ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #61  
قديم 17-06-17, 10:05 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس السادس والخمسون- نهاية مباحث الكتاب

طرق معرفة النسخ


أولا: الطرق المقبولة في معرفة النسخ هي:
1- الإجماع على أن هذا الحكم منسوخ بذاك، كإجماعهم على أن وجوب صوم يوم عاشوراء منسوخ بوجوب رمضان.
2- النص من النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا الحكم منسوخ بذاك.
3- أن يتعارض الدليلان من كل وجه، ويعرف المتأخر منهما، فالمتأخر حينئذ هو الناسخ.
ثانيا: طرق معرفة المتأخر من الدليلين ليحكم له بأنه ناسخ هي:
1- الإجماع بأن تجمع الأمة على أن هذا متأخر عن ذاك.
2- نص النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا متأخر عن ذاك.
3- قول الرسول صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن كذا فافعلوه كما تقدم في حديث زيارة القبور.
4- أن يوجد في النص ما يشير إلى أنه متأخر عنه كقوله تعالى: ( الآن خفف الله عنكم .. ) الآية.
5- نقل الصحابي أن هذا متأخر عن ذاك؛ لأن هذا الأمر لا دخل فيه للاجتهاد وإنما هو نقل.
6- النص من النبي صلى الله عليه وسلم على خلاف نص معروف قبل ذلك، كأن يقال في شيء معروف أنه حرام: هو مباح؛ لأن وصفه في الزمن الثاني بخلاف ما وُصِفَ به في الزمن الأول يستلزم تأخرّ مشروعيته.
ثالثا: الطرق غير المقبولة في معرفة النسخ هي:
1- موافقة أحد الحكمين للبراءة الأصلية.
وصورة ذلك: أن يرد نص موجب لحكم ما، ونص آخر مبيح له، فالأول مخالف للبراءة الأصلية، والثاني موافق.
فهذه الموافقة للبراءة الأصلية لا توجب للثاني أن يكون متأخرا عن الأول حتى يكون ناسخا له وذلك بأن يظن أن الحكم الأول الموجب جاء مخالفا للبراءة الأصلية، ثم جاء الثاني فأعاد الوضع إلى ما كان عليه موافقا لها.
وذلك لأنه من المحتمل أن يكون الحكم الأول قد جاء موافقا للبراءة الأصلية، ثم جاء الثاني بعده مخالفا لها.
مثاله: حكم الخمر على البراءة الأصلية حلها، ثم لو ورد نص بتحريمها فقيل: الخمر حرام. فهذا مخالف للبراءة الأصلية فلو ورد نص بحلها فقيل: الخمر حلال. فهذا موافق للبراءة الأصلية، والحال أنه لم يعلم تأخر أحدهما عن الآخر.
فهنا لا يعتمد أن النص الموافق للبراءة ناسخ للنص المخالف للبراءة على الرغم من أن غالب الموافق متأخر عن المخالف.
2- ورود آية بعد أخرى في ترتيب المصحف فلا يدل على أن الثانية ناسخة للأولى؛ لأن المصحف لم يرتب حسب النزول.
3- تأخر إسلام الراوي للحديث فإنه لا يدل على أن ما رواه هو المتأخر؛ إذْ قد يروي عمن سمعه قبل ذلك.
4- قول الصحابي أن هذا الحكم منسوخ بكذا لأن ذلك قد يكون اجتهادا منه وذلك غير ملزم لغيره. نعم إذا علم أن هذا الحكم منسوخ ولكننا جهلنا ناسخه فقال الصحابي: هذا ناسخه فإنه يقبل لضعف احتمال كونه حينئذ صدر عن اجتهاد.

( شرح النص )
خاتِمَةٌ

يتعيَّنُ النَّاسِخُ بتأخُّرِهِ، ويُعْلَمُ بالإجماعِ، وقولِ النبيِّ هذا ناسِخٌ أَو بعدَ ذاكَ، أَو كنتُ نهيتُ عَنْ كذا فافعلوهُ، أَو نَصِّهِ على خِلافِ النَّصِّ الأوَّلِ، أَو قولِ الراوِي: هذا متأخِرٌ، لا بموافقةِ أحَدِ النَّصَّينِ للأصلِ، وثبوتِ إحدى آيتينِ في المصحفِ، وتأخُّرِ إسلامِ الراوِي، وقولِهِ: هذا ناسِخٌ في الأصحِّ لا النَّاسِخُ.
......................... ......................... ......................... ...............
هذه ( خاتِمَةٌ ) للنسخ يعلم بها الناسخ من المنسوخ ( يتعيَّنُ النَّاسِخُ ) لشيء ( بتأخُّرِهِ ) عنه ( ويُعْلَمُ ) تأخره ( بالإجماعِ ) على أنه متأخر عنه، أو أنه ناسخ له (وقولِ النبيِّ ) صلى الله عليه وسلّم ( هذا ناسِخٌ ) لذاك ( أو ) هذا ( بعدَ ذاكَ ) أو هو سابق عليه ( أَو كنتُ نهيتُـ ) ـكم ( عَنْ كذا فافعلوهُ، أَو نَصِّهِ ) صلى الله عليه وسلم ( على خِلافِ النَّصِّ الأوَّلِ ) أي أن يذكر الشيء بحكم على خلاف ما ذكره فيه أوّلا ( أَو قولِ الراوِي: هذا متأخِرٌ ) عن ذاك أو سابق عليه ( لا بموافقةِ أحَدِ النَّصَّينِ للأصلِ ) أي البراءة الأصلية فلا يعلم التأخر به في الأصح، وقيل: يعلم لأن الأصل مخالفة الشرع لها، فيكون المخالف سابقا على الموافق. قلنا: هذا مسلم في أغلب الموارد لكنه ليس بلازم لجواز العكس ( و ) لا ( ثبوتِ إحدى آيتينِ في المصحفِ ) بعد الأخرى فلا يعلم به التأخرية في الأصح، وقيل: يعلم لأن الأصل موافقة الوضع للنزول. قلنا لكنه غير لازم لجواز المخالفة كما مر في آيتي عدة الوفاة ( و ) لا ( تأخُّرِ إسلامِ الراوِي ) لمرويه عن إسلام الراوي للآخر فلا يعلم التأخر به في الأصح، وقيل: يعلم لأنه الظاهر. قلنا: لكنه بتقدير تسليمه غير لازم لجواز العكس ( و ) لا ( قولِهِ ) أي الراوي ( هذا ناسِخٌ ) فلا يكون ناسخا ( في الأصحِّ ) وقيل: يكون وعليه المحدِّثون لأنه لعدالته لا يقول ذلك إلا إذا ثبت عنده. قلنا ثبوته عنده يجوز أن يكون باجتهاد لا يوافق عليه ( لا ) بقوله هذا ( الناسخ ) لما علم أنه منسوخ وجهل ناسخه فيعلم به أنه ناسخ له لضعف احتمال كونه حينئذ عن اجتهاد فإننا نعلم النسخ يقينا وقول الصحابي عيّن لنا الناسخ.
رد مع اقتباس
  #62  
قديم 22-06-17, 11:42 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس السابع والخمسون- السنة

مقدمة


أولا: السُّنَّةُ: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله. وتقريراته من جملة أفعاله؛ إذْ هي كفه عن الإنكار، والكفّ فعل.
ثانيا: الأنبياء معصومون عن كبائر الذنوب اتفاقا وكذا عن صغائر الذنوب المستقبحة كسرقة لقمة.
وأما الصغائر غير المستقبحة فالجمهور على جوازها عليهم. وقيل: إنهم معصومون عنها ولو سهوا وأوّلوا كل النصوص التي ظاهرها وقوع الذنب منهم كقوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى ).
ثالثا: لا يُقِرُّ النبي صلى الله عليه وسلم أحدا على باطل فسكوته على فعل دليل على جوازه شرعا للفاعل ولغيره.
لا فرق بين أن يكون حال سكوته مستبشرا مسرورا أو لا، ولا فرق بين أن يكون الفاعل مسلما أو كافرا.
رابعا: فعله صلى الله عليه وسلم غير محرم ولا مكروه وما فعله من مكروه بالنسبة لنا كالشرب قائما فإنما فعله لبيان الجواز فيكون صلى الله عليه وسلم فاعلا للطاعة ومبيّنا للشريعة.
خامسا: أفعاله صلى الله عليه وسلم على عدة أنحاء هي:
1- أفعاله الجبليّة كالقيام والقعود والنوم والأكل فهذه مباحة له ولأمته.
2- ما تردد بين الجبلة والشرع كحجه راكبا فهل فعله بمقتضى الجبلة لكون الركوب هو الأيسر أو إنما فعله لكونه مطلوبا شرعا؟ فهذا يحمل على الندب. وقيل: على الإباحة.
3- ما وقع بيانا لنص شرعي فهو يأخذ حكم المبيّن فإن كان بيانا للواجب كالصلوات الخمس فهو واجب في حقنا وإن كان بيانا للمندوب كصلاة الكسوف والخسوف كان مندوبا في حقنا.
4- ما كان خاصا به كزيادته في النكاح على أربع فهذا لا يقتدى به لاختصاصه به.
5- ما فعله من غير ما سبق وعلمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فأمته مثله.
6- ما فعله وجهلت صفته فقيل: هو للوجوب في حقه وحقنا لأنه الأحوط، وقيل: هو للندب، وقيل: للإباحة.
سادسا: تعلم صفة الفعل بعدة طرق منها:
أ- التنصيص على الفعل أنه واجب أو مندوب أو مباح.
ب- أن يسوي بين الفعل وبين فعل آخر معلوم الصفة، كأن يقول: هذا الفعل كالفعل الفلاني. وقد علم أنه مباح مثلا.
ج- أن يقع الفعل بيانا لنص دال على وجوب أو ندب أو إباحة، فيكون حكمه حكم ذلك النص.
سابعا: تعلم صفة الوجوب بخصوصها بعدة طرق منها:
أ- العلامة الدالة على الوجوب، كالأذان والإقامة فإنه لا يؤتى بهما إلا في المكتوبة دون غيرها كالعيد والاستسقاء.
ب- كونه في الأصل ممنوعا من فعله لإيذائه فلما فعله دل على أنه واجب كإقامة الحد وكالختان.
ثامنا: تعلم صفة الندب بخصوصها إن فعل فعلا لقصد القربة من صلاة وصوم وذكر وغيرها ولا يوجد دليل على خصوص الوجوب، فإنه يكون مندوبا لأن الأصل عدم الوجوب.

( شرح النص )


الكتابُ الثاني في السنةِ


وهيَ: أَقوالُ النبيِّ وأَفعالُهُ. الأنبياءُ معصومونَ حتى عن صغيرةٍ سهوًا؛ فلا يُقِرُّ نبيُّنا أحدًا على باطلٍ، فسكوتُهُ ولو غيرَ مستبْشِرٍ على الفعلِ مطلقًا دليلُ الجوازِ للفاعِلِ ولغيرِهِ في الأصحِّ، وفعلُهُ غيرُ مكروهٍ، وما كانَ جِبِلِّيًا أَو مُتَرَدِّدًا أَو بيانًا أَو مُخَصَّصًا بهِ فواضِحٌ، وما سِواهُ إنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ فأُمَّتُهُ مِثْلُهُ في الأصحِّ، وتُعلَمُ بنصٍّ وتسويةٍ بمعلومِ الجهةِ ووقوعِهِ بيانا أَو امتثالًا لِدالٍّ على وجوبٍ أَو ندبٍ أَو إباحةٍ، ويَخُصُّ الوجوبَ أَمارتُهُ كالصلاةِ بأذانٍ وكونُهُ ممنوعًا لوْ لم يجبْ كالحدِّ، والنَّدْبَ مُجَرَّدُ قصدِ القُرْبَةِ، وإن جُهِلَتْ فللوجوبِ في الأصحِّ.
......................... ......................... ......................... ........................
لما فرغ من الدليل الأول من أدلة التشريع وهو الكتاب شرع في الدليل الثاني فقال: ( الكتابُ الثاني في السنةِ وهيَ: أَقوالُ النبيِّ ) صلى الله عليه وسلّم ( وأَفعالُهُ ) ومنها تقريره لأنه كف عن الإنكار والكف فعل كما مر، وتقدمت مباحث الأقوال التي تشترك فيها السنة والكتاب، من الأمر والنهي والعام والخاص وغيرها، والكلام هنا في غير ذلك، ولتوقف حجية السنة على عصمة النبي بدأوا بها مع عصمة سائر الأنبياء زيادة للفائدة، وإلا فأصل هذا المبحث هو كتب العقائد فقال: ( الأنبياءُ ) عليهم الصلاة والسلام ( معصومونَ حتى عن صغيرةٍ سهوًا ) فلا يصدر عنهم ذنب لا كبيرة ولا صغيرة لا عمدا ولا سهوا، هكذا قال! والأكثر على جواز صدور الصغيرة عنهم إلا الدالة على الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بتمرة، وينبهون عليها لو صدرت ويوفقون للتوبة والإنابة، وإذا تقرر أن نبينا معصوم كغيره من الأنبياء ( فلا يُقِرُّ نبيُّنا) محمد صلى الله عليه وسلّم ( أحدًا على باطلٍ فسكوتُهُ ولو ) كان حال سكوته ( غيرَ مستبْشِرٍ ) أي غير مسرور ( على ) الإنكار على ( الفعلِ مطلقًا ) أي سواء صدر من مسلم أو من غيره، وممن إذا أنكر عليه يغريه ويدفعه إنكاره عليه على تكرار ذلك الفعل عنادا أو لا، وقيل: إلا فعل من يغريه الإنكار بناء على سقوط الإنكار عليه، وقيل: إلا الكافر بناء على أنه غير مكلف بالفروع ( دليلُ الجوازِ للفاعِلِ ) بمعنى الإذن له فيه؛ لأن سكوته صلى الله عليه وسلّم على الفعل تقرير له ( ولغيرِهِ في الأصحِّ ) وقيل: لا، لأن السكوت ليس بخطاب لفظي حتى يعمّ. قلنا هو كالخطاب أي في قوته فيعم ( وفعلُهُ ) صلى الله عليه وسلّم ( غيرُ مكروهٍ ) بالمعنى الشامل للمحرم ولخلاف الأولى لعصمته، ولقلة وقوع المكروه وخلاف الأولى من التقي من أمته فكيف يقع منه، ولا ينافيه وقوع المكروه بيانا لجوازه كشربه قائما، لأنه ليس مكروها حينئذ، بل واجب في حقه ( وما كانَ ) من أفعاله صلى الله عليه وسلم ( جِبِلِّيًا ) أي واقعا بجهة جبلة البشر أي خلقتهم كقيامه وقعوده وأكله وشربه ( أَو مُتَرَدِّدًا ) بين الجبلي والشرعي كحجه راكبا وجلسته للاستراحة في الصلاة ( أَو بيانًا ) كقطعه السارق من الكوع بيانا لمحل القطع في آية السرقة ( أَو مُخَصَّصًا بهِ ) كزيادته في النكاح على أربع نسوة ( فواضِحٌ ) حكمه وهو أن الرابع وهو المخصص به لسنا مخاطبين به، وأن غير الرابع من الثلاثة الأول دليل في حقنا، لأنه صلى الله عليه وسلّم بعث لبيان الشرعيات فيباح لنا في الأول وهو الجبلي، ويندب في الثاني وهو ما تردد بين الجبلي والشرعي، وقيل: يباح، ويندب أو يجب أو يباح بحسب المبيَّن في الثالث وهو ما فعله بيانا ( وما سِواهُ ) أي سوى ما ذكر من الأقسام الأربعة ( إنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ ) من وجوب أو ندب أو إباحة ( فأُمَّتُهُ مِثْلُهُ ) في ذلك ( في الأصحِّ ) عبادة كان أو لا. وقيل: مثله في العبادة فقط، وقيل: ليس مثله مطلقا في عبادة أو غيرها بل يكون كمجهول الصفة الذي سيأتي بعد قليل (وتُعلَمُ ) صفة فعله ( بنصٍّ ) عليها كقوله: هذا واجب مثلا ( وتسويةٍ بمعلومِ الجهةِ ) كقوله هذا الفعل مساوٍ لكذا في حكمه وكان قد علم حكمه من قبل ( ووقوعِهِ بيانا أَو امتثالًا لِدالٍّ على وجوبٍ أَو ندبٍ أَو إباحةٍ ) فيكون حكمه حكم المبين أو الممتثل وجوبا أو ندبا أو إباحة، وصورة البيان: أن لا تعلم صفة المأمور به فيفعله النبي لتعلم صفته كأن يطوف بعد إيجاب الطواف لتعلم صفته فنعلم وجوب هذا الطواف لكونه بيانا للواجب، وصورة الإمتثال: أن يكون المأمور به معلوما صفته لكن يأتي به لامتثال الأمر به كما لو تصدق بدرهم امتثالا لإيجاب التصدق فيعلم وجوب فعله حينئذ من وقوعه امتثالا للأمر بالتصدق ( ويَخُصُّ الوجوبَ ) أي يميزه عن غيره من الندب والإباحة ( أَمارتُهُ كالصلاةِ بأذانٍ ) لأنه ثبت باستقراء الشريعة أن ما يؤذن لها واجبة بخلاف غيرها، كصلاة العيد والخسوف ( وكونُهُ ) أي الفعل ( ممنوعًا ) منه (لوْ لم يجبْ كالحدِّ ) والختان فإنهما في الأصل ممنوعان لما فيهما من الأذية ( و ) يخص ( النَّدْبَ ) أي يميزه عن غيره من الوجوب والإباحة ( مُجَرَّدُ قصدِ القُرْبَةِ ) بأن تدل قرينة على أنه قصد بذلك الفعل القربة ولا دليل على الوجوب، وذلك كصلاة وصوم وقراءة ونحوها من التطوعات ( وإن جُهِلَتْ ) صفته أي حكمه ( فللوجوبِ في الأصحِّ ) في حقه وحقنا، لأنه الأحوط، وقيل: للندب لأنه المتحقق بعد الطلب، وقيل: للإباحة لأن الأصل عدم الطلب، وقيل بالوقف لتعارض الأدلة.
رد مع اقتباس
  #63  
قديم 22-06-17, 11:42 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثامن والخمسون- السنة

تعارض الفعل والقول


إذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله فلهذه الحالة صور كثيرة منها:
أولا: أن يدل دليل على تكرر مقتضى القول- بأن يطلب فعله متكررا وليس لمرة واحدة- وكان مقتضى ذلك القول مختصا به صلى الله عليه وسلم، وفعل فعلا مخالفا له.
مثل أن يقول: صوم عاشوراء واجب عليّ كلَّ سنةٍ. ثم أفطر في سنة من السنين.
فإن علم المتقدم والمتأخر، فالمتأخر ناسخ للمتقدم منهما، وإن جُهِل فيتوقف عن ترجيح أحدهما حتى يتبين التاريخ.
ولا معارضة حينئذ في حق الأمة لأن مقتضى القول مختص به، وأما فعله فإن دل دليل على تأسينا به عملنا به، وإن لم يدل فالأمر واضح أن القول والفعل لا يتناولان الأمة.
ثانيا: أن يكون مقتضى القول مختصا بالأمة وفعل فعلا مخالفا له.
مثل أن يقول: يجب عليكم صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين، فلا تعارض في حقه صلى الله عليه وسلم لأنه ليس مخاطبا بهذا القول.
أما في حقنا فإن دلّ دليل على التأسي بفعله فهنا يتعارض القول والفعل في حقنا فإن علمنا المتقدم والمتأخر فالمتأخر ناسخ للمتقدم منهما، وإن جهلنا نعمل بالقول على الأصح لأنه أقوى دلالة على الحكم من الفعل المجرد.
وإن لم يدل دليل على التأسي بفعله فلا تعارض حينئذ فنعمل بمقتضى القول.
ثالثا: أن يكون مقتضى القول شاملا للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة وفعل فعلا مخالفا له.
مثل أن يقول: يجب عليّ وعليكم صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين.
فإن علمنا المتقدم والمتأخر فالمتأخر ناسخ للمتقدم منهما، في حقه وفي حقنا.
وإن جهلنا نعمل بالقول في حقنا، ونتوقف في حقه عليه الصلاة والسلام.
هذا إن دلّ دليل على التأسي بفعله فإن لم يدل دليل على التأسي به فلا تعارض فنعمل بالقول.
ولكن تستثنى حالة إذا كان شمول القول له ليس نصا بل ظاهرا كما لو قال: يجب على كل مسلم صوم عاشوراء في كل سنة- فهنا ظاهر الحكم شموله له ولكن ليس نصا كما في الحالة الأولى- وأفطر في سنة من السنين.
فالفعل في هذه الحالة مخصص للقول في حقه عليه الصلاة والسلام، تقدم أو تأخر أو جهل التأريخ، فيكون الفعل مختصا به أي أنه غير داخل في عموم القول. ويكون القول هو الموجّه للأمة فنعمل به.

( شرح النص )


وإذا تعارضَ الفعلُ والقولُ ودلَّ دليلٌ على تكَرُّرِ مُقتضاهُ فإنِ اختصَّ بهِ فالمتأَخِّرُ ناسِخٌ، فإنْ جُهِلَ فالوقفُ في الأصحِّ ولا تعارُضَ، وإنِ اختصَّ بنا فلا تعارُضَ فيهِ، وفينا المتأخِّرُ ناسِخٌ إنْ دلَّ دليلٌ على تأسِّينا، فإنْ جُهِلَ عُمِلَ بالقولِ في الأصحِّ وإنْ عَمَّنا وعَمَّهُ فحكمُهما كما مرَّ إلا أنْ يكونَ العامُ ظاهرًا فيهِ فالفعلُ مُخَصِّصٌ.
......................... ......................... ......................... ...........
( وإذا تعارضَ الفعلُ والقولُ ) أي تخالفا بتخالف مقتضيهما بأن يدل الفعل على أمر ويدل القول على خلافه ( ودلَّ دليلٌ على تكَرُّرِ مُقتضاهُ ) أي القول ( فإنِ اختصَّ ) القول ( بهِ ) صلى الله عليه وسلّم كأن قال: يجب عليّ صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين ( فالمتأَخِّرُ ) من الفعل أو القول إن علم ( ناسِخٌ ) للمتقدم منهما في حقه ( فإنْ جُهِلَ ) المتأخر منهما ( فالوقفُ ) عن ترجيح أحدهما على الآخر في حقه صلى الله عليه وسلم إلى تبين التاريخ ( في الأصحِّ ) لاستوائهما في احتمال تقدم كل منهما على الآخر، وقيل: يرجح القول، وقيل: يرجح الفعل ( ولا تعارُضَ ) في حقنا حيث دل دليل على تأسينا به في الفعل لعدم تناول القول لنا، وإن لم يدل دليل على تأسينا به في الفعل فلا يتوهم التعارض أصلا ( وإنِ اختصَّ ) القول ( بنا ) كأن قال: يجب عليكم صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين ( فلا تعارُضَ فيهِ ) أي في حقه صلى الله عليه وسلّم بين الفعل والقول لعدم تناوله له ( وفينا ) أي في حقنا ( المتأخِّرُ ) منهما بأن علم ( ناسِخٌ ) للمتقدم ( إنْ دلَّ دليلٌ على تأسِّينا ) به في الفعل ( فإنْ جُهِلَ ) المتأخر ( عُمِلَ بالقولِ في الأصحِّ ) وقيل: بالفعل، وقيل: بالوقف، فإن قيل: لم صححتم هنا العمل بالقول وفيما سبق صححتم الوقف ؟ قلنا: لأنا متعبدون فيما يتعلق بنا بالعلم بحكمه لنعمل به فالوقف لن يعين لنا العمل، بخلاف ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا ضرورة إلى الترجيح فيه فنتوقف إذْ هي حينئذ مسألة عملية بحتة ، فإن لم يدل دليل على تأسينا به في الفعل فلا تعارض في حقنا لعدم ثبوت حكم الفعل في حقنا ( وإنْ عَمَّنا وعَمَّهُ ) القول كأن قال: يجب عليّ وعليكم صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين ( فحكمُهما ) أي الفعل والقول (كما مرَّ ) مِنْ أن المتأخر منهما إن علم ناسخ للمتقدم في حقه، وكذا في حقنا إن دلّ دليل على تأسينا به في الفعل، وإلا فلا تعارض في حقنا، وإن جهل المتأخر فالأصح في حقه الوقف، وفي حقنا تقديم القول ( إلا أنْ يكونَ ) القول ( العامُّ ظاهرًا فيهِ ) صلى الله عليه وسلّم لا نصا، كأن قال: يجب على كل مكلف صوم عاشوراء في كل سنة وأفطر في سنة من السنين ( فالفعلُ مُخَصِّصٌ ) للقول في حقه فيختص الفعل به صلى الله عليه وسلم تقدم عل القول أو تأخر عنه أو جهل ذلك، ولا نسخ لأن التخصيص أهون منه لما فيه من إعمال الدليلين بخلاف النسخ.
رد مع اقتباس
  #64  
قديم 22-06-17, 11:43 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس التاسع والخمسون- السنة

الأخبار


أولا: اللفظ المركب إما مهمل وإما مستعمل.
والمهمل: ما لا يكون له معنى. وهو موجود وذلك كالمركب الذي يصدق عليه لفظ الهذيان كالذي يصدر من السكران، ولكنه ليس موضوعا لمعنى وهذا معلوم من كونه مهملا.
والمستعمل- أي المركب الذي له معنى- موضوع على القول المختار، فقولك: قامَ زيدٌ كلام موضوع كما أن لفظتي زيد وقام موضوعتان اتفاقا، وهذا ما يسمى بالوضع النوعي وهو: تعيين اللفظ لا بخصوصه للمعنى بل في ضمن قاعدة كلية.
بأن يقال: إن العرب وضعت هيئة الجملة الفعلية لكل من يصدر منه فعل فتنطبق هذه القاعدة على قام زيد وجاء عمرو ونحوهما، كما أنها وضعت هيئة الجملة الاسمية لكل اسم أسند إليه خبر فتنطبق هذه القاعدة على زيدٌ قائمٌ وعمروٌ جالسٌ ونحوهما.
وقيل: إن الوضع للمفردات دون المركبات وهو المسمى بالوضع الشخصي وهو: تعيين اللفظ بخصوصه للمعنى. كوضع قام وزيد وسماء وأرض وماء ونحوها لمعانيها.
ثانيا: الكلام: لفظ تضمّن اسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاته. فخرج ما لم يتضمن اسنادا مثل قولك عند العدّ: واحد اثنان ثلاثة، كما خرج ما تضمن اسنادا مفيدا لكنه غير مقصود لذاته كصلة الموصول نحو: جاءَ الذي قامَ أبوه، فجملة قام أبوه وإن تضمنت اسنادا لكنه غير مقصودا لذاته بل لغرض توضيح معنى الاسم الموصول.
وأما الكلام النفسي فهو: معنى قائم في النفس يعبر عنه باللفظ.
وقد اختلف الناس في الكلام فقيل: هو يستعمل حقيقة في لغة العرب في اللفظي والنفسي، وقيل: هو حقيقة في النفسي مجاز في اللفظي على اعتبار أن الكلام في الفؤاد وإنما جعل القول عليه دليلا، وقيل: هو حقيقة في اللفظي مجاز في النفسي فمتى أطلق الكلام انصرف للفظي ولا يستعمل في النفسي إلا مقيدا كأن يقال: في نفسي كلام. وهذا هو الصحيح.
ثم لا يخفى أن بحث الأصولي إنما هو عن الكلام اللفظي الذي يستنبط منه الأحكام.
ثالثا: هنالك طريقتان للعلماء في تعريف الخبر والإنشاء وما يتفرع عنهما وهما:
1- الطريقة الثنائية وهي التي عليها علماء البلاغة وهي المشهورة وحاصلها أن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء.
فالإنشاء هو: كلام يحصل به مدلوله في الخارج، والخبر: كلام لا يحصل به مدلوله في الخارج. توضيحه:
إذا قلت لزيد: قمْ فإنك لا تخبر عن شيء بل أنت تطلب منه القيام، وطلب القيام الذي هو مدلول كلامك حصل بقولك تلك الجملة ( قمْ ) ولهذا يكون هذا النوع من الكلام لا يحتمل الصدق والكذب لأنك لا تحكي عن واقع. وله أقسام عديدة كالاستفهام والأمر والنهي والترجي، وإذا قلت: قامَ زيدٌ، فمدلول كلامك هو قيام زيد وهو لم يحصل بلفظك بل أنت تحكي عن حالة واقعية ولذلك يحتمل كلامك الصدق إن طابق الواقع والكذب إن لم يطابقه.
2- الطريقة الثلاثية وهي التي عليها الإمام الرازي ومن تبعه وحاصلها أن الكلام ينقسم إلى طلب وإنشاء وخبر.
فالكلام إما أن يدل على الطلب كالاستفهام والأمر والنهي وإما أن لا يدل على الطلب وهو إما أن لا يحتمل الصدق والكذب كالترجي والقَسَم وهو الإنشاء، وإما أن يحتمل الصدق والكذب وهو الخبر.
رابعا: الخبر لا يخرج عن أن يكون صادقا أو كاذبا فلا واسطة بينهما، أي لا يوجد خبر لا صادق ولا كاذب. هذا هو القول الراجح الذي عليه أكثر العلماء.
وقيل: بوجود الواسطة بينهما فقيل: الصادق ما كان مطابقا للواقع ومطابقا لاعتقاد المتكلم، والكاذب: ما كان غير مطابق للواقع وغير مطابق لاعتقاد المتكلم. وعلى هذا فالأمر يتبع الاعتقاد فإذا طابق الخبر الواقع ولم يعتقد المخبر مطابقته يكون واسطة.

( شرح النص )


الكلامُ في الأَخْبارِ

المركبُ إمَّا مُهْمَلٌ وليسَ موضوعًا وهوَ موجودٌ في الأصحِّ، أَو مستعمَلٌ والمختارُ أنَّهُ موضوعٌ. والكلامُ اللسانيُّ: لفظٌ تضمَّنَ إسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاتِهِ، والنفسانِيُّ معنىً في النفسِ يُعَبَّرُ عنهُ باللسانيِّ، والأصحُّ عندنا أنَّهُ مشترَكٌ، والأصوليُّ إنما يتكلمُ فيهِ، فإنْ أفادَ بالوضعِ طلبًا فطلبُ ذكرِ الماهيةِ استفهامٌ وتحصيلِها أو تحصيلِ الكفِّ عنها أمرٌ أو نهيٌ ولو مِن ملتَمِسٍ وسائِلٍ، وإلا فما لا يحتملُ صدقًا وكذبًا تنبيهٌ وإنشاءٌ، ومحتمِلُهما خبرٌ، وقدْ يقالُ الإنشاءُ: ما يحصلُ بهِ مدلولُهُ في الخارجِ، والخبرُ خِلافُهُ، ولا مَخْرجَ لهُ عن الصدقِ والكذبِ لأنَّهُ إمَّا مطابقٌ للخارجِ أَو لا فلا واسِطةَ في الأصحِّ.
......................... ......................... ......................... ........................
( الكلامُ في الأَخْبارِ ) بفتح الهمزة جمع خبر ( المركبُ ) من اللفظ ( إمَّا مُهْمَلٌ ) بأن لا يكون له معنى ( وليسَ موضوعًا ) اتفاقا ( وهوَ موجودٌ في الأصحِّ ) كمدلول لفظ الهذيان فإنه لفظ مركب مهمل كضرب من الهوس أو غيره مما لا يقصد به الدلالة على شيء، ونفاه الإمام الرازي قائلا: إن التركيب إنما يصار إليه للإفادة، فحيث انتفت انتفى. فمرجع خلافه إلى أن مثل ما ذكر من لفظ الهذيان لا يسمى مركبا ( أَو مستعمَلٌ ) بأن يكون له معنى ( والمختارُ أنَّهُ موضوعٌ ) أي بالوضع النوعي، وقيل: لا والموضوع هو مفردات الكلام فقط ( والكلامُ اللسانيُّ: لفظٌ تضمَّنَ إسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاتِهِ ) فخرج باللفظ: الخط والرمز والعقد والإشارة والنصب، وخرج بتضمن إسنادا المفرد كزيد، وبالمفيد غير المفيد كالنار حارة وتكلم رجل ورجل يتكلم لعدم الفائدة الجديدة على قول ابن مالك، وبالمقصود غير المقصود كالصادر من نائم، والمقصود لذاته المقصود لغيره كصلة الموصول نحو جاء الذي قام أبوه، فإنها مفيدة بالضم إلى الاسم الموصول مع ما معه مقصودة لإيضاح معناه ( و ) الكلام (النفسانِيُّ معنىً في النفسِ ) أي قائم بها ( يُعَبَّرُ عنهُ باللسانيِّ ) أي ما صدقاته كلفظ جاء زيدٌ يعبر به عما قام في النفس من معنى الجملة ( والأصحُّ عندنا ) أي عند كثير من الأشاعرة ( أنَّهُ ) أي الكلام ( مشترَكٌ ) بين اللساني والنفساني، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة. قال الإمام الرازي وعليه المحققون منا. وقيل: إنه حقيقة في النفساني مجاز في اللساني، واختاره الأصل. وقيل: إنه حقيقة في اللفظي مجاز في النفسي وهو المختار ( والأصوليُّ إنما يتكلمُ فيهِ ) أي في اللساني لأن بحثه فيه لا في المعنى النفسي ( فإنْ أفادَ ) أي ما صدق اللساني ( بالوضعِ طلبًا فطلبُ ذكرِ الماهيةِ ) أي فاللفظ المفيد لطلب ذكرها ( استفهامٌ ) نحو: ما هذا ؟ ومَن ذا أزيد أم عمرو ؟ ( و ) طلب ( تحصيلِها أو تحصيلِ الكفِّ عنها ) أي اللفظ المفيد لذلك ( أمرٌ أو نهيٌ ) نحو: قمْ ولا تقمْ ( ولو ) كان طلب تحصيل ذلك ( مِن ملتَمِسٍ ) أي مساوٍ للمطلوب منه رتبة ( وسائِلٍ ) أي دون المطلوب منه رتبة نحو: اغفر لي فإن اللفظ المفيد لذلك منهما يسمى أمرا ونهيا، وقيل: لا بل يسمى من الأول التماسا، ومن الثاني سؤالا ودعاء، وإلى الخلاف أشار بقوله ولو مِن.. فإنه يؤتى بلو هنا للإشارة إلى خلاف ( وإلا ) أي وإن لم يفد بالوضع طلبا (فما لا يحتمِلُ ) منه ( صدقًا وكذبًا ) في مدلوله ( تنبيهٌ وإنشاءٌ ) أي يسمى بكل منهما سواء أفاد طلبا باللازم كالتمني والترجي نحو: ليت الشباب يعود، ولعلّ الله يعفو عني، أم لم يفد طلبا نحو: أنت طالق ( ومحتمِلُهما ) أي الصدق والكذب من حيث هو ( خبرٌ ) وقد يقطع بصدقه أو كذبه لأمور خارجة عنه كخبر الله ورسوله صلى الله وعليه وسلم ( وقدْ يقالُ ) وهو للبيانيين ( الإنشاءُ ما ) أي كلام ( يحصلُ بهِ مدلولُهُ في الخارجِ ) كأنت طالق، وقمْ ولا تقم، فإن مدلولها من إيقاع الطلاق وطلب القيام وعدمه يحصل بالكلام لا بغيره، فالإنشاء بهذا المعنى أعم منه بالمعنى الأول لشموله الطلب بأقسامه السابقة من الاستفهام والأمر والنهي بخلافه بالمعنى الأول فإنه قسيم للطلب وللخبر فلا يشمل الاستفهام والأمر والنهي ( والخبرُ خِلافُهُ ) أي ما يحصل بغيره مدلوله في الخارج بأن يكون له خارج صدق أو كذب نحو: قام زيد فإن مدلوله أي مضمونه من قيام زيد يحصل بغيره، وهو محتمل لأن يكون واقعا في الخارج فيكون هو صدقا وغير واقع فيكون هو كذبا ( ولا مَخْرجَ لهُ) أي للخبر من حيث مضمونه ( عن الصدقِ والكذبِ لأنَّهُ إمَّا مطابقٌ للخارجِ ) فالصدق ( أَو لا ) فالكذب ( فلا واسطةَ ) بينهما ( في الأصحِّ ) وقيل بوجود الواسطة. وفي القول بها أقوال: منها قول عمرو بن بحر الجاحظ: الخبر إن طابق الخارج مع اعتقاد المخبر المطابقة فصدق، أو لم يطابقه مع اعتقاد عدمها فكذب، وما سواهما واسطة بينهما وهو أربعة: أن ينتفي اعتقاده المطابقة في المطابق بأن يعتقد عدم المطابقة، أو لم يعتقد شيئا، وأن ينتفي اعتقاده عدمها في غير المطابق بأن يعتقد المطابقة أو لم يعتقد شيئا، فلو قال: زيدٌ قائمٌ، وكان قائما واعتقد المخبر ذلك فهذا صدق، وإن كان واقعا غير قائم واعتقد المخبر عدم قيامه فهذا كذب، وإن كان قائما بالفعل ولكن اعتقد المخبر عدم قيامه أو لم يعتقد شيئا كأن كان شاكا فواسطة، وكذا إن كان غير قائم بالفعل ولكن اعتقد المخبر قيامه أو لم يعتقد شيئا فواسطة أيضا، فظهر أن للكلام ست حالات اثنتان منها صدق أو كذب وأربعة منها واسطة على قول الجاحظ.
رد مع اقتباس
  #65  
قديم 22-06-17, 11:43 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الستون- السنة

مدلول الخبر


أولا: إذا قيل: زيدٌ قائمٌ، فالموضوع هو زيد والمحمول هو قائم والنسبة هي ثبوت القيام لزيد، وأما الحكم فهو الإذعان والجزم بثبوت النسبة أي الإذعان بثبوت القيام لزيد في الواقع.
فإذا علم هذا فهل ما يفيده الخبر هو ثبوت القيام لزيد في الواقع أو هو الحكم بثبوت القيام له في الواقع ؟ قولان.
فقيل: إن ما يفيده الخبر هو ثبوت القيام له في الواقع.
وقيل: إن ما يفيده الخبر هو الحكم بثبوت القيام له في الواقع.
فعلى القول الأول وضعت العرب لفظ الخبر ليدل على ثبوت الفعل في الواقع أي ليحكي عن كون زيد واقفا على قدميه في المثال، وعلى القول الثاني وضعت العرب لفظ الخبر ليدل على حكم المتكلم بثبوت الفعل في الواقع.
فالقول الأول يجعل الخبر موضوعا لإفادة ما في الخارج فلذا يكون دليلا على الصدق دائما لأنه يفترض به أن يكشف الواقع بما هو، والقول الثاني يجعل الخبر موضوعا لإفادة ما في الذهن وهو حكم النفس بثبوت ما في الخارج فإن طابق الحكم ما في الخارج فهو صادق وإلا فهو كاذب فهو يحكي عن الحالة النفسية للمتكلم وأنه جازم بالوقوع أما كون زيد في الواقع قائما أو غير قائم فالخبر لم يوضع لذلك.
ثانيا: مورد الصدق والكذب هو النسبة التي تضمنها الخبر فقط لا القيود التي يقيد بها المسند إليه.
فإذا قيل: زيدٌ قائمٌ فالصدق والكذب يردان على النسبة التي هو ثبوت القيام لزيد.
وإذا قيل: زيدُ بن عمرٍو قائمٌ، فالصدق والكذب منصب على ثبوت القيام لزيد فإذا كان قائما في الواقع فهو صادق وإلا فهو كاذب، فإذا كان زيد في الواقع هو ليس ابن عمرو مثلا ولكنه قائم فهذا الخبر صادق لأن صدق الخبر لا علاقة له بالقيود الفرعية، وذلك القيد قصد به تعريف زيد وتعيينه.
ولهذا قال الإمام مالك وبعض الشافعية إن الشهاد بمثل: ( زيد بن عمرو أوكل فلانا ) هي شهادة بالوكالة فقط، دون بنوة زيد لعمرو.
والمذهب عند الشافعية أن ذلك شهادة بالوكالة أصالة وبنوة زيد لعمرو ضمنا.
والتحقيق أن هنالك نسبتين: نسبة مقصودة بالذات وهي النسبة الإسنادية ونسبة مقصودة بالتبع وهي النسبة التقييدية فإذا قيل: ( زيد بن عمرو أوكل فلانا ) فالنسبة الأصلية هي ثبوت الوكالة لزيد، والنسبة التبعية هي زيد هو ابنٌ لعمرو، والصدق والكذب إنما يرد على النسبة المقصودة بالذات، ولكن هذا لا يعني أن المتكلم غير جازم بالقيود والنسبة الفرعية.
فيوجد إخباران: خبر أصلي مساق له الكلام وهو مورد الصدق والكذب موضوع له الخبر بالمطابقة، وخبر ثاني يؤخذ من القيود يدل عليه الخبر بالالتزام، والصدق والكذب لا يرد عليه، وكونه لا يرد عليه لا يعني إطلاقا عدم صحة الإخبار تلك القيود وهذا هو وجه مذهب الشافعية.

( شرح النص )


ومدلولُ الخبرِ ثبوتُ النسبةِ لا الحكمُ بها، ومَورِدُ الصدقِ والكذبِ النسبةُ التي تضمَّنَها فقطْ كقيامِ زيدٍ في: قامَ زيدُ بنُ عمرٍو لا بنوتِه، فالشهادةُ بتوكيلِ فلانِ بنِ فلانٍ فلانًا شهادةٌ بالتوكيلِ فقطْ، والرَّاجِحُ بالنَّسَبِ ضِمْنًا وبالتوكيلِ أصلًا.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
( ومدلولُ الخبرِ ) في الإثبات أي في القضية الموجبة ( ثبوتُ النسبةِ ) في الخارج كقيام زيد في قولنا: قامَ زيدٌ، وهذا ما رجحه السعد التفتازاني وردّ ما عداه. ( لا الحكمُ بها ) وقيل: هو الحكم بها ورجحه الأصل وفاقا للإمام الرازي، ويقاس بالخبر في الإثبات الخبر في النفي أي القضية السالبة، فيقال مدلوله انتفاء النسبة لا الحكم به ( ومَورِدُ الصدقِ والكذبِ ) في الخبر ( النسبةُ التي تضمَّنَها فقطْ ) أي دون غيرها ( كقيامِ زيدٍ في: قامَ زيدُ بنُ عمرٍو لا بنوتِه ) لعمرو أيضا، فمورد الصدق والكذب في الخبر المذكور النسبة، وهي قيام زيد لا بنوّته لعمرو فيه أيضا إذ لم يقصد به الاخبار بها، وعليه ( فالشهادةُ بتوكيلِ فلانِ بنِ فلانٍ فلانًا شهادةٌ بالتوكيلِ فقطْ ) أي دون نسب الموكل كما هو قولٌ مرجوح عندنا لبعض أصحابنا الشافعية وقال به الإمام مالك ( و ) لكن ( الرَّاجِحُ ) عندنا أنها شهادة ( بالنَّسَبِ ) للموكل (ضِمْنًا وبالتوكيلِ أصلًا ) لتضمن ثبوت التوكيل المقصود لثبوت نسب الموكل لغيبته عن مجلس الحكم، ولهذا استدل الإمام الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة بقوله: وقالت امرأة فرعون .. الآية على صحة أنكحة الكفار لأن الله جعلها امرأة له، فالقضية هي: امرأة فرعون قالت، النسبة الأصلية فيه هي صدور القول من المرأة، والنسبة الفرعية أن تلك المرأة هي زوجة لفرعون.
رد مع اقتباس
  #66  
قديم 22-06-17, 11:44 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الحادي والستون- السنة

أقسام الخبر


بما أن الخبر يحتمل الصدق والكذب لذاته، وقد يقطع بصدقه أو كذبه لقرينة خارجية، قسّم الأصوليون الخبر إلى ثلاثة أقسام: مقطوع بكذبه، ومقطوع بصدقه، ومظنون صدقه.
وللقطع بكذب الخبر طرق متعددة منها:
1- الخبر المعلوم خلافه بالضرورة نحو: النقيضان يجتمعان أو يرتفعان.
2- الخبر المعلوم خلافه بالاستدلال كقول بعض الفلاسفة:العالم قديم، فإنا قطعنا عن طريق الاستدلال بأن العالم حادث.
3- كل خبر نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأوهم باطلا ولم يقبل التأويل فإنه إما موضوع عليه، أو أن ذلك الخبر قد نقص منه كلمة فأوهم الباطل.
مثال الأول: ما روي أن الله خلق نفسه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ومثال الثاني: ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلّم قام فقال:أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد. قال ابن عمر: فوَهَلَ الناس في مقالته. أي غلطوا حيث لم يسمعوا لفظة اليوم فرووها بلا لفظة اليوم وذلك يوهم الباطل وهو قيام القيامة بعد مائة سنة. فالرواية بلا لفظة اليوم قد نقص منها ما أوهم الباطل.
ولوضع الحديث أسباب عديدة ليس هذا محل تفصيلها ولكن نذكر منها:
أ- نسيان الراوي لمرويه فيذكر غيره ظانا أنه مروِيُّه.
ب- التنفير كوضع الزنادقة أحاديث باطلة تنفيرا للناس عن الإسلام أو تشكيكا فيه.
ج- غلط الراوي بأن يسبق لسانه إلى شيء غلطا فيرويه الناس عنه.
4- خبر مدعي النبوة من غير معجزة أو تصديق نبي له. لأن النبوة أمر مخالف للعادة، والعادة تقضي بكذب مدعيها بلا دليل قاطع. والكلام يتصور قبل العلم بأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. أما بعد ذلك فلا يصدق ولو أتى بما يشبه المعجزة ويقطع بكذب خبره، كما قطعنا بكذب مسيلمة الكذاب وغيره ولم نطالبهم بالمعجزة، وكما يقطع المسلم بكذب غلام أحمد القادياني.
5- ما لا أثر له في كتب الحديث كبعض الأحاديث التي تشتهر عند بعض الجهلة اليوم ولا أثر لها في كتب السنة النبوية.
6- خبر نقل آحادا مع توفر الدواعي على نقله، والذي لو كان صحيحا لكان متواترا.
كشخص ينقل أنه قد أطلق الرصاص يوم الجمعة على الخطيب وهو يخطب فوق منبره في المسجد الجامع، فوقع ميتا، فإن هذا الخبر لو كان صحيحا لنقله كل مَن صلى الجمعة في ذلك المسجد لغرابته وتوفر الدواعي على نقله فكونه لم ينقله إلا رجل واحد مع هذه القرائن التي حفت به دليل على أنه كذب قطعا.

( شرح النص )


مسألةٌ: الخبرُ إمَّا مقطوعٌ بكذِبِهِ قطعًا كالمعلومِ خِلافُهُ ضرورةً أو استدلالًا. وكلُّ خبرٍ أوهَمَ باطلًا ولم يقبلْ تأويلًا فموضوعٌ أَو نُقِصَ مِنهُ ما يزيلُ الوهْمَ. وسببُ وضعِهِ نسيانٌ أو تنفيرٌ أو غلَطٌ أو غيرُها. أو في الأصحِّ كخبرِ مُدَّعِي الرسالةِ بلا معجزةٍ وتصديقِ الصَّادقِ، وخبرٍ نُقِّبَ عنهُ ولمْ يوجدْ عندَ أهلِهِ، وما نُقِلَ آحادًا فيما تَتَوَفَّرُ الدواعي على نقلِهِ.
......................... ......................... ......................... .....................
( مسألةٌ: الخبرُ ) بالنظر لأمور خارجة عنه ( إمَّا مقطوعٌ بكذِبِهِ ) إما ( قطعًا ) أي اتفاقا ( كالمعلومِ خِلافُهُ ) إما ( ضرورةً ) نحو: النقيضان يجتمعان أو يرتفعان ( أو استدلالًا ) كقول الفلسفي: العالم قديم ( وكلُّ خبرٍ ) نقل عنه صلى الله عليه وسلّم ( أوهَمَ باطلًا ) أي أوقع الباطل في الوهم أي الذهن ( ولم يقبلْ تأويلًا فـ ) ـهو إما ( موضوعٌ ) أي مكذوب عليه صلى الله عليه وسلّم لعصمته كما روي أنه تعالى خلق نفسه فهو كذب لإيهامه باطلا وهو حدوثه سبحانه وقد دل العقل القاطع على أنه تعالى منزه عن الحدوث ( أَو نُقِصَ مِنهُ ) من جهة راويه ( ما يزيلُ الوهْمَ ) الحاصل بالنقصان منه كما في خبر الصحيحين عن ابن عمر قال صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلّم صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد. قال ابن عمر: فوهَل الناس في مقالته. أي غلطوا في فهم المراد منها حيث لم يسمعوا لفظة اليوم، ويوافق هذا الخبر في إثبات لفظة اليوم خبر مسلم عن أبي سعيد لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم. وقوله منفوسة أي مولودة احترز به عن الملائكة ( وسببُ وضعِهِ ) أي الخبر ( نسيانٌ ) من الراوي لمرويه فيذكر غيره ظانا أنه مرويه ( أو تنفيرٌ ) كوضع الزنادقة أخبارا تخالف العقول تنفيرا للعقلاء عن شريعته المطهرة ( أو غلَطٌ ) من الراوي بأن يسبق لسانه إلى غير مرويه، أو يضع مكانه ما يظنّ أنه يؤدّي معناه أو يروي ما يظنه حديثا ( أو غيرُها ) كما في وضع بعضهم أخبارا في الترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية ( أو) مقطوع بكذبه ( في الأصحِّ كخبرِ مُدَّعِي الرسالةِ ) أي أنه رسول عن الله إلى الناس ( بلا معجزةٍ ) تبين صدقه ( و ) لا ( تصديقِ الصادقِ ) له أي النبي الذي جاء قبله؛ لأن الرسالة عن الله على خلاف العادة والعادة تقضي بكذب من يدّعي ما يخالفها بلا دليل، وقيل: لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدقه، وظاهر أن محله قبل نزول أنه صلى الله عليه وسلّم خاتم النبيين، أما بعده فيقطع بكذبه اتفاقا لقيام الدليل القاطع على أنه خاتم النبيين ( وخبرٍ نُقِّبَ ) بضم أوّله وتشديد ثانيه وكسره أي فتش ( عنهُ ) في كتب الحديث ( ولمْ يوجدْ عندَ أهلِهِ ) من الرواة لقضاء العادة بكذب ناقله، وقيل: لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدق ناقله، وهذا بعد استقرار الأخبار، أما قبله كما في عصر الصحابة فلأحدهم أن يروي ما ليس عند غيره كما قاله الإمام الرازي ( وما نُقِلَ آحادًا فيما تَتَوَفَّرُ الدواعي على نقلِهِ ) تواترا كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة، وقيل: لا يقطع بكذبه.
رد مع اقتباس
  #67  
قديم 22-06-17, 11:44 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثاني والستون- السنة

الخبر المقطوع بصدقه


وأما الخبر المقطوع بصدقه فله أنواع منها:
أولا: الخبر المعلوم وجوده بالضرورة نحو الواحد نصف الاثنين.
ثانيا: الخبر المعلوم وجوده بالاستدلال كقولنا: العالم حادث.
ثالثا: خبر الله تعالى وخبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
رابعا: بعض ما نقل إلينا من خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنا نقطع بصدوره عنه وهذا يحكم به على الإبهام أي أننا كما نقطع بأن بعضا مما نقل عنه كذب نقطع على جهة الإجمال بأن بعضا مما نقل عنه حق كالخبر المتواتر فثبوت البعض في الجملة قطعي.
خامسا: الخبر المتواتر وهو: خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن محسوس، واحترزنا بقولنا: عن محسوس ما كان عن معقول كخبر الفلاسفة بقدم العالم وكخبر النصارى بإلوهية المسيح تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
ثم المتواتر ينقسم إلى: لفظي ومعنوي، فالأول أن يتفق الجمع المذكور في اللفظ والمعنى بأن يتفق الجمع الغفير على لفظ واحد في الرواية وهو عزيز الوجود، والثاني أن يتفقوا في القدر المشترك كجود حاتم المعلوم من كثرة الوقائع المنقولة في ذلك، وإن كانت كل واحدة لا توجب القطع.
ومتى ما حصل العلم في النفوس بمضمون خبر ما فذلك علامة على اجتماع شرائط التواتر فيه.
ومن مسائل المتواتر ما يلي:
1- الأصح أنه ليس للمتواتر عدد معين. وقال بعضهم أقله أربعة كشهود الزنا، وقال آخرون: أقله خمسة.
2- لا يشترط في المتواتر إسلام رواته ولا عدالتهم أو أن يكونوا من بلدان متفرقة؛ لأن الكثرة الكثيرة مانعة من احتمال التواطؤ على الكذب.
3- أنه يفيد العلم الضروري أي الذي تضطر النفوس إليه ولا تستطيع النفس دفعه.
4- إذا أخبر رواة المتواتر عن أمر عاينوه بأنفسهم فذلك كاف لحصول العلم بخبرهم. وإن أخبروا عن عيان غيرهم- أي أخبروا عمن عاين الحدث- فيشترط أن يكون المعاينون ومن نقل عنهم في كل الطبقات كثرة يمتنع تواطؤهم على الكذب، فإن لم يكونوا كذلك ولو في طبقة واحدة فليس خبرهم متواترا.
5- تارة يحصل العلم بالمتواتر بسبب الكثرة الكثيرة فمثل هذا مما يشترك الناس في حصول العلم به كخبر نقله 1000 شخص، وتارة يحصل بأن ينضم إلى أقل المتواتر من القرائن ما تجعل الناظر يقطع به فإذا قلنا إن أقل المتواتر خمسة مثلا وانضاف إلى قلة رواته قرائن عديدة كعدالتهم وشدة تدينهم وتفرق بلدانهم وانعدام المصلحة بالكذب فهذا من المتواتر وهذا لا يشترك كل الناس بالعلم به لأنه موقوف على العلم بتلك القرائن وهي قد تقوم عند شخص دون آخر، ولهذا كان من الحديث ما يقطع أهل الحديث بتواتره ويظن غيره من أهل الكلام أنه لا يفيد العلم.

( شرح النص )


وإمَّا بصِدْقِهِ كخبرِ الصَّادِقِ، وبعضِ المنسوبِ للنَّبيِّ، والمتواترِ وهو: خبرُ جمعٍ يمتنعُ تواطُؤُهمْ على الكذبِ عنْ محسوسٍ، وحصولُ العلمِ آيةُ اجتماعِ شرائِطِهِ، ولا تكفي الأربعةُ، والأصحُّ أَنَّ ما زادَ عليها صالحٌ مِنْ غيرِ ضبطٍ وأنَّهُ لا يُشترطُ فيهِ إسلامٌ ولا عدمُ احتواءِ بلدٍ، وأَنَّ العلمَ فيهِ ضروريٌ، ثُمَّ إنْ أَخبروا عن محسوسٍ لهمْ فذاكَ، وإلا كفى ذلكَ، وأَنَّ عِلْمَهُ لكثرةِ العددِ مُتَّفِقٌ، وللقرائنِ قدْ يختلِفُ.
......................... ......................... ......................... ......................... ...
( وإمَّا ) مقطوع ( بصِدْقِهِ كخبرِ الصَّادِقِ ) أي الله تعالى لتنزهه عن الكذب ورسوله لعصمته عنه ( وبعضِ المنسوبِ للنَّبيِّ ) صلى الله عليه وسلّم وإن لم نعلم عينه أي نحكم بصدق بعض لا بعينه ( والمتواترِ ) معنى أو لفظا ( وهو ) أي المتواتر ( خبرُ جمعٍ يمتنعُ ) عادة ( تواطُؤُهمْ ) أي توافقهم ( على الكذبِ عنْ محسوسٍ ) لا عن معقول لجواز الغلط فيه كخبر الفلاسفة بقدم العالم، فإن اتفق الجمع المذكور في اللفظ، والمعنى فهو لفظي، وإن اختلفوا فيهما مع وجود معنى كلي فهو معنوي، كما لو أخبر واحد عن حاتم بأنه أعطى دينارا وآخر بأنه أعطى فرسا وآخر بأنه أعطى بعيرا وهكذا. فقد اتفقوا على معنى كلي وهو الإعطاء، وقول: عن محسوس متعلق بخبر ( وحصولُ العلمِ ) بمضمون خبر ( آيةُ ) أي علامة ( اجتماعِ شرائِطِهِ ) أي المتواتر في ذلك الخبر. أي الأمور المحققة له، وهي كما يؤخذ من تعريفه: كونه خبر جمع، وكونهم بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب، وكونه عن محسوس ( ولا تكفي الأربعةُ ) في عدد الجمع المذكور لاحتياجهم إلى التزكية فيما لو شهدوا بالزنا فلا يفيد قولهم العلم فإن شهود الزنا لا تقبل شهادتهم إذا لم يكونوا عدولا ( والأصحُّ أَنَّ ما زادَ عليها ) أي على الأربعة ( صالحٌ ) لأن يكفي في جمع المتواتر ( مِنْ غيرِ ضبطٍ ) أي حصر بعدد معين فأقل عدده خمسة. كذا قال وقيل: عشرة، وقيل غير ذلك ( و ) الأصح ( أنَّهُ ) أي المتواتر ( لا يُشترطُ فيهِ إسلامٌ ) فى رواته ولاعدالتهم ولا اختلاف أنسابهم كما فهما بالأولى من عدم اشتراط الإسلام ( ولا عدمُ احتواءِ بلدٍ ) أي واحد عليهم فيجوز أن يكونوا كفارا وفسقة و أقارب وأن يحويهم بلد، وقيل: لا يجوز ذلك لجواز تواطئهم على الكذب فلا يفيد خبرهم العلم، قلنا: الكثرة مانعة من التواطؤ على الكذب ( و ) الأصح ( أَنَّ العلمَ فيهِ ) أي في المتواتر ( ضروريٌ ) أي يحصل عند سماعه من غير احتياج إلى نظر لحصوله لمن لا يتأتى منه النظر كالبله والصبيان، وقيل: نظري ( ثُمَّ إنْ أَخبروا ) أي أهل الخبر المتواتر كلهم ( عن محسوسٍ لهمْ ) بأن كانوا طبقة واحدة ( فذاكَ ) أي إخبارهم عن محسوس لهم واضح في حصول التواتر ( وإلا ) أي وإن لم يخبروا كلهم عن محسوس لهم بأن كانوا طبقات فلم يخبر عن محسوس إلا الطبقة الأولى منهم ( كفى ) في حصول التواتر ( ذلكَ ) أي إخبار الأولى عن محسوس لها مع كون كل طبقة من غيرها جمعا يؤمن تواطؤهم على الكذب كما علم مما مر من شروط تؤخذ من التعريف، بخلاف ما لو لم يكونوا كذلك فلا يفيد خبرهم التواتر، وبهذا بان أن المتواتر في الطبقة الأولى قد يكون آحادا فيما بعدها كما في القراءات الشاذة فإنها قد تكون متواترة في طبقة الصحابة ثم تصير آحادا في ما بعدها من الطبقات ( و) الأصح ( أَنَّ عِلْمَهُ ) أي المتواتر أي العلم الحاصل منه ( لكثرةِ العددِ ) في راويه ( مُتَّفِقٌ ) للسامعين له فيجب حصوله لكل منهم ( وللقرائنِ ) الزائدة على أقل العدد الصالح له ( قدْ يختلِفُ ) فيحصل لزيد دون غيره من السامعين؛ لأن القرائن قد تقوم عند شخص دون آخر، أما الخبر المفيد للعلم بالقرائن المنفصلة عنه فليس بمتواتر، وقيل: يجب حصول العلم من المتواتر مطلقا أي لكثرة العدد أو للقرائن للجميع على السواء، وقيل: لا يجب ذلك مطلقا فلا يشترط في المتواتر أن يحصل العلم به للجميع لا عند كثرة العدد ولا عند وجود القرائن فقد يحصل للبعض دون البعض الآخر.
رد مع اقتباس
  #68  
قديم 22-06-17, 11:45 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثالث والستون- السنة

ما اختلف في كونه من المقطوع بصدقه


أولا: إجماع الأمة على وفق خبر آحاد ما لا يدل على كونه قطعي الصدور، بمعنى أن الخبر المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أجمعت الأمة على ما تضمنه من حكم، فإنه ليس بالضرورة يكون هذا دليلا على قطعية صدور ذلك الخبر عنه صلى الله عليه وسلم لجواز أن يكون مستند الإجماع نص آخر. وقيل: يدل على صدقه لأن الظاهر أن المجمعين استندوا عليه.
ثانيا: بقاء خبر الآحاد الذي تتوفر الدواعي على إبطاله لا يدل على كونه قطعي الصدور.
مثاله: ما رواه الشيخان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي. وقد احتج الزيدية على أنه قطعي الصدور بما يلي:
إن هذا الخبر قد سمعه بنو أمية فلم يبطلوه مع ما في نفوسهم من علي فلو أمكنهم أن يبطلوه لفعلوا فدل على أن هذا الحديث كان معلوما عند الناس ولا سبيل لهم لإبطاله، فالحال إنه وإن وصل إلينا آحادا فهو دليل على قطعي الصدور.
والجواب هو: أن هذا ليس بدليل على قطعيته بل هو دليل على ظنهم صدقه أي أنهم ظنوا صدقه فلم يردوه، فالاتفاق على القبول دليل على ظن ثبوته وليس على قطعيته، ثم على أي أساس تم افتراض أنهم كانوا يريدون التلاعب بالنصوص فالحق أن هذا بمجرده لا يدل على أن الخبر قطعي الصدور.
والحديث المذكور ورد عندما تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للخروج في إحدى الغزوات فخرج معه أصحابه وترك عليا على المدينة فقال أتجعلني بمنزلة النساء والصبيان. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
ثالثا: افتراق العلماء بين الاحتجاج بخبر وبين تأويله لا يدل على قطعية صدوره. فإن اتفاقهم هذا وعدم ذهاب أحد منهم إلى إبطاله لا يدل على أكثر من أنهم ظنوا صحة الخبر- كما في المسألة التي قبلها- ولا يدل على قطعيته فإننا مأمورون باتباع المظنون كالمعلوم. وقيل: يفيد العلم.
رابعا: إذا أخبر شخص عن أمر محسوس بحضور قوم بالغين حد التواتر ولا حامل لهم عن السكوت عن تكذيبه- كخوف أو طمع- فلم يكذبوه فخبره صادق قطعا. وقيل: لا يلزم صدقه.
خامسا: إذا أخبر شخص بخبر والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه فلم ينكر عليه فهذا دليل على صدق هذا الخبر قطعا سواء أخبر بأمر دنيوي أو أخروي. وقيل: لا يلزم صدقه.

( شرح النص )


وأنَّ الإجماعَ على وَفْقِ خبرٍ، وبقاءَ خبرٍ تتوفرُ الدواعي على إبطالِهِ، وافتراقَ العلماءِ بينَ مؤولٍ ومحتجٍّ لا يدلُّ على صدقِهِ، وأنَّ المخبِرَ بحضرةِ عددِ التواترِ ولم يكذبوهُ ولا حاملَ على سكوتِهم، أَو بمسمَعٍ من النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولا حامِلَ على سكوتِه صادقٌ.
......................... ......................... ......................... ......................
( و ) الأصح ( أنَّ الإجماعَ على وَفْقِ خبرٍ ) لا يدل على صدقه في نفس الأمر مطلقا لاحتمال أن يكون للإجماع مستند آخر، وقيل: يدل عليه مطلقا لأن الظاهر استناد المجمعين إليه لعدم ظهور مستند غيره، وقيل: يدل إن تلقوه بالقبول بأن تعرضوا للاستناد إليه بأن قالوا إن دليلنا على إجماعنا هو هذا الخبر، وإلا فلا يدل لجواز استنادهم إلى غيره ( و ) الأصح أن ( بقاءَ خبرٍ تتوفرُ الدواعي على إبطالِهِ ) بأن لم يبطله ذوو الدواعي مع سماعهم له آحادا لا يدل على صدقه، وقيل: يدل عليه للاتفاق على قبوله حينئذ. قلنا: الاتفاق على قبوله إنما يدل على ظنهم صدقه، ولا يلزم منه صدقه في نفس الأمر مثاله قوله صلى الله عليه وسلّم لعلي رضي الله عنه: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. رواه الشيخان. فإن دواعي بني أمية وقد سمعوه متوفرة على إبطاله لدلالته على خلافة علي رضي الله عنه كما قيل كخلافة هارون عن موسى بقوله اخلفني في قومي وإن مات قبله، ولم يبطلوه وأجوبة ذلك مذكورة في كتب أصول الدين ( و ) الأصح أن ( افتراقَ العلماءِ ) في خبر ( بينَ مؤولٍ ) له ( ومحتجٍّ ) به ( لا يدلُّ على صدقِهِ ) وقيل: يدلّ عليه للاتفاق على قبوله حينئذ. قلنا جوابه ما مر آنفا وهو أنه يدل على ظنهم صدقه ( و ) الأصح ( أنَّ المخبِرَ ) عن محسوس ( بحضرةِ عددِ التواترِ ولم يكذبوهُ ولا حاملَ ) لهم ( على سكوتِهم ) عن تكذيبه مِن نحو خوف أو طمع في شيء منه أو عدمِ علمٍ بخبره ككونه غريبا لا يقف عليه إلا الأفراد من الناس صادقٌ فيما أخبر به، لأن سكوتهم تصديق له عادة فيكون الخبر صدقا، وقيل: لا إذ لا يلزم من سكوتهم تصديقه لجواز سكوتهم عن تكذيبه لا لشيء ( أو ) أي والأصحّ أن المخبر عن محسوس ( بمسمَعٍ من النبي صلى الله عليه وسلّم ) أي بمكان يسمعه منه النبيّ ( ولا حامِلَ ) له ( على سكوتِه ) عن تكذيبه ( صادقٌ ) فيما أخبر به دينيا كان أو دنيويا، لأن النبي لا يقر أحدا على كذب، وقيل: لا إذ لا يدل سكوته على صدق المخبر أما في الدين، فلجواز أن يكون النبي بيّنه من قبل أو أخّر بيانه بما يخالف ما أخبر به المخبر، وأما في الدنيوي، فلجواز أن لا يكون النبي يعلم حاله كما في إلقاح النخل، روى مسلم عن أنس أنه صلى الله عليه وسلّم مرّ بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح. قال فخرج شيصا- أي رديئا- فمرّ بهم فقال: ما لنخلكم ؟ قالوا قلت كذا وكذا. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم. أما إذا وجد حامل على ما ذكر كأن كان المخبر ممن يعاند ولا ينفع فيه الإنكار فلا يكون صادقا قطعا.
رد مع اقتباس
  #69  
قديم 22-06-17, 11:46 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الرابع والستون- السنة

الخبر المظنون صدقه


أولا: الخبر المظنون صدقه هو خبر الواحد وهو: ما لم ينتهِ إلى حد التواتر. سواء كان راويه واحدا أم أكثر.
ومن خبر الواحد ما يعرف بالمستفيض والمشهور وهو: الشائع بين الناس وقد صدر عن أصل. توضيحه:
إن الأصل المذكور هو السند فإذا ذاع الحديث وشاع بين الناس وكان قد صدر عن سند ينحصر من حيث العدد في اثنين أو أكثر فهو المستفيض وإن كان شائعا لا عن أصل فإنه مقطوع بكذبه.
وفي المستفيض أقوال:
1- من يجعله قسما من الآحاد وعليه فالقسمة ثنائية فالخبر إما آحاد وإما متواتر، ومن الآحاد المستفيض وغيره.
2- إن القسمة ثلاثية آحاد ومستفيض ومتواتر، والمستفيض هو: ما نقله عدد كثير يربو على الآحاد وينحط عن عدد التواتر. فالمستفيض رتبة متوسطة بين المتواتر والآحاد.
3- إنه والمتواتر بمعنى واحد.
وفي أقل عدد رواة المستفيض أقوال:
1- اثنان وهو قول الفقهاء.
2- ثلاثة وهو قول المحدثين.
3- أربعة وهو قول الأصوليين.
ثانيا: خبر الواحد العدل يفيد الظن الذي يوجب العمل، وقد يفيد العلم بقرائن تنضم إليه.
كما لو أخبر رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء واحضار الكفن والنعش.
كذا مثلوا والحقيقة إن احتمال تزوير الحقيقة في مثل ذلك الموقف لا يزال قائما كما يحصل في عصرنا.
ثالثا: في وجوب العمل بخبر الواحد تفصيل:
1- فيجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعا.
أي يجب العمل إجماعا بما يفتي به المفتي وكذا الحاكم ولو كان واحدا وكذا ما يشهد به الشهود ولو كانوا آحادا.
2- ويجب العمل به في باقي الأمور الدينية والدنيوية في الأصح كالإخبار بدخول وقت الصلاة، وكإخبار طبيب بمضرة شيء أو نفعه.
ولو كان خبر الواحد يعارضه القياس فإنه يعمل بالخبر ولا يلتفت للقياس. وقيل: بالقياس إن لم يكن راوي الخبر فقيها.
وهنا مسألة: هل وجوب العمل بمقتضى خبر الواحد ثبت بالدليل السمعي أو بالدليل العقلي؟
فقيل: سمعا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث أفرادًا إلى القبائل والملوك، فلو لم يجب العمل بأخبارهم لم يكن واجبا على المبعوث إليهم أن يمتثلوا. وقيل: هو واجب سمعا وعقلا، وهو أنه لو لم يجب العمل به لتعطلت وقائع الأحكام المروية بالآحاد ولا سبيل إلى ذلك.

( شرح النص )


وأَمَّا مظنونُ الصِّدقِ فخبرُ الواحدِ وهو: ما لم ينتهِ إلى التواترِ، ومنهُ المستفيضُ وهو: الشائعُ عن أصلٍ. وقد يسمى مشهورًا، وأقلُّهُ اثنانِ، وقيلَ: ما زادَ على ثلاثةٍ.
مسألةٌ: الأَصحُّ أَنَّ خبرَ الواحِدِ يُفيدُ العلمَ بقرينةٍ ويجبُ العملُ بهِ في الفتوى والشهادةِ إجماعًا، وفي باقي الأمورِ الدينيّةِ والدنيويةِ في الأصحِّ سمعًا، وقيلَ: وعقلًا.
......................... ......................... ......................... ........................
( وأَمَّا مظنونُ الصِّدقِ فخبرُ الواحدِ وهو: ما لم ينتهِ إلى التواترِ ) سواء أكان راويه واحدا أم أكثر أفاد العلم بالقرائن المنفصلة أو لا ( ومنهُ ) أي خبر الواحد ( المستفيضُ وهو: الشائعُ ) بين الناس ( عن أصلٍ ) بخلاف الشائع لا عن أصل فإنه مقطوع بكذبه ( وقد يسمى ) المستفيض ( مشهورًا ) فهما بمعنى واحد، وقيل: المشهور بمعنى المتواتر، وقيل: قسم ثالث غير المتواتر والآحاد ( وأقلُّهُ ) أي المستفيض أي أقلّ عدد راويه ( اثنانِ ) وهو قول الفقهاء ( وقيلَ: ما زادَ على ثلاثةٍ ) وهو قول الأصوليين، وقيل: ثلاثة وهو قول المحدثين. ( مسألةٌ: الأَصحُّ أَنَّ خبرَ الواحِدِ يُفيدُ العلمَ بقرينةٍ ) كما في إخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش، وقيل: لا يفيد العلم مطلقا أي مع قرينة أو لا، وعليه الأكثر من الأصوليين ( ويجبُ العملُ بهِ ) أي بخبر الواحد ( في الفتوى والشهادةِ ) أي ما يفتي به المفتي ويشهد به الشاهد بشرطه، وفي معنى الفتوى الحكم ( إجماعًا وفي باقي الأمورِ الدينيةِ والدنيويةِ في الأصحِّ ) وإن عارضه قياس كالإخبار بدخول وقت الصلاة أو بتنجس الماء وكإخبار طبيب أو غيره بمضرة شيء أو نفعه، وقيل: يمتنع العمل به مطلقا لأنه إنما يفيد الظن، وقيل: إن لم يعارضه قياس ولم يكن راويه فقيها، وإذا قلنا بأنه يجب العمل به فيجب ( سمعًا ) لأنه صلى الله عليه وسلّم كان يبعث الآحاد إلى القبائل والنواحي لتبليغ الأحكام، فلولا أنه يجب العمل بخبرهم لم يكن لبعثهم فائدة ( قيل: وعقلًا ) أيضا، وهو أنه لو لم يجب العمل به لتعطلت وقائع الأحكام المروية بالآحاد ولا سبيل إلى القول بذلك.
رد مع اقتباس
  #70  
قديم 22-06-17, 11:47 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس السادس والستون- السنة

زيادة الثقة في السند - حمل الصحابي الخبر على أحد معنييه


أولا: لو روى جماعة حديثا مرسلا بأن لم يذكر الصحابي ورواه واحد مسندا، أو رواه جماعة موقوفا ورفعه واحد فحكم هذه الزيادة كحكم الزيادة في المتن التي سبقت.
فيقال: إن علم تعدد مجلس السماع من الشيخ قُبِلَ الإسناد أو الرفع؛ لجواز أن يفعل الشيخ ذلك مرة دون أخرى، وكذا إن لم يعلم تعدد المجلس ولا اتحاده لأن الغالب فى مثل ذلك التعدد.
وإن اتحد ففيه تفصيل فيقال: إن كان مثل المرسلين أو الواقفين لايغفل عادة عن مثل الإسناد أو الرفع لم يقبل، وإلا قُبِلَ ما لم يكونوا أضبط، أو صرحوا بنفي الإسناد أو الرفع على وجه يقبل كأن قالوا: ما سمعنا الشيخ أسند الحديث أو رفعه فإنه يتعارض الصنيعان فيصار إلى الترجيح.
ثانيا: إذا روى الصحابي حديثا يحتمل معنيين فأكثر فحمله هو على أحدهما فهل يؤخذ بحمله لتعيين معنى الحديث ؟
فيه تفصيل كالتالي:
1- أن يكون المعنيان متنافيين كالقرء له معنيان متنافيان وهما: الطهر والحيض، ثم لو حمله الصحابي الذي روى حديث القرء على أحدهما فحينئذ يحمل الخبر عليه؛ لأن الظاهر أنه لا يحمله عليه إلا لقرينة تدل عليه لمشاهدته صاحب الشريعة.
2- أن يكون المعنيان غير متنافيين، ثم حمله الصحابي على أحد معنييه فحينئذ يكون كحمل المشترك على معنييه معا- وقد تقدمت المسألة في مباحث الكتاب- فنحمل الخبر على المعنيين معا، وإنما لم نأخذ بحمل الصحابي لأنه لا حصر في كلامه وإنما هو أخذ بمصداق من مصاديق ذلك المشترك فيحتمل أنه يقول بالآخر أيضا واقتصر على الأول لا لغرض الحصر بل للتمثيل، وذلك كلفظ العين فلو حمله على الجارية لم يمنع من حمله على الباصرة أيضا حملا للفظ المشترك على كلا معنييه.
3- أن يكون المعنيان غير متساويين بل أحدهما هو الظاهر كالحقيقة والمجاز، ثم حمله الصحابي الذي روى الحديث الذي فيه اللفظ الظاهر في أحد المعنيين على غير المعنى الظاهر كأن حمله على المجاز أو حمل الأمر على الندب وظاهره الوجوب فأكثر العلماء يحملونه على الظاهر ولا يأخذون بما حمله الصحابي عملا بظاهر الحديث ما لم تكن هنالك قرينة.

( شرح النص )


ولَوْ أَسْنَدَ وأَرسَلُوا أو رفعَ ووقَفُوا فكالزيادةِ، وإذا حَمَلَ صحابيٌّ مَرْوِيَّهُ على أَحَدِ مَحْمَلَيهِ حُمِلَ عليهِ إِنْ تنافيا، وإلا فكالمشتركِ في حملِهِ على معنييهِ، فإنْ حَمَلَهُ على غيرِ ظاهرِهِ حُمِلَ على ظاهِرِهِ في الأَصحِّ.
......................... ......................... ......................... ..................
( ولَوْ أَسْنَدَ وأَرسَلُوا ) أي أسند الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم واحد من رواته وأرسله الباقون بأن لم يذكروا الصحابي ( أو رفعَ ووقَفُوا ) أي رفع الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم واحد من رواته ووقفه الباقون على الصحابي ( فكالزيادةِ ) أي فالإسناد في المسألة الأولى والرفع في المسألة الثانية كالزيادة في المتن فيما مرّ من التفصيل- وكذا الخلاف- فيقال: إن علم تعدد مجلس السماع من الشيخ قُبِلَ الإسناد أو الرفع؛ لجواز أن يفعل الشيخ ذلك مرة دون أخرى، وكذا إن لم يعلم تعدد المجلس ولا اتحاده لأن الغالب فى مثل ذلك التعدد، وإن علم اتحاد المجلس ففيه تفصيل فيقال: إن كان مثل المرسلين أو الواقفين لايغفل عادة عن مثل الإسناد أو الرفع لم يقبل، وإلا قُبِلَ ما لم يكونوا أضبط، أو صرحوا بنفي الإسناد أو الرفع على وجه يقبل كأن قالوا: ما سمعنا الشيخ أسند الحديث أو رفعه فإنه يتعارض الصنيعان فيصار إلى الترجيح، ومعلوم أن التفصيل بين ما تتوفر الدواعي على نقله ولا تتوفر لا يمكن مجيئه هنا، كما أن التفصيل بين ما يغير الإعراب أو لا يغيره لا يمكن مجيئه هنا أيضا، ويعتبر تعدد مجلس السماع من الشيخ هنا كتعدد مجلس السماع من النبي صلى الله عليه وسلم ثَمَّ ( وإذا حَمَلَ صحابيٌّ مَرْوِيَّهُ على أَحَدِ مَحْمَلَيهِ حُمِلَ عليهِ إِنْ تنافيا ) كالقرء يحمله على الطهر أو الحيض، لأن الظاهر أنه إنما حمله عليه لقرينة، وتوقف الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فقال في اللمع: فيه نظر أي لاحتمال أن يكون حمله لموافقة رأيه لا لقرينة. وخرج بالصحابي غيره، وقيل: مثله التابعي، والفرق على الأصح أن ظهور القرينة للصحابي أقرب (وإلا ) أي وإن لم يتنافيا ( فكالمشتركِ في حملِهِ على معنييهِ ) أي فحكمه حكم المشترك المتقدم وقد تقدم أن الأصح أنه يحمل على كلا المعنيين فحينئذ يحمل المرويُّ على محمليه معا ولا يختص بحمل الصحابي إلا على القول بمنع حمل المشترك على معنييه فإن قلنا به فحينئذ يحمل عل ما حمله الصحابي ( فإنْ حَمَلَهُ ) أي حمل الصحابي مرويه فيما لو تنافى المحملان ( على غيرِ ظاهرِهِ ) كأن حمل اللفظ على معناه المجازى دون الحقيقي ( حُمِلَ على ظاهِرِهِ في الأَصحِّ ) اعتبارا بالظاهر، وفيه وفي أمثاله قال الشافعي: كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته، وقيل: يحمل على حمله لأنه لم يفعله إلا لدليل. قلنا: في ظنه وليس لغيره اتباعه فيه؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا فإن ذكر دليلاً عمل به، أما إذا لم يتناف المحملان فظاهرٌ حمله على حقيقته ومجازه بناء على الراجح من استعمال اللفظ فيهما.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:18 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.