ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #51  
قديم 13-06-17, 06:19 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس السادس والأربعون- مباحث الكتاب

حالات المطلق والمقيّد


إذا جاء نص مطلق ولم يأت ما يقيده فأمره واضح يبقى على إطلاقه، وإذا جاء نص مقيد ولم يأت في موضع آخر مطلقا فأمره واضح أيضا وهو أن يعمل بالقيد، ولكن إذا جاء نص مطلق وفي موضع آخر مقيد فما هو العمل ؟ فهذه المسألة لها عدة حالات يختلف الجواب باختلافها وهي:
أولا: اتحاد الحكم والسبب. ولهما في هذه الحالة صور:
1- أن يكونا مثبتين. كأن يقال في كفارة الظهار في محل: اعتق رقبة، ويقال في محل آخر: اعتق رقبة مؤمنة، فهنا كلا النصين مثبتان والحكم فيهما واحد وهو وجوب عتق رقبة، وسببهما واحد وهو ظهار الزوجة. فالحكم ينظر فيه:
إن ورد المقيد بعد دخول وقت العمل بالمطلق، فحينئذ يكون المقيد ناسخا للمطلق فيجب عتق رقبة مؤمنة.
فإن لم يكن المقيد ورد بعد وقت العمل بالمطلق لم يكن ناسخا له بل كان مقيدا له فتشمل هذه ما يلي:
أ- أن يرد المقيد بعد المطلق ولكنه يرد قبل دخول وقت العمل بالمطلق.
ب- أن يرد المطلق بعد المقيد أي أن يتقدم المقيد ثم يأتي بعده مطلق عكس ماسبق.
ج- أن يتقارن المطلق والمقيد في الورود بأن عقبَ أحدهما الآخر.
د- أن يجهل تاريخ المتقدم والمتأخر.
ففي كل ما سبق يحمل المطلق على المقيد أي يعمل بالمقيد فيجب عتق رقبة مؤمنة.
2- أن يكون أحدهما مثبتا والآخر منفيا. كأن يقال في محل: اعتق رقبة، ويقال في محل آخر: لا تعتق رقبة كافرة، أو يقال: اعتق رقبة مؤمنة، وفي محل آخر: لا تعتق رقبة.
وفي هذه الصورة يقيد المطلق بضد الصفة التي قيد بها المطلق، فيجب اعتاق رقبة مؤمنة وينهى عن اعتاق رقبة كافرة.
3- أن يكونا منفيين أي غير مثبتين. كأن يقال في محل: لا تعتق مكاتبا، ويقال في محل آخر: لا تعتق مكاتبا كافرا. فيحمل المطلق على المقيد، وحاصله: أنه لايعتق مكاتبا كافرا.
ويلاحظ أن المسألة في هذه الصورة تكون من قبيل العام والخاص لأن مكاتبا نكرة في سياق النهي فيعم، فتكون المسألة من باب تخصيص العام لا تقييد المطلق وإن عبر بهما مجازا.
ثانيا: أن يتحد حكمهما ويختلف سببهما. مثل ما ورد في كفارة الظهار: ( فتحرير رقبة ) بالإطلاق، وفي كفارة القتل: ( فتحرير رقبة مؤمنة ) بالتقييد. فالحكم وجوب الرقبة في الحالتين والسبب في الأولى الظهار وفي الثانية القتل.
فيحمل المطلق على المقيد قياسا أي تقيد كفارة القتل بالإيمان قياسا على كفارة الظهار والجامع هو حرمة سببهما وهو الظهار والقتل.
وقالت الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف السبب فيهما فتجب رقبة مؤمنة في الظهار وتجوز الكافرة في القتل.
ثالثا: أن يختلف حكمهما ويتحد سببهما. مثاله: ما ورد في التيمم من مسح اليدين بالإطلاق، وفي الوضوء بالتقييد إلى المرافق. فالسبب هنا واحد فيهما وهو الحدث، والحكم مختلف وهو المسح في التيمم والغسل في الوضوء.
فيحمل المطلق على المقيد قياسا، بعلة جامعة بينهما، وهي هنا الحدث الموجب للحكمين المسح والغسل، فتقيد الأيدي في التيمم بالمرافق حملا لها على الأيدي في الوضوء المقيدة بالمرافق.
وخالفت الحنفية أيضا فقالوا لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف السبب.
رابعا: أن يختلف حكمهما وسببهما. كما في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ) فقيد الشاهدين بالعدل. وقال تعالى: ( والذين يظاهرون من نسائهم .. ) الآية فأطلق الرقبة، فالحكم في الأول الإشهاد وفي الثاني العتق، والسبب فيهما مختلف فهو في الأول الوصية وفي الثاني الظهار. فواضح أنه لا علاقة لأحدهما بالآخر فيبقى المطلق على إطلاقه.
خامسا: أن يطلق في موضع ويقيد في موضع ثان بقيد ويقيد في موضع ثالث بقيد مختلف. فهذا له صورتان:
1- ألا يكون المطلق أولى بالتقييد بأحدهما من حيث القياس بل يكون القيدان على السواء فيبقى المطلق على إطلاقه.
مثاله: ما ورد في قضاء صيام رمضان: ( فعدة من أيام أخر ) بالإطلاق. وورد في كفارة الظهار ( فصيام شهرين متتابعين ) مقيدا بالتتابع. وورد في صيام التمتع بالحج: ( فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) بالتفريق.
فالحكم واحد وهو وجوب الصيام ولكن السبب مختلف في كل منها فيعمل بكل حالة على ما ورد فيها من غير تقييد.
2- أن يكون المطلق أولى بالتقييد بأحدهما من الآخر من حيث القياس بأن وجد الجامع بين المطلق وبين أحد المقيدين فإنه يقيد به حينئذ قياسا.
مثاله: ما ورد في صيام كفارة اليمين بالإطلاق. وفي كفارة الظهار بالتتابع. وفي صيام التمتع بالتفريق. فيقيد صيام كفارة اليمين بما قيّد به صيام كفارة الظهار؛ لأن اليمين منهي عنه كالظهار بخلاف التمتع بالحج.
وهذا المثال إنما هو على القول القديم للإمام الشافعي القائل بوجوب التتابع وإلا فالمذهب الجديد المفتى به لا يجب التتابع في صيام الكفارة لدليل آخر.

( شرح النص )


وَأَنَّهما في الأَصحِّ إِنِ اتَّحَدَ حكمُهُما وسَبَبُهُ وكانا مثبتينِ فإنْ تأخَّرَ المقيَّدُ عن العملِ بالمطلقِ نَسَخَهُ وإلا قيَّدَهُ، وإنْ كانَ أحدُهما مثبتًا والآخرُ خلافَهُ قُيِّدَ المطلقُ بضِدِّ الصِّفَةِ، وإلا قُيِّدَ بها في الأصحِّ وهيَ خاصٌ وعامٌّ، وإنْ اختلفَ حكمُهُمَا أو سبَبُهُما ولمْ يكنْ ثَمَّ مُقَيَّدٌ بمتنافيينِ أَو كانَ أولى بأحدِهما قُيِّدَ قياسًا في الأصحِّ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
( وَأَنهما ) أي المطلق والمقيد ( في الأَصحِّ إِنِ اتَّحَدَ حكمُهُما وسَبَبُهُ ) أي سبب حكمهما ( وكانا مثبتينِ ) كأن يقال في كفارة الظهار في محل أعتق رقبة، وفي آخر أعتق رقبة مؤمنة (فإنْ تأخَّرَ المقيَّدُ ) بأن علم تأخره ( عن ) وقت ( العملِ بالمطلقِ نَسَخَهُ ) أي المطلق ( وإلا ) بأن تأخر المقيد عن وقت الخطاب بالمطلق دون العمل، أو تأخر المطلق عن المقيد، أو تقارنا، أو جهل تاريخهما ( قيَّدَهُ ) أي المطلق جمعا بين الدليلين، وقيل: يحمل المقيد على المطلق بأن يلغى القيد ( وإنْ كانَ أحدُهما مثبتًا والآخرُ خلافَهُ ) نحو: أعتق رقبة لا تعتق رقبة كافرة، أو أعتق رقبة مؤمنة لا تعتق رقبة ( قُيِّدَ المطلقُ بضِدِّ الصِّفَةِ ) في المقيد ليجتمعا فيقيد في المثال الأول بالإيمان، وفي الأخير بالكفر ( وإلا ) بأن كانا منفيين نحو: لا يجزىء عتق مكاتب لا يجزىء عتق مكاتب كافر ( قُيِّدَ ) المطلق ( بها ) أي بالصفة ( في الأصحِّ ) وقيل: يعمل بالمطلق ( وهيَ ) أي المسألة حينئذ ( خاصُّ وعامٌّ ) لعموم المطلق في سياق النفي الشامل للنهي ويكون المقيد مخصصا لا مقيدا. ويكون التعبير عنهما بالمطلق والمقيد مجازا في الاصطلاح كما ذكره العلامة العطار في حاشيته ( وإنْ اختلفَ حكمُهُمَا ) مع اتحاد سببهما كما في قوله تعالى في التيمم: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. وفي الوضوء: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق. وسببهما الحدث مع القيام إلى الصلاة أو نحوها وحكمهما مختلف من مسح المطلق وغسل المقيد بالمرفق ( أو ) اختلف ( سبَبُهُما ) مع اتحاد حكمهما ( ولمْ يكنْ ثَمَّ مُقَيَّدٌ ) في محلين ( بمتنافيينِ ) كما في قوله تعالى في كفارة الظهار: فتحرير رقبة. وفي كفارة القتل: فتحرير رقبة مؤمنة ( أو ) كان ثم مقيد بقيدين متنافيين، و ( كانَ ) المطلق ( أولى ) بالتقييد ( بأحدِهما ) من الآخر من حيث القياس كما في قوله تعالى في كفارة اليمين: فصيام ثلاثة أيام. وفي كفارة الظهار: فصيام شهرين متتابعين. وفي صوم التمتع: فصيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم ( قُيِّدَ ) المطلق بالقيد أي حمل عليه ( قياسًا في الأصحِّ ) فلا بد من جامع بينهما وهو في المثال الأول أي مثال التيمم والوضوء موجب الطهر وهو الحدث، وفي الثاني وهو مثال الظهار والقتل حرمة سببهما من الظهار والقتل، وفي الثالث وهو المقيد بقيدين متنافيين النهي عن اليمين والظهار فحمل المطلق فيه على كفارة الظهار في التتابع أولى من حمله على صوم المتمتع في التفريق لاتحادهما في الجامع، والتمثيل به إنما هو على قول قديم للشافعي وهو القول بوجوب التتابع في كفارة اليمين، أما القول الجديد في المذهب المفتى به فلا، وقال الحنفية لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم أو السبب فيبقى المطلق على إطلاقه. أما إذا كان ثم مقيد في محلين بمتنافيين ولم يكن المطلق في ثالث أولى بالتقييد بأحدهما من حيث القياس كما في قوله تعالى في قضاء رمضان: فعدة من أيام أخر. وفي كفارة الظهار: فصيام شهرين متتابعين. وفي صوم التمتع: فصيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم. فيبقى المطلق على إطلاقه لامتناع تقييده بهما لتنافيهما وبواحد منهما لانتفاء مرجحه، فلا يجب في قضاء رمضان تتابع ولا تفريق، ولو اختلف سببهما وحكمهما كتقييد الشاهد بالعدالة وإطلاق الرقبة في الكفارة لم يحمل المطلق على المقيد اتفاقا.
رد مع اقتباس
  #52  
قديم 13-06-17, 06:20 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس السابع والأربعون- مباحث الكتاب

الظاهر والمؤول


أولا: الظاهر: لفظ يدل على معناه دلالة ظنية، أي راجحة، ويحتمل المعنى المرجوح.
فلفظ أسد راجح في الحيوان المفترس المعروف ومرجوح في الرجل الشجاع. أي إن لم تكن قرينة.
ثانيا: المؤول: لفظ حُمِلَ فيه الظاهر على المعنى المرجوح لدليل.
كحمل الأسد على الرجل الشجاع في قولنا: رأيتُ أسدًا يحمل سيفا، لوجود القرينة.
فالتأويل: حمل الظاهر على المعنى المرجوح.
وهو صحيح إن كان لدليل، وفاسد إن كان لما يُظَنُّ دليلًا مع أنه في الواقع ليس كذلك أي لشبهة.
أما إذا كان حمله على المرجوح لا لدليل ولا لما يظن دليلا فهو لَعِبٌ لا تأويلٌ.
ثالثا: التأويل قسمان:
1- قريب وهو: ما يترجح على الظاهر بأدنى دليل.
كتأويل قوله تعالى: ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا .. ) الآية. فإنها بظاهرها تدل على الأمر بالوضوء حال التلبس بالقيام إلى الصلاة والدخول فيها. لكن الشرط يطلب تحصيله قبل التلبس بالمشروط.لذلك أوّلوا القيام بالعزم عليه.
ونظيره قوله تعالى: ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإنها بظاهرها تدل على أن الأستعاذة بعد الفراغ من القراءة، بينما المراد هو إذا عزمتم على القراءة.
2- بعيد وهو: ما لا يترجح على الظاهر بأدنى دليل بل يترجح عليه بدليل أقوى منه بحيث يقدم عليه. أي يعترف الخصم ببعده لكن ارتكبه لدليل عنده رجّحه.
مثال: ورد في حديث الترمذي وغيره قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أسلم وله عشر نسوة: ( أَمسِكْ أربعًا وفارقْ سائرهن ) فظاهره أن يُبقِي أربعا ويفارق الباقيات، سواء عقد عليهن معًا أم مرتبًا؛ لأن ترك الاستفصال ينزل منزل العموم كما سبق ذكر هذا.
وقال الحنفية: المراد ابتدئ العقد على أربع أي جدد العقد على أربع وذلك في حالة كونه عقد على العشرة معا، فإن كان تزوجهن مرتبا فإن المعنى أمسك الأربع الأوائل وفارق الباقيات.
وهذا تأويل بعيد؛ لأن معنى الإمساك الاستدامة لا الابتداء. ثم يبعد أن يخاطب حديث عهد بالإسلام بأمسك ويراد ابتدئ وهو لا يعرف شروط النكاح مع حاجته إلى ذلك.
مثال آخر: ورد في الكفارة قوله تعالى: ( فإطعام ستين مسكينا ) وظاهره واضح لا يحتاج لتأويل.
وقال الحنفية: المعنى: فإطعامُ طعامِ ستين مسكينا، فأجازوا دفع ستين مدا من الطعام لمسكين واحد. وهذا بعيد؛ لأن فيه اعتبار شيء لم يرد في النص وهو تقدير ( طعام ) وإلغاء ما ورد من عدد المساكين، أي عدد من يعطى.
مثال آخر: ورد في حديث أبي داود والترمذي: ( لاصيامَ لمنْ لمْ يُبيت النيّة من الليل ). فإنه يدل بظاهره على وجوب تبييت نية الصيام مطلقا.
وقال الحنفية: المعنى: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل إذا كان يقضي صياما أو نذر الصيام؛ لأنه يصح أن يصوم في غيرهما بنية في النهار.
وهذا بعيد؛ لأن الصيام نكرة في الحديث ورد بعد نفي فيعم وإذا بنيت النكرة على الفتح كانت نصا في العموم كما هو الحال هنا. نعم ورد نص بجواز النية في النهار لصيام النفل خاصة.
مثال آخر: ورد في حديث أبي داود والترمذي: ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ). فظاهره أن ذكاة الأم هي ذكاة للجنين. أي يكتفى بذكاتها عن ذكاته فيما إذا وجد الجنين ميتا.
وقال الإمام أبو حنيفة: المعنى: ذكاة الجنين كذكاة أمه. أي يجب أن يذكى إذا نزل الجنين حيا، فإن كان ميتا فلا يجوز أكله.
وعند الإمام الشافعي وصاحبي أبي حنيفة الإمام أبي يوسف والإمام محمد بن الحسن الشيباني يجوز أكل الجنين الميت.
ولا يخفى بعده واستغناء النص عن التقدير.

( شرح النص )

الظاهِرُ والمؤولُ

الظاهِرُ: ما دلَّ دلالةً ظنيّةً، والتأويلُ: حملُ الظاهرِ على المحْتَمَلِ المرجوحِ، فإنْ حُمِلَ لدليلٍ فصحيحٌ أَوْ لما يُظَنُّ دليلًا ففاسِدٌ أَو لا لشيءٍ فَلَعِبٌ، والأَوَّلُ قريبٌ وبعيدٌ كتأويلِ أَمْسِكْ بابتدئ في المعيِّةِ، وستيّنَ مسكينًا بستينَ مُدًّا، ولا صيامَ لمنْ لمْ يُبَيِّتْ بالقضاءِ والنَّذرِ، وذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمِّهِ بالتَّشبيهِ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
( الظاهِرُ والمؤولُ ) أي هذا مبحثهما ( الظاهِرُ ) لغة الواضح واصطلاحا ( ما ) أي لفظ ( دلَّ ) على المعنى ( دلالةً ظنيّةً ) أي راجحة بوضع اللغة أو الشرع أو العرف، يحتمل غير ذلك المعنى مرجوحا كما مر أوائل الكتاب الأول كالأسد راجح في الحيوان المفترس لغة مرجوح في الرجل الشجاع، والصلاة راجحة في ذات الركوع والسجود شرعا مرجوحة في الدعاء الموضوعة له لغة، والغائط راجح في الخارج المستقذر عرفا مرجوح في المكان المطمئن الموضوع له لغة، وخرج المجمل لتساوي الدلالة فيه، والمؤول لأنه مرجوح، والنص كزيد لأن دلالته قطعية ( والتأويلُ: حملُ الظاهرِ على المحْتَمَلِ المرجوحِ فإنْ حُمِلَ ) عليه ( لدليلٍ فصحيحٌ ) حمله ( أَوْ لما يُظَنُّ دليلًا ) وليس دليلا في الواقع ( ففاسِدٌ أَوْ لا لشيءٍ فَلَعِبٌ ) لا تأويل
( والأَوَّلُ ) أي التأويل قسمان ( قريبٌ ) يترجح على الظاهر بأدنى دليل نحو: إذا قمتم إلى الصلاة. أي عزمتم على القيام إليها وقوله: إذا قرأت القرآن. أي أردت قراءته ( وبعيدٌ ) لا يترجح على الظاهر إلا بأقوى منه أي بدليل أقوى من الظاهر ( كتأويلِ ) الحنفية ( أَمسِكْ ) من قوله صلى الله عليه وسلّم لغيلان لما أسلم على عشر نسوة: أمسك أربعا وفارق سائرهن. رواه الترمذي وغيره ( بابتدئ ) نكاح أربع منهن ( في المعيِّةِ ) أي فيما إذا نكحهن معا لبطلانه كالمسلم بخلاف نكاحهن مرتبا فيمسك الأربع الأوائل، ووجه بعده أن المخاطب بقوله أمسك قريب عهد بالإسلام لم يسبق له بيان شروط النكاح مع حاجته إلى ذلك، ولم ينقل تجديد نكاح منه ولا من غيره ممن أسلم مع كثرتهم وتوفر دواعي حملة الشرع على نقله لو وقع ( و ) كتأويل الحنفية ( ستيّنَ مسكينًا ) من قوله تعالى: فإطعام ستين مسكينا ( بستينَ مُدًّا ) بتقدير مضاف أي فإطعام طعام ستين مسكينا وهو ستون مدا فيجوز إعطاؤه لمسكين واحد في ستين يوما كما يجوز إعطاؤه لستين مسكينا في يوم واحد، لأن القصد بإعطائه دفع الحاجة ودفع حاجة الواحد في ستين يوما كدفع حاجة الستين في يوم واحد، ووجه بعده أنه اعتبر في النص ما لم يذكر فيه من المضاف وألغى فيه ما ذكر من عدد المساكين الظاهر قصده لفضل الجماعة وبركتهم وتظافر قلوبهم على الدعاء للمحسن ( و ) كتأويل الحنفية خبر أبي داود وغيره ( لا صيامَ لمنْ لمْ يُبَيِّتْ ) أي الصيام من الليل ( بالقضاءِ والنَّذرِ ) لصحة غيرهما بنية من النهار عندهم ووجه بعده أنه قصر للعام النص في العموم -حيث إن صيام نكرة مبنية على الفتح- على أمر نادر لندرة القضاء والنذر ( و ) كتأويل الإمام أبي حنيفة خبر أبي داود والترمذي ( ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمِّهِ بالتَّشبيهِ ) أي مثل ذكاتها أو كذكاتها فالمراد بالجنين الحي لحرمة الميت عنده وأحله صاحباه أبو يوسف والشيباني كالشافعي، ووجه بعده ما فيه من التقدير المستغنى عنه، إذْ أن الجنين خبر لما بعده أي ذكاة أم الجنين ذكاة له فيحل تبعا لها.
رد مع اقتباس
  #53  
قديم 13-06-17, 06:21 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثامن والأربعون- مباحث الكتاب

المجمل


أولا: المجمل هو: ما لم تتضح دلالته من قول أو فعل. أي هو له معنى متردد بين شيئين فأكثر فيحتاج إلى بيان ليرتفع الإجمال، وملاك تحديد أن هذا الأمر مجمل أو لا هو عدم وجود ظهور له في أحد المعنيين، فمتى وجد الظهور فلا إجمال.
مثال المجمل: المشترك كالقرء فإنه محتمل للطهر والحيض، فحمله الإمام الشافعي على الطهر، والإمام أبو حنيفة على الحيض، لما قام عندهما من الدليل الذي رفع الإجمال.
ومثل قيامه صلى الله عليه وسلم من الركعة الثانية بلا تشهد. متفق عليه، فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم تركه متعمدا فيدل على جواز الترك أي أن التشهد ليس واجبا، ويحتمل أنه تركه ناسيا فلا يدل على أنه غير واجب.
ثانيا: الإجمال له أسباب منها:
1- الاشتراك. كالقرء. فكل مشترك مجمل ولكن ليس كل مجمل مشتركا.
2- الإعلال. وذلك كلفظ مختار فإنه متردد بين أن يكون اسم فاعل أو اسم مفعول من الاختيار، فإن أصله مُخْتَيِر بكسر الباء فيكون اسم فاعل، أو مُخْتَيَر بفتح الباء فيكون اسم مفعول، وفي كلا الحالين تنقلب الياء إلى ألف لتحركها وانفتاح ما قبلها. ومثله مقتاد ومعتاد.
3- تركيب اللفظ. كقوله تعالى: ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) فإن الذي بيده عقدة النكاح تركيب مجمل لأن كلا من ولي المرأة والزوج بيده عقدة النكاح.
4- استثناء مجهول. وذلك كما في قوله تعالى: ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) فهذا المستثنى الذي لم يحله الله تعالى مجهول، فبالتالي لا ندري أي بهيمة الأنعام تحل وأيها تستثنى. ثم نزل البيان بقوله تعالى: ( حرمت عليكم الميتة والدم..) الآية.
5- احتمال الحرف لمعان. وذلك كقوله تعالى: ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) فالواو في قوله: ( والراسخون ) متردد بين العطف والابتداء فإن حملناه على العطف كان الراسخون في العلم يعلمون تأويله، وإن حملناه على الابتداء كان المعنى: لايعلم تأويله إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به.
6- مرجع الضمير. وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يمنع أحدكم جارَه أن يغرز خشبة في جدارِه ) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم. فالضمير في جداره متردد بين أن يرجع إلى أحدكم وإن يرجع إلى جاره، فيحتمل أن يكون المعنى: لا يمنع أحدكم جاره أن يستخدم جدار جاره فيضع عليه خشبته، ويحتمل أن يكون المعنى: لا يمنع أحدكم جاره من استخدام جداره هو ووضع خشبته عليه، لأنه ماله وله أن يستعمله كما يشاء.
7- مرجع الصفة. وذلك كقولنا: زيدٌ طبيبٌ ماهرٌ، فإن الصفة وهي ( ماهر ) يحتمل أن ترجع إلى زيد فيكون هو الماهر فتكون خبرا ثانيا لزيد، ويحتمل أن ترجع إلى طبيب، فيكون هو الماهر، أي طبه فهي نعت لطبيب، فهو مجمل بسبب تردده بين المهارة مطلقا وبين المهارة في الطب خاصة.
ثالثا: الأصح أنه لا إجمال فيما يلي:
1- قوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) قال الجمهور لا إجمال فيها؛ إذْ لو كان لكان الإجمال إما في القطع أو في اليد. أما القطع فحقيقته اللغوية إبانة شيء متصل فلا إجمال فيه، وأما اليد فحقيقتها العضو إلى المنكب فلا إجمال فيها.
وقال بعض من الحنفية: هي من المجمل، فإن القطع يطلق على الإبانة وعلى الجرح. واليد تطلق على جميع العضو وعلى البعض إلى الكوع وإلى المرفقين. والجواب إن إطلاق القطع على الجرح مجاز فالظاهر هو المتعين، وإطلاق اليد على بعضها مجاز أيضا لكن قامت القرينة هنا على أن المراد البعض وهو إلى الكوع.
2- قوله تعالى: ( حرمت عليكم أمهاتكم ) وقوله: (حرمت عليكم الميتة ) ونحو ذلك مما فيه تحريم العين، فالجمهور على أنه لا إجمال فيه، إذْ قد علم باستقراء كلام العرب أن مرادهم في مثل ذلك تحريم الفعل المقصود منه كالأكل في المأكولات واللبس في الملبوسات. وقال جماعة: هو مجمل لأنه لما لم يمكن حمل التحريم على الأعيان وهي الأمهات والميتة كان لابد من تقدير مضاف فلا يدرى هل المقصود تحريم أكل الميتة أو تحريم بيعها أو مسّها أو غير ذلك كما أنه في الأم يحتمل نكاحها ويحتمل تملكها وغير ذلك.
وردّ قولهم بأن عرف الاستعمال قاض بإرادة النكاح من تحريم الأمهات والأكل من تحريم الميتة فلا إجمال.
3- قوله تعالى: ( وامسحوا برؤوسكم ) فذهب بعضهم إلى أن المسح مجمل، وذلك لتردده بين مسح جميع الرأس ومسح بعضه على السواء، وردّ بأنه لا تردد فيه لأن المسح في الآية إنما هو لمطلق المسح الصادق بالقليل والكثير.
4- روى ابن ماجه وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) وذكر في كتب الفقه والأصول بلفظ: رُفِع عن أمتي. ولم يثبت. فالحديث لا إجمال فيه. وقال بعضهم: هو مجمل؛ إذْ لا يصح رفع المذكورات مع وقوعها من أفراد الأمة فلا بد من تقدير شيء كرفع المؤاخذة أو العقوبة أو الضمان. ولا مرجح فهو مجمل. والجواب: أن المرجح موجود وهو العرف، فإنه يقتضي أن المراد رفع المؤاخذة.
5- قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا نكاح إلا بوليّ ) رواه أبو داود والترمذي وحسّنه. قيل: إنه مجمل إذْ لا يصح نفي النكاح بدون ولي مع أنه موجود حسا فلا بد من تقدير شيء كنفي الصحة أو نفي الكمال ولا مرجح بدون بيان فهو مجمل. والجواب: تقدير نفي الصحة هو الأقرب إلى نفي الذات من نفي الكمال وذلك كاف في الترجيح.

( شرح النص )


المجملُ: ما لمْ تتَّضِحْ دَلالَتُهُ، فلا إجمالَ في الأصحِّ في آيةِ السَّرِقةِ، ونحوِ: حُرِّمَتْ عليكُمُ الميتَةُ، وامْسَحُوا برؤوسِكم، ورُفِعَ عن أمتي الخطأُ، ولا نكاحَ إلا بوليٍّ، لوضوحِ دَلالةِ الكلِّ، بلْ في مثلِ: القرءِ، والنورِ، والجسمِ، والمختارِ، وقولِه تعالى: أَو يعفوَا الذي بيدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ، وإلا ما يُتلى عليكم، والراسخونَ، وقولِه عليهُ الصلاةُ والسلامُ: لا يمنعُ أحدُكُم جارَه أنْ يضعَ خَشَبَةً في جدارِه، وقولِكَ: زيدٌ طبيبٌ ماهِرٌ، والثلاثةُ زوجٌ وفردٌ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
( المجملُ: ما لمْ تتَّضِحْ دَلالَتُهُ ) من قول أو فعل كقيامه صلى الله عليه وسلّم من الركعة الثانية بلا تشهد لاحتماله العمد والسهو، وخرج المهمل إذ لا دلالة له، والمبيّن لاتضاح دلالته ( فلا إجمالَ في الأصحِّ في آيةِ السَّرِقةِ ) وهي: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. لا في اليد ولا في القطع، وقيل مجملة فيهما؛ لأن اليد تطلق على العضو إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب، والقطع يطلق على الإبانة وعلى الجرح، ولا ظهور لواحد من ذلك، وإبانة الشارع من الكوع مبينة لذلك الإجمال الذي في اليد وفي القطع. قلنا: لا نسلم عدم ظهور واحد، لأن اليد ظاهرة في العضو إلى المنكب، والقطع ظاهر في الإبانة، وإبانة الشارع من الكوع دليل على أن المراد من اليد البعض فتكون الآية من قبيل الظاهر والمؤول لا من قبيل المجمل والمبين ( و ) لا في نحو: ( حُرِّمَتْ عليكُمُ الميتَةُ ) كحرمت عليكم أمهاتكم، وقيل مجمل. إذ لا يصح إسناد التحريم إلى العين لأنه إنما يتعلق بالفعل فلا بد من تقديره، وهو محتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها فكان مجملًا. قلنا: المرجح موجود وهو العرف فإنه قاض، بأن المراد في الأول تحريم الأكل ونحوه، وفي الثاني تحريم التمتع بوطء ونحوه ( و ) لا في قوله تعالى: ( امْسَحُوا برؤوسِكم ) وقيل: مجمل لتردده بين مسح الكل والبعض، ومسح الشارع الناصية مبين لذلك. قلنا: لا نسلم تردده بين ذلك، وإنما هو لمطلق المسح الصادق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم وبغيره، ومسح الشارع الناصية من ذلك ( و ) لا في خبر- على تقدير ثبوته بهذا اللفظ-: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وقيل: مجمل، إذ لا يصح رفعها مع وجودها حسا فلا بد من تقدير شيء وهو متردد بين أمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها فكان مجملا. قلنا: المرجح موجود وهو العرف فإنه قاض بأن المراد منه رفع المؤاخذة ( و ) لا في خبر الترمذي وغيره: لا نكاح إلا بولي. وقيل: مجمل، إذ لا يصح النفي لنكاح بلا ولي مع وجوده حسا فلا بد من تقدير شيء وهو متردد بين الصحة والكمال ولا مرجح لواحد منهما، فكان مجملا. قلنا: المنفي هو النكاح الشرعي أي عقد النكاح لا وجود صورته، وبتقدير تسليم ذلك- أي من عدم صحة نفي النكاح بلا ولي في الواقع- نقول: إن المرجح لنفي الصحة موجود وهو قربه من نفي الذات إذ ما انتفت صحته لا يعتد به، فيكون كالمعدوم بخلاف ما انتفى كماله ( لوضوحِ دَلالةِ الكلِّ ) كما مرّ بيانه فلا إجمال في شيء منه ( بلْ ) الإجمال ( في مثلِ القرءِ ) لتردده بين الطهر والحيض لاشتراكه بينهما، وحمله الشافعي على الطهر، والحنفي على الحيض لما قام عندهما من دليل ( و ) مثل ( النورِ ) لأنه صالح للعقل ونور الشمس مثلًا لتشابههما في الاهتداء بكل منهما. وفيه أن إطلاق النور على نور الشمس حقيقي وعلى نور العقل مجازي فلا إجمال فيه ( و ) مثل ( الجسمِ ) لأنه صالح للسماء والأرض مثلا لتماثلهما سعة وعددا. وفيه أن الجسم من المتواطئ وهو الكلي الذي ينطبق على مصاديقه بالتساوي كالإنسان يطلق على زيد وعمرو بالتساوي فحينئذ لا إجمال فيه ( و ) مثل ( المختارِ ) كمنقادٍ لتردده بين اسم الفاعل والمفعول بإعلاله بقلب يائه المكسورة أو المفتوحة ألفا ( و ) مثل ( قولِه تعالى: أَو يعفوَا الذي بيدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ ) لتردده بين الزوج والولي وحمله الشافعي على الزوج ومالك على الولي لما قام عندهما من دليل ( و ) مثل قوله تعالى: أحلت لكم بهيمة الأنعام ( إلا ما يتلى عليكم ) للجهل بمعناه قبل نزول مبينه وهو حرمت عليكم الميتة.. الآية ويسري الإجمال إلى المستثنى منه وهو :أحلت لكم بهيمة الأنعام. لأننا لا ندري أي بهيمة الأنعام قد أحلت وأيها قد استثنيت ( و ) مثل قوله تعالى ( الراسخونَ ) من قوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به. لتردده بين العطف والابتداء وحمله الجمهور على الابتداء لما قام عندهم من دليل ( و ) مثل ( قوله عليه الصلاة والسلام ) في خبر الصحيحين وغيرهما ( لا يمنعُ أحدُكُم جارَه أنْ يضعَ خَشَبَةً في جدارِه ) لتردد ضمير جداره بين عوده إلى الجار أو إلى الأحد. وتردد الشافعي في القديم في المنع لذلك، والمذهب الجديد المنع من وضع الخشبة بدون إذن جاره لخبر الحاكم بإسناد صحيح في خطبة حجة الوداع: لا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ( و ) مثل ( قولِكَ: زيدٌ طبيبٌ ماهِرٌ ) لتردد ماهر بين رجوعه إلى طبيب وإلى زيد ( و ) مثل قولك ( الثلاثةُ زوجٌ وفردٌ ) فالحكم بالزوجية والفردية معا يراد به اتصاف أجزاء الثلاثة بهما فالاثنان زوج والواحد فرد فيكون الكلام صادقا، ويراد به- بالنظر لظاهر الكلام ومفهومه بغض النظر عن الواقع- أن الثلاثة تتصف بالزوجية والفردية معا فيكون الكلام كاذبا فللتردد بالنظر إلى مفهوم الكلام عدّ مجملا، وقد يقال: إن كذب الاحتمال الثاني قرينة ظاهرة على تعين حمل الكلام على الاحتمال الأول فلا إجمال.
رد مع اقتباس
  #54  
قديم 13-06-17, 06:21 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس التاسع والأربعون- مباحث الكتاب

مسائل في المجمل


أولا: الأصح وقوع المجمل في الكتاب والسنة وقد تقدمت أمثلة لذلك.
وقيل: لم يقع وناقشوا تلك الأمثلة فقيل: لا إجمال في قوله تعالى: ( يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) فإنه الزوج لأنه المالك للنكاح، وفي قوله تعالى: ( إلا ما يتلى عليكم ) إنه مقترن بتفسيره وهو ( حرمت عليكم الميتة.. ) الآية، وفي قوله تعالى: ( الراسخون في العلم ) إنه ظاهر في الاستئناف. وفي حديث: ( خشبة في جداره ) إنه ظاهر في عود الضمير إلى أحدكم لأنه المنهي عن المنع.
ثانيا: اللفظ الوارد في لسان إذا كان له مسمى شرعي ومسمى لغوي كالصلاة والصوم يحمل على الشرعي، فلا إجمال في ذلك؛ لأن الوارد في لسان الشرع إنما هو لبيان الشرعيات لا اللغويات. كما مر بيانه في مبحث الحقيقة والمجاز.
فإن ورد لفظ في لسان الشرع وتعذر حمله على المعنى الشرعي حقيقة فإنه يحمل على المجاز الشرعي بإيجاد علاقة بينه وبين المعنى الشرعي محافظة على المعنى الشرعي ما أمكن. وقيل: يكون مجملا لتردده بين الحقيقة اللغوية والمجاز الشرعي. وقيل: بل يحمل على المعنى اللغوي تقديما للحقيقة على المجاز.
مثاله: حديث الترمذي وغيره: ( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحلّ فيه الكلام ) فحمل الصلاة على الصلاة الحقيقية متعذر. فعلى القول الأول وهو الحمل على المجاز الشرعي يقال: الطواف كالصلاة أي في الطهارة والنية مثلا.
وعلى القول الثاني مجمل يحتاج إلى بيان من خارج.
وعلى القول الثالث يحمل على معنى الصلاة اللغوي وهو الدعاء؛ لاشتمال الطواف على الدعاء وإن كان غير واجب.
ثالثا: إذا ورد لفظ عن الشارع له معنيان إن حُمِلَ على أحدهما أفاد معنى واحدا، وإن حمل على الآخر أفاد معنيين ليس المعنى الأول أحدهما فإنه يكون مجملا. وقيل: يحمل على ما له معنيان لكثرة الفائدة.
مثاله: حديث مسلم: ( لا يَنْكِحُ المحرِمُ ولا يُنْكِحُ ) فالنكاح - بناء على أنه مشترك- له معنيان: الوطء والعقد، فإن حمل على الوطء أفاد في الحديث معنى واحدا وهو حرمة الجماع أي أن الرجل المحرم لا يطأ وأن المرأة المحرمة لا توطئ أي لا تمكن نفسها، وإن حمل على العقد أفاد معنيين وهما أن المحرم لا يعقد لنفسه ولا يعقد لغيره، فهنا يكون الحديث مجملا يحتاج لبيان لاحتماله الوطء والعقد. وقيل: يحمل على معنى العقد لأن له مدلولين فيكون أكثر فائدة.
فإذا كان المعنى الأول أحد المعنيين عمل بالأول لأنه مذكور في كلا الحالتين، ويوقف الثاني.
مثاله: حديث مسلم: ( الثيّب أحق بنفسها من وليّها ) فالأحقية صادقة بأمرين: الأول أن تعقد لنفسها لا غير، والثاني متضمن لمعنيين: أن تعقد لنفسها كالأول، وأن تأذن لمن يعقد لها ولا يجبرها. فيحمل على أن تعقد لنفسها لأنه مذكور في الحالتين كما قال به الإمام أبو حنيفة وكذا بعض أصحابنا في مكان لا ولي فيه ولا حاكم. وتبقى صورة أن تأذن لغيرها موقوفة.

( شرح النص )


والأصحُّ وقوعُهُ في الكتابِ والسّنةِ، وأَنَّ المسمّى الشرعيَّ أوضحُ من اللغويِّ وقدْ مرَّ، وأَنَّهُ إِنْ تعذَّرَ حقيقةً رُدَّ إليهِ بتجوُّزٍ، وأَنَّ اللفظَ المستعملَ لمعنىً تارةً ولمعنيينِ ليسَ ذلكَ المعنى أحدَهما مجملٌ، فإنْ كانَ أحدَهما عُمِلَ به ووُقِفَ الآخرُ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
( والأصحُّ وقوعُهُ ) أي المجمل ( في الكتابِ والسّنةِ ) للأمثلة السابقة منهما، ومنعه داود الظاهري، قيل: ويمكن أن ينفصل عنها بأن الأول ظاهر في الزوج لأنه المالك للنكاح. والثاني مقترن بمفسره، والثالث ظاهر في الابتداء، والرابع ظاهر في عوده إلى الأحد لأنه محط الكلام ( و ) الأصح ( أَنَّ المسمّى الشرعيَّ ) للفظ ( أوضحُ من ) المسمى ( اللغويِّ ) له في عرف الشرع لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرعيات لا اللغويات، فيحمل على الشرعي، وقيل لا يحمل على الشرعي في النهي فقيل: هو مجمل، وقيل: يحمل على اللغوي ( وقد مرَّ ) ذلك في مسألة اللفظ إما حقيقة أو مجاز، وإنما ذكر هنا توطئة لقولي ( و ) الأصح ( أَنَّهُ إِنْ تعذَّرَ ) أي المسمى الشرعي لِلَفظ ( حقيقةً رُدَّ إليهِ بتجوُّزٍ ) محافظة على الشرع ما أمكن، وقيل: هو مجمل لتردده بين المجاز الشرعي والمسمى اللغوي، وقيل: يحمل على اللغوي تقديما للحقيقة على المجاز، مثاله خبر الترمذي وغيره: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام. تعذر فيه مسمى الصلاة شرعا فيرد إليه بتجوّز بأن يقال: الطواف كالصلاة في اعتبار الطهر والنية ونحوهما كستر العورة، وقيل: يحمل على المسمى اللغوي وهو الدعاء بخير لاشتمال الطواف عليه فلا يعتبر فيه ما ذكر من الطهر والنية وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وقيل: مجمل لتردّده بين الأمرين ( و ) الأصح ( أَنَّ اللفظَ المستعملَ لمعنىً تارةً ولمعنيينِ ليسَ ذلكَ المعنى أحدَهما ) تارة أخرى ( مجملٌ ) لتردده بين المعنى والمعنيين، وقيل يترجح المعنيان لأنه أكثر فائدة ( فإنْ كانَ ) ذلك المعنى ( أحدَهما عُمِلَ به ) جزما لوجوده في الاستعمالين ( ووُقِفَ الآخرُ ) للتردد فيه، وقيل يعمل به أيضا لأنه أكثر فائدة مثال الأول خبر مسلم: لا يَنكح المحرم ولا يُنكح. بناء على أن النكاح مشترك بين العقد والوطء، فإنه إن حمل على الوطء استفيد منه معنى واحد، وهو أن المحرم لا يطء ولا يوطىء أي لا يمكن غيره من وطئه، أو على العقد استفيد منه معنيان بينهما قدر مشترك، وهما أن المحرم لا يعقد لنفسه ولا يعقد لغيره، ومثال الثاني خبر مسلم: الثيب أحق بنفسها من وليها. أي بأن تعقد لنفسها وهذا المعنى الواحد، أو بأن تعقد لنفسها أو تأذن لوليها فيعقد لها ولا يجبرها وهذا المعنيان، وقد قال تعقد لنفسها أبو حنيفة، وكذا بعض أصحابنا، لكن إذا كان في مكان لا وليّ فيه ولا حاكم وليس مطلقا.
رد مع اقتباس
  #55  
قديم 13-06-17, 06:22 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الخمسون- مباحث الكتاب

البيان


أولا: البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي. والمراد بالحيّز الصفة أي إخراجه من صفة الإشكال إلى صفة الإيضاح. فما كان ظاهرا بنفسه من غير سبق إشكال كقوله تعالى: ( ولا تقربوا الزنى ) لايسمى إصطلاحا بيانا.
مثاله: قوله تعالى: ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ) في بيان قوله تعالى: ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) والنص الأول يسمى مبيِّنا بالكسر، والثاني مبيَّنا بالفتح وهو المجمل الذي وقع فيه الإشكال.
ثانيا: يجب بيان المجمل لمن يحتاجه.كمن يحتاجه للعمل كمن أمر بالصلاة يجب أن يبين له كيف يصلي، أو من يحتاجه للفتيا كرجل يفتي النساء في مسائل الحيض. أما مَن لا يحتاجه فلا يجب له البيان كبيان الحروف المقطعة أوائل السور. وقد تقدّم ما له علاقة بذلك.
ثالثا: البيان قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل. فمثال القول كما في المثال السابق حرمت عليكم الميتة.. الآية.
ومثال الفعل: بيانه صلى الله عليه وسلم الصلاة بفعله إذْ صلى وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري.
رابعا: الأصح أن مظنون الورود كبعض خبر الآحاد يبين قطعي الورود كالقرآن والسنة المتواترة.
كبيان قوله تعالى: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) بقوله صلى الله عليه وسلم: ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) متفق عليه.
خامسا: إذا ورد نص مجمل وورد بعده قول وفعل كلاهما يصلح أن يكون بيانا للمجمل فهنا حالان:
1- أن يتفق القول والفعل في الدلالة بلا زيادة من أحدهما أو نقصان فالمتقدم منهما هو المبيّن ويكون الثاني توكيدا له.
كما لو قلنا إن في آية السرقة إجمالا- على القول الثاني- فيحتمل القطع من الكوع أو من المرفق أو من المنكب، فإذا فرضنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن القطع من الكوع، وقطع يد المخزومية التي سرقت من الكوع. رواه مسلم. فهنا السابق منهما ورودا قولا كان أو فعلا يكون هو المبيّن ويكون الثاني توكيدا له.
2- أن لا يتفق القول والفعل في الدلالة بأن يزيد أحدهما على الآخر أو ينقص عنه فحينئذ يكون القول هو المبيّن ويكون الفعل خاصا به صلى الله عليه وسلم.
مثل أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نزول قوله تعالى: ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) مَن يقرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافا واحدا وليسع لهما سعيا واحدا، ثم يقرن الحج إلى العمرة ويطوف طوافين ويسعى سعيين. فالقول هو المبين سواء تقدم أم تأخر، ويكون طوافه صلى الله عليه وسلم وسعيه اثنين خاصا به ويكون مأمورا به وجوبا أو ندبا شدد عليه دون غيره.
فإذا فرضنا العكس وهو أنه صلى الله عليه وسلم أمر بطوافين وسعيين للحج والعمرة، ثم قرن وطاف طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا فالقول أيضا هو المبين ويكون فعله خاصا به صلى الله عليه وسلم خفف عليه دون غيره.

( شرح النص )

البيانُ: إخراجُ الشيء من حَيِّزِ الإشكالِ إلى حيِّز التجلي، وإنما يجبُ لِمَنْ أُريدَ فهمُهُ، والأَصحُّ أَنَّهُ يكونُ بالفعلِ.
والمظنونَ يبيِّنُ المعلومَ، والمتَقَدِّمَ من القولِ والفعلِ هو البيانُ هذا إِنْ اتفقا، وإلا فالقولُ، وفِعْلُهُ مندوبٌ أَو واجِبٌ أَو تخفيفٌ.
.......................... ......................... ...........
( البيانُ ) بمعنى التبيين لغة الإظهار أو الفصل واصطلاحا ( إخراجُ الشيء من حَيِّزِ الإشكالِ إلى حيِّز التجلي ) أي الإيضاح فالإتيان بالظاهر من غير سبق اشكال لا يسمى بيانا اصطلاحا ( وإنما يجبُ ) البيان ( لِمَنْ أُريدَ فهمُهُ ) أي أريد منه أن يفهم المشكل لحاجته اليه بأن يعمل به أو يفتي به بخلاف غيره ممن لا يحتاجه لعمل أو فتيا فلا يجب ( والأَصحُّ أَنَّهُ ) أي البيان قد ( يكونُ بالفعلِ ) كالقول بل أولى، لأنه أدل بيانا لمشاهدته كبيان الصلاة بفعلها أمامهم، وقيل: لا يكون بالفعل لطول زمنه فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله بالقول وذلك ممتنع. قلنا لا نسلم امتناعه. والبيان بالقول كقوله تعالى: صفراء فاقع لونها. بيان لقوله: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، وبالفعل كخبر البخاري: صلوا كما رأيتموني أصلي. ففعله بيان لقوله تعالى: أقيموا الصلاة. وقوله: صلوا كما.. الخ. ليس بيانا، وإنما دل على أن الفعل بيان، ومن الفعل التقرير والإشارة والكتابة ( و ) الأصح أن ( المظنونَ) وهو خبر الآحاد ( يبيِّنُ المعلومَ ) وهو الكتاب والسنة المتواترة. وقيل: لا لأنه دونه فكيف يبينه. قلنا لوضوحه ( و ) الأصح أن ( المتَقَدِّمَ من القولِ والفعلِ هو البيانُ ) أي المبيّن والآخر تأكيد له ( هذا إِنْ اتفقا ) أي القول والفعل في البيان كأن طاف صلى الله عليه وسلّم بعد نزول آية الحج المشتملة على الطواف وهي قوله تعالى: وأذن في الناس بالحج إلى قوله وليطوفوا بالبيت العتيق. طوافا واحدا وأمر بطواف واحد ( وإلا ) بأن زاد الفعل على مقتضى القول، كأن طاف صلى الله عليه وسلّم بعد نزول آية الحج طوافين، وأمر بواحد، أو بأن نقص الفعل عن مقتضى القول كأن طاف واحدا وأمر باثنين ( فالقولُ ) أي فالبيان هو القول ( وفِعْلُهُ مندوبٌ أَو واجِبٌ ) في حقه صلى الله عليه وسلم دون أمته ( أَو تخفيفٌ ) في حقه إن نقص عنه سواء أكان القول متقدما على الفعل أو متأخرا عنه جمعا بين الدليلين، وقيل: البيان هو المتقدم منهما كما لو اتفقا، فإن كان المتقدم القول فحكم الفعل ما مر وهو أنه يكون واجبا أو مندوبا في حقه صلى الله عليه وسلم، وإن كان المتقدم الفعل فالقول ناسخ للزائد منه وطالب لما زاده عليه. قلنا: عدم النسخ أولى.
رد مع اقتباس
  #56  
قديم 13-06-17, 06:23 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الحادي والخمسون- مباحث الكتاب

تأخير البيان


أولا: البيان يكون لمجمل لم يتضح معناه، ولظاهر لم يرد ظاهره.
فالأول: كمشترك يبين أحد معانييه، والثاني: كعام يبين تخصيصه، ومطلق يبين تقييده، ودال على حكم يبين نسخه.
ثانيا: تأخير البيان لمجمل أو لظاهر غير مراد ظاهره عن وقت العمل غير واقع في الشريعة؛ فلا يوجد في الشريعة خطاب كلفنا بالعمل به إلا وقد بيّن.
وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب فواقع في الأصح.
وصورة المسألة: أن يرد خطاب مجمل ولا يرد معه البيان لعدم الحاجة إليه حينذاك إذْ أَن وقت العمل به لم يحن بعد، ثم يرد بعد ذلك بيانه متراخيا عنه.
كما في إيجاب الله سبحانه الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج ولم يبين أوقاتها، ثم نزل جبريل عليه السلام فبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات. متفق عليه.
ثالثا: وقع خلاف في جواز- لا في وقوع- تأخير البيان عن وقت الحاجة فقد أجازه قوم بناء على جواز التكليف بالمحال ابتلاء من الله تعالى، ومنعه قوم لأنه لا فائدة منه، وقد تقدم ما له صلة بالموضوع.
رابعا: يجوز للرسول تأخير تبليغ ما أوحي إليه إلى وقت العمل فلا يبلغ حتى يحين وقت التكليف لأن وجوب المعرفة للعمل ولا حاجة إليه قبل العمل.
وقال قوم: لا يجوز ذلك لأن الله تعالى يقول: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) أي على الفور بناء على أن الأمر للفور.
خامسا: يجوز أن لا يعلم المكلف الموجود وقت الخطاب بوجود المخصص فيعلم بالنص العام ولا يعلم بالمخصِّص.
كما وقع للسيدة فاطمة رضي الله عنها فقد جاءت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها مما تركه أبوها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعموم قوله تعالى: ( يوصيكم الله في أولادكم .. ) الآية. فاحتجّ أبو بكر بقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا نورث ما تركناه صدقة ) متفق عليه.
فالبيان هنا لم يتأخر وإنما تأخر علم المكلف به.

( شرح النص )


مسألةٌ: تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الفعلِ غيرُ واقِعٍ وإنْ جازَ، وإلى وقتِهِ واقِعٌ في الأصحِّ سواءٌ أكانَ للمبيَّنِ ظاهِرٌ أم لا.
وللرسولِ تأخيرُ التبليغِ إلى الوقتِ، ويجوزُ أنْ لايعلمَ المكلفُ الموجودُ بالمخصِّصِ ولا بأنَّهُ مخصِّصٌ ولو على المنعِ.
......................... ......................... ......................... .........................

هذه ( مسألةٌ ) في تأخير البيان ( تأخيرُ البيانِ ) لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره ( عنْ وقتِ الفعلِ غيرُ واقِعٍ وإنْ جازَ ) وقوعه عند جمهور الأشاعرة ومنعه غيرهم ( و ) تأخيره عن وقت الخطاب ( إلى وقتِهِ ) أى وقت الفعل أي إلى الزمن الذي جعله الشارع وقتا لبدء الفعل جائز و ( واقِعٌ في الأصحِّ سواءٌ أكانَ للمبيَّنِ ظاهِرٌ ) وهو غير المجمل كعام يبين تخصيصه ومطلق يبين مقيده ودال على حكم يبين نسخه ( أمْ لا ) وهو المجمل كالمشترك يبين أحد معنييه مثلا، وقيل يمتنع تأخير البيان ولو إلى وقت الفعل لإخلاله بفهم المراد من النص وقت الخطاب لأنه في المجمل لا يتضح المراد منه وفي الظاهر يتبادر منه غير المقصود ( و ) يجوز ( للرسولِ ) صلى الله عليه وسلم ( تأخيرُ التبليغِ ) لما أوحى اليه من قرآن أو غيره ( إلى الوقتِ ) أى وقت العمل ولو على القول بامتناع تأخير البيان عن وقت الخطاب لانتفاء المحذور السابق عنه وهو إخلاله بفهم المراد من النص وقت الخطاب لأنه لم يبلغه بعد، ولأن وجوب معرفته إنما هو للعمل ولاحاجة له قبل العمل، وقيل: لا يجوز عل القول بامتناع تأخير البيان مطلقا لقوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك. أى فورا ( ويجوزُ أنْ لايعلمَ ) المكلف أي بعض المكلفين ( الموجودُ ) وقت الخطاب (بالمخصِّصِ ولا بأنَّهُ مخصِّصٌ ) أى يجوز أن لايعلم بوجود ذات المخصص، أو يعلم المخصص لكن لابوصف أنه مخصص مع علمه بذاته كأن يكون المخصص للنص هو العقل، فالدليل العقلي حاصل في الفطرة وإنما التقصير من جهة السامع لم يتنبّه له ( ولو على المنعِ ) أى يجوز ذلك ولو على القول بامتناع تأخير البيان، وقيل: لايجوز على القول بذلك بالنسبة للمخصص السمعي- من كتاب وسنة- لما فيه من تأخير إعلامه بالبيان. قلنا: المحذور إنما هو تأخير البيان وهو منتف هنا، وعدم علم المكلف بالمخصص بأن لم يبحث عنه تقصير منه فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ كل أحدٍّ بعينه بل بلغ البعض وقال: ليبلغ الشاهدُ الغائبَ. متفق عليه. أما العقل فاتفقوا على جواز أن يسمع الله المكلفَ العامَ من غير أن يعلمه بذات العقل بأنه ثمة مايخصصه وكولا إلى نظره، وقد وقع أن بعض الصحابة لم يسمع المخصص السمعي إلا بعد حين منهم السيدة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم طلبت ميراثها مما تركه أبوها لعموم قوله تعالى: يوصيكم الله فى أولادكم. فاحتج عليها أبو بكر رضي الله عنه بما رواه لها من خبر الصحيحين: لانورث ما تركناه صدقة. وبما تقرر علم أن قوله: ولو على المنع راجع الى المسألتين: أي مسألة جواز تأخير تبليغ الوحي إلى وقت العمل، ومسألة عدم علم المكلف بالمخصص.
رد مع اقتباس
  #57  
قديم 17-06-17, 10:02 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثاني والخمسون- مباحث الكتاب

النسخ


أولا: النسخ: رفع حكم شرعي بدليل شرعي. كنسخ التوجه بالصلاة إلى بيت المقدس بقوله تعالى: ( فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ).
فقولنا: رفع أي أن خطاب الله تعلق بالفعل بحيث لولا طريان الناسخ لكان الحكم باقيا مستمرا لكن الناسخ رفعه أي قطع تعلقه بالفعل.
وقولنا: حكم شرعي خرج به الحكم العقلي كالبراءة الأصلية الثابتة بالعقل قبل إيجاب الأحكام بالشرع فإن رفعها بتشريع العبادة لا يعتبر نسخا لأنها لم تثبت بحكم شرعي وذلك كوجوب الزكاة فإنه رفع إباحة منعها الثابتة بالعقل قبل الشرع.
وقولنا: بدليل شرعي يخرج به رفع الحكم عن الميت والمجنون والنائم بالموت والجنون والنوم فلا يسمى ذلك الرفع نسخا.
ثانيا: يجوز نسخ بعض آيات القرآن إما تلاوة وحكما، أو تلاوة فقط، أو حكما فقط.
مثال نسخ التلاوة والحكم معا: ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها: كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرّمن فنسخن بخمس معلومات.
ومثال نسخ التلاوة فقط: ما رواه الشافعي وغيره عن عمر رضي الله عنه: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. فإنا قد قرأناها. والمقصود بالشيخ والشيخة المحصنان.
ومثال نسخ الحكم فقط: قوله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ) فقد نسخ بقوله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ).
ثالثا: يجوز نسخ الفعل قبل التمكن منه. بأن يطلب شيء من المكلف ثم قبل دخول وقت الفعل أو بعد دخوله وقبل مضي مقدار من الزمن يتسع لفعله ينسخ الطلب.
ومثاله أمر الله سبحانه لإبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل ثم قبل أن يتمكن من الفعل نسخ وفدي بذبح عظيم.
رابعا: القرآن والسنة ينسخ بعضهما البعض.
فيجوز نسخ القرآن بالقرآن كما مر التمثيل بآيتي عدة الوفاة.
ويجوز نسخ السنة بالقرآن كما مر التمثيل بنسخ التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة بالقرآن.
ويجوز نسخ القرآن بالسنة متواترة وآحادا كنسخ الخبر الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره: لا وصيّة لوارث.لآية: ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إنْ ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين ).
ويجوز نسخ السنة بالسنة المتواترة بمثلها وبالآحاد، والآحاد بمثلها وبالمتواترة ومن ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور ثم قوله بعد ذلك: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها. رواه مسلم.
وحيث وقع نسخ للقرآن بالسنة فمع السنة قرآن عاضد لها يبين توافقهما كنسخ الوصية للوارث عضدها من القرآن آية المواريث يوصيكم الله في أولادكم... الآية.
وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمع القرآن سنة أيضا كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بقوله تعالى: فول وجهك.. الآية معها من السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم واستقباله للكعبة الثابت بالتواتر.

( شرح النص )


النسخُ: رفعُ حكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ، ويجوزُ في الأَصحِّ نسخُ بعضِ القرآنِ، والفعلِ قبلَ التَّمَكُّنِ، ونسخُ السُّنَّةِ بالقرآنِ كهوَ بهِ، ونسخُهُ بها، ولم يقعْ إلا بالمتواترةِ في الأصحِّ، وحيثُ وقعَ بالسنة فمعها قرآنٌ عاضِدٌ لها، أَو بالقرآنِ فمعَهُ سُنَّةٌ.
......................... ......................... ......................... ......................... ..
النسخ لغة: الإزالة كنسخت الشمس الظلّ أي أزالته، والنقل مع بقاء الأول كنسخت الكتاب أي نقلته، واصطلاحا ( رفعُ ) تعلق ( حكمٍ شرعيٍّ ) بفعل ( بدليلٍ شرعيٍّ ) والقول بأن النسخ: بيان لانتهاء أمد حكم شرعي. يرجع إلى ذلك فلا خلاف في المعنى. قال العلامة البرماوي: فإن قلتَ: سيأتي أن من أقسام النسخ ما ينسخ لفظه دون حكمه ولا رفع فيه لحكم. قلت: رفع اللفظ يتضمن رفع أحكام كثيرة كتعبد بتلاوته وإجراء حكم القرآن عليه من منع الجنب ونحوه من قراءته، ومسّ المحدث وحمله له وغير ذلك. وخرج بالشرعي أي المأخوذ من الشرع رفع البراءة الأصلية أي المأخوذة من العقل، وبدليل شرعي رفع الحكم كالصلاة بالموت والجنون والنوم فإن رفعها لعارض من العوارض وليس بدليل شرعي ( ويجوزُ في الأَصحِّ نسخُ بعضِ القرآنِ ) تلاوة وحكما، أو أحدهما دون الآخر والثلاثة واقعة. روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات. فهذا منسوخ التلاوة والحكم. وروى الشافعي وغيره عن عمر رضي الله عنه: لولا أن تقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة- أي المحصنان-إذا زنيا فارجموهما ألبتة. فإنا قد قرأناها. فهذا منسوخ التلاوة دون الحكم لأمره صلى الله عليه وسلّم برجم المحصن رواه الشيخان. وعكسه وهو نسخ الحكم دون التلاوة هو الكثير كقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول. نسخ بقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا. لتأخره في النزول عن الأول وإن تقدمه في التلاوة، وقيل: لا يجوز نسخ بعضه كما لا يجوز نسخ كله، وقيل: لا يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه وهو نسخ الحكم دون التلاوة ( و ) يجوز في الأصح نسخ ( الفعلِ قبلَ التَّمَكُّنِ ) منه بأن لم يدخل وقته أو دخل ولم يمض منه ما يسعه، وقيل لايجوز لعدم استقرار التكليف، قلنا: يكفي للنسخ وجود أصل التكليف فينقطع بنسخه، وقد وقع ذلك في قصة الذبيح فإن الخليل أمر بذبح ابنه عليهما الصلاة والسلام لقوله تعالى حكاية عنه:يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك..الآية ثم نسخ ذبحه قبل التمكن منه بقوله: وفديناه بذبح عظيم ( و ) يجوز في الأصح ( نسخُ السُّنَّةِ بالقرآنِ ) كنسخ تحريم مباشرة الصائم أهله ليلا الثابت بالسنة بقوله تعالى:أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم. وقيل لا يجوز نسخ السنة بالقرآن لقوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم. جعله مبينا للقرآن فلا يكون القرآن مبينا لسنته. قلنا لا مانع لأنهما من عند الله قال تعالى: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ويدل للجواز قوله تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء (كهو ) أي كما يجوز نسخ القرآن ( بهِ ) أي بالقرآن جزما كما مرّ التمثيل له بايتي عدّة الوفاة ( و ) يجوز في الأصح ( نسخُهُ ) أي القرآن ( بها ) أي بالسنة متواترة أو آحادا قال تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم. وقيل: لا يجوز لقوله تعالى: قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي. والنسخ بالسنة تبديل من تلقاء نفسه، قلنا: ممنوع قال تعالى: وما ينطق عن الهوى. وقيل: لا يجوز نسخ القرآن بالآحاد لأن القرآن مقطوع والآحاد مظنون. قلنا: محل النسخ الحكم ودلالة للقرآن عليه ظنية ( و ) لكن نسخ القرآن بالسنة ( لم يقعْ إلا بالمتواترةِ في الأصحِّ ) فمع تجويزنا النسخ بالآحاد إلا أنه لم يقع مثال صحيح لذلك. وقيل وقع بالآحاد كنسخ خبر الترمذي وغيره: لا وصية لوارث. لآية: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية. قلنا: لا نسلم عدم تواتر ذلك ونحوه للمجتهدين الحاكمين بالنسخ لقربهم من زمن الوحي. ويجوز نسخ السنة المتواترة بمثلها والآحاد بمثلها وبالمتواترة، وكذا المتواترة بالآحاد على الأصح كما مرّ من نسخ القرآن بالآحاد ( وحيثُ وقعَ ) نسخ القرآن ( بالسنة فمعها قرآنٌ عاضِدٌ لها ) على النسخ يبين توافقهما لتقوم الحجة على الناس بهما معا، ولئلا يتوهم انفراد أحدهما عن الآخر، إذ كل منهما من عند الله ( أو ) وقع نسخ السنة ( بالقرآنِ فمعَهُ سُنَّةٌ ) عاضدة له تبين توافقهما لما مرّ، كما في نسخ التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس الثابت بفعله صلى الله عليه وسلّم بقوله تعالى: فولّ وجهك شطر المسجد الحرام. وقد فعله صلى الله عليه وسلّم ونقل عنه بالتواتر.
رد مع اقتباس
  #58  
قديم 17-06-17, 10:03 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثالث والخمسون- مباحث الكتاب

مسائل في النسخ


أولا: يجوز في الأصح نسخ القياس الموجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بنص أو قياس أجلى من القياس الأول.
مثال الأول: ما لو ورد نص بتحريم بيع الذرة متفاضلا، فيقاس عليها الأرز بجامع الطعم في كلّ، ثم يرد نص بجواز بيع الذرة متفاضلا، فهذا من قبيل نسخ القياس بالنص.
ومثال الثاني: ما لو ورد نص بتحريم بيع الذرة متفاضلا، فيقاس عليها الأرز بجامع الطعم في كلّ، ثم يرد نص بجواز بيع البر متفاضلا، فيقاس عليه جواز بيع الأرز متفاضلا ورأينا أن العلة الجامعة بين البر والأرز أقوى منها بين الذرة والأرز، فيكون قياس الأرز على البر ناسخا للقياس الأول. ولا يخفى أن هذه الأمثلة مبنية على فرض صحتها لإيضاح القاعدة.
ثانيا: ويجوز نسخ مفهوم الموافقة دون نسخ منطوقه إن تعرض النص لبقاء المنطوق، ويجوز العكس وهو نسخ المنطوق دون المفهوم إن تعرض النص لبقاء المفهوم.
مثال الأول: كأن يقال: لا تشتم زيدًا فهذا منطوق يفهم منه حرمة ضربه، فإذا قيل بعد ذلك: لا تشتم زيدًا ولكن اضربه، فهنا نسخ مفهوم الموافقة مع التعرض لبقاء أصله المنطوق.
ومثال الثاني: كأن يقال: لا تشتم زيدًا فهذا منطوق يفهم منه حرمة ضربه، فإذا قيل بعد ذلك: اشتم زيدًا لكن لا تضربه.
فهنا نسخ المنطوق مع التعرض لبقاء المفهوم.
ثالثا: يجوز نسخ النص بمفهوم الموافقة.
كأن يقال: اضرب زيدًا، ثم يقال بعد ذلك: لا تقلْ لزيدٍ أفّ فيفهم منه حرمة ضربه، فيكون هذا المفهوم ناسخا للأمر الأول بضرب زيد.
رابعا: يجوز نسخ مفهوم المخالفة دون أصله المنطوق، ولا يجوز العكس وهو نسخ المنطوق دون مفهوم المخالفة.
مثاله: ما ورد في صحيح مسلم: ( إنما الماء من الماء ) فإن المفهوم منه عدم وجوب الغسل إذا لم يحصل إنزال. فهذا المفهوم منسوخ بحديث البخاري ومسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ) شعبها الأربع يداها ورجلاها. فهنا نسخ مفهوم المخالفة دون أصله المنطوق وهو وجوب الماء من الماء. وقد يناقش في صحة المثال.
وأما نسخ المنطوق دون مفهوم المخالفة فلا يجوز؛ لأن المخالفة تابعة للنص فترتفع بارتفاعه، ولا يرتفع هو بارتفاعها.
خامسا: لا يجوز نسخ النص بمفهوم المخالفة. لضعف مفهوم المخالفة عن مقاومة النص.
سادسا: لا يجوز نسخ النص بالقياس. لأن في جوازه تقديما له على النص.

( شرح النص )


ونسخُ القياسِ في زمنِ النبيِّ بنصٍ أو قياسٍ أجلى، ونسخُ الفحوى دونَ أصلِهِ إنْ تُعُرِّضَ لِبقائِهِ وعكسُهُ، والنسخُ بهِ لا نسخُ النصِّ بالقياسِ، ويجوزُ نسخُ المخالفةِ دونَ أصلِها لا عكسُهُ، ولا النسخُ بها في الأصحِّ.
......................... ......................... ......................... ...................
( و ) يجوز في الأصح ( نسخُ القياسِ ) الموجود ( في زمنِ النبيِّ ) صلى الله عليه وسلّم ( بنصٍ أو قياسٍ أجلى ) من القياس المنسوخ به، فالأول كأن يقول صلى الله عليه وسلّم: المفاضلة في البرّ حرام لأنه مطعوم. فيقاس به الأرز، ثم يقول: بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا. والثاني كأن يأتي بعد القياس المذكور نص بجواز بيع الذرة بالذرة متفاضلا فيقاس به بيع الأرز بالأرز متفاضلا، وقيل: لا يجوز نسخ القياس لأنه مستند إلى نص فيدوم بدوامه، قلنا لا نسلم لزوم دوامه كما لا يلزم دوام حكم النص بأن ينسخ، وخرج بالأجلى غيره، فلا يكفي القياس الأدون لانتفاء المقاومة، ولا المساوي لانتفاء المرجح، وقيل: يكفيان ( و ) يجوز في الأصح ( نسخُ الفحوى ) أي مفهوم الموافقة بقسميه الأولى والمساوي ( دونَ أصلِهِ ) أي المنطوق ( إنْ تُعُرِّضَ لِبقائِهِ ) أي بقاء أصله ( وعكسُهُ ) أي نسخ أصل الفحوى المنطوق دون الفحوى إن تعرض لبقائه لأنهما مدلولان متغايران فجاز فيهما ذلك كما لو فرض نسخ تحريم الضرب دون تحريم التأفيف، والعكس كما لو فرض نسخ تحريم التأفيف دون الضرب، وقيل: لا يجوز ذلك لأن الفحوى لازم لأصله فلا ينسخ أحدهما دون الآخر لمنافاة ذلك للزوم بينهما، أما نسخهما معا فيجوز اتفاقا، فإن لم يتعرض للبقاء فعن الأكثر الامتناع بناء على أن نسخ كل منهما يستلزم نسخ الآخر ( و ) يجوز في الأصح ( النسخُ بهِ ) أي بالفحوى كأصله، وقيل: لا بناء على أنه قياس وأن القياس لا يكون ناسخا ( لا نسخُ النصِ بالقياسِ ) فلا يجوز في الأصح حذرا من تقديم القياس على النص وعلى هذا جمهور أصحابنا. ونقله أبو إسحاق المروزي عن نص الإمام الشافعي. وقال القاضي حسين: إنه المذهب، وقيل: وصححه الأصل يجوز لاستناده إلى النص فكأنه الناسخ ( ويجوزُ نسخُ ) مفهوم ( المخالفةِ دونَ أصلِها ) كنسخ مفهوم خبر مسلم: إنما الماء من الماء. بخبر الترمذي: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ( لا عكسُهُ ) أي لا نسخ الأصل دونها، فلا يجوز في الأصح؛ لأنها تابعة له فترتفع بارتفاعه ولا يرتفع هو بارتفاعها، وقيل: يجوز ( ولا ) يجوز ( النسخُ بها ) أي بالمخالفة ( في الأصحِّ ) لضعفها عن مقاومة النص، وقيل يجوز كما في المنطوق.
رد مع اقتباس
  #59  
قديم 17-06-17, 10:04 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الرابع والخمسون- مباحث الكتاب

تكملة مسائل النسخ


أولا: لا يجوز نسخ الخبر.
أي أن النسخ إنما يرد على الإنشاء كافعل كذا أو لا تفعل كذا ولا يرد على الخبر فإذا أخبر الشرع بخبر استحال أن يخبر بنقيضه ولا يقال إن هذا من باب النسخ لأنه يوهم الكذب.
وقيل: يجوز النسخ في الخبر إن كان عن شيء متغير سيقع في المستقبل مثل أن يقال: سيكون كذا بعد شهر، فيجوز أن يتغير حاله فيقول لن يكون ذلك بعد شهر.
والصواب لا يجوز لأن الله سبحانه يعلم كل شيء فتناقض الأخبار يوهم الكذب وهو محال في حق الله تعالى.
ثانيا: يجوز النسخ في الإنشاء ولو كان خبرا في لفظه أو اقترن بما يدل على التأبيد.
لأن النظر هو للمعنى وليس للفظ فإذا ورد إنشاء وتكليف بصيغة الخبر فهذا يصلح أن يدخله النسخ مثل قوله الله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فهذا وإن كان خبرا في صيغته لكن معناه هو ليتربصن فيقبل النسخ.
ومثل الإنشاء إذا اقترن بلفظ قضى مثل: قضى ربكُ أن افعلوا كذا. أي أمر.
وكذا إذا ورد الإنشاء بلفظ التأبيد أو نحوه نحو: صوموا أبدا أو صوموا حتما أو صوموا دائما، فكل هذه إنشاءات تقبل النسخ؛ لأن التأبيد قد يستعمل فيما لايراد به التأبيد وذلك كقول القائل: لازمْ غريمك أبدا، ويريد به إلى أن يقضيك دينك، وكذلك هنا يجوز أن يقيد الحكم بالتأبيد ونحوه ويريد به إلى وقت النسخ.
ثالثا: يجوز نسخ طلب الإخبار بشيء وذلك بإيجاب الإخبار بنقيضه.
أي يجوز أن يوجب الشارع على شخص الإخبار بشيء كأن يقول له: أخبرْ بقيام زيد، وقبل الإخبار بذلك ينسخه ويقول له: أخبرْ بعدم قيامِ زيد؛ لأن هذا من باب الإنشاء فيجوز أن يتغير حال زيد من القيام إلى القعود مثلا.
وهنا مسألة مهمة وهي: هل يجوز أن يكلف الشارع أحدا بالإخبار بشيء لا يتغير كحدوث العالم ثم ينسخه بالتكليف بالإخبار بنقيضه؟
قال كثيرون: لا يجوز لأنه تكليف بالكذب الصريح وهو لا يجوز.
وقال آخرون: يجوز لأنه قد يدعو إلى الكذب مصلحة كإنقاذ حياة مسلم.
رابعا: يجوز النسخ ببدل وبغير بدل.
فالنسخ ببدل هو أن ينسخ الحكم القديم بحكم آخر جديد، وهذا الحكم الجديد قد يكون أخف من الحكم القديم، وقد يكون مساويا له، وقد يكون أثقل منه.
مثال الأخف: نسخ العدة على الأرملة سنة كاملة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام.
ومثال المساوي: نسخ التوجه إلى بيت المقدس، بالتوجه إلى الكعبة.
ومثال الأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والفدية في بداية الإسلام في قوله تعالى: ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) بوجوب الصوم على من شهد الشهر في قوله تعالى: ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ).
وأما النسخ بلا بدل فهو أن ينسخ الشارع الحكم السابق، دون أن يأتي بحكم جديد بدل عنه. فأجازه قوم وقالوا مع جوازه عقلا إلا أنه لم يقع شرعا، ومنع جوازه آخرون.

( شرح النص )


ويجوزُ نسخُ الإنشاءِ ولو بلفظِ قضاءٍ أَوْ بصيغةِ خبرٍ أَو قُيِّدِ بتأبيدٍ أو نحوِهِ، والإخبارِ بشيءٍ ولو مما لا يتغيَّرُ بإيجابِ الإخبارِ بنقيضِهِ، لا الخبرِ وإنْ كانَ مما يتغيَّرُ، ويجوزُ عندنا النسخُ ببدلٍ أثقلَ وبلا بدلٍ ولم يقعْ في الأصحِّ.
......................... ......................... ......................... ......................
( ويجوزُ نسخُ الإنشاءِ ولو ) كان مقترنا ( بلفظِ قضاءٍ ) وقيل: لا يجوز بناء على أن القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير نحو: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. أي أمر ( أَوْ بصيغةِ خبرٍ ) نحو: والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء. أي ليتربصن نظرا للمعنى، وقيل: لا يجوز نظرا للفظ ( أَو قُيِّدِ بتأبيدٍ أو نحوِه ِ) كصوموا أبدا، صوموا حتما، صوموا دائما، وقيل: لا لمنافاة النسخ التقييد بذلك. قلنا لا نسلم كما يقال لازم غريمك أبدا أي إلى أن يعطي الحق وليس أبد الدهر ( و ) يجوز نسخ إيجاب ( الإخبارِ بشيءٍ ولو مما لا يتغيَّرُ بإيجابِ الإخبارِ بنقيضِهِ ) كأن يوجب الاخبار بقيام زيد ثم بعدم قيامه قبل الإخبار بقيامه لجواز أن يتغير حاله من القيام إلى عدمه، ومنعت المعتزلة وغيرهم ذلك فيما لا يتغير كحدوث العالم لأنه تكليف بالكذب فينزه الباري عنه، قلنا: قد يدعو إلى الكذب غرض صحيح فلا يكون التكليف به قبيحا بل حسنا، كما لو طالبه ظالم بوديعة عنده أو بمظلوم خبأه عنده فيجب عليه إنكاره، ويجوز له الحلف عنه ويكفر عن يمينه ( لا ) نسخ ( الخبر ِ) أي مدلوله فلا يجوز ( وإنْ كانَ مما يتغيَّرُ ) لأنه يوهم الكذب حيث يخبر بالشيء ثم بنقيضه، وذلك محال على الله تعالى، وقيل: يجوز في المتغير إن كان خبرا عن مستقبل بناء على القول بأن الكذب لا يكون في المستقبل لجواز المحو لله فيما يقدّره. قال الله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت ( ويجوزُ عندنا النسخُ ببدلٍ أثقلَ ) كما يجوز بمساوٍ وبأخف، وقال بعض المعتزلة: لا يجوز بالأثقل إذ لا مصلحة في الانتقال من سهل إلى عسر. قلنا: لا نسلم وقد وقع كنسخ وجوب الكف عن الكفار الثابت بقوله تعالى: ودع أذاهم. بقوله: اقتلوا المشركين ( و ) يجوز عندنا النسخ ( بلا بدلٍ ) وقال بعض المعتزلة: لا إذ لا مصلحة في ذلك. قلنا: لا نسلم ذلك ( و ) لكنه ( لم يقعْ في الأصحِّ ) وقيل: وقع كنسخ وجوب تقديم الصدقة على مناجاة النبي الثابت بقوله: إذا ناجيتم الرسول.. الآية. إذ لا بدل لوجوبه فيرجع الأمر إلى ما كان قبله مما دل عليه الدليل العام من تحريم الفعل إن كان مضرة أو إباحته إن كان منفعة. قلنا: لا نسلم أنه لا بدل للوجوب بل بدله الجواز الصادق هنا بالإباحة أو الندب فتبقى الصدقة مباحة أو مندوبة.
رد مع اقتباس
  #60  
قديم 17-06-17, 10:04 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 48
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الخامس والخمسون- مباحث الكتاب

مسائل متفرقة في النسخ


أولا: أجمع المسلمون على جواز النسخ ووقوعه. وقال أبو مسلم الأصفهاني المعتزلي: النسخ جائز لكنه لم يقع. أما ما ذكرتم من الأمثلة فليس نسخًا، بل تخصيصًا، إذْ هو قصر الحكم على زمن؛ فإن الله تعالى يعلم أن هذا الحكم ينتهي في وقت كذا. وعلى هذا يكون خلاف الأصفهاني لفظيا، فما سميناه نسخا سماه تخصيصًا.
ثانيا: إذا نسخ حكم الأصل لا يبقى حكم الفرع الذي قيس عليه.
فإذا ثبت الحكم في عين وعرفنا علة الحكم ثم قسنا عليها غيرها مما يشاركها في هذه العلة فإنه إذا نسخ حكم الأصل يبطل حكم الفرع المقيس عليه إذْ بانتفاء حكم الأصل تنتفي العلة التي ثبت بها الفرع.
مثاله: أن يرد النص بحرمة الربا فى البر، فيقاس عليه الأرز بجامع الإقتيات مثلا، ثم يرد نص بحل ذلك الربا فى البر فلا يبقى حينئذ حكم الأرز.
ثالثا: كل حكم شرعي يقبل النسخ فيجوز نسخ كل التكاليف حتى وجوب معرفة الله سبحانه. هذا من حيث الجواز العقلي وأما من حيث الوقوع الشرعي فأجمع المسلمون أن ذلك لم يقع.
ومنع الإمام الغزالي رحمه الله نسخ جميع التكاليف لأن العلم بنسخها جميعا يتوقف على ثبوت الناسخ لها وهو من خطاب الشرع أيضا فلا يتأتى القول بجواز نسخ الكل.
ومنع المعتزلة نسخ وجوب معرفة الله لثبوته بالعقل. وهذا الفرع مبني على مسألة التحسين والتقبيح وقد تقدمت.
رابعا: إذا علم النبي صلى الله عليه وسلم أن حكما ما قد نسخ فلا يثبت الناسخ في حق الأمة قبل تبليغه لهم لعدم علمهم به قبل التبليغ.
خامسا: المختار أن الزيادة على النص ليست نسخا.
بيانه:
إذا ورد نص من الشارع بحكم ما، ثم ورد نص آخر فيه زيادة حكم جديد، فهذا الأمر الجديد له ثلاث صور:
1- أن تكون الزيادة التي وردت فيه مستقلة لا علاقة لها بالنص السابق وليست من جنسه، كزيادة وجوب الزكاة بنص جديد على وجوب الصلاة بالنص القديم. وهذه الصورة لا خلاف بين المسلمين أنها ليست نسخا.
2- أن تكون الزيادة التي وردت فيه مستقلة عن المزيد عليه إلا أنها من جنسه، كما لو زيدت صلاة على الصلوات الخمس، وهذه أيضا ليست بنسخ على ما ذهب إليه الجمهور لأنه ليس فيها رفع لحكم سابق، وإنما هو بيان لواجب جديد بأمر جديد.
3- أن تكون الزيادة التي وردت فيه غير مستقلة عن المزيد عليه بل هي متعلقة به كما في قوله تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ثم جاءت السنة كما في البخاري ومسلم بزيادة التغريب عام على البكر. فهنا الزيادة مرتبطة بالحد وليست مستقلة عنه فهذه هي التي وقع فيها خلاف كبير بين العلماء.
فذهب جمهور العلماء إلى أنها ليست نسخا لأن الزيادة لم ترفع الحكم السابق فهو لا يزال قائما وإنما زيد فيه، سواء كانت الزيادة زيادة جزء كما لو زيدت ركعة في صلاة أو جلدة في حد الزنا، أو زيادة شرط كما لو شرط في غسل اليد أن يبلغ العضد، أو زيادة صفة كزيادة الإيمان في رقبة الكفارة.
وذهب الحنفية إلى أنها نسخ، وقالوا: نحن لا نجيز نسخ القرآن بحديث الآحاد لئلا يلزم نسخ اليقيني بالظني، وبناء عليه فلا نثبت التغريب في حد الجلد.
ولهم فروع عديدة ردوا فيها أحاديث الآحاد بهذه الحجة وهي: أن هذا الحديث يزيد على النص، والزيادة على النص نسخ، ولا نسخ بحديث الآحاد للقرآن، فلا نأخذ بتلك الروايات.
ومثل الزيادة على النص النقص منه، كما لو نقصت ركعة من الصلاة، أو نقص شرط كما لو نقص الوضوء من الصلاة، أو نقص صفة كما لو نقص الإيمان من كفارة القتل.
فذهب الجمهور إلى أن النقص من النص يعتبر نسخا لمحل الزيادة فقط دون الكل.
وذهب الحنفية إلى ان النقص يعتبر نسخا للكل بمعنى أن الحكم الأول المشتمل على الزيادة قد نسخ وثبت بدله الحكم الناقص.
مثاله: إذا فرض أن المغرب نقص منها ركعة، فعند الحنفية أن الثلاثة قد ارتفعت إلى بدل وهو الاثنان، وعند الجمهور أن الذي ارتفع هو الركعة الثالثة فقط.

( شرح النص )


مسألةٌ: النسخُ واقعٌ عندَ كلِّ المسلمينَ وسماهُ أبو مسلمٍ تخصيصًا، فالخُلْفُ لفظِيٌّ، والمختارُ أَنَّ نسخَ حكمِ أصلٍ لا يبقى مَعَهُ حكمُ فَرْعِهِ، وأَنَّ كلَّ شرعيٍّ يقبلُ النسخَ، ولم يقعْ نسخُ كلِّ التكاليفِ، ووجوبِ المعرفةِ إجماعًا، وأَنَّ الناسِخَ قبلَ تبليغِ النبيِّ الأمَّةَ لا يثبُتُ في حَقِّهِمْ، وأَنَّ زيادةَ جزءٍ أو شرطٍ أو صفةٍ على النص ليستْ بِنسخٍ، وكذا نَقْصُهُ.
......................... ......................... ......................... ....................
هذه ( مسألةٌ النسخُ ) جائز ( واقعٌ عندَ كلِّ المسلمينَ ) إجماعا ( وسماهُ أبو مسلمٍ ) الأصفهاني من المعتزلة ( تخصيصًا ) إذْ هو قصر الحكم على زمن؛ فإن الله تعالى يعلم أن هذا الحكم ينتهي في وقت كذا ( فالخُلْفُ ) في نفيه النسخ ( لفظِيّ ) فما سميناه نسخا سماه تخصيصًا ( والمختارُ أَنَّ نسخَ حكمِ أصلٍ لا يبقى مَعَهُ حكمُ فَرْعِهِ ) لانتفاء العلة التي ثبت بها بانتفاء حكم الأصل، وقالت الحنفية يبقى لأن القياس مظهر لحكم الفرع لا مثبت فإذا نسخ الأصل بقي الفرع على ما دلّ عليه ( و ) المختار ( أَنَّ كلَّ شرعيٍّ يقبلُ النسخَ ) فيجوز نسخ كل التكاليف وبعضها حتى وجوب معرفة الله تعالى، ومنعت المعتزلة والغزالي نسخ كل التكاليف، ومنعت المعتزلة أيضا نسخ وجوب معرفة الله تعالى ( ولم يقعْ نسخُ كلِّ التكاليفِ ووجوبِ المعرفةِ ) أي معرفة الله تعالى ( إجماعًا ) فعلم أن الخلاف السابق إنما هو في الجواز أي العقلي ( و ) المختار ( أَنَّ الناسِخَ قبلَ تبليغِ النبيِّ ) صلى الله عليه وسلّم ( الأمَّةَ ) له ( لا يثبُتُ ) حكمه ( في حَقِّهِمْ ) لعدم علمهم به، وقيل: هو حكم قد تجدد فيثبت في حقهم ويستقر في الذمة، كالنائم وقت الصلاة، ولا يعني ذلك وجوب الامتثال فإنه متوقف على العلم، أما بعد التبليغ فيثبت اتفاقا في حق من بلغه وكذا من لم يبلغه إن تمكن من علمه ( و ) المختار وهو ما عليه الجمهور ( أَنَّ زيادةَ جزءٍ أو شرطٍ أو صفةٍ على النص ) كزيادة ركعة أو غسل عضد في الوضوء أو إيمان في رقبة الكفارة ( ليستْ بنسخٍ ) للمزيد عليه، وقالت الحنفية: إنها نسخ، ومنشأ الخلاف أن الزيادة هل رفعت حكما شرعيا أو لا ؟ فعندنا لا، وعندهم نعم نظرا إلى أن الأمر السابق بما دون الزيادة اقتضى تركها فالزيادة رافعة لذلك المقتضى، وبنوا على ذلك أنه لا يعمل بأخبار الآحاد في زيادتها على القرآن كزيادة التغريب على الجلد الثابتة بخبر الصحيحين بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد ( وكذا نَقْصُهُ ) أي نقص جزء أو شرط أو صفة من مقتضى النص كنقص ركعة أو وضوء أو الإيمان في رقبة الكفارة، فقيل: إنه نسخ لها إلى الناقص، وقال الجمهور: لا. والنسخ إنما هو للجزء أو الشرط أو الصفة فقط، لأنه الذي يترك لا للكل.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:22 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.