ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 08-06-19, 08:21 AM
وليد بن عبده الوصابي وليد بن عبده الوصابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-14
المشاركات: 74
افتراضي الفتح في "الفتح":

الفتح في "الفتح":

اطلعت على كلام للدكتور ذياب الغامدي، يقول فيه:
(... أما قول الشوكاني عن "فتح الباري": لا هجرة بعد الفتح، فليس على إطلاقه!
بل هي كلمة ذهبت مشرقةً حتى حجّرت واسعا وأقفلت الطريق أمام كثير من طلاب العلم، بحيث ركنوا إلى هذه المقولة، وتركوا أكثر شروح "صحيح البخاري"!
هذا إذا علمنا: أن "فتح الباري" هو للشروح المتوسطة أقرب منه للشروح المبسوطة!
مع كونه لم يسلم من بعض الاستدراكات العلمية، منها باختصار:
ـ أنه مغرم بالخلافات والاعتراضات التي ربما أفسدت كثيرا من شرح متون الأحاديث، حيث اشتغل ابن حجر غالبا بالاعتراضات والردود على المخالفين أكثر منه شرحا وتوضيحا للمتون الحديثية!
لذا أضحى شرحه أحدَ الشروح التي غلبت عليها الفوائد الحديثية واللطائف الأسنادية أكثر من غيرها.
ـ أنه اتخذ نسخة أبي ذر الهروي عمدةً في شرحه، كما هو شرطه في مقدمته؛ لكنه مع هذا لم يعتمدها في جميع الشرح، بل لفَّق معها بعضَ النسخ!
ـ أن القارئ "للفتح" يجد نفسه سائرا وراء خلافات حديثية ومنازعات فقهية بعيدا عن فهمه "لصحيح البخاري" فهما محررا مختصرا، بل ربما انتهى من قراءة "الفتح" وهو لم يفهم منه إلا خلافات واعتراضات أكثر منها فهما لمتون الأحاديث، وهناك بعض الملحوظات قد ذكرتها في كتابي "تحفة القارئ في اختصار فتح الباري"، يسر الله إخراجه).

أقول: "فتح الباري" كتاب كبير، وسفر شهير، حوى جزيل العلوم، ومتين الفهوم، وما أُوردت عليه من ملحوظات؛ لا يحط من قدره، بل تزيد إبراز درره.

-أولاً: بالنسبة للشروح المطبوعة؛ فإن "فتح الباري" يعدّ من الكتب المطولة للصحيح، هو و"التوضيح" و "العمدة" ونحوها.
ولا أدري، لم عدّه الشيخ أقرب إلى المتوسطات؟!

-ثانياً: ذكره للخلافات؛ لا تحط من قدره، بل تزيده رفعة ومتانة، ولا أدري متى كان ذكر الخلاف؛ عيباً أو خللا؟!
ومثلها: الاعتراضات، هي علم متين لا يحسنه إلا من تبحر في شتى العلوم، كابن حجر.

ولا يعد هذا إفساداً (!) لشرح متن الأحاديث؛ بل هي مما تقوي الحجة، وتوضح المحجة، ولكنها ليست للمبتدي، بل للشادي والكارع.

ولم يهتم بالخلافات والاعتراضات فحسب؛ بل نجده متوازناً في شرحه جداً، بين تبيين وهن رواية، وإيراد اعتراض، وشرح مغلق، وتوضيح مبهم، وهو ملء وفاضه: لغة وبلاغة وحديثاً وفقهاً ونكات ولطائف إلى غيرها من العلوم، وإن كان مغلباً الصنعة الحديثية كثيراً؛ لقوة ملكته، وبروز حنكته في ذلك.

-ثالثاً: إن ابن حجر اعتمد في شرحه على رواية أبي ذر الهروي، ولكنه لم يثبتها في شرحه.

يقول الشيخ عبد الكريم الخضير: والأصل أن فتح الباري ليس فيه متن، هذا الأصل؛ لأن الحافظ ترك المتن قصداً لئلا يطول الكتاب.

ورواية أبي ذر الهروي؛ نفيسة متينة، كما علق السخاوي على نسخة صحيح البخاري بخط الحافظ الصدفي، ما نصُّه: هي الأصل الذي يعتمد عليه، ويرجع عند الاختلاف إليه، ولقد اعتمد عليها شيخنا الحافظ أبو الفضل ابن حجر حالةَ شرحه للجامع الذي سمَّاه "فتح الباري".

وما حصل من تلفيق؛ لعله تصرف من الناسخين أو الطابعين.

يقول الشيخ عبد الكريم الخضير: المتن المطبوع مع فتح الباري متن ملفق من روايات متعددة، لا يوافق رواية واحدة من الروايات.
ليت هؤلاء الذين تصرفوا وأدخلوا الكتاب في هذا الشرح العظيم؛ انتقوا من الروايات ما يناسب الشرح، ولذا يوجد في المتن المقحم من الألفاظ ما لا يوجد في الشرح والعكس، وهذا كثير جداً، كثيراً ما نجد الحافظ يقول: قوله: كذا، ثم يشرح، هذا اللفظ الذي شرحه الحافظ لا تجده في المتن المقحم، هذا كثير جداً.

-رابعاً: لكل مؤلف شرطه وطريقته وأسلوبه في التأليف والشرح؛ فلا يعترض عليه إلا إذا أخلّ به، وابن حجر، هذا منهجه في الشرح، في إيراده للخلافات، وإكثاره من الاعتراضات؛ فلا نعتبر هذا قدحاً في شرحه، بل نقول: أنه نافع لطائفة من طلبة العلم، ولا يصلح للمبتدي، أما أن نجعل هذا عيباً فيه؛ فلا ينبغي.
وعلى القارئ أن يلجأ؛ لما يأنسه من نفْسه، ويلمسه من نفَسه.

-خامساً: وأما تفضيل شرح ابن الملقن؛ فهو رأي خاص بالشيخ ذياب، يخالفه فيه غيره، فهذا أحد الإخوة، أخبر أنه سأل الشيخ الخضير، عن التفضيل بين الشرحين؟
فقال: لم يكن شرح ابن الملقن في منزلة الفتح .. بل ولم يقارب.

وابن الملقن؛ اعتمد في غالبه؛ على ثلاثة شروح، أما ابن حجر؛ فقد اعتمد على كتب من قبله في شتى المجالات؛ مفلٍ ومفتشاً، وناقداً وممحصاً، والدليل على رصانة "الفتح": أن من بعده، كـ البدر العيني، والقسطلاني، والسيوطي، والمناوي، والملا علي القاري وغيرهم كثير؛ كرعوا من مصبه، ونهلوا من معينه، مع أن "شرح ابن الملقن" كان متوفراً حينئذ.

ولعل ميزة ابن الملقن تعود؛ إلى أن من نقل عنهم؛ لم توجد كتبهم الآن كاملة، ولم تطبع.

-سادساً: الشوكاني؛ قامة علمية كبيرة، يدرك ما يقوله، ويدري ما يفوهه، فـ "لا هجرة بعد الفتح" حقاً وصدقا.

تعريج: اطلعت على مقال للشيخ أبو عبد الرحمن الظاهري، بعنوان "أدلج أيها الساري" فضّل فيه شرح ابن الملقن على شرح ابن حجر!

ولم يكتفِ؛ بل راح يصم ابن حجر بالسرقة، ورذيلة إهمال شكر النعم، والسوء، والافتراء، والجزاف، وكثرة همزه ولمزه وتهمه الباطلة لابن الملقن!

فيا لهول قيله، ويا لضعف فَيله، أفلا وسع الشيخ أن ينقد، بعلم وفهم وحلم، دون هذه الكلمات المؤذية المعدية المردية.

والفتح بحق؛ موسوعة واسعة، ومعلمة لامعة، تزداد لمعاناً مع مرور الأيام، وجِدة مع تقادم الأزمان، وهو خليج انفصلت عنه جداول، ومحيط خرجت منه بحور.
والله العاصم والقاسم.

وليد بن عبده الوصابي.
الخامس من شهر شوال لعام أربعين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية.
بمحافظة عدن العدنة.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-06-19, 11:33 PM
علي آل حمود علي آل حمود غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-01-19
المشاركات: 11
افتراضي رد: الفتح في "الفتح":

لله درك
لقد قل من يحسن هذا
__________________
ali14384@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-06-19, 04:13 AM
أبو حمزة غازي بن سالم أبو حمزة غازي بن سالم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-02-12
المشاركات: 28
افتراضي رد: الفتح في "الفتح":

جزاك الله خيرا
وأحب أن أقول هنا كلمة لإثراء الموضوع:
وهي أن قوله:
"فتح الباري" هو للشروح المتوسطة أقرب منه للشروح المبسوطة
فإن هذا القول ليس ببعيد عند التأمل في الجملة -وليس في ذلك نقيصة له-
وقد لا ينطبق على كل المواضع
ففي الفتح مواضع عدة توسع فيها الحافظ بحثا وشرحا.
وأما تقديم شرح ابن الملقن على الفتح فإن من عرف الكتابين تبين له أن "الفتح في الفتح" بل لا مقارنة
ثم إن عبارة لا هجرة بعد الفتح
وإن كانت دالة على مكانة الكتاب ومنزلته التي لا يختلف فيها العلماء
فإنه لا ينبغي أن تكون حاجزا لأهل العلم عن تدارس صحيح البخاري مع النظر في فتح الباري والاستفادة من غيره من المراجع التي توفرت لنا
وهذا ما نجده في بحوث لأهل العلم ذات صلة بالفتح كان في ظهورها تكميلا عظيما للفتح وللصحيح من قبله
مثل "إتحاف القاري بسد بياضات فتح الباري"
وأنيس الساري في تخريج وتحقيق أحاديث فتح الباري
ومثل شرح كتاب الإيمان من الصحيح للغنيمان وغيره
وشرح كتاب التوحيد من الصحيح لجماعة من أهل العلم
وغيرها من المؤلفات التي لا يغني عنها فتح الباري
والله الموفق والهادي
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-06-19, 05:07 AM
وليد بن عبده الوصابي وليد بن عبده الوصابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-14
المشاركات: 74
افتراضي رد: الفتح في "الفتح":

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علي آل حمود مشاهدة المشاركة
لله درك
لقد قل من يحسن هذا

أحسن الله إليك، وفتح عليك
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-06-19, 05:09 AM
وليد بن عبده الوصابي وليد بن عبده الوصابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-14
المشاركات: 74
افتراضي رد: الفتح في "الفتح":

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو حمزة غازي بن سالم مشاهدة المشاركة
جزاك الله خيرا
وأحب أن أقول هنا كلمة لإثراء الموضوع:
وهي أن قوله:
"فتح الباري" هو للشروح المتوسطة أقرب منه للشروح المبسوطة
فإن هذا القول ليس ببعيد عند التأمل في الجملة -وليس في ذلك نقيصة له-
وقد لا ينطبق على كل المواضع
ففي الفتح مواضع عدة توسع فيها الحافظ بحثا وشرحا.
وأما تقديم شرح ابن الملقن على الفتح فإن من عرف الكتابين تبين له أن "الفتح في الفتح" بل لا مقارنة
ثم إن عبارة لا هجرة بعد الفتح
وإن كانت دالة على مكانة الكتاب ومنزلته التي لا يختلف فيها العلماء
فإنه لا ينبغي أن تكون حاجزا لأهل العلم عن تدارس صحيح البخاري مع النظر في فتح الباري والاستفادة من غيره من المراجع التي توفرت لنا
وهذا ما نجده في بحوث لأهل العلم ذات صلة بالفتح كان في ظهورها تكميلا عظيما للفتح وللصحيح من قبله
مثل "إتحاف القاري بسد بياضات فتح الباري"
وأنيس الساري في تخريج وتحقيق أحاديث فتح الباري
ومثل شرح كتاب الإيمان من الصحيح للغنيمان وغيره
وشرح كتاب التوحيد من الصحيح لجماعة من أهل العلم
وغيرها من المؤلفات التي لا يغني عنها فتح الباري
والله الموفق والهادي


إضافة ضافية حبيبنا الكريم..
جزاك الله خيرا، ودفع عنك ضيرا.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 25-06-19, 01:56 PM
أيوب بن عبدالله العماني أيوب بن عبدالله العماني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-05-05
المشاركات: 1,569
افتراضي رد: الفتح في "الفتح":

مقال حسن لم احسن لما يُحسِّنـَه و لا أحمل زيادة ليَحمِـلَه ،، سوى سعيا في رفعه ليُرى فيُقرى فاسرق شيئا من اجره ،، أحسن الله عليك ،، ودفع عنك وإليك .

.
__________________
لو كنت أعرف سوقا يباع فيه مقدار من العقل مقابل جزء من البدن لبعت أغلب أعضائي التي أبقى بدونها حيا فأبتاع عقلا يبصرني بالحقائق
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 25-06-19, 02:26 PM
أبو هاجر الغزي السلفي أبو هاجر الغزي السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-11
المشاركات: 3,588
افتراضي رد: الفتح في "الفتح":

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أيوب بن عبدالله العماني مشاهدة المشاركة
مقال حسن لم احسن(أحسن) لما يُحسِّنـَه و لا أحمل زيادة ليَحمِـلَه ،، سوى سعيا(سعيٍ) في رفعه ليُرى فيُقرى فاسرق(فأسرق) شيئا من اجره(أجره) ،، أحسن الله عليك ،، ودفع عنك وإليك .

.
بعضهم ما تنال منه إلا من جانب اللغة!!
__________________
أسند اللالكائي : عن الحسن بن عمرو قال : قال طلحة بن مصرف :
(( لولا أني على وضوء لأخبرتك ببعض ما تقول الشيعة!! )).
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 26-06-19, 08:20 AM
أيوب بن عبدالله العماني أيوب بن عبدالله العماني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-05-05
المشاركات: 1,569
افتراضي رد: الفتح في "الفتح":

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو هاجر الغزي السلفي مشاهدة المشاركة
بعضهم ما تنال منه إلا من جانب اللغة!!
فأسأل الله أن يلعنك ،، ويصرفك عني .












ولك اصبر يا زلمِــه ،، يلعنك من النار ويصرفك إلى الجنة ،، أما الهمزات لأن تعاهدها شاق مع الآيباد ،، أما السعي فإن العرب ترى الرفع لمن احتار أينصب أم يجر والرفع أعلى وأشرف ،، هذا ولعلك أسعى وأسبق وتلك فضيلة ،، ويفضل الله بعضنا على بعض ،، و الله واسع عليم .

.
__________________
لو كنت أعرف سوقا يباع فيه مقدار من العقل مقابل جزء من البدن لبعت أغلب أعضائي التي أبقى بدونها حيا فأبتاع عقلا يبصرني بالحقائق
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 28-06-19, 07:49 PM
فؤاد سليم فؤاد سليم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-01-17
المشاركات: 115
Lightbulb رد: الفتح في "الفتح":

النَّتْح في الفتح :

لقد حُظي صحيح البخاري بشروح كثيرة جدّا فذكر في (كشف الظّنون) ما يقرب من ثمانين شرحا ، قال الغنيمان : وله أكثر من ذلك بكثير. كما في شرح كتاب التّوحيد من صحيح البخاري ج1 ص28 ، لأنّ هذه الشّروح لا يُمكن الإحاطة بها ، وكلّ يخبر بما بلغه من العلم ، كما أنّ القائمة لا تزال مفتوحة ، وكم ترك الأوّل للآخر !
قال الكتّاني : لتعلم أنّ فضل الله لا ينحصر بزمان أو مكان أو جهة من الجهات ، فهو سبحانه يعطي بلا امتنان ولا تحجير عليه من أهل الزّمان . فهرس الفهارس ج1 ص78 .
وقد كان الدّاودي (ت 402 هـ) أوّل من شرح صحيح البخاري في كتاب سمّاه (النّصيحة) ، قال عبد الرّحمن الجيلالي : إذ لم يسبقه غيره مطلقا إلى هذا الفضل . تاريخ الجزائر العام ج1 ص361 ، ثمّ شرحه الخطابي (ت 388 هـ) بشرح لطيف سمّاه (تفسير أحاديث الجامع الصّحيح للبخاري) المشهور بِـ (أعلام الحديث) ، فيه نكت لطيفة ولطائف شريفة ، وهو معاصر للدّاودي المذكور سلفا ، ولذا تحيّر بعضهم فلم يدر أيّهما السّابق منهما ؟
ثمّ توالت الشّروح فكان أعظمها عند كثير من العلماء شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ) ، الذي سمّاه (فتح الباري شرح صحيح البخاري) ، افتتحه بقوله : " الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام للسنّة فانقادت لاتباعها وارتاحت لسماعها ... الخ " .
قال حاجي خليفة : ومقدّمته على عشرة فصول ، سمّاها : (هدي السّاري) ، وشهرته وانفراده بما يشتمل عليه من الفوائد الحديثية ، والنّكات الأدبية ، والفرائد الفقهية تغني عن وصفه سيّما وقد امتاز بجمع طرق الحديث ، التي ربّما يتبيّن من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحاً وإعراباً . راجع كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ج1 ص541 ، أو مقدّمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ص124 . وانظر فائدة في ذكر شروح البخاري كتاب الجواهر والدّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسّخاوي ج2 ص710 ، وإرشاد السّاري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني ج1 ص41 . ومَنْهَجُ العَلاَّمَةِ القَسْطَلانِيِّ (923 هـ) فِيْ كِتَابِهِ : (إِرْشَادُ السَّارِيْ لِشَرْحِ صَحِيْحِ البُخَارِيّ) لمؤلّفه إبراهيم بن عبد الله المديهش ص4 فما بعدها .
قال السّيوطي عن ابن حجر: وصنّف التّصانيف الَّتِي عَمّ النَّفْع بهَا ، كشرح البُخَارِيّ الَّذِي لم يصنّف أحد فِي الْأَوَّلين وَلَا فِي الآخرين مثله . طبقات الحفّاظ ص552 .
قال السّخاوي : شرح البخاري ، المسمّى (فتح الباري) ، وهو أجلُّ تصانيفه مطلقًا ، وأنفعها للطالب مغربًا ومشرقًا ، وأجلّها قدرًا ، وأشهرُها ذكرًا ، بحيث رأيت بخط مؤلِّفه قبل تمامه ما نصُّه : " ولولا خشية الإعجاب ، لشرحت ما يستحقّ أن يوصف به هذا الكتاب ، لكن للَّه الحمد على ما أوْلَى ، وإيّاه أسألُ أن يُعين على إكماله منًّا وطَوْلًا ". الجواهر والدّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر ج2 ص675 .
وقال السّخاوي : وعَظُمَ الانتفاع به في سائر الآفاق . ثمّ قال : وصرّح كثيرٌ مِنَ العلماء أنّه لم يشرح (البخاري) بنظيره ، ولو تأخّر ابن خلدون حتّى رآه أو بعضهَ ، لقرَّ عينًا ، حيث يقول - وهو متأخّر عن شرحي الكرماني وابن الملقّن ، وإن لم يسلَّم – قوله : " شرح البخاري دَيْنٌ على هذه الأمّة ". قلت : وامتاز بجمع طرق الحديث التي ربَّما يتبيّن من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا . وطريقته في الأحاديث المكرَّرة أنّه يشرح في كلِّ موضع ما يتعلَّق بمقصد البخاري بذكره فيه ، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه . الجواهر والدّرر ج2 ص707-708 .
قال صدّيق حسن خان : لمّا قيل لشيخ شُيُوخنَا الكاملين مَوْلَانَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الشَّوْكَانِيّ : أما تشرح الْجَامِع للْبُخَارِيّ كَمَا شَرحه الْآخرُونَ من الْعلمَاء ؟ قَالَ : " لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح " . يَعْنِي بِهِ فتح الْبَارِي لِلْحَافِظِ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي ، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من اللّطف انْتهى . الحطّة في ذكر الصّحاح الستّة ص71 ، أو فهرس الفهارس للكتّاني ج1 ص323 .
قال أحمد شاغف : فإنَّ كتاب (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) وحيد لا مثيل له ، ألاَ وإنّه موسوعة علمية كبيرة ، لم تر العيون ثانية ، وفيه علوم جَمَّةٌ ، وهو كتاب حافل بمسائل ومباحث حديثية وفقهية ونحوية وغيرها عديدة ، ولا يقدره قدره إلاَّ من كان له شغف ومحبَّة للعلم عامة ، وللسُنَّة المحمّدية خاصّة . ألاَ وإنَّ مؤلّفه الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى سَنَة َ 852 هـ) - رَحِمَهُ اللهُ - قد بذل جهده في هذا السِفْرِ الجليل ، وكشف فيه كنوز السُنَّةِ الخفية ، ومن علوم المسلمين الباهر العبقرية . إتحاف القاري بسدّ بياضات فتح الباري ص3.
قال صبحي بن جاسم السّامرائي و حمدي عبد المجيد السّلفي : فقد ألّف الحافظ ابن حجر كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاريّ) الذي لم يؤلّف مثله ، إذ لم يترك شيئًا يتعلّق بالجامع الصّحيح إِلَّا وأتى به سواء من حيث المتون والأسانيد والشواهد وفقه الحديث ، وكان كلّ أقرانه ممّن ألّف عالة عليه ومن بحره اغترفوا . مقدّمة التّحقيق على كتاب انتقاض الاعتراض في الرّد على العيني في شرح البخاري ص3 .
قال عبد السّلام بن محمّد العامر: وعندما أَنظر في هذه الشروح أثناء شرحي للكتاب ، لا بدَّ وأنْ أرجع إلى شرح الحديث في كتاب (فتح الباري) للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله ، فأجد فيه ما لا أجده في شروح العمدة ممّا يشفي العليل ويروي الغليل . سواء التي تقدّمت الفتحَ أو تأخرتْ عنه ، لِمَا تميَّز به (فتح الباري) من جمْعٍ للرّوايات ، ونقدٍ للأسانيد ، ورفع للإشكالات ، وبيانٍ للمبهمات ، ونقدٍ وتحريرٍ للإجماعات ، وتحرير لأقوال المذاهب المشهورة ، والرّوايات المنثورة . وهذا ظاهرٌ جليٌ في شرح ابن حجر رحمه الله . ولذا لا تكاد تجدُ عالِماً شرحَ العمدة أو غيرهَ من كتب السّنّة - ممّن جاء بعده - إلاَّ كان عالةً عليه في النّقل بلفظه أو معناه . فتح السّلام شرح عمدة الأحكام ج1 ص4 .
قال أبو الوليد هشام بن علي السّعيدني ، وأبو تميم نادر مصطفى محمود : وهذه النّكت ليست بنكته المشهورة على مقدّمة ابن الصّلاح ، ولكنّها تلخيصٌ لكتابه الشّهير (فتح الباري شرح صحيح البخاري) ، وهو كتاب غنيّ عن التّعريف . مقدّمة التّحقيق على كتاب النّكت على صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ج1 ص5-6 .
قال عبد المحسن بن حمد العبّاد في ابن حجر: فقد أودع في كتابه العظيم فتح الباري بشرح صحيح البخاري مع مقدّمته ما في العجب ، فكما أنّ مؤلّفه رحمه الله أحسن في انتقائه وجمعه غاية الإحسان ، فقد أحسن الحافظ ابن حجر في خدمته والعناية به تمام الإحسان ، وإنّ نسبته إلى غيره من الشّروح كنسبة صحيح البخاري إلى غيره من المصنّفات ، فرحم الله الجميع برحمته الواسعة وجزاهم خير الجزاء . عشرون حديثا من صحيح البخاري دراسة اسانيدها وشرح متونها ص26-27 ، أو الإمام البخاري وكتابه الجامع الصّحيح ص51 .
قال عبد الغني أبو الحسن أحمد ماجد : وشروح صحيح البخاري متنوعة وكثيرة جدًا ، والمتأخّر منهم يأخذ عن المتقدّم ، ومن أجلِّ تلك الشّروح والتّصانيف على كتاب البخاري وأكثرها نفعًا وأشهرها : (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) للحافظ أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمّد الشّافعي المشهور بابن حجر، المتوفى سنة ٨٥٢ هـ . ومنزلة هذا الكتاب عند المحدّثين تتبيّن من قول الإمام محمّد بن علي الشّوكاني : " لا هجرة بعد الفتح " عندما طُلب منه أن يشرح صحيح البخاري ، فاحتفظ هذا الشّرح بقيمة علمية حتّى هذا اليوم . ونجد أنّ الحافظ ابن حجر اعتمد على مجموعة من الشّروح ، وكان ينقل عن المتقدّمين ، ولكنّه امتاز بأنّه صحّح وبين صواب المصيب ، ووهم الواهم ، وبين من أين جاء الخطأ . تخريج وتحقيق أحاديث فتح الباري ج9 ص4-5 .
وقال عن الكتاب أيضا : يعدّ أهمّ شرح لأوثق نصوص السنّة النبوية التي هي المصدر الثّاني بعد كتاب الله عزّ وجل . كون مصنّفه الحافظ ابن حجر من أشهر علماء هذه الأمّة الذين خدموا السنّة النّبوية ، وأسهموا في الدّفاع عنها . المرجع السّابق ج9 ص5 .
قال الكتّاني : وفي التّحفة القادرية : إنّ الشيخ القصّار كان يقول في فتح الباري للحافظ : ما ألّف في ملّة الإسلام شرح على جميع المصنّفات في علم الحديث مثل هذا الشّرح . وأنّ القصار " استصغر جميع مؤلّفات السّيوطي بالنّسبة لما ألّفه ابن حجر، اه " ، وفي محلّ آخر منها أيضاً : " لم يؤلّف أحد من المسلمين مثل ما ألّف هو حتّى الذهبي والسّيوطي . وله على صحيح البخاري سبعة شروح " وقال : " ورأيت مكتوباً على ظهر أوّل ورقة من أوسط شروحه على صحيح البخاري وهو " فتح الباري " بخط القصّار: " أعلم أنه لم يؤلّف في فقه معاني الحديث مثل هذا الشّرح في الإسلام ، وحسبك قول هذا الإمام ، اه " . قلت : ولا يخلو ذلك من مبالغة فإنّ أكبر مؤلّفات ابن حجر جرماً (فتح الباري) وجرمه لا يعادل ولا ربع مؤلّفات السّيوطي المتوسّطة ، وكون الفتح من أوسط شروحه على الصّحيح ، في عهدته ، ولا شكّ أنّه غلط . فهرس الفهارس ج1 ص323 .
قال السّيوطي في معرض ذكره عن ابن حجر: وَمن تصانيفه (فتح الْبَارِي شرح البُخَارِيّ) ، ومقدّمته تسمّى (هدي السّاري) ، وَشرح آخر أكبر مِنْهُ ، وَآخر ملخّص مِنْهُ لم يتمّا ، وَقد رَأَيْت من هَذَا الملخّص ثَلَاث مجلّدات من أَوّله . نظم العقيان في أعيان الأعيان ص46 .
فظهر أنّ تغليط الكتّاني ليس في محلّه . فالسّيوطي قد أثبت لابن حجر شرحا أكبر، وآخر ملخّصا ، لكنّهما لم يتمّا . وقد اطّلع على الملخّص ولم يذكر شيئا عن الأكبر.
وقد نقل هذا الكلام الكتّاني فقال : ألّف الحافظ تآليف عظيمة في الفن منها : الفتح الذي سار بمسيره الرّكبان ، وشرح آخر أكبر منه لم يتمّ سمّاه (هدي السّاري) واختصره ولم يتم . فهرس الفهارس ج1 ص333 . وفي هذا الكلام كلام ليس بسطه في هذا المقام .
وقال ابن حجر: أمّا بعد ، فإنّي شرعت في شرح صحيح البخاريّ في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة بعد أن كنت خرجت ما فيه من الأحاديث المعلّقة في كتاب سمّيته : (تغليق التعليق) وكمل في سنة أربع وثمان مائة في سفر ضخم ، ووقف عليه أكابر شيوخي ، وشهدوا بأنّي لم أسبق إليه . ثمّ عملت مقدّمة الشّرح فكملت في سنة ثلاث عشرة المذكورة ، ومن هناك ابتدأت في الشّرح ، فكتبت منه قطعة أطلت فيها التّبيين ، ثمّ خشيتُ أنّ يعوق عن تكملتة على تلك الصِّفَة عائق ، فابتدأت في شرح متوسّط ، سمّيته (فتح الباري بشرح البخاريّ) فلمّا كان بعد خمس سنين أو نحوها وقد بيّض منه مقدار الرّبع على طريقة مثلي وقد اجتمع عندي من طلبة العلم المهرة جماعة وافقوني على تحرير هذا الشّرح بأن أكتب الكرّاس ثمّ يحصّله كلّ منهم نسخًا ، ثمّ يقرؤه أحدهم ويعارض معه رفقته مع البحث في ذلك والتّحرير، فصار السَّفر لا يكمل منه إِلَّا وقد قوبل وحرّر من ذلك النّظر في ذلك الزّمن اليسير لهذه المصلحة ، إلى أن يسّر الله تعالى إكماله في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين . انتقاض الاعتراض في الرّد على العيني في شرح البخاري ص7 .
والظّاهر أنّ ابن حجر لم يثبت على مُطَوَّلٍ ولا على مختَزَلٍ ؛ وأنّ الثّابت هو الشّرح الأوسط نِسبيّا وهو المسمّى (فتح الباري) . وأنّه هو الشّرح المعتمدُ الوحيد الذي صحّت به الرّواية والإجازة والوجادة ؛ فلا يوجد شرح كبير تام ولا ملخّص كان ابن حجر قد رضِي عنه . راجع مقال : تذكير السّاري بأهمّية فتح الباري على الموقع الرّسمي للشّيخ الدّكتور عادل رفّوش . وانظر كلام مُعِدّ الكتاب للشّاملة في حاشيته على كتاب (النّكت على صحيح البخاري) لابن حجر العسقلاني ص6 .
قال القسطلاني : وقد اختصر فتح الباري شيخ مشايخنا الشيخ أبو الفتح محمّد ابن الشيخ زين الدّين بن الحسين المراغي وقد رأيته بمكّة وكتبت كثيرًا منه . إرشاد السّاري لشرح صحيح البخاري ج1 ص42 .
قال السّخاوي : ولقد سمعت مصنِّفَه صاحبَ التّرجمة رحمه اللَّه مرارًا ينكر إمكان اختصاره ، ويقول : ما أعلمُ فيه شيئًا زائدًا عن المقصود . الجواهر والدّرر ج2 ص708 .
ولقد رجع ابن حجر في شرحه هذا إلى مئات المصادر في مختلف العلوم والفنون . واستفاد كثيرا من شُرَّاح البخاري السّابقين عليه ، كما لم يغفل النّقل عن شرّاح كتب السنّة الآخرين ، ليضيف إلى ذلك كلّه اجتهاده ومعرفته تاركا بصمته ، فخرج الكتاب في حلّته التي هو عليها . وأمّا العنوان فيُقال أنّه أخذه من ابن رجب الحنبلي (795 هـ) .
قال ابن المِبْرَد الحنبلي عند ذكر هذا الشّيخ الجليل : وكتَبَ قطعةً كبيرةً من شرح البُخاريّ إلى الجنائز سمّاه : (فَتحَ الباري في شرح البُخاريّ) . الجوهر المنضد في طبقات متأخّري أصحاب أحمد ص49 ، أو كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة ج1 ص541 .
قال السّخاوي : وكذا سبقه - فيما قيل - إلى التّسمية بفتح الباري الحافظ الزّين بن رجب الحنبلي ، لكن سمعت صاحب التّرجمة يذكر أنّه لم يطَّلع على ذلك . الجواهر والدّرر ج2 ص675 .
قال المحقّق في حاشية الكتاب : هذا القول لا يسلّم به للمصنّف ولا لشيخه رحمهما اللَّه ، فقد اطّلع الحافظ ابن حجر على شرح ابن رجب لصحيح البخاري ، واستفاد منه . انظر على سبيل المثال : فتح الباري ج1 ص176 شرح الحديث 79 ، و ج1 ص178 ، شرح الحديث 80 ، كلاهما من كتاب التوحيد ، و ج11 ص340 حديث 6500 من كتاب الرّقاق . حاشية الجواهر والدّرر ج2 ص675 ، المحقّق : إبراهيم باجس عبد المجيد . ولعلّ هذا من تكتّم التّلميذ على شيخه ودفاعه البارد ، و" حبّك الشّيء يعمي ويصم ".
قال إبراهيم بن عبد الله المديهش : استفاد ابنُ حجر من هذا الشّرح ، وصرَّح بذلك في موضعين فقط ! (ج1 ص176) ، (ج11 ص340) . مَنْهَجُ العَلاَّمَةِ القَسْطَلانِيِّ (923 هـ) فِيْ كِتَابِهِ : (إِرْشَادُ السَّارِيْ لِشَرْحِ صَحِيْحِ البُخَارِيّ) ص12 .
وربّما تشجّع ابن حجر إلى عنوانه بما رأى من فتوحات إلهيّة وفيوضات رحمانيّة وإمدادات ربّانيّة أثناء تأليفه للكتاب ، فهو صوفي محبّ ، والمتصوّفة أصحاب فتح ، والعنوان مترجم عن المحتوى . قال في المقدّمة : وهذا الذي حرّرته من عدّة ما في صحيح البخاري تحرير بالغ فتح الله به لا أعلم من تقدّمني إليه . وأنا مقرّ بعدم العصمة من السّهو والخطأ ، والله المستعان . فتح الباري ج1 ص469 (الفصل العاشر في عدّ أحاديث الجامع). وقوله : وهذا من النّفائس التي فتح الله بها في فتح الباري فله الحمد . فتح الباري ج11 ص436 ، وقوله : وقد فتح الله تعالى في ذلك بأجوبة أخر. المرجع السّابق ج11 ص390 ، وقوله : وهذا ممّا فتح الله عليّ به في هذا الفتح ولله الحمد ، ثم لله الحمد أبدا . المرجع السّابق ج3 ص566 ، وانظر ج8 ص212 و ج7 ص511 و ج4 ص236 و ج3 ص14 .
وقد أكّد السّخاوي أنّ من ضمن تصانيف ابن حجر التي رضي بها ، شرح البخاري ومقدّمته ، كما في الجواهر والدّرر ج2 ص659 .
لكن إن رضي ابن حجر بشرحه ورضي معه مَنْ على مذهبه وشاكلته فلن يرضى الموحّد بأشياء فيه أفسدته ، وأضعفت قيمته ، وهي في الميزان عظيمة ، بل لو بُعِث البخاري لكان له فيه رأي آخر غير الرّأي الذي عليه أكثر علماء اليوم وقبل اليوم . فما ردّ به البخاري على المرجئة في كتاب الإيمان من (الجامع الصّحيح) ، وردّ به على الجهمية ومن سلك طريقهم في كتاب (التّوحيد) ، الذي ختم به كتابه (الجامع الصّحيح) ، أحاله ابن حجر إلى نصرة المرجئة والجهميّة ، حتّى راج على المتأخّرين أنّ البخاري موافق لهم ، وربّما توهّم بعضهم أنّ البخاري قد خالف أهل السنّة والجماعة في بعض المسائل ، لظنّه أنّ الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنّة والجماعة ، فما هذا الفتح الذي فتحه ابن حجر ؟! وهل هذا فتح الباري حقيقة أم هو بظاهر من القول ؟!
لقد فتح ابن حجر باب الإرجاء عند الإيمان ، وباب الخلف عند الصّفات ، وباب المعطّلة عند علوّ الباري ، وباب مخانيث المعتزلة عند الرّؤية ، وباب أنساب ابن أبي دؤاد عند القرآن ، وباب الصّوفيّة عند السّلوك ، وباب الشّرك والغلوّ عند شدّ الرّحال والتّوسّل والتّبرّك بالصّالحين . وهذه الأبواب كلّها أبواب بدعة لا يرضاها العارف بمذهب السّلف ، وإذا وقف عليها في شرح ابن حجر قاومها وأضعف بها قيمة الكتاب وهذا هو الميزان والقسطاس المستقيم . ومن عاند في هذا فلغفلته الشّديدة عن علم أصل الأصول ، وتركيزه على علم الفروع ، ولمناسبة الحال قال بعضهم كما في شرح العقيدة الطحّاوية لابن أبي العز الحنفي ص25 :
أيّها المغتدي ليطلب علمــــــــا *** كلّ علم عبد لعلم الرّســـــــــول
تطلب الفرع كي تصحّح أصلا *** كيف أغفلت علم أصل الأصول
وعَنْ مُحَمَّدِ بْن سِيرِين قال : " إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ " . أورده مسلمٌ في مقدّمة صحيحه ج1 ص14 ، وهو أثر صحيح .
قال الأستاذ علي الطّنطاوي : ونحن لا نستطيع أن نأخذ العلم إلّا عن رجل نثق بدينه كما نثق بعلمه ، ونطمئن إلى إيمانه كما نطمئن إلى منطقه ، فإن لم يكن إلّا العلم والمنطق ، لم ينفعاه عند الله شيئا . مجلّة الرّسالة : العدد 712 .
ولا يخفاك أنّ التّوحيد أساس الدّين لطالب النّجاة ، وبوصلة المسافر عند قطع الفلاة ، وعصا الحماية والوقاية في أيدي الرّعاة .
قال الشيخ حمد بن عتيق في رسالة له إلى الشّيخ صدّيق حسن خان : واعلم أرشدك الله أنّ الذي جرينا عليه ، أنّه إذا وصل إلينا شيء من المصنّفات في التفسير، وشرح الحديث ، اختبرنا واعتبرنا معتقده . الدّرر السّنية في الأجوبة النّجدية ج13 ص25 .
ومن أراد الوقوف على جهل ابن حجر بتوحيد السّلف ومنها توحيد البخاري الذي بثّه في صحيحه وخصّه بكتاب فيه وترشّح لشرحه ، فلْيتأمّل قوله : وأمّا المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسي وابن كُلاَّب ونحوهما . كما في فتح الباري ج1 ص243 .
قال عبد الكريم الخضير: وهذا الكلام باطل ليس بصحيح لما عرف بين الإمام البخاري وبين الكرابيسي وابن كُلاَّب من فرق في الاعتقاد ، لأنّه يقول المسائل الكلامية يعني العقدية ، وبيَّن هذا شيخ الإسلام رحمه الله في تعارض العقل والنقل في الجزء الأوّل صفحة ميتين وستين إلى سبع وستين . درس بعنوان : مناهج شرّاح الحديث (01) على موقعه الرّسمي .
ثمّ ليقف النّاظر بعد هذا على قول ابن حجر في الإيمان : فالسّلف قالوا : هو اعتقاد بالقلب ونطق باللّسان وعمل بالأركان ، وأرادوا بذلك أنّ الأعمال شرط في كماله . فتح الباري شرح صحيح البخاري ج1 ص46 . فتأمّل كيف وجّه كلام السّلف في غير تحقيق .
وقال : لأنّ الحقّ عند أهل السنّة أنّ الرؤية لا يشترط لها عقلا عضو مخصوص ولا مقابلة ولا قرب ، وإنّما تلك أمور عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلا ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدّار الآخرة خلافا لأهل البدع لوقوفهم مع العادة . فتح الباري ج1 ص514 ، فقف على هذه المخادعة في الرّؤية التي توقف صاحبها بين المعتزلة وأهل السنّة .
وقال في كلام الله : وأنّه وإن كان غير مخلوق وهو صفة قائمة به ، فإنّه يلقيه على من يشاء من عباده . فتح الباري ج13 ص467 ، فتأمّل كيف قال : " يُلقيه " ولم يقل : " يُسمعه " وفي ذلك هروب وحيدة عن الحرف والصّوت . وتتبّع ذلك يطول ، ومن ظنّ أنّ تتبّع هذه الأمور شنشنة نعرفها من أخزم ، ولا ينقص هذا من قيمة الكتاب – يريد بذلك الإنتصار للّذي يوسّع نطاق أهل السنّة ليشمل الأشاعرة والماتُريديّة ، واحتقار من يحصر منهج أهل السنّة في السّلفيين خاصّة - فجوابه : أنّ هذا منك شنشنة كذلك نعرفها من جهمي منتقص لمنهج السّلف مرتكس في ضلالة على علم ، ولو صنّف الأشعري تفسيرا حافلا أو صنّف الماتريدي شرحا على الصّحيح ماتعا ، لظلّ أتباع السّلف يحذّرون من الضّلالة التي جاءت في هذا وهذا ، ولما جاز لهم السّكوت ، وربّما أمروا بحرق الكتاب إن رأوا في ذلك مصلحة ودفع مفسدة ، صيانة للتّوحيد وقواما للسنّة .
إنّ الضّلالة في الكتاب تحيا بعد صاحبها عند النّاس ، وإن كان صاحبها قد مات وخمدت أنفاسه ، ومن لم يفرّق بين الأنفس والأنفاس فلا كلام معه من الأساس .
وأحسب أنّ العنوان الذي اختاره ابن حجر لشرحه لا يترجم عن محتواه حقّ التّرجمة ! فما هو إلّا فتح صوفي أشعري كلامي في الأصول ، وفتح ربّاني في شيء من الفروع . فالفتح الصّوفي الخلفي فخّ شيطاني ومكيدة حارثيّة ، وأمّا ما كان فيه من فتح ربّاني فهو هبة من الربّ لعبده ورحمة ساقها إليه ، وهو الرّحمن الذي وسعت رحمته كلّ شيء .
وما ابن حجر إلّا أشعريّ ، وإن وافق أهل السنّة في بعض مسائلهم ، ومن ظنّ أنّه من أهل السنّة وإن وافق الأشاعرة في بعض مسائلهم ! فقد غلط وغالط ، ومن عاند فضحته شواهد الإمتحان ، لأنّ الأصول خاطئة والمنطلقات هشّة لا تقوى على المتابعة ! فافهم هداك اللّه ولا تستعجل في الحكم فتغالط نفسك وتتعصّب للرّجال .
وأمّا ما اشتمل عليه هذا الشّرح من نقائص أخرى كبعض الأوهام والأخطاء وبعض الأحاديث الضّعيفة ، والتّقصير في الفقه وأصوله ، وربّما تعسّفه أحيانا في الانتصار لمذهبه الشّافعي في مواضع خالف فيها الدّليل ، فذلك كلّه من الفروع والخطأ فيها هيّن ، وقد غَيَّر ابن حجر اجتهاده ونظره في مواضع متأخّرة من (فتح الباري) نفسه ، وفي (النّكت على صحيح البخاري) . كما قد سارع بعضهم لتدارك نقائص هذا الشّرح وإضافة ما يناسب ، فالمتأخّر لا يزال يستدرك على المتأخّر، ولا يزال الخطأ يعترض الإنسان ، الذي خلقه اللّه عجولا وضعيفا ووارثا للنّسيان ، وتلك مشيئة الرّحمن .
ومن جملة المستدركين محمّد الفضيل الفاطمي الإدريسي الشبيهي الزّرهوني صاحب (الفجر السّاطع على الصّحيح الجامع) قالوا عنه أنّه من أنفس وأعلى ما كتبه المتأخّرون من المالكية على الصّحيح مطلقا . قال عبد الحي الكتاني : وقد استدرك في شرحه المذكور على الصّحيح ، وانتقد أمورا على الحافظ ابن حجر وفّق لها وغفل عنها من قبله من الحفّاظ ممّا يعلم منه أنّ الفتح بيد الله . فهرس الفهارس ج2 ص929 .
فلعلّ هذا الكتاب ومعه شرح القسطلاني (إرشاد السّاري) ، إضافة إلى كتاب (الحلل الإبريزية من التّعليقات البازية على صحيح البخاري) ، و (النّظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصّحيح) لابن عاشور، و (إتحاف القاري بسدّ بياضات فتح الباري) لأحمد شاغف ، و(شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) للغنيمان ، و (منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري) تأليف حمزة محمّد قاسم ، و (التّعليق على فتح الباري) للشّيخ عبد الله الدّويش ، و (أنِيسُ السَّاري في تخريج وَتحقيق الأحاديث التي ذكرها الحَافظ ابن حَجر العسقلاني في فَتح البَاري) لصاحبه نبيل بن مَنصور بن يَعقوب البصارة ، - كلّ هذه الكتب - لعلّها إذا اجتمعت مع (فتح الباري) عند طالب العلم أحدثت هزّة بإذن اللّه ، وفتحت له الفتح .

{ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ } [الأعراف: 89] .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:45 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.