ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى السيرة والتاريخ والأنساب

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #21  
قديم 26-06-10, 06:30 AM
أبو الطيب أحمد بن طراد أبو الطيب أحمد بن طراد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-09
المشاركات: 423
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام

معركة فارس الشدياق
الصحفية مع إبراهيم اليازجي
(3)
[ في مظنة الانفراد و الذّمة ]
فمما خطّأني به قولي : مظنة الانفراد . وقد وردت في الطبع بفتح ((الظاء )) . ومن هذا القبيل قولي الذّمة و الذَمم بضم ((الذال فيهما )) . والصواب الكسر في الكل . فزعم أن ذلك خطأ مني وأخذ يتشدّق ويتمطّق بما لا طائل تحته . فقال : (( إن أجهل العامة في بيروت ولبنان يقول عند الحَلف على ذمّتي بالكسر)) . وبالمُوجَب أقول إن أبلغهم أيضاً يلفظها بالدال المُهمَلة مع تسكين الميم المشدّدة . فما رأي الإمام ، أَيصحّ أن نجري على لفظهم ؟ وهذا مثل قوله : وأهل بيروت يقولون فحطل أو فطحل على تقدير غلط الطبع . والإنكليز يقولون بابي [ Baby ] بإمالة الألف ، بمعنى الطفل . وأهل مالطة يقولون الحب بمعنى الجَيب ( نقلاً عن سرّ الليال ) . وما أشبه ذلك مما يطول شرحه .
وعلى فرض أني علّقت هذه الحركات بيدي ورآها بخطّ قلمي . فأي غلطٍ جسيم ارتكبته هنا ؟ وأية قاعدة خالفتها ؟ وما المعنى الذي فسد بهذا التغيير ؟ . ولعمري إن كل هذا أدنى إلى أن يكون غلط طبع ٍ من قوله (( الدراري )) ، وهو أيسر كثيراً لأن غلطة ((الدراري )) تقتضي بهبوط النجم إلى قعر البحر و العياذ بالله . ولا عجب لأن فيها زيادة ألفٍ وياءِ . وأنت تدري شأن هذين الحرفين اللذين لا يُكنى بهما إلا عن كل أمر جسيم . فأين هذا في المظنة و الذمم ؟ على أن اعتراضه على الذمم هو عين الاعتراض عليه و الشاهد بقصوره . فإنهم قد أجازوا الضمّ في جمع المكسور أيضاً كالذُمم و الحُلى ، جمع الحِلية بالكسر . و العكس في العكس كالصِورَ ، جمع الصورة بالضمّ . فتذكّر .
ثم خطأني في قولي : على أن تصديّ ، بتشديد الياء . قال : و الصواب تصديي بلا تشديد . فلا ريب إن هذه إحدى آياته وكُبرى معجزاته . وأنت تدري أن لكل شيء طرفين بينهما حدّ الاعتدال فكلاهما منحطان عنه ونسبته إلى كليهما سواء . ألا ترى أن الإنسان إذا تناهى في الشيخوخة تخلّق تارةً بأخلاق الأحداث وربما تجاوز فعمّ الشبه . ولذلك قيل : إذا شاب المرء شبّ فيه خلّتان ، الحرص وطول الأمل . والظاهر أن هذا من ذاك . وقال الشاعر :
إن البدر أَوَّله هلالٌ وآخره يعود إلى الهلال ِ
وكذا من تناهَى في العلم وأسراره فقد يلتبس عليه ما لا يلتبس على الأغبياء ، ولذلك ينبغي أنك كلما رأيت صاحبنا قد أوغل في ارتكاب الغلط تتخذ هناك دليلاً على شدة تعمقه في المباحث العلميّة ، وعليه يجب أن تُحمل هذه المسألة . وإن كانت لا تعجبك هذه الفتوى فدونك ورأيك . وما أظنك تحتاج أن أصرّح لك بأني عندما انتهيت إلى هذه المسألة هممتُ مراراً بترك الجواب أصلاً ، لا استخفافاً بقدر الإمام شرّفه الله ، ولكن لأن أشغالي لا تأذن لي في التفرّغ لمثل هذه المباحث مما يتطارحه غلمان المكاتب . وشهد الله إنه لم يكن يخطر ببالي أن مثل مولاي يغرب عنه أمرٌ كهذا ثمّ لا يلبث أن يخطئني به . فسأحمل نفسي مع ذلك على إيضاح هذه المسألة لئلا تبقى حاجة في نفس يعقوب ، وما أوضحُها له إلا من نصوص الأئمة . رحمهم الله . قال الإمام ابن مالك في أرجوزته المشهورة :
آخِرَ ما أضيف لليا اكسُر إذا لـــــم يَك معتّلاً كـــرام ٍ وقَذَى
أو يكُ كابنَين وزيدينَ فـذي جميعها اليا بعدُ فتحُها احتُذِى
وتُدغَم اليا فيه و الـواو وان مــا قبلَ واو ٍ ضُمّ فاكسره يهِن
وفي شرحها لابن المصنف رحمهما الله : يجب كسر آخر المضاف إلى ياء المتكلم إلا أن يكون مقصوراً أو منقوصاً أو مثنى أو مجموعاً على حدّه إلى أن يقول : وأما المقصور و المنقوص و المثنى و المجموع على حدّه فإذا أضيف شيء منها إلى ياء المتكلم وجب فتح ((الياء )) ، وأن يُدغم فيها ما وليته إلا (( الألف)) فإنها لا تُدغم ولا يُدغم فيها . فالياء تُدغم ولا يغيّر ما قبلها من كسرةٍ أو فتحةٍ فيقال في نحو قاض ٍ ومسلمين : هذا قاضيّ ورأيت مسامِيّ . إلى آخرهِ .
وفيه لابن عقيل : يُكسر آخر المضاف إلى ياء المتكلم إن لم يكن مقصوراً ولا منقوصاً ولا مثنىً ولا مجموعاً جمع سلامة لمذكر . كالمفرد وجمع التكسير الصحيحين وجمع السلامة للمؤنث و المعتلّ الجاري مجرى الصحيح نحو غلامي وغلماني وفتياتي وظبيي ودلوي . وإن يكن معتلاً فإمّا أن يكون مقصوراً أو منقوصاً . فإن كان منقوصاً أُدغِمت ياؤه في ياء المتكلم وتُفتح ياء المتكلم فتقول قاضِيَّ رفعاً ونصباً وجرّاً . إلى آخره.

وفي الرسالة الوافية للإمام عمرو بن الحاجب : اعلم أن الاسم إمّا أن يكون صحيحاً أو ملحقاً به ، أو لا يكون صحيحاً ولا ملحقاً به . وقد مرّ حكم الأولين . وإن لم يكن أحد الأخيرين فلا يخلو من أن يكون في آخره (( ألفٌ)) أو (( واوٌ)) أو ((ياءٌ )) . إلى أن يقول: وإن كان آخره ياءً أُدغِمت في ((الياء ))فيقال في الرامي و الغازي : الراميَّ و الغازيّ . فإن كانت الياء محذوفة للتنوين رُدَّت وأدغمت في ياء الإضافة ، إلى آخره .
وفي حاشية الصبّان على الأشموني ، قوله : ((فتقول هذا راميّ )) ، فرامي مرفوع بضمة مقّدرة على ما قبل ياء المتكلم ، منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون الواجب لأجل الإدغام . إلى آخره .
وفي هذا غنىً عن غيره من هذا القبيل وإن كانت المسألة لا تحتاج بياناً . على أن أجهل العامّة في مصر و الشام ، وربما في مالطة أيضاً ، يشدد في مثل هذا جارياً على الصواب . وما أحسن ما قال أبو الطيب المتنبي :
وليس يصحّ في الإفهام شيءٌ إذا احتاج النهار إلى دليل
وقد خطر لي هنا ما رأيته مرة في كتاب لبعض الدمشقيين من أهل القرن الماضي خطّأ فيه ديوان أبي الطيب المذكور ، فكان من جملة ما أخذ عليه قولهُ في مديح عَضُد الدولة :
وقد رأيتُ الملوك قاطبةً وسرتُ حتى رأيتُ مولاها
فما زاد هذا المنتقد على أن قال : فمن أعلمه أن الملوك عابسة الوجوه وذلك أنه لم يفهم معنى قوله : قاطبةً ، فظنهُ من القطوب بمعنى العبوس فأنكره وحكم على المتنبي بالعبث ، فذكرتُ قول المتنبي أيضاً :
وكم من عائبٍ قلاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
وإنما أراد في البيت أنه رأى الملوك جميعاً فذهب وهمُ المعترض إلى الخلاف . قال الشيخ أبو العلاء المعري في شرحه : إن سيف الدولة أنشد هذه القصيدة فلما انتهى إلى هذا البيت قال : ترى هل نحن في الجملة . اهـ .
قلتُ : وتلك صفةٌ يتزيّى بها كثيرون من أمثال هذا المعترض وهم أقوامٌ من المسفسفين قل خلاقهم من الأدب وطمحت أطماعهم إلى مباراة أهل الفضل فإذا تأزلت صدورهم وقصرت هممهم عدلوا إلى تخطئة أقوال العلماء وشوهوا عرائس كلماتهم اعتقاد أن ذلك يكون دليلاً على سعة العلم وغزارة المادة . لأنه قد تقرر عند مثل هؤلاء أن من أدرك زلة لعالم ٍ كأنما أدرك علمه ، وربما سولت لهُ نفسهً أنه قد أسقط فضله واستقلَّ به . ورحم الله أبا تمام حيث يقول :
وإذا أراد الله نشــــر فضيلــــــــة طُويَت أتاح لها لسان حَسـود
لولا اشتعال النار في ما جاورت ما كان يُعرف طيب عرف العود
وأما صاحبنا حياهُ الله ، فقد ذكرتُ له بمسألة تصدَّيَّ و الإدغام مسائل شتّى ثبت عندي بها أنه يجهل قوانين هذا الباب ولا يعرف أحكامه . فمن ذلك قوله في كتاب الساق على الساق صفحة 52 : ((لا يَغْررنكمُ كثير جموعهم )) . فكّ الإدغام في يغررنّ في الموضعين وهو واجبٌ لأن حركة الراء الثانية فيهما لازمة لبناء الفعل عليها مع نون التوكيد . ولعلّ الذي ذهب بوهمه إلى جواز الفكّ أن الفعل واقعٌ بعد جازم ٍ ، فحسب أن الجزم واقعٌ على لفظة وأن الحركة فيه عارضة كما في قوله : ( وَمَن يُضَلِل ِ اَللهُ فَمَا لَهُ مِنَ هَادٍ ) [سورة الرعد ، رقم 13 ، الآية 33 ] . وهو وهمٌ بعيدٌ ، لأن حركة اللام الثانية من يضلل في الآية إنما أتي بها دفعاً لالتقاء الساكنين ، فهي في حكم السكون فلا يجب معها الإدغام بخلاف ما هناك كما تقرّر ، وعليه قوله : ( لاَ يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ ) [ سورة آل عمران ، رقم 3 ، الآية 196 ]. وقال الشاعر :
لايَغُرَّن امرءاً عيشهُ كلّ عيش ٍ صائرٌ للزوال
وهو مستغن عن البيان . ولعله يحتجّ بضرورة الوزن كما في قول بعضهم : الحمد الله العلي الأجلل . على أنه ما زال عرضة للانتقاد ومثالاً عند الصرفيين للشذوذ و عند البيانيين للخروج عن الفصاحة يحذّرون من ارتكاب مثله . فلا بأس أن أورد له شيئاً من ذلك في النثر أيضاً . فمنه قوله في صفحة 200 من هذا الكتاب : (( إن قوماً من الهُككاء)) والصواب الأهكاء كالصحيح و الأصحاء ، لأن صيغة فُعلاء لا تُستَعمَل في المضاعَف . وقوله في صفحة 221 : ((ويتطالل إلى بعض استعارات باردة )) . مع أن الفعل منصوب . وفي صفحة 550 : (( وإذا تطالل واشرأبّ )) وأمثاله كثيرة ، وكلّ ذلك مقرّر في علم الصرف ولكنه لم يدخل في علمه . ومن كان هذا مبلغ ما عنده فلينتدب لتخطئة العلماء ومعارضة أولي الفضل ، بل ليعتمد على القذف و التنديد في موضع الحجّة و البرهان . فيا لله .
ومما خطّأني به قولي : وشهد الله أني مذ اليوم لم أكن أتوقّع مثل ذلك قال : والصواب إلى هذا اليوم ، انتهى . وكأني به لو وقعت له هذه المسألة لم يفتر أن يورد عليها عبارة صاحب القاموس في أثناء الكلام على منذ ومذ حيث يقول : ويليها اسمٌ مرفوع كمنذ يومان وحينئذٍ مبتدآن ما بعدهما خبر . ومعناهما الأمد في الحاضر و المعدود وأول المدة في الماضي . انتهى .
ومثلها عبارة الكليات و المغني وغيرهما . فإن ثبت أن اليوم حاضرٌ كانت مُذ أمداً لمتعلقها ، أي غاية له . ولم يكن في العبارة خطأ سوى سوء الفهم أو التعنت في غير محله . والظاهر أن صاحبنا يذهب إلى أن ما وافق ومفهومه كان صحيحاً ، وما ليس كذلك فهو خطأ وإن نصّت عليه العلماء . والذي عندي أن متابعة آرائهم أَولى من متابعة رأيه وإن كان ذلك يوجب غيظه مني .
ومن ذلك قولي : فإنه قد حفظ له ذلك زمناً ينيف عن ستين سنة . قال : و الصواب على ستين ، انتهى . وهنا تعسّف أيضاً وأشطّ . فإن قصره الصواب على تعدية الفعل بعلى خطأ . والصواب سواغية كليهما جميعاً لأنك إن أردت معنى الاستعلاء استعملت (( على)) أو المجاوزة استعملتَ ((عن )) بلا لاف ، وكلاهما محتملان هنا كما لا يخفى . على أن ((عن )) قد تأتي لمعنى الاستعلاء أيضاً نحو فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ، أي عليه كما في قوله : ( فَاَسَتَحَبُّواْ اَلَعَمَى عَلَى اَلَهُدَى ) [سورة فصلت ، رقم 41 ، الآية 17 ] .
وجاء في كليّات أبي البقاء رحمه الله : و(( الزيادة تلزم وقد تتعدّى بعن كما تتعدّى بعلى لأن نقَص يتعدَّى به وهو نظيره )) ،اهـ . فحمل زاد على نقص وهما نقيضان فما رأيك في أناف وزاد وهما نظيران مترادفان . ولعمري ، ما يعترض في مثل هذا مَن له إلمامٌ بالعربية واطّلاع على ما ورد في أسفارها . وإنما صاحبنا يرى عبارة في أحد التعريفات فيستمسك بها ويظنّ أن اللغة مقصورةٌ هناك . ولو كانت كتب متن اللغة مستغرقة لجميع أحكامها مغنيةً عن غيرها لاقتصر القوم عليها ولكان كلّ من حصل منها على كلمات يعيها في صدره أو يكتبها إمامه قد ملك عنان العربيّة وعرف جميع ضوابطها ودقائقها وما يظنّ ذلك إلا القوم الغافلون .
واعلم أن هذا الباب ، أي باب التعدية بالحرف ، هو من أدقّ الأبواب . فطالما ترى الكتّاب يغلطون فيه فيبدلون بين حرفٍ وآخر على غير هُدًى ، وربما عُدّيَ فعلٌ بحرفين أو أكثر على اعتبارات هناك فخلطوا بينها فما لبث أن جاء المعنى مختلطاً . وقد وقع الأمران لصاحبنا كما سترى .
فمن الأول نحو قوله في كتابه الساق على الساق صفحة 90 : ((فهل سول إليك الخنّاس أن تتغزَّل )) . والصواب (( سوّل لك )) كما في قوله : ( اَلشَيَطَنُ سَوَلَ لَهُمَ وَأَملَى لَهُم ) [سورة محمد ،رقم 47 ، الآية 25 ] . وفي صفحة 110: ((وصحو بالي واستعداده إلى ما يروق )) .
والصواب ((لما يروق )) . وهو كثيرٌ .ومن الثاني قوله في صدر هذا الكتاب تحت العنوان :
ودرس ثورين قد شُدّا إلى قَرَن ٍ أقنى وأنفع من تدريس حبرَين
و الصواب أن يقال : ((شُدّا بقرَن ٍ )) وهو ما يُجمع به بينهما من حبل ونحوه فهما يُشدّان به لا إليه وإنما بعضهما يُشدّ إلى الآخر أو كلاهما إلى عود النير مثلاً ونحو ذلك . والعجب أن يخفى هذا على مثل صاحبنا . وإذا احتجّ بضرورة الوزن فهي لا تبيح شيئاً إلا بشرط بقاء المعنى صحيحاً ، فإن أدّى ذلك إلى فساده كان مردوداً عند العلماء وعُدّ غلطاً قبيحاً . على أن البيت كله سخيفٌ . وفي قوله : (( أقنى))، ما لا يخفى على كل ذي بصيرةٍ .
وأما تخطئته لي في قولي : ((على أن غلط الوهم لا يخلو منه أحد كما أشار )) ، وزعمه أن الصواب أن يقال : (( كما أشار إليه )) ، فما لم أسمع به إلا منه ولا خطر لي وجه الخطأ في عبارتي ولا الصحّة في عبارته . و الظاهر أن الأمرين لا وجود لهما في الموضعين . وهذه إحدى خطرات وساوسه المعهودة . لأن مرادي في العبارة مجرّد الإشارة فقط دون قصد المشار إليه بها ، إنما ينبغي أن يُعقد الكلام على قدر الحاجة فإن تجاوزها كان مخلاً كما تقرّر في علم البيان . و العبارة على حدّ قوله : ( فَاَدَعُ وَاَستَقِم كَمَآ أُمِرتَ) [سورة الشورى ، رقم 42 ، الآية 15] اقتصر على ذكر الأمر دون المأمور به لأنه هو المراد مجَّرداً . ومثله قوله : ( لَيَستَخلِفَنَّهُم فى ِ الأَرض ِ كَمَا اَستَخلَف الَّذِينَ مِن قَبلِهِم )[ سورة النور رقم 24، الآية 55] .
وقوله : ( مَا يَعبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبلُ ) [ سورة هود رقم 11 ، الآية 109] .
وقوله : ( قُل لَّو كَانَ مَعَهُ ءَالهِةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لاَّبتَغَواْ إِلَى ذِى العَرش ِ سَبِيلاً ) [ سورة الإسراء رقم 17 ، الآية 42] . وهو كثيرٌ مستفيض وما نرى له من نكير . فإن قُصد المتعلَّق هناك أو كان المعنى لا يستقلّ بدونه ، وجب ذكره كقوله ( وَأَحسِن كَمَآ أَحسَنَ اللهُ إِلَيكَ ) [سورة القصص رقم 28 ، الآية 77 ]. وقد جمع الأمرين كما ترى .
وقوله : ( وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَى ءَال ِ يَعقُوبَ كَمَاَ أَتَمَّهَا عَلَى أَبَويكَ ) [ سورة يوسف رقم 12 ، الآية 6 ] .ونحو ذلك فتأمل .
وبقي هذا النظر في ما وقع من الخطأ في عبارة ردّه . فمن ذلك قوله : (( كما يصحّ أن يقال مثلاً عظم جدّه وطال جهده . كذلك يصح أن يقال جادّة وجاهدة)) . فقوله كذلك بعد قوله كما ، زيادةٌ مخلّة وهي أشبه بالوجه القبيح المبرقع . لأن قولك مثلاً ، (( كما تزورني كذلك أزورك)) يكون تقديره (( أزورك كما تزورني كذلك)) فتأمّله .

ومثل هذه العبارة قوله في كتابه سر الليال صفحة 11 : (( وكما جاءت الهمزةُ بهذا المعنى كذلك جاء التشديد )) . وقوله في صفحة 67 منه ((وكما أنه يتوهم في البعثقة زيادة ((العين (( كذلك يتوهم )) . وفي صفحة 83 : (( كما توافق المُبهم و المُصمَت كذلك جاء المُصمَت )) وهو كثيرٌ .
ومن ذلك قوله : ((ولا عجب من أن هذا المتبلتع يقول مثل [هذا] الكلام )) . وهو أوضح من أن ينبَّه عليه ولعله غلط طبع إن كان يسلّم بأن صفاف الحروف يغلط .
ومن أغلاطه الفاضحة قوله ( ولم يكن لي همّ سوى في إظهار أصل معاني الألفاظ)) إلى آخره . وهو من التراكيب الغريبة و لعله ناشئ عن شدّة التعمق في العلم ، على أنه تجاوز الحدّ وأفرط . و الصواب أن يُقال : لم يكن لي همٌ في سوى إظهار . أو إلا في إظهار . لأن إقحام في ما بين سوى وما يليها وهما متضايفان خطأ قبيح كما قرّرت النحاة . والظاهر أنه يتوهم الحرفيّة في ((سوى )) فيجريها مجرى((إلا )) وهو لا يفرق بينهما . وأنت ترى أنهم في كتبهم يفردون ((إلا ))في باب الاستثناء فيعطونها حكمها ثم ينتقلون إلى ((سوى ))و ((غير )) فيجعلونها في حكم آخر . وفي باب الإضافة يدرجون ((سوى )) و (( غير)) بين الأسماء الملازمة للإضافة . وفي كتب اللغة يفسّرون ((سوى )) بغير، وربما صرّحوا باسميتها أيضاً . على أن مراده في العبارة الحصر وإلا نصٌ فيه ، بخلاف ((سوى )) كما لا يخفى ، فعدوله إليها معيبٌ لفظاً ومعنى . قلت و مقتضى قوله هذا أنه كان مهتماً بإظهار أصل معاني الألفاظ فقط وترك سائر الأحكام لإغضاء المطالع وتساهله لو ترك لذلك سبيلاً . ومثل هذه العبارة قوله في سر الليال صفحة 13 (لم يكن له همّ سوى بمجرّد جمع الألفاظ )). وينبغي أن تنتبه هنا إلى أنه جرّ ما بعد (( سوى)) بالباء ، وهناك جرّه بفي و التركيب في الموضعين واحد . وقوله في الساق على الساق صفحة 42 : ((ما الفرق بينهم و بين البهائم سوى اللحى )) . وفي هذا ما يغني عن أمثاله فقس عليه .
[ في تخطئة اليازجي لكتاب الساق على الساق ]
الجنان ، السنة 2 ، الجزء 24( 15/12/1871 ) ص835-842
شبلي : الشدياق اليازجي ، ص125-140
ومن أغلاطه في هذا الرد قوله : (( ما من شاعر قال شعراً إلا وأُخذ عليه)) والصواب إلا أخذ بترك ((الواو ))على مذهب الجمهور . وأقبح من زيادتها هنا زيادتها في قوله في الساق على الساق صفحة 213 : ((ولا بد وأن يكون عنده كاتب )) ومثله قوله في صفحة 216 (ولا بد وأن يكون هناك شيء )) . وفي صفحة 235: (( ولا بدَّ وأن يكون النثر أيضاً مثله)) . وفي صفحة 237 : ((فلا بدّ وأن يمشي معه اثنان )) . وهذا أكثر من أن يُحصى . وشهد الله لو استعمل هذا أجهل الأغبياء لعُدّ منه قبيحاً .
ومن زياداته المخلة قوله في الساق على الساق صفحة 40 : (( تنبّه الغافلين أن وراءها لقولاً شديداً )) فإقحام ((اللام ))على اسم ((إن ))هنا خطأ شنيع لأنها واقعة في موضع الجرّ بالأداة المحذوفة بعد تنبّه كما لا يخفى ، وذلك يوجب فتح همزتها على أنها مفتوحة هناك بالرسم أيضاً . و ((اللام )) تقضي بتعليق العامل عنها لأنها من ذوات الصدر فالتبس الأمر واختلط . وعلى حدّه قوله في صفحة 214 منه : (( والذي يظهر لي أن في الهنات و الجليدات لضرراً عظيماً )) وهي واقعة في خبر المبتدأ . وأمثالها كثيرة .
ومن ذلك قوله في صفحة 43 : ((وإنهم وإن يكونوا سيّئي الأدب على الطعام فهم متأدبون )) . فإدخال (( الواو)) على أن يُشعر بأنها الوصليّة ، وإدخال (( الفاء)) على جملة الجواب يشعر بأنها الشرطيّة ، وضاع خبر ((إن )) . فإحدى الزيادتين خطأ. والصواب إما إسقاط((الواو ))فيكون الشرط وجوابهُ خبراً ، وإما إسقاط ((الفاء )) فيؤخذ الخبر مما يليها ويتعيّن كون ((إن )) وصلية وجوابها محذوفٌ للاستغناء عنه بالخبر كما تقرّر في علم النحو . ومثله قوله في صفحة 237 ( وهما وإن أظهرا له الخضوع ففي قلوبهما منه حزازات )) . وأقبح منه قوله في صفحة 327 : (( فإنه وإن يكن مقامه بين الناس كريماً إلا أنه لا يمكنه )) . وقوله في صفحة 125 : (( إني وإن كنت بشراً مثلك لكني وكيل )) . فما أدري كيف صحّ عنده هذا التركيب . ويجري هذا المجرى قوله في صفحة679:
(( فإذا رضيت فكل سخطٍ هيّنٌ وإذا وصلت فلم أبال بهاجر ِ ))
فربطُ جواب (( إذا)) الثانية بالفاء خطأ مُفسِد لأنها تقضي بانفصال ما بعدها عما قبلها وجعله خبراً لمحذوفٍ لا جواباً ، ويكون التقدير فإنا لم أبال فتمحّض المضيّ في الفعل وهو عكس المراد لأنه مرتب على ما قبله في المعنى . والصواب إسقاط ((الفاء )) فينصرف الفعل إلى لإستقبال لتسلط أداة الشرط عليه حينئذٍ كما لا يخفى . ألا ترى ما قال بعد هذا البيت :
((وإذا بقربك كنت يوماً نافعي لم أخشَ شيئاً بعد ذلك ضائري ))
فالمعنى هنا صحيح لأن الفعل المتحوّل إلى المضيّ بلم قد تحول إلى الاستقبال لوقوعه في الجواب مباشراً ، بخلاف الأول لأنه واقعُ في البر لا في الجواب كما علمت .
ويقابل الزيادة عنده النقص أحياناً ، أعني نقص حرف أو كلمة لا شيئاً آخر . وذلك كقوله في صفحة 526 من كتاب : (( قلت أتعنيهم أم تعنيهنّ )) . حذف ((نون )) الرفع وهو خطاب للأنثى . ومثله قوله :
(( ألم تفقهوا لابن الحُسين مقالةً تقيكم عنا غماء فيها تخاطروا))
وفيه حذف(( النون)) أيضاً . وقوله:
((فلم يبقَ إلا من درى سوء رأيكم به وبدا من أمركم ما تحاذروا ))
وبين كل ذلك من سخافة التركيب وفساد المعاني في مواضيع كثيرة وتعقيد العبارات إلى غير ذلك ما لا يخفى على أولي الذوق السليم .
ولقد أعجبني قوله وهو يعرّض بأبي رحمه الله : ((ومن شأن الشاعر إذا تعمّد إيراد لفظة غريبة أن يتروّى فيها ولا يوردها مجازفةً )) انتهى . ومقتضاه أن الناثر لا يجري عليه هذا الحكم . على أنه يشير بهذا إلى لفظة (( الفحطل )) وهي إنما جاءت في النثر لا في الشعر ، فما أدري ما الذي جاء بذكر الشاعر . و الظاهر أنه لا يفهم المراد من إطلاق لفظة الشاعر فيظن أنه إذا نثر أيضاً سمي شاعراً . ومن كان هذا مبلغ فهمه لم ينكر عليه أن يتفتّح في كلامه بأبلغ من ذلك .
ولعمري ، وإن أجهل الأغبياء لا يقول كما قال في كتابه الساق على الساق صفحة 664 : (( فإما غيره من التراجمين )) أراد جمع الترجمان فأحوج إلى ترجمان . وهو من الجموع التي لم يسبق إليها لسان عربيّ ، فما أدري أنّى استفاده . والصواب تراجم كزعفران وزعافر على ما ورد من كتب الأئمة . فيا ليت شعري أتراه تروَّى في هذه اللفظة لما ذكرها أم أوردها مجازفة ؟ألا وهو الذي يقول في صفحة 31 من هذا الكتاب : (( تتعقّبني بزلة قلم وبغير زلة)) .
أراد وبزلة غيرها ،ونحوه فإلتوى عليه المراد ،وإن هي إلا زلة . وهذا يقرب من قول القائل : ((صدارة عظمى الملك إن أفل البدر ))أراد صدارة المُلك العُظمَى . فلما قدَّم الوصف اختل التركيب وفسد المعنى كما لا يخفى ، وعلى حدّ عبارته التي مرّ ذكرها قوله بعد ذلك في حديث ((المرابض )) : (( فإن أراد الشاعر الرجوع إلى أصل الفعل كان لا بُدّ له من التقييد كأن يقول مثلاً محافل الماء)) . انتهى . وفيها ما في التي سبقت من نقص التعبير على أنها وحدها كافية لنقض جميع ما ماحك به في لفظة ((المرابض )) . فإنه يشير بها إلى أنه يصحّ أن تُستعمل (( المرابض)) للخيل ولكن بشرط التقييد كأن يقال (( مرابض الخيل)) حذراً من الالتباس . وهو عين المصرَّح به في البيت الذي أُخذ عليه هذا الاعتراض حيث قيل : تكثر الخيل في المرابض إن عدَّت . إلى آخره . فتأمل .

ومن ذلك قوله : (( إني ذكرتُ في آخر سر الليال أني سأبيّن الغلط الذي وقع فيه في جدول ٍ مخصوص بعد ختام الكتاب بأسره )) ، انتهى . وهنا إلتوى عليه المعنى أيضاً ، فإنه يقول إنه ذكر ذلك في آخر سر الليال ، ثم يقول : إنه سيبين أغلاطه بعد ختامه . فعبارته الأولى تُشعر بأن الكتاب انتهى وأتى على آخره . وعبارته الثانية تُشعر بأن نهايته منتظرة فتدافع القولان . والصحيح أنه ذكر ذلك في آخر الجزء الأول من الكتاب لا في آخر الكتاب . اللهم إلا أن يكون سرّ الليال أسماً للجزء الأول من الكتاب فقط فلا يكون في المعنى إلتواء . ولكن يستدل به على سمو قيمة هذا المؤلف بأن وضع له أسماءً كثيرة فجعل لكل جزء منه اسماً مخصوصاً . ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى غرابة الكتاب فدلّ عليها بغرابة التسمية ، والله وأعلم .
ومن ذلك قوله : (( إني لما أوردت (( الفطحل)) و (( المربط)) نسبتهما إلى غلط السهو )) ، انتهى.
ومقتضى نصه أن ((الفطحل)) و ((المربط)) غلط ، مع أنه شاحن وماحك جهده لينسب إليهما الصحة ، لا لينسبهما إلى الغلط فعاد هنا إلى تخطئة نفسه . وأمثال ما ذُكر كثيرةٌ في كلامه ، فإنك إذا تأمّلته تأمل المنتقد وجدت فيه ما يحملك على العجب من غباوته ومن تهافته مع ذلك على المعارضة و السجال . ورحم الله القائل :
ومن عجب الأيام أنك لا تدري وأنك لا تدري بأنك لا تدري
ومما أعجبني في هذا الرد قوله : (( فأما قول اليازجي أن قصدي بإيراد هذه اللفظة ظاهر ، فالأظهر أن يقال إنه ندب أضرابه من أهل بيروت للتحزّب معه عليّ)) ، انتهى . فلا جَرَم أنه من التأويلات المُضحكة ، وما أدري كيف استنتجه لله درّه .
ولعمري ، ما أرى في هذا الموقف ما يستحقّ أن يُنَدب إليه أحد ولكن ما زال هذا معظم خوف صاحبنا ومسند أمله . فكثيراً ما عّرض به في هذا الرّد فنكب عني وحزّب إليه ، وهو يظنّ المسألة قائمة بكثرة المتحزّبين حتى بعثته صفاقة وجهه على أن صرّح في أواخر ردّة فقال : (( فليعلمنَ أن المنتصرين للجوائب أكثر من المنتصرين للجنان و لليازجي )) . فلا ريب إنه كلام أولى أن يزجّه في قعر دواته ويخجل من ذكره . وما أظن عاقلاً إلا يعذله عليه ويلومه . بل الأظهر أنه يريد بكلامه هذا أن يبعث الفتنة ويبني على هذه المناقشة أموراً درست منذ زمنٍ مديد وأصبحت هباءً منثوراً . وهيهات ما يتمنى . فإن تلك الأحاديث قد أصبحت في خبر كان وعناية دولتنا العليّة في آثارها يوماً فيوماً . فإنها أيّدها الله بعد أن نشرت ما نشرت من ألوية التمدن و العرفان في ممالكها المحروسة وبثّت ما بثّت من نوايا السلام والإلفة بين رعاياها قد أصبح ذلك أمراً لا مطمع فيه . ولعمري ، ما أرانا في ساحة حربٍ تزدحم فيها الحوافر و الأقدام حتى تقتضي كثرة المدّد . ولا أرى الناس في يدي ، ولا أظنهم في يده يندبهم حيث شاء . وإنما نحن في مقام جَدَليّ تزدحم فيه الأفكار ولا ينفع فيه اصطدام الأقلام و كثرتها . وآية الاستظهار بيننا إنما هي نصوص الأئمة رحمهم الله ، و البراهين العلمية فمن ظفر منا بشيء من ذلك فنعمّا وإلا فما يغني عنه إلا السكوت، فما الموجب لهذا القول الذميم ؟
ومن غريب ما جاء في كلامه زعمه أنني خطّأته لأنه رثى أبي رحمه الله . أو كما عبّر ندّدت به . وهو يحسب التخطئة تنديداً وفيه اعتبارٌ ما . فلا ريب أن هذه كانت أولى حُظيّاته مما أشرت إليه كأنه يريد أن يحمل عليّ أولي الفضل بأنني أتيت مثل ذلك في وجه من بادأني بالجميل . غير أن ذلك قد فاته بظهور كلام الفريقين ، ومن وقف على القالين علم الحقيقة وأنصف بيننا وأغناني عن الاعتذار . بل الأولى أن يقال إنه لم يتلقّني بما تلقّاني به هذه المرّة إلا مكافأة لي على احترامي له وحفظي كرامة شيخوخته وعهد صداقته مع أبي رحمه الله ، كما تلقّى أبي بالانتقاد عليه بعد وفاته مكافأةً له على ما تكلفه من مدحه . وبالجملة أرى له أن لا يفتح على نفسه هذا الباب أي باب الحقوق الأدبية لأنه قلما يُحمَد فيه .
وأما زعمه أني أدّعي العصمة لأبي رحمه الله ، فذلك ما لم تسبق إليه مني إشارة وأستغفر الله من هذه الدعوى لبشر ٍ ، فإن الإنسان ما زال موضع الخطأ و التفريط . بل إذا وصفته بأنه قابلٌ الغلط كنت كأنك وصفته بأنه قابل العلم مثلاً ، لأن كلا الأمرين من لوازم الإنسانية . غير أني أقول إنه مع ذلك قد تعبث به الخيلاءُ حجاب الكبر فيتوهم في نفسه العصمة جهلاً وسفهاً ، ثمّ لا يفتر أن يأخذ على الناس سقطاتهم ويترقب هفواتهم . فَمَثله مَثل الأعمى يعيّر الأعمى بأنه لا يبصِر ، وربّما عيّر البصير بذلك أيضاً لاستواء الكل في عينيه حرسهما الله . ومن كان كذلك وجب تنبيهه إلى معرفة نفسه وإظهار عجزه عن إدراك غلطه فضلاً عن غلط الآخرين ، لكي يعلم أنه من الضعف فوق ما يرى في نفسه من القوّة وإن في غيره بقيّة من فضل الله و الله لا يذخر فضله عن أحد .
ومن غريب هذيانه في هذا الردّ زعمه أنه يريد أن يحامي عن حقوق العربيّة . وإنه لا يخشى في حبّها لومة لائم ، إلى غير ذلك من الأقوال المضحكة . فأما محاماته عن حقوق العربية فما أدري مَن الذي سلمه مقاليدها وأقامه زعيماً على أهلها حتى يدّعي لنفسه مثل هذه الدعوى ؟ وكأني به قد نسي أنه دخيلٌ فيها متطفلٌ على موائد أربابها . بل لعلهم رأوا فيه من العلم و الفضل ما لم يروا في غيره من علماء العصر ففوّضوا إليه أمرها .والله الأمر ولا حول ولا قوّة إلا بالله .
وأما زعمه أنه من محبّي العربيّة ، فقاتل الله هذا الحبّ الذي جلب عليها تعفير وجهها وتشويه حسنها وهتك أستارها . وما كان أبّره بها لو أنه لها عدوٌ خصيم . ولله قول أبي الطيّب :
ومن العداوة ما ينالك نفعهُ ومن الصداقة ما يضرّ ويؤلم
وكأني بما ذهب إليه في سرّ الليال من أن معنى أحبهُ أصاب حبّة قلبه ، قد صدق هنا فإنه كذلك أحب هذه اللغة . أجارها الله من كلّ محبٍ مثله . وما أحسن ما قاله الآخر :
أحبابه لِمَ تفعلون بقلبه ما ليس تفعله به أعداؤهُ
والظاهر أنه يذهب في الحبّ إلى ما ذهب إليه ديك الجنّ الحمصي ولا شريك له سواه. قيل إنه كان عنده جارية وغلام يهواهما وكان شديد الكلف بها . فسوّلت له الغيرة ، أو شيءٌ آخر يشتق من اسمه ، أنه ربما مات قبلهما فاستأثر بهما غيره من بعده . فعمد إليهما ليلةً فقتلهما ثمَّ أحرقهما فجعل من رماد كلّ واحدٍ منهما باطية ً للخمر .فكان بعد ذلك إذا اشتاق إلى الجارية قبّل الباطية المصوغة من رمادها وملأ منها كأسأً ثمَّ بكى وأنشد :
يا طلعةً طلــع الحِمــامُ عليهـــــــا وَجنى لها ثمر الردى بيدَيهــــــا
روّيتُ من دمهــا الـــتراب وطالمــا روّى الهوى شفّتي من شفتيها
وأجلتُ سيفي في مجال خناقهـا ومدامعي تجري على خدّيهـــــا
فوحقُ نعليها ومــــــا وطئ الثرى شيء أعز عليَّ من نعليهــــــــا
مـا كان قتلِيهـــا لأني لـــم أكـــن أبكي إذا سقط البعوض عليهـــا
لكن بخلتُ على سواي بحسنهـا وأنفت من نظر العيون إليهـــــــا
وإذا اشتاق إلى الغلام فعل كذلك بباطيته وأنشد :
أشفقتُ أن يَرِدَ الزمان بغــــدره أو أُبتلى بعـــد الـوصـــال بهجـــره
قمرٌ أنا استخرجته من دجنــــه لبليتي وأثرتـــه مـــن خـــــــــدره
فقتلته ولـــــــه علــيّ كـــرامةٌ فليَ الحشى وله الفؤاد بأســــره
عهدي به ميتاً كأحســن نائم ٍ و الطرف يسفح دمعتي في نحره
لو كان يدري الميـت ماذا بعده بــالحيّ منـــــه بكى له في قبره
غُصصٌ تكاد تفيض منها نفسه ويكـــــاد يخرج قلبـــهُ من صــدرهِ
نعوذ بالله وإياه نحتسب . ومما حَسُن عندي موقعه قوله في هذا الردّ :

(( أما قوله إنه كان يلزمني إشعار أبيه باختلال لفظة (( الفحطل )) على ما يقتضيه عهد المودّة فهو لا يلزمني ، لأن لهذه اللفظة أخواتٍ كثيرة في المقامات فلو اختصصت منها بالذكر لفظة ((الفحطل )) لما كنت مصيباً ولأني كنت مترقباً إصلاحها منه ، فلما بقيت على الخطأ نبّهتُ عليها قياماً بحق اللغة فإني لا أخشى في حبّها لومة لائم )) .اهـ .
قلت ُ : إن العبارة التي بنى عليها كلّ هذا لم تَرد في كلامي على هذا الوجه أصلاً ، فما أدري مَن الذي وسوس إليه بها . وما أحسن ما اعتذر به من قوله : فلو اختصصت منها بالذكر لفظة (( الفحطل )) لما كنت مصيباً . ولا أدري ما كان يمنعه من أن يذكرها له جميعاً . وما الذي كان يُلزمه بأن يختصّ منها لفظة ((الفحطل ))فقط حتى يكون غير مصيبٍ . وأحسن منه قوله :
(( إنه كان مترقباً إصلاحها منه . فما أدري كيف كان يرغب أن يقف على إصلاحها لأن الكتاب لم يُطبع مرّة ثانية بعد . بل ربّما سوّلت له نفسه أنه كان من الواجب على أبي رحمه الله ، أن يُشعِره باختلالها بناءً على أنه يعتدّ نفسه إماماً للعربية وزعيماً لأهلها ، وصبرٌ جميل . وأبدع منه تعليله بأن الذي أوجب عليه أن ينبّه عليها قيامه بحق اللغة لأنه يخشى في حبّها لومة لائم ٍ . وهو يقول : إن لهذه اللفظة أخواتٍ كثيرة في المقامات ، فكان يجب عليه أن ينبّه على جميعها قياماً بما أخذه على نفسه من حق اللغة . وإلا فقد وقع تحت ملام اللائم ، وما عُدّ إلا خائناً في حق اللغة لأنه لم يَقُم به حق القيام فكان مسخوطاً من الجانبين . وإذا كان يحسب أن ذلك عليه حق واجب وأن كلَّ غلطةٍ في اللغة إنما يكون هو المُطالب بها فذلك هو عين الحمقى . ولعمري لم يَقُلها قبله قائل . وشهد الله لو ادّعى لنفسه هذه الدعوى جبريل عليه السلام لنازعه فيها الملئكة المقرّبون . وإذا كان الأمر كذلك فهو أوّل من يحاكم بهذه السُنّة التي وضعها . وقد بينت لك في هذا الردّ من أغلاطه ما لا يكاد يسقط به أغبى الجهلاء ، وإن هو إلا شيءٌ أو بعض شيءٍ من أشياء . فمن تراه يطالب بأغلاطه الكثيرة الفاضحة وكيف توفى اللغة حقها منه ؟
وأعظمُ شاهدٍ على ذلك أنه رحمه الله ، كان قد استدرك فيها ما فاته في الطبعة الأولى من غلط الطبع وغيره كعسفان بالفتح والخَجُوجيّ كدَجُوجيّ والإناءة بالمدّ ، وغير ذلك فنبّه عليه على هامش إحدى النُسخ لكي يُراعى في الطبعة الثانية . وكذلك فعل بسائر كتبه المطبوعة ، وتبارك من اعتصم بالكمال . وقد أشار إلى ذلك رحمه الله ، في الكتاب الذي بعث به إلى صاحبنا حينما بلغه أن بعض أهل الآستانة يريد طبع المقامات وهو الذي كان فاتحة هذه المناقشة . وليس ذلك من الأمور المستغربة بالنسبة إلى الإنسان ولا هو مما يُعاب به ، وقد قيل : كفى المرء نُبلاً أن تعد معايبه .
وقد وضع بعضهم في تخطئة مقامات الحريري المشهورة كتاباً برأسه ، وبعضهم في تخطئة ديوان أبي الطيب المتنبي وغيرهما في غيرهما من أكابر العلماء و المدّققين . وما برح ذلك دأب العلماء و المصنفين في كل فنّ وزمن ، فمنهم من أخطأ ومنهم من خطّأ ومنهم من جمع الأمرين وهو أشأمهم . غير أن صاحبنا لما انتدب للتخطئة في مقام الرثاء ، أطال الله بقاءه ، وكان ما خطّأه به في غير موضعه لأن (( الفحطل)) ليست إلا غلط طبع كما تقرّر ، و (( المرابض)) قد تقدّم من الكلام عليها ما يكفي لإقناع كل ممار عنيد ، ولا سيما أنك قد عرفت منزلة هذا المعترض بين نَقَدة الكلام ، رأيت أن أُجيب عن ذلك لقصد بيان ما ذكر لا لقصد الدعوى بالعصمة كما زعم ، فإنني لا أدّعي بأن أبي ، رحمه الله ، كان منزهاً عن الغلط ، كما لا أسلم بأن صاحبنا يخلو من الإصابة أحياناً وإن قال به جماعةٌ من المتعنتين . فما لبث ، حيَّاه الله ، أن قابلني بالعنف ورماني بسوء المقال وذهب مذهباً لا يليق بالعلماء و بالحري من قام زعيماً بينهم وهو قد تعمم بالمشيب و التثم . فما الرأي أَأَستبيح حرمة من كان كذلك ؟ أم أطرح بنفسي في هذا المجال وألتطخ بما أكره أن أرى غيري ملطوخاً به ؟ بل أجلّ شأن أولي الفضل الذين سيُلقى كلامي هذا بين أيديهم عن أن اقتحمهم بشيء من ذلك . وكنت أحبّ أن أرى سيّدي مواطئاً لي على هذا الرأي عينه ، ولكن الظاهر أن الذي حمَله على تلك الخطة هو أهمّ مما حملني على تركها واجتنابها لأنه يقول إنه يريد أن يُرضي العلماء . وشهد الله أن هذا أبلغ ما يمكن أن يقال في حقهم ، وهم أجلّ من ذلك وأرفع شأناً . سامحه الله وأصلحه .
وأما قوله ((فليستعن بصاحب الجنان [ المعلم بطرس البستاني ] على تنقيح كلامه )) ، وزعمه أن صاحب الجنان ظهيرٌ لي في مناقشته ، فهذيان لا غاية بعده وهو لعمري أصغر مما يزعم وأدنى كثيراً . بل مَن تراه يجسر على نقد الكلام وتنقيح خلله في جنب الأستاذ أعزَّه الله ، وهو إمام العربية وزعيمها و المحامي عن حقوقها فهو أولى من نظر في سديد القول ومختله وفرَّق بين صحيحه وفاسده . وهو أجدر بأن أفوّض إليه أمري و النظر في تنقيح كلامي وقد فعل أثابه الله . ألا تراه سدّد فقال (ينبغي أن يُحكم بأن الرَبض بفتحتين مأخوذ من الربوض ، لأن الربض هو من الأشياء الباطنة ولا يصحّ العكس)) .
وأن يقال : ((تصديي بياءين مخففتين ومن شَدَّد عليه )) . وإن قال : (( أناف عليه ومن قال أناف عنه فقد أخطأ )) إلى غير ذلك مما مرّ بيانه . فما حاجتي بعد كل هذا بالمنقحين وسيدي الإمام متصدّر في مجلس العلماء تُرفع أقوالهم إلى مسامعه الشريفة فيخطّئ بعلمه كلَّ صحيح ويقتصّ منهم لحق اللغة . والأمر لله والله خير المنصفين .
و العجب إنه قبل ذلك قد لام صاحب الجنان على نشره كلامي في جريدته على ما فيه من الخلل ، فما أدري كيف يكون هو المنقح لكلامي وكيف يلام بعد ذلك على نشره له في الجنان مختلاً . لأنه إن ثبت أنه قد نقحه فقد ثبتت عنده صحّته فلم يبق عليه للملام سبيل . وإن ثبت أنه قد عرف أغلاطه كما عرفها الأستاذ ونشره في الحنان على غلطه فكيف يّدعي أنه قد نقّحه . ولكن ما زال ذلك شأن المولى فقلما تراه بتَّ حكماً إلا تراه بعد حين بتّ عكسه فتدافعا فأسقط أحدهما الآخر . ولله درّه .
وأما ذلك الأديب الذي أشار إليه وقال : (( إن هذه المناقشة لا تلبث أن تغريه بتخطئة المقامات من أولها إلى آخرها )) . فليشفعنّ في جنايته كلها إذا كان ذلك يتمّ عن يده. لأنني عازمٌ إن شاء الله على إعادة طبعها ، فلعلّ أبي رحمه الله قد فاته شيءٌ من ذلك فينبهني كل ذي علم عليم ، ويحق له عليّ الثناء الجميل . والمأمول أنه إذا تعمد ذلك يعاملني باللطف و الرفق كما يليق بمثله ،لا كما فعل صاحب المناقشة وبذلك يُخلص إحسانه وما على المحسنين من سبيل .
هذا وإنني لأعلم أن المطالع قد ضجر مني وربّما تغيّظ لسبب هذه الإطالة فأقول هنا إن الرد قد آذن بالنهاية ، و الحمد لله لا ينتهي . وأسأله الإغضاء عما لعله طغى به القلم . وإن أذن لي أطرفته بشيء آخر أحسبه لا يخلو من فكاهةٍ لعلها تشفع في ما أشرتُ إليه ، وأظن أني إن لم أفعل الآن ربما فاتتني وإياه . وذلك إنه قد خرجت في هذه الأثناء قصيدة من نظم صاحبنا في وقائع الحرب الأخيرة ، نشرها في العدد 558 من الجوائب . ولما كان هذا الباب لم يزل مفتوحاً ولا أحبّ أن أقرعه بعد أن يُغلق كما علمت ، وكان لا يغرب عنك أن لكلّ جديد طلاوة ، لم أجد بداً من أن أُلحق بهذا الرد شيئاً منها لكي تعلم أن الإمام لم يزل مراعياً لحقوق العربية كما ذكر في رده وأنه لا يضيع مثقال ذرةٍ منها إن شاء الله . فمن ذلك قوله نفعنا الله به :
فهذه جيوشي وهو فيها محكّمٌ رئيسٌ عليها آمرٌ أمر مزيال ِ
(( المزيال)) الخفيف الظريف فهو منافٍ أو مباعد للمقام ، و المعنى يقتضي نحو الحاذق أو المحنك ولا محل فيه للخفة و الظرافة فتأمّله . وقوله :
وأكثرهم صخباً وشغباً وأحنةً غرامون شيخٌ ذو هياج وتصهال ِ
فقوله ((صخباً )) يقتضي الوزن إسكان (( خائه)) و اللغة تقتضي تحريكها فكل واحدةٍ من الحالتين خطأ من وجهٍ . وقوله ((تصهال )) الأظهر فيه أنه من قولهم رجل ذو صاهل ، أي شديد الصيال و الهياج . ولكنهم قالوا ذو صاهل ولم يسمع ذو تصهال . وسائر معاني المادة لا يناسب المقام . وقوله :
ويا يوم فلّوا في بروت وأدبروا شماطيط فلا عز عن كل منوال ِ
فقوله ((عزّ عن كلّ منوال )) لا معنى له . وقوله :
وسار إلى حصن ٍ يسمّى بفردن ٍ يظنّ به أمناً وإرجاء إفشال
ففي قوله (( إرجاء إفشال )) نظر والأظهر أنه يريد بالإفشال أن يكون مصدراً من معنى الفشل ، وبالإرجاء التأخير . إلا أن ((أَفشَل )) الرباعي لا يأتي بمعنى الثلاثي . وقوله:
وأكثر من هذا إبادتهم الوغى وذلك من بعد اقتحام وقيتال ِ
ولا يخفى ما في قوله ((قيتال )) ، من الكراهة و الغرابة وإن أجازه القياس . وقوله :
وقد حصلا في كفّ جرمانيا معاً كمثل لجام ٍ للفرنسيس تلاّل ِ
الأظهر هنا أنه يربد بقوله (( تلاّل)) ، أن يكون فعّالاً من قولهم : أتلّ الدابّة . إذا ارتبطها وقادها . جعله صفةً للّجام وفيه نظر . على أن في صيغته خطأ فاحشاً لأن فعله رباعي لا ثلاثي كما تستعمله العامة فيقال أتلَّ الدابّة كما تقدّم ولا يقال تلّها . وصيغة فعّال لا تبنَى من أفعَل الرباعيّ إلا في ألفاظ شاذّة تسمَع ولا يقاس عليها ، على إنها في غاية الندور . قال الشيخ أبو زكرياء التبريزيّ في شرح ديوان الحماسة لأبي تمام الطائي رحمهما الله : ليس في الكلام أَفعَل فهو فعّال إلا أحرف يسيرة وهي أسأر فهو سأار وأدرك فهو درّاك وأجبر فلاناً على كذا فهو جبّار ، وأقصر عن الشيء فهو قصّار . اهـ .
وقوله :
فإن جيوش الإمبراطور أعتقت من الأسر بعد الصلح من دون إقلال ِ
فقوله : (( من دون إقلال )) لا معنىً له في هذا الموضع ولكن ساقته القافية .
وقوله :
ومن عوز القوت الذي سدَّ بابه عليهم معادوهم ولا سدّ إدحال ِ
((الإدحال )) جمع دحل . قال صاحب القاموس : وهو نقبٌ ضيّق فمه متّسع أسفله حتى يُمشى فيه . أو مدخلٌ تحت الجُرف أو في عرض خشب البئر في أسفلها أو خرقٌ في بيوت العرب يُجعل لتدله المرأة إذا دخل داخلٌ . و المصنع يجمع الماء .ا هـ . وفي ذلك ما يُوصَف بالضيق وليس في الكل ما يوصف بالسدّ فتأمّل .
وقوله :
إذا كان فعل المرء شاهد عقله فمن هذه الأفعال إشهاد إخبال ِ
وأفوّض إليك النظر في قوله (إشهاد إخبال )) لعله يُخرّج على وجهٍ سديد . وقوله :
وقام بأمر الجمهورية ناهضاً تيار ومعه أهلُ شُورى وأنقال
تقطيعه :
وَقَامَ بِأَمْرِلْجَمْ هُوْرِيْيَ تِناهِضَنْ
فَعُوْلُ مَفَعِيْلُنْ مَفْعُوْلُ . مَفَاعِلُنْ
تِيَارُ وَمَعْهْوْأَهْ لُشُوْرَا وَأَنْقَالِي
فَعُوْلُ مَفَاعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاعِيْلُنْ
فوزن المصراع الأول لم يحكه الخليل ولا روته علماء العَروض .
و الظاهر أنه لاحقٌ بأمثاله من مخترعات أخفش هذا العصر .
على أن في سائر القصيدة من الركاكة و التعقيد وعدم الانسجام مع استعمال كثير ٍ من الألفاظ الحوشية النافرة ، إلى غير ذلك ما لا يخفى على الشعراء و العلماء فاقتصرتُ هنا على ما ذكرته منها خوف الإطالة . هذا وإني في كل ذلك لم أتعرّض لعبارة الجوائب على ما فيها من الخلل الفاضح لاحتمال أن يتعذر فيها بالعَجلة ، وإن كان هذا العذر لا يليق بمثل الإمام .
على أنه اعتذر به في سرّ الليال فما ظنك به في الجوائب . وأمّا هذه القصيدة فلما كانت ما اقتضى سهراً طويلاً وكدّاً عنيفاً وترسّلاً ملياً . وقد استدرك ما فاته من إصلاحها في العدد 559 من الجوائب لم يبق فيها احتمالٌ للاعتذار بشيء من ذلك .
وهنا لا بدّ أن أقول إن هذه المناقشة كلها لم تكن مني عن رغبةٍ ورضىً ولا أنا ممّن يتهافتون إلى التخطئة و الانتقاد لغرض ٍ ما . وكان بودّي استئصال هذا العِرق من بيننا لو وافقني عليه و المحافظة على عهده مع أبي رحمه الله وكرامته فوق ذلك بالنظر إلى سنّه فضلاً عن عدم التعرّض له بما يكرهه . ولكن قُدَّر فكان ، و الفضل للمتقدم .
وهنا يحسن ذكر ما وقع من الاتفاقات الغريبة في هذا الصدد ، وذلك إني بينما كنت يوماً مع صاحب لي ممن ينتسبون إلى المولى وقد أخذنا في الحديث ، جرى بيننا ذكر الصحائف و الجرائد فسألني أن أكتب شيئاً في تخطئة عبارة (( الجنان)) وأبعث به إلى الجوائب ليُنشر فيها . فقلتُ : ليس ذلك من دأبي ولا غرض فيه ، و الحازم من اشتغل بالنظر في عيوبه عن عيوب غيره فإن وثق بعصمته فليفعل ما شاء .

فلما يئس مني قال : فعبارة أدبيّة أو سياسية أو شيئاً آخر يؤثره عني . قلتُ : أنا دون أن أفعل ، مع اعتدادي أن مثل ذلك إنما يكون ضرباً من التطاول على شي كبير يعدّونه من العلماء المتبحرين فإني أهاب أن أتحرَّش به . فأخذ يَصِف لي من مودّته وحبه لأبي رحمه الله وخلوص صداقته ما لم أنكره وقتئذٍ ، وألحّ عليّ بمطارحته وتجديد ذلك العهد معه حتى أن أكتب إليه رسالة حبيّة وأشفعها بلغز من نظمي يكون به الإفصاح عن نوايا الودّ و المصافاة . فلم يمض ِ على هذا الحديث ثلثة أيام حتى وردت الجوائب وفيها الانتقاد على أبي رحمه الله ، فكانت فاتحة المكاتبة بيننا . بيّض الله وجهه .
[ في فائدة المباحث و المطارحات]
وشهد الله إني ما كنتُ لأكره الخوض في هذه المطارحات و المباحث الدقيقة فإنها لا تخلو من فائدة لي أو له لو أنه حافظ على شأني وشأنه ولم يتجاوز إلى أمر الهجاء ، فإني شديد الكراهة له . ولقد طال اعتباري عند قوله في رثاء أبي رحمه الله .
ما كان يهجو ولا يُهجَى ولا حجبت ذُكا قريحته احلاك حدثان ِ
وقوله أيضاً فيه :
فلم يُضِع ساعة من عمره عَبثاً ولم يَضَع قوله في غير إحسان
فأمّا الآن وقد عدل إلى ما عدل إليه ، وقد بيّنت للواقف على هذه المناقشة مبلغ ما عندهُ من العلم فلا يلزمني بعدها مساجلته ومناظرته و التعرض لسهام قذفه ، لأن آدابي ليست كآدابه وأطواري ليست كأطواره ، ولا أرى له بعدها حقاً في الدخول إلى مجلس المساجلين ، ولا رأي لي في مواطأته على ما ذهب إليه . ومعاذ الله فذلك من قِبَلي باب مُحكم التوصيد .
ليس الوقيعة من شأني فإن عَرَضت أَعرضتُ عنها بوجهٍ بالحياء نَدِي
إنـــــي أَضـــنّ بعرضــي أن يُلِمَّ بـــهِ غيري فهـــل أتولى خرقه بيدي
انتهى

ابراهيم اليازجي
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 26-06-10, 06:30 AM
أبو الطيب أحمد بن طراد أبو الطيب أحمد بن طراد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-09
المشاركات: 423
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام

مراجع البحث

- آصاف ،يوسف . هو الباقي . القاهرة : مطبعة جريدة القاهرة الحرة 1305هـ /1887 م.
– الأبياري ، عبد الهادي نجا . النجم الثاقب في المحاكمة بين البرجيس و الجوائب : وضع للفصل بين أحمد فارس الشدياق وسليمان الحريري التونسي ، رئيس تحرير برجيس باريس . القاهرة : طبع حجر ، 1279هـ / 1863 م ، 100 ص.
–الأحدب ، إبراهيم . رد السهم عن التصويب وإبعاده عن مرمى الصواب بالتقريب . الآستانة : مطبعة الجوائب ، 1291 هـ /1874 م ، 46 ص .
- الأسير ، يوسف ( الشيخ) . رد الشهم للسهم . الآستانة : مطبعة الجوائب ، 1291 هـ / 1874 م ، 56ص.
– حبيب ، توفيق. ((أشهر المعارك الصحفية : بين الشدياق و اليازجي )) . الهلال ج77 ( 1929 ) ، ص30-306.
- داغر ، يوسف أسعد . مصادر الدراسة الأدبية. بيروت : منشورات أهل القلم ، 1955 ، ج2 ، ص 471 -478 .
- زيدان ، جرجي . تراجم مشاهير الشرق . القاهرة : مطبعة الهلال ، 1907 ، ج2 ، ص101-114 .
- سركيس ، يوسف إليان . المطبوعات العربية و المعربة . القاهرة : مطبعة سركيس ، 1928 ، عمود 1104 – 1106 .
- مختارات من أدب أحمد فارس شدياق – يوسف . ق . خوري
- شبلي ، أنطونيوس (الأب) الشدياق واليازجي : مناقشة علمية وأدبية سنة 1871. جونيه ، 1950 .
– الشرتوني ، سعيد . السهم الصائب في تخطئة غنية الطالب . بيروت : 1874 ، 86 ص .
– الصلح ، عماد . أحمد فارس الشدياق : آثاره وعصره . بيروت : شركة المطبوعات للتوزيع ، 1987 ، ص270 .
– طرابلسي ، فواز . وعزيز العظمة . سلسلة الأعمال المجهولة : أحمد فارس الشدياق . بيروت : رياض الريس للكتب و النشر 1995 ،ص 420.
– طرازي ، فيليب دي . تاريخ الصحافة العربية . بيروت : المطبعة الأدبية 1913 . ج1 . ص 61 -64 ، ص 96-99 .
- عبد السيد ، مخايل . سلوان الشجي في الرد على إبراهيم اليازجي . الآستانة : مطبعة الجوائب ، 1872 ،ص 110.
– مسعد ، بولس . فارس الشدياق . القاهرة : مطبعة الإخاء ، 1934 ، 49 ص .
– المكشوف . العدد 170 تاريخ 17/10/1938 ، عدد خاص عن أحمد فارس الشدياق . تحرير مارون عبود .
- نجم ، محمد يوسف . أديب القرن التاسع عشر أحمد فارس الشدياق . رسالة ماجستير الجامعة الأميركية في بيروت ، 1948 ،308 ص .
– يزبك ، يوسف إبراهيم . (( أثر لبناني : فارس الشدياق في رسائله إلى أهله)) . أوراق لبنانية . ج1( 1955) ص39-41 : 94-96 : 147 – 149 : 325 – 327 : 432 – 435 : 583 – 585 .

المصدر: http://www.bohemea.com/mag/index.*******.sk=view&id=354
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 27-06-10, 08:14 AM
أبو معاوية البيروتي أبو معاوية البيروتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-08
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,580
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام

جزاك الله خيراً يا أخي أحمد،
أمتعتنا بنقولاتك في التراجم والأدب،
و ....

إن الكلام لفي الفؤاد وانما
جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلا


__________________
((تابعوا فوائد متجددة على قناة التليغرام)) :

https://telegram.me/Kunnash
.
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 26-01-11, 09:39 AM
أبو معاوية البيروتي أبو معاوية البيروتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-08
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,580
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام


قال الأمير محمد علي بن محمد توفيق باشا ( 1292 – 1374 هـ ) في كتابه " الرحلة الشامية " ( ص 35 / ط . دار الرائد العربي ) – في معرض كلامه على نزهته في ضواحي بيروت - :
... كنا على مقربة من حديقة افرنكو باشا، رأينا قبر المرحوم الشيخ أحمد فارس ذلك العالم المشهور الذي يُقال أنه اعتنق الدين الإسلامي أخيراً ومات عليه بعد أن اعتنق جملة أديان وتقلّب على عدّة مذاهب، وهو صاحب مجلة الجوائب المعروفة، وله غيرها من التآليف النافعة؛ منها " الجاسوس على القاموس " في فن اللغة، وكتاب " الساق على الساق فيما هو الفارياق " وهو كتاب جميل ضخم في علم الأدب .


__________________
((تابعوا فوائد متجددة على قناة التليغرام)) :

https://telegram.me/Kunnash
.
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 26-05-11, 06:45 AM
أبو معاوية البيروتي أبو معاوية البيروتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-08
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,580
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام


قال د . عبد المحسن العسكر : من آثار تعصب الأب النصراني لويس شيخو ( 1275هـ - 1346 هـ ) حملته الظالمة على العالم اللغوي الأديب أحمد فارس الشدياق المتوفى سنة 1304هـ ( والمولود سنة 1219 هـ )، حين اعتنق الإسلام وخلع النصرانية، فكان شيخو يعرض به، ويغمز من قناته، ويسميه الضال، ويسوق شعراً في هجائه، ثم يجعل اعتناقه للإسلام منبعثاً عن طمعه بالمناصب والأموال، وهداه تعصبه بأخرة - أعني شيخو- إلى أن يدعي أن الشدياق تقهقر عن دينه الإسلام إلى النصرانية عند وفاته (تاريخ الآداب العربية لشيخو 111) .
أقول: وهذه من أعظم الفرى على التاريخ وعلى الشدياق نفسه، وهو كذب مكشوف، ولم يذكر هذا الخبر سوى شيخو متفرداً به، وقد رد عليه ودحض زعمه الأستاذ زكي محمد مجاهد في كتابه " الأعلام الشرقية 3/ 987" .
وأفادنا مارون عبود وهو من أكثر الناس إعجاباً بالشدياق وإجلالاً له، واطلاعاً على أخباره أنه زار ضريح الشدياق ورأى فوقه هلالاً، وتلك علامة صريحة بأن صاحب الضريح مسلم عند القوم، ولو كان نصرانيًّا لنصب فوقه الصليب. ( ذكرت ذلك للاستدلال به، وإلا فشريعة الإسلام تمنع من الكتابة على القبور والرسم عليها والبناء فوقها )
هذا وبلغ بلويس شيخو بغضه للإسلام أن أبغض العرب لأن نبي الإسلام عربي صلى الله عليه وسلم، ولأن العرب هم الذين آزروا الإسلام في أول أمره، وحملوا رسالته إلى العالمين، ولذا مضى شيخو يغمط حق العرب في مدنيتهم، ويخلق لهم المثالب، ويهمزهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ومن أجل ذلك سلكه الأستاذ محمد كرد علي في عداد الشعوبيين الأجلاد . (انظر المعاصرون 320 )


__________________
((تابعوا فوائد متجددة على قناة التليغرام)) :

https://telegram.me/Kunnash
.
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 28-03-12, 08:27 AM
أبو معاوية البيروتي أبو معاوية البيروتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-08
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,580
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام





أحمد فارس الشدياق دراسة موجزة لمكانة أسرته وقصة حياته وتنقلاته

د.محمد زهير البابا



مقدمة:
فارس بن يوسف الشدياق أديب، شاعر، لغوي، لبناني الأصل، ماروني المذهب. عشق اللغة العربية فحفظ كثيراً من ألفاظها ومعانيها، واطلع على ما في القرآن الكريم من حكم وعظات، فحفظ كثيراً من آياته. أطلق على نفسه اسم أحمد فارس الشدياق، ثم اختصره فقال (الفارياق). وهذا اللقب مشتق من لفظتين (فار) وهي المقطع الأول من اسمه فارس، و(ياق) وهي المقطع الأخير من اسم أسرته أي الشدياق.
لقد جاء في معجم (القاموس المحيط للفيروزأبادي)، عند الكلام على كلمة (شدق): الشيدق أو الشيداق هو الصقر أو الشاهين، وربما لهذا السبب أطلق الأديب والمؤرخ اللبناني (مارون عبود)، على كتاب ألفه عن النهضة الأدبية في لبنان، ورجلها الأول أحمد فارس الشدياق، اسم (صقر لبنان).
ونظراً لأهمية وطرافة قصة حياة هذا الأديب الكاثوليكي الماروني الذي اعتنق البروتستانتية ثم تحول إلى الإسلام، والذي جاب أقطار الشرق والغرب، ووصف عاداتها وتقاليدها وسكانها، ولغاتهم المختلفة، وألف فيها كتباً ومقالات ملأت الصحف والمجلات، ونظراً لمرور مئتي عام على ولادته فقد وجدت من المستحسن إحياء ذكره بهذه المقالة.
السيرة الذاتية لأسرة الشدياق:
كان يوسف شدياق، والد فارس، يعمل جابياً عند الدولة في لبنان. وكان وجيهاً وأديباً، محباً للمطالعة، باقتناء الكتب المخطوطة والمطبوعة ونسخها. وكانت زوجته من آل سعد، وهي أسرة عريقة، ذات نفوذ ومكانة في لبنان. وخلفا خمسة أولاد ذكور، أكبرهم طنّوس، ويليه منصور، ثم أسعد ثم غالب، وآخرهم فارس.
كان لبنان في ذلك الحين تحت حكم الأمراء الشهابيين. وكان حكماً إقطاعياً شديد الوطأة على الرعية، وخاصة في عهد الأمير يوسف، ومن بعده ابن أخيه الأمير بشير الكبير.
لقد سعى هؤلاء الحكام، لبسط نفوذهم وسيطرتهم، إلى التفريق بين الطوائف التي يتألف منها الشعب اللبناني. وكان يوسف شدياق من المعارضين لحكم الشهابيين. فانحاز لحزب سياسي معارض يضم بعض شيوخ الدروز، والساعين لخلع الأمير الحاكم. ولما أخفقوا في سعيهم والكشف عن أمرهم اضطروا للفرار إلى دمشق، بمن فيهم يوسف شدياق وأسرته. وفي سنة 1820م توفي يوسف في دمشق ودفن فيها. فانفطر قلب زوجته حزناً عليه، نظراً لما كان بينهما من ألفة ومودة. ولما عادت الأسرة إلى منزلها في لبنان وجدته منهوباً.
كان طنوس (1791-1861)، وهو الابن الأكبر لهذه الأسرة، يتقن اللغتين السريانية والعربية -كما كان مطلعاً على تاريخ العرب وآدابهم بصورة عامة. فعمل على نسخ بعض المخطوطات في التاريخ والطب وعلم الفلك، مستفيداً من الكتب المحفوظة في مكتبة والده. وله من المصنفات كتاب عنوانه (أخبار الأعيان في جبل لبنان).
احتلّ طنوس بعد وفاة والده مكانة مرموقة عند الأمراء الشهابيين، فتولّى عدة وظائف مهمة، منها منصب "القضاء على نصارى لبنان".
أما الأخ الثاني لفارس شدياق، وهو منصور (1795-1841م) فقد تعلم في مدرسة عين ورقة في جبل لبنان، وأتقن الخطّين السرياني والعربي، ونسخ كثيراً من الكتب، كوالده وإخوته. وعمل في خدمة الأمراء الشهابيين.
والأخ الثالث وهو أسعد (1798-1830) درس على أخيه طنوس آداب اللغتين السريانية والعربية، وانتسب لمدرسة عين ورقة وعمره أربع عشرة سنة. ونظراً لتفوقه وذكائه واجتهاده فقد عهد إليه تدريس الرهبان السريانية واللاهوت في دير القديس أنطونيوس في مدينة بعبدا. كما قام بتدريس اللغتين السريانية والعربية لبعض أفراد الإرساليات الأميركية، التي جاءت إلى لبنان بقصد التبشير بالمذهب البروتستنتي، وكان منهم جوناس كينغ Jonas King ومن بعده إسحاق بيرد الذي اعتنق أسعد على يده البروتستنتية.
ولما اتصل هذا الخبر بالبطرك الماروني (يوسف حبيش)، كبر عليه الأمر، فاستدعى أسعد ووبخه بشدة، وأنذره بالحرمان والعقاب إن لم يعد لمذهبه. فلما أصرّ أسعد على اعتناق المذهب الجديد أمر البطرك بسجنه بدار الوزيرية بقنوبين.
بقي أسعد مسجوناً مدة ست سنوات، لاقى خلالها ضروب الذلّ والهوان والمرض. وتوفي أخيراً عن عمر لم يتجاوز اثنين وثلاثين عاماً. وكان لهذا العقاب أشد الأثر في نفوس أفراد عائلة الشدياق، نظراً لما كان يتمتع به أسعد من شباب وجمال، وعلم وحياء، ونزاهة وكرم أخلاق.
أما الأخ الرابع وهو غالب فقد رحل إلى مصر 1847م، حيث عين كاتباً في الديوان العالي للحسابات، وحصل على مكانة ممتازة في ظل حكم محمد علي باشا. لكنه لم يلبث طويلاً في مصر، فقد عاد إلى لبنان 1834م، حيث عينه الأمير بشير الشهابي كاتباً في ديوانه.
السيرة الذاتية لأحمد فارس الشدياق:
اختلف المؤرخون في تعيين سنة ولادته ومكانها، فبعضهم يقول إنه ولد في عشقوت سنة 1805م، وبعضهم يقول 1801م، ولكن يمكننا أن نقرّ، اعتماداً على ما جاء في كتاب الدكتور عماد الصلح، أنه ولد 1802م في حارة الحدث بالقرب من بيروت.
لقد ذكر فارس شدياق في بعض مؤلفاته، وخاصة في كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق" نبذاً على حياته الخاصة، وهمومه ومسرّاته، حيث تكلم فيها بأسلوبه الفذّ، الذي يجمع فيه بين الجد والهزل، على دراسته ومستوى كفاءة من أخذ عنهم العلم، فقال: إن والديه لم يكن في طاقتهما إرساله إلى الكوفة أو البصرة ليتعلم اللغة العربية، وإنما جعلاه عند معلم في كتّاب القرية التي سكنوا فيها. وكان معلمه، مثل سائر معلمي الصبيان في بلدهِ، لم يطالع في حياته سوى كتاب الزبور، المترجم من السريانية إلى العربية. وكان الطلاب لا يفهمون منه شيئاً لفساد ترجمته، وركاكة عبارته. كما كان المعلمون أنفسهم لا يعرفون اللغة العربية الفصحى، ولا الخط والحساب، ولا التاريخ والجغرافية.
أقام فارس شدياق عند معلمه في الكتاب حتى ختم الزبور، وبعد ذلك أوجس منه المعلم أ ن يربكه بأسئلته المحرجة فتصعب عليه الإجابة عنها، وينفضح جهله بها، فأشار على والده أن يخرجه من الكتّاب ويشغله بنسخ الكتب في المنزل. فلبث على هذه الحالة مدة طويلة. واستفاد خلالها بتجويد الخط، وبحفظ كثير من الألفاظ والمصطلحات العربية الفصيحة وفهم معانيها.
ولما شاعت شهرة فارس بحسن الخط وجودة النسخ استدعاه الأمير حيدر أحمد شهاب، صاحب كتاب "الغُرَر الحسان في أخبار أهل الزمان" لينسخ له ما كان يجمعه من مخطوطات ووثائق لكتابة هذا المؤلف. لكن الأمير كان بخيلاً يقتر عليه في المال، وهذا ما اضطر فارساً لتركه.
لقد أثّر نسخ الكتب إلى جانب الفقر على صحة فارس شدياق فأصبح كما قال عن نفسه: غائر العينين ناتئ الخدّين. -كما وجد أن النسخ مهنة لا تسد رمقاً، وأيقن أن الرزق الذي يأتي من شقّ القلم لا يكون إلا ضيّقاً... لذلك اتفق مع صديق له على استدانة مبلغ من المال لشراء أنواع من البضاعة، والعمل على ترويجها في بعض القرى المجاورة. فاكتريا حماراً هزيلاً لحمل البضاعة، وقاما بعدة جولات لبيعها. وبعد مجادلات مع الشارين طويلة، ومحاولات ومصاولات وبيلة، اقتنع الفارياق وشريكه بالإياب، فرجعا بثمن البضاعة وسلما الحمار لصاحبه.
لقد قرّ رأيهما بعد ذلك على استئجار خان يقع على طريق عام في لبنان. واستبضعا ما يلزم لهما من مختلف المواد والأدوات، فلم تمض عليهما غير مدة قصيرة حتى انتشر صيتهما وكثرت زبائنهما وزادت وأرباحهما. وصار الخان ملتقى أهل الفضل والبراعة، وأصحاب القصص البديعة والأصوات الشجية. وكان الشدياق وزميله يقومان بمهمة الحكم عندما تثور المناظرة والجدل بين الزبائن وتعلو أصواتهم. وهذا ما أثار غضب الجوار من السكان، وبخاصة النساء اللاتي أصبحن يشكون هجر أزواجهن لانصرافهم إلى السهر في خان الشدياق وزميله.
وفي أحد الأيام جرى بين فارس شدياق وجدّه مناقشات ونزاع بسبب رداءة العمل الذي يقوم به فارس وزميله. فاضطر فارس عقب ذلك لترك الخان والعودة إلى البيت. وبعد أيام جاء أخوه أسعد إلى حارة الحدث ليمارس التعليم فيها. فجاءه أميران من تلك القرية ليدرسا عليه النحو، فانضم فارس إليهما، وبهذه الصورة تحسنت معرفته للغة العربية على يد أخيه.
اعتناق فارس شدياق للمذهب البروتستانتي:
كنا تكلمنا على أسعد شدياق، وما جرى له مع البطرك الماروني يوسف حبيش. وقد كتب قصته المأسوية وتوسع فيها المؤرخ بطرس البستاني، ونشرها في كتاب عنوانه "قصة أسعد شدياق" وطبعت لأول مرة 1860م.
وتبدأ هذه القصة عندما ذهب أسعد إلى دير القمر لتعليم مبشر أميركي اسم جوناس كينغ Jonas King اللغة العربية. لقد تمتنت العلاقة بين المعلم وتلميذه، وبعد مدة سافر المستر كينغ إلى بلده في إجازة، بعد أن وجه رسالة قبل سفره إلى معارفه وأصدقائه من اللبنانيين، يدعوهم فيها إلى اعتناق المذهب الجديد أي البروتستانتية.
وبعد أن درس أسعد تلك الدعوة ومحصها اقتنع بها، وصار يلازم المبشر الأميركي إسحاق بيرد Ishac Beard. فغضبت والدة أسعد وإخوته غضباً شديداً، كما غضب عليه البطرك، ومنعه من مخالطة المبشرين وهدده بالعقاب.
لقد أعطى أسعد لأخيه فارس مجموعة من المطبوعات الدينية البروتستانتية ليقرأها. فراقت في عينيه وتفكيره، وأخذ يقنع والدته وأخوته بترك أخيه وشأنه.
وفي أحد الأيام دخل على فارس أخوه منصور، فرآه يقرأ في تلك المطبوعات، فاستل سيفاً وأخذ يضرب أخاه بقفا السيف. ثم تبعه أخوه غالب، وصار يضرب فارساً بعصاه، ويأمره بترك الهرطقة والعودة للصلاة في الكنيسة.
كان أسعد شدياق في ذلك الوقت سجيناً في دير قنوبين، فكتب رسالة إلى المبشر إسحاق بيرد، وأرسلها إليه بواسطة أخيه فارس، وكانت الرسالة مؤرخة في 4/4/1826م، وقال له فيها: "إذا أمكنك أن تجد مركباً متوجهاً إلى مالطة، في برهة أربعة أو خمسة أيام، فأخبرني، وإلا فصلّي لأجل أخيك".
ويقول فارس شدياق إنه لما اشتد الخصام بينه وبين والدته وإخوته بسبب ميله للمذهب الجديد، ذهب إلى المبشر إسحاق بيرد في بيروت، وذكر له ما حدث بينه وبينهم، فنصحه بالصبر والأناة، ومما قال له "إن المبشر كحامل خرج يضع فيه سلعه. ثم يغادر وطنه إلى البلدان القاصية لترويجها، ولا يزال ذلك دأبه حتى يقضي نحبه".
لقد أعجب فارس بكلام المبشر وقال له: "إني مشايعك وحامل الخرج معك" وصار يطلق على المبشرين اسم الخرجيين. أما أسعد فقد ساءت صحته كثيراً في السجن، من جراء الإهانة والتعذيب، وظهرت عليه إمارات الجنون، ويقول الأستاذ عماد الصلح: "لم يُعلم بالضبط متى مات أسعد، ولكن إذا ذكرنا أن المعلم بطرس البستاني قال: "إن البطرك حبيش سجنه في أوائل 1826، وإن فارس شدياق ذكر في كتابه الساق على الساق أن أخاه سجن ست سنوات، قلنا إن حياته لم تتجاوز 1832 إلا قليلاً، أما البطرك حبيش فيقول إنه مات قبل هذا التاريخ بسنتين.
سفر فارس شدياق إلى مصر، ومنها إلى مالطة:
لما وجد المبشر إسحاق بيرد أن من المتعذر عليه إنقاذ أسعد شدياق من سجنه، وترحيله بالتالي إلى خارج لبنان، فضل السعي لإنقاذ أخيه فارس، الذي اعتنق البروتستانتية، وأصبح مرشحاً ليكون مبشراً لهذا المذهب، وبالتالي مهدداً بالسجن والعقاب كأخيه.
وفي اليوم الثاني من شهر كانون الثاني 1826م غادر فارس شدياق مدينة بيروت على ظهر سفينة أقلته إلى الإسكندرية. وكان يحمل كتاباً من المبشر إسحاق بيرد إلى مبشر آخر موجود في مصر، ويطلب فيه مساعدة فارس على السفر إلى مالطة. ولما وصلت السفينة إلى الإسكندرية استقبله القسيس المقيم فيها وأنزله في مسكن يقع بجواره، ولبث عنده ينتظر وصول السفينة التي ستقله إلى مالطة.
ولما تعرف القسيس على فارس شدياق وتحدث معه خلال ذلك، أعجب بذكائه وسعة اطلاعه، ورغب في استبقائه في مصر، إلا أن إسحاق بيرد رفض ذلك، رغبة منه في إبعاد فارس عن جو مصر، الذي يمكن أن يغريه بترك الزهد والتبشير- وبهدف تعليم فارس اللغة العربية للأجانب وتصحيح الترجمات الدينية للمبشرين.
ولما وصل فارس شدياق إلى مالطة طلب منه القسيس أن يغيّر لباسه الشرقي، من عمة وجلباب، وأن يرتدي سروالاً ضيّقاً وقبعة، لكي يكون شبيهاً بالمبشرين الأميركان، كما طلب منه أن يتعلم اللغة الإنكليزية للتعاون مع المبشرين.
ولكن الجو الرطب الذي يسود جزيرة مالطة أصاب الشدياق بداء المفاصل وجعله طريح الفراش، فأشار الطبيب على القسيس أن يعيده إلى مصر. وبلغت مدة إقامته في مالطة سنة أو أكثر قليلاً. ويقال إنه عمل في الطبعة الأميركية الموجودة في تلك الجزيرة، ولكن المطبوعات التي صدرت منها كانت ركيكة العبارة، وهي غالباً بقلم المرسلين الأميركيين الذين كانوا فيها.
عودة الشدياق إلى مصر وعمله وزواجه فيها:
عاد فارس شدياق إلى مصر 1828، كما عاد إلى زيّه الشرقي، ومكث مدة يعمل مع المبشرين الأميركان. فنصحه أحد معارفه أن يتصل برجل وجيه ليؤمن له وظيفة في الدولة. وبهذه الصورة انتقل للعمل في جريدة الوقائع المصرية التي أنشأها الوالي محمد علي باشا. وكانت تلك الجريدة تنشر أخبار هذا الوالي، وفيها كثير من التمجيد لشخصه وأعماله. وصدر العدد الأول منها بتاريخ 3/2/1828 أربع صفحات وباللغة التركية، كما كانت تصدر بصورة غير منتظمة.
كانت المدرسة التي سكن فيها الشدياق بالقاهرة مجاورة لمنزل تاجر سوري من بيت الصولي. وكان لهذا التاجر بنت مغرمة باللهو والطرب. وكان فارس شدياق منذ صباه يجيد الغناء والعزف على الطنبور. فكانت تصعد إلى سطح المنزل وتنصت لغنائه وعزفه. ولما لاحظ أن صعودها كان من أجله مال إليها، وعمل على اللقاء بها عدة مرات. واتفقا بعد ذلك على الزواج. إلا أن أهل الفتاة رفضوا طلبه حينما تقدم لخطبتها، لأنه كان بروتستانتي المذهب، وهم من الكاثوليك، ولما أصر العاشقان على الزواج وافق الأهل، ولكن بشرط أن يعتنق فارس الكاثوليكية ولو ليوم واحد.
لقد امتلأ قلب شدياق بحب مصر، فلم يترك فيها شاردة ولا واردة إلا وصفها بإسهاب، ففيها يجد الغريب ملهى ومأوى، وينسى عندها أهلاً ووطناً، مسيحياً كان أم مسلماً. ووصف لطافة أهلها وظرافة أقوالهم وسهولة معشرهم. ففيهم العالم والفقيه، والشاعر والأديب. وهي بلد الخير ومعدن الكرم... وعدد المهن المنتشرة فيها، كما وصف أصحابها وطرق معاملتهم لأفراد الشعب. وخصّص الفصل العاشر من كتاب الساق على الساق ص(216) للكلام عن الطب والأطباء في مصر. وجاء بأمثلة طريفة على الطرق المتبعة لديهم في معالجة المرض.
كان فارس قد تلقى قبل زواجه 1834م كتاباً من رئيس جمعية التبشير في مالطة يعرض عليه فيه وظيفة مترجم ومصحح لما يطبع من كتب التبشير البروتستنتي، وبأجرة تفوق ما كان يتقاضاه من الخرجي بمصر. ولما عزم على السفر أطلع خطيبته قبل زواجهما على ذلك، فرضيت أولاً ثم عدلت عن ذلك بعد الزواج، بحجة أن النساء يتعرضن للخطر أو العقم عند السفر، يضاف إلى ذلك أن من الصعب عليها فراق أهلها وأصحابها بمصر للذهاب إلى بلد ليس لهما فيه قريب أو صديق. فقال لها زوجها إن صديقهما الخرجي سيسافر هو وزوجته معهما، كما أن والدتها شجعتها على السفر، وكذلك فعل الطبيب الذي استشارته في هذا الأمر، فسكن روعها ووافقت على السفر.
كان المبشر الذي صحب الفارياق وزوجته قد كتب رسالة إلى أحد معارفه بالإسكندرية يطلب منه فيها أن يهيئ لفارس وزوجته منزلاً ليقيما فيه، ريثما تأتي السفينة التي سوف تقلّهما إلى جزيرة مالطة. وكانت زوجة الشدياق شأنها شأن البنات في مصر وبلاد الشام، في ذلك الوقت، لم تعاشر أحداً سوى الخدم وأهل البيت. وكانت أمها لم تطلعها على شيء من أمور الدنيا، كما يقول زوجها، مخافة أن تنجلي الغشاوة عن عينيها قبل الأوان. ولا يخفى أن البنات إذا كنّ يجهلن القراءة والكتابة، وحسن المحاضرة، وآداب المجالس والموائد، فلا بدّ أن يتجّهن إلى معرفة المكائد والحيل عن طريق الخدم. وربما أفضى بهن هذا الجهل إلى التهافت على الشباب والانقياد لهم دون النظر إلى العواقب.
أما إذا تعلمت الفتاة مزاولة أحد الفنون، وانصرفت للمطالعة والكتابة في أحد العلوم المفيدة فإنها تصبح صنو الشاب المثقف، بحيث تستطيع منعه من التطاول عليها بعلمه ومعرفته، كما تمنعه من تجاوز حدود الأدب، إذا سعى إلى تجاوزها.
لقد أوغل الشدياق بالكلام على الحياة الزوجية وأسرارها الخفية، كما وصف محاسن جسم المرأة ومساوئه، متبعاً الطريقة التي عُرف بها، وهي مزج الجد بالهزل، والحقيقة بالخيال، وخصص لذلك كثيراً من صفحات كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق". ونظراً لاهتمامه الدائم بمعاني الألفاظ العربية فقد أنهى حديثه عن المرأة بذكر ما ينيف على أربعين لفظة تدل كل واحدة منها على إحدى الصفات الحسنة أو القبيحة، مما تتصف به المرأة عادة.
لقد وصف الشدياق حاله بعد الزواج، وكيف تلاءمت الميول والطباع، بينه وبين زوجته، معترفاً بما فيها من محاسن وما فيه من عيوب، وقال: "وإن يكن بي من عيب في خَلْقي، يستره عني حُسن خُلُقي. فإني لا أعارضها في طعامها ولا في لباسها، أو في صحوها ومنامها.." وأخيراً يقول: "وفي الجملة فإن عيشي معها أصبح رغيداً، وحالي سعيداً، وحظّي مديداً، وطعامي مريّاً، وشرابي هنيئاً، وثوبي وضيئاً، وفرشي وطيئاً، وبيتي مأنوساً".
عودة فارس شدياق مع زوجته إلى مالطة:
في عام 1834م تلقى الشدياق كتاباً من رئيس جمعية التبشير الكنسية في مالطة، يعرض عليه تولّي وظيفة مترجم ومصحح للكتب والمنشورات المتعلقة بالتبشير البروتستني، والإشراف على ما يطبع منها. ولما عرض الشدياق الأمر على زوجته وافقت على السفر، ذلك لأن راتب الوظيفة المعروض أعلى مما كان يتقاضاه زوجها من قسيس مدرسة الدير التي كان يدرّس فيها.
بدأ الشدياق بتنفيذ العمل الذي جاء من أجله إلى مالطة، وهو ترجمة "كتاب الصلوات" المستعمل في الكنيسة الإيرلندية، والخاص بالمذهب البروتستنتي، مع ترجمة مزامير داود. وفي هذا الكتاب بعض النصوص المقتبسة من الكتاب المقدس (التوراة). وقد تم طبعه بعد ترجمته إلى اللغة العربية 1840م.
لقد أتقن الشدياق ترجمة هذا الكتاب، فنال إعجاب المبشرين، وأثنوا عليه أمام حاكم الجزيرة. وهذا ما دعاه لأن يطلب من فارس شدياق تعليم اللغة العربية للطلاب في مدرسة الجزيرة. وتحقيقاً لطلب الحاكم وزع الشدياق وقته للعمل بالترجمة والتأليف وطبع الكتب إلى جانب التعليم في المدرسة.
وبتاريخ 5/4/1839م أرسل فارس إلى أخيه طنوس رسالة يقول له فيها: إنه يعمل في المطبعة التي هي لمجمع الإنكليز. وفي تلك المطبعة عمل فارس على طبع الكتب لطلاب المدارس. وهي من أوائل المطابع في الشرق وقد جرى الطبع فيها باستعمال القوالب الرصاصية للحروف العربية التي يلتصق بعضها ببعض.
قام الشدياق أثناء وجوده في مالطة أيضاً بتأليف عدة كتب لتعليم اللغة العربية للأجانب، منها كتاب "اللفيف في كل معنى طريف"، وهو يضم أمثالاً وحكماً عربية، وقصصاً مقتبسة من كتاب كليلة ودمنة. كما ألف كتاباً لتعليم اللغتين العربية والإنكليزية دعاه "المحاورة الأنسية في اللغتين العربية والإنكليزية" وهو يشتمل على جمل مكتوبة باللغة الإنكليزية مع ترجمتها إلى اللغة العربية، وألف أيضاً كتاباً في النحو المقارن بين اللغتين العربية والإنكليزية دعاه "الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية"، وتم طبع الكتابين الأخيرين في مجلد واحد 1299هـ/ 1881م.
لم يقتصر نشاط الشدياق على وضع المؤلفات اللغوية، فقد قام بتصحيح كتاب في الجغرافية، واسمه "الكنز المختار في كشف الأراضي والبحار"، كما ترجم كتاب "شرح طبائع الحيوان"، ثم أشرف على طباعة تلك الكتب.
لقد أقام الشدياق في جزيرة مالطة مدة أربعة عشر عاماً، فعلّم في مدارسها، واختلط بسكانها، وسجل مشاهداته وخواطره عما صادف فيها. ووضع ذلك في كتاب أطلق عليه اسم "كتاب الواسطة في معرفة أحوال مالطة". ولما دعته لجنة الترجمة، التابعة لجمعية نشر المعارف المسيحية، إلى لندن للتعاون معه على ترجمة "كتاب الاختيارات من كتاب الصلوات العامة" أخذ يسجل ما شاهده في تلك المدينة وفي غيرها من المدن الأوربية. ثم قام بتأليف كتاب ضم تلك الذكريات ودعاه "كشف المخبّا عن فنون أوربا". وطُبع الكتابان معاً فيما بعد في مطبعة الجوائب بالقسطنطينية، وذلك سنة 1299هـ/ 1881م وكان الشدياق قد أسس جريدة " الجوائب" بالقسطنطينية سنة 1277هـ بعد أن أقام فيها بضع سنين.
ومما ذكره فارس شدياق، في المقدمة الموحّدة لهذين الكتابين، والتي تدل على اعتناقه الإسلام، قوله بعد البسملة: "الحمد لله الذي أحصى كل شيء كتاباً، وأعد للمتقين جزاء حساباً. والهم ابن آدم أن يضرب في الأرض ويكدح لنفسه كدحاً، ويجوب مناكب البلاد ويسعى ليدرك نجحاً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله، والذي بهرت آيات نبوّته الناظرين، وبزغت شمس دينه فأفل منها سها الكافرين. ونادى بالحق فزهق الباطل وامّحى طلله...".
سفر فارس شدياق إلى إنكلترا:
كانت لجنة الترجمة التابعة لجمعية نشر المعارف المسيحية في لندن قد كلفت الشدياق 1843 بترجمة كتاب "الاختيارات من كتاب الصلوات العامة، والأدعية التي تتلى في أيام الآحاد والأعياد ومعمودية الأطفال". وهو كتاب كبير، يحوي فصولاً من الكتاب المقدس، منها المزامير وبعض الإصحاحات من الأناجيل. وكان لهذا الكتاب أهمية كبيرة بالنسبة لسكان أوربة وآسيا وأفريقية من المسيحيين المتكلمين باللغة العربية.
ولما ذهب إلى لندن المطران اثناسيوس التتنجي الحلبي، مطران طرابلس الشام للروم الكاثوليك، واتصل بأعضاء لجنة الترجمة المذكورة، سألوه عما تمّ في ترجمة ذلك الكتاب من الإنكليزية إلى العربية. فطعن المطران بترجمة الشدياق، وطلب منهم أن يفوّضوه للقيام بهذا العمل، لكي تكون لغته وأسلوبه أكثر فهماً من قبل الطوائف المسيحية. فاقتنعت اللجنة برأي المطران، وأقالت الشدياق دون أن تعلمه بالسبب.
أعاد المطران النظر بترجمة الشدياق، وجعل يبدّل الألفاظ العربية الفصيحة، الواردة في الكتاب المترجم، بألفاظ عاميّة ركيكة. وحينما انتهى من ذلك أرسل الكتاب للطبع.
كان مدير المطبعة من أصدقاء الشدياق، فكلّفه بتصحيح أخطاء الطبع، دون التعرّض لتصحيح أخطاء الترجمة. وبهذه الصورة اطلع الشدياق بصورة غير مباشرة على المكيدة التي قام بها المطران التتنجي، والتي أدت لإقالته من عمله.
لذلك قام الشدياق بتحرير رسالة باللغة العربية بيّن فيها جملة من الأخطاء اللغوية والنحوية الواردة في ترجمة المطران، وأرسلها إلى اللجنة في لندن. وفي أوائل 1844م عُرضت انتقادات الشدياق على اللجنة، فوجدت أنها تافهة أو غير صحيحة. فغضب الشدياق وهدد بنشر رسالته في الجزيرة التي تصدر بمالطة. ولما نفذ تهديده قطعت اللجنة علاقتها به.
لقد ساءت الحالة المادية لفارس شدياق بسبب انقطاع موارده من الترجمة وتصحيح الطباعة. كما ساءت علاقته بالمطران التتنجي بسبب الهجاء المقذع الذي وجهه له، فقرّر ترك مالطة والرجوع إلى مصر والاستقرار فيها.
إلا أن أعضاء اللجنة داخلهم الريب بصحة ترجمة المطران، التي قام بها بعد تنحية الشدياق. فعرضوها على بعض العلماء الملمين باللغة العربية، ومنهم الدكتور صموئيل لي Samuel Lee
(1783- 1852)م، الأستاذ في جامعة كمبردج في إنكلترا. فأجمعت آراؤهم على أن الشدياق مصيب بانتقاده للترجمة التي قام بها المطران. فاقترحوا تنحية المطران عن عمله، كما اقترح الدكتور لي دعوة الشدياق إلى إنكلترا لمتابعة عمله في الترجمة. ولما تبلّغ الشدياق قرار اللجنة أبدى موافقته على التوجه إلى إنكلترا. لكنه اشترط احتفاظه بوظيفته كمدرّس للغة العربية في مالطة بعد إنجازه عمله. ولما حصل الشدياق على موافقة اللجنة استدعى زوجته وأولاده من مصر، وهيّأ لهم مسكناً لإقامتهم في جزيرة مالطة. وفي أوائل عام 1846م سافر الشدياق من مالطة إلى لندن عن طريق مرسيليا وباريس. وكان السبب في مجيئه العمل على ترجمة "كتاب الاختيارات العامة" من اللغة الإنكليزية إلى العربية، بالتعاون مع الدكتور لي، والمقيم في قرية بارلي الواقعة في ضاحية لندن.
كانت قرية بارلي متأخرة من ناحية الحضارة والعمران، ويقول الشدياق إنه لم يجد فيها من المآكل إلا نفاية ما يوجد في المدن. فاستولى عليه فيها، من سوء الطعام ورداءة الجو، ضعف في المعدة، ووهن في الركب. وأصيب بالغشي في دار "الدكطرلي" في إحدى المرات، فأمر الخادمة أن تسعفه بقطعة من الخبز المشوي.
وفي تلك القرية بدأ الشدياق بتأليف كتابه: "الواسطة في معرفة أحوال مالطة". ومما قاله فيه:
"لقد قدّر لي أن أؤلف هذا الكتاب لا في مروج إيطاليا النضيرة، ولا في رياض الشام الأنيقة، فأخال أن بين كل كلمتين منه (أي الكتاب) أرى دخاناً متصاعداً، وظلاماً متكاثفاً. وكنت كلما خرجت من حجري إلى موضع أتوجّس أن يصيبني سوء، إما من تزاحم الناس أو البهائم، أومن رداءة الطعام الذي يؤكل في المطاعم".
لقد شملت سخرية الشدياق أموراً كثيرة لاحظها في بلاد الإنكليز، ومنها عاداتهم وتقاليدهم، ومآدبهم وطبخهم، وطبائعهم وكساؤهم، وبخلهم وبلادتهم، ولهوهم ومعتقداتهم، وأشرافهم ورجال دينهم، وطلاّب جامعاتهم وأساتذتهم.
لقد أنهى الشدياق، بالتعاون مع الدكتور لي، ترجمة كتاب "الرسوم الكنسية وطقوسها"، ثم انتقلا إلى جامعة كمبردج لمراجعة الترجمة مع الأستاذ جاريت Jarret، أستاذ اللغة العربية فيها. وفي عام 1849م وضعت لجنة الترجمة والنشر التابعة "لجمعية نشر المعارف المسيحية" تقريراً أثنت فيه على العمل الذي قام به الدكتور لي مع فارس الشدياق، وطبع هذا الكتاب مع مزامير داود في لندن
1850م.
قبل مغادرة الشدياق لجزيرة مالطة جرى بينه وبين زوجته حديث تذكرا فيه الأيام السعيدة التي مرّت عليهما في الخطبة والزواج في مصر. فأراد الشدياق أن يتأكد من بقاء زوجته وفيّة له أثناء غيابه، فقالت له:
"إعلم أن بعض النساء لا يتحرجّن عن وصال غير بعولتهن لسببين: الأول لعدم اكتفائهن بالمقدار المرتّب لهن منهم. والسبب الثاني لاستطلاع أحوال الرجال واختبارهم، أو لاعتقادهن أن الزوج يخون زوجته عند كل فرصة تسنح له. ثم قالت: "وإني أعاهدك على ما كنا عليه من الحبّ والوداد من أيام السطح إلى الآن. ولكن حين أشعر أنك بدّلت السطح بالشطح أقابلك بفعل مثل فعلك، والبادي أظلم".
وبعد غياب دام ثمانية أشهر أو تزيد عاد الشدياق إلى مالطة، بعد أن أنهى الترجمة التي قام بها مع الدكتور لي. وكان أثناء غيابه دائم التفكير في زوجته، كما كان يلوم نفسه لعدم اصطحابها معه في سفره. وكانت تمرّ بمخيلته أحياناً هواجس تجعله يسيء الظن بها، سيما وأنها سمحت له بالسفر وحيداً مع التشجيع ودون ممانعة.
وحينما فتح باب منزله شمّ رائحة الخيانة، كما قال في رسالة بعث بها إلى أخيه طنّوس، إذ وجد عند زوجته شاباً مليح الصورة، وهما منفردان في المنزل.
لقد ساءت العلاقة بين الزوجين، وتدهورت الحالة النفسية لفارس، فلازم منزله خجلاً من لقاء الأصدقاء، وكانت مصيبته في هذا الحادث لا تقل سوءاً عن مصيبته حينما فقد أخاه أسعد، ومن المستغرب أنه حينما تكلم على صفات المرأة وطباعها، وخصص لذلك عدة أبواب من كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق" لم يذكر شيئاً عن هذا الحادث، بل على العكس نجده قد غالى في وصف محاسن زوجته، ومحبتها وإخلاصها له.
عودة الشدياق إلى إنكلترا:
في أوائل عام 1848م رغبت لجنة الترجمة التابعة لجمعية نشر المعارف المسيحية، القيام بترجمة عربية جديدة للكتاب المقدس (التوراة)، عن طريق اللغات القديمة التي كتب بها. فاقترح الدكتور لي على الأعضاء أن يكلّفوا فارس شدياق القيام بهذا العمل، على أن يكون ذلك تحت إشرافه شخصياً. وعندما وافقت اللجنة على اقتراحه أسرع بإرسال كتاب إلى الشدياق يعلمه بذلك. ولما كان هذا العمل يستغرق إنجازه سنتين على الأقل لذلك لم يرَ الدكتور لي مانعاً من أن يصطحب الشدياق عائلته معه في سفره إلى إنكلترا.
لقد اغتبط الشدياق بهذا التكليف، لكنه اشترط أن يكون الراتب الذي سيتقاضاه عن هذه الترجمة يوازي مجموع دخله في جزيرة مالطة. ولما وافقته اللجنة على ذلك غادر الجزيرة مع عائلته في أيلول 1848م متجهاً إلى لندن عن طريق مرسيليا -باريس- كاليه- وبعد وصوله إلى لندن توجه إلى قرية بارلي، التي أطلق عليها اسم القرية المشؤومة. ذلك لأن ابنه أسعد، وهو أصغر أولاده وأحبهم إليه، أصيب فيها بمرض الخناق (دفتريا)، وتوفي عن عمر لا يتجاوز السنتين. فرثاه والده بقصيدة عصماء تنم عن شدة حزنه ولوعته، ومنها هذه الأبيات:
الدمع بعدك ما ذكرتُك جارِ
والذكرُ ما واراك تربٌ وار
يا راحلاً عن مهجةٍ غادرتها
تصلى من الحسرات كل أوار
سيّان إن جنَّ الظلام عليّ أو
طلع الصباح وأنت عني سار
وفي النهاية يقول:
بعضُ الرزايا قد يُساغ وبعضها
يبقى شجاً يُشجي مدى الأعصار
لقد كره الشدياق تلك القرية المشؤومة بعد وفاة ولده فيها، لذلك رأت اللجنة، حرصاً منها على استمرار العمل في الترجمة، أن تنقله إلى كمبريج، وهي قريبة من قرية بارلي، فسافر الشدياق إليها مع أهله، وبقي فيها ما يزيد على السنة، حيث واصل عمله مع الدكتور لي، وغيره من أساتذة جامعة كمبريج.
مكث الشدياق في مالطة زهاء (14) عاماً، قام خلالها بالإضافة إلى الترجمة والتعليم، بتأليف بعض الكتب المدرسية، ومنها: "اللفيف في كل معنى طريف"، كما ترجم كتاب "شرح طبائع الحيوان". وقام في تلك الفترة أيضاً بعدة زيارات لأقطار عربية، وهي سورية ولبنان وتونس. وبعد أن أنهى في لندن الترجمة الجديدة للكتاب المقدس، تحت إشراف الدكتور صموئيل، ذهب مع أسرته إلى باريس حيث عاش حياة حرة طليقة دامت أكثر من سنتين، وألّف خلالها كتابه المشهور "الساق على الساق فيما هو الفارياق". ثم عاد بعدها إلى لندن حيث ألف كتابه "كشف المخبأ عن فنون أوربا".
لقد حاول الشدياق، أثناء وجوده في لندن، الحصول على منصب في إحدى الكليات الإنكليزية لتعليم اللغة العربية، ولكنه وجد أن هذه اللغة غير مرغوب بها. كما وجد أن من يريد تدريس
إحدى اللغات الشرقية عليه أن يدرّس اللاتينية. يضاف إلى ذلك أنهم لا يرغبون توظيف الأجانب في تلك المدارس.
لهذه الأسباب قرر الشدياق، في أوائل عام 1850م، الإقامة في باريس، لأن المعيشة فيها رخيصة، ولغة العرب فيها شائعة، كما قرر تعلّم اللغة الفرنسية للحصول على مصدر الرزق. يضاف إلى كل ذلك أن الأطباء الإنكليز قد نصحوا الشدياق بنقل زوجته إلى فرنسا بسبب إصابتها بخفقان القلب. ولكن الخفقان لازمها في باريس. فأشار الأطباء بأن تترك باريس إلى مرسيليا أو إلى استانبول، لأن الجو فيهما دافئ، فسافرت إلى استانبول ومعها ابنها سليم.
أما فارس فقد بقي وحيداً ومتسكعاً في باريس، فصرف ما كان ادّخره من المال على القمار والشراب والسكن. ولما جاء الأمير عبد القادر الجزائري إلى باريس 1853م استقبل بحفاوة بالغة من قبل الدولة والشعب. فانتهز الشدياق الفرصة ونظم قصيدة مدحه فيها وأرسلها إليه فسرّ الأمير بالقصيدة، واستدعى الشدياق لزيارته، فلما حضر شكره الأمير على ثنائه وأجزل له العطاء.
لقد أعجب الشدياق باللغة الفرنسية وأحب أن يتعلمها، فاتفق مع رجل فرنسي، يرغب بتعلم اللغة العربية، على أن يعلم كل منهما الآخر دون أجر. كما تعرّف على بعض مدرسي اللغة العربية في باريس ومنهم: Reimaud, Caussim de Perceval. وعقد الصداقة مع المستشرق الفرنسي Etienne de Quatremere، واجتمع بالشاعر الفرنسي المشهور Alphonee de Lamartine. ومن الشخصيات الرسمية الفرنسية التي تعرّف عليها الشدياق وتعددت اجتماعاته معه الكونت دوكرانج، وهو ترجمان الدولة الفرنسية، وقد ساعده الشدياق على ترجمة بعض الرسائل الفرنسية إلى اللغة العربية. وفي أحد اجتماعات الشدياق مع الكونت سأله الأخير عمّا إذا كان من الصحيح ما يقال عنه بأنه يعمل جاسوساً من قبل الحكومة الإنكليزية في فرنسا. فأجابه الشدياق: "بودي لو كنت جاسوساً، إذن ما كنت لأكلف أحداً بشيء، فإن جاسوس الإنكليز يستغني بوظيفته عن أن يتوصل بأحد لنوال أربه".
مكث فارس شدياق في باريس من أوائل عام 1850م إلى منتصف عام 1853. وقام أثناء ذلك بتأليف ثلاثة كتب هي، "سر الليال" و "الجاسوس على القاموس" و"منتهى العجب". كما ألّف كتاباً في قواعد اللغة الفرنسية، بالاشتراك مع غوستاف دوغا، عضو الجمعية الآسيوية، ودعاه "السند الراوي في الصرف الفرنساوي".
لقد شاعت في البلاد الإسلامية أنباء الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية، ولما كان فارس شدياق يتردد إلى لندن فقد قام بنظم قصيدة يمدح فيها السلطان ويدعو الناس للجهاد دفاعاً عن الدولة، ثم قدّمها لسفير الدولة العثمانية الذي رفعها للصدر الأعظم في استانبول. ونظراً لما لاقته تلك القصيدة من الاستحسان فقد صدر الأمر من الباب العالي بتعيين الشدياق موظفاً في ديوان الترجمة السلطاني. ولكن نظراً لعودة زوجة الشدياق من استانبول إلى مالطة في ذلك الوقت، ولحصول الشدياق على عمل في لندن لذلك عدل عن قبول الوظيفة في ديوان الترجمة. أما العمل الذي وجده الشدياق في لندن فهو كاتبٌ في محلات الخواجات حوّا. وبالرغم من الجهد الذي كان يبذله الشدياق في تلك المحلات فقد استطاع إنجاز تأليف كتاب "كشف المخبَّا عن فنون أوربا". وقد أودع فيه ما رآه وعاناه في سفره بين لندن وباريس.
كان فارس شدياق يعيش مع ابنه المريض فايز، المصاب بداء الخنازير، وكانت زوجته تعيش في مالطة ومعها ابنها سليم. وكان راتب فارس الهزيل لا يسد حاجتهم للغذاء والدواء رغم التّقتير، والجهد. وفي أحد الأيام أرسل سليم إلى والده يخبره أن والدته في حالة النزع. ولما كان ابنه فائز بحاجة إلى جو دافئ، حسب نصيحة الطبيب، فقد نوى إرساله إلى مالطة ليرى والدته قبل وفاتها، ولكن لأمر ما وجد من الأنسب إرساله إلى دمشق حيث يقطن خاله. وهكذا تبعثر أفراد هذه الأسرة وحلّ بهم البؤس والشقّاء. ومما زاد الأمر تعاسة فصل فارس من وظيفته التي أمضى فيها سنتين.
سفر فارس شدياق إلى تونس:
كان الوزير التونسي خير الدين باشا قد قام بزيارة لأوربا وعاش فيها عدة سنوات قبل أن يتولى الحكم في تونس. فلفتت أنظاره النهضة العلمية التي بدأت تنمو وتزدهر فيها، وخاصة في فرنسا. وألف بعد عودته كتاباً دعاه: "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" ومن آرائه التي أوردها في هذا الكتاب اقتناعه بأن السبيل الوحيد لنهضة العالم الإسلامي هو اقتباس الأفكار العلمية والسياسية المنتشرة في أوربا، وإنشاء المؤسسات التي تعمل على نشرها.
وحينما زار خير الدين باشا باي تونس لندن، وكان الشدياق فيها، بادر إلى تهنئته بالوصول، وأنشده قصيدة مدحه فيها. فوقعت في نفسه موقعاً حسناً، وعرض على الشدياق وظيفة حسنة في تونس، وهي إنشاء صحيفة (جورنال) تضم الأخبار الداخلية والخارجية، مترجمة من اللغات الأجنبية أو غير مترجمة.
في أواخر عام 1846م سافر باي تونس الأمير أحمد باشا إلى باريس بدعوة من الحكومة الفرنسية، وذلك للاطلاع على ما وصلت إليه الحضارة في أوربا في ذلك العصر. وأثناء هذه الزيارة تبرع لفقراء مرسيليا وباريس بمبالغ مجزية من المال. وكان فارس شدياق حينئذ يقوم بالتعليم في باريس، ويعيش في ضنك لضآلة مورد رزقه. فانتهز فرصة زيارة الباي وأرسل إليه قصيدة يمدحه بها. فأعجب الباي بالقصيدة، وأرسل إلى الشدياق رسالة يدعوه بها لزيارة تونس مع عائلته على متن سفينة حربية أرسلها لنقلهم. فلبى الشدياق الدعوة وسافر إلى تونس مصطحباً زوجته وولديه أسعد وسليماً، وحلّ ضيفاً في دار أمير البحر التونسي. ولما زار الشدياق باي تونس للسلام عليه أكرمه الباي وأنعم عليه، ثم زار بعد ذلك الوزير مصطفى باشا، الذي كان يجمع تحت سلطته كامل أمور الدولة، ولما تحدث الوزير مع الشدياق أعجب بفطنته وذكائه وإتقانه للغة الإنكليزية. فكلفه بنقل ما يصل إليه من أخبار السياسة الدولية، المنشورة في الصحف الإنكليزية، ومنحه راتباً جيداً إضافة للهدايا الثمينة التي غمره بها الباي.
لقد أطلق على الصحيفة التي عهد إلى فارس الشدياق رئاسة تحريرها اسم "جريدة الرائد التونسي" وكان لهذا التكريم أثر بليغ في نفس الشدياق فاعتنق الإسلام، وأطلق على نفسه اسم أحمد فارس الشدياق، وكنى نفسه بأبي العباس، وجرى إسلامه على يد مفتي الحنفية محمد بيرم الرابع، وكانت إضافة اسم أحمد تيمناً باسم الباي المصلح أحمد باشا، وكُني بأبي العباس على عادة أهل تونس في تكنية من اسمه أحمد. ويقول الأب لويس شيخو، في مجلة المشرق، إن الشدياق أسلم طمعاً في المناصب، ولا يستبعد أن يكون الشدياق قد اتخذ قراره باعتناق الإسلام رغبة منه في الاندماج مع أكثرية سكان العالم العربي الذي عاش فيه الشدياق، واعتزازه الواضح في مؤلفاته بالتراث الإسلامي، وكثرة استشهاده ببعض آيات القرآن الكريم.
وفاة الشدياق ودفنه في لبنان:
في صيف عام 1887 توفي الشدياق وهو في مصبغة بقاضي كوي باستانبول. فصدرت الإرادة السنية بدفنه في تربة السلطان محمود، إلا أن ولده سليماً، الذي كان مع والده في استانبول، التمس من السلطان أن يكون دفن جثمان والده في جبل لبنان، عملاً بوصية والده، فأذن له القيام بذلك.
لقد نقل جثمان الشدياق على باخرة نمساوية حملته إلى لبنان ولما وصل النعش إلى بيروت سار خلفه حملة الرايات، ومشايخ الطرق أمامه. وهم يهللون ويكبرون. وسار وراءه المفتي والعلماء ورجال الشرطة وابنه سليم. ولما وصلوا إلى الجامع الكبير وتمت الصلاة عليه، قام بعض أصدقائه بإلقاء الخطب والقصائد في رثائه. ثم وضع النعش بعد ذلك على عجلة الأموات ليصار إلى دفنه في قرية الحدث.
لقد ذكر الكاتب والمؤرخ مارون عبود في نهاية كتابه "صقر قريش" أن جريدة "صوت الأحرار" نشرت بتاريخ 8 آذار 1938 الخبر الآتي:
"منذ خمسين سنة جيء بجثمان الفقيد العلامة أحمد فارس شدياق من استانبول إلى مسقط رأسه في قرية الحدث بلبنان حيث دفن في مقبرة العائلة، ثم نقل إلى مقبرة خاصة في الحازمية بجوار مدافن المتصرفين.
وحدث أخيراً أنه بينما كان العمال يحفرون الأرض على طريق عالية، لاختصار المسافة وتجنّب الأكواع، عثروا على نعش من الرصاص. ولما فتحوه وجدوا فيه جثمان أحمد فارس الشدياق، وهو على حاله، كأنه مات منذ يومين. ونقل التابوت إلى مدفن جديد يقع في ضواحي الحازمية. وشاع عند العوام أن الشدياق قديس، لأن جسده لم يَبْلَ بعد مضي خمسين سنة على وفاته".
المراجع:
1-كتاب الساق على الساق فيما هو الفارياق، تأليف فارس شدياق.
2-كتاب الواسطة في معرفة أحوال مالطة، تأليف فارس شدياق.
3-كتاب كشف المخبا عن فنون أوربا، تأليف فارس شدياق.
4-الكتاب المقدس (التوراة).
5-صقر لبنان للأستاذ مارون عبود.
6-أحمد فارس الشدياق لعماد الصلح.

===========================


مجلة التراث العربي
مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون

__________________
((تابعوا فوائد متجددة على قناة التليغرام)) :

https://telegram.me/Kunnash
.
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 28-03-12, 12:57 PM
أبو سليمان الجسمي أبو سليمان الجسمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-10-09
الدولة: الإمارات العربية المتحدة
المشاركات: 1,138
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام

رحمه الله رحمة واسعة
كلما أزددت قراءة عن حياته زاد حبك له
__________________
إن الروافض شر من وطئ الحصى ــــــ من كل إنس ناطق أو جان
( أبو محمد الأندلسي القحطاني )
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 16-08-14, 06:25 AM
أبو معاوية البيروتي أبو معاوية البيروتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-08
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,580
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام

فوائد حول سيرة العلامة أحمد فارس الشدياق وعائلته رحمه الله


* كانت امرأة فارس الشدياق من بيت صولا تدعى وردة.
في 16 آب من السنة 1906 فقد الأدب أحد الشعراء الوطنيين سليل عائلة الشدياق ( بشارة الشدياق )، كان ابن أخي أحمد فارس الشدياق صاحب الجوائب، ونشر في جريدة عمّه فصولاً شائقة. وكان المذكور عريقاً في دينه له في جريدة البشير مقالات دينية وأدبية. ومن آثاره ديوان شعر مخطوط نصونه في مكتبتنا الشرقية جمعه سنة 1888.
وفي السنة التالية 1907 وقعت وفاة ابن عم بشارة ( سليم الشدياق ) كانت وفاته في سان ريمو. أخذ سليم الآداب عن أبيه ثم صار يساعده في تحرير الجوائب في الآستانة له فيها عدة مقالات. وعني بنشر بعض تآليفه.
... ومن مآثر أحمد فارس الشدياق أيضاً عدة قصائد ومنظومات طبع منها نبذة في 219 صفحة سنة 1291.
( ذكر السابق لويس شيخو في كتابه (( تاريخ الآداب العربية )) ).


* لقد قر أحمد فارس الشدياق هو نفسه عيناً بزوجة إنجليزية صالحة إلا إنه لم ينجب منها. ولكنه أنجب من غيرها ثلاثة ذكور أكبرهم سليم الشدياق الذي ظفر بثقة السلطان عبد الحميد واحتل في الأستانة مكانا رفيعاً.
( كتبه محمد عبد الغني حسن في مقالته ( من رحلات القرن الماضي: انجلترة في نظر سائح عربي ) / مجلة الرسالة: العدد 596 - بتاريخ: [IMG]resource://skype_ff_extension-at-jetpack/skype_ff_extension/data/call_skype_logo.png[/IMG]04 - 12 - 1944 ).


* قال الأستاذ عجاج نويهض : " وحدث أخيراً 1937 أنه بينما كان العمال يحفرون ( في إصلاح الطريق العام في الحازمية حيث مدفن الشدياق) عثروا على نعش من الرصاص، ففتحوه فإذا به يضم جثمان أحمد فارس الشدياق - والجثمان على حاله - ولشدة ما كانت دهشة العمال عندما وجدوا الجثمان لا يزال على حاله، كأن العلامة الشدياق ميت منذ يومين فقط، فلحيته باقية وحاجباه باقيان أيضاً، ولم يطرأ على شعره وعلى وجهه أي تبدل أو تغير، وليس هذا فقط، بل إن الكفن الذي لف به وهو من الحرير المعروف ( بالتفتا) لا يزال على حاله أيضاً، كما أن ختم دائرة الصحة في استانبول ما برح موجوداً على التابوت " ( صقر لبنان ص206و207و215و216)
(نقل هذه الفقرة أبو الطيب أحمد بن طراد).


* كتاب (النجم الثاقب في المحاكمة بين البرجيس والجوائب)، لعبد الهادي نجا الأبياري (ت1306هـ، 1888م). طُبِع هذا الكتاب في مئة صفحة، في القاهرة عام 1279هـ، 1862م.
والكتاب تحكيم لغوي منصف، بحسَب ما يراه، بين اثنين من علماء اللغة أولهما سليمان الحرائري التونسي (ت 1287هـ) صاحب صحيفة (البرجيس) في باريس؛ وثانيهما أحمد فارس الشدياق (ت 1305هـ) صاحب مطبعة الجوائب في الأستانة.
وكان قد حصل بين الرجلين مساجلات لغوية طويلة ومعاركة علمية شهيرة كان من ثمراتها الكتاب المذكور.
( كتبه محمد خلف سلامة ).


* للأمير محمد ابن الأمير أمين أرسلان ( 1254 هـ / 1838 م - 1275 هـ / 1868 م ) قصيدة لامية مدح فيها العلامة أحمد فارس الشدياق، ومطلعها:

إن الأمير محمداً مفضالُ ... من آل رِسلانَ ونعمَ الآلُ



* للشاعر محمود سامي البارودي قصيدة في رثاء العلامة أحمد فارس الشدياق وتعزية ابنه سليم، وهي:
مَتَى يَشْتَفِي هَذَا الْفُؤَادُ الْمُفَجَّعُ ...... وفى كلِّ يومٍ راحلٌ ليسَ يَرجِعُ ؟
نَمِيلُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى ظِلِّ مُزْنَة ٍ........ لَهَا بَارِقٌ فِيهِ الْمَنِيَّة ُ تَلْمَعُ
وكيفَ يَطيبُ العيشُ والمرءُ قائمٌ.........على حذَرٍ مِنْ هَولِ ما يتَوقَّعُ ؟
بِنَا كُلَّ يَوْمٍ لِلْحَوَادِثِ وَقْعَة ٌ.......تَسيلُ لَها مِنَّا نُفوسٌ وأدمعُ
فَأَجْسَادُنَا فِي مَطْرَحِ الأَرْضِ هُمَّدٌ ...... وأرواحُنا فى مَسرحِ الجَوِّ رُتَّعُ
ومِنْ عَجَبٍ أنَّا نُساءُ ونَرتضِى ....... ونُدرِكُ أسبابَ الفَناءِ ونَطمَعُ
وَلَوْ عَلِمَ الإِنْسَانُ عُقْبانَ أَمْرِهِ ......... لَهانَ عليهِ ما يَسُرُّ ويَفجَعُ
تَسِيرُ بِنَا الأَيَّامُ، وَالْمَوْتُ مَوْعِدٌ ........ وَتَدْفَعُنَا الأَرْحَامُ، والأَرْضُ تَبْلَعُ
عفاءٌ على الدُّنيا ، فما لِعِداتِها ....... وَفَاءٌ، وَلاَ في عَيْشِهَا مُتَمَتَّعُ
أبَعدَ سميرِ الفضلِ " أحمدَ فارسٍ " ....... تَقِرُّ جُنُوبٌ، أَوْ يُلائِمُ مَضْجعُ؟
كَفى حَزناً أنَّ النَوى َ صَدَعَتْ بهِ ...... فؤاداً مِنَ الحِدثانِ لا يَتَصدَّعُ
وَمَا كُنْتُ مِجْزَاعاً، وَلَكِنَّ ذَا الأَسَى ......إِذَا لَمْ يُسَاعِدْهُ التَّصبُّرُ يَجْزَعُ
فَقدناهُ فِقدانَ الشَّرابِ على الظما ......فَفى كُلِّ قَلبٍ غُلَّة ٌ ليسَ تُنقَعُ
وأى ُّ فُؤادٍ لمْ يَبِتْ لِمُصابهِ ...... عَلَى لَوْعَة ٍ، أَوْ مُقْلَة ٍ لَيْسَ تَدْمَعُ؟
إذا لَم يَكنْ لِلدَمعِ فى الخَدِّ مَسربٌ ....... رَوِيٌّ فَمَا لِلْحُزْنِ فِي الْقَلْبِ مَوْضِعُ
مَضَى ، وَوَرِثْنَاهُ عُلُوماً غَزِيرَة ً ....... تَظلُّ بِها هِيمُ الخَواطِرِ تَشرَعُ
إذا تُليَتْ آياتُها فى مَقامة ........ تَنافَسَ قَلبٌ فى هَواها ومِسمَعُ
سَقى جَدَثاً فى أرضِ " لُبنانَ " عارِضٌ ......مِنَ الْمُزْنِ فَيَّاضُ الْجَدَاوِلِ مُتْرَعُ
فَإِنَّ بهِ لِلْمَكْرُمَاتِ حُشَاشَة ً .......طَوَاهَا الرَّدَى ، فَالْقَلْبُ حَرَّانُ مُوجَعُ
فَإِنْ يَكُنِ «الشِّدْيَاقُ» خَلَّى مَكَانَهُ ....... فَإِنَّ ابْنَهُ عَنْ حَوْزَة ِ الْمَجْدِ يَدْفَعُ
وما ماتَ مَن أبقى عَلى الدَهرِ فاضِلاً ....... يُؤَلِّفُ أَشْتَاتَ الْمَعَالِي وَيَجْمَعُ
رَزينُ حَصاة ِ الحِلمِ ، لا يَستخِفهُ ......إِلَى اللَّهْوِ طَبْعٌ، فَهْوَ بالْجِدِّ مُولَعُ
تَلوحُ عَليهِ من أبيهِ شَمائلٌ ........ تَدُلُّ عَلَى طِيبِ الْخِلاَلِ، وَتَنْزِعُ
فَصبراً جَميلاً " يا سليمُ " فإنَّما ..... يُسِيغُ الْفَتَى بِالصَّبْرِ مَا يَتَجَرَّعُ
إذا المرءُ لَمْ يَصبِر على ما أصابهُ ...... فماذا تُراهُ فى المُقَدَّرِ يَصنَعُ ؟
وَمِثْلُكَ مَنْ رَازَ الأُمُورَ بِعَقْلِهِ ........ وَأَدْرَكَ مِنْهَا مَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ
فَلاَ تُعْطِيَنَّ الْحُزْنَ قَلْبَكَ، وَاسْتَعِنْ ..... عَليهِ بِصبرٍ ، فَهوَ فى الحُزنِ أنجَعُ
وَهَاكَ عَلَى بُعْدِ الْمَزَارِ قَرِيبَة ً ........ إِلَى النَّفْسِ، يَدْعُوهَا الْوَفَاءُ فَتَتْبَعُ
رَعَيْتُ بِهَا حَقَّ الْوِدَادِ عَلى النَّوَى ......ولِلحَقِّ فى حُكمِ البَصيرة ِ مَقطَعُ

Ahmad Faris ash- Shidyaq

Call
Send SMS
Add to Skype
You'll need Skype CreditFree via Skype
__________________
((تابعوا فوائد متجددة على قناة التليغرام)) :

https://telegram.me/Kunnash
.
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 27-08-14, 07:00 AM
أبو معاوية البيروتي أبو معاوية البيروتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-08
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,580
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام


قال زكي مجاهد في "الأعلام الشرقية" ( 3 / 978 ): وفي سنة 1886 م زار الشدياق مصر في عهد توفيق باشا، فنال منه كل رعاية وإكرام، وعاد إلى تركيا وبها توفي، ومات على الإسلام،
وإن كان الأب شيخو يزعم أنه مات على النصرانية؛ لكنه زعم يفتقر إلى دليل، وفضلاً عن أن الأب مشهورٌ بولعه بنسبةِ النصرانية لكيرين ممّن لم يعتنقوها، بل ولم يعرفوها، ولم يذكر هذه الرواية أحدٌ من الكتّاب.


ولسليم بن أحمد فارس الشدياق ( 1252 – 1328 هـ / 1836 – 1910 م ) ترجمة في "الأعلام الشرقية" ( 3 / 1026 ) ، وذُكر فيها أنه خلف ثروة كبيرة من المال ورثتها ابنته الوحيدة في لندن، وكان عنده مكتبة قيمة ورثها من والده أهداها إلى أمين هندية الحلبي صاحب مكتبة بالقاهرة، وكان وكيله بالقاهرة.
مؤلفاته:
- أبدع ما كان من صور سلاطين آل عثمان.
- كنز الرغائب في منتخبات الجوائب. ( 7 أجزاء )
=============

__________________
((تابعوا فوائد متجددة على قناة التليغرام)) :

https://telegram.me/Kunnash
.
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 11-08-15, 07:37 PM
أبو معاوية البيروتي أبو معاوية البيروتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-08
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,580
افتراضي رد: فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام


كنتُ أطالع منذ أيام كتاب ((الإخوة الثلاثة)) للأستاذ الفاضل المفيد أحمد العلاونة حفظه الله،

ففوجئتُ بفائدة لم تخطر على بالي،

حيث ذكر الأستاذُ أحمدَ فارس الشدياق ( 1219 – 1304 هـ / 1804 – 1887 م )، وذكر أن أخاه:

- طنوس بن يوسف بن منصور ( 1206 – 1278 هـ / 1791 – 1861 م )، المؤرخ اللبناني، وقاضي النصارى بلبنان، من كتبه: ((أخبار الأعيان في جبل لبنان)).
قلت: وهو مطبوع، وقد طالعته.

- وله أخ آخر: غالب ( 1215 – 1258 هـ / 1800 – 1842 م )، كاتب ديوان الأمير بشير الشهابي.


.

__________________
((تابعوا فوائد متجددة على قناة التليغرام)) :

https://telegram.me/Kunnash
.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:40 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.