ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #11  
قديم 01-11-16, 08:18 PM
ابراهيم ابونصار ابراهيم ابونصار غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-08-12
المشاركات: 42
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

وسأرفع ما أشكل علي بإذن الله يا مولاي
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 09-11-16, 07:57 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس العاشر- نهاية المقدمات

المحكوم به


أولا: التكليف بالمحال.
المحال هو: الممتنع الوقوع، وهو على ثلاثة انواع:
1- المحال لذاته أي الذي يحيل العقل وجوده كاجتماع النقيضين والضدين.
2- المحال لغيره أي الذي لا يحيل العقل وجوده ولكن جرت العادة وسنن الله الكونية أن الإنسان لا يقدر عليه كحمل جبل.
3- المحال لتعلق علم الله بعدم حصوله، كالإيمان من كافر علم الله أنه لن يؤمن، وإيمانه محال لأنه لو آمن لانقلب علم الله جهلًا- تعالى الله عن ذلك علو كبيرا - وهو محال.
فأما المحال الثالث فقد اتفق العلماء على أن التكليف به جائز عقلا وواقع سمعًا؛ لأنه في ذاته وحقيقته ممكن عقلا ولكنه امتنع لعارض، فالإيمان مقدور عليه ولذا آمن غير ذلك الكافر، ولكن سبق علم الله الأزلي فيه أنه لن يؤمن، فالمسألة من باب القضاء والقدر لا من باب الأمر والنهي كما بيّنه الإمام ابن تيمية.
واختلفوا في المحالين الأول والثاني جوازًا ووقوعا: فمن قائل بجوازه عقلا ووقوعه سمعا وهو باطل لقوله تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) ومنهم من أجازه عقلا ومنع وقوعه سمعا، ومنهم من منع جوازه عقلا لأنه لا فائدة من التكليف به كما منع وقوعه سمعا.
مسألة: هل يشترط لصحة التكليف حصول الشرط الشرعي أو لا يشترط ؟
والجواب: لا يشترط وذلك كالكفار فهم مخاطبون بفروع الشريعة، مع أن شرط وجوب الصلاة والصوم ونحوهما من الفروع هو الإسلام، فالشرط الشرعي للتكليف الذي هو الإيمان مفقود ومع ذلك يصح تكليفهم بالمشروط الذي هو الفروع، فيُعاقَب الكافر على ترك الفروع كما يعاقب على ترك الإيمان قال تعالى: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ).
ثانيا: لا تكليفَ إلا بفعلٍ، والفعل ظاهر في الأمر كالصلاة والزكاة، وأما في النهي الذي يقتضي الترك فالمختار أن المنهي عنه هو كف النفس عن الفعل لا عدم الفعل، فإذا قيل: لا تزنِ فمعناه كف نفسك واصرفها عن أن تتوجه لفعل الزنا.
وهنا مسألة ما هو الوقت الذي يتوجّه التكليف فيه بالفعل للمكلف ؟ فالصلاة مأمور بها ولكن متى يخاطب العبد بها ويتوجه له الطلب؟
والجواب: التكليف يتعلق بالفعل قبل دخول وقته إعلاما للمخاطب باعتقاد وجوب إيجاد الفعل، وبعد دخول وقته إلزاما بفعله، ويستمر التكليف به حال المباشرة للفعل ولا ينقطع التكليف به إلا بعد الفراغ منه.
كصلاة الظهر قبل الزوال يتعلق الأمر بها تعلقا إعلاميا بأن يعتقد المكلف وجوب إيجادها عند حلول وقتها، وبعد الزوال يتعلق الأمر بها تعلقًا إلزاميا بإيجاد الفعل، وحينما يباشر المكلف ويكبر للصلاة يستمر الأمر والإلزام بها إلى أن يفرغ منها صحيحة، فإذا فرغ منها انقطع الأمر بها.
ثالثا: يصح تكليف شخص بفعل شيء في وقت ما مع علم الآمر أنه لن يتمكن من فعله لانتفاء شرط من شروط حصوله.
مثل أن يكلف الله شخصًا بصوم يوم معين مع علمه سبحانه أن ذلك الشخص يموت قبل ذلك اليوم.
ولولا صحة ذلك لما علمنا الآن أننا مكلفون بصوم رمضان القادم مثلا، مع احتمال حدوث مانع من موت أو غيره.
رابعا: الحكم الشرعي قد يتعلق بأمرين فأكثر على الترتيب أو على البدل.
ومعنى الترتيب: أن يتعلق الحكم بالأول ثم في ظرف معين يتعلق بالثاني، ومعنى البدل: أن يتعلق الحكم إما بهذا أو ذاك.
فإن قيل: يتولى الإمارة زيدٌ فإن مات فعمرٌو، أو: يتولى الإمارة زيدٌ أو عمرٌو، فالأول على الترتيب والثاني على البدل.
فالأول وهو ما تعلق به الحكم على الترتيب له ثلاثة أحوال:
1- أن يحرم الجمع بينهما كأكل المذكاة والميتة، فالجواز تعلق بهما معا مرتبين فإن لم نجد المذكاة ننتقل للميتة في حالة الاضطرار ويحرم الجمع بينهما.
2- أن يباح الجمع بينهما كالوضوء والتيمم، فإن التيمم إنما يجوز عند العجز عن الوضوء، وقد يباح الجمع بينهما كأن تيمم شخص لخوف بطء البرء من المرض، ثم تحامل على نفسه وتحمل المشقة وتوضأ، وجواز الوضوء إن لم يحصل ضرر.
3- أن يستحب الجمع بينهما كخصال كفارة الجماع في نهار رمضان، فإن كلا منها واجب لكن وجوب الإطعام عند العجز عن الصيام ووجوب الصيام عند العجز عن الاعتاق ويسن الجمع بينها.
والثاني وهو ما تعلق به الحكم على البدل له ثلاثة أحوال أيضا:
1- أن يحرم الجمع بينهما، كتزويج المرأة من أحد كفأين، فيجوز تزويجها لهذا أو ذاك، ويحرم تزويجها من الاثنين معا.
2- أن يباح الجمع بينهما،كما لو كان لزيد ثوبان يستر كل واحد منهما عورته، فالواجب التستّر بواحد ويباح التستر بهما معا.
3- أن يستحب الجمع بينهما كما في خصال كفارة اليمين فإن الواجب على المكلف فعل خصلة واحدة يختارها لكن يندب أن يفعل الجميع.
( شرح النص )


مَسألةٌ: الأَصحُّ جوازُ التكليفِ بالمحالِ مطلقًا، ووقوعُهُ بالمحالِ لتَعَلُّقِ علمِ اللهِ بعدمِ وقوعِهِ فقطْ، وجوازُهُ بما لمْ يحصلْ شرْطُهُ الشرعيُّ كالكافرِ بالفروعِ ووقُوعُهُ.
مسألةٌ: لا تكليفَ إلا بفعلٍ، فالمكلَّفُ به في النهيِّ الكفُّ أي الانتهاءُ في الأصحِّ، والأصحُّ أَنَّ التكليفَ يتعَلَّقُ بالفعلِ قبلِ المباشَرَةِ بعدَ دخولِ وقْتِهِ إِلزامًا، وقبلَهُ إعلامًا، وأَنَّهُ يستمِّرُ حالَ المباشَرَةِ.
مسألةٌ: الأصحُّ أَنَّ التكليفَ يصِحُّ معَ علمِ الآمِرِ فقطْ انتفاءَ شَرْطِ وقُوعِهِ عندَ وقْتِهِ، كأمرِ رجلٍ بصومِ يومٍ عُلِمَ مَوْتُهُ قبْلَهُ، وأَنَّهُ يعلَمُهُ المأمورُ أَثَرَ الأَمْرِ.
خاتِمَةٌ: الحكمُ قدْ يتعلَّقُ على الترتيبِ أَوِ البَدَلِ فيحرُمُ الجمْعُ، أو يباحُ، أَو يُسَنُّ.
.............................. .............................. .............................. ................
هذه ( مسألةٌ ) في التكليف بالمحال ( الأَصحُّ جوازُ التكليفِ ) عقلا أي من حيث الجواز العقلي ( بالمحالِ مطلقًا ) أي سواءٌ أَ كان محالا لذاته كالجمع بين السواد والبياض، أم محالا لغيره كالطيران في الهواء بلا آلة، وقيل لا يجوز هذا التكليف ( و ) الأصح ( وقوعُهُ ) أي التكليف بالمحال في الشرع ( بالمحالِ لتَعَلُّقِ علمِ اللهِ ) تعالى ( بعدمِ وقوعِهِ ) لأنه ممكن في ذاته كالتكليف بالصلاة ممن علم أنه لن يصلي ( فقطْ ) أي دون المحال لذاته والمحال لغيره، وقيل يقع التكليف بالمحال لغيره لا ذاته، وقيل يقع التكليف به مطلقا، وليس بشيء، هذا وثمة فرق في الاصطلاح الأصولي بين: التكليف بالمحال، والتكليف المحال، فالأول يتعلق بشروط الفعل المأمور به هل يشترط فيه أن يكون مقدورا عليه أو يجوز بالمحال؟ وهو مسألتنا هنا، والثاني يتعلق بشروط الشخص المأمور هل يجوز تكليف الغافل والملجأ ؟ والجواب لا يجوز وقد تقدم الكلام على الثاني عند تعريف المكلّف ( و ) الأصح ( جوازُهُ ) أي التكليف ( بما لمْ يحصلْ شرْطُهُ الشرعيُّ ) فيجوز التكليف بالمشروط حال عدم الشرط ( كالكافرِ ) يجوز تكليفه ( بالفروعِ ) مع انتفاء شرطها الشرعي وهو الإيمان ( و ) الأصح ( وقُوعُهُ ) أي هذا النوع من التكليف فهو جائز عقلا وواقع سمعا.
هذه ( مسألةٌ ) في المكلّف به ( لا تكليفَ إلا بفعلٍ ) يوقعه المكلف أما في الأمر فظاهر لأن المطلوب به فعل وأما في النهي ( فالمكلَّفُ به في النهيِّ الكفُّ ) وهو فعل من أفعال النفس ( أي الانتهاءُ ) عن المنهي عنه والانصراف عنه وذلك هو معنى كف النفس عنه ( في الأصحِّ ) وقيل هو انتفاء المنهي عنه أي العدم فلا يشترط أن يكون المكلف به فعلا ( والأصحُّ أَنَّ التكليفَ يتعَلَّقُ بالفعلِ قبلِ المباشَرَةِ ) له أي فعله والتلبس به ( بعدَ دخولِ وقْتِهِ إِلزامًا ) وهذا هو ما يسمى بالتعلّق الإلزامي أي التنجيزي والغرض منه امتثال المكلف ( وقبلَهُ ) أي قبل المباشرة له ( إعلامًا ) وهذا هو ما يسمى بالتعلّق الإعلامي والغرض منه اعتقاد المكلف وجوب الفعل عليه عند دخول وقته، وقيل لا يتعلّق التكليف بالمكلّف إلا عند المباشرة للفعل ( و ) الأصح ( أَنَّهُ ) أي التعلق الإلزامي بالفعل المطلوب به الامتثال ( يستمِّرُ حالَ المباشَرَةِ ) للفعل ولا ينقطع إلا بالفراغ منه، وقيل لا يستمر حال المباشرة للفعل.
هذه ( مسألةٌ ) في التكليف بشيء مع انتفاء شرط وقوعه ( الأصحُّ أَنَّ التكليفَ ) بشيء ( يصِحُّ معَ علمِ الآمِرِ فقطْ انتفاءَ شَرْطِ وقُوعِهِ ) أي وقوع المأمور به ( عندَ وقْتِهِ، كأمرِ رجلٍ بصومِ يومٍ عُلِمَ مَوْتُهُ قبْلَهُ ) للآمِرِ فيصح أن يأمر الله سبحانه رجلا بصوم يوم وهو يعلم أنه سيموت قبله فشرط وقوع الفعل هو حياة المكلف وعقله وقدرته وقد علم أنها لا توجد في ذلك اليوم بسبب الموت قبله، وقد أمر الله سبحانه إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه وهو يعلم أنه لن يُقْدِرَهُ على ذبح ابنه، والغرض من التكليف هو ان يظهر قصد الامتثال، وقال قوم لا يصح التكليف مع العلم بانتفاء شرط الوقوع، ومعنى قوله فقط أن العلم مختص بالآمر، ويخرج ما لو علم المأمور أيضا أنه سينتفي شرط وقوعه فلا يصح التكليف حينذاك لانتفاء الفائدة من التكليف ( و ) الأصح ( أَنَّهُ ) أي التكليف ( يعلَمُهُ ) المكلف ( المأمورُ أَثَرَ ) أي عقب ( الأَمْرِ ) المسموع له فإذا قيل له: صمْ يوم كذا، علم عقب سماعه هذه الجملة أنه مكلف بالصيام في ذلك اليوم القادم، ولا يتوقف علمه على أن يأتي الزمن الذي يتمكن فيه من الامتثال، وقيل لا يعلمه حتى يأتي الزمن الذي يتمكن فيه من الامتثال لأنه قد لا يتمكن من فعله لموت أو عجز عنه، وهذه المسألة والخلاف فيها مفرع عما قبلها، فإننا إذا جرينا على أنه يصح ورود التكليف مع علمه سبحانه بانتفاء شرط الامتثال فمتى وردت علينا التكليف علمنا أننا مكلفون وإن كنا نجوّز أن نموت قبل التمكن، فصحّ علمنا بالتكليف قبل الوقت، وإذا جرينا على أنه لا يصح ذلك فمتى ورد علينا التكليف لم نعلم أننا مكلفون لاحتمال أن نموت مثلا قبل الوقت.
هذه ( خاتِمَةٌ ) للمقدمات في بيان أن الحكم قد يكون على الترتيب أو البدل ( الحكمُ قدْ يتعلَّقُ ) بأمرين فأكثر ( على الترتيبِ أَوِ ) على ( البَدَلِ فيحرُمُ الجمْعُ أو يباحُ أَو يُسَنُّ ) في كل منهما فالحكم الترتيبي له ثلاثة أنواع: حرمة الجمع كأكل المذكاة والميتة، وإباحة الجمع كالوضوء والتيمم لمن يخاف بطء البرء من المرض، وسنية الجمع كخصال كفارة الوقاع في رمضان، والحكم البدلي له نفس الأنواع أيضا وهي: حرمة الجمع كتزويج المرأة من أحد كفأين، وإباحة الجمع كالتستر بأحد ثوبين، واستحباب الجمع كخصال كفارة اليمين.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 09-11-16, 07:58 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الحادي عشر- مباحث الكتاب

مقدمة


أولا: القرآن هو: اللفظ المنزّل على سيّدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم ، المُعجِزُ بسورةٍ منه، المُتَعبَّدُ بتلاوتِهِ. وهو من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس مشتملا على 114 سورة.
ثانيا: البسملة أول كل سورة من القرآن الكريم، وهي مكتوبة في مصاحف الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
ثالثا: القراءة تنقسم إلى قسمين: صحيحة وشاذة.
فالقراءة الصحيحة قسمان:
1- متواترة وهي قراءة القراء السبعة وهم:
أ- عبدُ الله بن كثيرٍ المتوفي سنة 120 هـ.
ب- نافع بن عبد الرحمن المتوفي سنة 169هـ.
ج- عبد الله بن عامر المتوفي سنة 118 هـ.
د- أبو عمرو بن العلاء المتوفي سنة 157 هـ.
هـ- عاصِم بن أبي النَّجُودِ المتوفي سنة 127 هـ.
و- حمزة بن أبي حبيب المتوفي سنة 156 هـ.
ز- علي بن حمزة الكسائي المتوفي سنة 189 هـ.
فالقراءة التي قرأ بها هؤلاء منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا متواترًا إلى أن وصلتنا كذلك.
2- مستفيضة وهي قراءة القراء الثلاثة وهم:
أ- أبو جعفر يزيد بن القعقاع المتوفي سنة 132 هـ.
ب- يعقوب بن اسحاق المتوفي سنة 205 هـ.
ج- خلف بن هشام المتوفي سنة 229 هـ.
فالقراءة التي قرأ بها هؤلاء قراءة مستفيضة مشهورة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقاها الأئمة بالقبول ولكنها لم تبلغ مبلغ التواتر، والمشهور عن المتأخرين من القراء أنها متواترة أيضا وهو الذي سمعناه من شيوخنا.
وأما القراءة الشاذة فهي ما عدا قراءة هؤلاء. والله أعلم.
وحكم القراءة المتواترة والصحيحة أنها تثبت قرآنا ويقرأ بها في الصلاة.
وأما الشاذة فهي لا تثبت قرآنا ولا يجوز القراءة بها لا في الصلاة ولا خارجها.
وهنا مسألة وهي:
هل القراءة الشاذة يثبت بها حكم شرعي ؟
والجواب: نعم المختار أنها في حكم حديث الآحاد فإذا نقلت نقلا صحيحا ثبت الحكم بها على أنها كانت من باب التفسير للآية كقراءة عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيمانهما، ولذا وجب قطع يمين السارق لا شماله.
رابعا: لا يجوز ورود لفظ لا معنى له في القرآن أو السنة، لأنه كالهذيان لا يليق بعاقل فكيف بالله ورسوله.
خامسا: لا يجوز ورود لفظ في القرآن والسنة يراد به غير ظاهره إلا بدليل يبيّن المراد منه، كأن يأتي لفظ عام فيحمل على عمومه فإن جاء دليل خاص خصص به العام، وعرفنا حينئذ أن العام لم يرد به عمومه.
سادسا: لا يجوز أن يبقى لفظ مجمل في القرآن والسنة كلفنا بالعمل به غيرَ مُبَيَّنٍ، والمجمل هو ما لم تتضح دلالته من قول أو فعل فإذا ورد لفظ مجمل في كتاب أو سنة لا بد أن يأتي ما يبين المراد منه كي يمكن أن نعمل به كقوله تعالى: ( وأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ ) لا بد أن يرد ما يبين كيفية الصلاة والزكاة، فإن لم نكلف بالعمل به فقد يوجد ذلك كتفسير الحروف المقطعة أول السور.
سابعا: النص الشرعي أربعة أقسام:
1- قطعي الورود قطعي الدلالة.
2- قطعي الورود ظني الدلالة.
3- ظني الورود قطعي الدلالة.
4- ظني الورود ظني الدلالة.
والأول منها قطعي، والثلاثة الأخرى ظنية، والدليل الظني قد يفيد اليقين بما ينضمّ إليه من القرائن.
مثاله: ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج وحرمة الزنا والخمر ونحوها، فإذا كان لفظ الآية لوحده قد يحتمل التأويل كما حصل للبعض في الخمر فإن ما انضم إليها من بيان الرسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل على ذلك مما شاهده الصحابة الكرام بأعينهم وعلموه ضرورة ونقل إلينا إلى يومنا هذا بالتواتر القطعي ينفي كل احتمال، ومثل هذا يقال في ظني الورود كما في كثير من السنة فإنه قد ينضم إلى الخبر ويحتف به من القرائن ما يجعل العالم يقطع بثبوته ككونه في الصحيحين وتلقي الأئمة له بالقبول.

( شرح النص )


الكتابُ الأَوَّلُ في الكتابِ ومباحثِ الأقوالِ
الكتابُ: القرآنُ وهو هنا: اللفظُ المنزَّلُ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم المعجِزُ بسورةٍ منهُ المتعبَّدُ بتلاوتِهِ، ومنهُ البسملةُ أوَّلُ كلِّ سورةٍ في الأصحِّ غيرِ براءةٍ، لا الشاذُّ في الأصحِّ، والسبْعُ متواتِرةٌ ولو فيما هوَ من قبيلِ الأداءِ كالمدِّ، وتحرُمُ القراءةُ بالشاذِّ، والأصحُّ أنَّهُ ما وراءَ العشَرَةِ، وأنَّهُ يجري مجرى الآحادِ، وأنَّهُ لا يجوزُ ورودُ مالا معنى لهُ في الكتابِ والسنَّةِ، ولا ما يُعْنَى بهِ غيرُ ظاهرِهِ إلا بدليلٍ، وأنَّهُ لا يبقى مجملٌ كُلِّفَ بالعملِ به غيرَ مُبَيَّنٍ، وأَنَّ الأدلةَ النقليَّةَ قدْ تفيدُ اليقينَ بانضمامِ غيرِها.
.............................. .............................. .............................. ................
بعد أن فرغ من المقدمة شرع في أول المقصود فقال ( الكتابُ الأَوَّلُ ) من الكتب التسعة ( في الكتابِ ) وهو القرآن ( ومباحثِ الأقوالِ ) المشتمل عليهما القرآن والسنة، لأن القرآن والسنة منهما أمر ونهي وعام وخاص ومطلق ومقيد ومجمل ومبين فيستدعي بيانها ( الكتابُ: القرآنُ وهو هنا ) أي في أصول الفقه، وهذا احتراز عنه في علم الكلام فيراد بالقرآن المعنى النفسي الذي تقول به الأشاعرة ( اللفظُ المنزَّلُ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم ) يخرج المنزل على غيره كالتوراة والإنجيل ( المعجِزُ بسورةٍ منهُ ) كسورة الكوثر قيد يخرح الأحاديث القدسية ( المتعبَّدُ بتلاوتِهِ ) يخرج المنسوخ تلاوته نحو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ( ومنهُ ) أي ومن القرآن ( البسملةُ ) الثابتة ( أوَّلُ كلِّ سورةٍ في الأصحِّ ) لأنها مكتوبة بنفس خط السور في مصاحف الصحابة مع مبالغتهم في أن لا يكتب فيها ما ليس منه، وقيل ليست البسملة من القرآن، وأجمعوا على أن البسملة في قوله تعالى إنَّهُ من سليمانَ وإنهُ بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن ( غيرِ ) أول سورة ( براءةٍ ) فإنها لم تنزل بالبسملة ( لا الشاذُّ في الأصحِّ ) أي ليس الشاذ - و هو ما عدا العشرة مما نقل آحادًا ولم يستفض ولم تتلقه الأئمة بالقبول- من القرآن، وقيل من القرآن ( و ) القراءات ( السبْعُ ) المروية عن القراء السبعة وهم ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ( متواتِرةٌ ) من النبي صلى الله عليه وسلم إلينا أي نقلها عنه جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم إلى أن بلغنا ( ولو فيما هوَ من قبيلِ الأداءِ كالمدِّ ) ذكر العلامة ابن الحاجب رحمه الله إن المنقول عن القراء مما هو من قبيل جوهر اللفظ مثل مالك وملك فهذا متواتر جزما وما هو من قبيل أداء اللفظ وطريقة نطقه كالتفخيم والترقيق والمد مثل المد المتصل والمنفصل وأن هذا يمد ست حركات وهذا أربع حركات ليس من المتواتر، ولم يرتض العلماء قوله بل الجميع متواترٌ ( وتحرُمُ القراءةُ بالشاذِّ ) في الصلاة وخارجها لأنه ليس بقرآن على الأصح ( والأصحُّ أنَّهُ ) أي الشاذ ( ما وراءَ العشرَةِ ) من القراءات أي السبع السابقة وقراآت أبي جعفر ويعقوب وخلف، وقيل الشاذ ما وراء السبع، فالثلاثة الزائدة على هذا القول تحرم القراءة بها، وعلى الأصح هي كالسبع يجوز القراءة بها ( و ) الأصح ( أنَّهُ ) أي الشاذ ( يجري مجرى ) الأخبار ( الآحادِ ) في الاحتجاج والعمل بها لأن الشاذ منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من انتفاء خصوصية قرآنيته انتفاء عموم خبريته ( و ) الأصح ( أنَّهُ لا يجوزُ ورودُ ما ) أي لفظ ( لا معنى لهُ في الكتابِ والسنَّةِ ) لأنه لا يليق، وقيل يجوز، وليس بشيء ( و ) الأصح أنه ( لا ) يجوز أن يرد في الكتاب والسنة ( ما ) أي لفظ ( يُعْنَى بهِ ) أي يقصد به ( غيرُ ظاهرِهِ ) أي معناه الخفي ( إلا بدليلٍ ) يبيّن المراد منه كما في العام المخصوص فإن العام يحمل على عمومه قبل التخصيص فإذا جاء دليل خاص اتضح لنا حينئذ أن المراد من العام هو غير تلك الصورة التي وقع تخصيصها ( و ) الأصح ( أنَّهُ لا يبقى ) في الكتاب والسنة ( مجملٌ ) وهو ما لم تتضح دلالته ( كُلِّفَ بالعملِ به غيرَ مُبَيَّنٍ ) بأن لم تتضح دلالته إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وهو لا يجوز لأن التكليف به يستدعي بيانه، فإن لم يكن أمر تكليف فلا ضير ببقائه على خفائه، وقيل يجوز أن يبقى المجمل على إجماله، وقيل لا يجوز أن يبقى مجمل مطلقا تعلق به عمل أو لا ( و ) الأصح ( أَنَّ الأدلةَ النقليَّةَ قدْ تفيدُ اليقينَ بانضمامِ غيرِها ) من مشاهدة وتواتر، كما في أدلة وجوب الصلاة فإن الصحابة علموا معانيها المرادة بالقرائن المشاهدة ونحن علمناها بواسطة نقل القرائن إلينا تواترًا، وقيل إن الإدلة تفيد اليقين مطلقًا ولو بدون قرائن، وقيل لا تفيده مطلقا ولو مع القرائن.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 09-11-16, 08:00 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الحادي عشر- مباحث الكتاب

مقدمة


أولا: القرآن هو: اللفظ المنزّل على سيّدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم ، المُعجِزُ بسورةٍ منه، المُتَعبَّدُ بتلاوتِهِ. وهو من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس مشتملا على 114 سورة.
ثانيا: البسملة أول كل سورة من القرآن الكريم، وهي مكتوبة في مصاحف الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
ثالثا: القراءة تنقسم إلى قسمين: صحيحة وشاذة.
فالقراءة الصحيحة قسمان:
1- متواترة وهي قراءة القراء السبعة وهم:
أ- عبدُ الله بن كثيرٍ المتوفي سنة 120 هـ.
ب- نافع بن عبد الرحمن المتوفي سنة 169هـ.
ج- عبد الله بن عامر المتوفي سنة 118 هـ.
د- أبو عمرو بن العلاء المتوفي سنة 157 هـ.
هـ- عاصِم بن أبي النَّجُودِ المتوفي سنة 127 هـ.
و- حمزة بن أبي حبيب المتوفي سنة 156 هـ.
ز- علي بن حمزة الكسائي المتوفي سنة 189 هـ.
فالقراءة التي قرأ بها هؤلاء منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا متواترًا إلى أن وصلتنا كذلك.
2- مستفيضة وهي قراءة القراء الثلاثة وهم:
أ- أبو جعفر يزيد بن القعقاع المتوفي سنة 132 هـ.
ب- يعقوب بن اسحاق المتوفي سنة 205 هـ.
ج- خلف بن هشام المتوفي سنة 229 هـ.
فالقراءة التي قرأ بها هؤلاء قراءة مستفيضة مشهورة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقاها الأئمة بالقبول ولكنها لم تبلغ مبلغ التواتر، والمشهور عن المتأخرين من القراء أنها متواترة أيضا وهو الذي سمعناه من شيوخنا.
وأما القراءة الشاذة فهي ما عدا قراءة هؤلاء. والله أعلم.
وحكم القراءة المتواترة والصحيحة أنها تثبت قرآنا ويقرأ بها في الصلاة.
وأما الشاذة فهي لا تثبت قرآنا ولا يجوز القراءة بها لا في الصلاة ولا خارجها.
وهنا مسألة وهي:
هل القراءة الشاذة يثبت بها حكم شرعي ؟
والجواب: نعم المختار أنها في حكم حديث الآحاد فإذا نقلت نقلا صحيحا ثبت الحكم بها على أنها كانت من باب التفسير للآية كقراءة عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيمانهما، ولذا وجب قطع يمين السارق لا شماله.
رابعا: لا يجوز ورود لفظ لا معنى له في القرآن أو السنة، لأنه كالهذيان لا يليق بعاقل فكيف بالله ورسوله.
خامسا: لا يجوز ورود لفظ في القرآن والسنة يراد به غير ظاهره إلا بدليل يبيّن المراد منه، كأن يأتي لفظ عام فيحمل على عمومه فإن جاء دليل خاص خصص به العام، وعرفنا حينئذ أن العام لم يرد به عمومه.
سادسا: لا يجوز أن يبقى لفظ مجمل في القرآن والسنة كلفنا بالعمل به غيرَ مُبَيَّنٍ، والمجمل هو ما لم تتضح دلالته من قول أو فعل فإذا ورد لفظ مجمل في كتاب أو سنة لا بد أن يأتي ما يبين المراد منه كي يمكن أن نعمل به كقوله تعالى: ( وأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ ) لا بد أن يرد ما يبين كيفية الصلاة والزكاة، فإن لم نكلف بالعمل به فقد يوجد ذلك كتفسير الحروف المقطعة أول السور.
سابعا: النص الشرعي أربعة أقسام:
1- قطعي الورود قطعي الدلالة.
2- قطعي الورود ظني الدلالة.
3- ظني الورود قطعي الدلالة.
4- ظني الورود ظني الدلالة.
والأول منها قطعي، والثلاثة الأخرى ظنية، والدليل الظني قد يفيد اليقين بما ينضمّ إليه من القرائن.
مثاله: ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج وحرمة الزنا والخمر ونحوها، فإذا كان لفظ الآية لوحده قد يحتمل التأويل كما حصل للبعض في الخمر فإن ما انضم إليها من بيان الرسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل على ذلك مما شاهده الصحابة الكرام بأعينهم وعلموه ضرورة ونقل إلينا إلى يومنا هذا بالتواتر القطعي ينفي كل احتمال، ومثل هذا يقال في ظني الورود كما في كثير من السنة فإنه قد ينضم إلى الخبر ويحتف به من القرائن ما يجعل العالم يقطع بثبوته ككونه في الصحيحين وتلقي الأئمة له بالقبول.

( شرح النص )


الكتابُ الأَوَّلُ في الكتابِ ومباحثِ الأقوالِ
الكتابُ: القرآنُ وهو هنا: اللفظُ المنزَّلُ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم المعجِزُ بسورةٍ منهُ المتعبَّدُ بتلاوتِهِ، ومنهُ البسملةُ أوَّلُ كلِّ سورةٍ في الأصحِّ غيرِ براءةٍ، لا الشاذُّ في الأصحِّ، والسبْعُ متواتِرةٌ ولو فيما هوَ من قبيلِ الأداءِ كالمدِّ، وتحرُمُ القراءةُ بالشاذِّ، والأصحُّ أنَّهُ ما وراءَ العشَرَةِ، وأنَّهُ يجري مجرى الآحادِ، وأنَّهُ لا يجوزُ ورودُ مالا معنى لهُ في الكتابِ والسنَّةِ، ولا ما يُعْنَى بهِ غيرُ ظاهرِهِ إلا بدليلٍ، وأنَّهُ لا يبقى مجملٌ كُلِّفَ بالعملِ به غيرَ مُبَيَّنٍ، وأَنَّ الأدلةَ النقليَّةَ قدْ تفيدُ اليقينَ بانضمامِ غيرِها.
.............................. .............................. .............................. ................
بعد أن فرغ من المقدمة شرع في أول المقصود فقال ( الكتابُ الأَوَّلُ ) من الكتب التسعة ( في الكتابِ ) وهو القرآن ( ومباحثِ الأقوالِ ) المشتمل عليهما القرآن والسنة، لأن القرآن والسنة منهما أمر ونهي وعام وخاص ومطلق ومقيد ومجمل ومبين فيستدعي بيانها ( الكتابُ: القرآنُ وهو هنا ) أي في أصول الفقه، وهذا احتراز عنه في علم الكلام فيراد بالقرآن المعنى النفسي الذي تقول به الأشاعرة ( اللفظُ المنزَّلُ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم ) يخرج المنزل على غيره كالتوراة والإنجيل ( المعجِزُ بسورةٍ منهُ ) كسورة الكوثر قيد يخرح الأحاديث القدسية ( المتعبَّدُ بتلاوتِهِ ) يخرج المنسوخ تلاوته نحو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ( ومنهُ ) أي ومن القرآن ( البسملةُ ) الثابتة ( أوَّلُ كلِّ سورةٍ في الأصحِّ ) لأنها مكتوبة بنفس خط السور في مصاحف الصحابة مع مبالغتهم في أن لا يكتب فيها ما ليس منه، وقيل ليست البسملة من القرآن، وأجمعوا على أن البسملة في قوله تعالى إنَّهُ من سليمانَ وإنهُ بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن ( غيرِ ) أول سورة ( براءةٍ ) فإنها لم تنزل بالبسملة ( لا الشاذُّ في الأصحِّ ) أي ليس الشاذ - و هو ما عدا العشرة مما نقل آحادًا ولم يستفض ولم تتلقه الأئمة بالقبول- من القرآن، وقيل من القرآن ( و ) القراءات ( السبْعُ ) المروية عن القراء السبعة وهم ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ( متواتِرةٌ ) من النبي صلى الله عليه وسلم إلينا أي نقلها عنه جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم إلى أن بلغنا ( ولو فيما هوَ من قبيلِ الأداءِ كالمدِّ ) ذكر العلامة ابن الحاجب رحمه الله إن المنقول عن القراء مما هو من قبيل جوهر اللفظ مثل مالك وملك فهذا متواتر جزما وما هو من قبيل أداء اللفظ وطريقة نطقه كالتفخيم والترقيق والمد مثل المد المتصل والمنفصل وأن هذا يمد ست حركات وهذا أربع حركات ليس من المتواتر، ولم يرتض العلماء قوله بل الجميع متواترٌ ( وتحرُمُ القراءةُ بالشاذِّ ) في الصلاة وخارجها لأنه ليس بقرآن على الأصح ( والأصحُّ أنَّهُ ) أي الشاذ ( ما وراءَ العشرَةِ ) من القراءات أي السبع السابقة وقراآت أبي جعفر ويعقوب وخلف، وقيل الشاذ ما وراء السبع، فالثلاثة الزائدة على هذا القول تحرم القراءة بها، وعلى الأصح هي كالسبع يجوز القراءة بها ( و ) الأصح ( أنَّهُ ) أي الشاذ ( يجري مجرى ) الأخبار ( الآحادِ ) في الاحتجاج والعمل بها لأن الشاذ منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من انتفاء خصوصية قرآنيته انتفاء عموم خبريته ( و ) الأصح ( أنَّهُ لا يجوزُ ورودُ ما ) أي لفظ ( لا معنى لهُ في الكتابِ والسنَّةِ ) لأنه لا يليق، وقيل يجوز، وليس بشيء ( و ) الأصح أنه ( لا ) يجوز أن يرد في الكتاب والسنة ( ما ) أي لفظ ( يُعْنَى بهِ ) أي يقصد به ( غيرُ ظاهرِهِ ) أي معناه الخفي ( إلا بدليلٍ ) يبيّن المراد منه كما في العام المخصوص فإن العام يحمل على عمومه قبل التخصيص فإذا جاء دليل خاص اتضح لنا حينئذ أن المراد من العام هو غير تلك الصورة التي وقع تخصيصها ( و ) الأصح ( أنَّهُ لا يبقى ) في الكتاب والسنة ( مجملٌ ) وهو ما لم تتضح دلالته ( كُلِّفَ بالعملِ به غيرَ مُبَيَّنٍ ) بأن لم تتضح دلالته إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وهو لا يجوز لأن التكليف به يستدعي بيانه، فإن لم يكن أمر تكليف فلا ضير ببقائه على خفائه، وقيل يجوز أن يبقى المجمل على إجماله، وقيل لا يجوز أن يبقى مجمل مطلقا تعلق به عمل أو لا ( و ) الأصح ( أَنَّ الأدلةَ النقليَّةَ قدْ تفيدُ اليقينَ بانضمامِ غيرِها ) من مشاهدة وتواتر، كما في أدلة وجوب الصلاة فإن الصحابة علموا معانيها المرادة بالقرائن المشاهدة ونحن علمناها بواسطة نقل القرائن إلينا تواترًا، وقيل إن الإدلة تفيد اليقين مطلقًا ولو بدون قرائن، وقيل لا تفيده مطلقا ولو مع القرائن.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 09-11-16, 08:01 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثاني عشر- مباحث الكتاب

الدلالة


الدلالة هي: فهم أمر من أمر آخر، كفهم وجود الخالق جلا وعلا من العالم، فالعالم دال ودليل، ووجود الخالق مدلول، والانتقال الذهني من الدال للمدلول هو الدلالة، فالدال هو: المفهِم لشيء آخر، والمدلول هو: الشيء المفهوم من شيء آخر.
فإن كان الدال لفظا فالدلالة لفظية كدلالة لفظ زيد على ذات معينة، وإن كان الدال غير لفظ فالدلالة غير لفظية كدلالة الدخان المتصاعد في السماء على وجود نار.
وكل من الدلالة اللفظية وغير اللفظية ينقسمان إلى ثلاثة أقسام هي: ( وضعية-طبعية- عقلية ).
فالدلالة الوضعية هي: الحاصلة من الوضع والاصطلاح.
كدلالة كل لغة على معانيها، وكمصطلحات العلوم من أصول وفقه ورياضيات وغيرها فإنها تدل على معانيها المصطلح عليها، وكوضع العلامات الدالة على الطريق، وإشارات المرور التي تم الاتفاق على أن كل لون منها يدل على حالة.
والدلالة الطبعية هي: الحاصلة من طبع الشيء المجبول عليه أو من عاداته.
كالصفرة فإن من طبع الإنسان اصفرار وجهه عند خوفه كاحمراره عند خجله، وكاقتضاء طبع بعض الناس أن يقول آخ عند الحس بالألم، وأف عند الضجر، وكعادة بعض الناس أن يضع أصبعه بين أعلى أذنه وحاجبه عند التفكير.
والدلالة العقلية هي: الحاصلة بسبب التلازم العقلي بين شيئين، كدلالة الأثر على المؤثر والفعل على الفاعل فمتى رأينا أثر أقدام علمنا مسيرًا أو فقدان حاجة من البيت علمنا بوجود سارق وهكذا.
ثم الدلالة اللفظية الوضعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: ( مطابقة- تضمن- التزام ).
فالمطابقة هي: دلالة اللفظ على تمام معناه الموضوع له.
كدلالة لفظ الصلاة على تمام معناها وهو عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
والتضمن هو: دلالة اللفظ على جزء معناه الموضوع له، كدلالة لفظ الصلاة على الركوع مثلا.
والالتزام هو: دلالة اللفظ على الخارج عن معناه الموضوع له، كدلالة لفظ الصلاة على الوضوء، فإن الوضوء معناه خارج عن معنى الصلاة ولكنه لازم له.
ويسمى الدال ملزوما، والمدلول لازما، فالصلاة ملزومة والوضوء لازمها، وانتقال الذهن بينهما التزام.
واللازم ينقسم - بحسب عمومه أو خصوصه- إلى قسمين: ( أعم- مساو ).
فاللازم الأعم هو: الذي يوجد في الملزوم وغيره، كالزوجية فإنها لازمة للأربعة وتوجد في غيرها كالستة والثمانية.
واللازم المساوي هو: الذي يوجد في الملزوم فقط ،كطلوع النهار فإنه لازم للشمس فقط، وهنا توجد الملازمة من الجانبين فكلما طلعت الشمس وجد النهار وكلما وجد النهار كانت الشمس طالعة.
وينقسم اللازم أيضا- بحسب محل تحققه- إلى ثلاثة أقسام هي: ( ذهني فقط- خارجي فقط- ذهني وخارجي معا ).
فاللازم الذهني هو: الذي يلزم في التصور والذهن فقط، كدلالة العمى على البصر فإن العمى متى تصور في العقل تصور معه البصر لأن العمى عدم البصر ولكن في العالم الخارجي لا يمكن أن يجتمع العمى والبصر في محل واحد.
واللازم الذهني والخارجي هو: الذي يلزم في التصور والذهن وفي الواقع الخارجي أيضا.
كدلالة الفعل على الفاعل والمفعول كالضرب فإن من تصور معناه وهو إيقاع شيء على شيء، تصور معه الضارب والمضروب، وكذلك في الواقع لا يوجد ضرب من دون ضارب ومحل يقع عليه الضرب.
واللازم الخارجي هو: الذي يلزم في الواقع الخارجي فقط.
كلزوم السواد للغراب فإن من تصور معنى الغراب وهو حيوان ناعق ولم يره لم يلزمه أن يتصوره أسود أو أبيض لأنه لا ترابط وتلازم ولكن في العالم الخارجي كل غراب أسود وكذا قل في لزوم البياض للثلج.
وهنا مسألتان:
الأولى: اتفقوا على أن دلالة اللفظ على معناه المطابق هي دلالة وضعية تؤخذ من اللفظ، ولكن اختلفوا في دلالة اللفظ على معناه التضمني والالتزامي فقيل: دلالة عقلية أي من أقسام الدلالة العقلية فبواسطة العقل ينتقل من معنى الشيء المطابق إلى جزئه ولازمه، والأظهر هو أن دلالة الالتزام لوحدها عقلية وأما دلالة التضمن فوضعية.
الثانية: المعتبر في المنطق في دلالة الالتزام أن يكون اللزوم ذهنيا أو ذهنيا وخارجيا معا وأما اللزوم الخارجي فغير معتبر، وأما عند علماء الأصول فلا يشترط ذلك.
ثم اللفظ وهو : الصوت المشتمل على بعض الأحرف ينقسم إلى قسمين ( مفرد - مركب ).
فالمفرد هو: ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، كزيد فأجزاؤه وهي الزاي والياء والدال لا تدل على جزء من ذاته.
والمركب هو: ما يدل جزؤه على جزء معناه، نحو غلام زيد فإن الغلام يدل على جزء المعنى وزيد يدل على جزء آخر.
واللفظ المركب متى نقل إلى العلمية صار مفردا لأنه لم يعد يدل جزؤه على جزء معناه كعبد الله فهو مركب من كلمتين فإذا سمي به شخص صار مفردا وصارت كلماته الأصلية كالزاي والياء من زيد، وكأسماء العلوم مثل أصول الفقه وأصول الدين ومصطلح الحديث، فإذا أريد بها أسماء علوم مخصوصة فهي مفردة، وهي في الأصل مركبة من كلمتين.

( شرح النص )


المنطوقُ والمفهومُ
المنطوقُ: ما دلَّ عليهِ اللفظُ في محلِ النطقِ، وهوَ إنْ أَفادَ ما لا يحتمِلُ غيرَهُ كزيدٍ فنصٌّ، أَو ما يحتمِلُ بدَلَهُ مرجوحًا كالأسدِ فظاهِرٌ، ثُمَّ إنْ دلَّ جزؤُهُ على جزءِ معناهُ فمركَّبٌ، وإلا فمفردٌ، ودَلالَتُهُ على معناهُ مطابَقَةٌ، وعلى جُزئِهِ تَضَمُّنٌ، ولازمِهِ الذهنِيِّ التِزامٌ، والأُولَيَانِ لفظِيَّتانِ، والأَخِيرَةُ عقْلِيَّةٌ.
.............................. .............................. .............................. ................
دلالة النصوص على الأحكام الشرعية إما بالمنطوق أو بالمفهوم،وهو مبحث مهم ذكره المصنف بقوله:( المنطوقُ والمفهومُ ) أصل الكلام: هذا مبحثُ المنطوقِ والمفهوم، فحذف المبتدأ هذا، والمضاف مبحث، وأقيم المضاف إليه مقامه ( المنطوقُ ما ) أي معنى ( دلَّ عليهِ اللفظُ في محلِ النطقِ ) محل النطق هو مقام إيراد اللفظ والمعنى هو أن المنطوق هو معنى دل عليه اللفظ في مقام إيراد اللفظ، بمعنى أن المعنى يؤخذ من اللفظ ويستفاد منه بعكس المفهوم الذي هو معنى دل عليه اللفظ لا في محل النطق فهو غير منطوق به بل مسكوت عن بيانه، فقوله تعالى: فلا تقلْ لهما أُفٍّ، يدل على تحريم التأفيف بالمنطوق لأن هذا النص مستعمل في معناه المطابق، وتحريم الضرب يستفاد من المفهوم لأنه مسكوت عن بيانه ولم يذكر له لفظ بعينه كي يفيد هذا المعنى، وسيأتي مزيد تفصيل إن شاء الله ( وهوَ ) أي اللفظ الدال في محل النطق ( إنْ أَفادَ ما ) أي معنى ( لا يحتمِلُ ) أي اللفظ ( غيرَهُ ) أي غير ذلك المعنى ( كزيدٍ ) في نحو: جاءَ زيدٌ، فإن زيدًا مفيد للذات المشخصة من غير احتمال لغيرها ( فنصٌّ ) أي يسمى به ( أَو ) أفاد اللفظ ( ما ) أي معنى ( يحتمِلُ ) اللفظ ( بدَلَهُ ) أي بدل ذلك المعنى حال كونه ( مرجوحًا كالأسدِ) في نحو: رأيتُ اليومَ أسدًا، فإن الأسد مفيدٌ للحيوان المفترس مع احتمال أن يراد بدل ذلك المعنى الرجل الشجاع وهو معنى مرجوح لأنه معنى مجازي والأول حقيقي ( فظاهِرٌ ) أي يسمى به، أما المحتمل لمعنى مساو للآخر كالجون في نحو: ثوبُ زيدٍ جَوْنٌ، فإنه محتمل لمعنييه أي الأسود والأبيض على السواء فيسمى مجملا وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله ( ثُمَّ ) اللفظ ينقسم باعتبار آخر إلى مفرد ومركب لأنه ( إنْ دلَّ جزؤُهُ ) أي جزء لفظه ( على جزءِ معناهُ فمركَّبٌ ) تركيبا إسناديا كزيد قائم، أو إضافيا كغلام زيدٍ، أو تقييديا مثل الحيوانُ الناطِقُ، فإن الناطق صفة للحيوان مقيدة له لأنه إذا قيل الحيوان فقط لم يعلم أن المراد به الإنسان إلا إذا ذكر معه الناطق ( وإلا ) أي وإن لم يدل جزؤه على جزء معناه ( فمفردٌ ) كزيد ( ودَلالَتُهُ ) أي اللفظ ( على معناهُ مطابَقَةٌ ) كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق ( و ) دلالة اللفظ (على جُزئِهِ ) أي على جزء معناه ( تَضَمُّنٌ ) كدلالة الإنسان على الحيوان فقط أو الناطق فقط ( و ) دلالة اللفظ على ( لازمِهِ ) أي لازم معناه ( الذهنِيِّ ) سواء كان ذهنيا فقط أو ذهنيا وخارجيا معا، قيد احترز به عن اللازم الخارجي ( التِزامٌ ) كدلالة الإنسان على قابل التعلم، ثم هو تبع اصطلاح أهل المنطق ( والأُولَيَانِ ) أي دلالتا المطابقة والتضمن ( لفظِيَّتانِ ) أي مستفادتان من محض اللفظ الموضوع لمعنى ( والأَخِيرَةُ ) أي دلالة الالتزام ( عقْلِيَّةٌ ) لتوقفها على الانتقال من المعنى الموضوع له اللفظ إلى لازمه.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 12-11-16, 04:25 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثالث عشر- مباحث الكتاب

المنطوق والمفهوم

المنطوق هو: المعنى الذي دلّ عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن،مثل قولك: جاءَ زيدٌ، فهو يدل على مجيء شخص معين، فالمعنى المدلول عليه بهذا اللفظ منطوق به لأن هذا اللفظ موضوع في لغة العرب لإفادة هذا المعنى.
فإذا جاءَ نصّ ووجدنا المعنى المستفاد منه هو تمام ما وضع له اللفظ أو بعضه فهو المنطوق.
ولكن ما هو الحال إذا كان المعنى المستفاد من اللفظ مأخوذًا بالالتزام ؟
والجواب هو: أن دلالة الالتزام واسعة تشمل أقساما عدة هي:
1- أن يدل اللفظ على كلمة محذوفة من النص وجودها ضروري ليستقيم الكلام.
مثل: ( لا عملَ إلا بنيةٍ ) هذا اللفظ يدل بالدلالة الوضعية المطابقية على أنه لا يقع عمل في الواقع من غير أن يصاحبه نية، ولكنا نجد أن كثيرا من الأعمال تقع بغير نية شرعية تصحبه، فلا بد من تقدير كلمة صحيح أي لا عملَ صحيحَ إلا بنية، فهنا المعنى المطابق دلّ بالالتزام على تقدير كلمة صحيح، لأنا لو لم نقدره لصار الكلام كذبا.
وتسمى هذه الدلالة بدلالة الاقتضاء.
2- أن يدل اللفظ على أن الوصف الذي ترتّب عليه الحكم هو علة لذلك الحكم.
مثل: ( القاتل لا يرِث ) فهذا اللفظ يدل بالمنطوق الصريح على أن من قتل مورثه يحرم من الإرث، ويدل بالالتزام على أن علة منع الوارث من إرثه هو القتل، فالمشتق ( قاتل ) عُلِّق عليه حكم المنع من الإرث، فدل على أن القتل علة للحكم، لأنه لو لم يكن علة له لصار الكلام معيبا، لأنه علق الحكم على وصف لا مدخل له فهو بمنزلة لو قال: الإنسان لا يرث أو المسلم لا يرث ونحو ذلك.
ومثل: ( السارق تقطع يده ) فهذا اللفظ يدل بمنطوقه الصريح على وجوب قطع يد السارق، ويدل بالدلالة الالتزامية العقلية على أن السرقة علة القطع، وإلا لصار الكلام معيبا، ولصح بدل السارق والسارقة الرجل والمرأة تقطع يدهما.
وتسمى هذه الدلالة بدلالة التنبيه والإيماء.
3- أن يدل اللفظ على حكم غير مقصود ولكنه تابع ولازم لحكم آخر مقصود.
أي أن يساق الكلام ليدل على معنى هو المقصود من اللفظ هو المنطوق به يتبعه حكم آخر غير مقصود لازم له .
مثل: ( يحل الوطء للصائم في أي وقت من الليل ) فالمنطوق الصريح هو جواز الجماع للصائم طوال ليلة الصيام، ويلزمه صحة صيام المجنب، لأن من وطء ونزع عن الجماع قبل الفجر بلحظة يلزمه أنه لن يدرك ما يكفي من الوقت ليغتسل من الجنابة فيدخل الفجر وهو مجنب.
ومثل قول أم المومنين عائشة رضي الله عنها: ( كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيه ) متفق عليه، فمنطوقه الصريح هو فرك المني عن الثوب والصلاة فيه، ولازمه طهارة المني لأنه لو كان نجسا للزم غسله.
وتسمى هذه بدلالة الإشارة وهي دلالة واسعة جدا تتباين فيها الأفهام تباينا شاسعا.
4- أن يدل مفهوم اللفظ على حكم موافق للحكم المنطوق.
وهو ما يسمى بمفهوم الموافقة أي أن يدل الحكم المنطوق على علة الحكم فيؤخذ من العلة حكما آخر موافقا للحكم المنطوق فإذا كان المنطوق تحريما مثلا كان المفهوم مثله وإذا كان إيجابا كان المفهوم مثله.
مثل قوله تعالى: ( فلا تقل لهما أفٍّ ) فمنطوقه حرمة التأفيف ومفهومه حرمة الضرب والشتم ونحوهما، فهذا الحكم أخذ من المنطوق لاشتراكهما في علة التحريم وهي الإيذاء وهو في المفهوم أولى أي أن الضرب أولى بالتحريم من التأفيف ويسمى هذا النوع فحوى الخطاب.
ومثل قوله تعالى: ( إنّ الذينَ يأكلونَ أموالَ اليتامى ظلمًا إنما يأكلونَ في بطونِهم نارًا وسيصلونَ سعيرا ) فيدل بمنطوقه على حرمة أكل أموال اليتامى، ويدل بمفهمومه الموافق على حرمة إحراق أموال اليتامى، لأن العلة هي إتلاف أموالهم، والمفهوم هنا مساو للمنطوق في الحكم ويسمى هذا النوع لحن الخطاب.
5- أن يدل مفهوم اللفظ على حكم مخالف للحكم المنطوق.
وهو ما يسمى بمفهوم المخالفة وهو ما يؤخذ من تخلف قيد من قيود الحكم.
مثل: ( تجب الزكاة في الغنم السائمة ) فمنطوقه وجوب الزكاة في الغنم إذا كانت سائمة تأكل من حشائش الأرض، ومفهومه عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة.
فإذا علم هذا فقد اتفق العلماء على أن ما دل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن يكون منطوقا، وما دل عليه بالموافقة أو المخالفة يكون مفهوما، واختلفوا في دلالة الاقتضاء والإشارة والتنبيه على ثلاثة أقوال:
1- هي من دلالة المفهوم، فكل ما دلّ عليه اللفظ بالالتزام فهو من المفهوم.
2- هي من دلالة المنطوق غير الصريح فالمنطوق ينقسم إلى صريح وهو ما دل بالمطابقة أو التضمن، وغير صريح وهو ما دل بالالتزام.
3- هي ليست من المنطوق أو المفهوم بل هي قسم مستقل يسمى بتوابع المنطوق.
مسألة: اختلف العلماء في كيفية استفادة مفهوم الموافقة من النص على قولين:
1- إن الحكم مأخوذ بالقياس الأصولي كقوله تعالى: ( فلا تقلْ لهما أفٍّ ) نستخرج حرمة الضرب بالقياس بأن نعطي حكم الأصل وهو الحرمة إلى الفرع وهو الضرب لاتحادهما في علة الحكم وهو الإيذاء، ويسمى هذا النوع بالقياس الأولى لأن الحكم المأخوذ أولى من المنطوق فإن الضرب أشد تحريما لأنه أشد إيذاءً.
2- إن الحكم مأخوذ من جهة اللغة لا بالقياس بأن يكون اللفظ دل عليه دلالة في غير محل النطق أي دلالة غير مباشرة وأمارة ذلك أن القياس يحتاج إلى نظر واستنباط وبحث عن العلة بينما العلة هنا وهي الإيذاء تفهم من اللغة ومن نفس النص فالعربي مباشرة يفهم أن النهي عن التأفيف للايذاء.
فعلى القول الأول يكون حكم الضرب مستخرجا بالقياس، وعلى الثاني يكون مأخوذًا من لفظ الآية بالفحوى.

( شرح النص )

ثُمَّ هِيَ إِنْ تَوَقَّفَ صِدْقُ المنْطُوقِ أَوْ صِحَّتُهُ على إِضمارٍ فَدَلالَةُ اِقْتِضاءٍ، وإِلا فَإِنْ دَلَّ على ما لمْ يُقْصَدْ فدَلالَةُ إِشارةٍ، وإِلا فدَلالَةُ إيماءٍ.
والمفهومُ: ما دلَّ عليهِ اللفْظُ لا في مَحَلِّ النُّطْقِ، فإنْ وافقَ المنطوقَ فمُوافَقَةٌ ولو مُساوِيًا في الأصحِّ، ثمَّ فَحْوَى الخِطابِ إِنْ كانَ أَوْلى، ولَحْنُهُ إنْ كانَ مُساوِيًا، فالدَّلالَة مَفْهُومِيَّةٌ في الأصَحِّ. وإِنْ خَالَفَهُ فَمُخَالَفَةٌ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
قد تقدّم أن المدلول من اللفظ نوعان: منطوق، ومفهوم، فالمنطوق هو: ما دلّ عليه اللفظ في محل النطقِ، فإذا قلتَ: جاءَ زيدٌ، فالمعنى الذي دلّ عليه اللفظ في مقام وحالة نطقك بهذه الجملة هو مجيء ذات مشخصة فيكون منطوقا، والمنطوق نوعان: صريح وهو ما دلّ عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن، وهو ثلاثة أقسام: نص كزيد في نحو: جاءَ زيدٌ، وظاهر كالأسد في نحو رأيتُ اليومَ أسدًا، ومجمل كجَوْن في نحو: ثوبُ زيدٍ جَوْنٌ، وغير صريح وهو ما دلّ عليه اللفظ بالالتزام، وهو ثلاثة أقسام: إقتضاء نحو: واسألْ القريةَ، أي أهلها لامتناع توجيه السؤال إلى البنايات، وإشارة نحو: أُحِلَّ لكمْ ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ، على صحة صيام من أصبح مجنبًا، وتنبيه نحو: الزانيةُ والزاني فاجلِدُوا كلّ واحدٍ منهما مائةَ جلدةٍ، على أن الزنا علة الجلد، فاتضح أن دلالة الالتزام هي التي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، ولذا قال: ( ثُمَّ هِيَ ) أي دلالة الالتزام ( إِنْ تَوَقَّفَ صِدْقُ المنْطُوقِ أَوْ صِحَّتُهُ على إِضمارٍ ) أي على تقدير، مثال ما توقف صدق الكلام على مضمر إنما الأعمال بالنيات، أي صحتها، ومثال ما توقف صحة الكلام على إضمار واسأل القرية، أي أهلها، والفرق بين الصدق والصحة هو أن الأول في حال الإخبار عن شيء، والثاني في حال الإنشاء والطلب ( وإِلا ) أي وإن لم يتوقف صدق المنطوق ولا الصحة له على إضمار ( فَإِنْ دَلَّ ) اللفظ ( على ما لمْ يُقْصَدْ ) باللفظ أي أن المعنى الإشاري لم يقصد باللفظ بيانه، بخلافه في الإضمار فهو مقصود لتوقف الصدق والصحة عليه ( فدَلالَةُ إِشارةٍ ) أي يسمى بذلك ( وإِلا ) أي وإن لم يكن من الأول والثاني بأن دل اللفظ على ما قصد بيانه به ولم يتوقف على إضمار ( فدَلالَةُ إيماءٍ ) وتنبيه أي يسمى بذلك ( والمفهومُ: ما ) أي معنى ( دلَّ عليهِ اللفْظُ لا في مَحَلِّ النُّطْقِ ) أي لم يدل عليه اللفظ في مقام إيراد اللفظ بل ينتزع انتزاعا من السكوت عن بيانه نحو: إن جاءَك زيدٌ فأكرمه، فالمنطوق وهو وجوب إكرام زيد عند مجيئه أخذ من الألفاظ مباشرة، أما المفهوم وهو لا تكرم زيدًا إن لم يجئك فلم يؤخذ من الألفاظ مباشرة ( فإنْ وافقَ ) المفهومُ ( المنطوقَ ) في الحكم ( فمُوافَقَةٌ ) أي يسمى بذلك ويسمى مفهوم موافقة أيضا ( ولو ) كان المفهوم ( مُساوِيًا ) للمنطوق، وذلك أن مفهوم الموافقة نوعان أولى ومساو، فالأولى كتحريم ضرب الوالدين فهو أولى من التأفيق الذي ورد به النص، والثاني كتحريم إحراق أموال اليتامى فهو مساو لأكل أموال اليتامى الذي ورد به النص ( في الأصحِّ ) وقيل إذا كان المفهوم مساويا للمنطوق فلا يسمى مفهوم موافقة بل يسمى مفهوم مساواة واتفقوا على الاحتجاج به فالخلاف في التسمية فقط ( ثمَّ ) المفهوم الموافق يسمى ( فَحْوَى الخِطابِ إِنْ كانَ أَوْلى ) بالحكم من المنطوق ( ولَحْنُهُ ) أي لحن الخطاب ( إنْ كانَ مُساوِيًا ) للمنطوق في الحكم ( فالدَّلالَة ) على الموافقة ( مَفْهُومِيَّةٌ ) أي بطريق الفهم من اللفظ لا في محل النطق من غير حاجة إلى قياس ( في الأصَحِّ ) وقيل بل دلالته قياسية تؤخذ من القياس الشرعي كما أخذت حرمة النبيذ قياسا على الخمر بأن نقول الأصل هو التأفيف وحكمه هو التحريم وعلته هو الإيذاء فننقل حكم الأصل للفرع الذي هو الضرب لاشتراكهما في العلة، هذا وقد قال الإمام الجويني في البرهان ج2 ص 22: اختلف أرباب الأصول في تسمية ذلك قياسا فقال قائلون: إنه ليس من أبواب القياس وهو متلقى من فحوى الخطاب، وقال آخرون: هو من القياس، وهذه مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية اهـ ( وإِنْ خَالَفَهُ ) أي خالف المفهومُ المنطوقَ ( فَمُخَالَفَةٌ ) أي يسمى بذلك ويسمى مفهوم مخالفة أيضا.


الموضوع الأصلي: http://www.feqhweb.com/vb/showthread...#ixzz4PnhkHg8K
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 23-11-16, 04:24 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الرابع عشر- مباحث الكتاب


مفهوم المخالفة


قد تقدم أن مفهوم المخالفة هو ما يؤخذ من تخلف قيد من قيود الحكم، نحو: إن جاءَ زيدٌ فأكرمْهُ، فمجيء زيد هو قيد في الحكم الذي هو الإكرام، فإن لم يجئ فلا يجب إكرامه، أي أن الإكرام يدور مع المجيء فإن ثبت ثبت وان انتفى انتفى.
ولمفهوم المخالفة شرط هو: ( أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت ).
نحو: في الغنم السائمة زكاة، فالسائمة صفة وقيد للحكم وهو وجوب الزكاة؛ لأنّ السائمة لم تذكر إلا لنفي الحكم وهو وجوب الزكاة عن المعلوفة التي هي المسكوت عنه، فإن السائمة منطوق بها، والمعلوفة مسكوت عنها .
فإن ظهر أن للمذكور فائدة غير نفي الحكم فالمفهوم ملغى لا يعمل به، وذلك في مواضع هي:
1- أن يخرج اللفظ مخرج الغالب، بأن يكون ذكر القيد لا لأجل الاحتراز عن شيء ما بل لأن الغالب من أحواله هو ذلك مثل قوله تعالى: ( ولا تقتلوا أولادَكم خشيةَ إملاقٍ ) فالمشركون كانوا يقتلون أولادهم في الجاهلية خشية من الفقر هذا هو السبب في غالب حالات قتل الأولاد، فلم يذكر هذا لبيان أنه إذا كان قتل الأولاد ليس خشية الإملاق فهو غير محرم.
2- أن يكون ترك ذكر المسكوت لخوف تهمة، كقول قريب عهد بالإسلام لغلامه بحضور المسلمين: تصدّق بهذا على أقربائي المسلمين، أي وغير المسلمين ولكنه لم يذكر ذلك خوفا من اتهامه بالنفاق فحينئذ لا يكون ذكر المسلمين للاحتراز.
3- أن يكون المنطوق ذكر لموافقة الواقع، أي أنه ذكر لأجل أن الواقع هو ذلك لا للاحتراز كقولك لمن يؤذي جاره المسلم: لا تؤذي جارك المسلم، فلم ترد به الاحتراز وبيان جواز إيذاء الجار الكافر بل الكلام منصب على حالة محددة واقعية.
4- أن يكون المنطوق ذكر جوابا لسؤال، كما لو قيل: هل تجب الزكاة في الغنم السائمة ؟ فأجيب: في الغنم السائمة زكاة فهذا الوصف أعني السائمة لا مفهوم له حينئذ لكونه خرج جوابا لسؤال فلا يدل هذا على أن غير السائمة لا زكاة فيها.
5- أن يكون المنطوق ذكر بيانا لحكم حادثة معينة تتعلق به، كما لو قلتَ: لزيدٍ غنم سائمة، فقيل: في الغنم السائمة زكاة فهذا الوصف أعني السائمة لا مفهوم له حينئذ لكونه تعلّق بحادثة معينة، فلا يدل هذا على أن غير السائمة لا زكاة فيها.
6- أن يكون المنطوق قد ذكره المتكلم لجهل المخاطب بحاله دون حكم المسكوت، كما لو قيل لمن يعرف أن صلاة النافلة تشرع قائما ولكن لا يعرف أنها تشرع جالسا فبين له الحكم فقيل: تشرع صلاة النافلة جالسا، فوصف الجلوس ليس للاحتراز بل لكونه يعلم أن المخاطب لا يجهل حكم صلاة النافلة قائما.
7- أن يكون المسكوت عنه قد تركه المتكلم لجهله بحاله دون حكم المنطوق، كما لو جهل شخص حكم صلاة النافلة جالسا فقال: تشرع صلاة النافلة قائما، فلا يدل على عدم مشروعية الجلوس لأنه تكلم على حالة يعلمها وترك ما لا يعلمه.
والجامع لهذه الشروط ونحوها هو: أن لا يظهر للقيد فائدة سوى نفي الحكم، فإن ظهر له فائدة أخرى ألغي المفهوم.
مسألة: تلك الشروط وإن ألغت اعتبار مفهوم المخالفة إلا أنها لا تمنع إلحاق المسكوت بالمنطوق بواسطة القياس الأصولي.
فمثلا خروج اللفظ مخرج الغالب يلغي مفهوم المخالفة نحو ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، فلا يدل على جواز قتلهم إذا كان لغير خشية إملاق فالمفهوم ملغى، ولكن لنا أن نقيس المسكوت عنه وهو ما كان لسبب آخر ككراهية الولد من تلك الأم على المنطوق وهو خشية الفقر ما دام أنه توجد علة القياس فإن العلة هنا هو تحريم إزهاق النفس بالباطل وهو متحقق في المنطوق والمسكوت بلا فرق.

( شرح النص )


وَشَرْطُهُ أَلَّا يَظْهَرَ لتخصيصِ المنطوقِ بالذكرِ فائدةٌ غيرُ نفيِ حُكْمِ غيرِهِ، كَأَنْ خرجَ للغالِبِ في الأصحِّ، أَو لخوفِ تُهْمَةٍ، أَوْ لِمُوافَقَةِ الواقِعِ، أَوْ سُؤَالٍ، أَوْ لِحادِثَةٍ، أَو لجهلٍ بِحكمِهِ، أَوْ عَكْسِهِ، ولا يمنعُ قياسَ المسكوتِ بالمنطوقِ فلا يَعُمُّهُ المعروضُ، وقيلَ يَعُمُّهُ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
قد تقدّم أن مفهوم المخالفة طريق للعلم بالحكم الشرعي ولكن ليس في كل مورد بل له شرطه بيّنه بقوله: ( وَشَرْطُهُ ) أي شرط مفهوم المخالفة ليكون معتبرا ( أَلَّا يَظْهَرَ لتخصيصِ المنطوقِ ) الذي هو القيد ( بالذكرِ فائدةٌ غيرُ نفيِ حُكْمِ غيرِهِ ) أي غير المنطوق وهو المسكوت، فإذا قيل: في الغنمِ السائمةِ زكاةٌ، يقال: الغنم منها المعلوفة ومنها السائمة فلأي غرض خصّ السائمة بالذكر ؟ الجواب: لنفي الزكاة عن المعلوفة فلم يظهر لذكر القيد هنا فائدة سوى نفي الحكم، فإن ظهرت فائدة غير ذلك ألغي المفهوم ولذا قال: ( كَأَنْ خرجَ ) القيد المذكور ( للغالِبِ ) بأن صرّح به المتكلم لأن الكثير الغالب من صوره مقيد بذلك القيد لا لأجل الاحتراز كما في قوله تعالى: وربائبكم اللآتي في حجوركم، والربائب جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غير زوجها الحالي، وقد وصفن بكونهن في حجور أي بيوت أزواج الأمهات لأجل أن الغالب في الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها، فلا يدل هذا على مخالفة حكم من لم يكن في حجر الازواج لمن كنّ فيها ( في الأصحِّ ) وقيل إن هذا ليس بشرط ( أَو لخوفِ تُهْمَةٍ ) من ذكر المسكوت، كأن يقول حديث عهد بإسلام لغلامه بحضرة المسلمين: تصدق بهذا المال على المسلمين، فلا يعتبر مفهوم المسلمين ويمنع التصدق على الكفار؛ لأنه ترك ذكر غير المسلمين خوفا من أن يتهم بالنفاق ( أَوْ لِمُوافَقَةِ الواقِعِ ) كقوله تعالى: لا يتخذ المؤمنونَ الكافرينَ أولياءَ مِنْ دونِ المؤمنينَ، فإنها نزلت في قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فجاءت الآية ناهية عن هذه الحالة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، فلا يقال يجوز موالاة الكفار مع المسلمين ( أَوْ ) لجواب ( سُؤَالٍ ) عن المذكور، كما لو فرض أن سائلا سأله صلى الله عليه وسلم: هل في الغنم السائمة زكاة ؟ فأجاب: في الغنم السائمة زكاة، فلا يكون لذكر السائمة مفهوم، لأن ذكرها في الجواب لمطابقة السؤال ( أَوْلـِ ) بيان حكم ( حادِثَةٍ ) تتعلق بالمذكور كما لو فرض أنه قيل بحضرته صلى الله عليه وسلم لفلان غنم سائمة، فقال: في الغنم السائمة زكاة، فلا يكون لذكر السائمة مفهوم، لأن ذكرها كان متعلقا بقضية معينة فلا يعم غيرها ( أَو لجهلٍ ) من المخاطب ( بِحكمِهِ ) أي حكم المنطوق دون المسكوت عنه، كما لو فرض أنه صلى الله عليه وسلم خاطب من يعلم حكم المعلوفة ويجهل حكم السائمة فقال: في الغنم السائمة زكاة، فلا يكون لذكر السائمة مفهوم، لأن تخصيصها بالذكر لكون المخاطب لا يجهل إلا إياها ( أَوْ عَكْسِهِ ) أي أو لجهل المتكلم بحكم المسكوت دون حكم المنطوق كقولك: في الغنم السائمة زكاة، وأنت تجهل حكم المعلوفة، فلا يكون لذكر السائمة مفهوم، لأن اقتصارك عليها لكونها هي المعلومة عندك، تنبيه: ظهر من قول المصنف: كَأَنْ خرجَ .. أن الكلام خرج مخرج التمثيل لا الحصر، فيشمل غيرها كما لو كان القيد للامتنان به أي ذكرَه لأنه هو محل الامتنان واظهار النعمة لا لأجل الاحتراز كقوله تعالى: لتأكلوا منه لحمًا طَرِيًّا، فلم يرد سبحانه بذكر وصف الطري الاحتراز عن اللحم غير الطري بل إظهار زيادة الامتنان به فإن اللحم الطري أحب للنفوس من القديد وهو اللحم الذي قطع وملح وعرض على الشمس والهواء فجف ويبس وكانوا يفعلون ذلك لغرض حفظه من التلف فلم يكن لهم ما أنعم الله به علينا من الثلاجات، والقاعدة هي أن لا يظهر للقيد فائدة سوى نفي الحكم، فإن ظهر له فائدة أخرى ألغي المفهوم ( ولا يمنعُ ) ما يقتضي تخصيص المذكور بالذكر مما تقدم ( قياسَ المسكوتِ بالمنطوقِ ) إذا كان بينهما علة جامعة، مثاله: لو قيل: هل في الغنم السائمة زكاة ؟ فأجيب: في الغنم السائمة زكاة، فهنا مفهوم السائمة ملغى، ولكن هل يجوز لنا أن نقيس المسكوت على المنطوق أعني المعلوفة على السائمة ؟ الجواب نعم لا مانع من ذلك، وهذا مبني على مسألة وهي: إذا ألغي مفهوم المخالفة هل يصير القيد لاغيا كأنه غير موجود أو لا يصير لاغيا بل يعتبر وجوده ولكن لا يؤخذ منه مفهوم ؟ فإذا أجيب: في الغنم السائمة زكاة، فهل نقول ألغي وصف السائمة فكأنه قال: في الغنم زكاة، واسم الغنم يعم السائمة والمعلوفة كما هو معلوم فيكون قد بين المتكلم حكم المعلوفة أيضا وأن فيها الزكاة، أو نقول لا نلغيه ويكون المتكلم قد بين أن في الغنم السائمة زكاة ولكنه لم يبين حكم المعلوفة فقد يكون فيها زكاة وقد لا يكون فنحتاج لدليل، فإذا قلنا بالأول وهو أن الاسم أي الغنم يعمه فأي حاجة لقياس المعلوفة على السائمة وهما مندرجان تحت لفظ واحد يعمهما، وإذا قلنا بالثاني وهو أن القيد غير ملغى وبالتالي لم يبين حكم المعلوفة بل هو مسكوت عنه فلنا إذا توفرت العلة الجامعة أن نقيس المسكوت على المنطوق وهذا هو الأصح ولذا قال: ( فلا يَعُمُّهُ ) أي المسكوتَ ( المعروضُ ) وهو اللفظ المقيد، فإذا قيل الغنم السائمة، فالغنم معروض أي موصوف والسائمة عارض أي وصف، والمعنى أن لفظ المعروض لا يتناول المسكوتَ، فنحتاج للقياس، وهذا هو الأصوب ( وقيلَ يَعُمُّهُ ) أي يعمُّ المسكوتَ المعروضُ؛ لأن قيد السائمة مثلا لما ألغي مفهومه اعتبر كأنه غير موجود فكأن المتكلم لم يذكره بل قال: في الغنم زكاة، فحينئذ لا نحتاج للقياس لاندراج المعلوفة تحت اسم الغنم.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 23-11-16, 04:26 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الخامس عشر- مباحث الكتاب

أنواع مفهوم المخالفة


1- الصفة وهي: كل لفظ مقيد لآخر، مما هو في المعنى وصف فيشمل: ( النعت النحوي- الإضافة- العلة- الظرف الزماني- الظرف المكاني-الحال- العدد ).
مثال النعت النحوي: في الغنمِ السائمةِ زكاةٌ.
ومثال الإضافة: في سائمةِ الغنمِ زكاةٌ.
ومثال العلة: أعطِ السائلَ لحاجتِهِ أي المحتاج.
ومثال الظرف الزماني: سافرْ يومَ الجمعةِ أي لا غيره من الأيام.
ومثال الظرف المكاني: اجلسْ أمامَ فلانٍ أي لا في غيره من بقية الجهات.
ومثال الحال: أحسنْ إلى العبدِ مطيعًا أي لا عاصيًا.
ومثال العدد: امش ثلاثين خطوة أي لا أقل ولا أكثر.
ثم الصفة قد تكون مناسبة للحكم، وقد تكون غير مناسبة للحكم، مثال الأولى: في الغنم السائمة زكاة، فإن السوم صفة مناسبة للحكم بوجوب الزكاة، لأن السوم يدل على خفة المؤنة والتكاليف على صاحب الغنم فناسب فرض الزكاة عليه، ومثال الثانية: كما لو قيل: في الغنمِ العُفْرِ زكاة، والعفر هي التي يعلو بياضها حمرة، فصار لونها كلون العَفَر من التراب، وهو معنى غير مناسب لوجوب الزكاة.
2- الشرط نحو أكرمْ زيدًا إن جاءَك أي لا إن لم يجئك.
3- الغاية نحو كل حتى يطلع الفجر أي لا بعده.
4- تقديم المعمول نحو إياك نعبد وإياك نستعين أي دون غيرك.
5- إنما نحو إنما العلم بالتعلم أي لا بغيره.
6- النفي والاستثناء نحو لا غالب إلا الله.
7- ضمير الفصل- وهو ما يفصل بين المبتدأ والخبر- نحو زيدٌ هوَ الرابحُ أي لا غيره.

ترتيب أنواع مفهوم المخالفة


بعض المفاهيم أعلى من بعض وأقوى دلالة فأعلاها:
1- ما كان بالنفي والاستثناء مثل لا عالمَ إلا زيدٌ لسرعة تبادر المفهوم المخالف إلى الذهن حتى قال بعض العلماء إنه منطوق صراحة وليس من المفهوم.
2- الغاية، وإنما.
3- الشرط، وضمير الفصل.
4- الصفة المناسبة.
5- مطلق الصفة غير العدد.
6- العدد.
7- تقديم المعمول.
وفائدة هذا الترتيب تظهر عند التعارض، فإذا تعارض مفهوم الغاية والشرط مثلا قدم الغاية، وكذا إن تعارض مفهوم الشرط والصفة قدم الشرط، وقس عليه الباقي.

مفهوم اللقب


المراد من اللقب هو: الاسم المعبِّر عن ذات، فيشمل: العلم واسم الجنس.
فالعلم هو: اسم دل على معين، كزيد، فإذا قلنا جاءَ زيدٌ، فهل له مفهوم مخالف وهو أنه لم يجئ غيره؟ الجواب: لا.
واسم الجنس هو: اسم دل على شائع في جنسه، كرجل وتراب وماء وشجرة ونحوها من النكرات، فإذا قلنا: في الغنمِ زكاة، فالغنم لقب فلا يدل على عدم وجوب الزكاة في غيرها من بقر وإبل.

حجية مفهوم المخالفة


مفهوم المخالفة حجة عند جمهور العلماء، وحجيته ثابتة بدلالة اللغة فإن المألوف في أساليب اللغة أن تقييد الحكم بقيد يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء ذلك القيد، ولذا فهم كثير من أئمة اللغة كأبي عبيدة من قوله صلى الله عليه وسلم: مَطَلُ الغنيِّ ظلمٌ. رواه البخاري ومسلم، أن مطل غير الغني ليس بظلم، والمطل هو المماطلة وعدم تسديد الدين، وهم إنما يقولون في مثل ذلك ما يعرفونه من لسان العرب، فظهر أن حجية مفهوم المخالفة ثابتة بلغة العرب وأن العرب من قديم كانوا يفهمونها ويحتجون بها من غير توقف على شرع أو على استدلال عقلي.

( شرح النص )


وهوَ صِفَةٌ كالغنمِ السائِمَةِ، وسائِمَةِ الغنمِ، وكالسائِمَةِ في الأصحِّ، والمنفيُّ في الأوَّلَينِ معلوفةُ الغنمِ على المختارِ، وفي الثالثِ معلوفةُ النَّعَمِ، ومنهَا العِلَّةُ، والظرفُ، والحالُ، والشرطُ، وكذا الغايةُ، وتقديمُ المعمولِ غالبًا، والعددُ.
ويفيدُ الحصرَ إنَّما بالكسرِ في الأصحِّ، وضميرُ الفصلِ، ولا وإلَّا الاستثنائيَّةُ، وهوَ أعلاها، فما قيلَ منطوقٌ كالغايةِ وإِنَّما، فالشَّرْطُ، فصِفَةٌ أُخرى مناسِبَةٌ، فغيرُ مناسبةٍ، فالعددُ، فتقديمُ المعمولِ.
والمفاهيمُ حُجَّةٌ لغةً في الأصحِّ، وليسَ منها اللقَبُ في الأصحِّ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
شرع في بيان أنواع مفهوم المخالفة فقال: ( وهوَ ) أي مفهوم المخالفة ( صِفَةٌ ) والمراد بها لفظ مقيد لآخر، فيشمل النعت النحوي وغيره كالحال والظرف ( كالغنمِ السائِمَةِ ) وهي نعت للغنم ( وسائِمَة الغنمِ ) وهي مضافة للغنم ( وكالسائِمَةِ في الأصحِّ ) أي يدخل في الصفة ما لو ذكر الصفة وحذف الموصوف فقال: في السائمة زكاة، وقيل لا يدخل فلا مفهوم له ( والمنفيُّ في ) المثالين ( الأوَّلَينِ ) وهما: الغنم السائمة، وسائمة الغنم ( معلوفةُ الغنمِ ) أي احترزنا بالغنم السائمة عن الغنم المعلوفة، وكذا احترزنا بسائمة الغنم عن معلوفة الغنم، فالمعنى فيهما واحد فمفهومهما أن لا زكاة في الغنم المعلوفة ( على المختارِ ) من أقوال العلماء، وقيل المنفي فيهما هو معلوفة النعم من بقر وإبل وغنم، فإذا قيل: في الغنمِ السائمة زكاة، دلّ على هذا القول أنه لا زكاة في البقر والإبل والغنم المعلوفة، وفيه بعد كما لا يخفى ( و ) المنفيّ ( في ) المثال ( الثالثِ ) وهو السائمة ( معلوفةُ النَّعَمِ ) فإذا قيل: في السائمةِ زكاة، كان المعنى أن في النعم السائمة زكاة، فدل بمفهومه على أنه لا زكاة في النعم المعلوفة ( ومنهَا ) أي ومن الصفة، اعلم أن بعضهم فسر الصفة بكل لفظ مقيد لآخر مما ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية، وبعضهم فسر الصفة بكل لفظ مقيد لآخر ولم يستثن فيشمل الشرط والاستثناء والغاية فكلها مندرجة في الصفة، وعليه جرى المصنف في المتن ( العِلَّةُ ) نحو: عاقبْ الرجلَ لإسائَتِهِ أي المسيء ( والظرفُ ) زمانا أو مكانا نحو: سافرْ غدًا أي لا في غيره من الأيام، واجلسْ أمامَ فلانٍ، أي لا في غيره من بقية جهاته ( والحالُ ) نحو أحسنْ إلى العبدِ مطيعًا أي لا عاصيًا ( والشرطُ ) نحو قوله تعالى: وإنْ كُنَّ أولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ، أي فغيرهن ممن لسن أولات حملٍ لا يجب الإنفاقُ عليهنّ ( وكذا الغايةُ ) في الأصح نحو قوله تعالى: فإنْ طلقَها فلا تحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَهُ، أي فإنْ نكحت زوجًا غيره حلت له، وقيل ما يفهم من الغاية ليس من مفهوم المخالفة بل هو من دلالة الإشارة فيكون منطوقا غير صريح وذلك لتبادره إلى الأذهان ( وتقديمُ المعمولِ ) على العامل في الأصح نحو قوله تعالى: إياكَ نعبدُ أي لا غيرك، وقيل لا يفيد الحصر وإنما أفاده في نحو إياك نعبد للقرينة وهي العلم بأن قائليه أي المؤمنين لا يعبدون غير الله ( غالبًا ) أي في غالب أحوال تقديم المعمول على العامل، وقد لا يفيد الحصر في بعض الصور نحو: القائدَ قتلتُ، مع أنك قد تكون قد قتلت غيره في المعركة ويكون الغرض من التقديم إفادة الاهتمام به لأن له شأنا خاصا استدعى تقديمه ( والعددُ ) في الأصح نحو قوله تعالى: فاجلدوهم ثمانينَ جلدةً أي لا أكثر ولا أقل، وقيل ليس العدد من مفاهيم المخالفة المعتبرة، ثم مما له مفهوم مخالف ما يفيد الحصر ولذا ذكره بقوله: ( ويفيدُ الحصرَ إنَّما ) لاشتمالها على نفي واستثناء تقديرًا نحو إنما إلهكم الله أي لا غيره، والإله هو المعبود بحق ( بالكسرِ ) لا بالفتح نحو قوله تعالى: اعلموا أَنما الحيوة الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ.. الآية، فليس القصد فيها إفادة حصر الدنيا بهذه الأشياء ( في الأصحِّ ) وقيل إن إنما بالكسر لا تفيد الحصر، وقوله في الأصحّ راجع إلى المسائل الأربع التي هي: الغاية، وتقديم المعمول، والعدد، وإنما ( وضميرُ الفصلِ ) نحو قوله تعالى: فاللهُ هوَ الوليُّ أي فغيره ليس بوليّ أي ناصر ( ولا وإلَّا الاستثنائيَّةُ ) نحو لا عالمَ إلا زيدٌ، وما قامَ إلا زيدٌ، منطوقهما نفي العلم والقيام عن غير زيد، ومفهومهما إثبات العلم والقيام لزيد، ومما يفيد الحصر نحو: العالمُ زيدٌ، وصديقي زيدٌ، مما عرّف فيه المسند والمسند إليه ( وهوَ ) أي الأخير وهو لا وإلا الاستثنائية ( أعلاها ) أي أعلى أنواع مفهوم المخالفة قوة حتى قيل إنه منطوق صراحة لسرعة تبادر فهمه إلى الأذهان، وأقول لعل القول بأنه منطوق صراحة هو الأصح إذْ يبعد أن تكون كلمة التوحيد لا إله إلا الله تدل على إثبات الإلوهية لله من طريق مفهوم المخالفة الذي هو أضعفها دلالة وخالف بعض العلماء في حجيته ( فما قيلَ ) فيه إنه ( منطوقٌ كالغايةِ وإِنَّما ) فقد قيل إن دلالتهما على المفهوم من المنطوق غير الصريح بدلالة الإشارة ( فالشَّرْطُ ) إذ لم يقل أحد إنه منطوق ( فصِفَةٌ أُخرى مناسِبَةٌ ) للحكم لأن بعض العلماء احتجوا بدلالة الشرط وخالفوا في اعتبار الصفة فما حصل فيه الخلاف يتأخر رتبته، وقيّد الصفة بأخرى للإشارة إلى أن لا و إلا الاستثنائية والغاية وإنما والشرط هي من الصفات في اصطلاح المصنف الذي تبع به الإمام الجويني رحمه الله، وقيّد بالمناسبة لحصول الخلاف في حجية غير المناسبة، مثال المناسبة في الغنم السائمة زكاة ( فـ ) صفة ( غيرُ مناسبةٍ ) نحو في الغنم السود زكاةٌ ( فالعددُ ) لإنكار كثير من العلماء لحجيته دون ما قبله ( فتقديمُ المعمولِ ) آخر المفاهيم لأنه لا يفيد الحصر في كل صورة كما مر، وفائدة هذا الترتيب تظهر عند التعارض، فإذا تعارض مفهوم الغاية والشرط مثلا قدم الغاية، وكذا إن تعارض مفهوم الشرط والصفة قدم الشرط، وقس عليه الباقي ( والمفاهيمُ ) المخالفة ( حُجَّةٌ لغةً ) أي من حيث دلالة اللفظ عليه، والمراد أنه حجة شرعا بدليل اللغة ( في الأصحِّ ) وقيل إنه حجة بدليل الشرع لا اللغة لمعرفة ذلك من تتبع موارد كلام الشارع، وقيل إنه حجة بدليل العقل وهو أنه لو لم ينف المذكور الحكم عن المسكوت لم يكن لذكره فائدة، وأنكر قوم كالإمام أبي حنيفة رحمه الله حجية مفهوم المخالفة كلها ( وليسَ منها ) أي من المفاهيم المخالفة ( اللقَبُ ) وهو ما عبر به عن الذات كالعلم كقوله تعالى محمد رسول الله فلا يدل على نفي الرسالة عن غيره ( في الأصحِّ ) كما قال به جماهير الأصوليين وقيل هو منها نحو: على زيدٍ حجٌّ أي لا على غيره، وأجيب أن دلالته على المفهوم في خصوص هذا المثال للقرينة.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 23-11-16, 04:27 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الخامس عشر- مباحث الكتاب

أنواع مفهوم المخالفة


1- الصفة وهي: كل لفظ مقيد لآخر، مما هو في المعنى وصف فيشمل: ( النعت النحوي- الإضافة- العلة- الظرف الزماني- الظرف المكاني-الحال- العدد ).
مثال النعت النحوي: في الغنمِ السائمةِ زكاةٌ.
ومثال الإضافة: في سائمةِ الغنمِ زكاةٌ.
ومثال العلة: أعطِ السائلَ لحاجتِهِ أي المحتاج.
ومثال الظرف الزماني: سافرْ يومَ الجمعةِ أي لا غيره من الأيام.
ومثال الظرف المكاني: اجلسْ أمامَ فلانٍ أي لا في غيره من بقية الجهات.
ومثال الحال: أحسنْ إلى العبدِ مطيعًا أي لا عاصيًا.
ومثال العدد: امش ثلاثين خطوة أي لا أقل ولا أكثر.
ثم الصفة قد تكون مناسبة للحكم، وقد تكون غير مناسبة للحكم، مثال الأولى: في الغنم السائمة زكاة، فإن السوم صفة مناسبة للحكم بوجوب الزكاة، لأن السوم يدل على خفة المؤنة والتكاليف على صاحب الغنم فناسب فرض الزكاة عليه، ومثال الثانية: كما لو قيل: في الغنمِ العُفْرِ زكاة، والعفر هي التي يعلو بياضها حمرة، فصار لونها كلون العَفَر من التراب، وهو معنى غير مناسب لوجوب الزكاة.
2- الشرط نحو أكرمْ زيدًا إن جاءَك أي لا إن لم يجئك.
3- الغاية نحو كل حتى يطلع الفجر أي لا بعده.
4- تقديم المعمول نحو إياك نعبد وإياك نستعين أي دون غيرك.
5- إنما نحو إنما العلم بالتعلم أي لا بغيره.
6- النفي والاستثناء نحو لا غالب إلا الله.
7- ضمير الفصل- وهو ما يفصل بين المبتدأ والخبر- نحو زيدٌ هوَ الرابحُ أي لا غيره.

ترتيب أنواع مفهوم المخالفة


بعض المفاهيم أعلى من بعض وأقوى دلالة فأعلاها:
1- ما كان بالنفي والاستثناء مثل لا عالمَ إلا زيدٌ لسرعة تبادر المفهوم المخالف إلى الذهن حتى قال بعض العلماء إنه منطوق صراحة وليس من المفهوم.
2- الغاية، وإنما.
3- الشرط، وضمير الفصل.
4- الصفة المناسبة.
5- مطلق الصفة غير العدد.
6- العدد.
7- تقديم المعمول.
وفائدة هذا الترتيب تظهر عند التعارض، فإذا تعارض مفهوم الغاية والشرط مثلا قدم الغاية، وكذا إن تعارض مفهوم الشرط والصفة قدم الشرط، وقس عليه الباقي.

مفهوم اللقب


المراد من اللقب هو: الاسم المعبِّر عن ذات، فيشمل: العلم واسم الجنس.
فالعلم هو: اسم دل على معين، كزيد، فإذا قلنا جاءَ زيدٌ، فهل له مفهوم مخالف وهو أنه لم يجئ غيره؟ الجواب: لا.
واسم الجنس هو: اسم دل على شائع في جنسه، كرجل وتراب وماء وشجرة ونحوها من النكرات، فإذا قلنا: في الغنمِ زكاة، فالغنم لقب فلا يدل على عدم وجوب الزكاة في غيرها من بقر وإبل.

حجية مفهوم المخالفة


مفهوم المخالفة حجة عند جمهور العلماء، وحجيته ثابتة بدلالة اللغة فإن المألوف في أساليب اللغة أن تقييد الحكم بقيد يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء ذلك القيد، ولذا فهم كثير من أئمة اللغة كأبي عبيدة من قوله صلى الله عليه وسلم: مَطَلُ الغنيِّ ظلمٌ. رواه البخاري ومسلم، أن مطل غير الغني ليس بظلم، والمطل هو المماطلة وعدم تسديد الدين، وهم إنما يقولون في مثل ذلك ما يعرفونه من لسان العرب، فظهر أن حجية مفهوم المخالفة ثابتة بلغة العرب وأن العرب من قديم كانوا يفهمونها ويحتجون بها من غير توقف على شرع أو على استدلال عقلي.

( شرح النص )


وهوَ صِفَةٌ كالغنمِ السائِمَةِ، وسائِمَةِ الغنمِ، وكالسائِمَةِ في الأصحِّ، والمنفيُّ في الأوَّلَينِ معلوفةُ الغنمِ على المختارِ، وفي الثالثِ معلوفةُ النَّعَمِ، ومنهَا العِلَّةُ، والظرفُ، والحالُ، والشرطُ، وكذا الغايةُ، وتقديمُ المعمولِ غالبًا، والعددُ.
ويفيدُ الحصرَ إنَّما بالكسرِ في الأصحِّ، وضميرُ الفصلِ، ولا وإلَّا الاستثنائيَّةُ، وهوَ أعلاها، فما قيلَ منطوقٌ كالغايةِ وإِنَّما، فالشَّرْطُ، فصِفَةٌ أُخرى مناسِبَةٌ، فغيرُ مناسبةٍ، فالعددُ، فتقديمُ المعمولِ.
والمفاهيمُ حُجَّةٌ لغةً في الأصحِّ، وليسَ منها اللقَبُ في الأصحِّ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
شرع في بيان أنواع مفهوم المخالفة فقال: ( وهوَ ) أي مفهوم المخالفة ( صِفَةٌ ) والمراد بها لفظ مقيد لآخر، فيشمل النعت النحوي وغيره كالحال والظرف ( كالغنمِ السائِمَةِ ) وهي نعت للغنم ( وسائِمَة الغنمِ ) وهي مضافة للغنم ( وكالسائِمَةِ في الأصحِّ ) أي يدخل في الصفة ما لو ذكر الصفة وحذف الموصوف فقال: في السائمة زكاة، وقيل لا يدخل فلا مفهوم له ( والمنفيُّ في ) المثالين ( الأوَّلَينِ ) وهما: الغنم السائمة، وسائمة الغنم ( معلوفةُ الغنمِ ) أي احترزنا بالغنم السائمة عن الغنم المعلوفة، وكذا احترزنا بسائمة الغنم عن معلوفة الغنم، فالمعنى فيهما واحد فمفهومهما أن لا زكاة في الغنم المعلوفة ( على المختارِ ) من أقوال العلماء، وقيل المنفي فيهما هو معلوفة النعم من بقر وإبل وغنم، فإذا قيل: في الغنمِ السائمة زكاة، دلّ على هذا القول أنه لا زكاة في البقر والإبل والغنم المعلوفة، وفيه بعد كما لا يخفى ( و ) المنفيّ ( في ) المثال ( الثالثِ ) وهو السائمة ( معلوفةُ النَّعَمِ ) فإذا قيل: في السائمةِ زكاة، كان المعنى أن في النعم السائمة زكاة، فدل بمفهومه على أنه لا زكاة في النعم المعلوفة ( ومنهَا ) أي ومن الصفة، اعلم أن بعضهم فسر الصفة بكل لفظ مقيد لآخر مما ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية، وبعضهم فسر الصفة بكل لفظ مقيد لآخر ولم يستثن فيشمل الشرط والاستثناء والغاية فكلها مندرجة في الصفة، وعليه جرى المصنف في المتن ( العِلَّةُ ) نحو: عاقبْ الرجلَ لإسائَتِهِ أي المسيء ( والظرفُ ) زمانا أو مكانا نحو: سافرْ غدًا أي لا في غيره من الأيام، واجلسْ أمامَ فلانٍ، أي لا في غيره من بقية جهاته ( والحالُ ) نحو أحسنْ إلى العبدِ مطيعًا أي لا عاصيًا ( والشرطُ ) نحو قوله تعالى: وإنْ كُنَّ أولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ، أي فغيرهن ممن لسن أولات حملٍ لا يجب الإنفاقُ عليهنّ ( وكذا الغايةُ ) في الأصح نحو قوله تعالى: فإنْ طلقَها فلا تحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَهُ، أي فإنْ نكحت زوجًا غيره حلت له، وقيل ما يفهم من الغاية ليس من مفهوم المخالفة بل هو من دلالة الإشارة فيكون منطوقا غير صريح وذلك لتبادره إلى الأذهان ( وتقديمُ المعمولِ ) على العامل في الأصح نحو قوله تعالى: إياكَ نعبدُ أي لا غيرك، وقيل لا يفيد الحصر وإنما أفاده في نحو إياك نعبد للقرينة وهي العلم بأن قائليه أي المؤمنين لا يعبدون غير الله ( غالبًا ) أي في غالب أحوال تقديم المعمول على العامل، وقد لا يفيد الحصر في بعض الصور نحو: القائدَ قتلتُ، مع أنك قد تكون قد قتلت غيره في المعركة ويكون الغرض من التقديم إفادة الاهتمام به لأن له شأنا خاصا استدعى تقديمه ( والعددُ ) في الأصح نحو قوله تعالى: فاجلدوهم ثمانينَ جلدةً أي لا أكثر ولا أقل، وقيل ليس العدد من مفاهيم المخالفة المعتبرة، ثم مما له مفهوم مخالف ما يفيد الحصر ولذا ذكره بقوله: ( ويفيدُ الحصرَ إنَّما ) لاشتمالها على نفي واستثناء تقديرًا نحو إنما إلهكم الله أي لا غيره، والإله هو المعبود بحق ( بالكسرِ ) لا بالفتح نحو قوله تعالى: اعلموا أَنما الحيوة الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ.. الآية، فليس القصد فيها إفادة حصر الدنيا بهذه الأشياء ( في الأصحِّ ) وقيل إن إنما بالكسر لا تفيد الحصر، وقوله في الأصحّ راجع إلى المسائل الأربع التي هي: الغاية، وتقديم المعمول، والعدد، وإنما ( وضميرُ الفصلِ ) نحو قوله تعالى: فاللهُ هوَ الوليُّ أي فغيره ليس بوليّ أي ناصر ( ولا وإلَّا الاستثنائيَّةُ ) نحو لا عالمَ إلا زيدٌ، وما قامَ إلا زيدٌ، منطوقهما نفي العلم والقيام عن غير زيد، ومفهومهما إثبات العلم والقيام لزيد، ومما يفيد الحصر نحو: العالمُ زيدٌ، وصديقي زيدٌ، مما عرّف فيه المسند والمسند إليه ( وهوَ ) أي الأخير وهو لا وإلا الاستثنائية ( أعلاها ) أي أعلى أنواع مفهوم المخالفة قوة حتى قيل إنه منطوق صراحة لسرعة تبادر فهمه إلى الأذهان، وأقول لعل القول بأنه منطوق صراحة هو الأصح إذْ يبعد أن تكون كلمة التوحيد لا إله إلا الله تدل على إثبات الإلوهية لله من طريق مفهوم المخالفة الذي هو أضعفها دلالة وخالف بعض العلماء في حجيته ( فما قيلَ ) فيه إنه ( منطوقٌ كالغايةِ وإِنَّما ) فقد قيل إن دلالتهما على المفهوم من المنطوق غير الصريح بدلالة الإشارة ( فالشَّرْطُ ) إذ لم يقل أحد إنه منطوق ( فصِفَةٌ أُخرى مناسِبَةٌ ) للحكم لأن بعض العلماء احتجوا بدلالة الشرط وخالفوا في اعتبار الصفة فما حصل فيه الخلاف يتأخر رتبته، وقيّد الصفة بأخرى للإشارة إلى أن لا و إلا الاستثنائية والغاية وإنما والشرط هي من الصفات في اصطلاح المصنف الذي تبع به الإمام الجويني رحمه الله، وقيّد بالمناسبة لحصول الخلاف في حجية غير المناسبة، مثال المناسبة في الغنم السائمة زكاة ( فـ ) صفة ( غيرُ مناسبةٍ ) نحو في الغنم السود زكاةٌ ( فالعددُ ) لإنكار كثير من العلماء لحجيته دون ما قبله ( فتقديمُ المعمولِ ) آخر المفاهيم لأنه لا يفيد الحصر في كل صورة كما مر، وفائدة هذا الترتيب تظهر عند التعارض، فإذا تعارض مفهوم الغاية والشرط مثلا قدم الغاية، وكذا إن تعارض مفهوم الشرط والصفة قدم الشرط، وقس عليه الباقي ( والمفاهيمُ ) المخالفة ( حُجَّةٌ لغةً ) أي من حيث دلالة اللفظ عليه، والمراد أنه حجة شرعا بدليل اللغة ( في الأصحِّ ) وقيل إنه حجة بدليل الشرع لا اللغة لمعرفة ذلك من تتبع موارد كلام الشارع، وقيل إنه حجة بدليل العقل وهو أنه لو لم ينف المذكور الحكم عن المسكوت لم يكن لذكره فائدة، وأنكر قوم كالإمام أبي حنيفة رحمه الله حجية مفهوم المخالفة كلها ( وليسَ منها ) أي من المفاهيم المخالفة ( اللقَبُ ) وهو ما عبر به عن الذات كالعلم كقوله تعالى محمد رسول الله فلا يدل على نفي الرسالة عن غيره ( في الأصحِّ ) كما قال به جماهير الأصوليين وقيل هو منها نحو: على زيدٍ حجٌّ أي لا على غيره، وأجيب أن دلالته على المفهوم في خصوص هذا المثال للقرينة.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 23-11-16, 04:28 PM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 523
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس السادس عشر- مباحث الكتاب

الموضوعات اللغوية


أولا: الموضوعات اللغوية هي: الألفاظ الدالة على المعاني التي وضعت لها، كماء وشمس وأرض ونخلة وقرء ونحو ذلك.
ومن لطف الله سبحانه بعباده حدوث هذه الموضوعات اللغوية ليعبر بها الإنسان عما في نفسه، وهي أكثر فائدة من الإشارة التي يشير بها الإنسان بيده أو رأسه ليشرح بها ما في نفسه، ومن المثال أي الشكل المصنوع من طين ونحوه على هيئة شيء ما ليدل عليه، ومن الرسم كرسم صورة فرس على جدار لتدل عليه؛ لأن هذه الأشياء تخص الموجودات الحسية، والألفاظ يعبر بها عن المحسوس والمعقول والموجود والمعدوم، وهي كذلك أيسر وأقل مؤنة لأنها تخرج مع النَّفَس الضروري للحياة.
ثانيا: طريق معرفة اللغة إما النقل تواترا كالسماء والأرض والفرس لمعانيها المعروفة أو آحادا كمعرفة أن معنى الضرغام هو الأسد والقرء هو الحيض والطهر، وإما باستنباط العقل من النقلكاستنباط أن الجمع المعرف بأل دال على العموم، فقد عرف بالنقل جواز الاستثناء من الجمع المعرف بأل، فدل ذلك عقلا على لزوم تناوله للمستثنى منه حتى صحّ الاستثناء منه، ولا يعرف ذلك بمجرد العقل بل لا بد من النقل.
ثالثا: اللفظ له معنى وللمعنى مصداق، كالإنسان فمعناه ومفهومه حيوان ناطق، ومصداقه – أي ما يصدق عليه في الخارج من الأفراد- زيد وعمرو وهند.
والمصداق قد يكون لفظا كالكلمة فإن معناها قول مفرد ومصداقها زيد وقام وفي ونحو ذلك، فنحن هنا لا نقصد أن مصداق الكلمة هو ذات زيدٌ التي تقوم وتقعد وإنما نقصد مصداقها هو لفظ زيد المشتمل على الزاي والياء والدال.
وقد يكون المصداق غير لفظ كإنسان فإن مصداقه ذوات نحو زيد وعمرو وهند، وهذا المصداق غير اللفظي تارة لا يمتنع مفهومه من الانطباق على أكثر من واحد كالإنسان، ويسمى كلياوتارة يمتنع مفهومه من الانطباق على أكثر من واحد كزيد، ويسمى جزئيا.
والمصداق الذي هو لفظ تارة يكون مفردا سواء أكان مستعملا مثل الكلمة تصدق على ألفاظ مفردة دالة على معنى مثل زيد وجاء وهل، أم مهملا كأسماء حروف الهجاء مثل الباء فهو اسم لـ بَهْ، وكالتاء اسم لـ تَهْ فمصاديقها ألفاظ لكنها غير دالة على معنى.
وتارة يكون مركبا سواء أكان مستعملا مثل الكلام فمصداقه زيدٌ قائمٌ، وقامَ زيدٌ، أم مهملا كالهذيان فإن معناه ألفاظ مركبة لا تدل على معنى كألفاظ السكران التي لا يعقل معناها.
رابعا: الوضع: جعل اللفظ دليلًا على المعنى، كجعل لفظ الماء دليلا على السائل المعروف.
ولا يشترط في الوضع وجود المناسبة بين اللفظ والمعنى عند وضعه له، بل الأمر موكول إلى اختيار الواضع، وقال عباد بن سليمان الصَّيْمَرِي من المعتزلة يشترط وجود مناسبة وإلا لما خص هذا اللفظ دون غيره بهذا المعنى، فعلى كلامه لا بد من وجود مناسبة خاصة بين لفظ نار ومعناه ولفظ ماء ومعناه وهكذا، فهم يرون أن في الحروف صفات معينة من قوة وضعف ورخاوة ويبوسة ونحو ذلك تقتضي أن الواضع حينما يركب الحروف ويجمع بينها لا يفعل هذا إلا لمناسبة فلا يصح أن يرفع حرفا ويضع مكانه آخر، وردّ بأنه قد يوضع اللفظ للشيء وضده كالقرء للحيض والطهر فكيف ناسب لفظ القرء ذلك.
خامسا: للمعاني وجود في الذهن ووجود في الخارج، كالأسد فإن معناه الحيوان المفترس المعروف، وله أفراد في الخارج فهل اللفظ موضوع للمعنى الحاصل للشيء في أذهاننا أو للمصاديق الخارجية؟
المختار أنه موضوع للمعنى الذهني، وقيل إنه موضوع للمعنى الخارجي.
ولم يوضع لكل المعاني ألفاظ فمثلا الروائح كثيرة جدا يميزها الأنف ولم يوضع لكل رائحة اسم خاص بها بل يقال رائحة كذا كرائحة الورد والياسمين ورائحة المسك ونحو ذلك وهذا يكفي في التمييز بينها ولا نحتاج ألفاظا مستقلة.
سادسا: المحكم هو: اللفظ المتضح معناه، سواء أكان نصا كزيد في جاءَ زيدٌ أم ظاهرًا كالأسد في رأيت اليوم أسدًا.
والمتشابه: ما لم يتضح معناه، واختلفوا فيه فقال بعضهم: هو ما استأثر الله بعلمه ولا يعلمه أحد ولو كان من الراسخين في العلم، وقال بعضهم بل هو مما لم يستأثر الله بعلمه كالألفاظ المجملة والمحتملة لأكثر من معنى تخفى على بعض الناس ويعرفها غيرهم.
سابعا: اللفظ الشائع بين عوام الناس وخواصهم لا يجوز أن يكون موضوعا في اللغة لمعنى خفي لا يدركه إلا الخواص من الناس، بل يجب أن يكون معلوما عند الجميع كالقيام والقعود والحركة.

( شرح النص )


مسأَلَةٌ: مِن الألطافِ حُدُوثُ الموْضُوعاتِ اللغويةِ، وهيَ أفيدُ من الإشارةِ والمثالِ وأيسَرُ، وهيَ: ألفاظٌ دالّةٌ على معانٍ، وتُعْرَفُ بالنَّقْلِ، وباستنباطِ العقلِ منهُ، ومدلولُ اللفظِ معنىً جُزئيٌّ أو كليٌّ، أَو لفظٌ مفردٌ أو مركّبٌ، والوضعُ: جعلُ اللفظِ دليلَ المعنى، وإن لمْ يناسبْه في الأصحّ، واللفظُ موضوعٌ للمعنى الذهني على المختارِ، ولا يجبُ لكلِّ معنىً لفظٌ، بل لمعنىً محتاجٍ لِلَفْظٍ، والمحكَمُ: المتَّضِحُ المعنى، والمتَشَابِهُ غيرُهُ في الأَصَحِّ، وقَدْ يُوضِحُهُ اللهُ لبعضِ أَصفيائِهِ، واللفظُ الشائِعُ لا يجوزُ وضْعُهُ لمعنىً خَفِيٍّ على العَوَامِّ كقولِ مثبتي الحالِ: الحركةُ معنىً يوجِبُ تحرُّكَ الذاتِ.
......................... ......................... ......................... ......................... ......
شرع في المقدمات اللغوية التي اعتاد الأصوليون ذكرها في علم الأصول فقال: ( مسأَلَةٌ مِن الألطافِ ) أي من الأمور التي لطف الله بها الناس وأحسن بها إليهم ( حُدُوثُ ) أي وجود ( الموْضُوعاتِ اللغويةِ ) ليتمكنوا بها من التعبير عما في أنفسهم ( وهيَ ) أي الموضوعات اللغوية ( أفيدُ ) في الدلالة على ما في النفس ( من الإشارةِ ) باليد أو الحاجب مثلا ( والمثالِ ) أي الشكل الذي يصنع من الطين ونحوه على صورة شيء ما؛ لأن الألفاظ تعم الموجود والمعدوم وهما يخصان الموجود المحسوس ( وأيسَرُ ) لأن الألفاظ تخرج مع النفَس الضروري للحياة بخلافهما فإنهما يحتاجان إلى كلفة ( وهيَ ) أي الموضوعات اللغوية ( ألفاظٌ دالّةٌ على معانٍ ) سواء المفرد كزيد والمركب كقام زيد ( وتُعْرَفُ ) أي الألفاظ الدالة على المعاني ( بالنَّقْلِ ) عن أهل اللغة تواترًا نحو السماء والأرض والحر والبرد لمعانيها المعروفة، أو آحادًا كالقرء للحيض والطهر ( وباستنباطِ العقلِ منهُ ) أي من النقل كاستنباط العقل أن الجمع المعرف باللام يدل على العموم لصحة الاستثناء منه ( ومدلولُ اللفظِ ) أي مصداقه، وإطلاق المدلول على المصداق شائع، والأصل إطلاقه على المفهوم الذي وضع له اللفظ ( معنىً جُزئيٌّ أو كليٌّ ) لأنه إن لم يمتنع أن يكون له أكثر من مصداق في الخارج فهو الكلي كجبل وإلا فجزئي كهذا الجبل ( أَو لفظٌ مفردٌ ) إما مستعمل كمصداق الكلمة كلفظ زيد وقام وفي، أو مهمل كمصداق أسماء حروف الهجاء كحروف جلس أي جه له سه ( أو ) لفظ ( مركّبٌ ) إما مستعمل كمصداق لفظ الخبر كقامَ زيدٌ أو مهمل كمصداق لفظ الهذيان ( والوضعُ: جعلُ اللفظِ دليلَ المعنى ) بحيث متى أطلق اللفظ فهم منه المعنى ( وإن لمْ يناسبْه ) أي لم يناسب اللفظ المعنى؛ فإن الموضوع للضدين كالجون للأسود والأبيض لا يناسبهما لفظ واحد ( في الأصحّ ) خلافا لعباد الصيمري القائل باشتراط المناسبة ( واللفظُ موضوعٌ للمعنى الذهني على المختارِ ) وقيل للخارجي ( ولا يجبُ ) أن يكون ( لكلِّ معنىً لفظٌ بلْ ) إنما يجب ( لمعنىً محتاجٍ لِلَفْظٍ ) إذْ أنواع الروائح مع كثرتها ليس لها ألفاظ لعدم انضباطها، ويُدل عليها بالتقييد كرائحة كذا، فليست محتاجة للألفاظ، بخلاف أسماء الأشياء مثلا ( والمحكَمُ ) من اللفظ ( المتَّضِحُ المعنى ) من نص أو ظاهر ( والمتَشَابِهُ غيرُهُ ) أي غير المتضح المعنى ولو للراسخ في العلم ( في الأَصَحِّ ) وقيل يعلمه الراسخون في العلم، والأصل في المسألة قوله تعالى: هوَ الذي أَنزلَ عليكَ الكتابَ منهُ آياتٌ محكماتٌ هنّ أمُّ الكتابِ وأُخَرُ متشابِهاتٌ فأمّا الذينَ في قلوبِهم زيغٌ فيتّبعونَ ما تشابَهَ منهُ ابتِغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِهِ وما يعلمُ تأَويلَهُ إلا اللهُ والراسِخونَ في العلمِ يقولونَ آمنا بهِ كلٌّ منْ عندِ ربِّنا، فقد اختلف في الوقف على قوله سبحانه إلا الله فقيل هو تام، والراسخون استئناف لجملة جديدة وبالتالي الراسخون لا يعلمون تأويل المتشابه، وقيل، الراسخون معطوف على الله فهم يعلمون تأويله ( وقَدْ يُوضِحُهُ اللهُ ) أي المتشابه ( لبعضِ أَصفيائِهِ ) معجزة لنبي أو كرامة لولي، هذا وقد قالَ كثير من الأشعرية: إن المتشابه هو بعض آيات الصفات كقوله تعالى يد الله فوق أيديهم، فلا ندري ما يد الله، ولا يعلم تأويله إلا الله، بناء منهم على مذهبهم في التفويض، واختارَ الإمام ابن تيمية تبعا لغيره من السلف أن الوقف وإن كان تاما على لفظ الجلالة في قوله تعالى إلا الله إلا أن ذلك لا يعني أن الراسخين في العلم ليس عندهم تفسير معناه، وجعل من مصاديق المتشابه هو اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى في الآية فيتعلق به من في قلبه مرض ليفسره على غير مراد الله سبحانه كنحن وإنا في قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر، فتارة يراد بهما الجمع وتارة يراد بهما التعظيم، فيتعلق النصراني بمعنى الجمع ليقول إن الله ثلاثة -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا- ويترك صريح النصوص كقوله تعالى: وإلهكم إله واحد، وأما الراسخون في العلم فيعرفون مراد الله منه، وضمير الهاء في قوله تعالى: وما يعلمُ تأويلهُ، إما أن يكون راجعا إلى الكتاب أي ما يعلم تأويل الكتاب إلا الله، ويكون المراد بالتأويل حقيقة الشيء لا مجرد معناه وذلك كالغيب الذي أمرنا الله بالإيمان به كموعد يوم القيامة فهذا مما لا يعلمه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل واستأثر الله بعلمه، وإن كان الضمير راجعا إلى المتشابه أي ما يعلم المتشابه من الكتاب إلا الله كان ذلك كنصوص الوعد والوعيد ففيها أمور لا يعلم حقيقتها إلا الله فمثلا ما في النصوص من طعام الجنة والأنهار ونحو ذلك لسنا نعرف إلا الأسماء أما حقائق تلك الأشياء فلا يعلمها إلا الله كما قال تعالى: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، فلا يعلمها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فالتأويل في الآية لا يقصد به تفسير المعنى بل كنه الشيء وحقيقته وقدره ووقته ( واللفظُ الشائِعُ ) بين الخواص والعوام من الناس ( لا يجوزُ وضْعُهُ لمعنىً خَفِيٍّ على العَوَامِّ ) لامتناع تخاطبهم بما هو خفي عليهم لا يدركونه وإن أدركه الخواص، وذلك كالحركة فمعناها هو المعنى الظاهر وهو تحرك الذات وانتقالها لا ( كقولِ ) بعض المتكلمين ( مثبتي الحالِ ) وهو الواسطة بين الموجود والمعدوم ( الحركةُ معنىً يوجِبُ تحرُّكَ الذاتِ ) أي الجسم، توضيحه: إن الشيء إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما فلا وجود لواسطة بينهما، وقال بعض المتكلمين هنالك شيء يسمى بالحال هو لا موجود ولا معدوم، وذلك مثل العالمية والقادرية، فالذات الموجودة هي الموصوفة والصفة هي العلم والقدرة والنسبة بين الذات والصفة هي العالمية والقادرية وهي التي توجب لمحلها أن يكون عالما قادرا وهو حال متوسط بين الموجود والمعدوم، ومثل الحركة فهي معنى يوجب تحرك الجسم، بمعنى أن الحركة ليست هي نفس تحرك الجسم وانتقاله كما يفهم الناس بل هي معنى يقوم بالجسم يوجب لمحله أن يكون منتقلا، وذلك المعنى ليس أمرا موجودا ولا معدوما، فالناس تفهم من الحركة الانتقال وهم يقولون الحركة موضوعة في لغة العرب لمعنى يلزم منه الانتقال، والقول بالأحوال لا يصح فإن التقابل بين الوجود والعدم هو تقابل النقيضين اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:01 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.