تجويز خلف الإجماع وترك اتباع الأمة مما يَعْظُمُ خَطَرُهُ ؛ إذْ على الإجماع ابتنى معظم أصول الشريعة , فلو خالف فيه مخالف ؛ لَنُقِلَ خِلافه في هذا الأمر العظيم, والخطبِ الجسيم؛ فإنَّ ما هذا سبيلُه: لا يجوز خفاؤه في طريق النقل). انتهى
ويقول الإمام الغزالي في (المستصفى) في أصول الفقه:
اقتباس:
(الْإِجْمَاعُ أَعْظَمُ أُصُولِ الدِّينِ، فَلَوْ خَالَفَ فِيهِ مُخَالِفٌ؛ لَعَظُمَ الْأَمْرُ فِيهِ وَاشْتَهَرَ الْخِلَافُ، إذْ لَمْ يَنْدَرِسْ خِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ .. وَحَدِّ الشُّرْبِ.
فَكَيْفَ انْدَرَسَ الْخِلَافُ فِي أَصْلٍ عَظِيمٍ يَلْزَمُ فِيهِ التَّضْلِيلُ وَالتَّبْدِيعُ لِمَنْ أَخْطَأَ فِي نَفْيِهِ وَإِثْبَاتِهِ ؟ وَكَيْفَ اشْتَهَرَ خِلَافُ النَّظَّامِ مَعَ سُقُوطِ قَدْرِهِ وَخِسَّةِ رُتْبَتِهِ وَخَفِيَ خِلَافُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ؟ هَذَا مِمَّا لَا يَتَّسِعُ لَهُ عَقْلٌ أَصْلًا). انتهى
وإليكم بعض نصوص كبار أهل العلم في هذه المسألة , ننقل لكم أقوالهم من أهم وأشهر مراجع علم أصول الفقه :
1 - قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي في كتابه (اللمع في أصول الفقه):
اقتباس:
(وهو – أي الإجماع – حجة من حجج الشرع .. وذهب النظام والرافضة إلى أنه ليس بحجة). انتهى
2 - وقال الإمام أبو الخطاب الكلوذاني في (التمهيد) في أصول الفقه:
اقتباس:
(إجماع أهل العصر حجة مقطوع بها, ولا تُجْمِعُ الأمة على الخطأ, وهو قول عامة العلماء, وقال النظام: ليس بحجة). انتهى
3 - وقال الإمام علاء الدين السمرقندي في (ميزان الأصول):
اقتباس:
(قال عامة أهل القبلة بأن إجماع كل عصر من الأمة صواب وحجة .. وأنه يوجب العلم قطعا). انتهى
4 - وقال الإمام ابن الحاجب في مختصره في أصول الفقه:
اقتباس:
(خالف النظام وبعض الروافض في ثبوته .. وهو حجة عند الجميع , ولا يُعْتَدُّ بالنظام وبعض الخوارج والشيعة). انتهى
وعلق العلامة سعد الدين التفتازاني في حاشيته قائلا:
اقتباس:
(وأنه– أي الإجماع -حجة عند جميع العلماء . فإنْ قيل: فقد خالف النظام والشيعة وبعض الخوارج . قلنا: لا عبرة بمخالفتهم؛ لأنهم قليلون من أهل الأهواء والبدع قد نشئوا بعد الاتفاق) ا.ﻫ
5- وقال العلامة علاء الدين البخاري في (كشف الأسرار):
اقتباس:
(الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ, وَمِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حُجَّةً, مِثْلُ إبْرَاهِيمَ النَّظَّامِ وَالْقَاشَانِيِّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ, وَالْخَوَارِجِ وَأَكْثَرِ الرَّوَافِضِ). انتهى
6 – وقال الإمام ابن الهمام – مع شرح تلميذه العلامة ابن أمير الحاج - :
اقتباس:
(الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عِنْدَ الْأُمَّةِ ؛ إلَّا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ مِنْ بَعْضِ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ - أَيْ الْخَوَارِجَ وَالشِّيعَةَ - مَعَ فِسْقِهِمْ إنَّمَا وُجِدُوا بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى حُجِّيَّتِهِ). انتهى
7- وقال الإمام الشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول),:
اقتباس:
(إجماع الصحابة حجة بلا خلاف, ونقل القاضي عبد الوهاب عن قوم من المبتدعة أن إجماعهم ليس بحجة). انتهى
8 – وقال العلامة محب الله بن عبد الشكور – مع شرح عبد العلي الأنصاري -:
اقتباس:
(الإجماع حجة قطعا, ويفيد العلم الجازم عند الجميع من أهل القبلة, ولا يُعْتَد بشرذمة من الحمقى الخوارج والشيعة لأنهم حاثون بعد الاتفاق , يشككون في ضروريات الدين, مثل السوفسطائية في الضروريات العقلية). انتهى
قلتُ : فأما الشيعة: فقد اتفق أهل العلم على أنهم أكثر الناس كذبًا.
فقد قال فيهم الإمام ابن تيمية:
اقتباس:
(وأما أهل الكوفة فَلَمْ يَكُنْ الكذب فى أهل بَلَدٍ أكثر منه فيهم, ففي زمن التابعين كان بها خلق كثيرون منهم معروفون بالكذب, لا سيما الشيعة؛ فإنهم أكثر الطوائف كذبًا باتفاق أهل العلم). انتهى

يتابع .....
__________________
باحث - كلية الشريعة - قسم أصول الفقه
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16-01-07, 03:19 AM
أبو إسلام عبد ربه أبو إسلام عبد ربه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-05
المشاركات: 681
افتراضي

المطلب الثاني: تحذير المسلمين من خطر منكري حجية إجماع علماء الدين .
إن هدف منكري الإجماع يتضح في أمرين:
الهدف الأول:
هو الهروب من قول العلماء: (أجمع علماء المسلمين على تحريم كذا وكذا ).
فإنهم حين يحاولون تحريف معنى النصوص الشرعية الدالة على التحريم؛ فإنهم يجدون أهل العلم يتصدون لهم بهذه العبارة: (أجمع علماء المسلمين على تحريم كذا وكذا).
أو: (أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على تحريم كذا)
أو: (أجمع أهل العلم على أن معنى هذه الآية – أو الحديث - هو كذا).

فلم يجدوا مَفَرّا إلا بِهَدْمِ هذا السيف المُسَلَّط على رقابهم؛ إنه سيف " الإجماع ".

فإذا انهدم هذا الأصل الخطير العظيم: انطلقوا بعد ذلك في تحريف معاني الآيات والأحاديث الدالة على التحريم, فيزعمون أن معناها مُحتمل, وعند الاحتمال يسقط الاستدلال – بزعمهم -, وبذلك لا يتبقى أمامهم إلا أن الأصل في الأشياء هو الإباحة .
وهنيئا لهم بالإباحة !!
الهدف الثاني:
الهروب من قول العلماء: (أجمع أهل العلم على أن معنى الآية – أو الحديث - هو كذا).
فإنهم يُواجَهون بهذا القول كلما حاولوا تحريف الآيات – أو الأحاديث - التي تُقرر أصول العقيدة الصحيحة .
فكان لابد أَوَّلًا لأهل الأهواء والبدع مِنْ هَدْمَ هذا الأصل (الإجماع), ثم يخلو لهم – بعد ذلك - الطريق لتحريف معنى النصوص الشرعية بما يتفق مع أهوائهم وبدْعَتِهم التي يريدون زرعها في قلوب المسلمين.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

المطلب الثالث: بيان الأدلة القطعية على حجية الإجماع:

العالِمُ المجتهد الذي يقوم باستقراء وتَتَبُّع أقوال علماء الأمة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم في حكم مسألة ما؛ إذا وَجَدَ عامَّتهم قد تتابعوا – مع تطاول الزمان - على النطق بنفس الحكم الشرعي؛ على الرغم من اختلاف بلادهم وأماكنهم؛ بحيث لا يُعْلَم أحدٌ يُخالفهم في ذلك – مع تطاول الزمان -؛ فإن هذا التتابع – مع عدم العثور على مخالف لهم مع شدة البحث والاجتهاد فيه – تكون نتيجته القطعية هي أن يستقر في النفس والعقل اتفاقُ كل علماء الأمة المجتهدين - في زَمَنِهِم - على هذا الحكم الشرعي .
وفي عصرنا الآن وُجد فريقان:
الفريق الأول:
سَلَّمَ بما سَلَّمَ به عامَّةُ علماء الأمة - على مَرِّ الزَّمَان - من حجية هذا الإجماع وتحريم مخالفته .
الفريق الثاني:
غلبه شيطانه, فخالف سبيل علماء الأمة, واتبع سبيل الضالين – كالنَّظَّام الزنديق وفرقة الرافضة الضالة – فَشَكَّكَ في حجية هذا الإجماع, وأَبَاحَ مخالفته .
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

حوار هاديء مع منكري حجية الإجماع:
في الحالة التي وصفناها: أنتم تُنكرون أن يكون هذا هو إجماع كل علماء الأمة.
فما رأيكم في أن نسميه بـ (إجماع كل علماء الأمة الذين عُرِفَ قولهم في المسألة
فأنتم حتما تعترفون بأن هذا هو إجماع كل علماء الأمة الذين عُرِفَ قولهم في المسألة.
ولا تستطيعون إنكار ذلك؛ لأنكم ستعجزون – قطعا – عن الإتيان بواحد مُخالف لهم.
حسنا؛ نحن الآن نتفق على ذلك .
والآن سنقيم عليكم – بعون الله تعالى – الأدلة القطعية الصحيحة الصريحة التي تدل أن هذا الحكم الذي نطقوا به - هو الحق الذي يرضاه الله تعالى قطعا, وأن ما سواه هو الباطل الذي ليس من شرع الله قطعًا .
وبعد أن نُثْبِت أنَّ (( إجماع كل العلماء الذين عُرف قولهم )) هو حجة قطعية = لن يكون أمامكم مَفَرٌّ من التسليم بتحريم مخالفة هذا الحكم الشرعي الذي اتفقوا عليه .
وإليكم:
الأدلة القطعية على حجية الإجماع:
الإجماع طائر له جناحان (أو قاعدتان), يَقُوم بهما :
الجناح الأول: أنه يستحيل أن يخلو عصر من ناطق بالحق .
الجناح الثاني: ضمان الله تعالى حفظ أقوال أهل العلم التي بها يُحفظ الدين . وإليكم التفصيل:

تقرير القاعدة الأولى:
يستحيل أن يخلو عصر من ناطق بالحق .
1 – أمرنا الله تعالى بالنهي عن كل منكر , فقال تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) . آل عمران (آية 104)
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره:
اقتباس:
(والمقصود من هذه الآية أن تكون فرْقَة من الأمَّة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَده، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ".. وقال الإمام أحمد: .. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ". ورواه الترمذي..وقال الترمذي: حسن . والأحاديث في هذا الباب كثيرة مع الآيات الكريمة). انتهى
وقال الإمام أبو الخطاب الكلوذاني في كتابه " التمهيد في أصول الفقه ":
اقتباس:
(قوله: (( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )) يقتضي كونهم كذلك في كل حال؛ لأنهم لو أمروا ببعض المعروف ونهوا عن بعض المنكر في حال دون حال؛ لَمَا كانوا خير أمة أُخرجت للناس, لأن الأمم السالفة أُمِرُوا بكثير من المعروف ونُهُوا عن كثير من المنكر في حال دون حال؛ ولهذا أمروا بالتوحيد والعدل واتباع الأنبياء, ونهوا عن الإلحاد وتكذيب الأنبياء , فَثَبَتَ أن الآية تريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كله في جميع الحالات) . انتهى
وقال الإمام ابن تيمية :
اقتباس:
(هذا وَصْفٌ لهم بأنهم يأمرون بكل معروف , وينهون عن كل منكر). انتهى
وقال الإمام ابن تيمية أيضا:
اقتباس:
(إجماع هذه الأمة حجة؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر, فلو اتفقوا على إباحة محرم أو إسقاط واجب أو تحريم حلال أو إخبار عن الله تعالى أو خَلْقِهِ بباطل؛ لكانوا متصفين بالأمر بمنكر والنهى عن معروف من الكلم الطيب والعمل الصالح, بل الآية تقتضى أن ما لم تأمر به الأمة فليس من المعروف, وما لَمْ تَنْه عنه فليس من المنكر, وإذا كانت آمرةً بكل معروف, ناهيةً عن كل منكر, فكيف يجوز أن تأمر كلُّها بمنكر أو تنهى كلُّها عن معروف؟). انتهى
وقال العلامة علاء الدين البخاري في (كشف الأسرار) في أصول الفقه:
اقتباس:
(وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ خَيْرِيَّتِهِمْ بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَن الْمُنْكَرِ , وَلَامُ التَّعْرِيفِ فِي اسْمِ الْجِنْسِ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ؛ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَوْا عَنْ كُلِّ مُنْكِرٍ, فَلَوْ أَجْمَعُوا عَلَى خَطَإٍ قَوْلًا؛ لَكَانُوا أَجْمَعُوا عَلَى مُنْكَرٍ قَوْلًا؛ فَكَانُوا آمِرِينَ بِالْمُنْكَرِ نَاهِينَ عَن الْمَعْرُوفِ , وهُوَ يُنَاقِضُ مَدْلُولَ الْآيَةِ). انتهى
وقال الإمام القرافي في كتابه " شرح تنقيح الفصول ":
اقتباس:
(ذَكَرَهُم في سياق المدح .. لأنه تعالى وصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف, والألفُ واللام للعموم, فيأمرون بكل معروف؛ فلا يفوتهم حق لأنه من جملة المعروف, ولقوله تعالى : " وينهون عن المنكر ", والمنكر باللام يفيد أنهم ينهون عن كل منكر فلا يقع الخطأ بينهم ويوافقوا عليه لأنه منكر . والعمدة الكبرى: أن كل نص من هذه النصوص مضموم للاستقراء التام من نصوص القرآن والسنة وأحوال الصحابة , وذلك يفيد القطع عند المطلع عليه, وأن هذه الأمة معصومة من الخطأ, وأن الحق لا يفوتها فيما بَيَّنَتْه شرعًا, فالحقُّ واجب الإتباع, فقولهم واجب الإتباع) انتهى
وروى الإمام أحمد وغيره – بإسناد صحيح – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
اقتباس:
(إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه؛ أوشك أن يَعُمَّهُم الله بعقابه).
2 – وقد قامت جماعات من الأمة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لذلك وصفهم الله تعالى بأنها خير أمة, فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ). آل عمران (آية :110).
قال الإمام الطبري في تفسيره :
اقتباس:
(وأما قوله : ((تأمرون بالمعروف))، فإنه يعني: تأمرون بالإيمان بالله ورسوله والعملِ بشرائعه .((وتنهون عن المنكر))، يعني: وتنهون عن الشرك بالله وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه) .
ثم قال الإمام الطبري:
اقتباس:
(وأصل"المعروف" كل ما كان معروفًا فعله، جميلا مستحسنًا، غير مستقبح في أهل الإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله"معروفًا"، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله . وأصل"المنكر"، ما أنكره الله، ورأوه قبيحًا فِعْلهُ، ولذلك سميت معصية الله"منكرًا"، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون رُكوبها). انتهى
وقال الإمام ابن كثير في تفسيره :
اقتباس:
(يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم .. والصحيح أن هذه الآية عامةٌ في جميع الأمة، كل قَرْن بحسبه، وخير قرونهم الذين بُعثَ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم). انتهى
3 – وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن القيام بهذا الواجب لا ينقطع من الوجود أبًدا, فلا بد حتمًا من استمرار وجود طائفة من الأمة ظاهرة قائمة بأمر الله وبشرائعه. ولابد أن يستمر أَمْرُ هذه الأمة مستقيمًا .
فقد روى الإمامان البخاري ومسلم (رقم1920) – واللفظ لمسلم – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).
ورواه الإمام مسلم أيضا (برقم1037) بلفظ: ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس).
وروى الإمام البخاري أيضا (برقم71) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يُرِد الله به خيرا يفقهه في الدين, وإنما أنا قاسم, ويعطي الله, ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة, أو حتى يأتي أمر الله).
والمقصود بالطائفة الظاهرة على الحق : العلماء .
قال عنهم الإمام البخاري في صحيحه:
اقتباس:
(هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ). انتهى
وقال الإمام النووي:
اقتباس:
(وجملة العلماء أو جمهورهم على أنهم حملة العلم). انتهى
قلتُ : فلفظ (لا يزال) صريح في استمرار وجود من يقوم بالحق ويظهر به, وصريح في استمرار استقامة حال هذه الأمة, وهذا صريح في أنه يستحيل أن يخلو عصر من الأعصار من ناطق بالحق, فلابد في كل عصر مِنْ ظهورِ مَنْ ينطق بالحق في كل مسألة من مسائل الشرع .
وبيان ذلك: أنه إذا قال بعض العلماء في مسألة ما: إن حكمها الإباحة, وكان الحق عند الله تعالى هو التحريم, فحينئذ يكون قولهم هذا منكرا؛ لأن فيه تحليل ما حرمه الله تعالى .
فيستحيل حينئذ خلو عصرهم ممن يُنكر عليهم قولَهم هذا, ويبين الحكم الشرعي الذي يرضاه الله تعالى ؛ إذْ إنه لو خلا العصر من ناطق بالحق في هذه المسألة , فلن يكون أمر الأمة مستقيمًا في هذه المسألة؛ وذلك لأن الأمة انقسمت فيها قسمين: ناطق بالمنكر, وساكت عن المنكر, فإباحة المحرم تُعد من أكبر المنكرات . وسيكون العصر – حينئذ - قد خلا ممن يُنكر هذا المنكر, وهذا مستحيل؛ لأن الله تعالى قد أخبر- وخَبَرُهُ صِدْقٌ - بأن هذه الأمة – حتما – تنهى عن المنكر .
قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي
اقتباس:
(هذا يؤدي إلى خلو الوقت عن قائم لله – تعالى- في الأرض بحجته .., وإذا أخطأ الواحد وسكت الباقون وتركوا الاجتهاد؛ فَقَدْ فُُقِدَ ههنا القائم لله بحجته, وذلك لا يجوز) ا.ﻫ
وقال أبو الوليد الباجي في كتابه "إحكام الفصول " في أصول الفقه:
اقتباس:
(هذه أخبار كلها متواترة على المعنى, وإنَّ كل عصر من الأعصار التي توجد فيها أُمَّته , لا يخلو مِنْ قائم فيها بالحق). انتهى
وقال الإمام ابن حزم :
اقتباس:
(إذا كان في المسأله أقوال متعددة محصورة فبطلت كلها إلا واحدا؛ فذلك الواحد هو الحق بيقين لأنه لم يبق غيره, والحق لا يخرج عن أقوال جميع الأمة؛ لِمَا ذكرنا من عصمه الإجماع). انتهى
وقال الإمام ابن حزم أيضا:
اقتباس:
(ضمانُ الله تعالى حفظ الذكر النازل مِنْ عنده الذي أوحاه الى نبيه صلى الله عليه وسلم ومع ضمانه تعالى أنه لم يَضِعْ من الدين شيءٌ أصلًا ولا يضيع أبدًا ولا بد أن يكون مع كل عصر من العلماء من يضبط ما خَفِيَ عن غيره منهم, ويضبط غيره أيضا ما خَفِيَ عنه فيبقى الدين محفوظًا إلى يوم القيامة ولا بد وبالله تعالى التوفيق). انتهى
وقال الإمام ابن الجوزي:
اقتباس:
(فأنشأ الله عز وجل علماء يذبون عن النقل، ويوضحون الصحيح ويفضحون القبيح، وما يُخلى الله عز وجل منهم عصرًا من العصور). انتهى
وقال الإمام ابن قدامة في كتابه " روضة الناظر " في أصول الفقه:
اقتباس:
(لا يخلو الإنسان من خطأ ومعصية , والخطأ موجود من جميع الأمة , وليس مُحَالا , إنما المُحَال: الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا تقوم به طائفة). انتهى
وقال الإمام الزركشي في كتابه " البحر المحيط في أصول الفقه ":
اقتباس:
(أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى الْخَطَأِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ). انتهى
فإذا اتفق جميع علماء العصر على قول واحد في مسألة من مسائل الشرع - عَلِمْنَا قطعًا أن هذا القول هو الحق الذي يرضاه الله تعالى . لذلك كان اتفاقهم وإجماعهم هذا حجة قطعية , يَحْرُمُ مخالفتُها .
وفي ذلك يقول الإمام النووي في شرح حديث الإمام مسلم:
اقتباس:
(وفى هذا الحديث معجزة ظاهرة؛ فإنَّ هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبى صلى الله عليه وسلم إلى الآن, ولا يزال حتى يأتى أمر الله المذكور فى الحديث . وفيه دليلٌ لكون الإجماع حجةً, وهو أصح ما اسْتُدِلَّ به له من الحديث). انتهى
ونختم هذا الجزء بكلام نفيس يكتب بماء الذهب , إنه كلام العلامة الإمام ابن القيم , حيث قال في كتابه " إعلام الموقعين عن رب العالمين " :
اقتباس:
(قَوْله تَعَالَى { : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } شَهِدَ لَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ ، فَلَوْ كَانَتْ الْحَادِثَةُ فِي زَمَانِهِمْ لَمْ يُفْتِ فِيهَا إلَّا مَنْ أَخْطَأَ مِنْهُمْ , لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَدْ أَمَرَ فِيهَا بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى فِيهَا عَنْ مُنْكَرٍ ؛ إذْ الصَّوَابُ مَعْرُوفٌ بِلَا شَكٍّ ، وَالْخَطَأُ مُنْكَرٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ).انتهى
وقال أيضا :
اقتباس:
(فَلَوْ كَانَ عِلْمُهُمْ أَنْ يُفْتِيَ أَحَدُهُمْ بِفَتْوَى وَتَكُونُ خَطَأً مُخَالَفَةً لِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يُفْتِي غَيْرَهُ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ إمَّا مَعَ اشْتِهَارِ فَتْوَى الْأَوَّلِ أَوْ بِدُونِ اشْتِهَارِهَا - كَانَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْعَدْلُ الْخِيَارُ قَدْ أَطْبَقَتْ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ ، بَلْ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: قِسْمًا أَفْتَى بِالْبَاطِلِ , وَقِسْمًا سَكَتَ عَنْ الْحَقِّ ، وَهَذَا مِنْ الْمُسْتَحِيلِ ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ وَيَخْرُجُ عَنْهُمْ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ قَطْعًا) . انتهى
قلتُ :
وبذلك تتقرر القاعدة الأولى: أنه يستحيل أن يخلو عصر من ناطق بالحق .

يتابع ..
__________________
باحث - كلية الشريعة - قسم أصول الفقه
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16-01-07, 03:26 AM
أبو إسلام عبد ربه أبو إسلام عبد ربه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-05
المشاركات: 681
افتراضي

تقرير القاعدة الثانية:
وهي ضمان الله تعالى حفظ أقوال أهل العلم التي بها يُحفظ الدين:تتقرر هذه القاعدة بأربع آيات قرآنية, وقد أَكْثَرْنَا من نقل تصريحات كبار أهل العلم عند الكلام على الآية الرابعة, لذلك على القاريء الكريم قراءتها كاملةً؛ لأهميتها.

الآية الأولى الدالة على ضمان حفظ الله أقوال العلماء التي بها يُحفظ الدين:
قال الله تعالى : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). (النساء: 115).
قال العلامة علاء الدين البخاري في (كشف الأسرار):
اقتباس:
(الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ: أَنَّهُ تَعَالَى تَوَعَّدَ عَلَى مُتَابَعَةِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تَوَعَّدَ عَلَى مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ, وَالسَّبِيلُ: مَا يَخْتَارُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ قَوْلًا وَعَمَلًا, وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا؛ لَمَا تَوَعَّدَ عَلَيْهِ , وَلَمَا حَسُنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُشَاقِّ الرَّسُولِ فِي الْوَعِيدِ ؛كَمَا لَا يَحْسُنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَأَكْلِ الْخُبْزِ الْمُبَاحِ فِي الْوَعِيدِ، وَإِذَا حَرُمَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَجَبَ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ؛ فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ سَبِيلُهُمْ). انتهى
وقال تاج الدين السبكي :
اقتباس:
(الجمع بين حرامٍ ونقيضه لا يَحْسُن في وعيد؛ ولأجله يُسْتَقْبَح:" إنْ زَنيتَ , وشربتَ الماء عاقبتك ", فَدَلَّ على حُرْمَة اتِّبَاع غير سبيلهم , وإذا وجب اتِّبَاع سبيلهم؛ انتهض كون الإجماع حجة؛ لأن سبيل الشخص ما يختار من قول أو فعل أو اعتقاد). انتهى
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره:
اقتباس:
(قوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} ..والذي عَوَّل عليه الشافعي في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تَحْرُم مخالفته هذه الآية الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل. وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها). انتهى
و قال الإمام أبو الوليد الباجي في كتابه (إحكام الفصول):
اقتباس:
(الله عزّ وجل لا يأمرنا باتباع سبيل باطنة للمؤمنين؛ لأنه يستحيل ذلك في التكليف؛ لأنه لا طريق لنا إلى معرفتها, فيجب أن تُحْمل على ما يصِحُّ تكليفه, وهو اتباع ما ظَهَرَ منهم, ولذلك إذا قال الرجل لابنه: اتَّبِع سبيل فلان الصالح, وفلان العالم, فإنما يعني بذلك ما ظهر من أفعاله وورعه, لا ما أبطنه ممَّا لا سبيل إلى العلم به). انتهى
وقال الإمام علاء الدين الأسمندي في كتابه (بذل النظر) في أصول الفقه:
اقتباس:
(إنَّ الله تعالى لَمَّا جعل الإجماع حجة وكلفنا العمل به, وذلك يقتضي أن يكون لنا إلى معرفته سبيل, وذلك بأن يكون بحال لو كان لهم مخالف: يظهر قوله ؛ فإنه يجري ذلك مجرى أن ضمن الله تعالى إظهار قول من يخالف لو كان صوابا . فَلَمَّا لم يظهر ذلك؛ دَلَّ ذلك على بطلانه). انتهى
وقال الإمام أبو المظفر السمعاني في كتابه (قواطع الأدلة) في أصول الفقه:
اقتباس:
(القول المنتشر في أهل العصر من غير مخالف دليل على الإجماع, وهذا يمكن معرفته, وهذا لأن الدليل الذي دَلَّ على أن الإجماع حجة - يوجب أن يكون سبيل من الوصول إليه, ولا وصول إلا بالقول المنتشر في الأمة, وعَدَم المخالف لذلك .., ولا يجوز أنْ يوجب علينا ما لا سبيل إلى الوصول إليه, فإذا لم يمكن إلا هذا القدر: عَلِمْنَا أن ذلك حُجَّة وأنه الْمَعْنِيُّ بالإجماع الذي أوجب علينا اتباعه).
انتهى
قلتُ :
يمكن عرض هذا الاستدلال هكذا:
لو وُجد مخالف, وكان قوله حقًّا: لَكَان لابد من سبيل إلى معرفته وظهوره.
فَلَمَّا لم يظهر لنا إلا سبيل واحد = عَلِمْنَا أنه هو السبيل الذي وَجَبَ علينا اتباعُه, و عَلِمْنَا أنه هو الحق الذي شهد به العلماء العدول, و عَلِمْنَا أنه هو المعروف الذي أمر به علماء خير أمة أُخرجت للناس, و عَلِمْنَا أنه من الدين الذي ارتضاه الله تعالى لنا؛ لأنه هو القول الذي تَمَّ له التمكين بظهوره وانتشاره دون أن يظهر له مخالف, فكان ما سواه كالعدم .

فإذا تتابع أهل العلم المعروفون – مع تطاول الزمان - على الإفتاء بحكم شرعي واحد في مسألة ما, واشتهر هذا الحكم بحيث لا يُعلم خلافه, وبحيث لم يُنقل لمن بعدهم إلا هذا الحكم الشرعي, وبحيث نجد غير واحد من أهل العلم – مع شدة بحثهم – يصرحون بأنهم لا يعلمون في هذا الحكم الشرعي خلافا = فحينئذ يتضح أن سبيل المؤمنين في هذه المسألة هو هذا الحكم الشرعي, فيجب اتباعه وتَحْرُم مخالفته . فحينئذ نقطع بأن هذا الحكم هو الحق الذي يرضاه الله تعال , لأن هذا الحكم هو الذي تم له التمكين بظهوره وانتشاره ونَقْلِهِ من عصر إلى عصر, وعَلِمْنَا أن ما سواه باطل قطعًا, وليس من سبيل المؤمنين في شيء ؛ إذْ لو كان ما سواه هو الحق = لكان لابد أن يظهر ويستقر ويُنقل إلينا؛ ليتضح به سبيل المؤمنين في هذه المسألة.
__________________
باحث - كلية الشريعة - قسم أصول الفقه
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16-01-07, 03:31 AM
أبو إسلام عبد ربه أبو إسلام عبد ربه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-05
المشاركات: 681
افتراضي

الآية الثانية الدالة على ضمان حفظ الله أقوال العلماء التي بها يُحفظ الدين:
قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).الآية (البقرة: 143).
قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي :
اقتباس:
( وجه الدليل أنه جعلهم وسطًا , والوسطُ هم العدول . قال الشاعر:
هُمُ وَسَط يرضى الأنام بحكمهم ***إذا نزلت إحدى الليالي بِمُعْظَم
وإذا كانوا عدولا شهداء, وَجَبَ قبول ما يشهدون به؛ لأنه لا يجوز أن يجعلهم شهداء على الناس ثم لا يكون قولهم حجة, كما يقول في شهود القاضي, فإنه إذا زكاهم وعدلهم وشهدوا عنده بحق, يجب عليه قبول قولهم والحكم به, فصار قولهم حجة يقضي بها ؛ كذلك ههنا ..
فإن قيل: المراد به أن هذه الأمة تشهد على سائر الأمم يوم القيامة .
قلنا: اللفظ عام في الجميع , فيجب حمله على العموم). انتهى
وقال الإمام ابن تيمية :
اقتباس:
(والوسط: العدل الخيار . وقد جعلهم الله شهداء على الناس, وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول .. فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء؛ لم يشهدوا بباطل , فإذا شهدوا أن الله أمر بشىء؛ فقد أمر به, وإذا شهدوا أن الله نهى عن شىء؛ فقد نهى عنه , ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ: لَمْ يكونوا شهداء الله فى الأرض, بل زَكَّاهم الله فى شهادتهم كما زَكَّى الأنبياء فيما يُبَلِّغون عنه أنهم لا يقولون عليه إلا الحق, وكذلك الأمة لا تشهد على الله إلا بالحق). انتهى
وقال القاضي أبو زيد الدبوسي في كتابه (تقويم الأدلة):
اقتباس:
( قال تعالى: (( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) والشاهد : اسم لمن ينطق عن علم ولمن قوله حجة. فدل النَّصُّ على أنَّ لهم عِلْمًا بما على الناس من الأحكام, وأن أقوالهم حجة على الناس في حق الله تعالى). انتهى
وقال العلامة علاء الدين البخاري في كتابه (كشف الأسرار):
اقتباس:
(لَا تَفْصِيلَ فِي الْآيَةِ؛ فَتَتَنَاوَلُ شَهَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَذَا لَمْ يُذْكَر الْمَشْهُودُ بِهِ، وَتَرْكُ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ بِهِ يُوجِبُ التَّعْمِيمَ, كَمَا فِي قَوْلِك: فُلَانٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ ؛ فَتَكُونُ الْآيَةُ مُتَنَاوِلَةً شَهَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَمِنْ شَهَادَتِهِمْ: حُكْمُهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى النَّاسِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى .. يَعْنِي إذَا كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ مُعْتَبَرَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَوَابًا وَحَقًّا لَا مَحَالَةَ). انتهى
قلتُ :
فإذا تتابع أهل العلم المعروفون – مع تطاول الزمان - على الإفتاء بحكم شرعي واحد في مسألة ما, واشتهر هذا الحكم بحيث لا يُعلم خلافه, وبحيث لم يُنقل لمن بعدهم إلا هذا الحكم الشرعي, وبحيث نجد غير واحد من أهل العلم – مع شدة بحثهم – يصرحون بأنهم لا يعلمون في هذا الحكم الشرعي خلافا:
فحينئذ يكون هذا الحكم الشرعي هو الذي شهد به عامَّةُ أهل العلم على عامة الناس بأنه حكم الله تعالى الذي الواجب التزامُه وتَحْرُم مخالفته.
فحينئذ نقطع بأن هذا الحكم هو الحق عند الله تعالى؛ لأن هذا الحكم هو الذي تم له التمكين بظهوره وانتشاره ونَقْلِهِ من عصر إلى عصر .
وعَلِمْنَا حينئذ أن ما سواه باطلٌ قطعًا ؛ إِذْ لو كان ما سواه هو الحق: لكان لابد أن يظهر ويستقر ويُنقل إلينا ويُفتي به أهل العلم؛ لتتم شهادتهم على الناس بما هو الحق عند الله تعالى ؛ لأنه يستحيل – والحال كما وصفنا – أن يكون هذا القول الذي اشتهر هو الباطل , فمن المحال ألَّا تنقل الأمة إلَّا القول الباطل .

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

الآية الثالثة الدالة على ضمان حفظ الله أقوال العلماء التي بها يُحفظ الدين:
قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ). (النور:55).
قال الإمام أبو زيد الدبوسي في (تقويم الأدلة) في أصول الفقه:
اقتباس:
(قال: ((وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ)) والذي ارتضاه الله تعالى لنا هو الذي هو حق عنده دون الخطأ). انتهى
وقال الإمام السرخسي في كتابه (أصول الفقه):
اقتباس:
(وقال تعالى: (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) وفيه تنصيص على أن المرْضِيَّ عند الله ما هم عليه حقيقةً، ومعلومٌ أن الارتضاء مطلقا لا يكون بالخطأ وإنْ كان المخطئ معذورًا , وإنما يكون بما هو الصواب، فَعَرفْنَا أن الحق مطلقا فيما اجتمعوا عليه). انتهى
قلتُ :
فإذا تتابع أهل العلم المعروفون – مع تطاول الزمان - على الإفتاء بحكم شرعي واحد في مسألة ما , واشتهر هذا الحكم بحيث لا يُعلم خلافه , وبحيث لم يُنقل لمن بعدهم إلا هذا الحكم الشرعي , وبحيث نجد غير واحد من أهل العلم – مع شدة بحثهم – يصرحون بأنهم لا يعلمون في هذا الحكم الشرعي خلافا :
فحينئذ نقطع بأن هذا الحكم هو الحق الذي يرضاه الله تعالى , لأن هذا الحكم هو الذي تم له التمكين بظهوره وانتشاره ونَقْلِهِ من عصر إلى عصر , فَعَلِمْنَا قطعًا أنه من الدين الذي ارتضاه الله تعالى لنا . وعَلِمْنَا أن ما سواه باطل قطعا , وليس من الدين الذي ارتضاه الله تعالى لنا.
إذْ لو كان ما سواه هو الحق: لكان لابد أن يظهر ويستقر ويُنقل إلينا ؛ ؛ لأنه يستحيل – والحال كما وصفنا – أن يكون هذا القول الذي اشتهر هو الباطل , فمن المحال ألَّا تنقل الأمة إلَّا القول الباطل الذي ليس من الدين .
__________________
باحث - كلية الشريعة - قسم أصول الفقه
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16-01-07, 03:45 AM
أبو إسلام عبد ربه أبو إسلام عبد ربه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-05
المشاركات: 681
افتراضي

الآية الرابعة الدالة على ضمان حفظ الله أقوال العلماء التي بها يُحفظ الدين:
قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). (الحجر: 9).
والحفظ ليس المقصودُ به حِفْظَ اللفظ فقط من التحريف, وإنما يقصد به أيضًا حفظ اللفظ من تحريف معناه . وبالتالي يقصد به حفظ الأحكام الشرعية التي يدل عليها اللفظ .
فلابد أيضا من حفظ أقوال العلماء (الموافقة للحق) في تفسير القرآن, أو أنْ يُحفظ منها ما يتم به وصول الحق إلينا. لأن حفظها هو حفظ للكتاب من تحريف معانيه, فكما نَعْلَم أن هناك بعض النصوص في التوراة والإنجيل لَمْ يَتِمّ تحريف ألفاظها ؛ فقاموا بتحريف معانيها , وقد ضَمِنَ الله تعالى أن يحفظ القرآن من مثل ذلك .
فقد روى الإمام البخاري في صحيحه (برقم 3436) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ:
اقتباس:
(إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا, فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ , إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ . فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا, فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ, فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا . فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ . فَرَفَعَ يَدَهُ, فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ..) الحديث .
قال الحافظ ابن حجر في شرحه:
اقتباس:
(قَالَ الْبَاجِيّ: ظَاهِر الْأَمْر أَنَّهُمْ قَصَدُوا فِي جَوَابهمْ تَحْرِيف حُكْم التَّوْرَاة). انتهى
قلتُ :
وقد ضَمِنَ الله تعالى ألَّا يحدث ذلك في ديننا الذي ارتضاه لنا, فقد ضمن تعالى ألا يضيع الحق في أي مسألة. وضمن ألا يضيع المعنى الذي أراده من نصوص القرآن والسنة .
وننقل إليكم في ذلك تصريحات كبار أهل العلم:
1 - قال الإمام ابن حزم في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) في قوله تعالى ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)):
اقتباس:
(والحفظ يكون بتبليغ المعنى). انتهى
2 – وقال أيضا في كتابه (النبذة الكافية في أحكام أصول الدين):
اقتباس:
(من الممتنع أن يجوز أنْ لا تَرِدَ شريعة حقٍّ إلا من هذه الطريق مع ضمان الله تعالى حِفْظَ الذكر النازل مِنْ عنده الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم, ومع ضمانه تعالى أنه لَمْ يَضِعْ من الدِّين شيءٌ أصلا, ولا يضيع أبدًا ولا بد أن يكون مع كل عصر مِنَ العلماء مَنْ يضبط ما خَفِيَ عن غيره منهم, ويضبط غيره أيضًا ما خَفِيَ عنه, فيبقى الدين محفوظًا إلى يوم القيامة ولا بد). انتهى
قلتُ :
وهذا لا يمكن تحقيقُه إلا بحفظ أقوال العلماء السابقين , أو أن يُحفظ منها ما يتم به وصولُ الحق إلينا. إذْ كيف يمكن للعالم في عصرنا أن يضبط ما خفي عن غيره إلا بعد أن يقوم هو بتحصيل العلم الشرعي, فيتعلم الأصول والقواعد ولغات العرب والتراكيب اللغوية ودلالات الألفاظ, وكل ذلك يتعلمه من خلال مصنفات أهل العلم السابقين, فإذا تصورنا ضياع كل كتب اللغة, وكتب الأصول وغيرها, وبقي القرآن فقط والأحاديث: فكيف يزعم إنسان أنه يستطيع فَهْمَ النصوص مع جهله باللغة التي نزلت بها هذه النصوص الشرعية ؟!!
فظهر بذلك وجوب حفظ أقوال أهل العلم السابقين (الموافقة للحق), أو أن يُحفظ منها ما يتم به وصول الحق إلينا .
أي: يُحفظ منها ما يتحقق به حفظ الدين في كل مسألة من مسائله.
3 - وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل في كتاب (الرد على الزنادقة والجهمية):
اقتباس:
(هذا ما أخرجه أبي رحمه الله في الرد على الزنادقة والجهمية, فيما شَكَّتْ فيه من متشابه القرآن وتأولَتْه على غير تأويله.
قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ورضي عنه: الحمد لله الذي جعل في كل زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم .. ينفون عن كتاب الله تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين). انتهى
4 – وقد قرر الإمام ابن تيمية هذا المعنى في عدة مواضع من كتبه: فقال في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح):
اقتباس:
(هذه الأمة حفظ الله لها ما أنزله كما قال تعالى:((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) , فما في تفسير القرآن أو نقل الحديث أو تفسيره من غلط؛ فإن الله يقيم له من الأمة مَنْ يُبَيِّنُهُ ويذكر الدليل على غلط الغالط وكَذِبَ الكاذب؛ فإنَّ هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة , ولا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة؛ إذْ كانوا آخر الأمم, فلا نبي بعد نبيهم, ولا كتاب بعد كتابهم. وكانت الأمم قبلهم إذا بدلوا وغَيَّرُوا, بعث الله نبيًّا يبين لهم ويأمرهم وينهاهم, ولم يكن بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي, وقد ضمن الله أن يحفظ ما أنزله من الذكر, وأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة, بل أقام الله لهذه الأمة في كل عصر من يحفظ به دينه من أهل العلم والقرآن, وينفي به تحريف الغالين وانتحال المضلين وتأويل الجاهلين). انتهى
5 - وقال في (مجموع الفتاوي):
اقتباس:
(وكثيرا ما يضيع الحق بين الجهال الأميين وبين المحرفين للكلم .. كما أخبر سبحانه عن أهل الكتاب .. ولَمَّا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن هذه الأمة تتبع سَنَنَ مَنْ قبلها.. وجب أن يكون فيهم من يُحَرِّف الكلم عن مواضعه؛ فيغير معنى الكتاب والسنة فيما أخبر الله به أو أمر به, وفيهم أميون لا يفقهون معانى الكتاب والسن , بل ربما يظنون أن ما هم عليه من الأمانى التى هى مجرد التلاوة ومعرفة ظاهر من القول هو غاية الدين .. وهذا من بعض أسباب تغيير الملل؛ إلا أن هذا الدين محفوظ كما قال تعالى ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)), ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق؛ فَلَمْ يَنَلْهُ ما نال غَيْرَه من الأديان مِنْ تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقا؛ لِمَا يُنْطِقُ الله به القائمين بحجة الله وبيناته؛ الذين يحيون بكتاب الله الموتى, ويُبَصِّرون بنوره أهلَ العمى, فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة ؛ لكيلا تبطل حجج الله وبيناته). انتهى
6 - وقال في كتابه (تلخيص كتاب الاستغاثة- الرد على البكري):
اقتباس:
(والكلام في الأحكام الشرعية لا يقبل من الباطل و التدليس ما ينفق على أهل الضلال و البدع الذي لم يأخذوا علومهم عن أنوار النبوة .. فَيُدْخِلون في دين الإسلام ما ليس منه .. و هيهات هيهات؛ فإن هذا الدين محفوظ بحفظ الله له . ولما كانت ألفاظ القرآن محفوظة منقولة بالتواتر؛ لم يطمع أَحَدٌ في إبطال شيء منه ولا في زيادة شيء فيه, بخلاف الكتب قبله, قال تعالى ((إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون)), بخلاف كثير من الحديث طمع الشيطان في تحريف كثير منه و تغيير ألفاظه بالزيادة و النقصان و الكذب في متونه وإسناده, فأقام الله له من يحفظه و يحميه و ينفي عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين و تأويل الجاهلين, فَبَيَّنُوا ما أَدْخَلَ أهلُ الكذب فيه وأهل التحريف في معانيه, كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة". وقال صلى الله عليه وسلم: " يحمل هذا العِلْمَ مِنْ كل خَلَفٍ عدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين "). انتهى
8 - وقال الإمام الشاطبي في كتابه (الموافقات في أصول الشريعة),في بيان العلم القطعي:
اقتباس:
(والشريعة المباركة المحمدية مُنَزَّلَةٌ على هذا الوجه, ولذلك كانت محفوظةً في أصولها وفروعها, كما قال الله تعالى " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ") انتهى
9 - وقال الإمام أيضًا في كتابه (الموافقات في أصول الشريعة):
اقتباس:
(إن هذه الشريعة المباركة معصومة, كما أن صاحبها صلى الله عليه وسلم معصوم , وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة .
ويتبين ذلك بوجهين:
أحدهما: الأدلة الدالة على ذلك تصريحًا وتلويحًا كقوله تعالى ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) .. فهذه الجملة تدلك على حفظ الشريعة وعصمتها عن التغيير والتبديل
والثاني: الإعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن, وذلك أن الله عز وجل وَفَّرَ دواعيَ الأمة للذَّبِّ عن الشريعة والمناضلة عنها بحسب الجملة والتفصيل .
أما القرآن الكريم فقد قَيَّضَ الله له حَفَظَةً بحيث لو زِيدَ فيه حرفٌ واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر فضلا عن القراء الأكابر .
وهكذا جرى الأمر في جملة الشريعة , فقيض الله لكل علم رجالا حَفِظَه على أيديهم , فكان منهم قوم يُذْهبون الأيامَ الكثيرة في حفظ اللغات والتسميات الموضوعة على لسان العرب حتى قرروا لغات الشريعة من القرآن والحديث, وهو الباب الأول من أبواب فقه الشريعة؛ إذْ أوحاها الله إلى رسوله على لسان العرب .
ثم قَيَّضَ رجالا يبحثون عن تصاريف هذه اللغات في النطق فيها رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزما وتقديما وتأخيرا وإبدالا وقلبًا وإتباعًا وقطعًا وإفرادًا وجمعًا إلى غير ذلك من وجوه تصاريفها في الإفراد والتركيب , واستنبطوا لذلك قواعد ضبطوا بها قوانين الكلام العربي على حسب الإمكان, فَسَهَّلَ اللهُ بذلك: الفَهْمَ عنه في كتابه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم في خطابه .
ثم قيض الحقُّ سبحانه رجالا يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة حتى ميزوا بين الصحيح والسقيم, وتعرفوا التواريخ وصحة الدعاوي في الأخذ لفلان عن فلان, حتى استقر الثابت المعمول به من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكذلك جعل اللهُ العظيمُ لبيان السنة عن البدعة ناسًا من عبيده بحثوا عن أغراض الشريعة كتابًا وسنةً, وعما كان عليه السلف الصالحون وداوم عليه الصحابةُ والتابعون ,وَرَدُّوا على أهل البدع والأهواء حتى تَمَيَّزَ أَتْبَاع الحق عن أَتْبَاع الهوى ..
ثم قيض الله تعالى ناسًا يناضلون عن دينه ويدفعون الشبه ببراهينه .. فإنْ عارضَ دينَ الإسلام معارِضٌ أو جادل فيه خصمٌ مناقض؛ غبروا في وجه شبهاته بالأدلة القاطعة, فهم جند الإسلام وحماة الدين .
وبعث الله مِنْ هؤلاء سادًة فهموا عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاستنبطوا أحكاما فهموا معانيها من أغراض الشريعة في الكتاب والسنة, تارة من نفس القول, وتارة من معناه, وتارة من علة الحكم؛ حتى نَزَّلوا الوقائعَ التي لم تُذْكَرْ على ما ذُكِر, وسَهَّلُوا لمن جاء بعدهم طريق ذل , وهكذا جرى الأمر في كل علم توقف فهم الشريعة عليه أو أحتيج في إيضاحها إليه . وهو عين الحفظ الذي تضمنته الأدلة المنقولة )
. انتهى كلام الإمام الشاطبي
قلتُ :
فلابد قطعا من حفظ أقوال أئمة الجرح والتعديل (الموافقة للحق) في الراوي, لأنها إن ضاعت فكيف يمكن لمن بعدهم تمييزُ الصحيح من الضعيف في الحديث؟!!
ولابد قطعا من حفظ أقوال أهل اللغة (الموافقة للسان العربي فعلا) أو أن يُحفظ منها ما يتم به وصولُ الحق إليناح لأنها إنْ ضاعت: فكيف يمكن لنا فهم لغة القرآن والأحاديث النبوية وكيفية دلالة كل منهما على الأحكام الشرعية ؟!!.
ولابد أيضا من حفظ أقوال العلماء (الموافقة للحق) في تفسير القرآن أو أن يُحفظ منها ما يتم به وصول الحق إلينا؛ لأن حفظها هو حفظ للكتاب من تحريف معانيه .
فإنه إذا ضاعت أقوالهم الموافقة للحق؛ ثم نُقل إلينا فقط أقوالهم المخالفة للحق: فكيف يتحقق – حينئذ – حفظ القرآن من تحريف معانيه؟!!
ولابد من حفظ أقوال العلماء (الموافقة للحق) في تفسير حديث الرسول صلى الله عليه وسلم, أو أن يُحفظ منها ما يتم به وصول الحق إلينا .
فإنه إذا ضاعت أقوالهم الموافقة للحق, ثم نُقل إلينا فقط أقوالهم المخالفة للحق: فكيف يتحقق – حينئذ – حِفْظُ كلام النبي صلى الله عليه وسلم من تحريف معاني , وهو الُمَبِّين للقرآن الكريم؟!!
10 - وقال الإمام ابن الجوزي:
اقتباس:
(ولَمَّا لم يُمَكَّنْ أحدٌ أن يُدْخِل في القرآن شيئا ليس منه؛ أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقصون ويبدلون ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله عز وجل علماء يذبون عن النقل، ويوضحون الصحيح ويفضحون القبيح، وما يُخْلِي الله عز وجل منهم عصرًا من العصور، غير أن هذا النسل قد قل في هذا الزمان فصار أعز من عنقاء مُغْرِب.. وقد كان قدماء العلماء يعرفون صحيح المنقول من سقيمه، ومعلولَه من سليمه، ثم يستخرجون حكمه ويستنبطون علمه، ثم طالت طريق البحث مِنْ بعدهم فقلدوهم فيما نقلوا، وأخذوا عنهم ما هذبوا). انتهى
قلتُ :
قوله: (ثم طالت طريق البحث من بعدهم فقلدوهم فيما نقلوا، وأخذوا عنهم ما هذبوا) : يدل على أن الحق الذي قرره أهل العلم السابقون لابد أن يُحفظ منه ما يتحقق به حفظ الدين .
11 - وقال الإمام النووي في كتابه (تهذيب الأسماء واللغات):
اقتباس:
(وأما تابعو التابعين ومَنْ بعدهم .. فلهم فى أنفسهم فضائلُ ظاهرة، وفى حفظ العلم آياتٌ باهرة، .. وفى الحديث الآخر: " يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُه ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
وهذا إخبار منه - صلى الله عليه وسلم - بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأن الله تعالى يُوَفِّقُ له فى كل عصر خلفاءَ مِنَ العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وما بعده فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه فى كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهذا من أعلام النبوة، ولا يضر مع هذا كونُ بعض الفساق يعرف شيئًا من العلم، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه؛ لا أن غيرهم لا يعرف شيئًا منه). انتهى
قلتُ :
والحديث الذي استشهد به الإمام النووي قال عنه الحافظ ابن حجر:
اقتباس:
(قال مهنأ: قلت لأحمد: حديث معان بن رفاعة: كأنه كلام موضوع . قال: لا , بل هو صحيح). انتهى
وذكره الخطيب البغدادي في كتابه " شرف أصحاب الحديث " عن مُهَنَّى - وَهُوَ ابْنُ يَحْيَى - ، قَالَ :
اقتباس:
سَأَلْتُ أَحْمَدَ - يَعْنِي ابْنَ حَنْبَلٍ - عَنْ حَدِيثِ مَعَانِ بْنِ رِفَاعَةَ .. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ , يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْجَاهِلِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْغَالِينَ "
فَقُلْتُ لِأَحْمَدَ: كَأَنَّهُ كَلامٌ مَوْضُوعٌ. قَالَ: لا، هُوَ صَحِيحٌ . فَقُلْتُ لَه : مِمَّنْ سَمِعْتَهُ أَنْتَ ؟ قَالَ: مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ). انتهى
قلتُ :
فالإمام أحمد قد صحح الحديثَ, ونَعْلَمُ جميعا أن الإمام أحمد هو إمام أئمة الجرح والتعديل, وهو إمام علم علل الحديث . وقد صححه أيضا الشيخ الألباني في " مشكاة المصابيح " .
وقد صرح الإمام النووي بأن مضمون هذا الحديث قد تحقق في الواقع؛ حيث قال:
اقتباس:
(وهكذا وقع ولله الحمد، وهذا من أعلام النبوة). انتهى
__________________
باحث - كلية الشريعة - قسم أصول الفقه
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16-01-07, 03:48 AM
أبو إسلام عبد ربه أبو إسلام عبد ربه غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-05
المشاركات: 681
افتراضي

المطلب الرابع:تصريح الإمام الشافعي بوجوب اتباع القول الواحد الذي بَلَغَه عَمَّن سبقوه .
ننقل لكم كلمات للإمام الشافعي, تُكتب بماء الذهب :
1 - قال الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) في أصول الفقه, في باب (الإجماع):
اقتباس:
(فقال لي قائل: .. فما حُجَّتُكَ في أنْ تَتْبَعَ ما اجتمع الناس عليه مما ليس فيه نصُّ حُكْمٍ لله, ولَمْ يَحْكُوه عن النبي؟ أتزعم ما يقول غيرك أنَّ إجماعهم لا يكون أبدا إلا على سُنَّة ثابتة وإنْ لَمْ يَحْكُوها؟
فقلتُ له – القائل هو الشافعي-: أما ما اجتمعوا عليه فذكروا أنه حكاية عن رسول الله, فكما قالوا, إن شاء الله .
وأمَّا ما لَمْ يَحُكوه فاحتمل أن يكون قالوا حكاية عن رسول الله واحتمل غيره .. نقول بما قالوا به اتباعا لهم . ونَعلَمُ أنهم إذا كانت سُنَن رسول الله لا تَعْزُبُ عن عامَّتِهِم, وقد تَعْزُبُ عن بعضهم. ونعلم أن عامَّتَهم لا تجتمع على خلافٍ لِسُنَّة رسول الله ولا على خطأ ..
قال: فما معنى أمر النبي بلزوم جماعتهم؟ ..
قلتُ – القائل هو الشافعي -: لا معنى له إلا واحد .. فلم يكن لِلُزُوم جماعتهم معنًى إلا ما عليهم جماعتُهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما .ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم, ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمِرَ بلزومها, وإنما تكون الغفلة في الفُرقة, فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافةً غفلة عن معنى كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا قياسٍ). انتهى
قلتُ :
وهذا نص صريح من الإمام الشافعي يُوجِبُ فيه اتباع القول الواحد الذي بلغه عَمَّن سَبَقُوه من أهل العلم . ويُصَرِّحُ بأنَّ اتباع هذا القول هو عَيْن ما أُمِرْنَا به من لُزُوم جماعة المسلمين, سواء حَكوا في ذلك سنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم, أو لم يَحْكُوا .
وإليكم أيضا كلامه التالي :
2 - قال في (الرسالة), في باب (أقاويل الصحابة):
اقتباس:
(فقال:.. أرأيتَ أقاويل أصحاب رسول الله إذا تَفَرَّقوا فيها؟
فقلتُ – القائل هو الشافعي -: نَصِيرُ منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع, أو كان أَصَحَّ في القياس). انتهى
قلتُ :
قول الإمام الشافعي:" نَصِيرُ منها " صريح في أنه يختار منها, ولا يخرج عنها, فاجتهاده يقتصر على ترجيح أحد أقاويل الصحابة, دون أن يخترع قَوْلًا مُبْتَدَعًا .
وهذا صريح في أن الإمام الشافعي يرى أن الحق لا يخرج أبدا عن الأقاويل التي بَلَغَتْهُ عن الصحابة – رضي الله عنهم - .
فلابد أن يكون الحق فيما بَلَغَنَا , وليس فيما لَمْ نَعْرِف له قائلا .وهذا يوافق ما تقرر من أن الله تعالى قد ضَمن حفظ أقوال العلماء التي يتحقق بها حفظ الدين .
وإليكم أيضا كلامه التالي :
3 – قال الإمام ابن تيمية :
اقتباس:
(وقال الشافعي في الرسالة العتيقة - بعد أن ذكر فَصْلا في إتباع الصحابة للسُّنَّة -: ومَنْ أَدْرَكْنَا ممن يُرْضَى أو حُكِيَ لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لَمْ يَعْلَموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سُنَّة - إلى قولهم إنْ أجمعوا, وقول بعضهم إنْ تفرقوا, بهذا نقول, ولم نخرج من أقاويلهم, وإن قال واحد منهم ولم يخالفه غيره: أَخَذْنَا بقوله؛ فإنهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعدل). انتهى
وإليكم أيضا كلامه التالي :
4 – قال الإمام الشافعي في كتابه (الأم):
اقتباس:
(وَالْعِلْمُ مِنْ وَجْهَيْنِ : اتباع , أَوْ اسْتِنْبَاطٌ . والاتباع اتباع كِتَابٍ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسُنَّةٍ, فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَقَوْلِ عَامَّةٍ مَنْ سَلَفَنَا لَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ, فَقِيَاسٍ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ, فَقِيَاسٍ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنْ لَمْ يَكُنْ, فَقِيَاسٍ عَلَى قَوْلِ عَامَّةٍ مِنْ سَلَفٍ لَا مُخَالِفَ لَه , وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ إلَّا بِالْقِيَاسِ). انتهى
قلتُ :
وهذا – بحمد الله - صريح جدا في أن الإمام الشافعي لا يُجَوِّز مخالفةَ القول الذي بَلَغَنَا عن السلف ولَمْ نعلم له مُخَاِلفًا, بل إنه أوجب القياس على قولهم هذا أيضا .
@@@@@@@@@@@@@@

خاتمة:
إذا صَرَّحَ جَمْعٌ من كبار علماء الأمة بأن الحكم الشرعي لمسألة معينة هو التحريم, وصرحوا بأنهم لا يعلمون أحدًا يخالف في ذلك. وتتابع على التصريح بذلك كبار الفقهاء-كالإمام ابن قدام في كتابه " المغني ", والإمام النووي في كتابه " المجموع ", والإمام ابن تيمية في " مجموع الفتاوي, وغيرهم من كبار العلماء, على اختلاف طبقاتهم وأزمانهم -
فهل يُتصور أن يكون هذا القول هو الباطل, وأن الْحَقَّ ضاع فَلَمْ يَصِلْ إلينا؟!
هل هذا هو حِفْظ الدين الذي تَكَفَّلَ به الله عز وجل؟!
هل هذا هو تمكين الدين الذي ارتضاه لنا الله عز وجل؟!
إن هذا التصور يخالف قوله تعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) الآية
هل هذا الحكم الذي شَهِدَ به علماء الأمة وظهر وانتشر – يُتصور أن يكون باطلًا, ويكون الحق قد ضاع فلم يَصِلْ إلينا؟!
إن هذا التصور يخالف قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الآية

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
__________________
باحث - كلية الشريعة - قسم أصول الفقه
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16-01-07, 12:17 PM
أبو مالك العوضي أبو مالك العوضي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-10-05
المشاركات: 7,818
افتراضي

أحسن الله إليكم شيخنا الفاضل، وجزاكم الله خيرا على هذا المبحث النافع

(شـبـهـة وجـوابـهـا)

قد يقول قائل: فهمنا من كلامكم أن القول الحق لا يمكن أن يخرج عن الأقوال التي وصلتنا واستطعنا الاطلاع عليها، وأنتم تجوزون أن يكون الحق في أي من هذه الأقوال، ولكنه لا يمكن أن يخرج عنها، فيكون كل ما خرجد عنها باطلا لا يصح بحال.
ونحن نعلم يقينا أن ما نستطيع الاطلاع عليه ليس هو كل الموجود، وأن الباحثين يَظْهَرون في كل يوم على الجديد من المخطوطات ونفائس الكتب التي كان يُظن بها أنها مفقودة.
فإذا ظهر كتاب من هذا القبيل ووجدنا فيه قولا لم نجده في غيره من الكتب التي وصلتنا؛ فإما أن تقولوا إن هذا القول يحتمل الصواب، وحينئذ تناقضون أنفسكم في كلامكم السابق، وإما أن تقولوا إن هذا القول باطل ولا يمكن أن يكون حقا؛ لأنه ليس ضمن الأقوال السابقة بيقين، وعليه فلا فائدة من البحث عن الكتب المفقودة ولا عائدة ترجى من النظر فيها، وهذا لا تقولون به أنتم أنفسكم.


فالجواب بحول الله الملك الوهاب ينبني على تقرير أصل وإيضاحه:

وهو أن تخلف أفراد القاعدة أو الأصل حال التطبيق لا يقدح في تقرير القاعدة أو الأصل، بمعنى أننا إذا اتفقنا على أصل من الأصول، واتفقنا على أن هذا الأصل حجة، فحينئذ لا يقدح في ذلك أن يخطئ بعض الناس في تطبيقه لغياب بعض أفراده، ولا يؤثر في القاعدة أن يغيب عنه من العلم شيء يؤثر في حكمه.
بيان ذلك بالنظر إلى الأصول المتفق عليها، فمثلا من المعلوم أن السنة لا يحيط بها أحد من أهل العلم، ومع ذلك فالعالم مطالب قطعا بما وصل إلى علمه منها، ولا يمكن أن يطالب بما غاب عن علمه، مع أننا نقطع بأنه من المحتمل أن يكون الذي غاب عنه هو الصواب الذي لا محيد عنه، ومع ذلك فنحن نوجب عليه أن لا يقول به؛ لأنه لا يعلمه، ويجب على من وصله أن يقول به لأنه يعلمه.

ويَنظُر إلى هذا التأصيل ما ورد في الأثر (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)، والمعنى أنه أصاب اتفاقا، ولكنه أخطأ في الوسيلة، وضل في المنهج الذي اتبعه، فالمنهج خطأ سواء أصاب في النتيجة أو أخطأ.
فالمقصود من الكلام بيان الطريق إلى التأصيل والوسيلة إلى المنهجية، وليس المقصود موافقة الواقع في نفس الأمر؛ فالعامي المقلد مثلا إذا استفتى العالم فأجابه بأن هذا حرام فإنه يجب عليه أن يطيعه في هذا الكلام، وإن كان في حقيقة الأمر حلالا، والذي يعتقد أن القبلة أمامه يحرم عليه أن يصلي متجها للخلف، وإن كانت القبلة في تلك الجهة على الحقيقة.
فكذلك هنا يجب على أهل العلم أن يقولوا بما وصلهم من العلم، ولا يتكلفوا النظر في أقوال بدَعْوَى أنها لعلها قيل بها ولم تصلنا، فإن هذا كمن يحتج بحديث لأنه لعله لم يصلنا!!، ومن يَرُدُّ حديثا بناسخ لأنه لعله لم يصلنا!!، ولا شك في بطلان هذه الأقوال!!
ولكن إن فرض وثبت لغيرهم أن هذه الأقوال قيلت حقا ووصلت إليهم، وقامت البينة عندهم على صحة هذه الأقوال، فلا إشكال حينئذ في القول بها؛ لأن الخطأ هنا في تطبيق القاعدة وليس في القاعدة نفسها؛ لأننا عرفنا حينئذ أننا لم نجمع كل الأقوال ولم نحط بجميعها علما.
وقد استمر عمل السلف والخلف من أهل العلم على هذه القاعدة، فكان الإمام أو الفقيه يعمل بالنص أو بالدليل ما لم يعلم ما يخالفه، فإن علم ما يخالفه رجع إلى القول به، فهو في الحالة الأولى متبع للطريق القويم والمنهج المستقيم، وفي الحالة الثانية كذلك أيضا، فالقواعد سالمة والمنهج مطرد، ولكن النتيجة اختلفت بحسب أفراد الأدلة.

أرجو أن يكون كلامي واضحا، والله الموفق.
__________________
صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 28-01-07, 08:56 AM
ابو حمزة الشمالي ابو حمزة الشمالي غير متصل حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: 10-10-05
المشاركات: 187
افتراضي

: (أجمع علماء المسلمين على تحريم كذا وكذا).
أو: (أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على تحريم كذا)
أو: (أجمع أهل العلم على أن معنى هذه الآية – أو الحديث - هو كذا).

الإجماع حجة فيما ليس فيه نص لا من كتاب و لا سنة
وددت لو أنك ذكرت لي " فقط " خمس مسائل خالية من نص فيها أجمع عليها علماء الأمة بلا مخالف .
هذا شيء الشئ الثاني كيف يوجه قول ابن مسعود الثابت عنه بسند صحيح : الجماعة هي الحق و إن كنت وحدك ؟ فهو ظاهر في تجويز مخالفة الجماعة عند استيقان الحق بوسيلة شرعية .
و قول اسحاق ابن راهويه عندما قيل له بأن أحمد قال بمثل ما قلت فقال : لم أظن أن يتابعني على قولي أحد ؟
و قول النبي صلى الله عليه و سلم : يدرس الاسلام كما يدر س وشي الثوب فلا يعرف صلاة و ... الحديث .
كيف يدرس إن كان كل عصر لا يخلو من ناطق بالحق ؟!

بارك الله فيك شيخنا
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 23-02-07, 09:01 PM
ابو سندس المصري ابو سندس المصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-02-07
المشاركات: 8
افتراضي

جزاكم الله خيرا بحث ممتاز وفقك الله لطاعته
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 28-07-07, 06:43 PM
ياسر المؤذني ياسر المؤذني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-07-07
المشاركات: 15
افتراضي

السلام عليكم ورخمة الله وبركاته
الي مشايخي واساتذتي الكرام هل من يدلنا على معنى الزنديق لغة واصطلاحا ومتى ضهر هذا المصطلح مع فائق شكري ووافر احترامي
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:10 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.