ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 26-02-06, 12:25 AM
زكرياء توناني زكرياء توناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-07-05
المشاركات: 3,323
Post شرح متن الورقات للجويني - للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام ، بعد أن تم وضع شرح البيقونية للشيخ سعد الحميد ، هاهو شرح جديد لمتن آخر ، و هو متن الورقات للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي ، و وصلت فيه إلى باب القياس و لم أتمه ، و أعدكم أنني سأتمه لكم بعد أيام :

ملاحظة : أرغب من الإخوة إن وجدوا أخطاء أن ينبهوا عليها ، خاصة في الأبيات الشعرية ، فإن بعض الكلمات قد تخفى علي ، و لا تنسوني من دعائكم في الأسحار لي و لوالدي .


- مقدمة الشرح :


1 – ترجمة المؤلف :
هو إمام الشافعية : إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ، من جُوَيْنَ ، من نيسابور ، ولد 419 هـ ، و توفي 478 هـ ، و كان من مشاهير المتكلمين و الفقهاء و الأصولين .

2 – مقدمة في علم أصول الفقه :
علم أصول الفقه من أهم العلوم الشرعية ، لأنه به يُتوصل إلى فهم الكتاب و السنة ، و أخذ الأحكام منهما ، و ذلك أن الكتاب و السنة يُبحث فيهما من جهتين : جهة الورود ، و جهة الدلالة .
أما جهة الورود : أي : التحقق من نسبة القرآن إلى الله ، و التحقق من نسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، و ذلك بالرواية و الإسناد .
أما جهة الدلالة : أي : ما يُريده الله من عباده بهذا اللفظ ، و ما يُريده النبي صلى الله عليه و سلم من أمته بهذا اللفظ .
- و هاتان الجهتان لم يحتج الصحابة رضوان الله عليهما إلى بحثهما ، أما من جهة الورود فلسماعهم من النبي المعصوم صلى الله عليه و سلم ، و أما من جهة الدلالة ، فلأنهم أهل اللسان العربي على وجه السليقة .
- و كذلك لم تشتد حاجة التابعين للبحث فيهما ، أما من جهة الورود : فلتلقيهم من الصحابة المعدلين بتعديل الله تعالى لهم ، كما قال جل وعلا : " و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه " ، و قال تعالى : " إن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين " ، فنفى عنهم الفسق بحلـول الرضوان عليهم ، و إذا انتفى عنهم الفسق : وجب لهم ضده و هو : الرضوان و العدالة ، لأن المحل القابل للصفة ، لا يخلوا منها أو من ضدها . و أما من جهة الدلالة : فلم يشتد احتياجهم إليها لأنهم ما زالوا أهل اللسان العربي على وجه السليقة ، و لم تختلط الحضارة العربية بعد بالحضارات الأخرى اختلاطا مؤثرا .
- لكن لما جاء أتباع التابعين ، احتاجوا إلى البحث في الجهتين ، أما من جهة الورود ، فلأنهم لم يلقوا المعصوم صلى الله عليه و سلم ، و لم يدركوا أصحابه رضي الله عنهم المعدلين بتعديل الله ، و لكنهم أدركوا التابعين ، و التابعون فيهم العدول ، و غير العدول . و أما من جهة الدلالة : لأن الحضارة العربية قد اختلطت بغيرها من حضارات أهل الأرض ، و تغيرت الأوضاع عما كانت عليه ، فانتقلت المدنية التي كانت في الحضارات الأخرى إلى جزيرة العرب ، و انتقل العرب عن جزيرتهم ، و تغيرت لغتهم ، و داخلها كثير من المجاز و من اللغات الأخرى ، فاحتيج إذا للبحث في الدلالة .

و علم أصول الفقه : هو العلم الذي يمكن من خلاله تغطية النوازل و الوقائع غير المحصورة ، من النصوص المحصورة .
- آيات القرآن الكريم : بالعد الكوفي : 6214 آية ، و بالمدني : 6234 آية .
- آيات الأحكام منها : لا تتجاوز 500 آية .
- أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا تتجاوز 300000 ( ثلاثمائة ألف ) حديث .
- أحاديث الأحكام منها : لا تتجاوز 11000 ( أحد عشر ألف ) حديث .
- و مواقع الإجماع محصورة قليلة .
و مع هذا فالنوزال و الوقائع لا حصر لها ، ففي كل يوم يتجدد منها الكثير ، و لله تعالى حكم في كل مسألة ، و إنما يُؤخذ ذلك بالاجتهاد على طرق الاستدلال المعروفة ، و الفهم ، و إنما يتم ذلك بأصول الفقه .
فلما كان هذا العلم بهذه المثابة ، احتيج إلى وضع مؤلفات فيه ، تبين مصطلحات أصحابه ، و تبين مرادهم بكثير من الأمور التي تخفى على من سواهم ، و أول من جمع كتابا مستقلا في هذا العلم ، هو : محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي ، ولد سنة 150 هـ ، و توفي سنة 204 هـ ، و قد ألف فيه رسالته المشهورة ، ثم بعده تتابع الناس في الأليف في هذا العلم .
و قد اشتهر فيه مدرستان :
إحداهما : مدرسة الفقهاء ، و هي التي أخذ بها فقهاء الحنفية ، و هي تنطلق من الفتاوي و المسائل التي تُروى عن الأئمة ، فيجمعون منها حشدا كبير ، فيجعلون منه قاعدة .
و الثانية : مدرسة المتكلمين ، و عليها سار فقهاء المالكية و الشافعية و الحنابلة ، و هي تنطلق من أصل القاعدة ، فتمثل لها ببعض الفروع ، و لا تذكر من الفروع إلا ما كان مثالا للقاعدة فقط ، و هذه الطريقة هي التي كثرت التآليف فيها .
و قد حاول بعض المتأخرين الجمع بين الطريقتين ن فألفوا بعض الكتب التي تجمع بين طريقة المتكلمين و طريقة الحنفية .
و تنوعت التآليف في علم أصول الفقه ، ما بين مختصر و مبسوط ، و نظم و نثر .
و هذه الورقات قد وضع الله عليها القبول ، فلاقت شهرة و رواجا ، منذ عصر المؤلف إلى وقتنا هذا ، و لم يزل الناس يشرحونها و ينظمونها و يدرسونها و يحفظونها لأولادهم .


بـسـم الله الرحمن الرحيم


ابتدأ المصنف رحمه الله كتابه بالبسملة اقتداء بالقرآن الكريم ، فإن الله افتتحه بالبسملة و بعدها بحمد الله عز و جل .
و المقصود هنا : أبدأ مستعينا ببسم الله الرحمن الرحيم .


هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه ، و ذلك مؤلف من جزأين مفردين ، أحدهما : الأصول ، و الثاني : الفقه ، فالأصل : ما يبنى عليه غيره ، و الفرع : ما يُبنى على غيره ، و الفقه : هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد .


- ورقات : جمع ورقة ، و ذلك للقلة ، أي : أنها أوراق قليلة . و مع ذلك فهي ( تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه ) و الفصل : ما اختص من العلم بما يجمعه ، و المقصود به : مسائل من أصول الفقه يهتم فيها أساسا ، بتعريف المقدمات الكبرى ، و الاصطلاحات .
( أصول الفقه ، و ذلك مؤلف من جزأين ) و المراد بالجزأين : الكلمتان اللتان ألف منهما المركب الإضافي .
( المفردين ) : أي : ليس واحد منهما مركبا ، و ليس المقصود بالإفراد الذي يقابل الجمع .

- تعريف أصول الفقه :
1 – التعريف باعتبار مفرديه :
الأصول : جمع أصل ، و هو لغة : ما يبنى عليه غيره ، من أساس الدار ، و ما ينبت عليه غيره ، كأصل الشجرة .
الفرع : ما يٌبنى على غيره .

الفقه : مصدر فَقِهَ ، و هو لغة : الفهم ، كما قال تعالى : " قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول " أي : ما نفهم كثيرا مما تقول .
اصطلاحا : معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد .
- معرفة : الذي يقوم بنفس الفقيه ، ليكون بها فقيها .
- الأحكام : جمع حكم ، و هو لغة : الإتقان ، يُقال : أحكم الشيء : إذا أتقنه ، و منه قوله تعالى : " كتاب أحكمت آياته " ، ويُطلق الحكم أيضا على الإمساك ، فيُقال : أحكم السفيه إذا أمسكه عن سفهه ورده عنه ، و منه قول جرير :
أبني سفينة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكمُ أن أغضبا
أبني حنيفة إنني إن أهلــك أدع اليمامة لا تواري أرنبا
و الحكم اصطلاحا : هو إثبات أمر لأمر ، أو نفيـه عنه ، إثبات أمر لأمر : كـ : قام زيد ، مات زيد ، و هذا واجب ، و هذا حرام ، أو نفيه عنه : لم يقم زيد ، و لم يمت زيد ، و ليس هذا بواجب ، و ليس هذا بحرام .
و ينقسم الحكم باعتبار أصله إلى ثلاثة أقسام : حكم شرعي ، و حكم عقلي ، و حكم عادي .
فالذي يثبت أمرا لأمر أو ينفي أمرا على أمر ، لا يخلوا :
أ - إما أن يكون حكما شرعيا : أي : وحيا منزلا من عند الله عز وجل ، ومـا صدر عنه ، يسمى بالأحكام الشرعية .
و الشرع : معناه : البيان و الإظهار ، شرع الأمرَ ، إذا بينه ، و منه شِراع السفينة لظهورها ، و يُطلق الشرع على الشرب ، فيقال : شرعت الدابة : إذا دخلت في الماء لتشرب ، و تُطلق الشريعة : على ماء الغدير أو البركة الذي يُشرب منه .
و الشرع في الاصطلاح : ما أظهره الله من الأحـكام لعباده ، و هـيأه لأن يكون معينا تٌشرب منه المقاصد و التفصيلات .
و الحكم الشرعي : هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلفين ، من حيث إنه مكلف به .
ب- و إما أن يكون حكما عقليا : قضية ( أي : أمر ) قابلة للصدق والكذب ، لا تتوقف على شرع و لا عن تجربة .
ج – و إما أن يكون حكما عاديا : إثبات أمر لأمر ، أو نفيه عنه ، بواسطة التكرر ، مع صحة التخلف ، كإثبات أن عقارا ما داوء لداء ما ، ويمكن أن يتخلف ، فيمكن أن يشرب المريض الدواء الموضوع لداء معين ، و لا يُشفى ، و ذلك بقدر الله .
- التي طريقها الاجتهاد : فالأحكام الشرعية منها ما يأتي صريحا في الوحي ، بنص الكتاب أو بنص السنة ، فلا يكون طريق معرفته الاجتهاد ، بل طريق معرفته : الوحي ، فلا يسمى : فقها ، بل هو من الأمور المتفق عليها التي جاءت في النص ، كـ : وجوب الصلاة و الزكاة ، تحريم الربا .... إلخ ، فهذه لا تُنسب إلى مذهب من المذاهب ، لأنها ليس من اجتهاد أحد من الناس ، بل هي وحي من عند الله تعالى .
الاجتهاد : لغة : بذل الجهد .
اصطلاحا : بذل الفقيه وسعه في تحصيل ظن في الأحكام ، مأخوذ من أدلتها .
- من أدلتها : أي : أن ذاك يكون مأخوذا من الأدلة .
و التعريف الذي ذكره أبو المعالي للفقه تعريف مختصر ، و للأصوليين تعريف مطول ، و هو : العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية .
- و العلم : يُقصد به الفهم و الإدراك ، فيشمل القطعيات و الظنيات .
- الأحكام الشرعية : سبق الكلام عليه .
- العملية : مخرج للعقائد ، فإن العلم بها : علم بالأحكام الشرعية غير العملية .
- المكتسب : بخلاف الموحى .
- من أدلتها : فلا بد في الأحكام الشرعية أن يُرجع فيها إلى الأدلة ، و لا يكون المرجع فيها هو الأوهام و التخمينات .

- الأدلة : جمع دليل .
و هو في اللغة : المرشد ، سواء كان ذلك في الحسيات أو في المعنويات .
فمن إطلاقه على الحسيات قول الشاعر :
إذا حلَّ دين لأحصبيٍّ فقل لـه تزود بزاد و استعن بدليل
سيصبح فوقي أقتم الريش واقعا بقالي قلا أو من وراء دبيل
المراد بالدليل هنا : هو الذي يعرف المسافات ، و يدل السائر فيها .
و من إطلاقه على المعنويات ، قول الله تعالى : " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ، و لو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا " أي : علامة عليه ، و مرشدة إلى وجوده .
و الدليل في الاصطلاح : هو ما يوصل بصحيحِ النظرِ فيه ، إلى العلم بمطلوبٍ خَبَرِيّ .
و النظر : هو حركة النفس في المعقولات ، و حركتها في المحسوسات ، تسمى : تخيلا .
فالنظر إذا : هو التفكير ، و ينقسم إلى قسمين : صحيح و فاسد .
- " إلى العلم " : أغلب إطلاق الأصوليين للدليـل ، على ما يوصل إلى العلـم أو الظن ، و بعضهم يخص ما يوصل إلى العلم : بالدليل ، و ما يوصل إلى الظن : بالأمارة ، و لكن اصطلاح مندرس ، لم يسر عليه المؤلفين .
- " بمطلوب خبري " : لأن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء ، والخبر : ما يحتمل الصدق أو الكذب ، وهذا هو الذي يُحتاج فيه إلى إقامة الدليل ، أما الإنشاء ، فلا يُحتاج فيه إلى إقامة الدليل .
و الأدلة تنقسم إلى قسمين : أدلة إجمالية و أدلة تفصيلية .
- الأدلة الإجمالية : هي أجناس الأدلة في الكتاب و السنة و الإجماع و القياس .
- الأدلة التفصيلية : جزئيات هذه الأجناس .

2 – تعريف أصول الفقه بمعناه اللقبي :
أصول الفقه : الأدلة الشرعية الإجمالية ، و طرق الاستفادة منها ، و حال المستفيد .
و إذا أدرت الصفة التي يتصف بها الأصولي ، فقل : هو العلم بالأدلة الشرعية الإجمالية ، و طرق الاستفادة منها ، و حال المستفيد .
- شرح التعريف :
- " الأدلة الشرعية الإجمالية " أي : أجناس الأدلة .
- " و طرق الاستفادة منها " أي : طرق أخذ الأحكام منها .
- " و حال المستفيد " أي : حال الذي يأخذ الأحكام من الأدلة ، و هو المجتهد .

فائدة : اختلف في موضوع علم أصول الفقه :
فقيل : هو الأدلة الشرعية الإجمالية .
و قيل : هو الأحكام الشرعية .
و الظاهر : أنه جامع للأمرين ، فكلاهما مما يُبحث في أصول الفقه .


وَالأحكَامُ سَبعَةٌ : الوَاجِبُ والـمَندُوبُ وَالـمُبَاحُ والـمَحْظُورُ والـمَكْرُوهُ والصَّحِيحُ وَالبَاطِلُ .
1 - فالوَاجِبُ مَا يـُثـَاب عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ .
2 - وَالمَندُوبُ مَا يُثَابُ عَلَى فِعلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ .
3 - وَالمبَاحُ مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ .
4 - والمحظُورُ مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِِهِ وَيـُعَاقَبُ عَلى فِعْلِهِ .
5 - وَالمكرُوهُ مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ .
6 - وَالصَّحِيحُ مَا يَتَعلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَيُعتَدُّ بِهِ .
7 - وَالبَاطِلُ مَا لا يَتعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعتَدُّ بِهِ .
الأحكام الشرعية ، تنقسم إلى قسمين :
1 – الأحكام التكليفية : هي ما يكلف الله به الناس ، طلبا أو تخييرا .
فالطلب إما أن يكون طلب فعل ، أو طلب ترك ، و هو في كليهما إما أن يكون جازما أو غير جازم .
فطلب الفعل ، إن كان جازما فهو : الإيجاب ، و إلا فالندب .
و طلب الترك ، إن كان جازما فهو : التحريم ، و إلا فالكراهة .
و التخيير هو : الإباحة .

و التكليف : هو ما فيه كلفة ، أي : مشقة ، و هي : كلفة الامتثال ، و لا يُقصد بها أن كل ما يكلفنا الله به فيه مشقة ، فالمشقة التي بمعنى : ما لا يُقدر عليه ، هذه مرفوعة أصلا ، كما قال تعالى : " و ما جعل عليكم في الدين من حرج " .

- وقول إمام الحرمين : " الوَاجِبُ والـمَندُوبُ وَالـمُبَاحُ والـمَحْظُورُ والـمَكْرُوهُ " ، و هذه في الواقع متعلَّق الحكم ، لأن الحكم هو الخطاب ، أي : الإيجاب ، و الندب ، و الحظر ، و الكراهة ، و الإباحة .

2 – الأحكام الوضعية : هو ما جعله الشارع علامة لغيره .
و أقسام متعلَّق الحكم الوضعي ، قسمان : ما كان مستقلا ، و ما كان تابعا .
أ – ما كان مستقلا: و هو أربعة أقسام : السبب ، و العلة ، و الشرط ، و المانع .
السبب : هو ما جعله الشارع علامة على وجود الحكم التكليفي ، و لم يدرك العقل وجهه ترتيبه عليه ، كزوال الشمس لوجوب صلاة الظهر ، وعرّفه القرافي بأنه: ما يلزم من وجوده الوجود ، ومن عدمه العدم ، و يمكن أن يعرف بأنه : ما يلزم من عدمه العدم ، و لا يلزم من وجوده وجود و لا عدم لذاته ، فلزوم الصلاة بدخول الوقت ليس لذات الوقت ، فقد يدخل الوقت و لا تجب الصلاة ، إما لعدم تكليف كصبي ، وإما لتلبسه بمانع من حيض أو نفاس .
العلة : العلامة التي رتب الشارع الحكم التكليفي عليها ، و يدرك العقل وجه ترتيبه عليها ، كالإسكار في تحريم الخمر ، و العقل يدرك وجه جعله كذلك ، ذلك أن الحفاظ على العقل من المقاصد الشرعية و من ضرورات المكلفين ، و الخمر تُذهِب العقل ، و لذلك يدرك العاقل وجه تحريم الشرع لشربها ، و يعلم أن علة تحريمها أنها مسكرة ، أي : مزيلة للعقل .
و في تعريف العلة اصطلاحا ، قالوا : الوصف الظاهر المنضبط الذي أناط الشارع به الحكم .
- " الوصف الظاهر " : فالعلة لا يمكن أن تكون وصفا خفيا لا يُطلع عليه .
- " المنضبط " : أي الذي يكون المكلفون فيه سواء ، بخلاف الأمور التي لا تنضبط ، كالمشقة ، فلا يمكن أن تُجعل علة لحكم ، لتفاوت درجاتها ، و تفاوت الناس فيها .
- " الذي أناط الشارع به الحكم " أي : علقه عليه ، و أدرك المكلف وجه ترتيبه عليه .
الشرط : عرفه القرافي بأنه : ما يلزم من عدمه العدم ، و لا يلزم من وجوده وجود و لا عدمه لذاته ، كالطهارة للصلاة .
المانع : عرفه القرافي بأنه : ما يلزم من وجوده العدم ، و لا يلزم من عدمه وجود و لا عدم لذاته ، كوجود الحيض و النفاس ، فإنه مانع من وجود الصلاة ، و لكن خلو المرأة من دم الحيض و النفاس لا يوجب عليها الصلاة ، إلا بتوفر لاشروط و الأسباب ، و انتفاء الموانع الأخرى .
ب- ما كان تابعا : وهو سبعة : الصحة و الفساد و العزيمة و الرخصة و الأداء و القضاء و الإعادة .
الصحة : موافقة العمل للشرع .
الفاسد و الباطل : مخالفة العمل للشرع .
العزيمة : إثبات الحكم و عدم تغييره .
الرخصة : تغيير الحكم إلى سهولة ، بسبب عذر اقتضى ذلك ، مع بقاء سبب الحكم الأصلي .
الأداء : فعل العبادة في وقتها المحدد لها شرعا .
القضاء : فعل العبادة خارج وقتها المحد لها شرعا ، و إذا فُعلت بعض العبادة في وقتها وبعضها خارج وقتها ، فهل يسمى أداء أو قضاء ؟ فقيل : يسمى أداء باعتبار بدايته ، و قيل : يسمى قضاء باعتبار نهايته ، و قيل : ما في الوقت : أداء ، و ما كان خارجه : قضاء .
الإعادة : فعل العبادة ثانيا لخلل أو طلبا للأجر ، مثال الأول : من صلى لغير القبلة عالما عامدا ، فإن صلاته باطلة ، فيعيدها لوجود الخلل في عبادته الأولى ، و مثال الثاني : من صلى منفردا ، ثم وجد جماعة ، فإنه يصلي معهم الجماعة ، فهي إعادة طلبا للأجر .

- عرف إمام الحرمين الجويني الأحكام التكلفية :
1 - فالوَاجِبُ مَا يـُثـَاب عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ : هنا عرف الواجب بالخاصة ، لا بالفصل ، فهو رسم ، ثم أيضا عرفه بأمور خفية و هو الثواب و العقاب و هما أمران أخرويان ، لأن المصلي قد يصلي و لا يثاب على صلاته ، إما لعدم إخلاصه فيها ، و إما لسهوه في جميعها ، و قد لا يصلي الإنسان و لا يعاقب ، لأنه قد يكون غير مكلف ، إما لكونه مكرها أو غير ذلك ، و الأولى في تعرفيه هو ما تقدم ذكره من أن الواجب : ما طلب الشارع فعله طلبا جازما .
2 - وَالمَندُوبُ مَا يُثَابُ عَلَى فِعلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ : و القول فيه كالقول في سابقه من الاعتراض ، و الأولى أن يعرف بأنه : ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم .
3 - وَالمبَاحُ مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ : و هذا ليس بصحيح ، إذْ أن المباح إذا فعله الإنسان بقص استحلال ما أحله الله فإنه يُثاب عليه ، كما في حديث : " و في بضع أحدكم صدقة " .
4 - والمحظُورُ مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِِهِ وَيـُعَاقَبُ عَلى فِعْلِهِ : و المحظور في اللغة : مشتق من الحظيرة ، أي : التي جعل الشارع عليه حظيرة ، و المقصود به : المحرم ، الذي أحاطت به حدود الله ، التي لا يجوز تعديها ، كما قال تعـالى " تلك حدود الله فلا تعتدوها " ، و قد قال تعالى : " و ما كان عطاء ربك محظورا " أي : ممنوعا لا يمكن الوصول إليه .
و تعريفه للحرام ، تعريف بالرسم ، و الأولى تعرفه بأنه : ما طلب الشارع تركه طلبا جازما .
5 - وَالمكرُوهُ مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ : والكلام عليه كالكلام على الحرام ، والأولى تعريفه بأنه : هو ما طلب الشارع تركه ، طلبا غير جازم ، هذا في اصطلاح المتأخرين ، أما في اصطلاح المتقديم فيُطلق على المحرمات ، كما قال تعالى – بعد أن ذكر المحرمات – : " كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها " أي : حراما ، و لكن النبي صلى الله عليه و سلم فرَّق في بعض الأحاديث بين الحرام و المكروه ، كقوله : " إن ربكم حرَّم عليكم عقوق الأمهات ، و وأد البنات ، و منع الوهات ، و كره لكم قيل و قال ، و كثرة السؤال ، و إضاعة المال " متفق عليه ، فهذا الحديث يُفهم منه التفريق بين الحرام و المكروه .

- ثم عرف إمام الحرمين بعض الأحكام الوضعية ، فقال :
6 - وَالصَّحِيحُ مَا يَتَعلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَيُعتَدُّ بِهِ :
- " ينفذ " أي : يترتب اثره عليه .
- " يعتد به " أي : يعتبر قائما شرعا ، فيسقط التكليف عن المكلف بالفعل ، إذا أداه على ذلك الوجه .
و أما الصحيح في اللغة : فهو السليم من المرض ، أو هو الذي ليس به عيب ، كما قال الشاعر :
و ليل يقول المرء من ظلماته سواء صَحِيحَاتُ العيون و عُورُها
- و الصحيح يُوصف بها العبادة و العقد ، فيُقال : هذه صلاة صحيحة أي : مجزئة ، و يُقال : هذا بيع صحيح أو نكاح صحيح ، أي : يترتب عليه الأثر .
7 - وَالبَاطِلُ مَا لا يَتعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعتَدُّ بِهِ : أي : لا يكون الحكم معه نافذا ، فلا يسقط الخطاب السابق ، كمن صلى بلا طهارة ، أو كمن تزوج بخامسة .







والفِقْهُ أَخَصُّ من العِلْمِ .
وَالعِلْمُ مَعرِفَةُ المعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ في الواقع .
وَالجَهْلُ تَصُّورُ الشَّيءِ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ بِهِ في الواقع .
وَالعِلْمُ الضَّرُورِي مَا لمْ يَقَعْ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلالٍ كالعِلْمِ الوَاقِعِ بِإحْدَى الحَوَاسِّ الّتي هِيَ: السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوقُ وَاللَّمْسُ .
وَأمَّا العِلْمُ المُكْتَسَبُ فَهُوَ المَوقُوفُ عَلَى النَّظَرِ والاسْتِدْلالِ .
وَالنَّظَرُ هُوَ الفِكْرُ في حَالِ المَنْظُورِ فِيهِ .
وَالاسْتِدْلالُ طَلَبُ الدَّلِيلِ ، وَالدَّلِيلُ : هُوَ المُرْشِدُ إلى المَطْلُوبِ، لأنَّهُ عَلامَةٌ عَلَيْهِ .
والظَّنُّ تَجْويزُ أَمْرَينِ أَحدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الآخَرِ .
والشَّكُّ تَجويزُ أَمرَينِ لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما عَلَى الآخَر .
وَ أُصُول الفِقْهِ طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الإجْمَالِ وَكَيْفِيَّةُ الاسْتِدْلالِ بِهَا .

- الفقه أخص من العلم : لأن الفقه في الاصطلاح : هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية ، أما العلم : فهو يشمل العلم بالأحكام الشرعية و الأحكام العقلية ، و الأحكام العادية ، و يشمل العلم بغير الأحكام ، ويشمل العلم بالأحكام الشرعية العلمية ، ويشمل الأحكام الشرعية غير المكتسبة ، أي : الموحاة .
- وَالعِلْمُ مَعرِفَةُ المعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ في الواقع .
- " معرفة المعلوم " : أي : ما يتعلق به العلم .
- " على ما هو به " ، أي : على حقيقته ، و صفاته .
- " الواقع " أي : الحاصل .
و تعريف المصنف يقتضي الدور ، و الأولى تعريفه بـ : معرفة الشيء على ما هو به في الواقع .
- وَالجَهْلُ تَصُّورُ الشَّيءِ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ بِهِ في الواقع .
الجهل يُطلق على خلاف العلم و على خلاف الحلم ، يُقال : هذا جاهل ، بمعنى غير عالم ، و يُقال : هذا جهور ، يعني : صاحب نَزَقٍ و طيش و خفة و نقص عقل .
و أما في الاصطلاح فهو : تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع ، وهذا ما يسمى بالجهل المركب ، لأن الجهل قسمان :
1 – الجهل البسيط : وهو عدم تصور الشيء أصلا .
2 – الجهل المركب : هو تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع .
وَالعِلْمُ الضَّرُورِي مَا لمْ يَقَعْ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلالٍ كالعِلْمِ الوَاقِعِ بِإحْدَى الحَوَاسِّ الّتي هِيَ: السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوقُ وَاللَّمْسُ .
وَأمَّا العِلْمُ المُكْتَسَبُ فَهُوَ المَوقُوفُ عَلَى النَّظَرِ والاسْتِدْلالِ .
وَالنَّظَرُ هُوَ الفِكْرُ في حَالِ المَنْظُورِ فِيهِ .
وَالاسْتِدْلالُ طَلَبُ الدَّلِيلِ ، وَالدَّلِيلُ : هُوَ المُرْشِدُ إلى المَطْلُوبِ، لأنَّهُ عَلامَةٌ عَلَيْهِ .
والظَّنُّ تَجْويزُ أَمْرَينِ أَحدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الآخَرِ .
والشَّكُّ تَجويزُ أَمرَينِ لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما عَلَى الآخَر .
العلم ، ينقسم إلى ضروري و نظري .
فالضروري : نسبة إلى الضرورة ، فيجد الإنسان نفسه مضطرا إلى العلم به ، و هـو الذي لا يقع عـن نظر و استدلال .
و النظر : هو حركة العقل في المعقولات و هو : الفكر ، و الاستدلال : طلب الدليل .
مثاله : العلم الحاصل بالحواس الخمس .
و الحواس ، جمع حاسة : هي التي تُحِسُّ ، و هي : العين ، و الأذن ، الفم ، الأنف ، و اليد ، و وظيفةُ الحواس هي : الإحساس ، و الإحساس خمسة أنواع كذلك و هي : البصر ، و السمع ، الذوق ، و الشم ، و اللمس ،
و مثاله أيضا : العلم الحاصل بالتواتر ، فإنه يفيد العلم الضروري ، كقطع الإنسان الذي لم ير مكة ، بوجود مكة ، و كذلك القطع بوجود بيت الله الحرام .
و مثال المتواتر : القرآن ، فإنه رواية الكافة عن الكافة .

العلم المكتسب : هو الذي يقع عن نظر و استدلال .
جعل إمام الحرمين العلمَ المكتسبَ مقابلا للعلم الضروري ، و المقصود به : العلم النظري .

و النظر : هو الفكر في حال المنظور .
ذكره لكلمة " المنظور " في تعريف النظري ، فيه إشكال ، لأنه يلزم منه الدور .

و الاستدلال : طلب الدليل .
و المراد هنا بالاستدلال : هو إقامة الدليل .

الدليل : هو المرشد إلى المطلوب ، هذا في اللغة ، و سواء أكان حسيا كالدليل الذي يدل الناس في السفر ، أو معنويا مثل : الدليل الذي يُؤخذ منه الحكم ، وقد سبق الكلام عليه .

الظن : تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر ، و الشك : تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر .
العلم ينقسم إلى أربعة أقسام :
- اليقين : و هو الذي يقتضي حصول تمام العلم ، بحيث لا يبقى الإنسان مترددا في معلومه .
- الظن : هو حصول جمهور العلم ، بحيث يكون الحصول أرجحَ لدى الإنسان من خلافه .
- الشك : و هو استواء الطرفين .
- الوهم : و هو مقابل الظن ، و هو الاحتمال المرجوح .

وَ أُصُول الفِقْهِ طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الإجْمَالِ وَكَيْفِيَّةُ الاسْتِدْلالِ بِهَا .
عرف هنا أصول الفقه بمعناه اللقبي .
قوله : " طرقه " أي : أدلته .
قوله : " على سبيل الإجمال " أي : الإجمالية .
قوله : " وكيفية الاستدلال بها " أي : كيفية أخذ الأحكام منها ، فيشمل الأحكام ، ويشمل آخذ الأحكام .

أبواب أصول الفقه
و من أبواب أصول الفقه : أقسام الكلام ، و الأمر، و النهي ، و العام ، و الخاص ، و المجـمل ، و المبين ، و الظاهر ، و المؤول ، و الأفـعال ، و الناسخ و المنسـوخ ، و الإجـماع ، و الأخبار ، و القياس ، و الحظر و الإباحة ، و ترتيب الأدلة ، و صفة المفتي و المستغني ، و أحكام المجتهدين.
هذا هو التقسيم الذي اشتهر في زمن المصنف ، و المتأخرون يقسمونه تقسيما آخر .

و للدخول في أي فن ينبغي ذكر مقدماتٍ عشرةً :
حده : الأدلة الشرعية الإجمالية ، و طرق الاستفادة منها ، و حال المستفيد.
موضوعه : الأحكام الشرعية ، و أدلتها .
ثمرته : الفهم عن الله و عن رسوله صلى الله عليه و سلم .
نسبته : هي نسبة العموم و الخصوص الوجهي ، لاشتراكه مع بعض هذه العلوم في بعض الأبحاث ، ولانفراده بكثير من هذه البحوث التي يختص بها .
فضله : سبق في مقدمة الشرح .
واضعه : ليس لهذا العلم واضعا معينا ، لكن أول من ألف فيه كتابا مستقلا : الشافعي .
اسمه : أصول الفقه .
استمداده : نصوص الشرعية ، و كلام العرب ، و مصطلحات المتكلمين .
حكم الشارع فيه :
مسائله : هي أبوابه التي ذكرها في هذا الباب .

أقسام الكلام

الكلام : يُطلق في اللغة على عدة معان ، منها : الخط ، كقول عائشة رضي الله عنها : " ما بين دفتي كلام الله " و الذي بين دفتي المصحف : هو الخطوط ، و منها : الإشارة ، كقول الشاعر :
إذا كلمتني بالعيون الفــواتر رددت عليها بالدموع البــوادِدِ
و لم يعلم الواشون ما كان بيننا و قد قُضيت حاجاتنا بالضـمائر
و يطلق أيضا على : ما يُفهم من حال الشيء ، كما قال الشاعر :
يا دار عبلة بالجواء تكلمي و عمي صباحا دار عبلة و اسلمي
و اصطلاحا : هو اللفظ المركب المفيد بالوضع .
اللفظ : في اللغة : الطرح و الترك و الرمي ، يقال : لفظت الدابة الحشيش إذا تركته ، و يقال : لفظ فلان الحصاة إذا رمى بها ، و منه قول الشاعر :
غيلان عشية ما لي حيلة غير أنني بلفظ الحصى و الخط في الرمل مولع
و اطلاحا : هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية .

المركب : مخرج للكلمة الواحدة ، فلا تسمى كلاما في الاصطلاح .


فأما أقسام الكلام ، فأقل ما يتركب منه الكلام : اسمان ، أو اسم و فعل ، أو اسم و حرف ، أو حرف و اسم .
الكلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام : اسم و فعل و حرف .
الاسم : ما دل على مسمى .
الفعل : هو ما دل على حركة المسمى .
الحرف : ما دل على معنى في غيره .

أقل ما يتألف منه الكلام :
- اسمان ، مثل : " ذا زيد " .
- اسم و فعل ، مثل : " استقم " أي : أنت .
- اسم و حرف ، و هذا ليس بصحيح .
- فعل و حرف ، و هذا ليس بصحيح أيضا ، و ما كان فيه في النداء نحو : " يا زيد " ، فهذا على تقدير فعل ، أي : أدعو زيد .

قال ابن مالك في الكافية :
و هو من اسمين كزيد ذاهب و اسم و فعل نحو فاز التائب


و الكلام ينقسم إلى : أمر ، و نهي ، و خبر ، و استخبار .
ينقسم الكلام إلى إنشاء و خبر .
الإنشاء : إحداث معنى بلفظ يقارنه في الوجود ، كبعتُ ، و أعطيت ، و خذ ، و كيف حالك ؟
الخبر : التحدث عن أمر قد حصل أو يحصل .

و الأمر و النهي : كلاهما من الطلب ، و الطلب من أقسام الإنشاء ، و الاستخبار كذلك ، لأنه طلب الخبر أي : الاستفهام .

و أما الخبر ، فهو قسم بذاته ، و هو ما يحتمل التصديق و التكذيب ، كـ : مات زيد ، و جاء بكر .

و ينقسم أيضا إلى : تمن ، و عرض ، و قسم .
هذا التقسيم كله غير حاصل ، و يقصد المصنف أن من أقسام الكلام : التمني ، و لكن التمني من أقسام الإنشاء ، و كذلك العرض و القسم .

و من وجه آخر ، ينقسم إلى : حقيقة ، و مجاز .
فالحقيقة : ما بقي في الاستعمال على موضوعه ، و قيل : ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطبة .
و المجاز : ما تجوز عن موضوعه .
فالحقيقة : إما لغوية ، و إما شرعية ، و إما عرفية .
و المجاز : إما أن يكون بزيادة ، أو نقصان ، أو نقل ، أو استعارة .
فالمجاز بالزيادة ، مثل قوله تعالى : " ليس كمثله شيء " .
و المجاز بالنقصان ، مثل قوله تعالى : " و اسأل القرية " .
و المجاز بالنقل ، كالغائط فيما يخرج من الإنسان .
و المجاز بالاستعارة ، كقوله تعالى : " جدارا يريد أن ينقض " .
هذا تقسيم آخر للكلام ، فالكلام ينقسم إلى : حقيقة و مجاز .
الحقيقة : هي اللفظ المستعمل أولا ، أي : اللفظ الذي بقي على ما استعمل فيه أول مرة .
فائدة : الحقيقة و المجاز ، لا تكونان إلا في المركب ، فاللفظ المفرد يُحمل في الأصل على الحقيقة ، كـ : الأسد ، هو للحيوان المفترس ، لكن في التركيب ، مثل : جاء أسد ، فيحتمل أن تكون للحقيقة ، و يحتمل أن تكون للمجاز .

فائدة : الحقيقة : مشتقة من حقَّ ، بمعنى : ثبت و استقر ، لا من الحَقِّ الذي هو خلاف الكذب ، كما قال تعالى : " فحق عليهم القول " أي : استقر عليهم ، و تحقق فيهم .
فليس المجاز كذبا ، إذ لو كان كذلك لما جاز وروده في الوحي .

فائدة : اللغة أصلا ، اختلف فيها هل هي وضعية ، اتفق الناس على وضعها ، أو هي توقيفية من عند الله سبحانه و تعالى ، و إذا قلنا إنها توقيفية من عند الله ، فلا يُقصد بذلك كلُّ ألفاظها ، بل ما يحصل به التفاهم في كل لغة ، و إلا فإن كل لغة قابلة للثراء و للنماء ، فتزداد بكثير من الألفاظ المشتقة من أصولها الموجـودة ، و يندرس منها كثير من الألفاظ ، و هي التي توصف بالغرابة مع طول الزمن .

و عرَّف الجوينُّي الحقيقةَ بقوله :
الحقيقة : ما بقي في الاستعمال على موضوعه .
- " ما بقي في الاستعمال " أي : ما بقي شائعا في استعمال الناس له .
- " على موضوعه " ، أي : على ما وُضع له في دلالته الأصلية .
و قيل : ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطبة .
و المعنى : ما اصطلح الناس عليه و اتفقوا عليه من المخاطبة في اصل الكلام .

و المجاز :
لغة : مكان الجواز ، أي : العبور ، فتقول : هذا مجاز ، أي : باب يُجاز منه إلى غيره .
و اصطلاحا : ما تجوز عن موضوعه .
أي : ما نقل عما وُضع له في أصل اللفظ ، أو : اللفظ الذي استعمل ثانيا ، أي : استعمالا غير الاستعمال المعهود المتبادر إلى الذهن .


و الحقيقة إما : شرعية ، و إما لغوية ، و إما عرفية .
الحقيقة الشرعية : كالصلاة ، للعبادة المعروفة .
الحقيقة اللغوية : استعمال اللفظ على معناه الأصلي المتبادر في اللغة ، كـ : الأسد ، للحيوان المفترس .
الحقيقة العرفية : ما تعارف الناس عليه بعد أصل اللغة ، كـ : الدابة ، فهي حقيقية عرفية لذوات الحافر ، و هي في الأصل لكل ما يدب على الأرض .

و المجاز : إما أن يكون بزيادة ، أو نقصان ، أو نقل ، أو استعارة .
- المجاز بالزيادة ، أي : بزيادةٍ في اللفظ ، يمكن في الأصل الاستغناء عنها ، و لكنها جيء بها لأمر آخر ، مثاله قول الله تعالى : " ليس كمثله شيء " فالكاف هنا زيادة في الكلام ، و أصل الكلام : " ليس مثله شيء " ، و الكاف جاءت لتأكيد هذا المعنى ، فكانت زيادة مفيدة .
- المجاز بالنقص : مثل قول الله تعالى : " و اسأل القرية " أي : أهل القرية ، فخرج به الكلام عن استعماله الأصلي ، فكان : مجازا بالنقص .
- المجاز بالنقل ، أي : نقل اللفظ عن معناه الأصلي إلى معنىً آخر ، له معه علاقة ، مثاله : الغائط ، فهو في الأصل : المطمئن من الأرض ، و لكن الشارع نقله للدلالة على الحدث الخارج من البدن ، فاستعمل الغائط في معنى غير معناه الأصلي بواسطة النقل .
- الاستعارة ، لغة : طلب الإعارة ، و اصطلاحا : التشبيه الذي حُذفت أداته ، مثال : زيد أسد ، أي : كالأسد .

باب الأمر
والأمر استدعاء الفعل بالقول لمن هو دونه على سبيل الوجوب ، و الصيغة الدالة عليه : افـعل ، و هي عند الإطـلاق و التجرد عن القرينة تحمل عليه ، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه : الندب أو الإباحة .
و لا يقتضي التكرار على الصحيح ، إلا إن دلَّ الدليل على قصد التكرار ، و لا يقتضي الفور .
و الأمر بإيجاد الفعل أمر به و بما لا يتم الفعل ، كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة .
و إذا فعل يخرج المأمور عن العهدة .
الأمر : لغة : مصدر " أَمَر " ، و أمر بالشيء : إذا طلب وقوعه .
و اصطلاحا : استدعاء الفعل بالقول لمن هو دونه على سبيل الوجوب .
- " استدعاء الفعل " ، أي : طلب وقوع الفعل .
- " بالقول " ، أي : سواء كان صريحا باللفظ ، أو قام مقامه كالإشارة أو كتابة ، فكل ذلك من الأمر .
- " لمن هو دونه " ، هنا شرط العلو من الآمر ، و هذا محل خلاف بين الأصوليين .
و المناطقة يقسمون طلب الفعل إلى ثلاثة أقسام :
- فإن كان الطالب أعلى من المطلوب منه الفعلُ فهو : الأمر .
- و إن كان أدنى منه ، فهو : دعاء .
- و إن كان من مساو ، فهو : التماس .
- " على سبيل الوجوب " ، أي : على سبيل الحتم ، ولكن هذا القيد يُستغنى عنه هنا ، لأنه يُخرج الأمرَ الذي لا يقتضي الجزم ، ويُخرج أيضا : الأمر المطلق الذي لا يُنظر فيه إلى قيد الجزم ، ولا إلى قيد عدم الجزم .

- قال : " و الصيغة الدالة عليه : افعل " .
في هذا إثبات أن للأمر صيغةً ، و أن صيغته هي لفظ : " افعل " ، و لا يُقصد بها هذا الوزن ، بل يُقصد بها فعل الأمر مطلقا ، سواء كان الفعل ثلاثيا كـ " اكتب " ، أو رباعيا كـ " أكرم " ، أو خماسيا كـ " انطلق " ، أو سداسيا كـ " استخرج " .
- و " افعل " هو صيغة الأمر الأصلية ، و مثلها : الفعل المضارع المقرون بلام الأمر .

- قال : " و هي عند الإطلاق و التجرد عن القرينة تحمل عليه " .
- " و هي " أي : صيغة الأمر " افعل " .
- " عند الإطلاق " أي : عدم تقييدها بقيد يصرف عن ذلك .
- " و التجرد عن القرينة " أي : عدم وقوع القرينة الحالية التي تصرف عن ذلك أيضا .
- " تحمل عليه " أي : تحمل على استدعاء الفعل على وجه الوجوب .
فالأمر في الأصل يُحمل على الوجوب ، و محل هذا : أمر من هو أعلى .

فائدة : القرينة : ما يقارن الشيء ، وهي إما حالية ، و إما مقالية ، والمراد بها في كلام المصنف هي الحالية ، لأن المقالية مذكورة في قوله : " عند الإطلاق " .

- قال : " إلا ما دل الدليل على أن المراد منه : الندب أو الإباحة " ، هذا الاستثناء منقطع ، لأن ما دل الدليل على أن المراد به الندب أو الإباحة ، ليس عند الإطلاق و التجرد عن القرينة .
و المراد : أن الأمر إذا لم يحتفَّ بقرينة حالية أو مقالية ، تدل على عدم إرادة الوجوب ، فإن محمله على الوجوب ، و لكن دلت قرينة حالية أو مقالية على أن المقصود به الندب ، فإنه يُصرف إلى الندب ، أو دلت قرينة حالية أو مقالية على أن المقصود به الإباحة ، يُصرف إلى الإباحة .

- فإطلاقه الأصلي : الوجوب ، مثل قوله تعالى : " أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة " ، فهذا الأصل فيه أنه للوجوب.
و إذا احتفت قرينة تقتضي عدم الوجوب ، عُمل بتلك القرينة .
- مثاله قوله عليه الصلاة و السلام : " صلوا قبل المغرب ركعتين " ثم قال في الثالثة : " لمن شاء " ، و قال : " بين كل أذانين صلاة " ثم قال : " لمن شاء " .
- و إذا كان الأمر بعد الحظر ، كقوله تعالى : " و إذا حللتم فاصطادوا " ، فهذه قرينة تدل على عدم الوجوب ، فلا يجب عـلى من تحلل من الحج أو العمرة أن يصطاد ، لأن هذا الأمر ورد بعد الحظر في قوله تعالى : " غير محلي الصيد و أنتم حرم " .
و مثله قوله تعالى : " فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله " ، فقوله : " فأتوهن " صيغة أمر ، و لكنها لا تدل على الوجوب ، لأنها جاءت بعد حظر ، و هو قوله تعالى : " يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض و لا تقربوهن حتى يطهرن " .

- و القرينة الحالية ، كأن يكون سياق الأمر للإرشاد الطبي أو نحوه .
- و الإرشاد قد يُفهم من القرينة المقالية أيضا ، مثل قوله صلى الله عليه و سلم : " زوروها فإنها تذكركم الآخرة " ، فالأمر هنا ليس للوجوب ، لأنه قال : " فإنها تذكركم الآخرة " ، فبين العلة ، فهي قرينة مقالية تدل على عدم إيراد الوجوب .

قال : " و لا يقتضي التكرار على الصحيح ، إلا إن دلَّ الدليل على قصد التكرار " .
أي : أن الأمر في أصل صيغته لا يدل على التكرار ، و التكرار : فعل الشيء أكثر من مرة .
فإذا قال الآمر : صل ، فلا يقتضي ذلك تكرار الصلاة ، بل تكفي في امتثاله صلاةٌ واحدة .
و هذا على الصحيح .
و قوله : " إلا إن دلَّ الدليل على قصد التكرار " ، أي : إن دل الدليل على قصد التكرار سواء كان ذلك الدليل مقاليا نحو : " كلما غربت الشمس فصل " ، و مثاله قول الله تعالى : " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " و الشهر متكرر ، أو حاليا .

قال : " و لا يقتضي الفور " .
أي : أن الأمر لا يقتضي الفور ، و هذا محل خلاف بين أهل العلم .
- فذهب طائفة من الأصوليين إلى أن الأمر يقتضي الفور ، إذا تجرد عن القرائن .
- قالت طائفة : لا يقتضي الفور ، بل يبقى مطالبا به ، متى ما أداه حصل المقصود .
و المقصود بالفور : المبادرة بأدائه .
و من هذا ، اختلفت أنظار العلماء في قوله تعالى : " و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " هل الأمر بالحج على الفور أم على التراخي ؟ .

قال : " و الأمر بإيجاد الفعل أمر به و بما لا يتم الفعل ، كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة . " .
1 – الأمر قد يتعلق بالشيء مباشرة ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم :" إن الله فرض عليكم الحج فحجوا " .
2 - و قد يتعلق بسببه و ما يتوقف عليه ، فيكون ذلك أمرا به ، لأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به : واجـب ، و محل ذلك : إذا كان جزءا من المأمور به ، مثل : غسل الوجه ، كما قال تعالى : " فاغسلوا وجوهكم " فغسل الوجه لا يتحقق إلا بغسل شيء من الرأس ، حتى يتحقق الإنسان أنه غسل كل الوجه ، فما لا يتم الواجب المطلق إلا به : واجب ، فيدخل جزء الرأس في وجوب غسل الوجه .
3 – أما إن كان سببا ، فإنه لا يجب سواء دخل في الطوق أم لم يدخل فيه ، فالسبب الداخل في الطوق ، كجمع المال حتى يبلغ نصابا لوجوب الزكاة ، فالزكاة سبب وجوبها : ملك النصاب ، و دوران الحول عليه ، فلا يجب على المسلم أن يجمع المال حتى يلبغ نصابا لتجب عليك الزكاة ، و هو داخل في الطوق .
و مثال ما ليس داخلا في الطوق : تغريب الشمس حتى تجب عليك صلاة المغرب ، فهذا قطعا لا يجب ، لأنه لو وجب لكان من التكليف بالمحال ، و لا يجوز التكليف بالمحال .
4 – أما إن كان شرطا ، فإن كان داخلا في الطوق كالطهارة للصلاة ، فهو واجب ، و إن كان خارجا عن الطوق كالنقاء من دم الحيض و النفاس ، فلا يجب .

قال : " و إذا فعل يخرج المأمور عن العهدة " ، فإذا بالمأمور به على الوجه الصحيح ، أجزأه و لم يُخاطب به مرة أخرى ، فتبرأ ذمته .

من يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل
يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون ، و الساهي و الصبي و المجنون غير داخلين في الخطاب ، و الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ، و بما لا تصح إلا به وهو الإسلام ، لقوله تعالى: ﴿ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ .
و الأمر بالشيء نهي عن ضده ، و النهي عن الشيء أمر بضده .
قوله : " يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون " ، فقوله تعالى – مثلا – : " أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة " ، فيشمل هذا كلَّ مؤمن بالله تعالى ، إلا إذا كان متصفا بما يمنعه من الدخول في العموم ، كغير المكلف ، و من رفع عنه القلم ، فلا يدخل في هذا الخطاب .
و لهذا قال الجويني : " و الساهي و الصبي و المجنون غير داخلين في الخطاب " .
- الساهي : غائب العقل في وقت الخطاب ، سواء كانت غيبته عميقة كالإغماء ، أو خفيفة كالسهو.
- الصبي : غير البالغ .
- المجنون : المصاب بما يغطي عقله .
- أما المريض مرضا دون ذلك ، بحيث لا يستطيع أداء الفعل في وقته ، و المسافر الذي هو مخير بين الصوم و الإفطار ، اختلُف في دخولهما في الخطاب .
- فقيل : يدخلان في الخطاب ، لأنه يلزمهما القضاء ، مثل ذلك الحائض فيما يتعلق بالصوم دون الصلاة ، فالحائض لم تخاطب بالصلاة لا أداء و لا قضاء ، و هي لم تخاطب بالصوم أداء ، و لكنها خوطبت به قضاء .

فائدة : هل القضاء بالأمر الجديد ، أم بالأمر الأول ؟ هذا محل خلاف .

قال : " و الكفار مخاطبون بفروع الشرائع " .
الكفار غير نعذورين بكفرهم ، فهم مخاطبون بفروع الشرائع ، أي : تفصيلاتها الزائدة على أصل الإيمان ، فيدخل في ذلك : الصلاة ، و الصوم ، و الحج ، و غير ذلك ، لأنهم مخاطبون بالإسلام .
و هذه المسألة محل خلاف بين الأصوليين :
1 – فذهب جمهورهم إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، لقوله تعالى : " ما سلككم في سقر ، قالوا لم نك من المصلين ، و لم نك نطعم المسكين ، و كنا نخوض مع الخائضين ، و كنا نكذب بيوم الدين ، حتى أتانا اليقين " ، فهؤلاء كفار ، لأنهم قالوا : " كنا نكذب بيوم الدين " ، و مع ذلك فمما سلكهم في النار : أنهم لم يكونوا من المصلين ، و لم يكونوا يطعموا المسكين ، و كانوا يخوضون مع الخائضين .
2 – و قالت طائفة أخرى ، هم غير مخاطبين بفروع الشريعة ، لأنها لا تُجزئهم و لا تصح منهم ، فلو كانوا مخاطبين بها لأجزأهم فعلها ، و من المعلوم أن الكافر إذا صلى ، لا تصح صلاته ، و إذا صام لم يصح صيامه ، و هكذا جميع الأعمال ، كما قال تعالى : " و قدمنا على ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " ، وقال : " و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله " .

قال : " و بما لا تصح إلا به وهو الإسلام " ، أي : أن الكفار مخاطبون بما لا تصح الفروع إلا به ، و هو : الإسلام .

فائدة : الكافر إذا أسلم ، لا يُخاطب بقضاء شيء مما مضى ، مع أنه كان مخاطبا به .

قال : " و الأمر بالشيء نهي عن ضده ، و النهي عن الشيء أمر بضده " .
- الأمر بالشيء نهي عن ضده ، أي : الأمر بالشيء نهي جميع أضداده ، مثلا : لو قال قائل : " قم " ، هذا نهي عن الجلوس و عن الاتكاء ، لأنك لا تكون ممتثلا إلا إذا فعلت ما أمرت به .
- و النهي عن الشيء أمر بضده ، أي : النهي بالشيء أمر بأحد أضداده فقط ، مثال ، لو قال قائل : " لا تقم " ، فإنك تكون ممتثلا إذا جلستَ و إذا اضطجعتَ و إذا اتكأتَ .


النهي
والنهي استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب ، و يدل على فساد المنهي عنه .
و ترد صيغة الأمر و المراد به : الإباحة ، أو التهديد ، أو التسوية ، أو التكوين .
قال : " والنهي استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب " ، فعرفه ضد تعريف الأمر .
- " استدعاء الترك " ، أي : طلب الترك .
- " بالقول " ، أي : سواء كان باللفظ أم بالخط أم بالإشارة .
- " ممن هو دونه " ، هذا شرط للعلو أو للاستعلاء .
- " على سبيل الوجوب " ، ليقتضي ذلك الجزم ، و الأولى عدم ذكر هذا في التعريف ، لأن النهي يُطلق بقيد الجزم فيدل على التحريم ، و يُطلق بقيد عدم الجزم فيدل على الكراهة ، و لا بقيد شيء ، فهو النهي المطلق الذي يشمل التحريم أو الكراهة .

قال : " و يدل على فساد المنهي عنه . " .
الأمر ، مقتضاه التكليفي : هو الوجوب – على الراجح – عند الإطلاق ، و قد يدل على الندب أو الإباحة بالقرائن .
و النهي ، مقتضاه التكليفي : هو التحريم – على الراجح أيضا – ، و قد يقتضي : الكراهة .

و أما مقتضاهما الوضعي :
فمقتضي الأمر : الصحة .
ومقتضي النهي : الفساد و البطلان .

فإذا نهى الشارع عن أمر ، فليس لذلك الأمر حقيقة ، لأن المعدوم شرعا ، كالمعدوم حسا ، فيدل على فساد المنهي عنه ، فلا يترتب عليه أي أثر ، لأنه فاسد .

قال : " و ترد صيغة الأمر و المراد به : الإباحة ، أو التهديد ، أو التسوية ، أو التكوين . " .
صيغة الأمر و صيغة النهي ، تَرِدَان على غير ما سبق ، فقد تأتيان محتفتين بالقرائن التي تدل على عدم إرادة المعنى الأصلي .
صيغة الأمر :
- قد تأتي صيغة الأمر و المراد بها : الإباحة ، كقوله تعالى : " و إذا حللتم فاصطادوا " .
- و قد تأتي صيغة الأمر و المراد بها : التهديد ، كقوله تعالى : " قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار " .
- و قد تأتي صيغة الأمر و المراد بها : التسـوية ، أي : التسـوية بين الفعل و الترك ، كقوله تعالى : " اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم " .
- و قد تأتي صيغة الأمر و المراد بها : التكوين ، أي : الإيجاد ، كقوله تعالى : " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " .




باب العام
و أما العام فهو ما عم شيئين فصاعداً ، من قولك : عممت زيداً و عمراً بالعطاء ، و عممت جميع الناس بالعطاء .
وألفاظه أربعة :
1 - الاسم الواحد المعرف باللام .
2- و اسم الجمع المعرف باللام .
3 - و الأسماء المبهمة ، كـ " من " فيمن يعقل ، و " ما " فيما لا يعقل ، و " أي " في الجميع ، و " أين " في المكان ، و " متى " في الزمان ، و " ما " في الاستفهام و الجزاء ، و غيره .
4 - و " لا " في النَّكِرَاتِ .
والعموم من صفات النطق ، و لا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجرى مجراه .

الـعــام :
لغة : الشامل .
اصطلاحا : لفظ يتناول الصالح له من غير حصردفعة .
- لفظ : فالعموم من عوارض الألفاظ ، فلا يوصف بها المعاني ولا الأجسام في الاصطلاح ، و إلا فهو في الأصل يتناول المعاني و الأجسام .
- يتناول الصالح له : أي : يدخل تحته ما يصدق عليه .
- من غير حصر : أي : من غير حصر في عدد معين .
- دفعة : في نفس الوقت ، فيتناولهم جميعا ، لا على سبيل البدلية ، كـ : الرجال .
و هذا بخلاف المطلق ، فإنه يتناول الصالح من غير حصر على سبيل البدلية ، كـ : رجل .

قال : " و أما العام فهو " أي : في اللغة " ما عم " أي : شمل "شيئين فصاعداً " .

قال : " من قوله : عممت زيداً و عمراً بالعطاء ، و عممت جميع الناس بالعطاء " .
و لم يعرف الجويني العام اصطلاحا ، و قد سبق ذكر تعريفٍ له .

قال : " وألفاظه أربعة " أي : صيغه ، و صيغه ليست محصورةً فيما ذكره ، بل له صيغ أخرى .


قال : " 1 - الاسم الواحد المعرف باللام " .
- الاسم الواحد : أي : المفرد ، و هو غير المثنى و لا المجموع .
- المعرف بالألف و اللام : أي : المحلى بأل الجنسية .
مثاله : الرجل .

قال : " 2- و اسم الجمع المعرف باللام . " .
- اسم الجمع المعرف باللام : أي : المحلى بأل الجنسية .
مثاله : الرجال .

قال : " 3 - و الأسماء المبهمة ، كـ " من " فيمن يعقل ، و " ما " فيما لا يعقل ، و " أي " في الجمـيع ، و " أين " في المكان ، و " متى " في الزمان ، و " ما " في الاستفهام و الجزاء ، و غيره . " .
- الأسماء المبهمة : أي : الموصولات ، و أسماء الشرط ، و أسماء الاستفهام .
- كـ " من " فيمن يعقل : أي : للن يعقل : أي : للفيما لا يعقل . - و " أي " في الجمـيع : أي : فيمن يعقل ، و فيما لا يعقل .
- و " أين " في المكان .
- و " متى " في الزمان .
- و " ما " في الاستفهام و الجزاء : مثال الاستفهام : " ما تلك بيمينك يا موسى " ، و مثال الجزاء ، أي : الشرط : " ما تفعلوا من خير يعلمه الله " ، فهذا يشمل القليل و الكثير .

قال : " 4 - و " لا " في النَّكِرَاتِ " .
النكرة في سياق النفي ، فهي للعموم ، سواء كان النفي بـ " لا " كما ذكر المصنف أو بغيرها ، مثاله : " لا رجل في الدار " .

قال : " والعموم من صفات النطق " .
أي : أن العموم من عوارض الألفاظ ، لا من عوارض المعاني و لا من عوارض الأجسام ، و هـذا في الاصطلاح ، و إلا فهو في الأصل من عوارض الأجسام كـ : عمَّ الحبلُ الحطـبَ ، و من عوارض المعاني كـ : عممت الناس بالعطاء .

قال : " و لا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل و ما يجرى مجراه " .
- " و لا يجوز دعوى العموم في غيره " أي : في غير صيغ العموم .
- " من الفعل و ما يجري مجراه " .
مثال الفعل : " كلْ " و " اشربْ " ، فهذا لا يدل على العموم ، بل يُمتثلُ بأكل أيِّ شيء ، و شرب أيِّ شيء ، و لا يمكن أن يكون المراد بذلك : أكلُ كلِّ شيء ، و شربُ كلِّ شيء .
- قوله : " و ما يجري مجراه " أي : مما يشبه الفعل من الأوصاف و نحوها ، فهو من المطلق ، و ليس منه شيء من قبيل العموم .

أمثلة عن العموم :
- مثال المفرد المحلى بأل ، قوله تعالى : " و العصر ، إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا .... " ، فالإنسان أي : كل إنسان ، بدليل الاستثناء الذي بعده ، فالاستثناء معيار العموم .
- مثال الجمع الحلى بأل ، قوله تعالى : " قد أفلح المؤمنون " ، " و إذا بلغ الأطفال منكم الحلم " .
فائدة : أل العهدية ، إذا كان المعهود عاما ، كانت للعموم ، مثل قوله تعالى : " و إذ قال ربك للملائكة " .
و إذا كان المعهود مفردا ، كقوله تعالى : " كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ، فعصى فرعون الرسول " ، فهنا لا يُقصد به العموم .
- مثال الأسماء المبهمة : " من يعمل سوءا يجز به " و "من " هنا شرطية ، و قوله " فأين تذهبون " أي : في أي اتجاه تذهبون ، و قوله " متى نصر الله " .
- مثال النكرة في سياق النفي : " فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج " ، و كذلك النكرة في سياق النهي ، مثل قوله تعالى : " فلا تدعوا مع الله أحدا " ، و النكرة في سياق الشرط ، كقوله تعالى : " و إن أحد من المشركين استجارك فأجره " .
فائدة : ترك المصنف من ألفاظ العموم : " كل " و " جميع " و " عامة " ، و المضاف إلى معرفة ، و النكرة في سياق الامتنان ، و النكرة في سياق الإثبات في صورٍ قليلة ، مـثل قوله تعالى : " علمت نفس ما أحضرت " فالأصل في النكرة في سياق الإثبات أن تكون للإطلاق ، ولكنها قد ترد للعموم في مواضع نادرة .






باب الخاص
و الخاص : يقابل العام ، و التخصيص : تمييز بعض الجملة ، و هو ينقسم إلى متصل و منفصل .
فالمتصل : الاستثناء ، و التقييد بالشرط ، و التقييد بالصفة .
و الاستثناء : إخراج ما لولاه لدخل في الكلام ، و إنما يصح بشرط أن يبـقى من المستثنى منه شيء ، و من شرطه أن يكون متصلاً بالكلام ، و يجوز تقديم الاستثناء عن المستثنى منه ، و يجوز الاستثناء من الجنس و من غيره .
و الشرط : يجوز أن يتأخر عن المشروط ، و يجوز أن يتقدم عن المشروط .
و المقيد بالصفة : و يحمل عليه المطلق ، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع ، و أطلقت في بعض المواضع ، فيحمل المطلق على المقيد .
و يجوز تخصيص الكتاب بالكتـاب ، و تخصيص الكتـاب بالسنة ، و تخصيص السنة بالكتاب ، و تخصيص السنة بالسنة ، و تخصيص النطق بالقياس ، و نعني بالنطق : قول الله تعالى وقول الرسول صلى الله عليه وسلم .

الخاص :
لغة : من " خصَّ الشيء بكذا " .
اصطلاحا : لفظ يتناول ما دل عليه على وجه محصور ، أو : اللفظ الدال على محصور .

فائدة : لم يذكر الجويني أنواعَ العام ، و العام على ثلاثة أنواع : عام باق على عمومه ، كالأمثلة التي سبقت في الباب الذي قبل هذا ، و عام مراد به الخصوص ، كقول الله تعالى : " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم " ، و عام مخصوص ، و هو العام الذي أريد به العموم في الأصل ، و لكنه خصص بعد ذلك .

قال : " و الخاص : يقابل العام " ، يقابله أي : يضاده .

قال : " و التخصيص : تمييز بعض الجملة " أي : بحكمٍ مستقلٍ بها ، و المراد بـ " الجملة " هنا : ما يتناوله العامُّ .

قال : " و هو ينقسم إلى متصل و منفصل " أي : أن المخصِّصَ ينقسم إلى متصل و منفصل .

قال : " فالمتصل : الاستثناء ، و التقييد بالشرط ، و التقييد بالصفة " ، هذا كله من المخصصات .
- فالاستثناء ، مثل قول الله تعالى : " و من يفعل ذلك يلق أثاما ، يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا إلا من تاب و آمن و عمل عملا صالحا ..... " الآيةَ .
- الشـرط ، مثل قولهم : " تُقتل المرأة إن قاتلت " ، فـ " المرأة " جنس محلى بأل ، فهي من ألفاظ العموم ، " إن قاتلت " خُصِّص هذا العام – " المرأة " – بالشرط الذي بعده ، و معنى ذلك أنها إذا لم تقاتل لا تُقتل .
- التقييد بالصفة ، كقوله تعالى : " و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " .

قال : " و الاستثناء : إخراج ما لولاه لدخل في الكلام " .
- " إخراج ما لولاه " أي : لولا الاستثناء .
- " لدخل في الكلام " ، نحو قولك : " جاء القوم إلا زيدا " ، فلو قلتَ : " جاء القوم " ، فإنه يدل على مجيء " زيد " .

قال : " و إنما يصح بشرط أن يبـقى من المستثنى منه شيء " ، فلو قلتَ : " لـه عليَّ عشرةٌ إلا عشرةً " لم يصح الاستثناء ، لكن إذا قلت " له علي عشرة إلا ثلاثةً " أو " إلا أربعةً " ، جاز الاستثناء بالاتفاق ، إذا كان دون النصف ، فإذا كان نصفا فصاعدا فهو محل خلاف ، و هو خلاف فقهي ليس أصوليا ، و الذي سار عليه المصنف هو أنه يصح الاستثناء حتى يبقى من المستثنى منه شيء ، فلو قلتَ : " له علي عشرة إلا تسعة " صح الاستثناء عنده .

قال : " و من شرطه أن يكون متصلاً بالكلام " ، فإن انفصل عنه لم يصح الاستثناء ، و قد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما بأن الاستثناء يصح و لو حصل الفصل ، و فيه خلاف بين الأصوليين .

قال : " و يجوز تقديم الاستثناء عن المستثنى منه " ، فتقول : " له عليَّ إلا ثلاثةً عشرةٌ " .

قال : " و يجوز الاستثناء من الجنس و من غيره " ، يجوز الاستثناء من الجنس ، و هذا الذي يُسمى في اصطلاح النحويين بـ " الاستثناء المتصل " ، نحو : " قام القوم إلا زيدا " ، و يجوز الاستـثناء من غير الجنس ، و هو الذي يسمى عند النحويين بـ " الاستثناء المنقطع " ، نحو قول الله تعالى : " فسجدوا إلا إبليس " فإبليس ليس من جنس الملائكة .

قال : " و الشرط : يجوز أن يتأخر عن المشروط ، و يجوز أن يتقدم عن المشروط " ، بين أن الشرط الذي هو من المخصصات المتصلة ، يجوز أن يتأخر عن المشروط ، و يجوز أن يتقدم عنه ، و التأخر عنه هو الأصل ، مثل قول الله تعالى : " و لكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد " ، و مثال المتقدم عن المشروط ، قول الله تعالى : " و إن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " .

قال : " و المقيد بالصفة : و يحمل عليه المطلق ، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع " .
المطلق :
لغة : مفعول من " أطلقه ، يطلقه " فهو " مطلق " أي : أرسله .
اصطلاحا : اللفظ الذي يتناول ما صلح له على سبيل البدلية لا دفعة واحدة .

المقيد :
لغة : مفعول من " قيده ، يقيده " فهو " مقيد " أي : جعل فيه القيدَ ، و القيدُ : ما يحد الحركة .
اصطلاحا : ما يحد من الإطلاق ، فيعطل اللفظ عن بعض ما يصدق عليه .

قوله : " و المقيد بالصفة : و يحمل عليه المطلق " ، قد يرد الأمر بلفظ مطلق في مكان ، و يرد بلفظ مقيد في مكان آخر ، و كذلك النهي .
اختلف أهل العلم ي ذلك :
1 – فقيل : يُحمل المطلق على المقيد .
2 – و قيل : يبقى المطلق على إطلاقه ، و المقيد على قيده .

- مثال ذلك في الأمـر ، قول الله تعالى : " فتحرير رقبة " جاء هذا اللفظ مطـلقا في كفارة الظهار ، و جاء مقيدا بالإيمان في كفارة القتل ، فقيل : يُحمل المطلق على المقيد ، فلا تجزئ الرقبة في الكفارة إلا إذا كانت مؤمنة .
- مثاله في النـهـي ، قول النبي صلى الله عليه و سلم : " من جرَّ ثوبه خيلاء لم يرح رائحة الجنة " ، و قوله : " ما أسفل من الكعبين ففي النار " ، هذا نهي عن الإسبال ، فاللفظ الأول قُيِّد فيه النهي بأن يكون ذلك على وجه الخيلاء ، و اللفـظ الثاني أُطلق فيه ذلك دون قيد ، فهل يُحمل المطلق على المقيد ، هذا محل الخلاف .


قال : " و يجوز تخصيص الكتاب بالكتـاب ، و تخصيص الكتـاب بالسنة............. " .
انتقل المصنف إلى التخصيص بالمنفصل .
- قد يكون التخصيص بالحس ، كقول الله تعالى : " تدمر كل شيء بأمر ربها " ، فالمحسوس أن السماء لم تُدمَّر ، و أن الأرض لم تُدمَّر ، و المعنى : تدمر كل شيء أُذن لها في تدميره .
- و قد يكون التخصيص بالعقل ، كقول الله تعالى : " الله خالق كل شيء " ، فالعقل يقتضي أن الله سبحانه و تعالى لم يخلق نفسه ، فهو غير مخلوق .
- و قد يكون التخصيص بالنص ، و هو الذي فصَّل في المصنف .

- " و يجوز تخصيص الكتاب بالكتـاب " ، مثل قول الله تعالى : " و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " هذا اللفظ عام في كل مطلقة ، سواء كان مدخولا بها أو غير مدخول بها ، و لكن خُصص بنـص آخر ، و هو قول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن و سرحوهن سراحا جميلا " .

- " و تخصيص الكتـاب بالسنة " ، فالله جل و علا قال في كتابه بعد ذكر المحرمات من النساء و هنَّ خمس عشرة امرأة ، قال تعالى : " و أُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم .... " ، فـ " ما " هنا من ألفاظ العموم ، و لكن خصص ذلك النبيُّ صلى الله عليه و سلم في السنـة ، فقال : " لا تُنكح المرأة على عمتها ، و لا علـى خالتها " ، و بقوله صلى الله عليه و سلم : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " .

- و يجوز تخصص الكتاب بالإجماع – و لم يذكره المصنف هنا – ، مثل قول الله تعالى : " و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " ، فهذه الآية عامة في الحر و العبد ، و لكنها خُصِصت بالإجماع ، على أن العبد القاذف يُجلد على النصف من الحر .

- و يجوز تخصيص الكتاب بالقياس ، مثل قول الله تعالى : " الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " ، فيُقاس العبد الزاني على الأمة الزانية في تنصيـف الحد ، لأن الأمة ذُكر فيها التنصيف ، في قوله تعالى : " فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " ، فيُقاس العبد الذكر على الأنثى .

- " و تخصيص السنة بالكتاب " ، مثل قوله صلى الله عليه و سلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله " ، فإن ذلك خصص بقوله تعالى : " حتى يُعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون " ، فالآية خصصت من قبل دفع الجزية ، فإن الجزية تُقبل منه و لا يُقاتَل .

- " و تخصيص السنة بالسنة " ، مثال قوله صلى الله عليه و سلم : " فيما سقت السماء العشر " فهذا عام في القليل و الكثير ، و قد خصصته السنة ، بقول النبي صلى الله عليه و سلم : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " .

- " و تخصيص النطق بالقياس ، و نعني بالنطق : قول الله تعالى وقول الرسول صلى الله عليه وسلم " ، يعني : أن الكتاب و السنة كلاهما يُخصص بالقياس ، فتخصيص الكتاب بالقياس – كما سبق – في قياس العبد على الأمة في تَنَصُّفِ حد الزنى ، و أما تخصيص السنة بالقياس ، فمثاله قول النبي صلى الله عليه و سلم : " البكر بالبكر جلد مئة و تغريب عام " ، فخُصَّ من الحديث : العبدُ قياساً ، فيتنصف الحد في حقه ، قياسا على الأمة .

المجمل و المبين
و المجمل : ما افتقر إلى البيان ، و البيان : إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي ، و النص : ما لا يحتمل إلا معنى واحداً ، و قيل : ما تأويله تنـزيله ، و هو مشتق من منصة العروس ، و هو الكرسي .

عقد هذا الباب لـ : المجمل و المبين ، فـ :
المجمل : هو اللفظ الخفي الدلالة ، خفاءً راجعا إلى عمومٍ فيه أو إطلاقٍ .
و المبين : هو اللفظ الواضح الدلالة ، لتخصيصٍ فيه أو تقييدٍ .

الْمُجمل :
لغة : مُفْعَلٌ ، لصيغة اسم المفعول في الوصف ، من أجمله ، أي : أذابه ، و الإجمال : الإذابة ، أجمل الشحم أي : أذابه ، و الكلام الذي لا تتضح الدلالة منه كالشحم المذاب .
اصطلاحا : ما افتقر إلى البيان .
و المراد بافتقاره : افتقارنا نحن في فهمه إلى البيان ، و ذلك لأسباب كثيرة ، هي أسباب الإجمال ، منها :
- عدم معرفة المراد بسبب الاشتراك في الدلالة ، كقوله تعالى : " إلا أن يعفون أو يعفوَ الذي بيده عقدة النكاح " ، و الذي بيده عقدة النكاح ، يُمكن أن يُقصَد به : الزوج ، و يمكن أن يقصد به : الولي ، كذلك قوله تعالى : " و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " ، هل المقصود : الحيض أو الطهر ، فالقَرْء يطلق على الحيض ، كقول الراجز :
يا رُبَّ ذي ضغن علي قارضي له قروءٌ كقروء الحائض
[ و في " اللسان " : و أنشد ثعلب :
يا رُبَّ مَولًـى ساءَنـي مُباغِضِ علـيَّ ذِي ضَغْنٍ وضَب فارضِ
له قُروءٌ كقُروء الـحائِض ِ ] ( زيادة من زكرياء ) .
و يطلق على الطهر ، و منه قول الأعشى :
أفي كل عام أنت عازمُ غزوةٍ تشد لأقصاها عزيمَ عزائك
مورثة مالا و في الحي رفعةً لما ضاع فيها من قروء نسائك
- و قد يكون الإجـمال راجعا إلى كون المفرد نفسه خفيَّ الدلالة ، كقوله تعالى : " و الليل إذا عسعس " فيمكن أن يكون معناه : الإقبال ، و يمكن أن يكون معناه : الإدبار .
- و قد يكون ذلك للاشتراك في دلالة الحرف ، كقوله تعالى : " و امسحوا برؤوسكم " ، الباء هنا يمكن أن تكون : للإلصاق ، و يمكن أن تكون : للتبعيض .
- عدم معرفة الصفة ، كالعام إذا لم يرد له بيان ، مثل قوله تعالى : " أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة " ، فهذا محتاج في معرفته إلى البيان ، فبين النبي صلى الله عليه و سلم الصلواتِ الخمسةَ ، و بين الزكاة .

قال : " و البيان : إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي " .
البيان في الأصل ، هو : الإظهار ، اسم مصدر " بيَّن الشيءَ تبياناً " إذا أظهره .
- " إخراج الشيء " أي : الدليل .
- " من حيز الإشكال إلى حيز التجلي " أي : الظهور .
و التجلي : من جلاه إذا أظهره .

قال : " و النص : ما لا يحتمل إلا معنى واحداً " ، هذا ليس من المجمل و لا من المبين ، بل هو من الألفاظ الأخرى المقاربة للمعنى .
- من مصطلحات الأصوليين : النص .
و النص لغة : يُطلق على الإسراع في السير ، و منه حديث : " إذا وجد فرجة نصَّ " أي : أسرع ، و يُطلق على الرفع ، و منه : المنصة ، و هي المكان المرتفع الذي يرتفع عليه المتكلم ، و منه قول امرئ القيس :
و جيدٍ كجيدِ الريم ليس بفاحش إذا هـي نصَّته و لا بمعـطَّلِ
أي : رفعته .
و منه قولهم :
و نُصَّ الحديثَ إلى أهله فإن السلامةَ في نصـه
أي : في رفعه إلى قائله ، و نسبته إليه .

و النص في الاصطلاح : ما أفاد معنى لا يحتمل غيرَه .
هذا في اصطلاح المتكلمين ، و المتكلمون يقسمون الكلام إلى : واضح الدلالة ، و خفي الدلالة .
فواضح الدلالة ، ينقسم إلى قسمين : النص و الظاهر .
و خفي الدلالة ، ينقسم إلى قسمين : المجمل و المتشابه .
- و الحنفية يقسمون واضح الدلالة إلى أربعة أقسام : المفسَّر ، و المبيَّن ، و النص ، و الظاهر .
- و يقسمون خفي الدلالة إلى أربعة أقسام : الخفي ، و المجمل ، و المشكل ، و المتشابه .
و كل هذا اصطلاحٌ .

قال : " و قيل : ما تأويله تنـزيله " أي : على ما جاء عليه .
- فالتأويل ، بمعنى : بروزه إلى العيان ، بعد أن كان خفيا ، و قد قال ابن رواحة رضي الله عنه :
خلُّوا بني الكفار عن سبيله نحن ضربناكم على تنـزيله
و اليوم نضربكم على تأويله
" ضربناكم على تنزيله " ، لما نزل قول الله تعالى : " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم و مقصرين لا تخافون " ، و " اليوم نضربكم على تأويله " عند تحققه في عمرة القضاء .

قوله : " و هو مشتق من منصة العروس ، و هو الكرسي " ، و هو ليـس كذلك ، بل كلاهمـا مشتق من " النصِّ " الذي هو : الرفع .

و منصة العروس : أي المكان الذي تُجلى عليه فتُظهَر ، و هو الكرسي .

الظاهر و المؤول
والظاهر : ما احتمل أمرين ، أحدهما أظهر من الآخر ، ويؤول الظاهر بالدليل ، ويسمى الظاهر بالدليل .

الظاهر : مقابل " النص " ، و هو " فاعل " وصفٌ من " ظَهَر " إذا اتضح ، فالظاهر : واضح الدلالة .
و هو في الاصطلاح : ما احتمل أمرين ، أحدهما أظهر من الآخر ، فهو دون النص في الظهور .
- " ما احتمل أمرين " أي : معنيين .
قال : " و يؤول الظاهر بالدليل " .
- " يؤول " أي : يُرجع إلى أصله ، و التأويل : إرجاع الشيء إلى غيره ، من " آل إليه ، يَؤُول " إذا : رجع ، و إذا أُوِّلَ سُمِّيَ بـ : المؤول .
و قوله " و يؤول الظاهر بالدليل " معناه أنه لا تأويل إلا بدليل .

قال : " ويسمى الظاهر بالدليل " .
فدليل التأويل هو الذي يُصرف به اللفظُ عن ظاهره إلى غيره ، فالظاهر إذاً قسمان :
1 – ظاهر من جهة اللفظ ، أي : بلفظه ظاهر .
2 – ظاهر من جهة الدليل ، أي : دل الدلـيل على تأويله ، فأصبح ظاهرا في المعنى الآخر الذي كـان خفيا فيه .

و للتأويل شروط :
1 – أن يكون بدليل ، فلا يمكن أن يُؤول بغير دليل .
2 – أن يكون اللفظ قابلا للتأويل ، فإن كان اللفظ صريحا لا يقبل التأويل فلا يمكن تأويله .
3 – أن يقع فيه موجب للتأويل .
4 – أن يكون اللفظ الذي أُوِّلَ إليه محتملا ، أي : مقبولا في العربية ، فلا يمكن أن يُحمل اللفظ على ما لا تقتضيه اللغة بوجه من الوجوه ، فذلك تأويل فاسد .

و الظهور له أسباب فيمكن أن يكون الظهور بسبب :
1 – الحقيقة ، لأن الحقيقة مقدمة على المجاز .
2 – الإثبات مقدم على الحذف ، فما لا يقتضي حذفا أولى مما فيه حذف .
3 – و العموم مقدم على الخصوص ، فكون اللفظ متناولا لكل ما يصلح له هو أولى من تخصيصه .



الأفعال
فعل صاحب الشريعة لا يخلو : إما أن يكون على وجه القربة و الطاعة ، أو غير ذلك ، فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص ، و إن لم يدل لا يخصّ به ، لأن الله تعالى يقول: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ ، فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا ، و من أصحابنا من قال : يحمل على الندب ، و منهم من قال : يتوقف عنه ، فإن كان على وجه غير القربة و الطاعة ، فيحمل على الإباحة في حقه و حقنا .
و إقرار صاحب الشريعة على القول الصادر من أحد هو قول صاحب الشريعة ، و إقراره على الفعل كفعله ، و ما فعل في وقته في غير مجلسه و علم به و لم ينكره ، فحكمه حكم ما فعل في مجلسه .

الأفعال : جمع " فعل " ، و المقصود بها هنا : نوع من أنواع الأدلة ، و هو : أفعال رسول الله صلى الله عليه و سلم .
فإن من الأدلة الإجمالية : السنة ، و هي : أقوال النبي صلى الله عليه و سلم و أفعاله و تقريراته مما يلصلح دليلا لحكمٍ شرعي .
و لما كانت أفعال النبي صلى الله عليه و سلم أنواعا ، بدأ المؤلف بتصنيفها ، فـ :

قال : " فعل صاحب الشريعة لا يخلو : إما أن يكون على وجه القربة و الطاعة ، أو غير ذلك " .
فعل النبي صلى الله عليه و سلم ، و هو " صاحب الشريعة " أي : مبلغها عن الله تعالى ، لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة و الطاعة أو غير ذلك .
- " على وجه القربة و الطاعة " بأن يكون تشريعا و بينا لما أرسله الله سبحانه و تعالى به .
- " أو غير ذلك " أي :
1 - أن يكون غير ذلك بأن يكون جبلة ، كالعطاس و النوم و الاستيقاظ و الأكل و الشرب و غير ذلك .
2 - أو يكون مترددا بين الأمرين ، بين الجبلة و التشريع كالضجعة بعد ركعتي الفجر ، و كجلوس الاستراحة .
3 - أو يكون فعلا بوظيفة من وظائفه ، كالإمامة العظمى و القضاء و الإفتاء و قيادة الجيش و غير ذلك .
4 - أو أن يدل الدليل على خصوصه به صلى الله عليه و سلم ، و ذلك ثلاثة أنواع :
أ – ما دل الدليل على وجوبه عليه ، فَـيُسَنُّ لأمته ، كالسواك و قيام الليل و صلاة الضـحى و الأضحى و قضاء دين الميت المعسر .
ب – أو يدل الدليل على حرمته عليه صلى الله عليه و سلم ، فيُكره لأمته ، كأكل كل ذي رائحة كريهة ، و لبس ما فيه وسخ ، و نحو ذلك .
ج – ما دل الدليل على جوازه له صلى الله عليه و سلم دون غيره ، فيحرم على أمته ، كالتزوج بأكثر من أربع ، و الزواج بلا ولي و لا صداق ، و كالخلوة بالأجنبية ، و الحكم للأقارب ، و الحكم مع غيبة الخصم ، فكل ذلك دل الدليل على جوازه له هو ، و هو محرم على غيره من الأمة .

قال : " فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص " ، معناه : أن الأصل عدم الاختصاص ، و لذلك احتيج فيه إلى الدليل .

قال : " و إن لم يدل لا يخصّ به ، لأن الله تعالى يقول: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ " .
لأن الأصل أنه مبلغ عن الله تعالى ، و فيه إسوة حسنة لكل المؤمنين ، كما قال الله جل و علا : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " .

قال : " فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا " .
ذهب بعض الشافعية إلى أن فعل النبي صلى الله عليه و سلم في معرض البيان يدل على : الوجوب .

قال : " و من أصحابنا من قال : يحمل على الندب " .
و هذا مذهب جمهور الأصوليين ، فإنهم يقسمون السنة إلى الأقسام الثلاثة ، فيقولون :
- القول تُؤخذ منه الأحكام الخمسة .
- و الفعل يُؤخذ منه حكمان فقط : الندب و الإباحة .
- و التقرير يُؤخذ منه حكم واحد ، و هو : الإباحة .

قال : " و منهم من قال : يتوقف عنه " ، و في نسخة الشيخ التي قرأ منها " يُتوقف فيه ".

قال : " فإن كان على وجه غير القربة و الطاعة ، فيحمل على الإباحة في حقه و حقنا " .
إن كان فعل النبي صلى الله عليه و سلم على غير وجه القربة و الطاعة ، يقصدُ : على غير وجه البيان ، فيُحمل أنه على وجه الجبلة ، فيكون جائزا في حقه و حقنا ، كالعطاس و الاستفهام و الاستيقاظ ونحو ذلك ، فهذا من أفعال البشر المعتادة فيجوز في حقه و حقنا ، ولا يُشرع الاقتداء به فيه ، ومثل هذا : هيئات اللباس ، كالعمامة و الرداء و الإزار و تقلد السيف و نحو ذلك ، فهذا يدل على أحسن الهيئات و أقربها للفطرة ، ولكن لا يُطلب من أحد أن يأتسي به فيه ، فلا يُثاب فاعل ذلك .

قال : " و إقرار صاحب الشريعة على القول الصادر من أحد هو قول صاحب الشريعة " .
أي : إقرار النبي صلى الله عليه و سلم للقائل في قوله ، إذا كان ذاك تحت حكمه و بمجلسه أي : بعلمه ، فإنه يُحمل على رضاه به .
و الإقرار ينقسم إلى قسمين : تقرير بالاستحسان ، و تقرير بالسكوت .
1 – فالتقرير بالاستحسان ، كتقريره لقول مُجَزِّزٍ المدلجي حين رأى أقدام زيد بن حارثة و ابنه أسامة قد خرجت من كساء لبساه ، فقال : " إن هذه الأقدام بعضها من بعض " ، قالت عائشة : فدخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، تبرق أسارير جبهته مسرورا ، فقال : " أما علمتِ أن مجزِّزاً المدلجيَّ رأى أقدام زيد و أسامة قد خرجت من كساء يلبسانه فقال : " إن هذه الأقـدام بعضها من بعض " " ، فأقر القِيَافَة ، و في ذلك رد على المنافقين ، فإن زيدا شديد البياض ، و ابنه أسامة شديد السواد ، و كان المنافقون يطعنون في نسب أسامة ، فجاء هذا الأعرابي الذي يعرف الأثر و التشبيه ، فشبه أقدام أسامة بأقدام زيد ، ففرح رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك ، فدل ذلك على تقريره للقيافة .

2 – و تقريره بالسكوت ، كإقراره ما جرى بحضرته ، كقوله للأنصاري حين رآه يصلي بعد الفجر : " ألم تشهد معنا الصلاة ، فماذا كنت تصلي ؟ " ، قال : " ركعتا الفجر ، استُعْـجِلْتُ عنهما بالصلاة " ، فسكت .
فهذا السكوت دليل على الإباحة .

قال : " و إقراره على الفعل كفعله " .
فقد ثبت أنه أُكِل الضب على مائدته ، و أنه أُهدِيَ له ضب مشوي ، فقال : " لم يكن في بلاد قومي ، فأجدني أعافه " ، فاجتره خالد بن الوليد فأكله ، كل ذلك في بيت النبي صلى الله عليه و سلم و بإقراره ، فدل هذا على جواز أكل الضب .

قال : " و ما فعل في وقته في غير مجلسه و علم به و لم ينكره ، فحكمه حكم ما فعل في مجلسه " .
- " ما فُعل في وقته " أي : ما كان تحت إِمْرَتِه ، بخلاف ما لم يكن تحت إمرته كما كان في العهد المكي من أفعال أهل الجاهلية ، فهو و إن لم يصرح بإنكاره فإن سكوته عنه ليس إقرارا له .
أما ما كان في المدينة تحت إمرته ، فحصل ، و علمَ به ، و لم يُنكره ، فيُعتبر ذلك إقرارا منه له ، و حكمه : حكم ما فُعل في مجلسه .
- و يُضاف إلى هذا ما فُعل في عهد النبي صلى الله عليه و سلم من بعض المؤمنين ، و لو لم يعلم به النبي صلى الله عليه و سلم ، لكن لم يُنزَّل الوحي بإنكاره ، و قد كان ظاهرة منتشرة بينهم ، فيُعتبر ذلك إقرارا من الله سبحانه و تعالى له ، إذْ لو كان منكرا لنزل الوحي بإنكاره ، و دليل ذلك قول جابر رضي الله عنه : " كنا نعزل و القرآن ينزل " ، فقد بين أن هذه الظاهرة كنت منتشرة في وقت نزول الوحي ، فلم يُنزَّل القرآن بإنكارها و تحريمها ، فدل ذلك على جوازها ، و هذا من إقرار الله سبحانه و تعالى و هو أبلغ من إقرار النبي صلى الله عليه و سلم .

النسخ
و أما النسخ ، فمعناه لغة : الإزالة ، يقال: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته ، و قيل: معناه النقل ، من قولهم : نسخت ما في هذا الكتاب ، أي : نقلته ، و حدُّه : هو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً ، مع تراخيه عنه .
و يجوز نسخ الرسم و بقاء الحكم ، و نسخ الحكم و بقاء الرسم ، و نسخ الحكم و الرسم معاً ، و النسخ إلى بدل ، و إلى غير بدل ، و إلى ما هو أغلظ ، و إلى ما هو أخف ، و يجوز نسخ الكتـاب بالكتـاب ، و نسخ السنة بالكتاب ، و نسخ السنة بالسنة ، و يجوز نسخ المتواتر بالمـتواتر ، و نسخ الآحاد بالآحاد و بالمتواتر ، [ و لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ] ، و لا المتواتر بالآحاد .

عقد هذا الباب لشرح مصطلح النسخ و بيان أنواعه .

و النسخ ، لغة : الإزالة ، من قولهم : " نسخت الريحُ الأثرَ " إذا أزالته ، و " نسخت الشمس الظلَّ " إذا أزالته ، و يُطلق أيضا على : النقل ، فتقول : " نسخت الكتاب " إذا نقلت ما فيه .

و اصطلاحا : تغيير الحكم الشرعي بخطاب متراخٍ عنه .
و النسخ لا يكون إلا بخطاب ، فلا نسخ بقياس و لا بإجماع ، فلا يكون النسخ إلا بوحي .

و الخطاب المنسوخ ، لابد أن يكون وحيا من كتابٍ أو سنة ، فالبراءة الأصلية لا تُنسخ ، فإذا نزل الحكم على غير وَفْقِها ، لم يُعتبر ذلك نسخا ، لأن كل الأحكام هكذا ، فوجوب الصلاة سبقته البـراءة الأصلية ، و وجوب الزكاة سبقته البراءة الأصلية ، و حرمة الخمر سبقتها الإباحة الأصلية .
قوله : " فمعناه لغة : الإزالة ، ................. ، و قيل: معناه النقل " ، حكايته للخلاف لا وجه لها ، بل هو في اللغة يُطلق على هذين المعنيين ، و على : التغيير .

قال : " و حدُّه : هو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً ، مع تراخيه عنه " .
- " و حده " أي : تعريفه .
- " هو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً ، مع تراخيه عنه " ، هذا تعريف للناسخ لا للنسخ ، فلو قال : " هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم ، على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخي الخطاب عنه " لكان هذا تعريفا للنسخ .
- و المراد بـ " الرفع " : إزالته و تغييره .
- و " الحكم " هنا ، المقصود به الحكم الشرعي فقط .
- " الثابت بالخطاب " أي : الذي أُنزل به وحي .
- " المتقدم عليه " ، فالمتقدم على ينسخ المتأخر .
- " على وجه لولاه لكان ثابتا " ، أي : لولا ذلك الوجه ، لكان الحكم ثابتا .
- " مع تراخيه عنه " أي : مع تأخره عنه ، فلو جاء متصلا به لاعتُبِر ذلك تخصيصا ، و لم يٌعتبر نسخا ، و هذا التراخي ليس له مدة محددة ، بل قد يحصل بالقرب ، كما حصل في قصة صدقة بين يدي النجوى ، فإن الله تعالى يقول : " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ، ذلك خير لكم و أطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفـور رحـيم * آشفـقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا و تاب الله عليكم فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة " ، فنُسخ ذلك الحكم على القرب ، و ذلك من فضل الله و رحمته ، و قد نُسخ قبل التمكن من الفعل فدل ذلك على جواز النسخ قبل التمكن من الفعل .

قال : " و يجوز نسخ الرسم و بقاء الحكم " .
يقصد أن أقسام النسخ ، منها : نسخ اللـفظ و بقاء حكمه ، كآية الرجم التي كانت في سورة الأحزاب ، و هي : " الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله " ، فكانت هذه الآية ثابتة في سورة الأحزاب ، فنُسخ لفظها و بقي حكمها ، و عمل به رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فرجم خمسة أشخاص ، و هم : اليهوديان ، و ماعز ، و الغامدية ، و صاحبه العسيف ، و كذلك عمل به خلفاؤه الراشدون ، فقد رجم عمر رضي الله عنه امرأتين ، و رجم عثمان رضي الله عنه كذلك امرأة ، و رجم عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه شُراحةَ ، كل هؤلاء رُجموا بهذه الآية التي نُسخ لفظها و بقي حكمها .
و قوله : " و يجوز نسخ الرسم " أي : المكتوب ، و القصود به : الكتوب و القروء ، أي : اللفظ .
و قوله : " و بقاء الحكم " أي : بقاء حكم ذلك اللفظ الذي نُسخ .

قال : " و نسخ الحكم و بقاء الرسم " .
و يجوز - أيضا - : نسخ الحكم ، و بقاء الرسم متلوّاً فيما يُتلى من القرآن ، كقول الله تعالى : " و الذين يُتوفون منكم و يذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخـراج " ، فهذه آية نُسخ حكمهـا و بقي لفظها ، بالآية التي قبلها في رسم المصحف ، و هي متأخرة عنها في النزول ، و هي قول الله تعالى : " و الذين يُتوفون منكم و يذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا " .

و كذلك قول الله تعالى : " كتب عليكم إذا حضـر أحدكم المـوت إن تـرك خيرا الوصـية للوالدين و الأقربين بالمعروف " ، فقد نٌسخ هذا الحكم و بقي اللفظ مما يُتلى .

و كذلك قول الله تعالى : " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين و إن تكن منكم ماشة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون " ، فقد نُسخت هذه الآية بالآية التي بعدها ، و هي قول الله تعالى : " الآن خفف الله عنكم و علم أن فيكم ضعفا فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين و إن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله و الله مع الصابرين" ، فهذه الآية ناسخة لسابقتها ، و قد أُثبتت سابقتُها في الرسم و لكن لا يُعمل بحكمه ، لأن الحكم نُسخ .

قال : " و النسخ إلى بدل ، و إلى غير بدل " .
أي يجوز " النسخ إلى بدل " بأَنْ تُنَزَّل آية أخرى بدل تلك ، أو حكم آخر بدل الحكم الذي نُسخ .
و يجوز النسخ " إلى غير بدل " أي : بالإحالة إلى ما كان من البراءة الأصلية .
و هذا محل خلاف بين الأصوليين .
- فذهب جمهورهم إلى أن النسخ لا يكون إلا إلى بدل ، لأن الله تعالى يقول : " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " ، فلابد من البدل الذي هو خيرٌ أو مثلٌ للمنسوخ .
- و قال آخرون : البراءةُ : بدلٌ ، هو خيرٌ أو مثلٌ ، لأن الله كان تعبدنا بذلك الحكم ، ثم لما نسخه تعبدنا بالإباحة فيه ، فكان ذلك إلى غير بدل ، و حُمِلَ عليه الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقيل : هي من النسخ إلى غير بدل ، و يقل : بل ذُكر البدل ، و هو : إقام الصلاة و إيتاء الزكاة ، لأن الله تعالى قال : " آشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صـدقات ، فإذ لم تفعلوا و تاب الله عليكم فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة " فذاك من النسخ إلى بدل .
قال : " و إلى ما هو أغلظ ، و إلى ما هو أخف " .
أي : يجوز النسخ " إلى ما هو أغلظ " بالزيادة في الحكم ، أو " إلى ما هو أخف " بالأسهل .
و هذا – أيضا – محل خلاف بين الأصوليين .
- فذهب بعضهم إلى أن النسخ لا يكون إلا بالأسهل ، لأن الله تعالى يقول : " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " ، فالأسهل هو الخير أو المماثل ، و أما الأشد فلا يكون كذلك .
- و الذين يرون صحة النسخ بالأغلظ و الأشد ، يقولون : الأشد خير من المنسوخ لأنه أكثر منه أجرا .

و قد عُرف النسخُ بالأخف ، مثل قوله تعالى : " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين و إن تكن منكم ماشة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون " نُسخ بقوله تعالى : " الآن خفف الله عـنكم و علم أن فيكم ضعفا فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين و إن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله و الله مع الصابرين " .

و أما النسخ بالأغلظ ، فمثاله ما ورد من التحـريم بعد الإباحة ، كتحريم لحوم الحمـر الأهلية بعد إباحتها ، و هذا ما تكرر فيه النسخ ، فإن النسخ قد تكرر في أربعة مسائل :
1 – القبلة ، فقد كاان النبي صلى الله عليه و سلم بمكة يصلي إلى البيت الحرام ، ثم لما هاجر صلى إلى بيت المقدس سبعةَ عشر شهرا ، ثم نُسخت القبلة و أعيدت إلى البيت الحرام .
2 – متعة النكاح ، فقد حٌرمت بإعلان النبي صلى الله عليه و سلم بالنهي عنها ، ثم أذن فيها في بعض الغزوات ، ثم حرمها و بقيت على التحريم .
3 – الحمر الأهلية ، فقد حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم أكلها ، ثم في إحدى الغزوات أذن بأكلها لجوع الناس ، ثم بعد ذلك حرمها فاستمرت على التحريم .
4 – الوضوء مما مست النار ، فإنه صلى الله عليه و سلم كان يتوضأ مما مسـت النار ، ثم ترك الوضوء من ذلك ، و كان آخر الأمرين منه : ترك الوضوء ما مست النار .

هذه المسائل الأربعة ، هي التي نظمها الحافظ ابن حجر رحمه الله بقوله :
النسخُ ذو تكرر في أربعٍ جاءتْ بها الكتْبُ و الأخبارُ
في قِبلةٍ و متعةٍ و حـمرٍ كذا الوضـو مما تمس النارُ



قال : " و يجوز نسخ الكتاب بالكتاب ، و نسخ السنة بالكتاب ، و نسخ السنة بالسنة " .
هذا ذكرٌ لأنواع النسخ باعتبار الناسخ ، فالناسخ إما : كتاب و إما سنة ، و المنسوخ في كل واحد منهما إما : كتاب و إما سنة
- مذهب الشافعي : أن الكتاب لا يُنسخ بالسنة ، و أن السنة لا تُنسخ بالكتاب .
- و مذهب الجمهور : حصول النسخ بينهما .
- فيجوز نسخ الكتاب بالكتاب بالاتفاق ، مثل ما ذُكر من آيتي العدة ، و آيتي العدد في الغزو .
- و يجوز نسخ الكتاب بالسنة – على الراجح – ، مثل قول الله تعالى : " كتب عليكم إذا حضـر أحدكم المـوت إن تـرك خيرا الوصـية للوالدين و الأقربين بالمعروف " ، فقد نٌسخ ذلك بقول النبي صلى الله عليه و سلم : " إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " .
- و يجوز نسخ السنة بالكتاب ، مثاله : نسخ استقبال بيت المقدس في الصلاة ، بقول الله تعالى : " فلنولينك قبلة ترضاها ، فول وجهك شطر المسجد الحرام و حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " .
- و نسخ السنة بالسنة ، مثل قوله صلى الله عليه و سلم : " كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها " ، و كقوله في لحوم الأضاحي - في النهي عن ادخارها ثلاثا - : " إنما كنت نهيتكم من أجل الدافَّة " ، و نحو ذلك .

قال : " و يجوز نسخ المتواتر بالمتواتر " ، أي : و يجود نسخ الكتاب بمتواتر السنة .
و الواقع أن التواتر وصف طارئ ، لأنه يتعلق بالنقل لا بالنزول .
و لا يُنسخ الكتاب بما لم يتواتر من السنة ، عند طائفة من المتكلمين ، و لكن العبرة هنا بالصحة ، فإذا صح النقل و لو لم يصل إلى حد التواتر فذلك كاف في النسخ ، لأن التواتر وصف طارئ بعد نزول الوحي .

قال : " و نسخ الآحاد بالآحاد و بالمتواتر " .
أي : أن الآحاد يمكن اعتبار النسخ فيها بالمتواتر قطعا ، فأحاديث الآحاد تُنسخ بمتواتر القرآن و بمتواتر السنة ، و تنسخ بالآحاد كذلك ، لأنها في منزلتها ، و الناسخ لا يكون أضعف من المنسوخ ، و لكن هذا – كما ذكرنا - مستغنىً عنه ، لأن التواتر و الآحاد راجعان إلى النقل ، و النقل متأخر عن النزول .

قال : " و لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة " .
هذا هو مذهب الشافعي ، و مذهبُ جمهور الأصوليين هو : جواز ذلك ، و قد بينا مثاله ، في قـوله تعالى : " كتب عليكم إذا حضـر أحدكم المـوت إن تـرك خيرا الوصـية للوالدين و الأقربين بالمعروف " ، فقد نٌسخ ذلك بقول النبي صلى الله عليه و سلم : " إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " .

قال : " و لا المتواتر بالآحاد " أي : لا يجوز نسخ المتواتر من السنة بالآحاد .
و هذا قولٌ لبعض أهل العلم ، و قد بينا أنه إذا ثبت النقل فذلك كاف .

حكمة النسخ :
- التدرج في التشريع ، فإن الشارع الحكيم يراعي مصالح عباده ، فلو أنزل الأحكام بَاتَّةً على الوجه الذي تستقر عليه دون تدرج و مرور بتلك المراحل لكان ذلك أدعى لعم الاستجابة ، فكان من لطفه و حكمته أن ينزل الأحكام متدرجة ، و أن يحصل فيها النسخ .
و هذا النوع من النسخ من خصائص هذه الشريعة ، فالشرائع قبلها كانت تُنَزَّل دفعة واحدة ، و تُفسخ دفعة واحدة ، فقد آتى الله موسى التوراةَ مكتوبة في الألواح ، و أنزل الصحف على إبراهيم ، و أنزل الإنجيل على عيسى مكتوبا في الصحف ، و أنزل الزبور على داود مكتوبا في الصحف ، و لهذا استنكر المشركون تدرج نزول القرآن ، فرد الله عليهم بقوله : " و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث و نزلناه تنزيلا " ، وقال تعالى : " و قال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحـدة كذلك لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا و لا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا " .


التعارض بين الأدلة
إذا تعارض نطقان ، فلا يخلو : إما أن يكونا عامين ، أو خاصين ، أو أحدهما عاماً ، و الآخر خاصاً ، أوكل واحد منهما عاماً من وجه و خاصاً من وجه .
فإن كانا عامين : فإن أمكن الجمع بينهما جمع ، وإن لم يكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ .
فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر ، وكذا إذا كانا خاصين .
و إن كان أحدهما عاماً و الآخر خاصاً فيخصص العام بالخاص .
و إن كان أحدهما عاماً من وجه و خاصاً من وجه ، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر .

هذا الباب معقود للتعارض بين الأدلة .
و التعارض : نوع من التخالف ، يقتضي توارد الدليلن المختلفين على معنى واحد ، بأن يرد أحدهما بالإثبات و الآخر بالنفي .
و عَقْدُ هذا الباب له : لبيان ما يمكن منه و ما لا يمكن ، و للعمل عند حصوله ، أو توهمه .

فائدة : التعارض ، لا يمكن أن يحصل في الأخبار ، كما أن النسخ لا يقع فيها ، فالنسخ مختص بالإنشاء لا بالخبر ، فالخبر لا يدخله النسخ ، لأن نسخه تكذيب لـه ، و الوحي لا كذب فيه ، و كذلك التعارض لا يقع في الأخبار ، لأن ذلك تكذيب ، و إنما يمكن التعارض في الإنشاءات .
و لا تعارض بين قطعيين ، لأن ذلك يقتضي أن أحدهما ناسخٌ للآخر .
و لا بين قطعي و ظني ، لأن القطعيَّ مقدم على الظني .
فيبقى التعارض بين ظنيين فقط ، و هو من الأمور المتشابهة ، لذلك كان للأصوليين فيه طريقتان :
- إحداهما : البداءة بالترجيح بين النصين ، و هو مذهب الحنفية .
- ثانيهما : البداءة بالجمع بينهما ، و هو مذهب المالكية و الشافعية و الحنابلة .
و قد قال مالك رحمه الله تعالى : " إعمال الدليلين أحب إليَّ من إلغائهما أو إلغاء أحدهما " .

قال : " إذا تعارض نطقان " و المقصود بهما : ما كان من النص ، أي : من الوحي ، كالآيتين ، و الحديثين ، و الآية و الحديث .

قال : " فلا يخلو : إما أن يكونا عامين ، أو خاصين ، أو أحدهما عاماً ، و الآخر خاصاً ، أوكل واحد منهما عاماً من وجه و خاصاً من وجه " .
هذا التقسيم راجع إلى الدلالة ، فإذا تعارض نطقان ، فلا يخلو :
الأول : إما أن يكونا عامين ، و ذلك مثل نهيه صلى الله عليه و سلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، و بعد الفجر حتى تطلع ، و قوله : " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " ، فكل واحد منهما عام في بابه ، فالنهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر و صلاة العصر عام في هذا الباب في النوافل ، و النهي عن الجلوس في المسجد حتى يصلي الإنسان ركعتين عام أيضا .
الثاني : أن يكون أحدُهما عاما ، و الآخرُ خاصا ، فيكون مخصصا له ، كالنهي عن بيع ما ليـس لدى الإنسان ، و الإذن في السَّلَم ، فإن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يبيع الإنسان ما ليس عنده ، و أجاز السلم ، فالأول عام في كل ما لدى الإنسان ، و الثاني : خاص بالسلم ، فيُحمل ذلك على التخصيص .
الثالث : أوكل واحد منهما عاماً من وجه و خاصاً من وجه ، و عليه يُحمل ما سبق ، في النهي عن الصلاة بعد الفجر و بعد العصر ، و النهي عن الجلوس في المسجد حتى يصلي الإنسان ركعتين ، فيُقال : هذا عام من وجه ، و الآخر خاص من وجه ، و يُبحث عن الوجه الذي يُعمم منه أحدهما و يُخصص منه الآخر .
الرابع : [ لعل الشيخ سها عنه ، و هو أن يكونا خاصين ] .
قال : " فإن كانا عامين : فإن أمكن الجمع بينهما جمع " ، لأن الجمع مقدم على الترجيح .

قال : " و إن لم يكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ " ، يُتوقف فيهما ، لعلمنا أن أحدهما منسوخ بالآخر ، و جهالتنا بالناسخ .

قال : " فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر ، و كذا إن كانا خاصين " فهو مثل العامين ، إن أمكن الجمع بينهما جُمع ، و إلا فإن عرف التاريخ حُمل ذلك على النسخ ، و إلا فالتوقف ، لأن ذلك من النسخ الذي لم يُعرف فيه الناسخ من المنسوخ .

قال : " و إن كان أحدهما عاماً و الآخر خاصاً فيخصص العام بالخاص " .
كما بينا [ أي في النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده ، مع الإذن ببيع السلم ] .

قال : " و إن كان أحدهما عاماً من وجه و خاصاً من وجه ، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر " .

فالحالة الأولى : و هي كونهما عامين ، فللخروج من التعارض طرقٌ :
1. أن يمكن الجمع بين الدليلن المتعارضين ، فيُجمع بينهما ، و مثاله : قول النبي صلى الله عليه و سلم : " أيما إهاب دُبغ فقد طهر " ، و ما رُوي عنه صلى الله عليه و سلم من حديث عبد الله بن عُكيم أنه كتب لهم قبل موته بشهر : " أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب و لا عصب " ، فجُمع بينهما ، بأن الإهاب : اسم لما لم يُدبغ ، فيُحمل حديث عبد الله بن عكيم على ما لم يُدبغ ، و حديث ابن عباس على ما دُبغ ، فيكون ما دبغ قد طهر ، و ما لم يدبغ باق على النهي ، و محل هذا : عند صحة حديث عبد الله بن عكيم ، و الراجح فيه : عدم الصحة .
2. أن يُجعل أحدهما ناسخا للآخر إذا علم التاريخ ، و مثاله : قول الله تعالى : " فمن تطوع خيرا فهو خير له و أن تصوموا خير لكم " ، فقوله " فمن تطوع خيرا فهو خير له " هذا يدل على التخيير بين الصوم و الإفطار في السفر ، و قوله : " و أن تصوموا خير لكم " هذا يقتضي ترجيح الصيام على الإفطار ، فحيئـنذ يُجعل الثاني ناسخا ، أي : أن الصيام أفضل لمن لا يشق به ، [ و في هذا المثال نظر ] .
3. و إن لم يُعلم التاريخ ، يُتوقف بينهما ، و قد حُمل على هذا حديث بسرة بنت صفوان : " من مس ذكره فليتوضأ " مع حديث طلق بن علي أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن الرجل يمس ذكره ، أعليه الوضوء ، فقال : " لا ، هل هو إلا بضعة منك " ، فهذان الحديثان تعارضا ، و لم يُعرف أيهما السابق ، فيُتوقف فيهما .
و عند الحنفية : يُرجح حديث طلق بن علي على حديث بسرة بنت صفوان ، بأن هذا من أحكام الرجال ، و لم يروه أحد من الرجال فلا يُؤخذ برواية المرأة له .
و عند الجمهور : يُرجح باعتبار قوة الإسناد ، و حديث بسرة – لا شك – أقوى إسنادا من حديث طلق بن علي .
وأيضا فإن العمل بالاحتياط ، بالخروج من الخلاف وبإعمال الدليل ، يُرجح حديث بسرة على حديث طلق .

الحالة الثانية : أن يكون الدليلان خاصين ، فللخروج من التعارض طرق :
1. الجمع بينهما ، كما في حديث جابر في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم – في صحيح مسلم – أنه صلى الله عليه و سلم صلى الظهر يوم النحر بمكة ، و في حديث ابن عمر أنه صلى الظهر بمنى ، فهذان الحديثان تعارضا ، و هما خاصان ، فجمع بينهما النووي ، فقال : " إن وجه الجمع بينهما أنه صلى الله عليه و سلم طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ، ثم رجع إلى منى و صلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك " ، و لكن يُمكن أن يُحمل على أن أحدهما نسي و الآخر ذكر .
2. إذا لم يمكن الجمع بينهما ، فالثاني ناسخ إذا عُلم التاريخ ، مثل قول الله تعالى : " يا أيها النبيء إنا أحللنا لك أزواجك الاتي آتيت أجورهن و ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ....." الآيةَ ، ظاهر هذه الآية : غباحة الزواج للنبي صلى الله عليه و سلم دون انحصار في عدد محدد ، ثم أُنزِل قول الله تعالى : " لا يحل لك النساء من بعد و لا أن تبدل بهن من أزواج و لو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك " و قد عُلم أن هذه الآية نزل بها جبريل بعد أن دخل النبي صلى الله عليه و سلم بميمونة بنت الحارث ، و هي آخر مرأة تزوجها ، فعُلم أن هذه الآية ناسخة لسابقتها ، و مع ذلك جاء في حديث عائشة : " ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له كل شيء كان حرمه عليه في النكاح " ، فيدل هذا على أن هذه الآية أيضا نُسخت .
3. و إذا لم يمكن النسخ : فالترجيح ، مثل حديث ميمونة بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه و سلم تزوجها و هو حلال ، و في حديث ابن أختها – عبد الله بن عباس – أن النبي صلى الله عليه و سلم تزوجها و هو محرم ، فميمونة صاحبة القصة ، مقدمة في الرواية على ابن عباس ، و أيضا يشهد لحديثها حديث أبي رافع ، فإنه أخبر أن النبي صلى الله عليه و سلم تزوج ميمونة و هو حلال ، قال : " و كنت أنا الرسول بينهما ".
أما الحالة الثالثة : أن يكون بين دليلن ، أحدهما عام و الآخر خاص :
فيُخصص العام بالخاص ، و ذلك مثل قول الله تعالى : " و السارق و السارقة فاقطعوا أيدهما " ، فعمم كلَّ سارق و كل سارقة ، و خصص ذلك النبي صلى الله عليه و سلم بقوله : " لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعدا " و بقوله : " لا قطع في ثمر و لا كثر " ، و بقوله : " و لا في حريسة الجبل " .
فهذا كله يدل على تخصيص السرقة بالنصاب ، و أن يكون مما لا شبهة للسارق فيه ، و أن يكون مُحرزًا بحرز جنسه .

أما الحالة الرابعة : أن يكون بين دليلن ، أحدهما أعم من الآخر من وجه ، و الآخر أخص من وجه .
الجمع بينهما ، باختلاف المحل ، بأن يُخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخـر ، إن دل عليه دليل ، و مثاله قول الله تعالى : " و الذين يُتوفون منكم و يذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا " فهذه الآية عامة في المتوفى عنها ، فيشمل ذلك : الحامل و غير الحامل ، و هي خاصة بالمتوفى عنها ، فتُخرج المطلقة ، و الآية الثانية ، هي قول الله تعالى : " و أولات الأحمل أجلهن أن يضعن حملهن " فهذه الآية خاصة في الحوامل ، و عامة في كل ذات فرقة ، سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة .
فالعمومان يُخصصان بالخصوصين ، فيُخصص قوله تعالى : " و الذين يُتوفون منكم و يذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا " بأن ذلك في غير الحوامل ، أو يُخصص قوله تعالى : " و أولات الأحمل أجلهن أن يضعن حملهن " بأن ذلك في الطلاق دون الوفاة .
و هذه المسألة فيها خلاف على ثلاثة أقوال :
1. قيل : تعتد بأربعة أشهر و عشرا ، أي : بعدة المتوفى عنها : مطلقا.
2. و قيل : تعتد بوضع الحمل .
3. و قيل : بأقصى الأجلين .










الإجماع
و أما الإجماع : فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة ، و نعني بالعلماء : الفقهاء ، و نعني بالحادثة : الحادثة الشرعية .
و إجماع هذه الأمة حجة دون غيرها ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ لا تجتمع أمــتي على ضلالة ﴾ ، و الشرع ورد بعصمة هذه الأمة .
و الإجماع حجة على العصر الثاني ، و في أي عصر كان ، و لا يشترط انقراض العصر على الصحيح .
فإن قلنا : انقراض العصر شرط ، فيعتبر قول من ولد في حياتهم و تفقه و صار من أهل الاجتهاد ، و لهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم .
و الإجماع يصح بقولهم و بفعلهم ، و بقول البعض و بفعل البعض ، و انتشار ذلك و سكوت الباقين عنه .

عقد هذا الباب للنوع الثالث من الأدلة الإجمالية و هو : الإجماع .
و الإجماع : مصدر " أجمعَ على الأمرِ " و " أجمعَ الأمرَ " إذا : عزم عليه .
و يُطلق على : الاتفاق ، كما قال تعالى : " فأجمعوا أمركم و شركاءكم " أي : اعزموه و اتفقوا عليه .
و هو اصطلاحا : اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه و سلم في عصر من العصور بعد موته على حكم شرعي .

قوله : " فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة " .
- " اتفاق علماء العصر " أي : اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه و سلم في أي عصر من العصور .
- " على حكم الحادثة " أي : على حكم شرعي اجتهادي .

- و إجماعهم : حجة ، لقوله تعالى : " و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيرا " ، فهذه الآية كانت من المتاشبه في عصر النبي صلى الله عليه و سلم ، و زال عنها التشابه بموته صلى الله عليه و سلم ، ففي حياته لم يكن للمؤمنين سبيل إلا ما جاء به ، لأن الإجماع في حياته لا اعتبار له ، فإما أن يوافقهم و إما أن يخالفهم ، فإن وافقهم فالعبرة بقوله صلى الله عليه و سلم لا بقولهم ، لأنه المشرع المبلغ ، و إن خالفهم فإجماعهم فاسد الاعتبار لمخالفته للنص .
لكن بموت النبي صلى الله عليه و سلم ، أصبح الإجماع حجة ، و قد ورد في عصمة الإجماع عدد من الأدلة ، لذلك كان الإجماع – أصلا – قطعيا ، من خالفه : فهو متوعد بالنار ، كما قال تعالى : " و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيرا " .
- و شرطه : أن يحصل الاتفاق بين كل المجتهدين ، فإن خالف واحد لم ينعقد الإجماع – في عصر من العصور - .
- و العبرة فيه بالعصر ، فإذا انقرض العصر و هم متفقون على أمر ، فلا يحل إحداث قول جديد ، و إن لم ينقرض العصر بل بقي بعضهم أحياءً فيمكن إحداث قول جديد ، لإن الإجماع لم ينعقد بعدُ .
- و لا يكون الإجماع إلا عن حكم شرعي ، فلا يكون الإجماعُ على العقليات و لا على لعاديات ، لأنها لا يُحتاج فيها إلى النقل .

فائدة 1 : اختُلف ، هل من شرط الإجماع أن ينعقد على دليل ، أو لا يُحتاج إلى ذلك ؟
1. ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإجماع لابد له من مستند ، لأن الأمة لا تجمع على ضلالة ، و ما لم يرد فيه نص هو من تشريع ما لم يأذن به الله ، و هو : ضلالة ، فلابد أن يكون الإجماع مستندا إلى دليل .
2. و قال آخرون : بل الإجماع نفسه : دليل ، فلا يحتاج إلى مستند .
و لعل القول الأول هو الراجح ، لكن لا يُشترط لمستند الإجماع أن يصل إلينا ، فيمكن أن يَستند الإجماع إلى حديث لم يبلغنا ، أو إلى قياس أو اجتهاد و نحوه من الأدلة .

فائدة 2 : في كل عصر من العصور يمكن أن ينعقد الإجماع ، لكن : نقل الإجماع أصعب من انعقاده .
فالذي ينقل الإجماع لابد أن يكون - بحد الاطلاع – بحيث يعرف كل المجتهدين في العصر الذي ينقل الإجماع فيه ، و قد اطلع على أقواهم جميعا .
مثال : لو أن شخـصا في زماننا هذا من أهل العلم ، اطلع على علماء هذا العصر جميعا في مشـارق الأرض و مغاربها ، و عرف من بلغ رتبة الاجتهاد منهم و الفتيا ، و عرف أقوالهم في نازلة محددة كالصلاة في الطائرة – مثلا – ، فحكى إجماع هذا العصر – أي الماضي – على جواز الصلاة في الطائرة ، فيكون هذا إجماعا لهذا العصر ، فإن انقرض لم يحلَّ نقضه .
أما إذا كان الانسان غير مطلع على أوضاع العالم فيمكن أن يكون في مشارق الأرض أو في مغاربها من المفتين من وصل إلى رتبة الاجتهاد و لم يعلم هو به ، أو علم به و لم يصل إليه قوله في تلك المسألة ، فلا يصح له حينئذ أن يحكيَ الإجماعَ .
و لهذا فإن الذين يحكون الإجماع في هذه الأمة قلائل ، من أمثال : ابن المنذر ، و ابن حزم ، و ابن تيمية ، و ابن عبد البر ، فهم العمالقة الكبار المطلعون على أوضاع العالم ، الناقلون لعلوم المشارقة و المغاربة و لأهل الأطراف .

- و قول المصنف : " اتفاق " المراد بذلك : تواطؤُ فتواهم عليها و لو لم يجتمعوا و لو لم يتعارفوا فيما بينهم ، و لم تصل فتوى بعضهم إلى بعض ، فالمقصود : أن تتواطأ فتواهم على الأمر .
- و قوله " و نعني بالعلماء : الفقهاءَ " ، و المقصود بهم هنا : المجتهدون ، فلا عبرة بمخالفة العاميِّ ، و لا بمخالفة لنحويين في مسائل الاجتهاد ، و لا بمخالفة المتكلمين كذلك فيها ، بل و لا بمخالفة بعض المحدثين ممن ليس فقيها بالغاً لرتبة الاجتهاد ، فالعبرة إذاً بأهل الاجتهاد و الفتيا.
- و قوله : " و نعني بالحادثة : الحادثةَ الشرعيةَ " أي : في الحكم الشرعي ، فيخرج من ذلك : الأمور العقلية ، فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن السماء فوق الأرض ، و أن الواحد نصف الاثنين – مثلا – ، و يخرج أيضا : الأحكام العادية ، فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن النار محرقة و نحو ذلك .

قال : " وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها " ، فمن خصائص هذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة ، فلا يمكن أن يجتمع مجتهدوها جميعا على ضلالة ، لأن أهل الاجتهاد فيها : هم أمناء الله على الوحي ، و ليس بعد النبي صلى الله عليه و سلم نبيٌّ يصحح ما أخطؤوا فيه ، بخلاف الأمم السابقة فإن علماءها - و إن كانوا مؤتمنين على الوحي في منزلتهم - إلا أنه إذا أخطؤوا فسيأتي بعده نبيٌّ يصحح الخطأَ ، و هذه الأمة لا يأتي بعد علمائها نبيٌّ ، فعلماؤها مثل أنبياء بني إسرائيل مؤتمنون على الوحي ، فلا يمكن أن يجتمعوا على ضلالة .
و لـهذا أخرج أبو عمر ابن عبد البر في مقدمة " التمهيد " و الخطيب البغدادي في " شرف أصحاب الحديث " من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " يحمل هذا العلمَ من كل خلف عدولُه ، ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين " ، فالوحي من عند الله ، و لم يكن ليجعله بدار هوان ، فاختار له المُوَقِّعِين عن رب العالمين الذين هم محل ثقة و رضى ، و اختيارهم إنما هو من عند الله تعالى ، كما قال جل و علا : " الله أعلم حيث يجعل رسالته " و قال : " يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة " ، و لهذا قال : " ما أشهدتهم خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم و ما كنت متخذ المضلين عضدا " .

قال : " لقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ لا تجتمع أمتي على ضلالة ﴾ " .
وهذا الحديث – وإن كان ضعيفا – في كل طريق من طرقه ، إلا أن طرقه كثيرة ، وله شواهد كثيرة تؤيده .

قال : " و الشرع ورد بعصمة هذه الأمة " أي : قد ورد في الشرع كثير من النصوص التي تدل على عصمة هذه الأمة ، و المقصود بعصمتها : في إجماعها .

قال : " و الإجماع : حجة على العصر الثاني " أي : أن إجماع أهل كل عصر حجة على ما بعده ، فليس حجة على أفراد أهل ذلك العصر و لا على من قبله .

قال : " و في أي عصر كان " أي : لا يُشترط أن يكون الإجماع في عصر الصحابة كما شَرَط ذلك بعضُ الأصوليين ، بل في كل عصر يمكن أن يقع الإجماع .

قال : " و لا يُشترط انقراض العصر على الصحيح " ، أي : إذا حصل الإجماع ، فإن الشافعية لا يرون اشتراط انقراض العصر ، و لكن الراجح : أن انقراض العصر : مشترط ، لأن أهل العصر حجة على من بعدهم ، و لأن عليا رضي الله عنه رجع عن بعض أقواله التي وافق فيها الصحابةَ في أيام عمر رضي الله عنه ، كرجوعه عن فتواه في بيع أمهات الأولاد ، فكان قد وافق عمرَ و الصحابةَ على حرمة بيع أمهات الأولاد ، ثم في خلافته رجع عن ذلك القول ، فقيل له : ألم تكن تقول بما تقول به الجماعة ؟ فقال : كان ذلك أيام أمير المؤمنين عمر و لم تسعني مخالفته ، و أما اليوم فأرى غير ذلك ، فقال له عبيدة السلماني : رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة ، فضحك علي إقرارا لذلك .
فلذلك الصحيح : هو اشتراط انقراض العصر .

قال : " فإن قلنا : انقراض العصر شرط ، فيعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد " .
يُعتبر خلاف التابعي الكبير في أيام الصحابة ، لأنه وُلد في أيامهم و تفقه و أصبح يفتي كـ : سعـيد بن المسيب ، و أبي سلمة بن عبد الرحمن ، و عروة بن الزبير ، و القاسم بن محمد ، فهؤلاء اختلافهم معتبر في أيام الصحابة ، لأنهم وُلدوا في حياتهم و تفقهوا و أصبحوا من مجتهدي ذلك العصر .
بخلاف من وُلد و لم يتفقه إلا بعد انقراض العصر ، فليس له أن يخالف حينئذ لأنه مسبوق بالإجماع .

قال : " و لهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم " .
أي : إذ قلنا باشتراط انقراض العصر ، فلأهل كل عصر أن يرجعوا عن ذلك الحكم بعد أن اتفقوا عليه ، فلأفرادهم أن يرجعوا عنه ، إذا رأوا ما هو أقوى منه .
و الرجوع : ليس عيبا ، بل قد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه - في القضاء - إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : " و لا يمنعنك قضاءٌ قضيتَ فيه بالأمس فراجعتَ فيه نفسك ، فأُريتَ فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق ، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء ، و إن الرجوع في الحق خير من التمادي في الباطل " ، و يقول أحد العلماء و هو الشيخ العلامة محمد بابا رحمه الله :

ليس بمن أخطأَ الصوابَ بمُخْطٍ إن يَؤُبْ لا و لا عليه ملامهْ
إنما المخطئ الْمُسٍي إذا مـا ظـهر الحق لج يحمي كلامهْ
حسنات الرجوع تذهب عنه سيـئات الخطا و تنفي الملامهْ

قال : " و الإجماع يصح بقولهم و بفعلهم " .
أي : أن الإجماع يحصل بالقول و بالفعل ، فإن فعلوا أمرا و لم ينكر أحد منهم على أحد ، و أظهروه و اتفقوا عليه و تواطؤوا عليه ، اعتُبِر ذلك : إجماعا .
و ليس هذا مثل : الإجماع السكوتي ، لأن الإجماع السكوتي لا يقتضي أن يكونوا فعلوه جميعا ، بل فِعْلُ بعضهم أو قوله ، و سكوت الآخرين عنه .

قال : " و بقول البعض و بفعل البعض " .
أي : إذا قال بعضهم بإباحة أمر ، و فعله الآخرون ، فذلك يُعتبر إجماعا ، لأن الفاعلين له كأنما قالوه ، لأنهم استباحوه بالفعل .

قال : " و انتشار ذلك و سكوت الباقين عنه " .
أي : إذا أفتى أحد المجتهدين في عصر في أمر جديد ، و اشتهرت فتواه ، فسكت الآخرون و لم يخالفوا ، فيُعتبر ذلك إجماعا ، و هذا هو الذي يُسمى بـ : الإجماع السكوتي .
و قد اختلف هل هو حجة أم لا ؟
1. فقيل : هو حجة قطعية كالإجماع القولي .
2. و قيل : هو حجة غير قطعية .
3. و قيل : غير حجة أصلا .
و قد كثر استدلال الحنابلة بالإجماع السكوتي ، و محله قبل تدوين المذاهب ، أما بعد التدوين : ففتوى مجتهد على وفق مذهبه لو سكت عنها الآخرون وهم يخالفونه في مذاهبهم ، فليس ذلك إقرارا له على تلك الفتوى ، لأنه عُلم من مذاهبهم مخالفتها .

قول الصحابي
و قول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره ، على القول الجديد ، و في القول القديم : حجة .

هذا نوع آخر من أنواع الأدلة ، و هو من الأدلة المختلف فيها ، و هو : قول الصحابي ، أي : مذهبه .
و الصحابي : هو من صحب النـبـي صلى الله عليه و سلم مؤمنا به على الوجه المتعـارف به في الدنيا ، و مات على ذلك ، و لو تخلل ذلك ردة على الصحيح .

و أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم هم أفضل هذه الأمة و أعلاها قدرا ومنزلة ، وإن كانوا غير معصومين ، إلا أنهم أولى بالمغفرة ممن بعدهم ، لسابقتهم في الإسلام و صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، و هم أجدر الناس بشفاعته صلى الله عليه و سلم ، لمعرفته لهم .
لذلك فهم جميعا عدول بتعديل الله تعالى لهم – كما سبق – ، ففي باب النقل و الرواية : لا شك أن قول الصحابي حجة مطلقا ، سواء عُرف اسمه أم لم يعرف ، فكل من ثبتت صحبته إذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقد ثبت ذلك القول عن النبي صلى الله عليه و سلم ، و لا يُبحث في ترجمة ذلك الصحابي ، لا في مستوى عدالته و ضبطه ، فهم جميعا عدولٌ أهلُ ضبطٍ .
و أما فيما يتعلق بالاجتهاد ، فالذين بلغوا رتبة الاجتهاد من الصحابة : عدَّهم النسائي واحدا و عشرين ، وعدَّهم الغزالي تسعةً ، و عدَّهم ابن حزم : ثمانيةَ عشر ، هؤلاء هم الذين بلغوا رتبة الاجتهاد ، الذين تُروى عنهم الفتيا و القضاء .
و قول بعضهم ليس حجة على بعض ، فليس قول أحد من الصحابة حجة على غيره من الصحابة ، إذْ هم جميعا مشتركون في هذه المزية التي سبقت بلُقْيا رسول الله صلى الله عليه و سلم و الرواية عنه و السماع منه ، و قد يسمع بعضهم ما لم يسمعه غيره ، فليس قول بعضهم حجة على بعض .

- لكن اختلف : هل قول الصحابي حجة على من بعده من غير الصحابة ؟ و هذا ما بينه بقوله : " و قول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره ، على القول الجديد ، و في القول القديم : حجة " ، أي : أن مذهب الشافعي اختلف في قول الصحابي ، هل هو حجة على غير الصحابي ممن يأتي بعده ؟
فقد قال الشافعي في مذهبه الجديد : إن قول الصحابي ليس بحجة ، و قد كان يقول في مذهبه القديم : إن قول الصحابي حجة .
و ذهب جمهور أهل العلم إلى التفريق بين قول الصحابي فيما محمله : التوقيف ، و بين قوله فيما محمله : القياس ، فقوله فيما يؤول إلى القياس ليس بحجة ، و قوله فيما مرجعه ليس إلى القياس بل بالتوقيف و لا يُقال بالرأي ، فهو : حجة .
- و مثل قول الصحابي : الخلاف في فعله ، فأفعال الصحابة ليست – في الأصل – بحجة ، لأنهم ليسوا بمعصومين ، و فعل غير المعصوم : ليس بحجة .
لكن إن فعلوا أمرا ، ولم ينكر فيه بعضهم على بعض ، فرُويَ عن بعضهم فعلُه ، ولم يُروَ عن الآخرين مخالفتُه ، فيُتعبر ذلك الفعلُ استباحةً ، و لهذا استدل البخاري رحمه الله تعالى في " الصحيح " بأن ابن عباس رضي الله عنهما أمَّ متيمِّمَا ، و هذا من الفعل لا من القول ، و هو استدلال بعمل هذا الصحابي الجليل .
و مثل ذلك : الاستدلال بأخذ ابن عمر ما زاد على القبضة من لحيته في الحج و العمرة .


باب الأخبار
و أما الأخبار : فالخبر ما يدخله الصدق و الكذب .
و الخبر ينقسم إلى قسمين : آحاد و متواتر ، فالمتواتر : ما يوجب العلم ، و هو : أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم ، إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه ، و يكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد . و الآحاد : هو الذي يوجب العمل ، و لا يوجب العلم .
و ينقسم إلى : مرسل ، و مسند ، فالمسند : ما اتصل إسناده ، و المرسل : ما لم يتصل إسناده ، فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس ذلك حجة ، إلا مراسيل سعد بن المسيب فإنها فتشت فوجدت مسانيد .
و العنعنة : تدخل على الأسانيد .
وإذا قرأ الشيخ ، يجوز للراوي أن يقول : حدثني أو أخبرني ، وإذا قرأ هو على الشيخ ، فيقول : أخبرني ، و لا يقول : حدثني ، و إن أجازه الشيخ من غير قراءة ، فيقول : أجازني أو أخبرني إجازة .

الأخبار : جمع : خبر ، و هو : ما يحتمل الصدق أو الكذب من الكلام .
و المقصود به هنا : تعريف الخبر ، و بيان أنواعه ، من ناحية الاحتجاج .

قال : " و أما الأخبار : فالخبر ما يدخله الصدق و الكذب " أي : ما يقبل التصديق و التكذيب .

قال : " و الخبر ينقسم إلى قسمين " أي : من ناحية الوُرُود و الرواية " آحـاد ، و متواتر " فالآحاد أكثر ، و المتواتر أقلّ .
قال : " فالمتواتر : ما يوجب العلم " .
المتواتر : مشتق من " التواتر " و هو أن يطأ بعضُ الإبل آثارَ بعضٍ ، فيُقال : تواترت الإبل أي : وطئ بعضُها آثارَ بعض ، و يُقال : تواتر السيل أي : تواطأ في اتجاه محدد .
فبدل أن كان شفعاً أصبح وَتراً، وذلك : إذا كانت الناقة تَطؤ على أثر الأخرى، فقد كان مع الأولى ثانية لها ، فكانت شفعا ، فلما وطئت أثرَها أصبح أثرُهما كأثر واحدة ، فكانتا : وَتْرًا بذلك ، ولهذا يُسمى بالتواتر .
و عرفه بأنه : " ما يوجب العلم " أي : إنه يوجب العلم اليقيني الضروري ، و قد سبق ذلك في شرح العلم الضروري .

قال : " و هو : أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم ، إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه " أي أنه خبرُ جماعةٍ تحيل العادة اتفاقهم على الكذب ، بأن لم يكونوا من سن واحدة ، و لا من مكان واحد ، فإذا كانت الجماعةُ سريةً من جيشٍ – مثلا – لها قائد واحد ، فيمكن أن تتواطأ على الكذب بأمر ذلك القائد ، لكن إذا كانت الجماعة من مختلف الأعمار و الألسنة و لم تخرج من مكان واحد ، و لم تجمعها قيادة أمير واحد ، فإن العادة تحيل تواطؤها على الكذب .
و لا تحديد لعدد الجماعة ، بل ذلك مما يتفاوت الناس فيه ، فقد يحصل العلم اليقيني بخبر بعضهم ، و لا يحصل بخبر أضعاف ذلك العدد ، لحصول الثقة ، و لهذا قال : " و هو : أن يرويه جماعة " أي : أن يحدثوا ، " لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم " أي : لا تجيز العادة أن يتواطؤوا على الكذب ، " إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه " أي : أن يكون ذلك في كل طبقة ، أي : استواء طرفيه – أي طرفي الإسناد الأعلى و الأسفل – و وسطه في العادة – أي : أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب – و العدد – أي : في حصول العدد ، بأن يكونوا جماعة – .
فإن انفرد عدد يسير محصور في طبقة من الطبقات لم يُعتبر ذلك متواترا ، بل اعتُبِرَ آحادا ، و ذلك مثل حديث : " إنما الأعمال بالنيات .... " فقد رواه عن النبي صلى الله عليه و سلم – بقيد اللفظ و الصحة – عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه و انفرد به ، و رواه عن عمـر – بقيد اللفظ و الصحة – : علقمة بن وقاص الليثي و انفرد به ، و رواه عن علـقمة – بقيد اللفظ و الصحة – : محمد بن إبراهيم التيمي و انفرد به ، و رواه عن محمد بن إبراهيم – بقيد اللفظ و الصحة – : يحيى بن سعيد الأنصاري و انفرد به ، ثم رواه عن يحيى بن سعيد : أكثرُ من سبعمائة نفسٍ ، فتواتر بعد ذلك .
فهذا لا يكون متواترا ، لأنه في بعض طبقاته : انفرد به بعض الناس دون بعض .

قال : " إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه " أي : إلى نهاية الإسناد .

قال : " و يكون في الأصل عن مشاهدة " أي : أن التواتر لا يكون إلا عن الحسيات ، فلا تواتر في العقليات ، و لا في التجريـبيات – أي : العاديات – ، فلا يمكن أن يُقال : تواتر لديَّ أن السماء فوق الأرض ، أو أن الواحد نصفُ الاثنين .
فذلك في الأمور العقلية لا فائدة فيه ، فلا عبرة بكثرة القائل في الأمور العقلية . ، إنما العبرة بصحة ذلك عقلا و قبوله و تسليمه .
ومثل ذلك في الأمور العادية ، فلا عبرة بكثرة الناقلين فيها ، إنما العبرة بالتكرار ، حتى يحصل القطع العاديُّ به.

قال : " أو سماع " ، فلابد أن يكون ذاك عن محسوس بإحدى الحواس الخمس .

قال : " لا عن اجتهاد " ، فلا عبرة بذلك ، لأنه من الأمور التي مرجعها إلى العقل .
فاجتهادات الأشخاص تثبتُ عنهم ، لأنهم قالوا ذلك فقط ، لأن ذلك لا يقتضي ثبوتَ ما اجتهدوا فيه ، و لا يقتضي صحةَ اجتهادهم .
فالعبرة إذًا : أن يكون المنقول مما أصله و مرجعه إلى الحس ، بإحدى الحواس الخمس .

قال : " و الآحاد " .
الآحاد : جمع " أحد " و هو : الواحد ، و المقصود بالآحاد في اصطلاح الأصوليين : ما رواه آحادٌ من الناس لا يصلون إلى درجة التواتر .

قال : " هو الذي يوجب العمل ، و لا يوجب العلم " ، فقد قَسَمَ الخبرَ إلى قسمين : متواترٍ و آحادٍ .
فالآحاد – هنا – على حذف مضاف ، و التقدير : خبر الآحاد .
- و المقصود – هنا – بإيجاب العمل ، أي : على فرض صحته ، و اقتضائه الوجوبَ .
فالآحاد ليس بالضرورة أن يكون صحيحا حتى يوجب العملَ .

و قوله : " و لا يوجب العلم " أي : ما لم يحتفَّ بالقرائن ، فقد يحتف خبر الآحاد بالقرائن ، فيقتضي العلمَ الضروري كذلك .
كالذي : رواه مالك عن نافع عن ابن عمر .
و ما اتفق على إخراجه : البخاري و مسلم من أخبار الآحاد ، فقد احتف به من القرائن ما يقتضي الثقة به حتى يكون كالمتواتر ، فيحصل به : العلم .
و هذا العلم : نظري ، لا ضروري ، لأن الآحاد يُبحث في عدالتهم و ضبطهم .

- و ينقسم خبر الآحاد من ناحية العدد إلى : غريب و عزيز و مشهور و مستفيض .
- فالغريب : ما انفرد به واحد في طبقة من الطبقات ، و يُسمى : فردا .
فإن كان المنفردُ أصلَ الإسناد ، سمي : فردا حقيقيا ، و إلا سمي : فردا نسبيا ، لدى المحدثين .
- و العزيز : ما انفرد به اثنان في طبقة من الطبقات .
- و المشهور : ما انفرد به ثلاثة إلى تسعة في طبقة من الطبقات .
- و المستفيض : ما انفرد به عشرة فصاعدا ، ما لم يصل إلى حد التواتر .
و قيل : المستفيض هو المشهور .

قال : " و ينقسم إلى : مرسل ، و مسند " ، و هذا تقسيم للخبر مطلقا ، لا بقيد كونه للآحاد ، بل الخبر مطلقا ينقسم إلى : مرسل و مسند .
فالمرسل : هو ما سقط منه الصحابي ، و قد عرفه هو هنا بقوله : " ما لم يتصل إسناده " .
و المسند : ما اتصل إسناده ، من مُخْرِجِهِ إلى نهاية إسناده .

و هنا عمَّمَ المرسلَ فأطلقه على المنقطع مطلقا ، و المنقطع أنواع ، فمنه :
- المعلق : و هو ما حُذف أول إسناده مما يلي المُخرِجَ ، و لو استمر ذلك إلى منتهاه .
- المعلق : و هو ما سقط منه واحد في الوسط ، أو أكثر على غير التوالي .
- المعضل : و هو ما سقط منه اثنان على التوالي .
- المرسل : و هو ما سقط منه الصحابي ، فنسبه التابعي إلى النبي صلى الله عليه و سلم .
فهذه هي أقسام المنقطع الواضح الانقطاع ، و يبقى الانقطاع الخفي ، و هو :
- التدليس : و هو نوع آخر من الانقطاع المحتمل ، فيحتمل لأن يكون قد حصل انقطاع .

قال : " فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس ذلك حجة " ، فمراسيل الصحابة : حجة ، و هي : أن يحدث الصحابي عن النبي صلى الله عليه و سلم بحادثة لم يشهدها ، كحديث ابن عباس رضي الله عنهما عما قبل فتح مكة ، فإنه في تلك الفترة كان بمكة و لم يكن مع النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة ، و قد هاجر العباس بأسرته قُبيل الفتح ، فلقي رسولَ الله صلى الله عليه و سلم بـ : مرِّ الظهران ، فاستكمل أفراد أسرته الهجرةَ ، و رجع هو مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة فتح مكة ، و قد خُتمت به الهجرة ، فكان آخرَ المهاجرين ، كما خُتمت النبوة بمحمد صلى الله عليه و سلم .
و لهذا فابن عباس من المهاجرين ، لأنه من آخر أسرة هاجرت من مكة إلى المدينة ، بعد ذلك خُتمت الهجرة ، فلا هجرة بعد الفتح ، كما بين ذلك النبيُّ صلى الله عليه و سلم فقال : " مضت الهجرة لأهلها " ، فرواية ابن عباس للهجرة و ما بعدها من الأحداث إلى فتح مكة ، كله من مراسيل الصحابة ، لأنه لم يشهده .
و مثل ذلك : رواية عائشة رضي الله عنها لبدء الوحي ، لما قبل مولدها هي ، فهي تروي بدء الوحي : " أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى الرؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ..... " الحديثَِ ، و هي لم تشهد ذلك ، لكن هذا من مراسيل الصحابة ، فالصحابة لا يروون إلا عن الصحابة ، فمراسيلهم مقبولة قطعا .
فإذا حدثوا عن النبي صلى الله عليه و سلم و نسبوا إليه الخبرَ ، فذلك كالمتصل ، و لا فرقَ .

قال : " فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس ذلك حجة " لأن التابعين يحدث بعضُهم عن بعضٍ ، وفيهم العدولُ و غيرُ العدولِ ، كما أنهم يحدثون عن الصحابة .

قال : " إلا مراسيل سعد بن المسيب فإنها فتشت فوجدت مسانيد " .
سعيدٌ : من سادات التابعين و من كبارهم ، و مراسيله كلها فُتشت ، أي : بُحِث عنها ، فوُجدت مسندةً من طريق آخر ، و كان سعيدٌ من أخصِّ أصحاب أبي هريرة به ، و لأبي هريرة أصحاب آخرون يروون عنه ، فربما أرسل سعيد ما أسنده غيره من أصحاب أبي هريرة رضي الله عنه .
- و قيل : إلا مراسيل كبار التابعين .
من أمثال : سعيد بن المسيب ، و فقهاء المدينة الستة الآخرين ، و ككبار التابعين من أهل العراق ، كـ : طارق بن شهاب ، و زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، و عَبِيدَةَ السَّلمانيِّ ، و عامر الشعبي ، فهؤلاء لا يروون إلا عن الصحابة ، فمراسيلهم تُعتبر حجة ، لأن جهالة الصحابي لا تضر .
- أما صغار التابعين من أمثال : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، و يحيى بن سعيد الأنصاري ، فمراسيلهم ليست بحجة .
- ومثل ذلك : أواسط التابعين ، فمراسيلهم ليست بحجة ، كـ : الحسن البصري ، و إِيَاسِ بْنِ معاويةَ بنِ قُرَّةَ ، و محمد بن إبراهيم التيمي ، فهؤلاء مراسيلهم ليست بحجة عند جمهور الأصوليين .
- و السبب : أنهم يروون عن الصحابة ، و عن غير الصحابة ، و قد جُهِل من رَوَوْا عنه فيما بينهم و بين النبي صلى الله عليه و سلم ، فإن كان صحابيا فلا يضر ، لكن من المحتمل أن يكون من غير الصحابة ، فإذا كان من غير الصحابة فلابد من تسميته و معرفة عدالته و ضبطه ، و لهذا قال ابـن سيـرين : " و الله ما كنا نبالي عمن نأخذ هذا العلم ، حتى ركب الناسُ الصعبَ و الذلولَ ، فقلنا : سموا لنا رجالكم ، فمن كان مقبولا : قبلناه ، و من كان مردودا : رددناه " .

فائدة : خبر الآحاد مقبول في العقائد و غيرها ، لأن العبرة فيه بالصحة ، فإذا صحَّ : حصلت الثقةُ به .
- و ذهب بعض المتكلمين : إلى أن أخبار الآحاد إنما يُعمل بها في الجانب العملي ، لا في العقدي ، وهذا القول لا حجة عليه .
فإذا اتفقوا على صحتها ، و أنها ثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم ، بعد ذلك : لا يمكن الطعن فيها ، لا من ناحية الدلالة و لا من ناحية الإسناد .

قال : " و العنعنة تدخل على الأسانيد " أي : أن الإسناد قد لا يصرح فيه المحدث بسماعه من شيخه ، و قد لا يعزو عليه إلا بـ " عن " و " أن "، كأن يقول : حدثنا فلان عن فلان عن فلان ، و يأتي بالعنعنة .
أو يقول الشيخ مباشرة : عن فلان ، أو يقول : أحدثكم عن فلان .
و مثل ذلك : أنَّ فلانا قال كذا .
فهذه إذا كان الشيخُ فيها غيرَ معروفٍ بالتدليس : حُمِلت على السماع .
و إن كان معروفا بالتدليس لم تُحمل على السماع ، إلا إذا كان ذلك في الصحيحين ، فإن صاحبيهما انتقيا حديثهما و انتخباه ، فما كان فيهـما من مُعَنْعَنِ المدلسين ، فقد عَلِمَا انتفاءَ علةِ التدليس عنه ، لاحـتياطهما و اطلاعهما الواسع في هذا الباب ، فهما : أميرا المؤمنين في الحديث .
لذلك : فما رواه مسلمٌ من حديث أبي الزبير عن جابر بالعنعنة ، كلُّه محمولٌ على السماع .
و مثل ذلك : ما كان في صحيح البخاري من عنعنة قتادة عن أنس ، أو من عنعنة أبي إسحاق السبيعي فهو محمولٌ على السماع ، و إن كان هؤلاء قد عُرفوا بالتدليس إلا أن الأئمة ينتخبون من حديثهم ما ثبت سماعهم فيه .

قال : " وإذا قرأ الشيخ ، يجوز للراوي أن يقول : حدثني أو أخبرني " إذا قرأ الشيخُ الكتابَ فسمع ذلك السامعُ ، فيجوز أن يقول : سمعتُ فلانا يحدث ، و هذا هو الأصل ، أو يقول : حدثنا فلان ، فإن انفرد هو بالسماع قال : حدثني فلان ، و إن كان مع غيره قال : حدثنا فلان ، إن كان قصده بالتحديث .
فإن كان لم يقصده بالتحديث ، كما حصل للنسائي مع الحارث بن مسكين حين غضب عليه فطرده من مجلسه ، فكان النسائي يختبئ فيسمع حديثَ الحارثِ بنِ مسكين ، ثم بعد هذا إذا أخرج عنه في سننه يقول : حَدَّثَ الحارثُ بنُ مسكين و أنا أسمع ، و ذلك ورعاً أن يقول : حدثنا ، لأنه يستثنيه ، فيقول : حدَّث الحارث بن مسكين و أنا أسمع .
و كذلك إن قرأ التلميذ على الشيخ ، فيجوز للتلميذ أن يقول : حدثنا أو أخبرنا ، عند جمهور أهل الحديث ، و هذا مذهب : البخاري ، و مالك .
وقد درج المتأخرون على التفريق بين التحديث والإخبار ، فيقولون " حدثنا " ما كان من السماع ، ويقولون " أخبرنا " لما كان بالإجازة أو غيرها من أوجه التحمل .

قال : " و إذا قرأ هو على الشيخ ، فيقول : أخبرني ، و لا يقول : حدثني " ، و هذا قول لبعضِ أهلِ الحديثِ ، و البخاريُّ و مالكٌ يَرَيَان أنْ لا فرق بين " حدثنا " و " أخبرنا " .

قال : " و إن أجازه الشيخ من غير قراءة " ، كما لو وَثِقَ بمعلوماته و صحة قريحته و قراءته ، فأجازه بكتاب معين من غير قراءة على الشيخ " فيقول : أجازني أو أخبرني إجازة " ، و جمهور المحدثين أنه يجوز - أيضا – أن يقول : أخبرنا فلان ، دون أن يذكرَ الإجازةَ .
و لكن لا يجوز في عُرف المتأخرين أن يقول : " حدثنا " لما تلقاه بالإجازة فقط ، و مثل ذلك : ما تلقاه بالمناولة أو بالوِجادة أو بالوصية أو بالكتابة أو بالإعلام .
فهذه هي مراتب التحمل الثمانية : السماع من الشيخ ، والقراءة عليه ، وإجازته ، والمناولة ، والوجادة ، و الوصية ، والكتابة ، والإعلام .

القياس
و أما القياس : فهو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم .
و هو ينقسم إلى ثلاثة أقسام ، إلى : قياس علة ، و قياس دلالة ، و قياس شبه .
فقياس العلة : ما كانت العلة فيه موجبة للحكم .
و قياس الدلالة : و هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر ، و هو أن تكون العلة دالة على الحكم ، ولا تكون موجبة للحكم .
و قياس الشبه : و هو الفرع المتردد بين أصلين ، فيلحق بأكثرهما شبهاً ، ولا يصار إليه مع إمكان ما قبله . و من شرط الفرع : أن يكون مناسباً للأصل .
و من شرط الأصل : أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين .
و من شرط العلة : أن تطَّرد في معلولاتها ، فلا تنتقض لفظاً و لا معنى .
و من شرط الحكم : أن يكون مثل العلة في النفي و الإثبات .
فإن وجدت العلة وجد الحكم .
و العلة : هي الجالبة للحكم ، و الحكم : هو المجلوب للعلة .

عقد هذا البابَ للنوع الرابع من أنواع الأدلة الإجمالية .
و القياس : مصدر " قاس الجرحَ " إذا : سَبَرَهُ ليعرفَ غَوْرَهُ ، و منه قول الشاعر :
إذا قاسها الآسي النِّطَاسيُّ أدبرت غثيثتها و ازداد وهيا هزومها
- يصف طعنةً ، " إذا قاسها الآسي " أي : أدخل فيها المسمار ليعرفَ غَوْرَهَا .
و القياس في اصطلاح الأصوليين : هو حمل معلوم على معلوم لمساواته له في علة حكمه عند الحامل .
- " حمل معلوم " أي : إلحاقه ، و المعلوم : هو ما عُرف عينُه ، و المقصود هنا : و جُهِل حكمه ، لأن ما جاء النص بحكمه لا يُحتاج إلى حمله على غيره .
- " على معلوم " أي : معلوم العين ، معلوم الحكم ، و هو الأصل .
- " لمساواته له " أي : لموافقته له .
- " في علة حكمه " أي : في تحقق العلة فيهما معا ، فـ : لا قياسَ إلا في المعللات ، فالتعبديات المحضة لا قياس فيها .
و سواء كانت تلك العلةُ نصيَّةً أو استنباطيَّةً .
- " عند الحامل " أي : عند الذي قاس ، ليدخل في ذلك : القياس الفاسد ، فإن الفرعَ لا يساوي الأصلَ فيه في علة حكمه عند جمهور الناس ، و إنما يساويه عند الحامل وحده ، و مع ذلك يُسمى قياسا ، و إن كان فاسدا .
و أما الجويني فعرف القياس فـ :

قال : " و أما القياس : فهو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم " .
- " رد الفرع " أي : إلحاق مجهول الحكم ، معروف العين .
- " إلى الأصل " أي : معروف الحكم و العين معا .
و المقيس ، يسمى عرفاً بـ : " الفرع " ، و المقيس عليه يُسمى عرفاً بـ : " الأصل " .
- " في الحكم " : و هذا هو وجه الرد ، أي : إلحاقه به إنما هو في الحكم .
- " بعلة تجمعهما " أي : بسبب جمع العلة لهما .

و هذا التعريف جامع للأركان الأربعة ، التي هي أركان القياس ، و هي : الفرع ، و الأصل ، و حكم الأصل ، و العلة الجامعة .
و هذه العلة تسمى بـ : " الوصف الجامع " - أيضا - في الاصطلاح .


قال : " و هو ينقسم إلى ثلاثة أقسام ، إلى : قياس علة ، و قياس دلالة ، و قياس شبه " .
و المراد بالقياس هنا : قياس الطرد ، لأن القياس ينقسم إلى قسمين : قياس طرد ، و قياس عكس .
1 – قياس العكس : هو معرفة حكم فرع ، بحمله على عكس حكم الأصل ، اختلافهما في العلة .
و ذلك مثل قول النبي صلى الله عليه و سلم : " و في بضع أحدكم صدقة " قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدنا شهوته و يكون له في أجر ؟ فقال : " نعم ، أرأيتم لو وضعها في حرام ، أكان عليه وزر ، فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر " .
فهنا : كون استباحة الحلال : يُثاب عليها الإنسان ، قياس ، لكن ليس كقياس الطرد ، لأن الأصل و الفرع لا تجمعهما علة ، فلا يجتمعان في الحكم ، فحكمهما مختلف ، لاختلاف علتهما ، فعلة الاثم في الزنى : أنه وضعها في حرام ، و يُقابلها علة الثواب في المباح : أنه وضعها في حلال .
2 – قياس الطرد : و هو الذي ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة التي ذَكَرَ ، و هي : قياس العلة ، و قياس الدلالة ، و قياس الشبه .

قال : " فقياس العلة : ما كانت العلةُ فيه موجبةً للحكم " .
العلة : - في الأصل - ما يُغَيِّر حال الشيء كالمرض ، فالمرض يُسمى : علة ، لأنه يغير حال المريض .
و العلة في الاصطلاح : هي العلامة التي أناط بها الشارعُ الحكمَ ، و أدركَ العقلُ وجهَ ترتيبه عليها .
و يمكن أن يُقال : هي الوصف الظاهر المنضبط ، الذي علق الشارع به الحكمَ ، و أدرك العقلُ وجهَ ترتيبه عليه .
- " الوصف " ، و المقصود به : كل ما يُعَلَّلُ به ، سواء كان حكما شرعيا أو كان إثباتَ أمر أو نفيَ أمر ، أو كان مركبا من أمرين ، فكل ذلك يُسمى : علةً .
- " الظاهر " ، فالوصف الخفي لا يمكن أن يُعلل به ، و مثله : الوصف الطردي ، الذي لا اعتبار له .
- " المنضبط " بخلاف الوصف المتردد ، فلا يصلح للتعليل ، فلا يُعلل به كالمشقة مثلا ، فهي غيرُ منضبطة لاختلافهما بين شخص و شخص .
- " الذي أناط الشارع به الحكم " أي : علَّق به الحكمَ .
- " و أدرك العقلُ وجه ترتيبه عليه " ليخرج بذلك : السبب ، فإن الشارع أناط به الحكم ، لكن لا يُدرك العقلُ وجهَ إناطته به ، كـ : غروب الشمس : علق الشارع عليه وجوبَ ثلاث ركعات ، و هي : صلاة المغرب ، و غروب الشفق : علق الشارع عليه وجوبَ أربع ركعات ، و هي : صلاة العشاء ، و العقل لا يُدرك لماذا عُلقت ثلاث ركعات على غروب الشمس ، و أربع ركعات على غروب الشفق .

و أما العلة فيُدرك العقلُ وجهَ تعليق الحكم عليها ، كالإسكار : علة لمنع الخمر ، فالعقل يُدرك العلاقة هنا ، وذلك أن الخمر تَعتدي على العقل و تزيله ، و أن الحفاظ على العقل من ضروريات الناس ، لذلك جعل الشارعُ الإسكارَ و هو : إزالة العقل علة لتحريم الخمر .

قال : " فقياس العلة : ما كانت العلةُ فيه موجبةً للحكم " .
أي : كانت العةُ فيه مقتضيةً للحكم ، بمعنى أنه لا يحسن تخلف الحكم عنها ، بأن تُوجد هي في الفرع ، و لا يوجد الحكم فيه ، فهذا يكون حينئذ ممنوعا .
و مثال : قياس ضرب الوالدين أو أحدهما على التأفيف ، فإن الله تعالى يقول : " إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما و قل لهما قولا كريما " ، فهنا نهى أن يقول الولد لوالده : أفٍ ، و يُلحق بالتأفيف ك الضرب و الشتم و أنواع الأذى ، لأن العلة متحققة فيها ، و هي : عدم الإحسان إلى الوالدين و أذاهما ، فالضرب أبلغ في الأذى من التأفيف ، و مثله : الشتم ، فكل ذلك أبلغ في الأذى من التأفيف .
فالأصل : التأفيف ، و الفرع : الضرب و أنواع الأذى ، و الحكم : التحريم، و العلة : الإيذاء .
فلا يحسن تخلف الحكم في الفرع الذي هو الضرب ، بأن يُباح الضرب ، و يُمنع التأفيف ، فهذا لا يُستحسن عقلا .
و هذا المثال : الفرع فيه أبلغ في تحقق العلة فيه من الأصل .

و مثال المساوي : إلحاق الأرز بالقمح في الربوية ، و في التعشير ، أي : في أخذ عشره في الزكاة ، و ذلك إذا كان مما سقت السماء ، و نصف عشره إذا كان مما سقاه الإنسان بآلته .
و الأرز لم يرد فيه النص ، بل ورد النص في القمح ، لكن يُلحق به الأرز لاجتماعهما في العلة و هي : الطعمية ، و الادخار ، و الكيل ، و الوزن ، فهما يجتمعان في الأوصاف المعتبرة ، فكلاهما : طعام مقتات مدخر مكيل أو موزون ، فيُلحق به بهذا القياس .
فالأصل : البر ، و الفرع : الأرز ، و الحكم : حرمة الربا ، و وجوب الزكاة ، و العلة : الطعمية ، أي : الاقتيات و الادخار ، أو كونه مكيلا أو موزونا ، على الخلاف في لى الربا في هذه الأجناس .

قال : " و قياس الدلالة : و هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر ، و هو أن تكون العلة دالة على الحكم ، ولا تكون موجبة للحكم " .
و هذا الذي يُسمى بالاستدلال ، و هو ثلاثة أنواع :
1 – استدلالٌ بالعلة على المعلول .
2 – استدلالٌ بالمعلول على العلة .
3 – الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر .
و هو أن يُستدل بأحد النظيرين على الآخر ، و المراد بالنظيرين هنا : المشتركان في الأوصاف كما ذكرنا في الأرز و القمح ، فيُمكـن أن يتخلف الحكم في الأرز - مثلا - و يُثبت في القمح .
و مثل ذلك : السكر - مثلا - إلحاقه بالقمح في منع الربا فيه ، بجامع أن كلا منهما طعاما ، فالعلة هنا غير موجبةٍ للحكم ، لأن العقل أن يُدرك فرقا بين السكر و القمح ، و هذا معنى قوله : " و لا تكون موجبة للحكم " لاحتمال وجود فرق بين الفرع و الأصل .

و أكثر الأصوليين يعرفون قياس الدلالة بأنه : الجمع بين الأصل و الفرع بدليل العلة ، لا بالعلة نفسها .
كالشدة في الخمر أو الرائحة المخصوصة ، فإن الغليان أو الإرغاء و الإزباد في الخمر ، ليس هو العلة - التي هي الإسكار - و لكنها دليل العلة .

قال : " و قياس الشبه : و هو الفرع المتردد بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبهاً " .
أي : هو إلحاق الفرعِ المترددِ بين أصلين بأكثرهما شبها به .

و الأصوليون يمثلون له بـ : العبد ، هل يُلحق بالجمل لاشتراكهما في الْمِلك ، أو بالرجل الحر ، لاشتراكهما في الإنسانية ، فالعبد له وصفان : الإنسانية و كونه مملوكا ، فبأيهما كان أكثر شبها يُلحق .
فهو من ناحية التصرف مملوك ، يُلحق بالمملوكات ، فيُتصرف فيه كما يُتصرف في المملوكات الأُخَرِ .
و هو من ناحية الإنسانية : مكلف بالغ ، له أوصاف الإنسان : من العقل و التكليف و البلوغ و حصول الأجر على الطاعة ، و حصول الإثم على المعصية .
- فيُلحق بأكثرهما شبها به ، فالمعنى أنه يُلحق بالحر لأنه به أشبه .

قال : " و لا يصار إليه مع إمكان ما قبله " .
أي : لا يُلجأ إلى قياس الشبه مع إمكان ما قبله ، أي : مع وجود قياس الدلالة ، أو قياس العلة .

قال : " و من شرط الفرع : أن يكون مناسبا للأصل " .
فللفرع شروط ، و للأصل شروط ، و للعلة شروط ، و لحكم الأصل شروط .
و هذه الشروط غير محصورة لكثرة الخلاف فيها ، و هو ذكر بعضَها هنا .



البقية تأتي قريبا إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-02-06, 01:43 AM
أبو المهند القصيمي أبو المهند القصيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-02-06
المشاركات: 1,779
افتراضي

بارك الله فيك وسدد خطاك ،،
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-02-06, 03:35 AM
أبو مهند النجدي أبو مهند النجدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-03-05
المشاركات: 1,754
افتراضي

جزاكم الله خيراً
وليتكم إذا انتهيت منه تعملون على شرحه لكتاب التوحيد
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-02-06, 07:57 AM
أبو القاسم القاهري أبو القاسم القاهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-11-05
المشاركات: 99
افتراضي

وفقك الله
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26-02-06, 08:53 AM
طلال العولقي طلال العولقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-08-02
المشاركات: 1,418
افتراضي

بارك الله فيكم ..
شرح الشيخ الددو على كتاب التوحيد أخرجه تلميذه الشيخ علي بن حمزة العمري وهو منتشر في جدة باسم "المغني المفيد".

الأخ الكريم زكريا عملٌ موفق..واصل نستفيد منكم..
حفظ الله الجميع
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 26-02-06, 06:59 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

وفقك الله لكل خير.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 26-02-06, 09:38 PM
ابوحمزة ابوحمزة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-12-03
المشاركات: 1,268
افتراضي

الاخ زكريا بارك الله فيك
علي هذا الجهد المبارك

ولكن للعلم القائمون علي موقع الشيخ يضعون شرح الشيخ علي الورقات في الموقع
او لعله يكون شرحك فان لم يكن شرحك يمكنك التعاون معهم في انهاء وتنسيق الكتاب..
وشرح الشيخ علي كتاب التوحيد المغني المفيد موجود
وكذلك شرح النخبة

http://www.dedew.net/text/open.php?linkid=32

ولكن بعض الشروح غير مكتمل
__________________

اللهم اغفر لمن دعا لي ولوالدي عن ظهر الغيب
وآتهم خيري الدنيا والاخرة وقهم عذاب النار
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:‏ ‏"‏ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك ولك بمثل‏"‏ ‏(‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏)
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 27-02-06, 11:32 PM
زكرياء توناني زكرياء توناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-07-05
المشاركات: 3,323
افتراضي

جزاكم الله خيرا ، و شرح الشيخ أردت الاستفادة منه ، ثم بدا لي أن أفيد إخواني ، لكن أنا مواصل فيه على أي حال - إن شاء الله - فإن أكملته قبل الإخوة فالحمد لله ، و إن أكمله قبلي : الإخوةُ الذين يعلمون عليه في موقع الشيخ فالحمد لله ، إذ الغرض هو الإفادة .
لا تنسوني من دعائكم لي و لوالدي .
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 04-03-06, 11:54 PM
زكرياء توناني زكرياء توناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-07-05
المشاركات: 3,323
Post

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زكرياء توناني
أيها الإخوة الكرام ، بعد أن تم وضع شرح البيقونية للشيخ سعد الحميد ، هاهو شرح جديد لمتن آخر ، و هو متن الورقات للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي ، و وصلت فيه إلى باب القياس و لم أتمه ، و أعدكم أنني سأتمه لكم بعد أيام :



البقية تأتي قريبا إن شاء الله
أنجز حرٌ ما وعد ، و سَحَّ خَالٌ إذا رعد - هذا ماوعدت به إخواني طلبة العلم :


قال : " و من شرط الفرع : أن يكون مناسبا للأصل " .
فللأصل شروط ، و و للفرع شروط ، و للعلة شروط ، و لحكم الأصل شروط .
و هذه الشروط غير محصورة لكثرة الخلاف فيها ، و هو ذكر بعضَها هنا .

فقال : " و من شرط الفرع : أن يكون مناسبا للأصل " .
- " و من شرط الفرع " ، أي : أن من شروط الفرع ، و ذلك أن " الشرط " هنا أُضيف إلى المعرفة عَمَّ ، لأن كل مفرد أضيف معرفة يعم ، كما قال تعالى : " و بنات عمك " أي : جميع أعمامك ، و مثله قول الشاعر :
.......... الْحَسْرَا فأما عظامها فَبِيضٌ و أما جلدها فصليبُ [ لم أسمع البيت جيدا ]
جلدها : أي : كل جلودها ، لأن الْحَسْرَاءَ ليس لها جلد واحد ، بل جلودها كثيرة بعدد رؤوسها .

و هو هنا لم يقصد الحصر ، و لهذا قال : " و مــن شرط الفرع : أن يكون مناسبا للأصـل " ، و المقصود بالمناسبة هنا : المساواة في العلة بأن تكون علة الحكم وصفا مناسبا لكـل من الأصل و الفـرع ، و ذلك مثل : إلحاق الحاقن بالغضبان في منع القضاء ، فإن النبي صلى الله عليه و سلم نهـى أن يقضيَ القاضي و هو غضبان ، و علة النهي : تشوش الذهن ، و هي موجودة في العَطِشِ و الجائِع و الحاقِن و الْحَازِقِ و نحو ذلك .
فالحاقن : هو الذي يحتاج إلى دخول الخلاء ، أو إلى الاستراحة من البول .
و الحازق : هو الذي يلبس خفا قد ضَيَّقَ على رجله ، فآلَمَهُ .
فهؤلاء في تشوش الذهن : كالغضبان .
فيُلحق هذا الفرع بالأصل هنا ، للمناسبة وهي : علة مستنبطة غير نصية .

قال : " و من شرط الأصل : أن يكون ثابتا بدليل متفق عليه بين الخصمين " .
- " من شرط الأصل " أي : من شروط الأصل .
- " أن يكون ثابتا بدليل متفق عليه بين الخصمين " أي : أن يكون حكمُه ثابتا بدليل متفق عليه بين الخصمين ، فإن كان ذلك الدليل محل خلاف بين الخصمين ، أو كان وجود الحكم في الأصل محل خلاف بين الخصمين ، لم يتفقا على ذلك القياس .
فهذا شرط لحكم الأصل ، و معناه : أن يكون حكم الأصل الذي يُراد إثباته في الفرع : ثابتا بدليل من نص – من كتاب أو سنة – أو إجماع ، و يكون ذلك متفقا عليه بين الخصمين المتنازعين ، فإذا ذكر المستدِلُّ – و هو أول المتكلِّمَيْنِ – الحكمَ مقترنا بدليله من نص أو إجماع ، لم يُشترط موافقة الخصم ، لأن دلالة النص الصريح أو الإجماع الصريح على الحكم يُؤمَنُ معه الانتشار ، أي : انتشار النزاع .
و إنما اشْتُرِط هذا لئلا يمنع الخصمُ الحكمَ في الأصل أصلا ، فيُحتاج حينئذ إلى إثبات الحكم أولا في الأصل ، فينتقل الخلاف عن محله إلى مسألة أخرى .
مثال : من يُنكر الربويةَ في الفُلُوس ، و يرى أنْ لا رباً فيها مطلقا ، راجت أو لم ترُجْ ، و يُلحق بها العُملات المعاصرة اليوم ، فحكم الأصل عنده إنما ثبت بدليل ليس محل اتفاق بينه و بين الخصم ، فإذا احتج بذلك ، سيُخاصِمُهُ الخصمُ بأن الفلوس – أصلا – عنده ربوية ، فينتقل الخلاف في العملات إلى الفلوس ، و هكذا .

قال : " و من شرط العلة : أن تطرد في معلولاتها ، فلا تنتقض لفظا و لا معنى " .
-" من شروط العلة أن تطرد " أي : تَثْـبُتَ " في ملعولاتها " .
و الاطراد في العلة ، معناه : ملازمتها للثبوت ، و الانعكاس : ملازمتها للنفي ، و كل ذلك مُشترَطٌ فيها .
فإن وُجد الحكم و لم تُوجد العلة : فتلك العلةُ مقدوحٌ فيها ، و إن وُجدت العلة و لم يوجد الحكم : فتلك العلة مقدوح فيها .
و هما قادحان معروفان ، أحدهما يُسمى بـ : الكَسْرِ ، و الآخرُ يُسمى بـ : النَّقْضِ .

و مثال ذلك : الإسكار ، فكلما وُجد الإسكار في شيء ، وُجد فيه التحريم ، فلا يمكن أن يكون المشروبُ مسكراً و هو مباح .

و فسَّر الجويني الاطِّرادَ بقوله : " فلا تنتقض لفظا و لا معنى " .
أي : أن لا يكون فيها النقضُ – الذي هو قادح من قوادح العلة – و هو : أن توجد العلة في صورة و لا يوجد الحكم .
و لا فائدة في قوله : " لفظا و لا معنى " ، فالمقصود : عدم انتقاضها فقط ، و لكن يقصد هنا : أن لا تنتقض في الثبوت و لا في الانتفاء ، فيقصد : الاطراد و الانعكاس في العلة .

قال : " و من شرط الحكم : أن يكون مثل العلة في النفي و الإثبات " .
- " من شرط الحكم " أي : حكم الأصل .
- " أن يكون مثل العلة " أي : أن يكون مطردا أيضا .
- " في النفي و الإثبات " أي : مُطَّرِداً ، مُنْعَكِساً .
فمن شرط الحكم : الاطراد و الانعكاس ، فهو تابعٌ للعلة في النفي و الإثبات – أي : في الوجود و العدم – فإن وجدت العلة وُجد الحكم ، و إن انتفت انتفى الحكم ، و هذا الشرط مُغْنٍ عن الشرط السابق ، فلو ذُكِر هذا الشرطُ وحده لكفى .

و مثال ذلك : الإسكار ، هو علة لتحريم الخمر ، فمتى وُجد الإسكار وُجد التحريم ، و متى انتفى الإسكار انتفى التحريم .
فإن كان للتحريم عللٌ متعددة : لم يلزم من انتفاء علة معينة منها : انتفاء الحكم ، و ذلك كانتقاض الوضوء بالبول و بالغائط و النوم و غير ذلك ، فعلة واحدة وُجدت رُتب عليها النقض .

قال : " و العلة هي الجالبة للحكم " .
يريد بهذا : زيادة تعريف للعلة ، فيقصد أن الحكم مرتبٌ على العلة ، فمتى وُجدت وُجد الحكم ن و متى انتفت انتفى الحكم .

قال : " و الحكم هو المجلوب للعلة " .
أي : أن الحكم مرتبٌ على العلة ، فهي علامة عليه ، فمتى وُجدت تلك العلة وُجد الحكم .

و هنا أراد أن يبين بهاتين الجملتين : أن العلة يمكن أن تكون قاصرة ، فتصلح للتعليل ، و ذلك كخروج النجس من أحد السبيلين ، فقد دل الدليل على أنه ناقض للوضوء ، و هو : العلة ، و لكن هذا مختص بما وردت فيه هذه العلة ، فلا توجد هذه العلة في غير هذا المحل ، فالعلة هنا قاصرة على مورد النص ، فلا يُلحق به غيره .

أما العلة المتعدية : فهي التي توجد في غير محل النص ، فيمكن أن يُلحق به غيره ، كالإسكار في الخمر ، فإن الإسكار قد يوجد في غير مشروب العنب ، فيُلحق به .

و هذا محل خلاف : هل العلة القاصرة تصلح للتعليل أو لا ؟
1 – فقد ذهب المالكية و الشافعية : إلى صحة التعليل بالعلة القاصرة .
2 – و ذهب الحنفية و الحنابلة : إلى أن العلة القاصرة لا تصلح للتعليل ، فَرَأَوْا أن خروج النجس من أي مكان من البدن : ناقض للوضوء إذا تفاحش ، فمن استاك فخرج الدم من لِثَتِهِ فتفاحش ، فذلك ناقض عند الحنابلة و الحنفية ، و مثله : من جُرِح فخرج منه دم من ساقه أو يده أو غير ذلك ، فإن تفاحش نقض عند الحنفية و الحنابلة ، و لا ينقض عند المالكية و الشافعية ، لأن العلة القاصرة لا تصلح للتعليل عندهم .



الحظر و الإباحة
و أما الحظر و الإباحة ، فمن الناس من يقول : إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة .
فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل ، و هو الحظر .
و من الناس من يقول بضده ، و هو : أن الأصل في الأشياء أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع .

عقد هذا الباب لورود الحظر – و هو التحريم – بعد الإباحة الأصلية – أي : ما كان قبل ورود الشرع على أصل الإباحة و الجواز – .
و يقصد بهذا : ذكر الاستصحاب الذي هو حجة ، و دليل من الأدلة الخلافية عند الأصوليين .

قال : " و أما الحظر و الإباحة ، فمن الناس من يقول : إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة " .
يقصد أن بعض الأصوليين يرى أن الأصل في الأشياء كلها : المنع ، لأنها مملوكة للغير ، فهي من ملك الله سبحانه و تعالى ، فما لم يأذن فيه منها ، فهو على أصل الحظر .
و هذا القول ضعيف جدا ، لأن الله تعالى يقول : " خلق لكم ما في الأرض جميعا " فالأصل في حركات المكلف و سكناته و تصرفاته : الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه .

و هذا قال : " فمن الناس من يقول : إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة ، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة ، يُتَمَسَّكُ بالأصل و هو الحظر " .

قال : " و من الناس من يقول بضده ، و هو : أن الأصـل في الأشياء أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع " .
و هذا مذهب الجمهور ، و هو أن الأصل في الأشياء : الإباحةُ إلا عرض فيه الحظر .

و الراجح : أن الأصل في الأعيان و الأفعال المنتفع بها – قبل رورد الشرع – : الإباحة ، لقوله تعالى : " هو الذي خلق لكم ما الأرض جميعا " ، و قال : " و الأرض وضعها للأنام ، فيها فاكهة و النخل ذات الأكمام ، و الحب ذو العصف و الريحان " ، فدل هذا على إباحة كل ذلك .
و لهذا نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن .............. عن الأحكام حتى يُحرم الإنسان ما كان حلالا ، فقال : " إن من أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يُحرم ، فحرم من أجل مسألته " ، و الله تعالى يقول : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء عن تُبْدَ تسؤكم و إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها " فجعل هذا من العفو ، الذي هو : مباح ، فكل مسكوت عنه : فهو على أصل الإباحة .
و محل هذا : في الأفعال و الأعيان المنتفع بها .
و أما ما لا نفع فيه ، فإن تمحض ضرره كان على التحريم ، و منه الخبائث كلها ، لقول الله تعالى : " الذين يتعبون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث " .


الاستصحاب
و معنى استصحاب الحال : أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي .

- " الاستصحاب " و هو مصطلح أصولي لنوع من أنواع الأدلة ، و هو دليل عقلي ، و هو من الأدلة المختلف في الاحتجاج بها .
و الاستصحاب : طلب الصحبة ، و المقصود به : إثبات ما ثبت في الماضي في الحال .
فما ثبت له وصف في الماضي ، يُستصحب له ، أي : يُحكم بصحبته لذلك الوصف حتى يأتي ما يغير حاله .

قال : " و معنى استصحاب الحال : أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي " .
معناه : أن يُلتزم الحال الذي سبق أنْ ثبت للشيء ، حتى يأتي ما يغيره عنه .

و لهذا يُقال في تعريفه : هو الحكم بأن ما ثبت في الزمن الماضي باق على الزمن المستقبل ، و هذا هو معنى قولهم : " الأصل بقاء ما كان على ما كان " ، و هذا هو معنى قولهم : " الذمة إذا عَمَرَت بمحقق لا تبرأ إلا به " ، و " الأصل براءة الذمة " ، و هكذا .

- و الاستصحاب أنواع ، منها :
1 – استصحاب العدم الأصلي حتى يأتي الدليل الناقل عنه ، و هذا هو الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله بقوله : " أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي " ، فيُقال : الأصل في الأشياء الطهارة ، فإذا جاء دليل ناقل عن ذلك أُخذ به .
و جمهور أهل العلم يأخذ بهذا النوع .
2 – استصحاب ما دل الشرع على ثبوته و دوامه ، كاستصحاب الطهارة بناءً على ما مضى من الوضوء ، كمن كان على طهارة موقنا بها ، فطرأ عليه شك في تلك الطهارة ، فذلك الشك عند الجمهور غير ناقض للطهارة السابقة ، لأن : " اليقين لا يُزال بالشك " ، و قد ذهب المالكية إلى أن ذلك الشك العارض ناقض ، و أخذوا باستصحاب أمر آخر ، و هو : استصحاب ما كان قبل الطهارة ، فيقولون : " الأصل أن الإنسان غير متوضئ ، و قد توضأ و لكن وضوءه الآن مشكوك فيه ، فلا ينقل عن الأصل المقطوع به و هو : عدم الطهارة " .
و الجمهور يخالفونهم في ترتيب هذا الدليل ، فيقولون : " الأصل فيمن تطهر أن يبقى على طهارته حتى يتحقق الناقض " ، و لا يختلفون في حل الموسوس ، لنه ورد فيه نص ، و هو قول النبي صلى الله عليه و سلم : " يأتي الشيطان أحدكم فينقر عند عجانه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " [ ذكره الشيخ بلفظ آخر لم أسمه جيدا ، فذكرته بهذا اللفظ ، و هو في " الصحيحة / رقم : 3026 " ] .

و قد نظم أحد العلماء الخلاف في هذه المسألة فقال :
الشك في الأحــداث لا ينقض ----- عكسَ الذي أشياخنا قد رضوا [ يعني : المالكيةَ ]
و منهمُ من قال ما قلتــــه ----- مـن عدم النقض فلا تومضوا
إلا لما فيه الدليـــــل الذي ----- منهاجه للمـــهتدي أبيض
أحمد و النعمان و الشافعـــي ----- و الليث و الأوزاعي لا يُنقَض
وضوؤُنا بالشك إســـحاق لا ----- يُنقض و الثوري هذا الوضُـو
ناشدتكم يا إخوتي ..............----- ................... لا تعرض [ لم أتمكن من سماعه جيدا ] .

3 – استصحاب الدليل مع احتمال المعارض ، فمن بلغه دليل من الشرع لزمه أن يعمل به و لو احتمل أن يكون له معارض ، و لا يجب البحث عن المعارض على الراجح .
فأي دليل صح عند عن النبي صلى الله عليه و سلم لزمك الأخذ به ، لأن مدلوله راجح في حقك ، و " العمل بالراجح واجب لا راجح " .

4 – استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف ، و ذلك إذا انعقد الإجماع على حكم في حال ، و حصل الخلاف في حال آخر ، فيُستصحب حال الإجماع لحال الخلاف ، و هذا هو أضعف أنواع الاستـصحاب ، و لم قل به إلا قليل من الفقهاء ، لأن الإجماع غنما انعقد في حال ، و الخلاف حصل في حال آخر مناف له ، فلا يمكن أن يُنقل الإجماع إلى الأمر الذي لم يُجمع عليه .




ترتيب الأدلة
و أما الأدلة : فيقدم الجلي منها على الخفي ، و الموجب للعلم على المـوجب للظن ، و النطـق على القياس ، و القياس الجلي على الخفي ، فإن وجد في النطق ما يغير الأصل و إلا فيستصحب الحال .

عقد هذا الباب في ترتيب الأدلة ، فيما يُبدأ به منها ، و ما هو قطعي منها ، و ما هو ظني .

فقال : " و أما الأدلة : فيقدم الجلي منها على الخفي " .
فالجلي هو : واضح الدلالة ، المتفق على دلالته ، فهو مقدم على الخفي الذي يختلف الناس في دلالته و معناه .

قال : " و الموجب للعلم على الموجب للظن " .
أي : القطعي منها ، مقدم على الظني .
و المقصود بذلك : القطعي في الورود ، فهو مقدم على الظني فيه .
و هنا أربع احتمالات :
1 – أن يأتي الدليل قطعيا في الدلالة ، قطعيا في الورود ، فهذا أبلغ الأدلة و أقواها .
2 - أن يأتي الدليل قطعيا في الورود – كآية من كتاب الله أو حديث متواتر – ، و لكنه ظني في دلالته ، أي : دلالته على المعنى المقصود : ظنية ، و هذا هو الذي يليه [ أي في المرتبة الثانية ] .
3 - أن يأتي الدليل ظنيَ الورود ، قطعيا في الدلالة ، كأن يكون الحديث ظنيا ، و لكنه صريح في الدلالة ، فهذا الذي يليه في المرتبة الثالثة .
4 - أن يأتي الدليل ظنيا في الدلالة و الورود ، كأن يكون الحديث ظنيا في الورود ، و مع ذلك فدلالته غير صريحة ، فهذا في المرتبة الرابعة .

قال : " و النطق على القياس " .
المقصود بـ : " النطق " : النص ، من كتاب أو سنة ، فهو مقدم على القياس .
و مثل ذلك الإجماع ، فهو مقدم على القياس .

قال : " و القياس الجلي على الخفي " .
أي : يقدم القياس الجلي على القياس الخفي .
و القياس الجلي : هو قياس الأولى ، كقياس الضرب على التأفيف ، فهذا مقدم على القياس الخفي .
و محل هذا عند وجود الجميع ، أو عند التعارض .
فإن أردتَ أن تستدل لأمر واحد ، فترتب الأدلة هكذا :
1 – الدليل من الكتاب .
2 – ثم بالدليل من السنة .
3 – ثم بالدليل من الإجماع .
و بعض الأصوليين يبدأ بالإجماع أولا ، لأنه لا يُنسخ ، و لأنه واضح الدلالة دائما ، ثم بالدليل من الكتاب ، ثم بالدليل من السنة .
4 – ثم بِجَلِيِّ القياس .
5 – ثم بخفي القياس . و هكذا .

و كذلك إذا تعارض دليلان فأقواها الذي يُؤخذ به :
- القطعي كما سبق .
- ثم النصي مقدم على القياس .
- ثم القياس الجلي مقدم على القياس الخفي .

قال : " فإن وجد في النطق ما يغير الأصل و إلا فيستصحب الحال " .
- " إن وجد في النطق " أي : في المروي من الوحي .
- " ما يغير الأصل " أي : ينقل عن البراءة الأصلية .
- " و إلا فيُستصحب الحال " أي : يؤخذ بالاستصحاب حينئذ .
و الحال : هو البراءة الأصلية .


باب شروط المفتي
و من شرط المفتي : أن يكون عالماً بالفقه أصلاً و فرعاً ، خلافاً و مذهباً ، و أن يكون كامل الأدلة في الاجتهاد ، و عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام ، من النحو و اللغة و معرفة الرجال ، و تفسير الآيات الواردة في الأحكام ، و الأخبار الواردة فيها .

عقد هذا الباب للإفتاء .
و الإفتاء : مصدر " أفتى " : إذا أخبر بالحكم الشرعي لا على وجه الإلزام .
و المفتي : هو الذي يجيب السائل ، و السائل : هو المستفتي ، كما قال تعالى : " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " أي : تطلبان الفتوى .
و يُقال : الفتوى ، و الفتيا .

قال : " و من شرط المفتي : أن يكون عالماً بالفقه أصلاً " أي : يُشترط للمفتي أن يكون عالما بالفقه ، أي : بما يفتي فيه منه ، و لا ينفي ذلك أن يكون جاهلا بجزئيات أخرى من الفقه ، فالجزئية التي يفتي فيها لابد أن يكون عالما بها ، لقول الله تعالى : " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الإثم و البغي بغير الحق و أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا و أن تقولوا على الله ما لا تعلمون " ، و لقوله تعالى : " و لا تقف ما ليس لك به علم " .

قال : " أن يكون عالماً بالفقه أصلاً و فرعا " ، أي : عالما بأصوله ، أي : بأدلته ، و فرعا : أي بفروعه الناشئة عن تلك الأدلة .

قال : " خلافا و مذهبا " أي : في الخلاف العالي و الخلاف داخل المذهب ، و هذا الذي قاله غير شرط في كل مفتٍ ، فليس الحال كذلك في أيام الصحابة و لا في أيام التابعين و لا في أيام أتباعهم ، و إنما يذكر هذا المتأخرون نظرا لتعصبهم للمذاهب .

قال : " أن يكون كامل الأدلة في الاجتهاد " أي : أن يكون تامَّ شروط الاجتهاد ، بأن يكون عالما باللغة العربية ، و بطرق دلالتها ، و عالما بالأدلة الشرعية ، و بالناسخ و المنسوخ منها ، و بأنواع دلالاتها ، و لا يُشترط بلوغ الكمال في ذلك ، بل ما يتعلق بالمسألة التي يفتي فيها من ذلك ، أي : المسألة التي يفتي فيها بالخصوص من ذلك ، فلابد أن يكون مطلعا عليه .
فإن كان جاهلا بما ورد فيه مسألته التي يفتي فيها من الأدلة ، أو بطرق دلالتها ن أو بمعانيها في اللغة ، فلا يجوز له الافتاء في تلك المسألة .
و من هذا يُؤخذ تجزؤ الاجتهاد ، و أن الانسان يمكن أن يكون مجتهدا في مسألة واحدة ، و لا يُتقن الاجتهاد في غيرها .

قال : " عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام ، من النحو و اللغة و معرفة الرجال ، و تفسير الآيات الواردة في الأحكام ، و الأخبار الواردة فيها " .

ذكر أن من شروط المفتي أن يكون :
- " عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام " : أي : في استخراجها من أدلتها .
و الاستنباط في الأصل : استخراج الماء من البئر البعيدة القعر ، و المقصود به هنا : أخذ الأحكام من الأدلة ، و قد سماه الله استنباطا في قوله تعالى : " و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " .

- " من النحو " أي : من قواعده و ما يؤثر في المعنى منها .
- " و اللغة " أي : علم مفرداتها ، و مثل ذلك : الدلالات البلاغية .
- " و معرفة الرجال " أي : تراجمهم جرحا و تعديلا ، و طبقاتهم حتى يعرف اتصال الإسناد أو انقطاعه .
- " و تفسير الآيات الواردة في الأحكام " ، و لا يُشترط استظهارها ، أي : حفظ متنها ، فيجوز أن يكون لا يحفظ آيات الأحكام ، و لكنه مطلع عليها ، فيعرف ما ورد فيها من الأحكام .
- " و الأخبار الواردة فيها " أي : أخبار الأحكام ، و هي أدلة الأحكام من الحديث ، فيكون مطلعا عليها ، و لا يُشترط حفظه لها ، و لا استظهاره لها عن ظهر قلب .

- و هذه الشروط ، هي شروط المجتهد المطلق ، و لا يُشترط لكل مفت أن يتصف بها .
- و مثل ذلك المفتي في داخل مذهب من المذاهب ، سواء كان مجتهد ترجيح ، أو مجتهد تخريج ، أو كان متبصرا ، أو كان مجتهد فتيا ، فلا يُشترط له التحقق بكل هذه الشروط .

- و يُشترط لوجوب الإفتاء :
1 – أن يكون ذلك في مسألة قد نزلت ، فالمسائل التي لم تنزل بعد لا يجب على المفتي أن يعمل ذهنه و يكد في استخراج حكمها .
و قد مـالـك إذا سُئل عن مسألة يقول : " هل نزلت ؟ ، فإن كان قد نزلت استعنا بالله عليها ، و إن لم تكن قد نزلت ، فإن لها رجالا يعاصرونها ، فأولئك أدرى بحكم ما عاصرهم " ، و كان يكره " أرأيت " ، و يقول دعك من الآرائكيين ، أي : الذين يقولون " أرأيت لو كان كذا " لأمر لم يقع .
2 – و أن يكون مكلفا ، لأن غير المكلف ، لا يلزمه الاجتهاد .
3 – و أن يكون سائلُه صاحبَ النازلة ، أو يتعلق بها حكم له ، فإن كان السائلُ غيرَ صاحبِ النازلة ، و لا له اتصال به و لا تعلق به ، لم تلزم إجابته .

و قد نظم أحدُ العلماء هذه الشروط فقال :
و عارفٌ مكلفٌ قد سألَهْ مكلفٌ عن الذي يجب لَهْ
سائلهُ خاف فوات النازلَهْ حتمٌ عليه أن يجيب سائلَهْ


باب ما يُشترط في المستفتي
و من شروط المستفتي : أن يكون من أهل التقليد ، فيقلد المفتي في الفتيا .
و ليس للعالم أن يقلد ، [ و قيل : يقلد ] .

عقد هذا الباب لشروط المستفتي بعد أن بين شروط المفتي .
قال : " و من شروط المستفتي : أن يكون من أهل التقليد " فلا يمكن أن يقلد مجتهدٌ غيرَه ، فالمجتهد يجب عليه أن يبذل هو الجهدَ للوصول إلى ظن بالأحكام الشرعية ، و يجب عليه أن يعمل بمقتضى اجتهاده ، فلا يحل له تقليد غيره .
و هذا في المجتهد المطلق ، وأما المجتهد المقيد بأنواعه كلها ، فيمكن أن يقلد في القواعد أو في الأصول ، و يمكن أن يقلد – كذلك – في التصحيح و التضعيف بالنسبة للأدلة .
و لابد أن يقلد فيما يتعلق بالجرح و التعديل لأن ذلك مرجعه إلى الرواية .

قال : " فيقلد المفتي في الفتيا " أي : يقلد من أفتاه ، و ذلك هو من تحققت فيه الشروط السابقة .
و كل مقلد فإنه يتوافر فيه جزءٌ من الاجتهاد ، به يختار من يستفتيه ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " ما من أحد إلا و له حظ من الاجتهاد ، و حظ العامي من الاجتهاد هو ما يختار به من يستفتيه " ، فليس أحدٌ منصوباً للفتوى بعينه ، لا يُستفتى إلا هو ، فإنما يجتهد المستفتي حتى يختار من يفتيه ، و ذلك : اجتهاد منه .

- و تقليده ، معناه : الأخذ بقول غير المعصوم من غير معرفة دليله ، فإن عرف الدليل لم يكن مقلدا ، و إنما يكون تابعا ، إذا كان عاجزا عن استنباط الحكم من الدليل .

قال : " و ليس للعالم أن يقلد " أي : ليس لمن بلغ رتبة الاجتهاد أن يقلد غيره .

قال : " و قيل : يقلد " ، هذه نسخة أثبتت هذا القول ، و هو أن المجتهد له أن يقلد غيره ، و ذلك لما رُوي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم مع اجتهادهم من عدولهم عما رأوه راجحا تقليدا للأئمة كـ : عمرَ ، و عثمانَ ، و عليٍّ ، لذلك فإن ابنَ عمرَ حين سئل عن فتيا ، قال : " اذهب إلى هذا الذي تَقَلَّدَ أمر الأمة فاجعلْها في عنقك " ، فالذي تولى أمر الخلافة هو الذي يفتي للناس ، و بقوله يؤخذ إذا كان من أهل الاجتهاد و العلم .


التقليد
و التقليد : قبول قول القائل بلا حجة ، فعلى هذا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليداً .
و منهم من قال : التقليد قبول قول القائل و أنت لا تدرى من أين قاله ، فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس ، فيجوز أن يسمى قبول قوله : تقليداً .

عقد هذا الباب للتقليد .
و التقليد : مصدر " قلَّد الشيءَ " إذا جعل في عنقه قلادة .
و المقصود به هنا : ملازمة قول الغير ، كأنه جعل في عنقه ما تحمَّله ، لما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم – في سنن أبي دواد – : " من أُتي على غير ثَبَتٍ ، فإنما إثمه على مفتيه " .

و التقليد هو : الأخذ بقول غير المعصوم من غير معرفة دليله .
فالأخذ بقول المعصوم مطلقا ، لا يكون : تقليدا .
و الأخذ بقول غير المعصوم مع معرفة دليله لا يكون : تقليدا له ، و إنما هو اتباع للدليل .
فغير المعصوم – حينئذ – مبلغ لذلك الدليل ، و أنت أخذتَ بما بلغك .

- و التقليد لا يكون إلا عن جهل ، و لهذا قال أبو عُبادة البحتري :
عرف العالمون فضلَك بالعلــ ــم و قال الجُهَّال بالتقليد
فالعالمون ، أي : مَن كان مِن أهل العلم عرفوا فضلك بالعلم ، و قال الجهال بالتقليد فقلدوهم في ذلك .

قال : " و التقليد : قبول قول القائل بلا حجة " .
- " قول القائل " أي : من كان أهلا لأَنْ يُقبلَ قولُه .
- " بلا حجة " أي ك من غير معرفة الدليل .

قال : " فعلى هذا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليداً " ، و هذا غير صحيح ، فقد ذكرنا أن التقليد لا يكون إلا بأخذ قول غير المعصوم من غير معرفة دليله .

قال : " و منهم من قال : التقليد قبول قول القائل و أنت لا تدرى من أين قاله " ، أي : لا تدري هل له فيه حجة أم لا .

قال : " فإن قلنا: إن النبي صـلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس ، فيجوز أن يسمى قبول قوله : تقليداً " .
النبي صلى الله عليه و سلم اختُلِفَ في حكم اجتهاده :
1 – فقيل : لا يجوز له الاجتهاد ، لأنه يأتيه الوحي من عند الله ، و الوحي : قطعي ، و الاجتهاد : ظني ، واستبدالُ الاجتهادِ الظني بالوحي القطعي من استبدال الأدنى بالذي هو خير .
2 – و قيل : بل يـجب عليه الاجتهاد ، لقول الله تعـالى : " لتبين للناس ما نزل إليهم " و لقوله تعالى : " لتحكم بين الناس بما أراك الله " و لأنه صلى الله عليه و سلم اجتهد في أمور أُقِرَّ عليها بالوحي ، و في أمور لم يُقّرَّ عليها بالوحي .
و الأمور التي لم يُقَرَّ عليها في الاجتهاد ، منها :
- فداء أسرى بدر ، فقد قال الله في ذلك : " ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا و الله يريد الآخرة و الله عزيز حكيم " .
- و ما حصل له مع ابن أم مكتوم ، عندما أتاه و في مجلسه عليةُ القوم من [....... – كلمة غير واضحة ] قريش ، فقال الله تعالى : " عبس و تولى أن جاءه الأعمى و ما يدريك لعله يزكى " .
- و مثل ذلك اجتهاده في معذرة المنافقين حين أقسموا له في رجوعه من تبوك ، فعاتبه الله في ذلك بقوله : " عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين " .
- و كذلك تحريمه لأمته ماريةَ أمِّ إبراهيم لإرضاء أمهات المؤمنين ، و بالأخص لإرضاء حفصة ، أنزل الله فيه : " يا أيها النبيء لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك و الله غفور رحيم " .
- و كذلك ما حصل في قصة زينب بنت جحش مع زيد بن حارثة ، و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم زوجها لزيد ، ثم أتاه الوحي أن ذلك النكاح لن يستمر ، و أن زينب زوجة النبي صلى الله عليه و سلم في الدنيا و الآخرة ، فهو يعلم ذلك عن طريق الوحي ، و مع ذلك فكان زيد يأتيه يشكو إليه ، و تأتي زينب فتشكو ، فيقول لزيد : " أمسك عليك زوجك و اتق الله " ، " و تخفي في نفسك ما الله مبديه " و هو ما أوحاه الله إليه من أنها ستكون زوجتَه في الدنيا و الآخرة ، فقال الله في ذلك هذه الآيات من سورة الأحزاب .

و قد اجتهد النبي صلى الله عليه و سلم في أمور الدنيا :

- كاجتهاده يوم بدر في النزول على البِيـر التي تليه ، و لذلك قال له الحباب بن المنذر : " يا رسول الله ، أرأيت منزلك هذا ، أهو الرأي و الحرب و المكيدة ، أم وحـي أُنزل إليك ؟ " ، قال : " بل هـو الحرب و الرأي و المكيدة " ، فقال : " ليس هذا بمنزل " ، و أمره أن ينزل على آخر بِيـرٍ ، مما يلي العدو ، و أن يُغَوِّرَ الآبار الأخرى ، ففعل .

- و منها : نهيه عن تأبير النخل ، و ذكره أنه لا يغير شيئا ، فقال : " أنتم أعلم بشؤون دنياكم " .

فالراجح إذا : حصول ُ الاجتهاد منه صلى الله عليه و سلم ، لكنه لا يُقرُّ على الخطأ قطعا ، بل لابد أن يأتيه الوحي بعد اجتهاده ، و اجتهاده : رفعٌ لدرجته ، و زيادة لأجره ، لكن مع ذلك : الأخذ بقوله حتى لو كان من اجتهاده لا يُسمى تقليدا لأنه معصوم لا يمكن أن يُقرَّ على الخطأ .









باب الاجتهاد
و أما الاجتهاد : فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض .
فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد ، فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران ، و إن اجتهد فيـها و أخطأ فله أجر واحد .
و منهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب .
و لا يجوز أن يقال : كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب ؛ لأن ذلك يؤدى إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى و المجوس و الكفار و الملحدين .
و دليل من قال : ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً ، قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ من اجتهد و أصاب له أجران ، و من اجتهد و أخطأ له أجر واحد﴾ ، و وجه الدليل : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطَّأ المجتهد تارة و صوبه أخرى .

قال : " و أما الاجتهاد : فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض " .
الاجتهاد : مصدر " اجتهد " بمعنى : بذل جهده .
و الْجُهد : هو الطاقة و الوُسع ، و أما الْجَهد – بالفتح – : فهو المشقة .
و فعل الأول : جَهِدَ في الأمر : إذا بذل فيه طاقته ، و أما " جَهَدَهُ " فمعناه : كَلَّفَهُ ، و منه قول النبي صلى الله عليه و سلم : " إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جَهَدَهَا فقد وجب الغسل " .
و جَهِدَ فلان في الأمر ، يجهَدُ فيه : إذا بذل فيه قُصَارى طاقته .

و الاجتهاد في الاصطلاح ، عرفه بقوله : " فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض " .
أي : بذل الفقيه وُسعه في الوصول إلى معرفة حكم شرعي من دليله .

و جمهور الأصوليين يعرفونه بأنه : " بذل الفقيه وسعه في تحصيل ظن الأحكام من أدلتها بحيث يرى من نفسه نهاية طاقته " أي : أنه لا يستطيع أن يزيد على ذلك.

و لهذا قال هو هنا : " هو بذل الوُسع في بلوغ الغرض " و هذا في اللغة مطلقا ، اجتهد : بمعنى أنه بذل الوسع في بلوغ غرضه .

قال : " فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد ، فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران ، و إن اجتهد فيـها و أخطأ فله أجر واحد " .
- " فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد " أي : إن كان –فعلا– مجتهدا ، تتحقق فيه شروط الاجتهاد .
- " فإن اجتهد في الفروع " في استخراج أحكامها ، و " لا اجتهاد في محل النص " ، فالاجتهاد إنما يكون في الأمر الذي خفي حكمه .
- " فأصاب " الحكمَ في علم الله .
- " فله أجران " حينئذ .
- " و إن اجتهد فيـها و أخطأ " الحكمَ في علم الله .
- " فله أجر واحد " لاجتهاده ، و ليس عليه إثم في خطإه ، لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران ، و إذا اجتهد و أخطأ فله أجر " .

قال : " و منهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب " ، هذه مسألةُ التخـطئةِ و التصـوِبَةِ ، التي تسمى بـ : رأي المخطئة و رأي المصوبة ، و هي : أن الاجتهاد امتحان من الله تعالى للمجتهد في الوصول إلى معرفة الحكم ، و هذا الحكم لله في كل مسألة ، فما من مسألة إلا و لله فيها حكم ، و لكنَّ ذلك الحكمَ خفيٌّ لم يرد فيه نص فامتحن الله الناسَ في الوصول إليه ، فمن وصل إلى ذلك الحكم الذي هو في علم الله فهو مصيب قطعا ، و من لم يصل إليه فهو مصيب فيما بينه و بين الله باجتهاده ، لكن في علم الله أنه لم يصل إلى الحكم الذي علمه الله .
و على هذا ، فمن الناس من يرى أن " كل مجتهد مصيب " ، و منهم من يرى أن " لكل مجتهد نصيب " فقط ، و أنه منهم من يصيب و منهم من يخطئ ، فمن أصاب الحق في علم الله فهو المصيب ، و من أخطأه فهو مخطئ ، و يستدلون بهذا الحديث : " إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران ، و إذا اجتهد و أخطأ فله أجر " فدل هذا على أنه يمكن أن يصيب و يمكن أن يخطئ .

و يمكن الجمع بين القولين ، بأنه ما من مجتهد إلا و هو مصيب في امتثاله لأمر الشارع له بالاجتهاد ، و لكن مع ذلك قد يصيب الحق في علم الله ، و قد لا يصيبه ، بحسب توفيق الله له .

و محل هذا في الفروع ، و الفروع : هي ما لم يحسمه دليل قطعي ، فما حسمه الدليل القطعي فهو من الأصول ، و لا يُقصد هنا بالفروع : الفروع الفقهية لإخراج العقائد ، بل من العقائد ما لم يحسمه الدليل فيكون محلا للاجتهاد ، و من المسائل العملية ما حسمه الدليل فلا يكون محلا للاجتهاد ، كوجوب الصلاة و الزكاة و نحو ذلك ، و حرمة الزنا و الخمر و نحو ذلك ، فهذه الأمور لا اجتهاد فيها ، لأنها من الأصول ، حيث حسمها الدليل .

قال : " و لا يجوز أن يقال : كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب ؛ لأن ذلك يؤدى إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى و المجوس و الكفار و الملحدين " .
هذه المسألة حصل فيها الخلاف بين المعتزلة و غيرهم ، فقد قال النَّظَّامُ و تبعه على ذلك عدد من المعتزلة : " كل من احتهد في طلب الصواب فهو مصيب سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها " و على هذا ، يعذرون من كان من الكفار و المنافقين و الضلال اجتهد في طلب الحق و لم يكابر ، و إنما أداه عقله الذي خصه الله به إلى الوصول إلى رأي يراه عينَ الصواب و هو غير مكابر ، فيعذرونه .
و هذا القول ، دونه قولُ الذي ذهب إليه إمام الحرمين - هنا - و غيره من المتكلمين ، من أن الأمور العقدية لا اجتهاد فيها مطلقا ، و أن المخطئ فيها غيرُ معذور ، و ذكروا عن عدد من الأئمة أنه كان يقول : " اسألني في علم إذا أخطأتُ فيه قلتَ أخطأتَ و لـم تقل كفرتَ ، ولا تسألني عن علم إذا أخطأتٌ فيه قلت كفرت " .
و قد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن من كان من أهل الإيمان و الصلاح و الالتزام فاجتهد فهو معذور مطلقا ، سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها .
و هذا القول وسط بين القولين السابقين ، و لعله أقرب للصواب ، و أسعد بالدليل .
فإذا كان الإنسان معروفا بالصلاح و الالتزام و الخشية و اجتهد فأخطأ في تأويل الصفات أو في غير ذلك من الأمور ، فهو معذور في ذلك الاجتهاد ، و لا يضره اجتهاده بل هو مثاب عليه .
و إن كان معروفا بالفساد و الإنكار لأمور الدين و نحو ذلك : فلا يُعذر ، و لا يُقبل منه الاجتهاد أصلا في ذلك .

قال : " و دليل من قال : ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً ، قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ من اجتـهد و أصاب له أجران ، و من اجتهد و أخطأ له أجر واحد﴾ " و قد روى هذا الحديث بالمعنى .

قال : " و وجه الدليل : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطَّأ المجتهد تارة و صـوبه أخرى " ، لأنـه قال : " فأصاب " و قال : " فأخطأ " ، فدل ذلك على أنه محتمل للأمرين : للإصابة و الخطأ .

قال : " و الله سبحانه و تعالى أعلم " ، و ختم بهذا كلامَه .
- و ذلك لإحالة العلم إلى الله تعالى فيما نجهله نحن .
- و من سنة أهل السنة ، أن يقولوا فيما التبس عليهم : " الله أعلم " .
- و الإنسان إذا تكلم في أمور الدين الظنية ، فمن الأفضل أن يحكم كلامه بذلك لئلا يكون وقع في خطأ ، فيحيل العلمَ إلى الله سبحانه و تعالى فيه .
- و من هنا فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يقول في المسألة إذا سئل عنها فاجتهد يقول : " أقول فيها برأيي ، فإن كان صوابا فمن فضل الله و رحمته ، و إن كان خطأ فمن نفسي و من الشيطان " .

و بهذا أنهى ما ذكر في خطبته للكتاب ، وإن كان كما ذكرنا لا يحتوي كل أبواب أصول الفقه ، لكنه مقدمات مفيدة للمبتدئين في أصول الفقه ، يُعرف بها كثير من الاصطلاحات و رؤوس المسائل التي يحتاج إليها من يدرس هذا العلم .

و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 04-03-06, 11:57 PM
زكرياء توناني زكرياء توناني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-07-05
المشاركات: 3,323
افتراضي

إذا رأيت عيبا فسد الخللا ---- فجل من لا عيب فيه و علا
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:14 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.