ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-05-18, 12:13 AM
أبو تميم يوسف الخميسي أبو تميم يوسف الخميسي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-05-07
الدولة: قــطــر
المشاركات: 199
افتراضي بطانة السوء

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أيها الأحبة مقالة جديدة لشيخنا أبي عبد الله حمزة (وفقه الله)، نفعنا الله وإياكم بها.


البِطَانة...!!!

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على أشرف المرسلين،نبينا محمد و على آله،وصحبه أجمعين.
أما بعد:
إنَّ مما هو معلوم عند الجميع أيها الأحبة الكرام أنه ما من حاكم أو مسؤول من الأنام إلا وله بِطانة يُشاورها و يرجع إليها ويطلب رأيها ،يقول الإمام ابن الأثير- رحمه الله- : "بطانة الرجل:صاحب سره، وداخلة أمره الذي يُشاوره في أحواله ". النهاية في غريب الحديث (1/136)
لكنّ المعصوم من هؤلاء من كانت بطانته وخاصته هم من الصالحين الأتقياء، الذين على الخير يُعينوه، ومن الشر يُحذروه ، وبما يجب عليه من مهام يُذكروه ، فهم له بعد الله الصمد العون والسند.
والمحروم منهم أيها الأفاضل هو من ابتلي ببِطانة سوء ، لا تهمها إلا ملذاتها الدنيوية ومصالحها الشخصية! حتى و إن كانت على حساب طاعة رب البرية ، فهم له من أسباب الخسران والحرمان ، فعن أبي سعيد الخدري– رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إلا له بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عليه، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عليه، وَالْمَعْصُومُ من عَصَمَ الله ". رواه البخاري ( 6237)
يقول الإمام ابن بطال – رحمه الله- :"ينبغي لمن سمع هذا الحديث أن يتأدب به، ويسأل الله العصمة من بِطانة الشَّر وأهله ، ويحرض على بطانة الخير وأهله ".شرح صحيح البخاري ( 8/ 272)
ويقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله- :"للسطان بطانتان: بطانة السوء، وبطانة الخير.
بطانة السوء: تنظر ماذا يريد السلطان، ثم تزينه له وتقول: هذا هو الحق، هذا هو الطيب، وأحسنت وأفدت، ولو كان - والعياذ بالله - من أجور ما يكون، تفعل ذلك مداهنة للسلاطين وطلباً للدنيا.
أما بطانة الحق: فإنها تنظر ما يرضي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتدل الحاكم عليه، هذه هي البطانة الحسنة". شرح رياض الصالحين (2/453)
فكم أثرت البِطانة بنوعيَّها على أصحاب القرار فغيرتهم من حال إلى حال ، يقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله- :"وهذا شيء مشاهد تجد الأمراء بعضهم يكون صالحا في نفسه حريصا على الخير لكن يقيض الله له قرناء سوء والعياذ بالله فيصدونه عما يريد من الخير ويزينون له السوء ويبغضونه لعباد الله وتجد بعض الأمراء يكون في نفسه غير الصالح لكن عنده بطانة خير تدله على الخير وتحثه عليه وتدله على ما يوجب المحبة بينه وبين رعيته حتى يستقيم وتصلح حاله والمعصوم من عصمه الله شرح رياض الصالحين (4/18)
لقد عرف سلفنا الصالح أهمية البِطانة ومدى تأثيرها على المرء ، لذا حرصوا أشد الحرص على أن يكون خواصهم ومن يرجعون إليهم هم من أهل العلم والتقوى والأمانة ، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال :"كان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته كهولا وشبابا ".التبيان في آداب حملة القرآن للنووي (ص 14)
وحثوا أهل الإسلام على مُشاورة أهل الصلاح و الخوف من العزيز العلام، يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-: "شاور في أمرك الذين يخافون الله". الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام ( ص42)
ويقول الإمام سفيان الثوري – رحمه الله- :"ليكن أهل مشورتك أهل التقوى، وأهل الأمانة ،ومن يخشى الله عز وجل ". حلية الأولياء لأبي نعيم( 7/ 13)
ومن أشهر القصص التي تُبين لنا فضل البِطانة الصالحة وتأثيرها و أن نفعها كما ذكرنا يتعدى، ما كان من حث الوزير النبيل والإمام الجليل رجاء بن حيوة الكندي - رحمه الله- ( ت :112هـ) الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان – رحمه الله- (ت :99هـ) على تولية خليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز الأموي – رحمه الله- ( ت : 101هـ) ، يقول الإمام الذهبي – رحمه الله- :" هو الذي أشار على سليمان باستخلاف عمر بن عبد العزيز ".تذكرة الحفاظ (1/118)
فأخذ الخليفة سليمان بن عبد الملك- رحمه الله- برأيه السديد وحثه الرشيد فولىَّ بعده عمر بن عبد العزيز فكان هذا الأخير - رحمه الله- من خيرة الخلفاء الصالحين الذين مروا على تاريخ المسلمين، فنفع الله جل وعلا بوصية هذا الوزير الأمين أمة خير المرسلين ، ومُدح صنيعه وشُكر حرصه وأُثني عليه، حتى أصبح يُلقب – رحمه الله- بمستشار الخلفاء ، يقول عنه الإمام أبو نعيم الأصبهاني – رحمه الله- :"مُشِير الخلفاء والأُمراء ". حلية الأولياء (5/170)
فيا أيها المسئول!وأيها الحاكم ! اعلم – وفقك الله لكل خير- أن المخالطة والصحبة مؤثرة جدا في إصلاح الحال وإفساده، فعن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجليس السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ - يُعطيك - وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ منه،وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ منه رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً".رواه البخاري(5214)،ومسلم(2628)
يقول الإمام النووي –رحمه الله-:"فيه تمثيله صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح بحامل المسك والجليس السوء بنافخ الكير، وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع، ومن يغتاب الناس، أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة". الشرح على صحيح مسلم ( 16/ 178)
فاحرص – وفقك الله- أن تكون بِطانتك صالحة ، وعلى فعل الخير مُجتهدة ، ومن الشر بعيدة ، وعلى ما ينفع المسلمين في الدارين حريصة ، لأنك عنها و عن رعيتك يوم القيامة ستسأل عند وقوفك أمام الله عز وجل ، فأعدَّ لذلك السؤال يومئذ جوابا و للجواب حينها صوابا ! فعن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ فَالْأَمِيرُ الذي على الناس رَاعٍ وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ..". رواه البخاري(853)ومسلم(1829)واللفظ له.
يقول الإمام النووي –رحمه الله-:"قال العلماء :الراعي، هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه ،والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته". الشرح على صحيح مسلم (12/213)
فالله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يُوفِّق ولاة أمور المسلمين لكل ما يُحبه ويرضاه، وأن يُجنبهم ما يُبغضه ويأباه ، وأن يرزقهم البِطانة الصالحة الصادقة التي تَحثهم على الخير والبِّر وتُحذرهم من كل ضرر وشرّ ، فهو سبحانه وليّ ذلك والعزيز المقتدر.

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


أبو عبد الله حمزة النايلي
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:37 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.