ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى شؤون الكتب والمطبوعات
.

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 25-03-03, 12:17 PM
أبو أحمد الجزائري الأثري
 
المشاركات: n/a
افتراضي تبرئة أبي حاتم عما جاء في كتاب الزهد

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلا تزال أخبار التراث المؤلمة تتوالى، يشتكي نشاط العابثين وتقاعس أهله الكسالى، آه لها من صيحة، سبقتها صيحات، فمنها ردود شيخنا الألباني رحمه الله فيما خطَّه في المقدمات، ومنها شكاوى أخينا محمد عبد الله آل شاكر في كتابه "أوقفوا هذا العبث في التراث"، والشريف حاتم العوني أمدهما الله بتوفيقه، وغيرهم، إلا أن الصرخات أمام جحافل المتسلطين كأنها في واد، أو كنفخة في رماد!
وإن غالب العابثين على نوعين:
أحدهما: المتأكل بالتراث، والمتخذ إياه حرفة وتجارة، لا يهمه العلم ولا أهله، فالتراث عنده (سوق)، ويجد من حثالة الناشرين من يشتري عمله الحثالة، وتخصص أناس وكتبيون معروفون بهذا الأمر.
ثانيهما: المتطاولون الجهلة، من المبتدئين الأغمار، الذين يجترئون على التحقيق ولما يريشوا بعد، فتجد أحدهم قرأ كتابا أو كتابين في علم الحديث، ووقع في يده مصورة مخطوط مسكين، فأخذته النشوة والحماس، ونسخ المخطوط المتن على عجل يقتضيه جهله، وبعد أن يرهق المتن بتحريفاته وعُجمته وغرائب تعليقاته: يُجهز عليه بتخريج أحاديثه تخريجا لم يسمع به إنس قبله ولا جان، ثم يرميه قتيلا لأقرب ناشر مغمور، وأحسن الله عزاءكم في الكتاب.
والمشكلة أن هذا الصنف يظن عمله خدمةً للتراث! ويظن نفسه بهذا التخريج قد زاحم ابن حجر والألباني (إن لم يحتقر عملهما)، ووصل الغاية القصوى في العلم، فقد أصبح (محققا)! وأسدى للأمة معروفا يُخلده التاريخ!

لا أريد الاستطراد في المقدمة أكثر، إذ كل مشتغل بالتراث ومعتنٍ به يعرف الكثير من الأمثلة على ما سبق وزيادة.
لكنني أكشف اليوم عن عابث جديد، ومجترئ شديد، دون ذكر اسمه، لعل أن يكون مقالي هذا رادعا له ولأمثاله من المتعالمين، وحاثا لذوي الأمر والاختصاص على كف أيدي أولئك عن العبث..

فقد صدر مؤخرا كتاب بعنوان (الزهد)، وكتب عليه: تأليف الحافظ أبي حاتم الرازي، وتحقيق (لا أرغب في ذكر اسمه، أصلحه الله)، ونشر دار أطلس للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى 1421هـ / 2000 م

ونظرا لاهتمامي بمؤلفه الحافظ أبي حاتم الرازي وأمثاله من أئمة الحديث والعلل المتقدمين فقد سارعتُ لاقتنائه وقراءته، وكعادتي في المخطوطات المحققة فإنني أقارن بين نماذج المخطوط التي يوردها المحقق مع النص الذي أمامي، ولا سيما إذا كان المحقق جديدا على الساحة، حتى أعرف إتقانه من عدمه، وأدعو له أو عليه!
فإذا بي أجد في الصفحة الأولى من المخطوط عدة سقوط، وتغيير متعمد للمتن، وتحريف في الضبط!
فقلت في نفسي: إذا كان هذا في البداية والنشاط موجود، فكيف بالنهاية والفتور معهود؟!
ثم قلَّبتُ النظر في المقدمة، ولفت نظري قول المحقق (ص4): "وقد كان للشيخ الفاضل صلاح الدين بن أحمد الإدلبي جزاه الله خيرا قد نشّط همتي إلى مثل هذا العمل، وذلك بحثّه المتواصل لي على البَدء بإخراج المخطوطات وتحقيقها بعد قراءتي عليه لكتاب نزهة النظر لابن حجر.."!!!
فقلت: وا إسلاماه! هل يتفوه بهذا عاقل! إن القلم ليعجز عن تصوير المأساة المتجسدة بهذه العبارات.
حثَّه مَن؟
صلاح الدين الإدلبي، صاحب الرسائل في محاربة السنة، والتي نادى فيها على نفسه بالجهل، ولا سيما رسالته "كشف المعلول"، التي رد فيها على شيخنا الألباني رحمه الله، بكلام ليس من العلم ولا الأدب في شيء، بناه على منهج خاص به، لا هو من منهج المتقدمين ولا المتأخرين ولا الكلاميين ولا الفلاسفة ولا الأدباء!
حثه على ماذا؟
على إخراج المخطوطات المسكينة حثا متواصلا، على أن الإدلبي ذاته ليس له في تحقيق المخطوطات أثر يذكر!
حثه لماذا؟
لأنه قرأ على فضيلته نزهة النظر، أصغر شروح المصطلح! فاستحق بذلك الحث المتواصل على إخراج المخطوطات صغيرها وكبيرها، وهذا جهل بالغ من الحاث والمحثوث! حيث ظنا أن قراءة مثل هذا الكتاب تؤهل للتصدي لنشر تراث أهل العلم، ومكابدة مشاقِّه، ومزاحمة أهل المعرفة فيه.

المهم، بعد قراءتي لهذه العبارة الفاضحة مع المقارنة لنموذج المخطوط عرفتُ أن بين يديَّ كتابا عُبِث فيه، وأن الجاني من النوع الثاني من العابثين، وهم المتعالمون المتطفلون على الشأن، وحثَّني ذلك على إعادة قراءة المخطوط والمقدمة، فإذا بالأمر أهول مما ظننت! فأضع بين يدي القارئ الكريم الملاحظات ليستدركها على نسخته، ولأدفع عملا مشوها أُلصق زورا بسيد الحفاظ أبي حاتم الرازي، وأحتسب عند الله الأجر والوقت، ذاك الوقت الذي يفترض أن يكون المحقق قد كفانا إياه! وأستسمح القارئ على العبارات القاسية، ولكن الغيرة على العلم ضد المتسلطين عليه من أدعيائه تقتضي ذلك، والله المستعان.
وأقسّم الملاحظات إلى قسمين رئيسيين:
1) ما يتعلق بالمتن: السقوط والتحريفات والتغييرات المتعمدة من المحقق في المتن.
2) ما يتعلق بالمقدمة: نسبة الكتاب لأبي حاتم الرازي، الادعاءات العلمية المتهورة في مقدمة المحقق وتعليقاته، مثل زعمه أن الجزء في علل أحاديث وآثار الزهد! ومزالق أخرى.

وأذكر إخواني من أهل الحديث بالهجمة الشرسة على السنة من قبل أعدائها الكوثريين، حيث اتجهوا إلى تراث أهل الحديث وادعوا بهم وصلا، فاعتمدوا خطة مكشوفة، وهي إخراج كتب السلف الحديثية، ليس حبا بها ولا بأهلها! كلا! بل لإفسادها بتعليقاتهم وسمومهم المبثوثة تحت ستار التحقيق! ودونكم كتب أبي غدة وتلميذه عوامة.
ولذلك لا أستغرب قيام واحد من متمشيخة هذه المدرسة من أمثال الإدلبي بالتفريخ السريع للمحققين، وذلك بتلقين الغلمان والنكرات أصغر شروح المصطلح (فقط!) ليزجّوا بهم معترك تحقيق التراث مباشرة! وحثهم حثا متواصلا على إخراج المخطوطات كيفما اتفق، والمهم حجز الكتاب وسبق المكتبات، وإلى الله المشتكى.
ولو كان سهما واحدا لاتَّقَيتُه ---- ولكنه سهمٌ وثانٍ وثالثُ!
  #2  
قديم 25-03-03, 12:18 PM
أبو أحمد الجزائري الأثري
 
المشاركات: n/a
افتراضي

أولا: ما يتعلق بالمتن المطبوع.

السقوط والتحريفات والتغييرات المتعمدة من المحقق في المتن.
كما أسلفت فإن هذه الأمور الثلاثة قد وقعت منه في الصفحة الأولى من المخطوط الذي اعتمد عليه! فمع أن المخطوط صغير لا يتجاوز ثمانية ورقات إلا أن السقط الكثير يتراوح بين الكلمة والكلمتين إلى السطر ونيف! وهذا سردها في الكتاب كله:
السقوط في الكتاب، وأضعها بين معكوفتين:
(ص38): "فكاك أرقابهم، [فإذا عملوا الحسنة فرحوا بها وسرَّتهم، وذابوا في شُكرها، وذكروا الله بيقين منهم]، فإذا عملوا سيئة ساءتهم وأحزنتهم، ودعوا الله أن يغفر[ها] لهم"، وفي مطبوعته ههنا تحريف يأتي بعد قليل.
(ص30): "حدثنا أبونعيم [الفضل بن دكين]، قال: حدثنا مسعر".
(ص33): "أن موسى [عليه السلام] سأل ربه".
(ص33) أيضا: "لمحارمي [إذا استُحِلَّت] كما يغضب النمر".
(ص34): "وأحبوا من [أ]بغضكم".
(ص39): "لا إله إلا الله. قال [النبي] صلى الله عليه وسلم".
(ص40): "عبدي بي، [قال:] فأدخل الجنة".
(ص48): "قال أبوحاتم: هو [أبو] المعتمر".
(ص63): "على ظفره [فـ]يـخبرك بوزنه".

التغييرات المتعمدة من المحقق:
أولا: العنوان! أثبت المحقق عنوانا هو: "الزهد"، وفي المخطوط: "فيه من كتاب الزهد عن أبي حاتم"، ولعل قائلا يقول: وما الفرق؟ أقول: لأن الجزء فيه من الزهد ومن غيره كما سيأتي بيانه، ولكن العنوان المثبت أفضل من الناحية التجارية.
(ص31): "فألقى بها". وفي المخطوط: "فرمى بها"! ولعل قارئ نزهة النظر ممن يرى جواز رواية المخطوط على المعنى.
(ص60): "ما منه من عرق إلا يألم"، وفي المخطوط: "ما منه عرقٌ إلا يألم"، [من] زادها المحقق من كيسه المبارك!
(ص67): "وقد ضاق في بعض الأمر"، [قد] من إضافات المحقق!

التحريفات في المتن:
(ص36): "قالت: السابق"، وفي المخطوط: "قال: السابق".
(ص36) أيضا: "صلى الله عليه وسلم"، وفي المخطوط: "صلى الله عليه وعلى آله".
(ص38): "فكاك أرقابهم، فإذا عملوا سيئة"، وفي المخطوط: "فكاك رقابهم.. [ثم سقَطَ سطران تقدم بيانهما]، وإذا عملوا سيئة".
(ص38): "ما تعرجون، فقطعوا عنكم"، وفي المخطوط: "قَطِّعوا".
(ص41): "ليس عليه شيء"، وفي المخطوط: "ليس عليها شيء"، وهو ما لا يصح في اللغة سواه مناسبة للسياق.
(ص47): "فقد قل عمله"، والصواب في المخطوط: "علمه".
(ص50): "يحب المدح"، والصواب: "الحَمْد"!!
(ص59): "وجوههم بوم القيامة"، بالباب الموحدة، وهو خطأ مطبعي طريف، صوابه: "يوم القيامة".
(ص66): "قتل من علي ومعاوية"، وفي المخطوط: "بين علي ومعاوية"!!
(ص69): "حدثني أبوحاتم"، في المخطوط: "حدثنا"، وهكذا غالب صيغ التحمل في الكتاب!
(ص76): "وسمعه معه ابنه أبوالمعالي عبد الله بن عبد الرحمن خيرة الله"، والصواب: "خَيَّرَهُ الله"، فهو دعاء له!

التحريفات في الضبط، وهذه لم أتتبعها كثيرا، فمنها:
(ص7): "كلمني دَحيم". ضبطها المحقق بفتح الدال! ولا يخفى على مبتدئ في علم الحديث أنه بضمها، وهو مشهور جدا!
(ص7) أيضا: "سألوني التحديث فأبيت عليهم، وقلت: بلدةً بكون فيها مثل أبي سعيد دَحيمٍ أحدث أنا". قلت: تشكيله لكلمتي "بلدةً" و"دَحيمٍ" يأباها المبتدئ في اللغة!
(ص32): "ويلبس الشُّعُر". هكذا، بضم الشين والعين! ولا مستند له إلا التشهي، والصواب: "الشَّعْر"، فتح الشين وإسكان العين، ثم جعله المحقق في فهرس غريب اللغة والاستعمال (ص90): "الشَّعَر"، بفتحتين!
(ص38): "ثم أقبل على النضر"، والصواب "ثم أقبل عَلَيَّ النضرُ".
(ص50): "أن يجعل لحبهم إياه علماً"، وكان ينبغي أن يضبطها: "عَلَماً".
(ص51): "فإن للشيطان فيها مطمعاً"، والصواب: "مطمعٌ" بلا ريب!
(ص65): "فإن استطعت أن تكون اليوم خير منك أمس، وغدا خير منك اليوم فافعل"، ولا شك أنهما "خيراً".
مع العلم بأن التشكيل نادر في أغلب كتابه، فلما تجشم المحقق الصعاب ليضبط بعض الكليمات أتى بما أتى!
(ص72): "كتب إلى عبد الله بن نافع"، ولعل الصواب: "كتب إليَّ".

من التعليقات التي تنادي على صاحبها بقلة المعرفة:
اخترت هذه التعليقات من الصفحات الخمس الأخيرة من الكتاب:
(ص67): "إن استطعت أن تغير خلقك بأحسن* فافعل"، علق المحقق قائلا: "جاء في الأصل بعد كلمة (بأحسن): (ما) ثم بياض، فلعلها فا فافعل ثم كتبها الناسخ في السطر الثاني وقد حذفتها".
وهذا تعليق يدل على قلة معرفة المحقق، فالعبارة في المخطوط: "بأحسن ما فافعل"، والبياض يدل على وجود كلمة سقطت على الناسخ أو لم تتضح له فبيّض لها، والتقدير الذي تستقيم له العبارة هو: "أن تغير خلقك بأحسن ما [تقدر] فافعل"، ونحو هذا.
(ص70): "ثم قال: مه*"، هكذا وضع نجمة كأنه سيعلق عليها، ولا تعليق موجود! ولكنها واضحة في المخطوط: "قال: لِمَه؟"، فهذا دليل على حداثته في قراءة المخطوطات، رغم أن المخطوط حسن الخط واضح جدا!
(ص72): "لا تسمعوا من القصاص ما تُخَبُّون به من الحديث"، صوابه "يجيئون به"، ولكن المحقق لا يعرف قراءة المخطوطات، ولا كيفية رسم الهمزات عند النساخ، ولو أخطأ المحقق وسكت كان الأمر هينا، ولكن الفضيحة أنه اختار رسما بمحض التشهي، وشكَّل حروفه - على غير عادته - ثم علق في الهامش: "وقوله ما تُخَبُّون: أي ما تُغَشُّون وتُخدَعون به. (القاموس ص99)"!!
(ص74): "دع المرء لقلة خيره"، وفي المخطوط: "المرى"، وهي طريقة بعض النساخ القدامى في كتابة الهمز الممدود، فيكون: "المِراء"، أما "المرء" فلا يُكتب بجانبها ياء! ومع هذا فقد علق المحقق قائلا: "رسم المخطوط يصح أن يكون فيه المراء بدل المرء".
قلت: لو كان يعلم مبادئ رسم المخطوطات لما قالها، ولو أعمل عقله لحظة بمعنى العبارة التي أثبتها لعلم خطأها، إذ القائل ينصحك أن تكون صاحب مصلحة، أو مصلحجي كما يقال! ولا أظن هذا الفهم يناسب كتابا في الزهد، بخلاف النهي عن المراء!
  #3  
قديم 25-03-03, 12:18 PM
أبو أحمد الجزائري الأثري
 
المشاركات: n/a
افتراضي

ثانيا: ما يتعلق بإثبات نسبة الكتاب وما جاء في مقدمة المحقق.

نسبة الكتاب لأبي حاتم الرازي:
كان من المفترض أن أبدأ بهذا المبحث، فأول ما يتعين على المحقق فعله عند التحقيق هو إثبات نسبة الكتاب لمؤلِّفه، فإذا كان هناك كلام وخلاف في نسبة الكتاب فيجب عليه استيفاء هذا المبحث، متجردا عن العواطف والأحكام المسبقة، بحيث لا يدع مجالا لمستدرِكٍ عليه، سواء كانت النتيجة ثبوت النسبة أم عدمها، فإن المسألة دينٌ يتعلق به نسبة كلامٍ للعلماء وغيرهم.

وهذا الكتاب في نسبته للإمام أبي حاتم نظرٌ كبير، إذ لم يُذكر للإمام كتابٌ في هذا فيما فتشت، فلا ذكره ابنه في ترجمة أبيه المطولة من مقدمة الجرح والتعديل، ولا ذكره جميع من وقفتُ عليه ممن ترجم لأبي حاتم (رغم اهتمامي الخاص بترجمته)، وليس للكتاب ذكر في كتب الرواية، ولا في التقييد لابن نقطة وذيله للفاسي، ولا فهارس ومعاجم مرويات الحفاظ التي طالعتها، ولا ذكره شيخ الإسلام التقي ابن تيمية عند سرده لكتب الزهد عند المحدثين، ولا أصحاب الكتب الجامعة للكتب مثل الفهرست للنديم (وليس ابن النديم كما ذكر المحقق! ص16)، وكشف الظنون، وذيوله، وأبجد العلوم، والرسالة المستطرفة.
إنما ذُكر لابنه عبد الرحمن تصنيفٌ في الزهد، كما في التدوين للرافعي (1/212 و499 و2/279 و387 و4/121) وأبجد العلوم للقَنَّوْجي (3/100) وغيرهما، وليس هو هذا الجزء المحقق (!) بالطبع، وأراه غير زهد الثمانية من التابعين بروايته، وهو مطبوع.
فهذا يورث شكا كبيرا بنسبة الكتاب لأبي حاتم، ومع أن المفترض من المحقق أن يتوسع هو في مناقشة هذا إلا أنه تجاهله واكتفى بالقول على استحياء قاصر (ص16): "ذكر بعض المؤلفين في المؤلِّفين والمؤلَّفات أشياء نسبوها لأبي حاتم الرازي.. ولم يذكروا فيما نسبوا إلى الإمام أبي حاتم كتاب الزهد الذي في أيدينا - مع قدم النسخة وتاريخ سماعها - إلا ممن فهرس الظاهرية بمحتوياتها الثمينة".
قلت: ومتى كانت فهارس المكتبات تثبت بها أنساب الكتب؟!
هل مَن هذا عِلْمُه بمبادئ علم المخطوطات - الذي لا يوجد في نزهة النظر! - يستحق حثا متواصلا على إخراج المخطوطات؟

مناقشة إسناد الكتاب:
إن ما سبق لوحده كافٍ للتشكيك بنسبة الكتاب لأبي حاتم، كيف وقد جاء الكتاب بسند مطعون فيه؟
فقد جاء الإسناد على طرة المخطوط من رواية أبي طاهر الحنائي، أخبرنا القاضي أبوالحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أحمد الحباري، أخبرنا والدي بقراءتي عليه سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، أخبرنا أبوالحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان قراءة عليه، حدثنا أبوحاتم.
وزعم المحقق (ص16) أنه يحصل الجزم (!) بنسبة الكتاب لأبي حاتم اعتمادا على أمور، أولها: "إسناد الكتاب المتصل بالرواة المشهورين بعامة، وبرواية كل منهم عن الشيخ الذي فوقه خاصة.."!
أقول: ليس مجرد ورود اسم على الكتاب وإسناد قاطعا في ثبوت النسبة لصاحبه.
وإذا كان المحقق يحتج بإثبات صحة الكتاب بمجرد (وجود) مخطوط للكتاب وعليه سند، فيلزمه تصحيح نسبة كتب كثيرة عرفها الحفاظ، مثل كتاب الفقه الأكبر المنسوب لأبي حنيفة، وكتاب السر المنسوب لإمامنا مالك، ولبعضها نسخ خطية، ولكن كيف تعامل معها الحفاظ؟
وللعلم، فإن إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه ليس من مباحث (نزهة النظر) التي قرأها المحقق على شيخه الإدلبي، فحثه بعدها حثا متواصلا على البدء في إخراج المخطوطات!!
قلت: وعلى كل حال، فإن الناظر في الإسناد لا يرى من المشاهير المزعومين سوى الحنائي وأبي الحسن القطان!
أما عبد العزيز بن عبد الرحمن الحباري فترجمته عزيزة، ونقل ابن عساكر عن غيث بن علي قوله: "ما علمت من حاله إلا خيرا"، فهذا لا يُقال عنه إنه مشهور!
فائدة: ومن شاء أن يشاهد مثالا في البُعد عن فن المحدِّثين في الترجمة فلينظر إلى كيفية ترجمة المحقق لهذا الراوي (ص24)!
أما أبوه الذي زعم أنه مشهور فلن يجد له ترجمة أصيلة إلا في تاريخ بغداد، فماذا قال فيه الخطيب؟

مناقشة حال المتفرد برواية الكتاب:
قال الخطيب في تاريخه (10/303): "عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم أبو القاسم الخباز الصوفي، من أهل قزوين، قدم علينا حاجا، وحدَّث ببغداد عن أبي الحسن القطان، وأحمد بن محمد بن رزمة القزوينيين، وعن محمد بن هارون الثقفي الريحاني.
كتبنا عنه بعد صدوره من الحج، وذلك في سنة تسع وأربعمائة، [ثم أسند عنه حديثا].
حدثني أبو عمرو الزهري الفقيه: أن أهل قزوين كانوا يضعفون عبد الرحمن بن أحمد في روايته عن أبي الحسن القطان. قال: ومات في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة".
وعن الخطيب أخذ الرافعي في التدوين، والذهبي في تاريخه، وفي الميزان، وابن حجر في اللسان.
وما نقله الخطيب هو كل ما وقف عليه الرافعي والذهبي وابن حجر من جرح وتعديل فيه.
قلت: فليس بمشهور إذاً كما زعم المحقق، ولكننا نحسن الظن في قوله إنه معروف بالرواية عن شيخه خاصة، فنقول: نعم، ولكنه معروف بالضعف عنه!
ولكن كيف حاول المحقق التخلص من هذه الورطة؟
أولا: تجاهل التطرق لهذه المسألة في فصل عقده (ص16-18) لإثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وعلى القارئ الفطن أن يكتشف بنفسه أنه حاول دفع التضعيف ضمن تعليق هامشي (ص26) في غير المظنة، بحيث إن القارئ العادي إذا أراد أن يتعرف على ثبوت نسبة الكتاب سيفتح الفهرس ويجد بابا خاصا في هذا، ولن يجد أي شيء يشكك في هذا الكتاب الذي اشتراه بماله الخاص، ويستروح القارئ بعدها أنه لم يُضع ماله في (وهم أو تدليس) من عابث!
ثانيا: قال المحقق في هامشه المشار إليه (ص25-26): "أما ما ذكره الخطيب البغدادي من أن أهل قزوين كانوا يضعفون عبد الرحمن بن أحمد في روايته عن أبي الحسن القطان ففيها [كذا! ولعله يريد: ففيه] دلالة على توثيق روايته عن غيره، إذ أنه ذو مشيخة لا بأس بها [ملاحظة: ذكر له الخطيب - سوى القطان - شيخان فقط!!]، واستثناء الرواية عن أبي الحسن بوصفها بالضعف يدل على الثقة بغيرها [كذا! ولعله يريد.. لا أدري ماذا يريد!]، ووجدت في لسان الميزان (4/245) ترجمة له [اكتشافٌ خطير بالنسبة لمحققٍ مبلغُ علمه نزهة النظر!!]، فنقل الحافظ عن الذهبي [لم يكتشف أنه في ميزان الاعتدال! اصبروا حتى يقرأ على شيخه البيقونية] قوله: (عبد الرحمن بن أحمد القزويني عن أبي الحسن بن سلمة القطان ضعيف عند أهل بلده قاله الخطيب وحدث عنه..) [ملاحظة: انعدام علامات الترقيم المهمة من المطبوع، وغالبه هكذا] ثم عقب الحافظ بقوله: (والخطيب إنما نقل ذلك عن غيره مقيدا غير مطلق فقال: حدثني أبوعمرو المروزي أن أهل قزوين كانوا يضعفون عبد الرحمن بن أحمد في روايته عن أبي الحسن القطان هذه عبارته فضعفه على هذا مقيد بما رواه عن أبي الحسن فقط وقد روى عن غيره أحاديث مستقيمة إن شاء الله) [أكرر الملاحظة السابقة! ويتعبني أن أكررها، فلتكن منك على ذكر فيما يأتي].
وأبوعمرو المنقول عنه التضعيف لم أعرفه [هذا الأصل فيك!] ولم أجد عنه نقلا في تاريخ بغداد سوى ما جاء في هذا الموضع [لأنه يظن الخطيب يورده بالكنية فقط كما جاء هنا!] والله أعلم.
ثم إن الخطيب نفسه روى أثرين عن كتاب أبي حاتم هذا من طريق أبي القاسم عن أبي الحسن كما سبق ذكره في إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
والذي يتبين لي من ذلك والله أعلم أن القدح ليس في عدالة أبي القاسم وصدقه في نفسه [فماذا بقي إذن؟!] وإنما في إدراكه لأبي الحسن واتصاله به، فبين وفاتيهما (68) سنة وهما من بلد واحد ويمكن لأبي القاسم حضور مجلس القطان، وهذا يقتضي أن تكون ولادة أبي القاسم قبل وفاة أبي الحسن القطان بخمس سنين على الأقل ليقرأ عليه بحضوره، ولاحظ قوله في السند: أخبرني.. قراءة عليه، ولم يقل وأنا أسمع (!)، فكأنه الحضور وحسب (!!)، ولو عرفنا سنة ولادة أبي القاسم لثبتنا هذا التوجيه أو نفيناه (!!!!!!!!)" انتهى كلام المحقق بطوله!

وهذا الكلام - اسمح لي - عاطفي هزيل، ويصرخ على قائله بالجهل المركب، وليس من العلم في شيء، ولكن سأناقش بعض ما جاء فيه، فأقول: سواء كان ضعف الراوي عن القطان عاما أم محصورا في شيخه فهذا حجة عليك في تضعيف سند الكتاب، ومن العجائب أن يستدرك المحقق على الخطيب إيراده الطعن في عبد الرحمن بقوله: إنه روى عنه من الكتاب أثرين، وأن هذا من أدلة ثبوت الكتاب لأبي حاتم!
يا أخي: الخطيب اعتمد ضعفه في هذه الرواية، فإذا روى من الرواية ذاتها ولم ينقض حكمه المعتمد، فأين يكون الاستدراك عليه؟
وكونك تشكك ببحثك القاصر جدا فيمن نقل طعن أهل قزوين في بلديهم راوي الكتاب فهذا يدل على غربتك عن الفن، لأمور:
أولا: كان ينبغي عليك أن تتوسع في ترجمة شيخ الخطيب، ولا سيما أن الخطيب يصف شيخه بالفقيه، ويورده بصيغة تدل على أنه معروف، فعليك أن تزيل من ذهنك احتمال أن يكون الزهري الفقيه مجهولا كما حاولت، لأجل تمشية حال كُتيِّبك والتكسب من ورائه!
ثانيا: ولتعلم أن من شيوخ الخطيب واحدا فقط يقال له الزهري الفقيه، وهو عمر بن إبراهيم، وقد وثقه الخطيب، ولعل (أبا عمرو) تصحفت من (عمر)، وهذا وارد.
ثالثا: وتطيبا لخاطرك سنفترض أنه مجهول عندنا، ولكن بالنسبة للخطيب فقد اعتمد على كلامه كما أسلفت.
رابعا: ولو كان مجهولا عند الخطيب أيضا، فإن من أصول علم الجرح والتعديل أن الراوي إذا لم نجد فيه جرحا ولا تعديلا (مثل صاحبك الذي تدافع عنه)، ووجدنا فيه جرحا من ضعيف، فإنه يؤخذ به، كذا صنع الأئمة مع أبي الفتح الأزدي، حيث ضعف عددا من الرواة مجاهيل الحال، ولكنهم اعتمدوا جرحه لعدم وجود كلام سواه مع أن قائله ضعيف، والقاعدة إعمال مثل هذا لا إهماله.
بقي شيء مما يستحق الرد؟ نعم، قوله إن الطعن في عبد الرحمن بن أحمد ليست لا في عدالته ولا في صدقه، إنما في إدراكه للقطان!
قلت: هذا جهل مركب لأمرين:
أولهما: أن مدار الاحتجاج على العدالة والصدق؛ أو الضبط بتعبير أشمل وأدق، فإذا لم يختل شيء من هذا في رجل فهو الثقة مطلقا، فعلى فَهْم (!) المحقق، فإن أهل قزوين، والزهري الفقيه، والخطيب، والرافعي، والذهبي، وابن حجر لم يفهموا هذه الركيزة الأساسية في علم الرجال!
ثانيا: إذا كان الطعن في عبد الرحمن بأنه لم يدرك أبا الحسن القطان لما اكتفوا بتضعيف روايته عنه، بل لحكموا عليه بالكذب يا ذكي!
ملاحظة أخرى: المحقق لا يعرف أن القراءة على الشيخ إذا أُطلقت فالأصل فيها عدم الحضور (بمعناه عند المحدثين)، ولا تحتاج أن يزيد الراوي: "وأنا أسمع"، إنما الحضور هو الذي يخصص بالذكر.
ولكن شاء الله أن يزيد من كشف جهل المحقق من حيث أراد التعالم، وإلا فكلامه الأخير غاية في التهافت والسقوط.
  #4  
قديم 25-03-03, 12:22 PM
أبو أحمد الجزائري الأثري
 
المشاركات: n/a
افتراضي

باقعة وطامة لم يُسبق إليها:
ضمن فرط حماس هذا العابث الجاهل ليدافع عن عبد الرحمن بن أحمد فقد قال في سبب الطعن: "وقد يكون السبب من جهة الشيخ أبي الحسن القطان نفسه(!!!)، فقد نقل الذهبي في التذكرة (3/856)، قول ابن فارس في بعض أماليه: سمعت أبا الحسن القطان بعدما علت سنه يقول: حين رحلت كنت أحفظ مائة ألف حديث وأنا اليوم لا أقوم على حفظ مائة حديث. وسمعته يقول أصبت ببصري وأظن أني عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة.
ويؤخذ من هذا [الكلام للمحقق] ما حصل لأبي الحسن من ضعف للحافظة والبصر، فلضعف حفظه لا بد له إلا أن يحدِّث من كتاب، وضعف بصره يمنعه من ذلك، فمن حدث عنه إذ ذاك ضعفت روايته عنه، هذا ما يبدو أنه حصل له بعدما علت سنه، وكأني بأبي القاسم لم يدركه إلا في هذه المرحلة من سنه فضعف أهل بلده روايته عنه والله أعلم." انتهى كلام المحقق.

قلت: فيه مسائل:
أولا: المحقق قارئ نزهة النظر لا يعرف كيفية رواية الكتب عند الحفاظ والمسندين.
ثانيا: فيظن المسكين أن المحدثين يُمْلون الكتب من حافظتهم! (فعلى هذا فالقطيعي وابن المُذهب، بل وابن طبرزذ والحَجّار أحفظ الحفاظ!)
ثالثا: ولأن أبا الحسن القطان ذهب حفظه كما يرى العابث فسيضطر للعدول عما يراه المحقق طريقة إسماع الكتب ويقرأ من الكتاب مباشرة.
رابعا: ولكن أبا الحسن القطان أصيب ببصره أيضا، فكيف يستطيع القراءة، ما الحل؟ عند المحقق الجاهل: أحسن الله عزاءكم في القطان، فقد خرج عن نطاق الخدمة بعد عمر حافل من التحديث، وعليه أن يعبد ربه حتى يأتيه اليقين.
خامسا: لم يكتشف قارئ نزهة النظر (من ضمن مكتشفاته أو مكاشفاته!) أن من طرق التحمل شيء اسمه القراءة على الشيخ وهو يسمع! إلا إذا زعم أن أبا الحسن القطان أصم وأبكم أيضا!
سادسا: ولم ينتبه أنه بهذا جعل الإمام أبا الحسن القطان كمن اختلط آخر عمره، فمن روى عنه بعد اختلاطه ولو كان أوثق الثقات فحديثه ضعيف!
سابعا: ولجهله المركب لم يدر أنه ليدفع الطعن في عبد الرحمن بن أحمد فقد طعن في شيخه - وهو أحد الأئمة، وراوية سنن ابن ماجة - بما لم يسبقه إليه أحد!
ثامنا: وعبد الرحمن بن أحمد قد سمع من القطان في هذه الحال المأساوية كما يقول المحقق الفذ.
تاسعا: وأهل قزوين ومن اعتمد كلامهم من الحفاظ لم يفهموا موضع العلة وألصقوها جهلا وعدوانا بأبي القاسم عبد الرحمن بن أحمد، مع أن العلة شيخه!
عاشرا: وبالتالي فقد ضعف إسناد الكتاب من حيث أراد ترقيع حاله!!
أخيرا وليس آخرا: لكل داءٍ دواءٌ يُستَطَبُّ به --- إلا الحماقة أعيت من يُداويها!

خلاصة القول أن هذا المحقق وثَّق الضعيف بتضعيف الإمام الثقة الثبت، وارتكب في سبيل ذلك أخطاء مركبة مُسقطة لثقته وعلمه بالكلية، والله يكفي علماءنا وحفاظنا وتراثنا غوائل الجهلة المتسلطين!

عودا على بدء، نواصل رحلتنا في طرق إثبات المحقق لنسبة الكتاب إلى أبي حاتم.
فبعد أن تم هدم معتمده الرئيسي عندما زعم أن الكتاب يثبت برواته المشاهير، وتبين أن سنده ضعيف عند المحدثين بسبب عبد الرحمن بن أحمد، بينما هو ثابت عند المحقق، وضعيف عنده في آن واحد، بسبب أبي الحسن القطان!
ثم ذكر (ص17) دليلا آخر، وهو قوله: "متابعتان تامتان من الخطيب البغدادي وذلك لشيخ شيخ ابن صابر في هذا الكتاب، فيلتقي معه الخطيب البغدادي في تلميذ تلميذ المصنف وهو أبوالقاسم عبد الرحمن بن أحمد صاحب النسخة المقابلة والذي ذكرناه آنفا"
قلت: لو أحضر ما شاء من المتابعات كهذه فلن ترفع من حال الإسناد شيئا، لأن العلة لا تزال قائمة، وهي عبد الرحمن بن أحمد عند أهل الحديث، وأبي الحسن القطان عنده! وقد قدَّمت أن الخطيب نفسه يعتمد ضعف هذه الرواية، فاحتجاج المحقق بإيراد الخطيب لها حُمق.
ثم أورد المحقق (ص17) دليلا ثالثا برأيه، وهي تحصله بعد جهد جهيد لروايةٍ ونصف من الجزء جاءت من غير طريق أبي الحسن القطان عن أبي حاتم، وهذا استدلال غير قاطع، لأن الكلام ليس على ثبوت مرويات أبي حاتم إليه واحدة واحدة، بل نسبة الجزء برمته إليه، والزعم أنه من تصنيفه وتأليفه.
ربما يقفز المحقق قائلا: المهم أنها جميعا من مرويات أبي حاتم، فنقول: لا نستطيع الجزم بذلك نظرا لضعف سند الجزء، ووجود القرائن على بطلان النسبة لأبي حاتم.
وأتبعه المحقق بدليله الأخير، فقال (ص18) إن أبا حاتم روى في الجزء عن عشرين شيخا، وقال: "ترجم ابنه عبد الرحمن في كتابه الجرح والتعديل لثمانية عشر منهم وذكر سماع أبيه منهم، وقال عن اثني عشر شيخا منهم: روى عنه أبي أو معنى ذلك".
قلت: ويجاب عن هذا بما أجيب عن سابقه تماما، إلا أن تفرقته بين حال الثمانية عشر والاثني عشر شيخا مما يدل على تبحر (!) المحقق في الفهم!

بقيت استفهامات مهمة لم يعرج المحقق عليها، وهي:
لماذا هذا الإعراض من الحفاظ عن كتاب منسوب لجبل من الأئمة، وهم قد اهتموا بنقل كل التفاصيل عمن هم مثله بل دونه، وتناقلوا بشغف أخبار وأسامي مؤلفاتهم، وإن فُقدت واختفت في وقت مبكر ولم يرها الحفاظ؟ لا تقل إن الخطيب روى أثرين من طريقه أرجوك، لأن الخطيب هو الذي نقل لنا تضعيف السند!
لماذا لا يعرف عبد الرحمن بن أبي حاتم أن هذا الكتاب لأبيه، وقد لازمه العمر كله، ومثله بقية الحفاظ، بينما يعرفه أبوالحسن القطان، إن ثبت أنه عرفه؟
لماذا يتفرد عن أبي الحسن القطان – وهو الحافظ المشهور المعروف – راوٍ ضعفوه فيه، رغم كثرة تلاميذ أبي الحسن، وأخذ الرحالين والحفاظ عنه من مختلف البلدان، وعلى طبقات عدة؟
ولماذا نجد بعض الأخبار الموجودة في الجزء تُروى من طريق أبي حاتم نفسه ولكن بأسانيد أخرى! وأكتفي بضرب مثالين فقط، فالأثر (رقم 18) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع (165) عن أبي حاتم بسند آخر!
والأثر (رقم 50) رواه ابن أبي الدنيا أيضا في الجوع (230) عن أبي حاتم بسند مغاير!
ربما يلقنه شيخه أن يقول: إن أبا حاتم واسع الرواية جدا، والأصل أن يكون عنده الخبر من أوجه عدة، فيُجاب عنه: أثبت العرش ثم انقش، لو كان الكتاب ثابت النسبة لأجيب بهذا، أما والشكوك متكاثرة فيُعتبر هذا من الاختلاف القادح!

هذا ما بعض نلتمس من المحقق الإجابة عليه، ولكن بعد أن يدرس على شيخه الإدلبي التذكرة لابن الملقن، ليحثه حثا متواصلا ليس على إخراج المخطوطات - فتلك مهمة باتت قديمة دون مستواه - بل على إخراج الموسوعات!

الخلاصة: فظهر بذلك أن الكتاب يصعب إثبات نسبته للإمام الحافظ أبي حاتم الرازي، والأقرب بُطلان النسبة إليه من الناحية العلمية، أما من الناحية العاطفية فلا أستطيع منع المحقق الكريم من اعتقاد ما يهواه!
وبهذا يسقط - من ضمن ما يسقط - قول المحقق الفاضل (ص4): "وهذا مصنف في الزهد للإمام أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الرازي، رأيت في إخراجه خيرا كثيرا من جهة موضوعه.. ومن جهة أنه للإمام أبي حاتم رحمه الله، فهذا أول كتاب ينشر له فيما علمت، ولئن انتشر كثير من علم أبي حاتم بما نقله عنه ابنه عبد الرحمن في كتبه فهذا كتاب صنفه أبوحاتم بنفسه (!) وفرقٌ بين كتاب صنفه الرجلُ فكان فيه اختياره من الرجال (!!) والأخبار وكتاب حوى علم الرجل وحفظه، ودل على طريقته ومنهجه (!) إذ لم يرو إلا عن العدول [ملاحظة: ذكر المحقق في فهرس الشيوخ اثنين لم يعرفهما، وواحدا تُكلم فيه، من أصل عشرين شيخا!] ممن عرفناه من شيوخه في هذا الكتاب، ثم هو يذكر الفوائد في علم الرجال (!!) إلى غير ذلك (!!)". انتهى كلامه.
فما صدَّق المحقق أن أصَّل خطأ حتى قاس وفرَّع! فالحمد لله رب العالمين.

ولسائل أن يقول: فمن المؤلف إذا؟
أقول: بعد البحث والدراسة يترجح لدي أن الكتاب ينبغي أن يُنسب تأليفه للمحقق الفاضل، بسبب كثرة إثخانه في النص إسقاطا وتغييرا ومسخا وتحريفا ابتداء من العنوان! بحيث غدا مجهول الهوية، والأولى أن يُلصق به!
هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.
  #5  
قديم 25-03-03, 12:24 PM
أبو أحمد الجزائري الأثري
 
المشاركات: n/a
افتراضي

ملاحظات على المقدمة:

دعوى علمية متهورة جدا:
قال المحقق (ص13): "وقد وجدتُ في كل سند لخبر أو أثر بحثت فيه ونظرت في متابعاته وشواهده ما يُشعر بأن هذا الكتاب قد صنفه أبوحاتم لذكر علل أحاديث وآثار الزهد، كما ترى في أكثر النصوص التي كتبت تعليقا عليها".
هل رأى أحد منكم دعوى أعرض من هذه خلال قراءاته ومتابعته للتراث؟ أما أنا فلا!
ولا ننسى أن شيخه الإدلبي له ولع معكوس بالعلل، كما ظهر في علله الخاصة التي كشفها في رسالته (كشف المعلول)، ولعل ذلك سرى لتلميذه الذي قرأ عليه نزهة الفكر، فحثه شيخه على تحقيق المخطوطات حثا متواصلا، فظهر من نتائج الحث المتواصل ما نرى من علل وغوائل!
وتبطل هذه الدعوى بأمور عدة، أجملها فيما يلي:
1) بمجرد حكايتها.
2) أن ابن أبي حاتم قد عقد بابا لأحاديث الزهد في كتابه العلل عن أبيه وأبي زرعة، (ولم يشر المحقق المتعالم لهذا، إن كان يدري به أصلا!) ولم يذكر أبوحاتم ولا رفيقه ولا ابنه من هذا الجزء حديثا ولا أثرا!
3) والأحاديث المعلولة في الزهد كثيرة جدا، ولا أظن أحدا شم شيئا من علم الحديث يصدق أن أبا حاتم اختزلها في أحد عشر حديثا هي مجموع الأحاديث المرفوعة في الجزء! وأولها في الصحيحين من نفس الطريق! وخمسة منها مرسلة.
4) وهذا يقال من باب أولى عن أضعاف أضعافها من الآثار المعلولة في باب الزهد!
5) ومرد الأمر كله في نظري أن المحقق لما سمع من شيخه أن أبا حاتم إمام في معرفة العلل ظن كل تراثه (على افتراض أن هذا الجزء من تراثه!) لا بد أن يكون في العلل، والعلل حصرا!
6) فأخشى أن يظهر مستقبلا أحد قراء نزهة النظر، ويقع تحت يده جزء أبي حاتم الرازي عن محمد بن عبد الله الأنصاري، فيقول إن الجزء جمع فيه أحاديث الأنصاري المعلة! (مع أن بعضها في الصحيحين!)
7) ثم إذا نظرنا تخريجه للأحاديث هذه التي بنى عليها حكمه رأينا ضعفا وقصورا شديدين في التخريج سواء من ناحية فن التخريج والصناعة الحديثية أو المصادر، فمن يرى تخريجه يدرك أنه لا قيمة له، ولا يكون سبب ذلك إلا واحدا على الأقل مما يلي: أنه لا يعرف كيفية التخريج، أو أنه لا يعرف الكتب، أو أنه أيضا من الفاشلين في استخدام برامج الحاسوب الآلي (الكومبيوتير)، وربما يكون السبب: جميع ما سبق!
8) ثم إن الأحاديث والآثار التي خرجها حوالي نصف الجزء الصغير فقط، وتخريج غالبها يقتصر على مصدر وحيد، لا يكاد يتعدى كتب الزهد! أما الأحاديث التي تنفس فيها (ولا أقول أطال النفس) فكلها - على ملاحظاتها وأخطائها والقصور في تخريجها - لا تبلغ عُشر الكتاب، فهل يكفي هذا القدر لإطلاق هذه الدعوى العريضة جدا؟ إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
9) وهل تتسق هذه الدعوى الفجة مع قول المحقق في مقدمته (ص4): "وقد عملت جهدي (!) على إخراج النص (!) بما توفر لدي من مراجع (!!) وتيسر لي من أوقات (!!) رجاء أن يكون كما أراده مصنفه (!) .. وما قصدت الاستقصاء في ذكر المتابعات والشواهد ولا الحكم على النصوص".
أقول: فمن أين تجرأت على إطلاق عبارة كبيرة للغاية، وهي أن الكتاب في علل أحاديث وآثار الزهد؟! ما دمت لم تستقص باعترافك، بل لا تعرف أن تخرج كما يتضح من النزر الذي خرَّجته؟
10) وهذا النزر الذي أحال عليه مدللا على دعواه: إنني أعلن عن جائزة وقدرها مائة دينار لمن يظفر بنقل واحد جاء به المحقق عن إمام من الأئمة المتقدمين (بل والمتأخرين!) يُعل فيها شيئا مما خرّجه! لا تتعبوا، فلن تجدوا من ذلك شيئا، وستبقى المائة في جيبي آمنة مطمئنة، وهنا أقول للمحقق مجددا: فمن أين عرفت أن هذه الأحاديث هي أحاديث وآثار الزهد المعلولة؟! لن يجد جوابا إلا بالتشهي والعندية أسوة بشيخه الإدلبي في كشف معلوله، إذ هذا الشبل من ذاك الأسد! علل آخر زمن!
11) وللإحاطة والعلم: فلا يُستدرك عليَّ النقل اليتيم من المحقق في كتابه (رقم 15) حيث نقل حُكما قائلا: "قال محقق الشعب للبيهقي (لدى الدار السلفية في الهند عن الحديث وهو بترقيمه 2/984 [ملاحظة: هذا ليس ترقيما!]): إسناده فيه جهالة."!!!!!!!!!!
فمن كان هذا مبلغ علمه في نقل الأحكام، وكان نزهة النظر مبلغ علمه في علوم المصطلح والحديث والعلل والرجال والمخطوطات، كيف يجرؤ على رمي الدعاوى شمالا ويسارا؟!

ودعوى متهورة أخرى!
تبين مقدار المحقق في العلم عامة، وفي دقائقه كالاستقراء خاصة، ولكنه لا يستحي فيقول (ص9): "ومما يؤثر من نصيحة أبي حاتم لطلبة الحديث قوله: اكتب أحسن ما تسمع، واحفظ أحسن ما تكتب، وذاكر بأحسن ما تحفظ.
وهذا كلام دقيق المعنى التزم به أبوحاتم كما يُستقرأ [الكلام ما يزال للمحقق!] من حاله مع شيوخه ومن أدرك من نقلة الأخبار، فقد كانوا عنده على أربعة أضرب (!) نجعلهم في أربع حلقات (!) بعضهما يحتوي في بعض [تعبير عجيب!]، فالأولى أوسعها وتشتمل على ما [كذا! ولعله يريد: من] رأى أو أدرك أبوحاتم، وداخلها حلقة ثانية يخرج منها من لم يسمع منه أبوحاتم (!) وتقتصر على الذين سمع منهم إذ التقى بشيوخ لم يجالسهم (!) لبدعتهم أو لضعفهم أو نحو ذلك (!!) وربما لم يتيسر له السماع منهم إن كانوا مقبولين (!)، وداخل الثانية حلقة ثالثة يخرج منها من لم يكتب عنه أبوحاتم [قلت: التفريق بين حلقة المحقق هذه والتي قبلها من الفلسفة] إذ ربما لقي الشيخ فلم يجد عنده ما يستحق كتابته عنه (!) ويدخل فيها من كتب عنهم، ربما كتب عن بعض هؤلاء اعتبارا وربما للحفظ والرواية [ماذا بقي؟]، وداخل الحلقة الثالثة حلقة رابعة يخرج منها من روى عنه، إذ هو مقبول أو غير مطعون فيه بما يرد روايته (!)، ومن أهل هذه الحلقة فئة خاصة [ما المانع أن يجعلها حلقة خاصة ضمن تلك الحلقات] من شيوخه هي التي عنى حديثها بقوله: وذاكر بأحسن ما تحفظ (!) وأما بقية أهل هذه الحلقة فحديثهم المعني بقوله: واحفظ أحسن ما تكتب (!)، وفي أهل هذه الحلقة النخبة من شيوخ أبي حاتم ممن تغلب على حالهم صفتا العدالة والضبط. وأما أهل الحلقة الثالثة ممن كتب عنهم فحديثهم المعني بقوله: اكتب أحسن ما تسمع والله أعلم". انتهى كلامه بطوله.

قلت: وهذا محض سفسطة ودعوى وتخبيط، لو أتى شبه هذا الكلام من إمام لعُدَّ لُغزا مطلسما، فكيف بدعيٍّ غريب عن الفن؟ وقد أبان قائله أنه لا يفهم، فالحفاظ إذا ذاكروا بأحسن ما يحفظون لا يقصدون الأصح والأحسن ثبوتا كما فهم المحقق الفاضل! وعذره أن نزهة النظر لم تتطرق لشرح هذا!
فبنى على فهمه الخاص لعبارةٍ عابرةٍ غرائبَ الغرائب، ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب!

وأخرى!
قال المحقق (ص13): "والذي في خاطري أن الكتاب في أصله أكبر من أن يكون هذا هو محتواه فقط، بل هو أوسع من ذلك بدليل ما كتب على غلاف المخطوط: "فيه من كتاب الزهد عن أبي حاتم..)"
قلت: ذاك بعيد، فما جاء على طرة الجزء "فيه من الزهد" له أسباب:
أولا: أن أبا حاتم لا يُعلم أنه ألف كتابا في الزهد حتى يسميه ويُنقل بهذا الاسم!
ثانيا: لذلك فالتسمية ممن دون الحافظ، وربما تكون للناسخ.
ثالثا: التسمية أغلبية، لأن الجزء لا يقتصر على الزهد فقط، فنحو ثلث الكتاب لا علاقة له بالموضوع مطلقا، ولا سيما أواخره. (دون الزيادات)، ولم يُشر المحقق إلى ذلك ألبتة.
رابعا: ولهذا أمثلة كثيرة يعرفها المختصون بالتراث، أكتفي بمثال واحد، وهو كتاب أبي جعفر الخُلدي: الفوائد والزهد والرقائق والمراثي، الذي طبع قسم منه، فهذه تسمية وصفية، ليست من عمل الخُلدي، والله أعلم.
خامسا: لم ينقل المحقق سلفا له في هذا الخاطر، ولا أظنه يجد.
فبان أن الخاطر العاطر الذي عرض للمحقق فيه نظر شديد، ولا يؤخذ العلم بالخواطر ولا الوسوسات.
  #6  
قديم 25-03-03, 12:24 PM
أبو أحمد الجزائري الأثري
 
المشاركات: n/a
افتراضي

ملاحظات أخرى سريعة:
1) ذكر المحقق الفاضل صاحب الاستقراءات (ص10) اعتقاد أبي حاتم نقلا عن ابن أبي يعلى في الطبقات، ولكن لعله يجهل أن الاعتقاد مشهور مفرد، وقد طُبع مرارا، ونقله من هم أعلى وأقدم من ابن أبي يعلى، وهذا عيب في الإحالة عند أهل الحديث، أما عند مدرسة الكوثري فمعرفتهم به اكتشاف لا يقل روعة عن اكتشاف ترجمة عبد الرحمن بن أحمد في لسان الميزان!
2) ذكر المحقق صاحب الدعاوى (ص25) ضمن كلامه عن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أحمد وروايته للكتاب: "..وقوله: (أخبرني والدي بقراءتي عليه) مثبت لسماعه منه (!) حيث ذكره بخير"!!
سأتجاوز النكتة في استنباطه السماع من قوله أخبرني بقراءتي! ولك أين ذِكره بالخير؟! راجعتُ المواضع الثلاثة التي ورد فيها السماع، وهي طرة المخطوط، وسند الابتداء، والسماع آخر الجزء، ثم اعتبرت قول المحقق: "حيث ذكره بخير" يحتمل العود على الأب أو الابن، فلم أجد شيئا، وعدت للمخطوط تحسينا للظن بأن يكون أسقط الثناء ضمن ما أسقط فلم أجد شيئا! إنه الكيس المبارك مرة أخرى!
3) نقل (رقم 69) في تعليقه على قول أبي وائل: "هذا وأبيك الحسين" شرح النووي وتأويله لحديث "أفلح وأبيه إن صدق"، قلت: ولو كان من المهتمين حقا بالعلل لنقل إعلال ابن عبد البر وغيره من الحفاظ لهذه الزيادة، وأنها شاذة، واستراح وأراح من التأويل.
المهم بعد أن نقد الراوية التي أتى بها من خارج الكتاب في ثمانية أسطر رجع للرواية الأصلية، فقال في أقل من سطر: "ولربما لم يبلغ هذا النهي أبا وائل إن صحت نسبة الكلام إليه".
قلت: وما عملك أنت يا مدعي العلل؟ ألا تستطيع أن تحكم على الإسناد الذي أمام عينيك وبين يديك؟ والواقع أن الإسناد سنده حسن لولا عدم معرفة سماع عبد الملك بن عمير من أبي وائل، إذ لم يُذكر في شيوخ عبد الملك على شهرته، وظاهر السند أنه لم يسمعه منه، وهكذا يرتاح المحقق من التأويل والتشكيك.
4) ونختم الملاحظات بالتعليق الذي ختم به كتابه، حيث تعرض لحديث جابر مرفوعا: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة".
فقد بدأ المحقق تخريجه بقوله إن البخاري أخرجه (1195) من حديث عبد الله بن زيد، وأخرجه (1196) من حديث أبي هريرة، نعم أورد لفظهما أنه (بيتي) بدل (قبري)، ثم آخر التخريج ذكر تخريج حديث جابر تخريجا مخلا جدا نقلا عن كنز العمال، مع أن العزو فيه لكتب شهيرة جدا، كأحمد والبيهقي والخطيب وابن عساكر!! ساكتا عن حال الحديث، وأورد له شواهد اختار نقلها من فتح الباري، ربما لأنه سكت عن حالها، فماذا يفهم القارئ العادي؟
يفهم أن الحديث في البخاري، حيث بدأ التخريج به، ولا يعرف القارئ العادي الفارق بين اللفظين، وعندما يورد عدة شواهد مع الإحالة للفظ المنكر على الكتب (وبالواسطة) ساكتا عن حالها تظهر أن اللفظة صحيحة! مع أن كلام الحفاظ والمحدثين فيها قديما وحديثا لا يخفى، فماذا نسمي هذا؟
هل نقول إنه تدليس مقصود، وأنه أحد أسباب الحث المتواصل من الإدلبي لصبيّه على إخراج المخطوطات؟
أم نقول إن المحقق المستقرئ لا يعرف كيف يخرج حديثا من مسند أحمد والبيهقي والخطيب، ويكتفي بالرجوع لكنز العمال! عجزا أو جهلا أو كليهما؟ ويزعم مع هذا: الاستقراء والدعاوى الفارغة!
أم نقول إن المحقق صاحب العلل اهتماما وواقعا لا يعلم علة هذا اللفظ؟
أم نقول إنه لا يعرف فن التخريج، حيث المفترض أن يخرّج الرواية الموجودة (حديث جابر) ثم يتبعها بالشواهد التامة، ثم بالألفاظ الأخرى، والكلام عليها، لا أن يقلب التخريج رأسا على عقب كما فعل؟
أيا كان الجواب فهو مصيبة لا تغتفر!
وكما يرى الناظر فإنني لم أتتبع تخريجاته، وأنني مررت عليها مرور الكرام، وذاك لأني رأيتها لا تستحق التتبع الخاص، لقصورها العام! إلا أن هذا الحديث شدّني رؤية تخريجه لعلمي أن بعض أهل الأهواء يستدل باللفظ الذي تغاضى المحقق عنه لنصرة بدعته، فلما رأيته بهذا الشكل قلت في نفسي: لو كان المحقق ليس منهم وكان ذا علم يسير بالسنة لسارع لرد هذه اللفظة، أما إذا..!
ولا يزال له محمل آخر ضمن الاحتمالات التي أوردتها قبل قليل، وأحلاها مر!

الخاتمة:
فاتضح بهذا أن هذا المحقق العابث الجريء جاهل بالتحقيق، بل بأصول العلم، من حديث وتخريج ولغة، لم يتزبب حتى يتحصرم، لكنه بدل أن يعرف قدره ويقف عنده راضيا بقسمة الله وقضائه وقَدَرِه: تجاسر على التراث العلمي ليعمل فيه مسخا وتشويها، وينشر جهالاته أمام الملأ!
فأرجو أن يكون مازحا في قوله -بعد ذِكْرِه لحث شيخه المتواصل له على إخراج المخطوطات (ص4): "فرأيتُ أن أبدأ بهذا الكتاب".
وأذكره بما قال الشاعر:
فدع عنك الكتابة لست منها --- وإن سوّدت وجهك بالمداد!

وأرجو من الشيخ الحاث حثا متواصلا والتلميذ المحثوث أن يراجعا نفسهما، ويتقيا ربهما، فإن العلم دين، وليس للهوى والسمعة والتكسب والتسلط فيه نصيب، فليستشعرا الأمانة العلمية الكبيرة التي يتحملها المتصدي للتراث، ولا سيما المتعلق بالحديث الشريف، وليجعل أخونا المحثوث هذا الكتاب البداية والنهاية معا، ومن تاب فيتوب الله عليه، ولعل الله الكريم يبدل السيئات بالحسنات.

وعلى كل حال، فأشعر أنني قسوت قليلا على المحقق، لكن والله وتالله وبالله وأيم الله ما قلته إلا نصحا وغيرة على العلم وأهله.
وسعادة المحقق على حالين لا ثالث لهما: إما أن يكون فاضلا غرّاً، لا يعلم أي مهلكة زجَّه فيها شيخُه، ووثق بعلم شيخه ودفعه وحثه المتواصل، ولم يدرك قدْرَ خطئه، وأن جريمته طبعت منها آلاف النسخ، فليسامحني إن رآني قسوت عليه، وله الغُنْم وعليَّ الغُرم، وليعلم أن لي محملا وعذرا فيما قدَّمتُه من عظم المصيبة، وليهون على نفسه ويتخيل كيف لو أن كتابه وقع بين يدي شيخنا الألباني رحمه الله في حياته، كيف سيخلد الشيخ ذكره في إحدى مقدمات كتبه المباركة، أما الآن فلا يزال باب التوبة والرجوع مفتوحا، هذا في الاحتمال الأول، وهو الذي نرجوه.
أما إن كان دفعُ الشيخ للتلميذ وحثه حثا متواصلا لغاية في نفس يعقوب، وتفريخ أداةٍ جديدة من أغمار المدرسة الكوثرية في هدم السنة، فهنا أراني قصّرت في حق الاثنين، ولا يستحقان أقل مما حصل لهما، ولدينا مزيد!

وأحيل للفائدة العامة في الموضوع لجوهرة من النفائس الأخيرة التي خطتها يد شيخنا محدث العصر ونادرة الدهر أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، وذلك في مقدمة الكلم الطيب (ص7 و8) لعل أن تكون منارة لنا في التأني والتمرس والإتقان، ولولا خشية الإطالة لأتيت بها كاملة، وفي الإحالة غنية، والله المستعان.

ورحم الله الحافظ أبا حاتم وأئمتنا المتقدمين، ورفع درجاتهم في عليين، فما كانوا مفتقرين لزيادة فضل حتى ننسب لهم ما ليس لهم، كيف وقد جاوزوا القنطرة، وهم علمونا التثبت والاحتياط.
والله وحده من وراء القصد، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على أبي القاسم محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قاله عُبيد ربه، وأسير ذنبه:
أبو أحمد الجزائري الأثري، عامله الله بلطفه الخفي.
  #7  
قديم 25-03-03, 09:13 PM
عبد السلام عبد السلام غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-03-03
المشاركات: 3
افتراضي لا حول ولا قوة إلا بالله

الأخ الفاضل/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طبع الكتاب طبعة أخرى بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري، فهل لك انتقاد عليه؟

أما المحقق الذي يعنيه الكاتب فاسمه منذر الدومي، فلا يلتبس الكلام بالدكتور عامر، فهذا الأخير أعماله متقنة الغالب على حسب علمي، وآخر ما حققه هو مشيخة السهروردي.
  #8  
قديم 25-03-03, 10:08 PM
أبو إسحاق التطواني أبو إسحاق التطواني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-06-02
المشاركات: 1,321
Post

هل مشيخة السهروردي طبعت، حسب علمي أن آخر أعماله هو تحقيقه لكتاب (أمالي ابن سمعون) طبع بدار البشائر الإسلامية..
__________________
تفضلوا بزيارة مدونتي "نوادر المخطوطات" www.raremanuscripts.blogspot.com
لترشيح عناوين، أو طلب مخطوطات من تركيا أو غيرها: tmostapha@hotmail.com
  #9  
قديم 26-03-03, 04:05 PM
الأزهري السلفي الأزهري السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-07-02
المشاركات: 1,845
افتراضي

اقتباس:
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة أبو أحمد الجزائري الأثري
(ص51): "فإن للشيطان فيها مطمعاً"، والصواب: "مطمعٌ" بلا ريب!
.
.
بل الصواب مطمعاً كما جاء في المطبوع بلا أدنى ريب .
لكن مقالك ممتاز في الجملة أخي الكريم
__________________
أكتب بهذا المعرف فقط، وأكتب به على (أهل الحديث)، و(الألوكة)، و (أنا المسلم) فقط.

التعديل الأخير تم بواسطة الأزهري السلفي ; 26-03-03 الساعة 04:10 PM
  #10  
قديم 27-03-03, 02:38 AM
ضرار بن الأزور ضرار بن الأزور غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-06-02
المشاركات: 102
افتراضي

جزاك الله أخي الجزائرى على هذا البحث الجيد، وزادك علما وحرصا، ولو زينت المقال بالرفق لزاد حسنا، وحذفت حشوك ( ودونكم كتب أبي غدة وتلميذه عوامة )، فاذكروا موتاكم بخير، ومع قلة قراءتي واطلاعي فتحقيقاتهم من أجود التحقيقات من حيث النص وذكر الفوائد، ولا معصوم إلا من عصم الله، وأذكر فائدة قرأتها اليوم في مقال الجواهر والدر للأخ أبي حاتم وهي:
الفائدة الخامسة : قال العجلي : كان طلحة بن مصرف اليامي وزبيد اليامي متواخيين وكان طلحة عثمانيا وكان زبيد اليامي علويا , وكان طلحة يحرم النبيذ وكان زبيد يشربه ومات طلحة فأوصى إلى زبيد !

وكان عبدالله بن إدريس الأودي و عبثر بن القاسم متواخيين وكان
عبد الله بن إدريس الأودي عثمانيا وكان عبثر علويا وكان ابن إدريس يحرم النبيذ وكان عبثر يشربه ومات عبثر فقام ابن إدريس يسعى في دين عليه حتى قضاه !

وكان عبدالله بن عكيم الجهني - وكان جاهليا أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم- وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري متواخيين
ووكان عبد الله بن عكيم عثمانيا وكان ابن أبي ليلى علويا .
وما سمع يتذاكران شيئا من ذلك 0000 وماتت أم عبد الرحمن ابن أبي ليلى فقدم عليها ابن عكيم فصلى عليها !. الثقات للعجلي (1/480)

قال أبوحاتم الشريف : ما أحوجنا في هذا الزمن المليء بالفتن ! إلى هذه الأخوة ! بين طلاب العلم ! الذين ربما يختلفون في أشياء أقل
من ذلك! لكن ما أسهل الخصومة بينهم ! والله المستعان ا.هـ .
أما بالنسبة لمشيخة السهروردي فقد طبعت بتحقيق الشيخ الفاضل عامر حسن صبري ـ حفظه الله ورعاه ـ في مجلة الأحمدية التي تصدر من دار البحوث في دبي، العدد العاشر .
__________________
تكلم بعلم أو اسكت بحلم
موضوع مغلق

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:02 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.