ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 19-02-15, 01:00 PM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
افتراضي صفحة خاصة بجديد موقع الدرر السنية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يخفى علي كثير من طلاب العلم والباحثين، ما لموقع الدرر السنية من إسهامات في مجال البحث الشرعي
وقد تميز الموقع كذلك بعدد من المميزات منها
الموسوعات العلمية الكبيرة التي أفردها الموقع في عدد من الاصول الشرعية
كالموسوعة الفقهية
والموسوعة العقدية
ولايخفى علي أي طالب علم وباحث المجهود الجبار الذي بذلوه في الموسوعة الحديثية، والتي - علي حسب علمي - مازالوا في خدمتها اضافة وتصحيحا وتحريرا
وغير ذلك من المقالات العلمية المؤصلة، وذات الجدية في البحث والتحرير
وكذلك مجهوداتهم في التعريف بالجديد من الكتب العلمية، أو نقد بعض الكتب التي تحوي بين طياتها ما يخالف منهج أهل السنة والجماعة
ولهذا رأيت أن أفرد صفحة علي هذا الملتقى المبارك بإذن الله، لما يروق لي من فوائد هذا الموقع
سواء مقالات خاصة بحدث معين، او بالتعريف بالكتب الجديدة او نقدها، أو حتي التنويه بجديد الموقع من إصدارات علمية وكتب بحثية وغير ذلك من الفوائد
والله الهادي للرشاد، والموفق للسداد
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19-02-15, 01:15 PM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
افتراضي رد: صفحة خاصة بجديد موقع الدرر السنية

سبعون خاطرة وتغريدة لمرتادي معرض الكتاب
الشيخ/ علي بن محمد العمران



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ..
هذه مجموعة من الخواطر أقيدها لمرتادي معرض الكتاب بمناسبة افتتاحه اليوم الثلاثاء 3/5/1435، كنت كتبت بعضها في مناسبات سابقة، أضفت إليها الآن نحو ثلاثين خاطرة، وزاوجت بين الجميع، فإليكموها:

أولا: قبل زيارة المعرض.. أو في التمهيد له:
1. تقديرُ موازنةٍ للشِّراء حتى لا تضرَّ بالتزاماتكَ الأخرى، فالكتب تستهلك المال لو فسح الواحد منا شهيته للشراء!
2. حاول أن تحسن تدبير المال الذي اعتمدته لشراء الكتب ، قسمه على أيام المعرض ولا تنفقه في أوله لئلا تقعد في آخره معدما وربما اضطررت إلى الاستدانة أو فاتك بعض المهم !
3. استعراضُ المكتبةِ الشَّخصيةِ منعًا لتَكرار الكتب.
4. تحديدُ احتياجاتِك: فما هوَ المجالُ الأكثرُ أهميةً لك؟ وماهيَ الكتبُ التي تريدها في تخصصك؟ ومَنْ الذي تحرصُ على كتبهِ منْ المؤلفين؟ وأيّ الدور أكثر أهمية؟ وغير ذلك.
5. تصفحُ موقعِ المعرضِ على الشبكة، أو دليل المعرض إن كان مطبوعا. مع ملاحظة أن كثيرا من المعلومات لم تحدّث أو قديمة أو محذوف منها بعض الكتب، لأسباب لا تخفى. وعنّي شخصيًّا لم أتعنّ النظر فيه.
6. مشاهدةُ خريطةِ المعرضِ للوصولِ إلى مواقعِ المكتباتِ بسهولة. وهذه مهمة، وهناك خرائط توزع فاقتنِ نسخة منها طول مدة المعرض.
7. معرفةُ جدولِ الفعالياتِ، وحضور المفيد منها.
8. اختيارُ أنسبِ أوقاتِ المعرضِ، ومن أحسن الأوقات لزيارته: من بداية وقت الافتتاح س 10ص_5 عصرًا، فهو مريح من كل المنغّصات (عدا كثرة طلاب المدارس لكنها أهون من غيرها)، وتستطيع بقية اليوم تفحص ما اقتنيت.

ثانيا: نصائح
9. معرض الكتاب مع كونه فرصة لانتقاء الجيّد والجديد من الكتب والطبعات والأسعار، إلا أنه فرصة أيضًا لتنفيق الرديء وبهرجة الجديد والغبن في الأسعار!
10. ليس معرض الكتاب مكانًا مناسبًا للتعرّف على المشايخ طلاب العلم، فكل جاء لقضاء غرض معين في وقت محدد، فليراع هذا الأمر وإن كان ولا بدّ فليكن باقتصاد.
11. فكرة التنقل بين دُور النشر مع صديق ليست فكرة عملية، تفرَّقا واتفِقا على موعد تلتقيان فيه للراحة وتبادل المعلومات عن الكتب .
12. ليست كل النصائح التي تسمعونها أو تقرؤونها بمناسبة المعرض تصلح لكل الناس، خاصة فيما يتعلق بمدح كتب بعينها أو مؤلفين بأعيانهم. خذ ما يصلح لك وفق جداولك وخططك.
13. يحسن بطالب العلم أن يكوِّن مكتبة (فيها أُمَّات الكتب) ليصحَّ أن يقال فيه: إن لديه اكتفاءً ذاتيًّا، ثم لينزل إلى مرتبة الحاجيات فالتحسينيات.
14. إذا أردت أن تكوّن مكتبة، فنصيحتي أن يكون المعرض لما لم تجده من الطبعات في المكتبات التجارية، أو لفرق ما بينهما من السعر مثلاً.
15. من يملك "المال والمكان المناسب" فقد تهيأت له مقوّمات تكوين المكتبة التي يريد، بقي عليه حسن اختيار الطبعات وتقديم الأصول والأُمات.
16. احرص أولًا على زيارة الدور الناشرة أي التي لها إصدارات، أما المكتبات التي تجمع إصدارات الغير فهي كأي مكتبة خارج المعرض لا فرق.
17. احرص على زيارة المعرض في أوله ووسطه وآخره؛ في أوله لئلا تنفد بعض الكتب المهمة، وفي وسطه لأن بعض الباعة يؤجل شيئًا من العناوين فلا يطرحها أول المعرض؛ وذلك لإعادة جذب الزبائن ، وفي آخره حيث ترخص الأسعار .
18. لا بد من دفتر صغير وقلم وأنت تمخر عباب بحر الكتب المتلاطم، قيِّد فيه ما يلفت نظرك وليس ضمن قائمة مشترياتك؛ لتعود إليه إن بقي معك فضل مال.
19. قد يعجب أحدنا في مقتبل عمره بشخصية معينة فيدعوه ذلك إلى تقليده فيما يقرأ وكيف يقرأ ولمن يقرأ... وهذا خطأ.. استفد من التجارب ولا تكن إمعة.
20. كثير من الشباب يتتبعون الكتب الجديدة والدراسات المعاصرة... وما علموا أن من القديم ما هو أقوى بحثًا وأحسن لغة، وأصفى منهجًا.
21. لا يكن همك (في ابتداء أمرك) البحث عن النادر من الكتب، فكثير من النادر لن تحتاجه إلا في النادر، عليك بما ستقرؤه أو تدرسه في المدى القريب.
22. لا تغرك مقولة: "الكتاب من عنوانه"؛ فكثير من الدُّور أو المؤلفين قد استغلوا هذه المقولة أسوأ استغلال في تنميق العنوانات لتضليل القرّاء..فتنبه.
23. في معرض الكتاب يختلط حابل الكتب بنابلها، جيِّدها برديئها، فاضلها بمفضولها، فمن لم يكن ذا بصيرة أو يسأل ذا بصيرة، غُبن غبنًا فاحشًا في القيمتين!
24. إذا رأيت تجمهر الناس في المعرض في مكتبة أو على كتاب فلا تحرص كثيرًا على التجمهر؛ لأنه غالبًا ما يغرّك شراء الناس للشيء وإن لم يكن ذا قيمة!
25. أجِّل شراء الكتب ذوات الأجزاء إلى آخر أيام المعرض، فهي في الغالب لا تنفد.
26. احرص على شراء الطبعات الحديثة :1431-1431-1435. كثير من الطبعات القديمة ستجده على رفوف المكتبات طوال السنة .
27. يعمد بعض أصحاب دور النشر إلى وضع نسخة أو نسختين من الكتاب على الطاولة؛ ليوهم بأنها كل ما تبقَّى من كمية الكتاب ، لا تنخدع فالأمر ليس كذلك - في الغالب- ولا سيَّما في أول أيام المعرض.
28. عُد لدار النشر أكثر من مرة ، لأنك في كل مرة تعود إليها سترى كتبًا لم ترها من قبل بسبب الاستعجال في استعراض الكتب، أو لتوفيرهم كتبا نفدت أو وصلت حديثًا .
29. السؤال المتكرر من الإخوة الذين أقابلهم في المعرض: "ما هو الجديد؟" وقلنا مرارًا: ليس بالضرورة أن يكون الجديد بالنسبة لغيرك هو المناسب لك، كما أن الجديد أيضًا متفاوت، فبعض الناس جديده ما صدر قبل شهر وبعضهم ما صدر قبل عام، ويختلف أيضًا بحسب الناس وتتبعهم لشؤون الكتب، وفي تباعد البلدان أيضًا عامل آخر في التفاوت.
30. الكتب الجديدة كثيرًا ما تبالغ المكتبات في أسعارها حال نزولها.. تريّث في اقتنائها فلربما أخذتها بعد حين بنصف ثمنها، وهذا مجرّب.
31. وليس من التدبير الحسن أن تقتني كل كتب أو تحقيقات شخص بعينه، لأن عمل البشر يتفاوت قوة وضعفا. إلا إن كنت معنيًّا بدراسة نتاجه.
32. وليس من التدبير الحسن أن تقتني كل إصدارات مكتبة ما أو مركز ما، لا بدَّ من الانتقاء والاصطفاء، فما كل إصدارات الناشر بسواء.
33. ليس بالضرورة أن تقتني ما يقتني رفاقك في المعرض، فلكلٍّ اهتمام واختيار وتخصص وذوق وقدرة متفاوتة على التمييز والانتقاء.
34. في المعرض إذا وجدت كتابًا جديدًا باهض الثمن قد تجده أقل بكثير خارجه، حصل لي أن وجدت كتابًا في المعرض بـ 50ريالًا، ووجدته في اليوم نفسه خارجه بـ 32.
35. لا تلتفت إلى دعايات توقيع الكتب من المؤلفين...فالقضية تسويق محض، وتذكرون قصة الكتاب الفارغ من أي شيء!!
36. شيء من الوعي: بعض الشباب معه قائمة: (العمدة، الروض، الرياض، الأربعين..) ويدخل إحدى الدور التي غالب كتبهما ممن "لا يذكرون الله إلا قليلًا" ويبدأ في السرد: عندك (العمدة ووو..) لا تشمتوا بنا هؤلاء!
37. قد يُسهم بعض روَّاد المعرض في غبن أنفسهم بأنفسهم، فتجدهم يحتشدون في مكتبة ما أو على كتابٍ ما.. فيغرون صاحبها بزيادة السعر أو إلغاء التخفيض!

ثالثا: تنبيهات:
38. تأكد حال شرائك للكتاب أنه كامل، فقد تطبع بعض الكتب ناقصة وليس على غلافها ما يوحي بذلك، مثل "تلبيس إبليس"- مدار الوطن 3مج ولا تزال ناقصة!
39. إذا اقتنيت كتابًا فاحرص أن يكون في طبعته الثانية أو الأخيرة، فغالبًا ما يكون فيها تعديلات وإصلاحات ومراجعات.
40. لا يكفي أن ترى تحقيقًا جديدًا للكتاب لتسارع في اقتناء طبعته الثانية أو الجديدة، دقق في مقدمة المحقق وما الجديد في طبعته وما ميزاتها وما دواعي الإعادة.
41. شعار "مزيدة ومنقَّحة" أصبح شعارًا لبعض دُور النشر (وربما المؤلفين) للتسويق بلا أمانة! فلا تنبهر به!
42. بعض الكتب مجرد إعادة ترتيب لكتب أخرى، مثل ترتيبات التمهيد لابن عبد البر، أذكر منها أربعة أو خمسة، يكفيك ترتيب جيِّد، والبقية لا قيمة لها!
43. لا تتردد في شراء الكتاب الذي تحتاج إليه في دراستك، أو تريد قراءته، أو تخشى من نفاد نسخه، أو أوصاك به ثقةٌ مطّلع.
44. لا تتعجّل في اقتناء الموسوعات الضخمة، لأنها تستهلك الميزانية، والمكان، وغالبها موجود بعدة صيغ إلكترونية يمكن تصفحها والبحث فيها هناك.
45. الرسائل الصغيرة غالبًا ما تضيع في زحمة المجلدات، فتوجهت بعض الدور إلى ضمها في مجاميع مثل: لقاء العشر الأواخر، رسائل ابن حزم، رسائل ابن رجب ،رسائل الغزالي، رسائل ابن عبدالهادي، رسائل الجاحظ، نوادر المخطوطات (جمع هارون)، آثار ابن المقفع...وغيرها.
46. احرص على اقتناء الكتب الجامعة لمقالات عَلَمٍ ما، وقد صدرت مجاميع ممتازة، كمقالات الأخوين أحمد ومحمود شاكر، والطناحي (في مجموعتين)، والمعصومي، والدالي، والميمني، والسيد صقر..
47. لا ينبغي أن تخلو مكتبة طالب العلم من الكتب الوصفيه للفنون وتطورها، ومن الكتب المعرِّفة بالفنون ومؤلفاتها ككشف الظنون وأبجد العلوم وغيرها.
48. الكتب المكشّفة غنيمة باردة... ومع ذلك فلا تصدنك الفهارس عن قراءة الكتاب، فلكَ ذوق واهتمامات مختلفة عن المفهرس..ومن جرب عرف.
49. العلوم الشرعية آخذ بعضها برقاب بعض، فاقتن كتابين إلى ثلاثة من الأمات في كل فن، كمرحلة تأسيسية، ومن فُتح عليه فليستكثر ما شاء كما يشاء.
50. لا يفوتنك اقتناء جملة صالحة من المعاجم المتخصصة في الفنون، كمعجم البلاغة لمطلوب، والمعجم الفلسفي لصليبا، والمعجم الأدبي لجبور عبدالنور.
51. أكثر الكتب "الساقطة" فكرًا وأخلاقًا ولغة إنما طُبعت عدة طبعات بسبب دعاية منعها وسحبها من الأسواق، فلا تسهم في الدعاية لها باقتناء أو تجمهر على محل بيع ولا دلالة أحد!
52. ابتعد عن الكتب التي فيها مساس بمقدساتك؛ فإنه لا خير فيها .

رابعًا: مواصفات وعلامات:
53. إذا اجتمع في الكتاب المحقق أربعة أمور:
أ- عنوان صحيح.
ب- مقدمة كاشفة.
ج- نص سليم معتنى به.
د- فهارس كاشفة = فقد اكتمل حسنُه.
54. البعض يظن أن مقياس جودة التحقيق من عدمها في طول حواشي المحقق، وهذا ميزان فاسد، إنما جودة التحقيق في أداء الكتاب أقربَ إلى ما ترك المؤلف.
55. إذا اقتنيت كتابًا فلا بد من المرور على خمسة أمور:
1- غلاف الكتاب
2- مقدمة التحقيق
3- مقدمة المؤلف
4- تصفح سريع للكتاب
5- فهارس الكتاب.
56- إذا وجدت في الكتاب صفحة بيضاء، فاعلم أنها ليست الوحيدة، بل معها 7 صفحات أخرى، فتفحَّص كتابك؛ لئلا تقتن كتابًا ككتاب "كيف تربح بأقل مجهود"
57- أفضل أوقات تصفح مقتنيات المعرض بعد وصولك إلى البيت مباشرة (تجربة شخصية) تعرف عيوب الطبع إن وجدت، تفيد الآخرين بما وجدت، وغير ذلك.

خامسًا: عن دُور النشر وما إليها:
58- أصحاب المكتبات ودور النشر غالبهم تجَّار بل كلهم (وليس ذاك عيبًا إذا توخوا الأمانة في الاختيار والتعامل)، فلا تظنّنهم جمعية خيرية قد أشرعت أبوابها للتوزيع!
59- لا تظنّ أنك تتفضل على دار النشر أو صاحب الكتاب بشراء كتابه، بل الفضل لهم بتكلفهم عناء التأليف والتحقيق والطبع؛ لتأخذ الكتاب على طبق من ذهب!
60- عُرفت عدد من دور النشر بالجودة في الاختيار والطباعة، مما أغرى الكثير باقتناء مطبوعاتهم بلا تردد، وهذا معقول في الجملة، لكن قد يعثر الجواد، فلا بد من فحص ولو سريع حتى لا يغبن الشخص بمجرد ثقته الزادئة. وأذكر مثالًا صارخًا وهو كتاب عوالي مالك 4مج- دار الغرب، فالكتاب كان يمكن أن يطبع في جزء في 150ص ، لكن المحقق نقل تهذيب ابن حجر برمته إلى الحواشي، وهنا يصدق القول: من قرأ الحواشي، ما حوى شي!! وأذكر مرة أني التقيت بصاحب دار الغرب الحاج الحبيب اللمسي فسألته: ما الكتاب الذي ندمت على طباعته؟ فتردد، فقلت له: عوالي مالك! فقال: نعم!!
61- اجتنب مطبوعات بعض الدور التي عُرفت بالنشر السيِّئ وسلخ التحقيقات.. ولا أظنها تخفى على الأكثر، إلا في نطاق محدود خرج عن القاعدة.
62- دار الكتب العلمية مثال على الدور السالف ذكرها، لكنها صورت بعض الطبعات القديمة، فهذه تستثنى من القاعدة، ومثلها التحقيقات الجيدة على ندرتها! أو الكتب التي انفردت بطباعتها.
63- الدور اللبنانية تمتاز بجمال الإخراج وجودة التجليد، مع غلاء في الأسعار.. الجمال يغري بالشراء.. لكن الحصيف ينتقي كما ينتقي الغرابُ تمرتَه .
64- ليس جمال الإخراج والورق ولا جودة التجليد دليلًا على جودة الكتاب .. وإن كان مؤشرًا عليه، فلا يستروحنّ المشتري فيغريه الجمال الظاهر عن الجمال الباطن، ويا سعدنا إن اجتمعا!
65- من أحسن الدور المصرية جودة: مصورات بولاق، دار الكتب المصرية، دار المعارف، الهيئة العامة المصرية، دار السلام، دار الخانجي وغيرها .
66- الدور المصرية تنقسم كتبها (ذات الطبعات القديمة والمعادة) إلى الآتي:
1- مصوَّرات عن القديم فهذه ينظر فيها إلى الكتاب نفسه من جهة وإلى دقة التصوير وجودته.. وغالبه رديء .
2- إعادة صف من جديد فهذه غالبها في غاية من السوء من حيث الورق والتجليد والخط.. فينتقى منها بعناية أو يقتصر على ما يحتاجه الباحث فقط.
67- هناك أعلام أيضًا للعبث بالتراث منهم: كمال الحوت، ومحمد الجمل، وعبدالأمير الأعسم، وعادل عبدالموجود وعلي معوض، وعويضة، وعبدالرحيم علي ، وأمم مجاهيل لم نسمع بهم، وأخشى ألا وجود لهم في الخارج!
68- من أسماء هذا الضرب أيضًا: د. محمد زينهم عزب، وانظروا تحقيقاته على طبقات الشافعية لابن كثير، وشيوخ مالك لابن خلفون، والألقاب للجياني.. ستقفون على عجائب، وستبكون على هذا التراث المستباح العرض!!
69- وعليه إذا رأيت اسم أحد من هؤلاء على اسم كتاب محقق، ففرّ منه فرارك من الأسد، فقد أتوا على كثير من الكتب المهمَّة مسخًا وتحريفًا!!
70- والمقابل فهناك أعلام إن وجدت أسماءهم على كتاب فخذه وأنت مطمئن غالبًا: فمن المحققين: أحمد شاكر وأخوه محمود، وعبد السلام هارون، والطناحي، والحلو، وشعيب الأرناؤوط، وزهير الناصر، وأيمن السيد، ومن المؤلفين : المعلمي، والألباني، وبكر أبو زيد، وابن عثيمين، والخضر حسين، وعبدالكريم بكار، وطه عبدالرحمن وغيرهم كثير.
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-02-15, 04:27 AM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
افتراضي رد: صفحة خاصة بجديد موقع الدرر السنية

قِراءَةٌ جديدة في بُردة البُوصِيري وشِعْرِه

عَلَوي بن عبدالقادِر السَّقَّاف

للتحميل إضغط هنا



قُصيدةُ البُردَة للبُوصِيري من القَصائد الشَّهيرة في المَديح النبويِّ، هامَ فيها أهلُ التَّصوُّفِ؛ فشَرحوها، وشَطَّروهــا(1)، وخمَّسوهـا(2)، وسَبَّعوها(3)، وعارَضوها(4)، ونَظَموا على نَهْجِها(5)، حتى بلغتْ شُروحُها والكتُب التي تَكلَّمت عنها العَشَرات، ولم تَقتصرْ على اللُّغة العربيَّة، بل جاءتْ بلُغاتٍ مختلفةٍ(6)، وغَلَوْا فيها، حتى جَعَل بعضُهم لأبياتِها بركةً خاصَّةً، وشفاءً من الأمراض(7)! بل مِن كَتَبةِ الأحجبةِ والتَّمائم مَن يَستخدم لكلِّ مرضٍ أو حاجة بيتًا خاصًّا: فبيتٌ لمرَض الصرع، وبيتٌ للحِفظ من الحريق، وآخَر للتوفيق بين الزَّوْجين وهكذا (8)! وما عَلِمنا هذا في آياتِ القرآنِ الكريم، ولا في الأحاديثِ النبويَّة!

وكانت البُردة- وما تزالُ- عند بعضِ الناس من الأوراد التي تُقرأ في الصَّباح والمساءِ في هَيبةٍ وخشوع(9)، وأبياتُها تُستعمل إلى اليومِ في الرُّقَى، وتُتلَى عند الدفن(10)، وقد وضَعوا لها شُروطًا عند قراءتها، كالوضوءِ واستقبالِ القِبلة، وغيرِ ذلك(11).

وزَعموا أنَّ سببَ تَسميتِها بالبُردة: أنَّ صاحبَها ألْقاها أمامَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ في المنامِ فأَلْقَى عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بُردتَه كما ألْقاها على كَعبِ بن زُهيرٍ رضي الله عنه يَقظةً، مع أنَّ قِصَّة كعب بن زُهير هذه لم تَثبُت بإسنادٍ صحيحٍ أصلًا. وزَعَموا أنَّ ناظِمَها البُوصِيريَّ كان مريضًا بالفالَج فشُفِي بها؛ ولذلك سُمِّيتْ بالبُرْءَة(12)، وبلغ غلوُّهم فيها أنْ زعَموا أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ شارَكَه في نَظمِها، وأنَّه كان يتمايلُ عند سماعِها، فلما انتهى الناظم إلى قوله:
فمَبْلَغُ العِلمِ فيه أنَّه بَشرٌ..... توقَّف! فأضاف النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: وأنَّه خيرُ خَلقِ الله كُلِّهمِ (13).
وهذا كلُّه كذبٌ وافتراءٌ على رسولِ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّمَ.

هذه القَصيدةُ انتقَد كثيرٌ من أهل العِلم أبياتًا مُعيَّنة فيها، تعدُّ من أكثرِ الأبيات غُلوًّا عندهم(14)، ودافَع عنها آخَرون من من دُعاة التَّصوُّف، وردُّوا ما وُجِّه إليها من نَقْدٍ، مُعلِّلين كلَّ بيت مُنتَقد فيها بما يَنفي عِلَّةَ النَّقد، ومِن هذه الأبيات المُنتقَدة- التي دافَع عنها هؤلاءِ وزَعموا أنَّ مُنتقدِيها من أهلِ العِلم لم يُدرِكوا مُرادَه-

قولُه:

إنْ لَمْ يَكُنْ في مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي فَضْلًا وَإِلَّا فَقُلْ يَا زلَّةَ القَدمِ


وقولُه:

يَا أَكْرَمَ الخَلقِ مَا لي مَن أَلُوذُ به سِواكَ عند حُلولِ الحَادِثِ العَممِ


وقوله:

فإنَّ مِن جُودِك الدُّنيا وضَرَّتها ومِن عُلومِك عِلمَ اللَّوحِ والقَلَمِ


فأصبحَ كثيرٌ من النَّاس لا يَعرِفون غُلوَّ البُوصيري إلَّا من قصيدته البُردة، ولا يَعرِفون ما في البُردة من غلوٍّ إلَّا من هذه الأبيات، فإذا كانتْ هذه الأبيات مُفسَّرةً ومبرَّرةً، سَلِمتِ البردةُ وسَلِم البُوصيريُّ، فيَنتقل اللومُ إذًا إلى مُنتقديه المتشدِّدين!

والرَّجُل- كما يزعمون- إمامٌ عالمٌ عاملٌ، صالحٌ زاهدٌ....، وقصيدته البُردة زَهراءُ غَرَّاء، يَتبرَّك بها الناسُ، وفيها شفاءٌ لأمراضِهم ... إلى آخِره، وهذه الأوصافُ مذكورة في كُتُبهم(15).
فهل صحيحٌ أنَّ بُردة البُوصيري ليس فيها من الغُلوِّ إلَّا هذه الأبيات؟ بل هل صحيحٌ أنَّ البُوصيري إمامٌ عالمٌ عاملٌ، وقصائده- سواء البُردة أو غيرها- تخلو من الغُلوِّ؟! هذا ما أردتُ بيانَه في هذه المقالة.
أمَّا البُوصيري، فهو أبو عبد الله محمَّد بن سعيد بن حمَّاد الصِّنهاجي البُوصِيري، مِصريُّ النَّشأة، مغربيُّ الأصل، شاذليُّ الطريقة(16).
وُلِد سنة 608هـ، وتُوفِّي سنة 696هـ، والرجل لم يكُن عالِمًا قطُّ، ولم يَعُدَّه أحدٌ من المترجمين له في عِداد العلماء، بل عدُّوه من الشُّعراء(17)، ومَن عدَّه كذلك من المعاصِرين لم يستطعْ أن يُثبت ذلك، وإنما هي ألقابٌ تُكال كيلًا، كما هي عادةُ القومِ(18).

والبُوصِيري كان ممقوتًا؛ لإطلاقِ لِسانه في الناس بكلِّ قَبيحٍ، وذِكره لهم بالسُّوءِ في مجالس الأُمراء والوزراء(19)، سيِّئ الخُلُق مع زوجتِه وغيرِها، شَحَّاذًا، مُضطربًا في شخصيتِه، فتارةً يَمدحُ النَّصارى ويذُمُّ اليهود، وتارةً يمدحُ اليهودَ؛ إرضاءً للنصارى، وتارة يذمُّ الاثنين معًا(20)، وكان كثيرَ المدحِ للسَّلاطين؛ طمعًا فيما عندهم، وهذا ليس غريبًا على الشُّعراء، لكنَّه ليس مِن صنيعِ العُلماء، أضِفْ إلى ذلك أنَّ له أبياتًا كثيرةً في البُردة والهَمزيَّة وبقيَّة قَصائِده الواردةِ في دِيوانه، فيها من الغلوِّ ما يُصدِّق قولَ مُنتقديه فيه، وإليك جوانبَ ممَّا ذُكِر:

أمَّا سوءُ خُلقه مع زوجتِه، فقد ذمَّها وأشارَ إلى اتِّهامها بالفاحشةِ في قَصيدةٍ طويلةٍ، وفي القصيدةِ من الفُحش والفُجور والفِسق ما فيها، نسألُ الله السَّلامة والعافية؛ ومنها قولُه:


وَبَليَّتي عِرسٌ بُلِيتُ بمقتها والبَعلُ ممقوتٌ بغير قيامِ

جَعَلَتْ بإِفْلاسِي وَشَيْبِيَ حُجَّة إِذَا صِرتُ لا خَلْفِي ولا قُدَّامي

بلغَتْ مِن الكِبَرِ العِتيَّ ونُكِّست في الخَلقِ وهْي صَبيَّةُ الأَرحامِ

إنْ زُرْتُها في العامِ يَوْمًا أنْتَجَتْ وَأتَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ بِغُلامِ

أوَ هَذِه الأولادُ جاءتْ كُلُّها مِن فِعلِ شَيخٍ ليسَ بالقوَّامِ؟!

وأَظنُّ أنَّهمُ لعُظْمِ بَليَّتي حَمَلتْ بِهم لا شكَّ في الأَحْلامِ

أوَ كُلَّ ما حَلِمتْ به حَمَلتْ به؟ مَن لي بأنَّ الناسَ غيرُ نِيامِ؟

يَا لَيتَها كانتْ عَقِيمًا آيسًا أوْ لَيْتَنِي مِن جُملةِ الُخدَّامِ

أوْ لَيْتَني مِن قَبلِ تَزويِجي بها لوْ كُنتُ بِعتُ حَلالَها بحَرامِ!

أوْ لَيْتني بعضُ الَّذين عَرَفتُهم ممَّنْ يُحصِّنُ دِينَه بغُلامِ(21)!


ففي البيت الخامس يُشكِّك أنْ يكون أولادُه من كثرتهم أتَتْ بهم زوجتُه منه وهو شيخٌ ليس بالقوَّام! وفي التاسع تَمنَّى لو استبدلَ حلالها وهو الزواج بحرامٍ حتى لا يتحمَّلَ تبعةَ الأبناء، وفي العاشر تمنَّى لو أنَّه حصَّن دِينَه بغُلام بدلًا عن زوجةٍ، كبعض الذين يعرفهم! والعياذُ بالله.

والبُوصيري كان شَحَّاذًا يستخدمُ شِعرَه في استجداءِ ما عند الناس- وهذا ليس مِن صنيعِ العُلماءِ- فها هو يَشكُو للصَّاحب بهاء الدِّين عليِّ بن محمَّد بن حنا حالَه وكثرةَ عِياله بقوله:


أيُّها الصَّاحبُ المؤمَّل أَدْعُو كَ دُعاءَ استغاثةٍ واستجارهْ

أَثْقَلَتْ ظَهري العِيالُ وقَدْ كنـ تُ زَمانًا بهم خفيفَ الكَارَهْ

وَلَوَ انِّي وَحْدي لكنتُ مُريدًا في رِباطٍ أَو عَابدًا في مَغارهْ

أَحسَبُ الزُّهد هيِّنًا وهْوَ حربٌ لستُ فيه ولا مِن النَّظَّارهْ

لا تَكِلْني إلى سِواكَ فأخيا رُ زَماني لا يَمنحُون خِيارَهْ

ووجوهُ القُصَّادِ فيه حديدٌ وقلوبُ الأجوادِ فيه حِجارهْ

فإذا فازتْ كَفُّ حُرٍّ بِبُرٍّ فهو إمَّا بنَقضةٍ أو نشارهْ

إنَّ بَيتي يقولُ قدْ طالَ عَهْدي بدُخولِ التِّلِّيس(22) لي والشِّكارهْ

وطَعامٍ قدْ كان يَعهَدُه النا سُ متاعًا لهم وللسَّيَّارهْ

فالكوانيُن(23) ما تُعابُ من البَر دِ بطبَّاخَةٍ ولا شَكَّارهْ

لا بِساطٌ ولا حَصيرٌ بدِهليـ ـــزٍ ولا مَجلسي ولا طَيَّارهْ(24).


ويَطلُب من غيرِه كُنافةً في شهر الصوم، فيقول:

ما أَكَلْنا في ذا الصِّيامِ كُنافَه آهِ وا بُعدَها علينا مَسافَه

قال قومٌ إنَّ العِمادَ كريمٌ قلتُ هذا عندي حديثُ خُرافَه

أَنَا ضَيفٌ له وقد مُتُّ جُوعًا ليتَ شِعري لِـمْ لا تُعَدُّ الضِّيافَه

وهْوَ إنْ يُطْعِمِ الطَّعامَ فمَا يُطْـ ـعِمُه إلَّا بسُمعةٍ أو مَخافَه(25).


وقال يَهْجو أُناسًا سرَقوا حِمارتَه فغَلَا وبالَغَ في ذلك جِدًّا من أجْل حمارة! فقال:

أَرَى المُستخدِمين مَشَوْا جميعًا على غيرِ الصِّراطِ المُستقيمِ

مَعاشِرُ لو وَلُوا جَنَّاتِ عَدْن لصارتْ مِنهمُ نارَ الجَحيمِ

فمَا مِن بَلدةٍ إلَّا ومنهم عليها كلُّ شَيطانٍ رَجيمِ

فلو كانَ النُّجومُ لها رُجومًا لَقِدْ خَلتِ السَّماءُ من النُّجومِ(26).


وكانَ مُضطرِبَ الشخصيةِ يَسيرُ مع هوى نفْسه وطَمعِها، فلمَّا لمْ يُهدِ له النصارى طعامًا في عِيدهم- عيد المسيح كما يزعمون- هَجاهم، ومدَحَ اليهودَ؛ نكايةً فيهم فقال:

يَهودُ بِلبِيس(27) كُلَّ عِيدٍ أفضلُ عِندي من النَّصارى

أمَا ترَى البَغْلَ وَهْوَ بغلٌ في فَضلِه يَفضُلُ الحِمارَا(28)


فلمَّا هدَّده النصارى تراجَع ومدحَهم وذمَّ اليهود، فقال:

مَا للنَّصارى إليَّ ذنبٌ وإنما الذَّنبُ لليهودِ

وكيفَ تَفضيلُهم وفيهم سِرُّ الخنازيرِ والقُرودِ(29).


أمَّا مدحُه لسلاطين زمانِه مستجديًا ما عندهم، فحدِّث ولا حرجَ! ودِيوانه مليءٌ بذلك(30) ولا تَخلو كثيرٌ من قَصائدِه من الغلوِّ في الممدوحِ، وإليك نَزرًا يسيرًا منها:
فمِن ذلك قولُه يمدحُ الوزيرَ زينَ الدِّين الصاحبي بقوله:


أَهلُ التُّقى والعِلم أهلُ السُّؤددِ فأَخو السِّيادةِ أحمدُ بنُ مُحمَّدِ

الصَّاحبُ بنُ الصَّاحبِ بنِ الصَّاحِبِ الــ ـحَبرُ الهُمامُ السَّيِّدُ ابنُ السَّيِّدِ

لا تُشرِكنَّ به امرأً في وصْفِه فتكونَ قد خالفتَ كُلَّ مُوحِّدِ(31).

وفي البيتِ الأخير غلوٌّ ظاهرٌ.


ويقولُ مادحًا الصَّاحبَ بهاء الدِّين، ويَطلبُه حمارةً، ويذمُّ آخرَ مُقرَّبًا من الصاحب؛ حَسدًا له:

صاحِبٌ لا يزالُ بالجُودِ والإفـ ضَالِ طلقَ اليَدينِ حُلوَ العِبارهْ

كَم هَدَانا من فضلِه بكِتابٍ مُعجزٍ مِن عُلومِه بأَثَارهْ

إنَّما يَذكُر العطيةَ مَن كا نَتْ عَطاياهُ تَارةً بَعدَ تَارهْ

سَيِّدي أنتَ نُصرتي كُلَّما شنَّ عليَّ الزمان بالفقرِ غَارهْ!

شابَ رأسي وما رأستُ كأنِّي زامرُ الحيِّ أو صغيرُ الحارَهْ

وابنُ عِمرانَ وهْوَ شَرُّ متاع للوَرَى في بِطانةٍ وظِهارَهْ

حَسَّن القُربُ منكم قُبحَ ذِكرَا هُ كتَحسينِ المِسكِ ذِكْرَ الفَارَهْ

فهْوَ في المدحِ قَطرةٌ من سَحابي وهو في الهَجْوِ مِن زِنادي شَرارَهْ

ما له مِيزةٌ عليَّ سِوى أنَّ له بغلةً وما لي حِمارهْ(32).


ويَمدحُه مَرَّةً أخرى ويشكو له حالَه فيقول:

يَا أيُّها المولى الوزيرُ الذي أيَّامُه طائِعةٌ أَمْرَهْ!

ومَن له منزلةٌ في العُلا تَكِلُّ عن أوصافِها الفِكْرَه

أَخلاقُك الغُرُّ دَعتْنَا إلى الـ إدلاءٍ في القولِ على غِرَّه

إليك نَشْكُو حالَنا إنَّنا عائلةٌ في غايةِ الكَثْرَه

صاموا مع النَّاسِ ولكِنَّهم كانوا لِمَن يُبصِرهم عِبْرَه

فارحمْهمُ إنِ أَبصروا كَعكةً في يدِ طِفلٍ أو رَأَوْا تَمْرَه

تَشْخَصُ أَبصارُهم نَحوَها بِشَهْقةٍ تَتبعُها زَفْرَه


وقد اشتَهَر البُوصيريُّ بشِعرِه في المدائحِ النبويَّة، وهو مِن أرْقَى الشِّعر وأجودِه لولا غُلوٌّ فيه، ومَن قرأ قصائدَه مثل: البُردة الميميَّة، والقصيدة الهمزيَّة، وبقيَّة قصائده في دِيوانه- ظهَر له اطِّرادُ الرَّجُل في غلوِّه، وأبياتُه المُجمَلة المحتمِلة لأكثرَ من معنًى في قصيدةٍ، تُفسِّرها أبياتٌ أخرى في قصيدةٍ أُخرى؛ فلا مجالَ لتبرئتِه منه، وهاكم بعضَ الأمثلة:

قولُه في البُردة:

فَإنَّ مِن جُودِك الدُّنيا وضَرَّتَها ومِن عُلومِك عِلمَ اللَّوحِ والقَلمِ(33)


يُؤيِّده البيتُ الخامِسُ من الهمزيَّة:

لَك ذاتُ العُلومِ مِن عالِم الغيـــ ـــبِ ومنها لآدَمَ الأسماءُ


لذلك قال الهيتميُّ في شرح هذا البيت:
(إنَّ آدَمَ لم يَحصُل له من العلومِ إلَّا مجرَّدُ العِلم من أسمائها، وأنَّ الحاصل لنبيِّنا هو العلمُ بحقائقها، ومُسمَّياتها، ولا ريبَ أنَّ العلمَ بهذا أعْلى وأجلُّ، من العِلم بمُجرَّد أسمائها؛ لأنَّها إنما يُؤتَى بها لتبيين المسميَّات؛ فهي المقصودةُ بالذات، وتِلك بالوسيلة، وشتَّان ما بينهما، ونظير ذلك أنَّ المقصود مِن خَلْقِ آدمَ إنما هو خلقُ نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّمَ من صُلبه، فهو المقصودُ بطريق الذَّات، وآدَم بطريقِ الوسيلة، ومِن ثَمَّ قال بعضُ المحقِّقين: إنما سجَدَ الملائكةُ لأجْلِ نُورِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ الذي في جَبينه) (34)!
نعوذ بالله من الضلال.

والبُوصيريُّ كغيره من غُلاة الصوفيَّة الذين يَعتقدون أنَّ الدنيا بمَن فيها لم تُخْلَقْ إلَّا من أجلِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ونورِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهذا ذَكَرَه في البُردة وغيرها؛ قال في البُردة:


وكَيفَ تَدْعو إلى الدُّنيا ضَرورةُ منْ لولاه لم تَخرُجِ الدُّنيا من العَدمِ


وقال:

وكلُّ آيٍ أَتَى الرُّسْلُ الكِرامُ بها فإنَّما اتَّصلتْ مِن نُورِه بِهِمِ


وقال:

فاقَ النَّبيِّينِ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ ولم يُدانوه في عِلمٍ ولا كَرمِ

وكُلُّهم مِن رَسولِ اللهِ مُلتمِسٌ غَرفًا مِنَ البَحرِ أَوْ رَشفًا مِن الدِّيَمِ


وقال في الهمزيَّة مؤكدًا هذا المعنى:

كلُّ فَضلٍ في العالَمِين فَمِنْ فَضلِ النَّبِي استعارَه الفُضلاء


قال الهيتميُّ في شرح البُردة: (فإنَّما اتَّصلتْ مِن نُورِه بِهم، أي: وصلتْ منه إليهم بطريق الاستمدادِ؛ وذلك لأنَّ نورَه صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان مخلوقًا قبلَ آدَمَ صلوات الله وسلامُه عليه، بل قبل سائرِ المخلوقات من السَّموات وما فيها والأرض وما عليها وغير ذلك)(35)، وهذا مِن خُرافات الصوفيَّة وخُزعبلاتهم؛ فالنبيُّ محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وَلَدُ آدَمَ، وخُلق بعدَ آدَمَ؛ فكيفَ يكونُ نورُه خُلِق قَبلَه؟! عليه صلواتُ ربِّي وسلامُه.
وقال في شرح الهمزيَّة: (لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ الممدُّ لهم؛ إذ هو الوارثُ للحضرةِ الإلهيَّة، والمستمدُّ منها بلا واسطةٍ دون غَيرِه؛ فإنه لا يستمدُّ منها إلَّا بواسطتِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فلا يصلُ لكامِل شيءٍ إلَّا وهو مِن بعض مددِه وعلى يديه، فآياتُ كلِّ نبيٍّ إنما هي مُقتبسَةٌ من نوره؛ لأنَّه كالشمس، وهم كالكواكب، فهي غيرُ مضيئةٍ بذاتها وإنَّما هي مُستمدَّة من نورِ الشمس، فإذا غابتْ أظهرتْ أنوارَها، فهم قبل وجودِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ إنما كانوا يُظهِرون فضلَه، وأنوارُهم مُستمَدَّة من نورِه الفائض، ومَددِه الواسع)(36)، وهذا كلامٌ لا دليلَ عليه لا مِن النَّقل ولا العقل، ولا زِمامَ له ولا خِطام!

وفي البُردة استجارة واستغاثة بالنبي صلَّى الله عليه وسلَّمَ وذلك عند قوله:

مَا ساَمَني الدهرُ ضَيمًا واستجرتُ به إلَّا ونِلتُ جوارًا منه لم يُضَم

ولا الْتمستُ غِنَى الدَّارينِ مِن يَدِه إلَّا التمستُ النَّدى مِن خَيرِ مُسْتَلمِ


ومعنى ذلك: ما ظَلمَني أهلُ الدَّهر في وقتٍ من الأوقاتِ وطلبتُ مِن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يُدخِلَني في جوارِه؛ ليحميني مِن ضَيمِ الدَّهر إلا وقرَّبني منه(37).
والاستغاثةُ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ كثيرةٌ في شِعر البُوصيري- وهي أشنعُ مِن التوسُّل، وإنْ خلَط بينهما بعضُ الناس؛ جَهلًا أو تلبيسًا.

ولم تقتصرْ أبياتُ الغلوِّ في شِعر البُوصيريِّ على البُردة فقط، بل في غيرها ما هو أكثرُ غلوًّا، ومِن ذلك قوله:


يا نَبيَّ الهُدى استغاثةُ مَلْهُو فٍ أَضرَّتْ بحالِه الحَوباءُ

يَدَّعي الحبَّ وهو يأمُر بالسو ءِ ومَن لي أن تَصْدُقَ الرغباءُ


إلى أن قال:

هَذِه عِلَّتي وأنتَ طبيبي ليس يَخفَى عليك في القلبِ داءُ

ومِن الفوزِ أن أَبُثَّكَ شَكوى هي شَكوى إليك وهي اقتِضاءُ(38)


وأشدُّ مِن ذلك دُعاؤه النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يَصفحَ عنه، وأن يَقبلَ عُذرَه بقوله:

يا مَن خَزائنُ جُودهِ مملوءةٌ كَرمًا وبابُ عطائِه مفتوحُ

نَدْعوك عن فَقرٍ إليك وحاجةٍ ومَجالُ فضلِك للعُفَاةِ فسيحُ

فاصفحْ عن العبدِ المسيءِ تَكرُّمًا إنَّ الكريمَ عن المسيءِ صَفوحُ

واقبلْ رَسولَ الله عُذرَ مقصِّرٍ هو إنْ قَبِلتَ بمدحِكَ الممدوحُ

في كلِّ وادٍ من صِفاتِك هائمٌ وبكُلِّ سرٍّ مِن نداك سَبوحُ(39)


ومن ذلك: غُلوُّه في الشَّريفةِ نَفيسةَ بنتِ الحَسنِ بنِ زيدِ بنِ الحسنِ بنِ عليٍّ رضي الله عنهم، بقوله:

سَليلةُ خَيرِ العالَمِين "نَفيسةٌ" سمَتْ بِكِ أَعراقٌ وطابتْ مَحاتِدُ(40)

إذا جَحدتْ شَمسُ النهارِ ضِياءَها ففضلُكِ لم يَجحَدْه في الناسِ جاحدُ

بآبائِك الأطهارِ زُيِّنتِ العُلا فحَبَّاتُ عِقد المجدِ مِنهم فَرائدُ

ورثتِ صفاتِ المصطفى وعُلومَه فَفَضلُكما لولَا النُّبوَّةُ واحدُ!(41)


هذا، وفي البُردةِ أخطاءٌ أخرى نمرُّ عليها مرورًا سريعًا حتى لا يظنَّ ظانٌّ أنَّها مقصورةٌ على بَيتينِ أو ثلاثة، فمِن ذلك:
قوله:

أَقْسَمتُ بالقَمرِ المنشقِّ إنَّ له مِن قَلبِه نِسبةً مَبرُورَةَ القَسمِ

وهذا قَسَم بغيرِ الله تعالى لا يجوزُ.

وقوله:

دَع مــا ادَّعَتهُ النَّصارَى في نَبِيِّهِـمِ واحكُمْ بما شِئتَ مَدحًا فيه واحتَكِـمِ

وكأنَّ الناظمَ يقول: امدَحْه- يَعني: نَبيَّنا محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم- بما شِئتَ من المدحِ، لكن لا يصل بك المدحُ إلى تأليهه كما فعلتِ النَّصارى مع عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام، وهذا باطلٌ، وليس معنى حديث: ((لا تُطْرُوني كما أَطرتِ النصارى عيسى ابنَ مريم))، أي: أَطروني، لكن لا يَصِل إطراؤكم إلى ما وصَلَ إليه النصارى مِن أنَّه ابنُ الله، وثالثُ ثلاثة!
وهذا خَطأٌ، والمعنى الصَّحيح للحَديث: لا تُبالغوا في إطرائي كما بالَغَ النَّصارى في إطراءِ نبيِّهم حتى أدَّاهم ذلك إلى تأليهه.

ومن ذلك قولُه:

فَإِنَّ لي ذِمَّةً منــه بتَسـمِيَتِي مُحمَّدًا وَهْوَ أَوفَى الخَلقِ بــالذِّمَمِ

وهذا غيرُ صحيح، فليس كلُّ مَن تَسمَّى بمحمَّدٍ صارتْ له ذِمَّةٌ بهذه التسمية؛ فما أكثرَ مَن تَسمَّى بمحمد وهو في عِداد الفسقة! ولكن للأسف تجِد كثيرًا منهم يُردِّدونَ هذا البيت وغيرَه وهم يَظنُّون صِحَّةَ معناه.

وقوله أيضًا:

لا طِيبَ يَعــدِلُ تُرْبًا ضَمَّ أَعظُمَهُ طُوبى لـمُنتَشِـقٍ منـــه ومُـلتَثِـمِ

الانتشاق: الشم، والالتثام: التعفُّر أو التَّقبيل، والنَّاظم يَدْعو لأنْ نَنتشقَ ونلتثمَ تُرابَ قبرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهذا من الغلوِّ أيضًا.
والحاصِل: أنَّ البُوصيريَّ كان من غُلاة الصُّوفيَّة الشاذليَّة، ولا يَنفع الذين دافَعوا عنه الْتماسُهم العُذرَ له في بعضِ الأبيات أو توجيهها وجهةً حَسنةً، فهذا إنَّما يُقال لِمَن كان سليمَ المعتقَدِ، سليمَ المنهجِ والطريقةِ، ثم تزِلُّ قَدمُه في مسألةٍ أو مسألتين، فهذا يُلتمس له العذرُ فيها، أمَّا مَن كانتْ هذه طريقتَه، وهذا مُعتقدَه، وهذا دَيدنَه، فمهما الْتمَسْنا له العذرَ في بيتٍ أو بيتين، فماذا عن الباقي؟! وماذا عن شُرَّاح هذه القصائدِ الذين يُؤكِّدون هذه المعاني، ويَتتابعون عليها في شَرْح قصائدِه؟!

وهذا كلُّه لا يَمنعنا أن نُشيدَ بقُوَّةِ شِعْره وجزالتِه، سواء كان من شِعر مديحِ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّمَ، أو ما فيه مِن حِكَمٍ ودُرَرٍ؛ فمِن مليحِ المديحِ: قولُه في البُردة:

أَكــرِمْ بخَلْـقِ نَبيٍّ زانَــهُ خُلُـقٌ بالحُسـنِ مُشـتَمِلٌ بالبِشْـرِ مُتَّسِـمِ

كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبـَدرِ في شَـرَفٍ والبَحرِ في كَــرَمٍ والـدَّهرِ في هِمَمِ


وقوله واصفًا الصَّحابة رضي الله عنهم:

هُمُ الجِبـالُ فَسَـلْ عَنهُم مُصَادِمَهُم مَــاذا لَقِي مِنهمُ في كُـلِّ مُصطَدَمِ

وَسَـلْ حُنَيْنًا وَسَـلْ بَدْرًا وَسَلْ أُحُدَا فُصـولُ حَتْفٍ لَهم أَدْهى مِنَ الوَخَمِ

كــأنَّهُم في ظُهورِ الخَيْلِ نَبْتُ رُبًى مِن شِـدَّةِ الحَزْمِ لا مِن شَـدَّةِ الحُزُمِ


وفيها من الحِكَم الكثير، كمِثل قوله:

والنَّفسُ كالطِّفلِ إنْ تُهمِلْه شَبَّ على حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْه يَنفَطمِ

فاصرفْ هواها وحاذِرْ أن تُولِّيَه إنَّ الهوى ما تَولَّى يُصْمِ أو يَصِمِ(42)

وراعِها وهْي في الأَعمالِ سائِمةٌ وإنْ هي اسْتَحْلَتِ المَرعى فلا تَسِمِ

كم حسَّنَتْ لَذَّةً للمَرءِ قاتلةً من حيثُ لم يَدْرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

قد تُنكِرُ العَينُ ضوءَ الشَّمسِ مِن رمَدٍ ويُنكرُ الفمُّ طَعْمَ الماءِ مِن سَقَمِ

واسْتَفْرِغ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قد امْتَلأتْ مِـــــــــــــــنَ الـمَحــارِمِ وَالْــــزَمْ حِمْـــــيَةَ الــــــــــنَّدَمِ

وخَالِفِ النَّفسَ والشَّيطانَ واعصِهِما وإنْ هُمَا مَحَّضاك النُّصْحَ فاتَّهِـمِ

ولا تُطِعْ منهما خَصْمًا ولا حَكَمـًا فأَنتَ تَعرِفُ كَيدَ الخَصمِ والحَكَمِ


ومِن بديعِ شِعره:

ذَهبَ الشَّبابُ وسوفَ أذهبُ مِثلَما ذهَبَ الشبابُ وما امرؤٌ بمخلَّدِ

إنَّ الفناء َ لكُلِّ حيٍّ غايةٌ مَحتومةٌ إنْ لم يكُن فكَأنْ قَدِ(43)


هذا، وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يَهدي ضالَّ المؤمنين، وأن يَردَّه إلى الحقِّ ردًّا جميلًا.
وصلَّى الله وسلَّم على حَبيبِنا وسيِّدنا ونبيِّنا مُحمَّدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه، وعلى آلِه وصَحْبِه أجمعين،،

============================

(1) تَشطيرُ الشِّعرِ: أن يُضيفَ إلى كلِّ شَطْرِ منه شَطرًا من عِندَه. ((معجم اللغة العربية المعاصرة)) (2/1199).
(2) المخمَّس من الشِّعر: ما كانتْ أنصافُ مُقفَّاه مختلفةً تَجمعُها قافيةٌ واحدةٌ بعد بَيتينِ أو ثلاثةٍ أو أكثرَ، وهو ما كانَ على خَمْسَةِ أجزاء. ينظر: ((الصحاح)) للجواهري (3/ 1134)، و((تاج العروس)) للزبيدي (16/ 28).
(3) المُسَبَّع من العَرُوض: مَا بُنيَ على سَبْعة أَجزَاء. ((المحكم والمحيط الأعظم)) لابن سيده (1/ 506).
(4) المُعارضة الشِّعريَّة: هي محاكاةُ قصيدةٍ لأُخرى موضوعًا ووزنًا، وهي عند البُلغاءِ عِبارةٌ عن قولِ شيءٍ مِثل كلامِ الغير، سواء كان له وزنُ الشِّعر أو القافية، أو الرَّديف أو الصَّنعة. ((كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم)) للتهانوي (2/ 1479).
(5) انظر: (المدائح النبويَّة) لمحمود علي مكي (ص: 119)، و(العمدة شرح البردة) للهيتمي (ص: 53).
(6) فاق عددُ شُروح البردة كثيرًا من كتُب السُّنة، كصحيح مسلم، والكتُب الأربعة، فضلًا عن غيرِها!
(7) انظر: (العمدة شرح البُردة) (ص: 41)، قال مُحقِّقه: (ولا يزال الناسُ يَتبرَّكون بها في أقطاب الأرض؛ فكم ظهَر لها من أثرٍ في إبراءِ المرضَى من الذين اعتقدوا شرَفَها، وقَدروها قدْرَها، فكانت سببًا في شِفائهم، ونيل الخيرات والبركاتِ في قراءتها)!
(8) انظر: (العمدة في إعراب البردة) لعبدالله جاجة (ص: 17)، و(المدائح النبويَّة في الأدب العربي) لزكي مبارك (ص: 142).
(9) انظر: (المدائح النبويَّة في الأدب العربي) (ص: 142).
(10) انظر: (دائرة المعارف الإسلامية) (3/528).
(11) انظر: (ديوان البوصيري لسيد كيلاني) (ص: 29).
(12) انظر (حاشية الباجوري على البردة) (ص: 4) وغيرها، وهذا ممَّا أَطبقت عليه كتُبهم، لكن منهم مَن يقول: لفَّه ببُردته، ومنهم مَن يقول: ألقاها عليه.
(13) انظر لذلك: مُقدِّمة (بردة المديح المباركة) (ص: 15)، و(العمدة في إعراب البردة) (ص: 19).
(14) من هؤلاء: علَّامة اليمن محمَّد بن علي الشوكاني في (الدُّر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) (ص: 59)، وعلَّامة العراق محمود شكري الأُلوسي في (غاية الأماني في الرد على النبهاني) (2/349)، وكثير من المعاصِرين.
(15) انظر على سبيل المِثال: (بردة المديح المباركة) (ص: 9)، و(العمدة شرح البردة) (ص: 41).
(16) كان على صِلة بأبي الحسن الشاذليِّ صاحِب الطريقة المشهورة عند الصوفيَّة، ولَمَّا مات لازم تلميذَه ووارثَ طريقته أبا العباس المرسي؛ يقول مادحًا الشاذليَّ وطريقتَه- كما في (ديوانه) (ص: 105):
إنَّ الإمامَ الشاذليَّ طريقُه في الفضلِ واضحةٌ لعين المهتدي
فانقُل ولو قَدَمًا على آثارِه فإذا فَعلتَ فذاك آخِذ باليدِ
واسلكْ طريقَ مُحمَّدي شريعة وحقيقةً ومُحمَّدي المحتدِ

ويقول مادحًا أبا العباس المرسي- كما في (ديوانه) (ص: 108):
فاصْحَبْ أبا العباس أحمدَ آخِذًا يَدَ عارفٍ بِهَوى النُّفوسِ مُنجِّدِ
فإذا سَقطتَ على الخَبيرِ بدائِها فاصبرْ لـمُرِّ دوائِه وتَجلَّدِ

(17) انظر: ((شذرات الذهب)) لابن العماد (5/432)، ((الوافي بالوفيات)) للصفدي (3/105)، ((فوات الوفيات)) للكتبي (3/362)، ((المقفى الكبير)) للمقريزي (5/661)، ((حسن المحاضرة)) للسيوطي (1/570).
(18) تُفاجأ وأنت تقرأ لبعض المعاصرين الألقابَ التي تُطلَق عليه من مِثل: الإمام، العالِم، العامِل....، وبالَغ الهيتميُّ في مُقدِّمة شرحه للهمزية (1/105) في مدحه، فقال: (الشيخُ الإمام، العارِف الكامِل! الهُمام، المحقِّق، البليغ، الأديب، المدقِّق، إمام الشُّعراء، وأشعرُ العُلماء، وبليغُ الفصحاء، وأفصحُ الحُكماء.....)!
وقال فيه الحسنُ بن محمد الفاسي - وهو من المعاصرين- عند ترجمته في ((طبقات الشاذليَّة الكبرى)) (ص99): (الإمام الرَّبَّاني، والعارف الصَّمداني، الأستاذ الفاضل، والملاذ الكامِل، شمس الملَّة، وبرهان الأمَّة، شيخ المحقِّقين، وملاذ أهل التَّمكين...بلغ رضِي الله عنه الغوثيةَ الكبرى، ودام له الاجتماعُ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام)!
(19) ذكَر ذلك المقريزيُّ في ((المقفى الكبير)) (5/664) عن اليعمري في ((مسالك الأبصار))، وقال أيضًا (5/669): وحُكي أنَّه كان قليلَ المعرفة بصناعة الكتابة.
(20) له قصيدةٌ طويلةٌ رائعة سمَّاها (المخرج والمردود على النَّصارى واليهود) تدلُّ على أنه كان خبيرًا بهم وبمعتقداتهم. انظر: ((ديوان البوصيري)) للطباع (ص: 158).
(21) انظر: ((ديوان البوصيري)) للطباع (ص: 226).
(22) التِّلِّيسة: وِعاءٌ يُسَوَّى من الخُوص شِبه القُفة، وَهِي القِنِّينَة الَّتِي تكون عِنْد العَصَّارين، وَيَقُول عَامَّةُ مصر للجوالق الضَّخم (تَليس) بِفَتْح التَّاء. ينظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (12/ 267)، ((المعجم الوسيط)) (1/ 87).
(23) الكوانين: جمع (الكانون) وهو الموقد، والثَّقيل الوخم من النَّاس، والَّذي يجلس حتَّى يتَبَيَّن الأخبارَ والأحاديث؛ لينقلَها. ينظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (9 / 335)، ((المعجم الوسيط)) (2/ 801).
(24) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص: 119)، انظر إلى استغاثته ببهاء الدين في البيت الأول وإلى غلوه في البيت الخامس.
(25) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص: 156).
(26) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص227)، وانظر الغلوَّ في البيت الثاني.
(27) بِلْبِيسُ- بكَسْرِ الباءين، وسكون اللام، ويقال: بُلْبَيْس بضم الباء الأولى وفتح الثانية-: مدينة بمِصر بالشَّرقِيَّة بينها وبين فُسطاط مصر عشرة فراسخ على طريق الشام، فتحت في سنة 18هـ أو 19هـ على يد عَمرِو بن العاص رضي الله عنه. ينظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (1/ 479)، ((تاج العروس)) للزبيدي (15/ 466).
(28) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص: 149).
(29) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص115).
(30) انظر الصفحات: 81، 84، 112، 116، 120، 128، 140، 147، 150، 228، وغيرها من ((ديوان البوصيري)) للطباع.
(31) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص: 112)، وانظر الغلوَّ في البيت الأخير.
(32) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص: 117).
(33) هناك من أمور الغيبِ ما أَطْلعه الله على مَن ارتضاهم مِن رُسله، ومنهم نبيُّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، لكن البُوصيري يزعم أنَّ ما في اللوح المحفوظِ بعضٌ ممَّا عندَه صلَّى الله عليه وسلَّم، فقوله: (ومِن عُلومك) مِن هنا: للتبعيض؛ ولذلك يقول الهيتميُّ شارحًا هذا البيت: (ووجه كون عِلم اللَّوحِ المحفوظ من بَعضِ علومه صلَّى الله عليه وسلَّم: أنَّ الله أَطْلعه ليلةَ الإسراء على جميعِ ما في اللَّوح المحفوظ، وزاده عُلومًا أُخر كالأسرارِ المتعلِّقة بذاته سبحانه وتعالى وصِفاته)) انظر: ((العمدة شرح البردة)) (ص: 699).
ولَمَّا حارَ بعضُهم وأراد أن يخرُجَ من هذا المأزق أتَى بما يُضحك، فقال: (قال الشُّراح: المرادُ باللَّوح ما يَكتُب الناس عليه، وبالقَلَم: ما يَكتُبون به، فكأنَّه قال: ومِن عُلومك عِلْم الناس الذي يَكتُبونه بأقلامِهم في ألواحِهم). انظر: ((نحت حديد الباطل وبرده)) لداود النقشبندي (ص: 39)، ((البلسم المريح من شِفاء القلب الجريح)) لعمر كامل (ص: 14).
(34) انظر: ( المنح المكية شرح الهمزية للهيتمي) (1/146).
(35) انظر: ((العمدة شرح البردة)) للهيتمي (ص: 289).
(36) انظر: ((المنح المكيَّة شرح الهمزيَّة)) (2/652).
(37) انظر: ((العمدة شرح البردة)) (ص: 411-413).
(38) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص: 60).
(39) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص: 90)
(40) محاتد: جمع مَحْتِد، وهو: الأَصْل والطبعُ؛ يُقال: إِنَّه لكريم المحتِدِ، ورجعَ إلى مَحتدِه. ينظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (3/ 139)، ((المعجم الوسيط)) (1/ 154).
(41) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص: 92)
(42) يُصْمِ: يَقْتُل، مِن أَصْمَى الصَّيدَ إذا رماه فقتَلَه وهو يراه.
أو يَصِمِ: يُعيب من الوَصْم، وهو العيبُ والعار. ينظر: ((الصحاح)) للجوهري (5/ 2052) (6/ 2404).
(43) انظر: ((ديوان البوصيري)) (ص: 103).
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-02-15, 12:24 PM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
Lightbulb مقال مميز جداا

مقال مميز جدا
أقوالُ الفقهاءِ في تغطيةِ وجهِ المرأةِ بين الفَهم والوَهم

الشيخ الدكتور منصور بن حمد العيدي
14 ربيع الأول 1436هـ


الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ
أمَّا بعدُ:
فلقدِ اطلعتُ على مقالةٍ للدكتور حاتم العوني- وفَّقه الله- في صفحته في (الفيس بوك)، يُؤكِّد فيها على أنَّ أئمَّةَ المذاهب يَرَون أنَّ وجهَ المرأة وكفَّيها ليسا بعورةٍ، وأنه يحلُّ كشفهما، وذكر لذلك نُقولًا عن أرباب المذاهب يرَى أنها تُؤيِّد صحَّةَ ما ذهب إليه، وليتَه وقَف عند هذا الحدِّ، لكن المؤسِف أنَّه– سامحه الله- حشَى مقالَه بعباراتٍ لا تليقُ بمِثله لا عِلمًا ولا نَسبًا، وكنتُ أظنُّ أنَّها سَوْرةُ غضبٍ وسَرعانَ ما يتنبه لها الدكتور حاتم ويُجري تعديلًا عليها، إلَّا أنه للأسف الشَّديد أصرَّ عليها وردَّ على مَن عاتَبه على تِلك الألفاظ في صَفحته أيضًا لاحقًا!!

وبعدَ قِراءتي للمقال وجدتُ أنَّه من المناسب التَّذكيرُ والتنبيهُ على بَعضِ الضوابطِ والملحوظاتِ التي ينبغي مراعاتُها عند بحْث مسألة كشْف الوجه، وهي مفيدةٌ أيضًا في نِسبة الأقوال إلى الأئمَّة بشكلٍ عامٍّ، وأحسبُ أنَّ عدمَ مراعاةِ هذه الملحوظات سيُوقِع الباحثَ في خَلل في التصوُّر، ومِن ثَمَّ لن يصلَ إلى النتيجة المَرجُوَّة.
وليس الغرضُ مِن المقال أصالةً مناقشةَ الدكتور حاتم، غير أنَّ ذلك سيقعُ ضِمنًا وتبعًا كما سيَلحَظُ القارئُ الكريم.

الملحوظة الأولى: ليتذكَّرِ الفقيهُ أنَّ كثيرًا ممَّن يتطرَّق إلى هذه المسألةِ ليس مهمومًا بالانتصار للشَّرع ولا للسُّنَّة، وإنما قضيتُه التغريبُ؛ فهو يستغلُّ الخلافَ الفِقهيَّ لإثارة القضية أولًا، ثم ينتقلُ بعد ذلك إلى تثبيتِ أَجندته التغريبيَّة؛ وعليه: فليس يَحسُن التعامُل مع كلِّ أحد يتحدَّثُ عن هذه المسألة بالطريقة الفقهيَّة، فقد يكون من المناسبِ فَضْحُ مشروعِه التغريبيِّ دون التفاتٍ إلى مسألةِ كشف الوجه فقهيًّا.

الملحوظة الثانية: ليَحْذَرِ الفقيهُ مِن أن تُستغلَّ فتواه لهدْمِ الشرع وهو لا يَشعُر؛ وعليه: فليتنبه لسياقِ الحالِ الذي طرَح فيه رأيَه، وليتنبه لِمَا قد يفهمه الناسُ مِن فتواه وهو لا يَشعُر.
لقد همَّ عمرُ رضي الله عنه أن يَخطُبَ الناسَ في مكَّةَ في آخِر حَجَّةٍ له؛ ليُنكر قولَ بعض الناس في أمْر البيعةِ والخِلافة، فأشار عليه بعضُ الصحابة أن يُؤخِّر خُطبتَه ولْيقُل ما شاء في المدينةِ؛ لئلَّا يُفهمَ كلامُه على غير مرادِه، فاستحسنَ المشورةَ وأخَذ بها، فكانت تلك الخُطبة البليغة التي أخرجَها الإمامُ البخاريُّ في صَحيحه.
إنَّ مِن غيرِ المناسب أنْ يتحمَّس مُتحمِّسٌ لعَرْض الخلاف الفقهيِّ في مسألة كشْف الوجه في وقتٍ يقومُ فيه شخصٌ بعَرْض زوجتِه مُتزيِّنة على رؤوسِ الأشهاد؛ فعندها سيفهمُ العامَّةُ أنَّ هذا المتحمِّسُ يُصوِّبُ ذلك الفِعلَ ويؤيِّده؛ فيُسيء إلى نفْسه، وإلى أقوالِ العلماء، وإلى الخِلاف الفقهيِّ، ويُوقِع الناسَ في حَيرةٍ كانوا في غِنًى عنها، وفي آخِر الأمْر أعظمُ الناس فرحًا بصَنيعِه هم أبعدُ الناس عن شرْع اللهِ، بل هم المحاربِون له!
كم هي غفلةٌ عظيمة أن يَتطوَّعَ الفقهاءُ لخِدمة المشروعِ التغريبيِّ وهم لا يَشعرون!
وهذه الملحوظةُ لا تقتصرُ على مسألتنا هذه، بل يَنبغي أن تكون منَّا على بالٍ في عُمومِ الطرح الفِقهي.

الملحوظة الثالثة: مَن أراد بحْثَ مسألة حُكم كشف المرأة لوجهها، أو عورة المرأة بشكلٍ عامٍّ، وآراء العلماء في ذلك، فمن الخطأ الاقتصارُ في ذلِك على آيةِ سورة النور، وهي قولُه تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31]، بل عليه أن يضمَّ إلى ذلك ابتداءً الآياتِ الواردةَ في الحجاب عمومًا، ثم السُّنَّة؛ وعليه: فلا يَقتصِر على ذِكر أقوال المفسِّرين في بعضها، ويُهمل أقوالَهم في بقيَّتها، بل عليه أن يَجمعَ أقوالهم في جميعِ آيات الحجاب؛ لينظرَ في حقيقة مُرادهم، وإلَّا فإنه سيُخطئ في نِسبة الأقوال إلى أصحابها، ومِن ثَمَّ لن يكونَ ترجيحُه مستقيمًا، وأضرِبُ لذلك مثلًا مِن هذه المسألة التي نحن بصددها بشكلٍ مختصَر:

يَرى أبو بكرٍ الجَصَّاص أنَّ الزِّينةَ المستثناة في الآية السابقة، المباحَ إبداؤُها هي: الوجهُ والكفَّان[أحكام القرآن 5/172]، فلو أنَّ باحثًا اقتصَر على هذا لتَوهَّم أنَّ الجصَّاص يُبيح للمرأة كشْفَ وجهها؛ لأنَّه ليس بعورةٍ؛ ولأنَّه ممَّا استثنى الله، غير أنَّ الباحث لو أكْمَل بحثَه في آية الأحزاب، وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59] لوَجَدَ الجَصَّاصَ نفْسَه يُوجِبُ تغطيةَ الوجه، ويُبيِّن أنه واجبٌ على الحرائر دون الإماء؛ يقول- رحمه الله -: (في هذه الآية دَلالةٌ على أنَّ المرأةَ الشابَّةَ مأمورةٌ بسَتْر وجْهِها عن الأجنبيِّين، وإظهارِ السِّترِ والعفافِ عند الخروجِ؛ لئلَّا يطمعَ أهلُ الريب فيهنَّ، وفيها دلالةٌ على أنَّ الأَمَةَ ليس عليها سترُ وجهها وشَعرها؛ لأنَّ قوله تعالى: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} ظاهرُه: أنه أراد الحرائرَ، وكذا رُوِي في التفسير؛ لئلَّا يكُنَّ مِثلَ الإماء اللاتي هنَّ غيرُ مأموراتٍ بستر الرأس والوجه، فجَعَل السِّترَ فَرقًا يُعرَفُ به الحرائرُ من الإماء) [أحكام القرآن 5/245]، فمَن نظَر إلى النصِّ الأوَّل فقط سيحكُم بأنَّ الوجه مُباحٌ كشفُه عند الجصَّاص، ومَن نظَر إلى النص الثاني فقط عكَس القضيةَ، وفي ذلك إساءةٌ للعالِم، وقد يُسارعُ مسارعٌ إلى الحُكم بالتناقُضِ، أو يحاولُ تقديمَ أحد النصَّينِ على الآخَر، غير أنَّ المتعيِّن هو التدقيقُ في فَهم النصَّينِ، ووضْعُ كلٍّ في موضعِه، وعدمُ ضرب بعضها ببعض.

إنَّنا بحاجةٍ ماسَّة لاستيعاب هذه القضية عمومًا، وبشكلٍ خاصٍّ في مسألة عورة المرأة؛ لأنَّنا في واقع الأمر سنجِدُ عددًا من العلماء ومِن أهل التفسيرِ- ممَّن حُكي عنه القولُ بأنَّ الزِّينة في سورة النور هي الوجهُ واليدان- ينصُّ في آيةِ الأحزابِ على وجوبِ تغطية الوجه، منهم الآن الحَبْر ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما، والحسن، وإبراهيم النَّخَعي، وقتادة. [تفسير ابن أبي حاتم 8/2574، المحرر الوجيز 7/147، وتفسير القرطبي 17/230]، ونسَب الواحديُّ هذا القولَ للمفسِّرين ولم يَحكِ خلافًا، كما في الوسيط 3/482 والبسيط 18/292، بل هو ظاهرُ اختيار الطبريِّ 19/181.
ويَتبيَّن لنا مِن هذا: أنَّ مَن قال: إنَّ آية النور هي في الوجه واليدين، فلا ينبغي الاستعجالُ، وأن ننسُبَ إليه أنَّه يُبيح كشْفَ الوجه مطلقًا،، وأظنُّ سائلًا يقول: فما مرادُهم إذن؟ وهو ما سأوضِّحه في الملحوظة التالية

الملحوظة الرابعة:
ظهَر لنا من خلال النَّقل السابق أنَّ قولَ بعض العلماء من المفسِّرين وغيرهم: إنَّ الزينةَ المباحَ إبداؤُها هي الوجه والكفان، لا يعني بالضرورة أنَّه يُجوِّز كَشفَهما مطلقًا، والسؤال هو: فما مرادُ هؤلاء بإظهارها إذن؟
والجواب: للعلماء في ذلك توجيهاتٌ مُتعدِّدة، أذكر منها ما يلي:

- أنَّ هذا كان في أوَّل الإسلام، وقبلَ نزول آية الحجاب التي في سورة الأحزاب، وهو رأي شيخ الإسلام. [مجموع الفتاوى 22/110] وانظر ثَمَّةَ مُؤيِّداتِه.
- أنَّ الاستثناء مرادٌ به ما يقعُ بضرورةِ حركةٍ فيما لا بدَّ منه، أو إصلاح شأنٍ، ونحو ذلك؛ فما أدَّتْ إليه الضرورةُ فهو معفوٌّ عنه، وهو قول ابن عطية. [المحرر الوجيز 6/375].
- أنَّ المرادَ ما ظهَر منها بغير اختيارها، كأنْ كشفته الريحُ، وهو رأي الشِّهاب الخفاجي، وأيَّد كلامَه أنَّ الآية هي فيما ظهَر لا فيما أَظْهَرْن. [حاشية الشهاب 6/372]، والفرق بينه وبين ما قَبْلَه: أنَّ السابق أظهرتْه هي لحاجةٍ أو ضرورة، وأمَّا هذا فظَهَر بغير اختيار.
- أنَّ المراد جوازُ إظهارها للحاجةِ المعتبرة شرعًا، كالعلاج والشهادة ورؤية الخاطِب، وهو رأيُ جمهرةٍ من الحنفيَّة والشافعيَّة. المرجع السابق.
- أنَّ المراد بالزينة هنا: الزِّينةُ التي نُهي عن إبدائها، لا ما أُبِيحَ إبداؤُه. [تفسير ابن كثير 6/45].

وليس مُرادي حصْرَ توجيهات المفسِّرين- لابن عبَّاس توجيهٌ سيأتي قريبًا- وإنَّما توضيحُ عدم الملازمة بين تفسير الآية بالوجه والكفَّين وبين إباحةِ كَشفهما مطلقًا؛ وعليه: فمَن قال بالأوَّل لا يصحُّ أن يُنسَب له الأمرُ الثاني إلَّا بكلام صريح، بل إنَّه من العسير جدًّا أن نرى عالِمًا يُشار له بالبنان يُبيح صراحةً لِمَن تُلفِتُ الأنظارَ أن تَبرُز للناس غاديةً ورائحةً كاشفةً وجههَا، فضلًا عن أن تكونَ متجمِّلةً بأنواع الزِّينة، بل على العكس من ذلك يَنصُّون على تحريمه، فهذا أبو الحسن ابن القطَّان مع أنه يرى أنَّ الوجه ليس بعورةٍ، إلَّا أنه يقول: (إذا قَصَدتْ بإبداء ذلك- الوجه والكفين- التبرُّجَ وإظهارَ المحاسن، فإنَّ هذا يكون حرامًا) [النظر في أحكام النظر ص 62].
فإنْ قال قائل: فما حقيقةُ قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما في ذلك؟

ورَدَ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في تفسير آية النور أنَّ المراد الوجه والكفَّان، وكل الطرق إليه في ذلك ظاهرةُ الضَّعْفِ سِوى ما جاءَ من طريق عليِّ ابن أبي طلحةَ، عن ابن عبَّاس، والأقرب إنْ شاء الله أنَّها طريقٌ حسنةٌ- على خِلافٍ في ذلك؛ لأنَّ ظاهرها الانقطاع– ولفظه: (قال: والزِّينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكُحل العين، وخِضاب الكفِّ، والخاتم؛ فهذه تَظهَرُ في بيتِها لِمَن دخَل مِن الناس عليها). [الطبري 17/259]. فإذا تأمَّلنا في هذا النصَّ وجَدْنا أنَّ ابن عباس لا يأذن للمرأةِ أن تَخرُجَ للناس باديةً ذلك، وإنما في بيتها، أي: لمحارمها، وليس لغيرهم، وهذا مقطوعٌ به، ومع ذلك نصَّ عليه ابنُ عبَّاس في تفسيرِ قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ}... إلى قوله: {عَوْرَاتِ النِّسَاءِ}- قال: الزِّينةُ التي تُبديها لهؤلاء: قُرطاها، وقِلادتها وسِوارها، فأمَّا خَلْخَالَاها ومِعْضَداهَا, ونَحْرُها، وشَعرُها؛ فإنَّه لا تُبديه إلَّا لزَوجِها. [الطبري 17/264]، فابن عبَّاس يُشدِّدُ فيما تُبديه المرأة لمحارمها خلافَ ما يظنُّه بعضُهم من تَساهُله رضِي الله عنه، وأنَّه يُبيح للمرأةِ أن تُبدي ذلك لكلِّ أحد، وهذا المرويُّ عن ابن عباس هنا يتوافَقُ مع روايته الأخرى في سورة الأحزاب من طريقِ عليِّ بن أبي طلحة أيضًا، حيث قال: (أمَر اللهُ نِساءَ المؤمنين إذا خَرجْنَ مِن بُيوتهنَّ في حاجةٍ أن يُغطِّين وجوههنَّ مِن فوق رؤوسهنَّ بالجلابيب، ويُبدين عينًا واحدةً). [الطبري 19/181].

فانظرْ هنا كيف نصَّ ابنُ عباس على الخروجِ ولم يذكره هناك، وأوجب هنا تغطيةَ الوجه وهناك جعَل كشفَهما للمحارمِ؛ فليس بين قولي ابن عباس أيُّ تعارُضٍ لا مِن قريبٍ ولا من بعيد، وتأمَّل الجنايةَ على أقوال ابن عبَّاس حين يَزعُم بعضُهم أنَّها متعارضةٌ، ثم يتطلَّب ترجيحَ بعضها على بعضِ بأقوال تلاميذِ ابن عباس!!!

وواقعُ الأمر: أنَّ كِلتا الرِّوايتينِ بنفس الإسناد، ومتونها لا تتعارض؛ فلا حاجةَ للترجيح أصلًا، كما أنَّ الترجيحَ بأقوال تلاميذ ابن عباس لا يَحُلُّ الإشكالَ أصلًا؛ لأنَّ جماعةً منهم رُوي عنه وجوبُ تغطية الوجه كما تقدَّم.
بل لو كان الأمرُ يحتاج إلى ترجيحِ أحد النصَّينِ على الآخَر، لكان الأَوْلى تقديمَ النصِّ المانع من كشْف الوجه؛ لأنَّ له شاهدًا على شرْط الشيخين يَذكر فيه ابنُ عباس تَغطيةَ المُحرِمة لوجهها- مع أنها مُحْرِمة– ويَذكر فيه تفسيرَ إدناءِ الجلباب– وهو ما رواه أبو داوودَ في مسائله لأحمدَ، عن ابن عباس قال: (تُدني الجلبابَ إلى وَجهِها، ولا تَضْرِبُ به».
قال رَوْحٌ في حديثِه، قُلتُ: وما لا تَضرِبُ به؟ فأشارَ لي كما تُجَلْبِبُ المرأةُ، ثُمَّ أشارَ لي ما على خَدِّها من الجِلبابِ، قال: تَعْطِفُه وتَضرِبُ به على وَجْهِها، كما هُو مَسْدُولٌ على وجْهِها) [ص: 155]، فأوجب ابنُ عباس على المحرِمة هنا غطاءَ الوجه، وتبيَّن بالنص أنَّ الإدناءَ سدلُه على الوجه.
والترجيح بالنصِّ المؤيِّد أَوْلى اتفاقًا مِن الترجيحِ بأقوال التلاميذ.
فظهَر بهذا حقيقةُ قول ابن عباس، وأنَّه لا يَحِلُّ أنْ يُنسب إليه السفورُ.

وإذا كانت هذه حقيقةَ قول ابن عباس؛ فهل صحَّ عن الأئمَّة؛ أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، أنَّهم أباحوا للمرأةِ كشْفَ وجهها؟ وما مرادُ أتْباعهم حين نَسبوا إليهم أنَّ وجه المرأة ليس بعورةٍ؟
وقَبل الإجابة أحبُّ أن أُذكِّر بما يلي:

الملحوظة الخامسة: يجبُ على الباحث أن يُفرِّق بين عورة الصَّلاة بالنسبة للمرأةِ، وعورةِ النَّظر؛ وعليه: فإذا وجَدْنا نصًّا عن عالِم يذكر فيه أنَّ عورةَ المرأة في الصَّلاة الوجه والكفَّان، فلا ينبغي أن نسحبَ ذلك على عورةِ النَّظرِ وما يَنبغي أن تَستُره.
في المعيار المعرب (1/402): (لأنَّ عورة الصلاة والعورة التي يجوزُ النظر إليها نوعانِ مُختلفان؛ ولذلك يوجد أحدُهما دون الآخَر, فالمَحرَمُ يَنظُر إلى ذِراع ذات مَحْرَمِه وغير ذلك مِن أطرافها, ولا يجوزُ إبداؤها ذلك في الصَّلاة، والزوج يرَى من زوجته أكثرَ ومِن نفْسه ما لا يجوزُ إبداؤُه في الصَّلاة، والعورة في نفسها تختلف أحكامُها في الصلاة؛ فإنْ أبدت الحُرَّةُ شَعرَها أو صدْرَها أو ظهورَ قدميها أعادتْ في الوقت خاصَّةً على المشهور, وذلك حرامٌ على الأجنبيِّ النظرُ إليه، وفي العورة الحقيقيَّة تُعيد أبدًا كالرَّجُل، والنظر إلى العورةِ مِن الرَّجُل لا يَحِلُّ بحالٍ مع الاختيار, وطلبُ سَتْر العورةِ لذات الصَّلاة في الخَلوةِ مُختلَفٌ فيه؛ فدلَّ جميعُ هذا على أنَّ للعورةِ بالنسبة إلى النَّظر حُكمًا، وبالنسبة إلى الصَّلاة حُكمًا آخر, يدلُّ على طلب ستر الوجهِ للحُرَّة أنَّها لو صَلَّتْ متنقبة لم تُعِدْ).
وقال شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة: (فليستِ العورةُ في الصلاة مرتبطةً بعورة النَّظر، لا طردًا ولا عكسًا) [مجموع الفتاوى 22/115]. وأنصح بمراجعة كلامِه في هذا مِن أوَّلِه– رحمه الله.

الملحوظة السادسة: يَنبغي لشرح أقوال العلماء معرفةُ ما فَهِمه أتباعُهم من ذلك، وقد أحسن الدكتورُ حاتم حين قال مُعلِّلًا لذلك: (فهُمْ أعرفُ الناس بأقوالِه وآمنُهم على مذهبِه)، لكن ينبغي مع ذلك التأكُّدُ من عدم وجودِ الخِلاف بينهم، وأنْ يكون الباحثُ على دِرايةٍ بطُرق تحرير قولِ المذهب حين يوجدُ الخلافُ فيه.

إذا تَقرَّر هذا؛ فلننظر إلى أقوال المذاهبِ مُبتدئين بأبي حنيفةَ.
جاءَ عن أبي حنيفةَ ما ذكَرَه الدكتور حاتم من قولِ محمَّد بن الحسن: (وأمَّا المرأةُ الحُرَّة التي لا نِكاحَ بينه وبينها ولا حُرمة ممَّن يَحِلُّ له نكاحُها، فليس ينبغي له أن يَنظُرَ إلى شيءٍ منها مكشوفًا إلَّا الوجه والكف، ولا بأسَ بأنْ ينظُرَ إلى وجهها وإلى كفِّها ولا يَنظُر إلى شيءٍ غيرِ ذلك منها، وهذا قولُ أبي حنيفة، وقال الله تبارك وتعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31]، ففسَّر المفسِّرون أنَّ ما ظَهَر منها الكُحلُ والخاتم، والكحلُ زينةُ الوجه، والخاتم زينةُ الكفِّ؛ فرُخِّص في هاتين الزينتين، ولا بأسَ بأن ينظُر إلى وجهها وكفِّها إلَّا أن يكونَ إنَّما ينظُر إلى ذلك اشتهاءً منه لها) [الأصل 53 -54].
وظاهره جوازُ النظر إلى وجْه الأجنبيَّة وكفِّها، وأنَّهما الزينةُ المباح إظهارُها بشَرْط عدم الاشتهاء!!

والسؤال هنا: هل يُبيح أبو حنيفة كشْفَ الوجه مطلقًا، وهل يُجوِّز للنساءِ الخروجَ بين الرِّجال كذلك، وهل يصحُّ للرجِّال النظرُ لوجوههنَّ كيفما شاؤوا إذا لم يَحصُل اشتهاءٌ؟
إنَّ مَن يقرأ هذا النصَّ قدْ يتوهَّم ذلك، ولكن مَن يطَّلع على آراء أبي حنيفة والحنفيَّة في مسائلَ أخرى متعلِّقة بالنساءِ سيَضَعُ هذا النقلَ مواضعَه.

ومن هذه الآراء ما يلي:
1- يَمنع أبو حنيفة غيرَ العجائزِ من شُهودِ الجماعة؛ لغلبة الفسادِ، وأمَّا العجائز فأباح لهنَّ حُضورَ فرضينِ فقط، ثم جاء متأخِّرو الحنفيَّة ومَنعوا حضورَ النِّساء كافَّةً كلَّ الفروض، وبيَّنوا أنَّ هذا هو حقيقةُ قول أبي حنيفة، وأنَّ المنع مِن حضور مجالسِ الوعظِ والاستسقاءِ أَوْلى وأَوْلى. [البحر الرائق 1/380]ٍ.
2- يرَى الحنفيَّةُ أنَّ للزوج الحقَّ في ضَرْب زوجته على خروجها من البيت إلَّا لزيارةِ المحارم؛ فيجوز في السَّنةِ مرَّةً، وأمَّا الوالدان فاشترط أبو يوسفَ أنْ لا يتمكَّنَا من المجيء إليها، وقالوا: إنَّ زيارتها لوالديها في الأسبوع مرَّةً كثيرٌ مخالف للأمْر بالقرارِ في البيت، ولأنَّ في كثرةِ الخروج فتْحَ باب الفِتنة!! [شرح فتح القدير 4/398، درر الحكام 1/416].
3- عند الحنفيَّة أنَّ ما تستأذن له الزوجةُ للخروج سبعةُ مواضع فقط، وهي: زيارة الأبوين، وعِيادتهما، وتَعزيتهما، وزيارة المحارم، وإنْ كان لها حقٌّ مِن دَين أو غَيره أو لغيرِها عليها حقٌّ، والسادسة: القابلةُ، والسابعة: المُغسِّلة. وفيما عدا ذلك تُمنع، فتُمنَع من زيارةِ غير المحارمِ، ومِن الوليمةِ والعِيادة، ولو أذِن لها الزوجُ فإنَّه وإيَّاها عاصيانِ!!!. [البحر الرائق 1/380].
4- يرى الحنفيَّة أنَّ الزوجة التي تُوفي عنها زوجُها وله أبناءٌ من غيرها وهم في بيت واحدٍ، أنَّ عليهم أن يضعوا سِترًا بينهم وبينها- مع أنَّهم محارمُ بالاتفاق- ويُنظر توجيه ذلك عندهم. [البحر الرائق 4/168].
5- المشهور عند الحنفيَّة أنَّه لا يحلُّ للمرأة رفْعُ صوتها عند الأجنبيِّ حتى لو قيل: إنَّه ليس بعورة. [شرح فتح القدير 1/260، حاشية ابن عابدين 1/406].
6- يرَى الحنفيَّة أنَّ ما يَنظُر إليه الخاطبُ الوجهُ. [بدائع الصنائع 5/122].
7- يرَى الحنفية أنَّ المحرِمة تُغطِّي وجهَها عن الأجانب وجوبًا، وأنَّه يستحبُّ لها ذلك عند عدمهم. [حاشية ابن عابدين 2/528].

فهذا غيضٌ من فيضٍ مِن آراء الحنفيَّة، وفيها من التشديد ما ترَى؛ أفيُعقَلُ بعد هذا أن يُنسَب إليهم تجويزُ خروجِ النِّساءِ عامَّةً، والشوابِّ خاصَّةً إلى الأسواقِ والمقاهي ونحوِها وقد كشَفْنَ وجوههنَّ، والرِّجال ينظرون إليهنَّ؟!!
إذا كانت المتزوِّجةُ لا تخرُج عندهم في منصوص أئمَّتهم إلَّا إلى أماكنَ خاصَّةٍ؛ فما قولهم في الشابَّة والعزباء؟! وإذا كان الخاطبُ عندهم لا يرَى إلَّا الوجهَ؛ فما قِيمةُ ذلك لو كانوا يُبيحون كشْفَ الوجه مطلقًا ونظَرَ الرجال إليه؟! سيكون هذا مِن تحصيل الحاصلِ، وتأمَّل كيف أوجبوا على المُحرِمةِ سترَ وجهها مع أنَّ إحرامها في وجهِها؟!

إنَّ مراد الإمام بعيدٌ كلَّ البُعدِ أن يُراد به كلُّ النِّساء وعمومُ الناظرين وفي كافَّة الأحوال، ولا أقول هذا القول لِمَا تَقدَّم فحسبُ، بل لِمَا سأورده الآن من عِبارات أئمَّتهم المانعة من كشْف الوجه والنَّظر إليه، مُذكِّرًا نفْسي وإخوتي بأنَّه لا ينبغي أنْ نختارَ من أقوال أتْباع المذاهب ما يَروقُ لنا، ثم نجعله المذهبَ أو قولَ إمام المذهب!
في المحيط البرهاني في الفقه النعماني (8/ 291): (والنظرُ إلى الأجنبيَّة مع ما فيه من خوفِ الفِتنة لا يجوزُ إلَّا لضرورة).
وقال في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/ 285): (ودلَّتِ المسألةُ على أنَّ المرأةَ لا تَكشِف وجهَها للأجانبِ من غيرِ ضرورةٍ).
في البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق 1/284: (قال مَشايخُنا: تُمنَعُ المرأةُ الشابَّةُ من كشْفِ وجهِها بين الرِّجال في زَماننا للفِتنة).
وفي مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 1/81: (وفي المُنتقَى: تُمنَعُ الشابَّةُ عن كشْفِ وجهِها؛ لئلَّا يُؤدِّي إلى الفِتنة، وفي زَمانِنا المنعُ واجبٌ، بل فرضٌ؛ لغلبة الفسادِ).
وفي حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص241: ("إلَّا وجهها" ومنع الشابَّة مِن كَشْفِه؛ لخوف الفتنة).
وفي حاشية ابن عابدين (رد المحتار) 1/406 – وهو مِن العُمَد في معرفةِ الصَّحيح عند الحنفيَّة-: (والمعنى: تُمنَعُ من الكشْفِ لخوفِ أن يرَى الرجالُ وجهَها، فتقع الفتنةُ؛ لأنَّه مع الكشف قد يقَعُ النظر إليها بشهوةٍ).
وفي الحاشية أيضًا 2/528: (وفي المحيط: ودلَّت المسألة على أنَّ المرأة منهيَّةٌ عن إظهارِ وجهِها للأجانب بلا ضرورة؛ لأنَّها منهيَّةٌ عن تغطيتِه لحقِّ النُّسك، لولا ذلك وإلَّا لم يكُن لهذا الإرخاءُ فائدةٌ. اهـ، ونحوه في الخانية، ووفَّق في البحر بما حاصلُه: أنَّ محمل الاستحباب عند عدَم الأجانب).
ثم بيَّن ابن عابدين أنَّ وجوب التغطية هو رأيُ علماء الحنفيَّة.
وسبَق ذِكر كلام الجصَّاص في وجوبِ غِطاء الوجه في أوَّل البحث.

إنَّ هذه الكوكبةَ من علماء الحنفيَّة أدْرَى بمرادِ أبي حنيفة من كلامِه وأعرفُ بمقصوده، ومن خلال كلامِهم يظهر بجلاءٍ أنَّ ما نقَلَه عنه محمَّد بن الحسن من الكشفِ والنظرِ مُقيَّد بالحاجةِ، أو الضرورة، وأنْ لا يكون الكشفُ ممَّن تمتدُّ إليها الأنظار.
وإنَّ الواقع السيِّئ لكثيرٍ من نِساء المسلمين لا يصحُّ بحالٍ أن يُنسَب تجويزُه لأبي حنيفة- رحمه الله- أو إلى مذهبِه.

وأمَّا مذهب الإمام مالكٍ، فلا يَبعُد عن ذلك، غير أنَّه لا بأسَ من التذكير بأمورٍ، ومعها بعض زِيادات فأقول:
- ما يَنقُله المالكيَّةُ عن الإمام مالكٍ من تفسيرِ الزينة الظاهرة بالوجه واليدين، لا يَعني بالضرورةِ أنَّ الإمامَ يُبيح الكشفَ على كلِّ حال، وأنَّهما ليسَا بعورة، ولا يصحُّ العبثُ بنصوص الأئمَّة؛ ففي مثالنا هذا نقَلَ ابنُ بُكيرٍ أنَّ الإمامَ مالكًا فسَّر الزينةَ في آية النور بالوجه والكفين فحسبُ، ولم يقُلِ ابنُ بكير إنَ مالكًا يرى أنَّهما ليسا من العورة، ولا أنَّه يجوز كشْفه للأجانب، وقد سبَق بيانُ عدم الملازمة بين تَفسيرِها بالوجه واليدين وبين الحُكم عليهما بكونِهما عورةً أو يُباح كشفُهما بإطلاق.

- كذلك ما يَذكُرونه عن عورةِ الصَّلاة لا يَنسحِبُ بالضرورةِ على عورة النَّظر، وقد سبق النقلُ عن المعيار المعرب.
فعلى الباحثِ عن رأيِ الإمام مالكٍ أن يضعَ هذه النقطةَ وما قبلها نُصبَ عينيه؛ ليحسن التعامُل مع النصوص الواردة عن الإمام.

- رأيتُ بعضَ الباحثين، ومنهم الدكتور حاتم، يستدلُّون على إباحةِ الإمام مالكٍ لكَشْفِ الوجه بتناوُل المرأةِ الطعامَ مع غير مَحرَمٍ.
والواقع أنَّ الإمام ما ذَكَر هنا كشْفَ الوجه واليدين، وإنما فَهِم هذا بعضُ المالكيَّة، وخالفَهم آخرون كما سيأتي، نعمْ لو أَطبقوا على هذا الفَهم لاحتَمَل ذلك. ولو سَلَّمْنا جدلًا أنَّ الإمام يرى أنَّ المرأة في هذه الحالة تُبدي وجهَها ويديها، فلا يلزم منه إباحةُ ذلك لكلِّ امرأة، ولعلَّ الإمامَ يَعدُّ هذه من الحاجاتِ المعتبرة شرعًا التي يسوغ معها كشفُ الوجه، وبكلِّ حال لا نستطيع مِن خلال هذا النصِّ فقط- لِمَا يَتطرَّق إليه من احتمالاتٍ- أن نجعلَ ذلك قولًا للإمامِ في عُمومِ الأحوال وعموم النِّساء.

وأؤكِّد على أنَّ المرأةَ قد تأكُل بحضرة أجانب وهي ساترةٌ لوجهها، وقد رأيتُ ذلك عِيانًا، كما أنَّ القاضي عياضًا- رحمه الله- كان أمينًا في نقْله، حيث نقَل تفسيرَ الأزهريِّ لكلامِ مالكٍ بأنَّه أكْل المرأة في الحِجال؛ قال: (وقال الأزهري: معنى قول مالك المتقدِّم فى المؤاكلة ذلك فى الحِجَال– جمْع حَجلة، وهو بيتٌ كالقُبَّة يُستَرُ بالثياب) [إكمال المعلم 6/267، لسان العرب 11/144]، وهذا يُفيد أنها لم تُغطِّ وجهها فقط، بل حجَبَتْ كلَّ جِسمها!
وعليُّ بن الجهمِ حمَل هذا على العجوزِ المتجالَّة. [النظر في أحكام النظر ص 50].
كذلك ما يَنقُلونه عن الإمامِ في مسألةِ الرِّجال يُيمِّمون المرأةَ، ليس فيه التصريحُ بأنَّها كاشفةٌ؛ فقد يُيمِّمون المرأةَ وهي مستورة.
لا سيَّما والإمام مالك يرَى أنَّه لو ماتت امرأةٌ في فلاة ليس معها سوى ابنِها، أنَّه يُغسِّلها من وراءِ الثوب. [النوادر والزيادات 1/551].
سَلَّمْنا أنَّها كاشفةٌ، فلتُحْمَل على الضرورةِ، أو الحاجةِ المعتبرة شرعًا.

وأمَّا إباحة المرأةِ الـمُظاهَر منها أن تكشفَ وجهها لزوجها، فهو لأنْ يكون دليلًا على تغطيته أقربُ منه لأنْ يكون دليلًا على كشْفِه، فقصارى ما يدلُّ عليه أنَّ الظِّهار لا يجعلها محرَّمةً عليه، بل تَبقَى الزوجيَّة، فيراها زوجُها ويراها غيرُه ممَّن أُبيح له ذلِك.
وقد علَّق أبو الحسن ابن القَطَّان على هذه الرِّواية عن مالك، فقال: (يُمكن تأويلُه على أنَّه قد يراه غيرُه للضرورةِ من شهادةٍ، أو خِطبة، أو غير ذلك) [النظر في أحكام النظر ص 49-50]- وإنْ كان لم يَرتضِه، لكنَّه لم يأتِ بشيءٍ ظاهرٍ يردُّه.

وأقول: لو كان الوجهُ مباحًا رؤيتُه لكلِّ أحد، لقال الإمام: وكلُّ أحد له النَّظر، ونحو ذلك مِن العبارات الدالَّة على الحِليَّة المطلَقة، وليس أنْ يقول: ( وقد يَنظُر غيرُه أيضًا إلى وجهِها) وهي عبارةٌ تدلُّ على التقليل، وهنا أنصحُ نْفسي وإخوتي بعدم نِسبة أقوال إلى الأئمَّة أخذًا من عِبارات مُجمَلة، لا سيَّما وقد حارَ فيها أتباعُهم!
لقد سُئل الإمام مالك– كما في البيان والتحصيل 7/296- عن الرجُلِ يَشتري الجارية؛ أترَى أن ينظُرَ إلى كفَّيها؟ قال: أرجو أنْ لا يكون به بأسٌ.
فهذه أَمَة كفَّاها غيرُ عورةٍ إجماعًا، ومع ذلك يُجيب الإمامُ بإجابة المتورِّعِ بادئًا بقوله: (أرجو)؛ فكيف يُنسب له إباحةُ ذلك من الحُرَّةِ مطلقًا؟!
لو كان الإمامُ يَرى أنَّ الكفَّينِ ليسَا من العورةِ، لأجاب بأنَّ ذلك جائزٌ من الحُرَّة، فالأَمَة أَوْلى، لا أنْ يُجيب بهذه الطريقةِ.
كما أنَّ حُدودَ نظر الخاطب عند المالكيَّة هي الوجهُ والكفَّان فقط، وبشَرْط أن يَغلِبَ على الظنِّ إجابتُه!! [الخرشي على مختصر خليل 3/165-166، حاشية الدسوقي 7/330]؛ فلو كانَ مكشوفًا في كلِّ أحوالها؛ فما قِيمةُ تقييد الرؤية بالوجهِ، وبقَيدِ ظنِّ الإجابة أيضًا؟!
ويَرون أنَّ المُحرِمة إنْ خُشِي منها الفتنةُ وجَب عليها أنْ تُغطِّي وجهَها، وإلا استحبَّ ذلك. [حاشية الصاوي 2/75].

ومن خلال ما وقفتُ عليه من نقولٍ كثيرةٍ عن المالكيَّة يظهر أنَّهم يرون وجهَ المرأة عورةً يجبُ سترُها إذا خُشِي منها الفتنة، وإذا نظَر إليها أحدٌ تلذُّذًا كنظر المحدِّق، ولو كانت مُحرِمةً، وأنه يجوزُ أن تكشفَ لحاجةٍ كشهادةٍ، وعلاجٍ، ورؤيةِ خاطب، والعجوزُ يجوزُ لها ذلك، أمَّا الكافرُ فعندهم جميعُ جسدِها بما في ذلِك الوجه والكفَّان عورةٌ، لا يَحِلُّ لها أن يرَى الكافرُ الأجنبيُّ منها شيئًا.
وبناءً على ما تَقدَّم فلا يصحُّ للمرأة أنْ تَخرُجَ بين الرجال كاشفةً؛ لأنَّه لا يخلو الأمرُ من ناظرٍ بتلذُّذ، وليستِ الفتنةُ مأمونةً، ولَمَّا كان مآلُ الأمر في الواقع إلى التغطية اختارَ جمهرةٌ من المالكيَّة أنَّ كلَّ بدن المرأة عورةٌ، كابن عطية، وابن العربي، والقرطبي.

إنَّ النُّصوصِ عن المالكيَّة بوجوب ستر الوجه كثيرة جدًا، وقول علماء المالكية بكون الوجه واليدان ليسا بعورة لا يريدون به إباحة الكشف مطلقًا وإنما عند الحاجة والضرورة
وأسوق الآن طرفًا من هذه النصوص:
قال ابنُ خُويز منداد: (إنَّ المرأةَ إذا كانتْ جميلةً وخِيف من وجهِها وكفَّيها الفتنةُ، فعليها سترُ ذلك، وإنْ كانت عجوزًا أو مقبَّحة، جاز أن تكشفَ وجهها وكفَّيها). القرطبي 12/229.
وفي البيان والتحصيل (4/ 428): (فجائزٌ للرَّجُل أن يَنظُر إلى ذلك من المرأةِ عند الحاجةِ والضرورة)، أي: الوجه والكفَّين.
وقال الحطَّاب: (واعلم أنَّه إنْ خُشي من المرأة الفتنةُ يجبُ عليها سترُ الوجه والكفَّين؛ قاله القاضي عبد الوهاب، ونقلَه عنه الشيخُ أحمد زروق، وهو ظاهرُ التوضيح) [مواهب الجليل 1/499].
قال في الفواكه الدواني 2/277: (اعلم أنَّ المرأةَ إذا كان يُخشى من رُؤيتها الفتنةُ، وجَبَ عليها سترُ جميعِ جسدِها، حتى وجهِها وكفَّيها).
وفي 2/313: ("وأمَّا المُتجالَّة" وهي العجوزُ الفانية "فله" أي: الأجنبي "أن يرَى وجهَها" وكفَّيها "على كل حال"، ولو لغيرِ عُذر؛ للأمنِ ممَّا يحصُل برؤية الشابَّة).
في الشرح الكبير 1/214: (فإذا خِيف من أَمَة فِتنةٌ وجَب سترُ ما عدا العورةِ؛ لخوف الفتنةِ، لا لكونها عورةً، وكذا يُقال في نظيره كستر وجهِ الحرَّة ويديها).
وفي حاشية الصاوي 2/75 عن المحرِمة قال: (حاصلُ المعتمَد: أنَّها متى أرادتِ السترَ عن أعينِ الرِّجالِ، جاز لها ذلك مطلقًا، عَلِمتْ أو ظنَّتِ الفِتنة بها أم لا، نعمْ إذا عَلِمتْ أو ظَنَّت الفتنة بها وجَبَ كما قال الشارحُ) قال الزرقاني: لأنَّه يصير عورةً. [شرح الزرقاني على مختصر خليل 2/290].
وفي جواهر الإكليل 1/41: (وأمَّا الأجنبيُّ الكافر فجميعُ جسدِها، حتى وجهها وكفَّيها، عورةٌ بالنسبة له).
قال ابنُ عَطيَّة: (لَمَّا كانتْ عادةُ العربيَّات التبذُّلَ في معنى الحِجْبة، وكنَّ يكشِفْنَ وجوههنَّ كما يفعلُ الإماءُ، وكان ذلك داعيةً إلى نظر الرِّجال إليهنَّ، وتشعُّب الفِكر فيهنَّ- أمَرَ الله تعالى رسولَه عليه السلام بأمرهنَّ بإدناءِ الجلابيب؛ ليقعَ سترُهنَّ، ويَبِين الفرقُ بين الحرائر والإماء، فيُعرف الحرائرُ بسترهنَّ) [المحرر الوجيز 7/147].
وقال ابن العربي في أحكام القرآن 3/616: (والمرأةُ كلُّها عورةٌ؛ بَدنُها وصوتُها، فلا يجوزُ كشفُ ذلك إلَّا لضرورةٍ أو لحاجةٍ، كالشَّهادة عليها).

أنتقل الآن إلى مذهب الشافعيِّ مُبتدئًا بعِدَّة نِقاط:
- إنَّ ما ورد عن الإمامِ من نقولٍ؛ إمَّا أن تكونَ في عورةِ الصلاة، وإمَّا أن يكون تفسيرًا لآية النور، وسبَق أنه من الخطأ تنزيلُ ذَينك الأمرينِ على عورةِ النظر.
- جاء عن الشافعيِّ إباحةُ نظر الخاطب إلى الوجه والكفَّين فقط. [مختصر المزني الملحق بكتاب الأم 8/264]، وقد ذكرتُ دلالةَ هذا على تغطية الوجه والكفَّينِ سابقًا.
- إنَّ المعتمَد عند الشافعيَّة هو ما اتَّفق عليه الرافعيُّ والنوويُّ، ثم الهيتميُّ والرمليُّ.
- إنَّ أكثرَ مذهب يَحكي الإجماعَ على تحريمِ خروج المرأةِ سافرةً هو مذهبُ الشافعيَّة.

إذا تَقرَّر ما سبَق، فإنَّ الرافعيَّ والنوويَّ اتَّفقًا على أنَّ وجه المرأة عورةٌ لذاته، لا لكونه مظنَّةَ الفتنة، وأنه يجب غضُّ البصر حتى مع أمْن الفتنة، وحتى لو كانتْ متنقبةً. [منهاج الطالبين ص 204، تحفة المحتاج 7/192-193، مغني المحتاج 4/209، جواهر العقود 2/4].

قال السبكيُّ: الأقربُ إلى صنيعِ الأصحاب أنَّ وجهها وكفَّيها عورةٌ في النظر. [نهاية المحتاج 6/187].
قال الرمليُّ: (وحيثُ قيل بالتَّحريم- وهو الراجحُ- حرُمَ النظرُ إلى المنتقبةِ التي لا يَبينُ منها غيرُ عينيها ومحاجرِها، كما بحَثه الأذرعيُّ ولا سيَّما إذا كانتْ جميلةً؛ فكم في المحاجرِ مِن خناجِر! وأفهم تخصيصُ الكلامِ بالوجه والكفَّين حُرمةَ كشْفِ ما سوى ذلك من البَدن، وما اختاره الأذرعيُّ تبعًا لجمْعِ مَن حلَّ نظَرَ وجهِ وكفِّ عجوزٍ تُؤمَن الفِتنةِ من نظرها لآيةِ {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} [النور: 60]- ضعيفٌ مردودٌ بما مرَّ مِن سدِّ الباب، وأنَّ لكلِّ ساقطةٍ لاقطةً) [نهاية المحتاج 6/188].

ويُبيِّن العمرانيُّ معنى كشْف المحرِمة لوجهها، فيقول: (وإذا أَحرمت المرأةُ.. فإنَّه لا يجبُ عليها كشْفُ رأسها، ولكن لا يجوزُ لها تغطيةُ وجهها، ولَسْنا نريد بذلك أنَّها تُبرزه للناس، وإنما نُريد أنَّها لا تُغطِّيه؛ فإن أرادتِ المرأة أن تسترَ وجهها عن الناس.. عقدَتِ الثوبَ على رأسها، وسَدَلَتْه على وجهها) [البيان في مذهب الشافعي 4/154-155].
وأمَّا الإجماعات التي يَنقُلها الشافعيَّةُ على تحريم السُّفور، أو على أنَّ عادة النساء في كلِّ عصرٍ تغطيةُ الوجه فمتعدِّدة، فقد حكاه الموزعيُّ. تيسير البيان 2/1001، والجويني. نهاية المطلب 12/31، والغزالي. إحياء علوم الدين 2/47، وابن حجر. فتح الباري 9/324.

إنَّ عادةَ المسلِماتِ تغطيةُ الوجه على مرِّ العصور، وأحسَبُ أنَّ هذا هو الذي صرَفَ الأئمَّةَ كأبي حنيفة ومالك والشافعي عن التنصيصِ عليه، أو على خِلافه، وهم أجلُّ مِن أن يُنسَبَ إليهم جوازُ ما ابتُلي به عصرُنا من كثرة السُّفور وشُيوعه، بل ما هو أشدُّ!
يقول الموزعيُّ الشافعيُّ: (والسَّلف والأئمَّة كمالكٍ والشافعيِّ وأبي حنيفة وغيرِهم لم يَتكلَّموا إلَّا في عورة الصلاة... وما أظنُّ أحدًا منهم يُبيح للشابَّةِ أن تَكشِفَ وجهَها لغير حاجة) [تيسير البيان 2/1002]، وما قاله الموزعيُّ ظنًّا، أقوله جزمًا.

بقِي رأي الحنابلة في عورة المرأة.
المعتمَد في مذهب الحنابلة- كما في كشاف القناع وغيره-: أنَّ الوجه والكفَّين من المرأة عورةٌ، وهو ما نصَّ عليه الإمامُ أحمد.
قال الإمام أحمدُ: (كلُّ شيءٍ من المرأة عورةٌ، حتى ظُفرها، وقال: الزينةُ الظاهرة، والثياب، وكلُّ شيءٍ منها عورة- يعنى: المرأة- حتى الظُّفر، وقال: ظُفر المرأة عورةٌ، وإذا خرجت فلا يَبين منها لا يَدُها ولا ظُفرُها ولا خُفُّها؛ فإنَّ الخفَّ يصِفُ القدمُ) [أحكام النساء للإمام أحمد- رواية الخلال ص32-33].
وفي كشاف القناع 1/266: ("وهما" أي: الكفَّان "والوجه" من الحُرَّةِ البالغة "عورةٌ خارجَها" أي: الصلاة "باعتبار النَّظرِ كبقيَّة بدنِها").
قال في نيل المآرب 1/125: (والوجْهُ والكفَّانِ من الحُرَّةِ البالغةِ عورةٌ خارجَ الصلاة باعتبار النظرِ كبقيَّة بدنها).
وقال في كشف المُخدَّرات 1/116: (والوَجْهُ والكفَّان عَورةٌ خارجَها باعتِبارِ النَّظرِ كبقِيَّةِ بدنِها).

يقول شيخُ الإسلام: (اختلفت عبارةُ أصحابِنا في وجْه الحُرَّة في الصلاة؛ فقال بعضُهم: ليس بعورةٍ، وقال بعضُهم: عورةٌ وإنَّما رُخِّص في كشْفِه في الصلاة للحاجة، والتحقيق: أنَّه ليس بعورةٍ في الصَّلاة، وهو عورةٌ في باب النَّظر إذْ لم يَجُز النظر إليه) [الفتاوى الكبرى 5/324]. قال المرداويُّ: (وهو الصوابُ) [الإنصاف بحاشية المقنع والشرح الكبير 3/207].

وأختِمُ بتنبيه الراغب في بحْثِ هذه المسألة- على أنَّه حِين يُصرِّح بحُسنِ نيَّة على أنَّ وجه المرأة وكفَّيها ليسَا بعورةٍ- فعليه أنْ يرَى الواقعَ الذي يَعيشه، وأن يتأمَّلَ في تِلك الشروطِ والمُحترَزات والتَّقييدات التي يَذكُرها الفقهاءُ؛ صونًا لجناب الشريعةِ، وحمايةً للأعراض، وأنْ لا يُحمِّل كلامَ العلماء ما لا يَحتمل، أو يُنزل كلامَهم على الواقِع المُزرِي الذي نَعيشه، فيَجني على نفْسِه، وعلى العلماءِ وعلى مُجتمعِه.
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 22-02-15, 12:56 PM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
افتراضي التعريف بكتاب : الفقه الطبي

عنوان الكتاب: موسوعة الفِقه الطِّبي
اسم المؤلف: مجموعة من العلماء والمتخصِّصين
الناشر: مؤسَّسة الإعلام الصحِّي، بتمويل مؤسَّسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيريَّة
سنة الطبع: 1434هـ - 2013م
عدد الأجزاء: 4 مجلدات

التعريف بموضوع الكتاب:
الطبُّ مهنةٌ محترَمة، ومجاله من أهمِّ المجالات التي تمسُّ حياةَ المجتمع؛ إذ فيه دفْعٌ للضرر عن المسلمين، وأداءٌ لواجب الأُخوة، وتطبيقٌ لمبدأ الرحمة، وتعلُّم الطبِّ واجبٌ كِفائي؛ فلا بدَّ أن يوجد من أبناء الأمَّة المسلمة مَن يقوم بهذا الواجب، وإلَّا أثِم المسلمون على هذا التَّقصير؛ وعليه وجَب على الطبيب المسلم تعلُّمُ الأحكام الشرعيَّة، والآداب المرعيَّة المتعلِّقة بعَمله.
وكتابُ هذا الأسبوع موسوعةٌ متكاملة في الأحكام الفقهيَّة الشرعيَّة المتعلِّقة بالمِهن الصحيَّة.
وقد شارَك فيها قرابةُ تِسعين متخصِّصًا، وتتشكَّل بِنية الكتاب الأساسية من خمسين بحثًا، قُسمت على محاورَ تِسعة، سبقتْها مقدِّمةٌ مفصَّلة بأسماء المشاركين في العَمل، وفِكرة الموسوعة ونشأتها وأهدافها، والمنهج المتَّبع في الأبحاثِ، واللِّجان المشرِفة على العَمَل.

• ثم يأتي المحور الأوَّل، الذي اشتمَل على تمهيدٍ، ومداخل إلى الفِقه الطبي.
وتناول البحث أهميَّة عِلم الفقه ومِهنة الطبِّ، والحاجة إلى الفِقه الطبي، وهو ما عرَّفوه بـــ (الأحكام الفقهيَّة والقواعد الشرعيَّة المتعلِّقة بالـمِهن الصحيَّة).
ثم يأتي الحديثُ عن نشأة عِلم الفقه الطبي ومَجالاته وموضوعاتِه، ثم أعقب ذلك الحديث عن تأصيلِ فِقه النوازل الطبيَّة، وحُجيَّة السُّنة النبويَّة في المسائل الطبيَّة.

• أمَّا المحور الثَّاني فكان عن: القواعد الشرعيَّة العامَّة في الممارسة الطبيَّة
وتناول مجموعةً من الأبحاث، هي:
- المقاصد الشرعيَّة وصِلتها بالمجالِ الطبِّي
- قاعدة "اليَقين لا يزول بالشكِّ" وصلتها بالمجال الطبي
- الاستحسان وتطبيقاته في قضايا طِبيَّة معاصرة
- قاعدة "العادة مُحكَّمة" وتطبيقاتها الطبيَّة
- قواعد الضَّرر وتطبيقاتها في المجال الطبِّي

• أمَّا أبحاث المحور الثَّالث، فكانتْ عن الأحكام العقديَّة والنفسيَّة المتعلِّقة بالقضايا الصِّحيَّة
وتمَّ فيها دِراسة لبعض المسائل العقديَّة المتعلِّقة بالطب، مثل:
- مشروعيَّة التداوي والأخْذ بأسباب الشِّفاء، وأهميَّة الإيمانِ بالقضاء والقدَر، والحِكم العظيمة والفوائِد الكبيرة للمرض، وأهميَّة الدُّعاء، وأمْر الشرع بالأخْذ بالأسباب؛ للوقاية من الأمراض.
- بحث عن الأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالأمراض النفسيَّة.
وبحث عن مناط صحَّة تصرُّف الإنسان وأثره، وأهليَّة المريض النَّفْسي، وأثر تصرُّفات المريض النفسي، وغيرها من المسائل.

• وخُصِّص المحور الرابع للأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالعبادات:
فبدأ بنواقض الطَّهارة والنَّجاسات الطبيَّة، وتناول بعضَ المسائل بالبحث، منها: النَّزيف الدَّموي، وسحْب الدَّم ونقله، والتخدير الطبِّي، ورجَّح أنَّ التخديرَ العامَّ مبطلٌ للوضوء؛ لأنَّه سببٌ لزوال العقل بشكل مؤقَّت. ومسألة الغسيل الكُلوي، وأنَّه لا يَنقُض الوضوء، والعمليات الجراحيَّة، وأنها أيضًا لا تنقض الوضوء. وممَّا تناوله البحث أيضًا: مسائل الحِجامة، والرُّعاف، والقَيء، وقلْع الأسنان، وغيرها من المسائل.
ثم تناول بالدِّراسة مسائلَ النَّجاسة وتطهيرها في المجال الطبِّي، ورجَّح جوازَ إزالة النجاسة بكلِّ المطهِّرات الطبيَّة التي تقضي على لونِ النجاسة وطعمها ورائحتها.

ومِن المسائلِ التي تناولها البحثُ بالدِّراسة تطهيرُ الأطراف الصِّناعيَّة في الطهارة، وتطهير الجراحات إثرَ العمليات، وغيرها من المسائل.
- ثم بحث حول الأحكام الفقهيَّة للخوارجِ الطبيَّة من جسَد المرأة، وتناول فيه أحكامَ الاستحاضة، وأحوال وأحكام المرأة الـمُستحاضة، والتعريف بالإفرازات المهبليَّة الطبيعيَّة والمرَضيَّة، والأحكام المتعلِّقة بالإفرازات المهبليَّة المرَضيَّة.
- أمَّا بحث الأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالصَّلاة، فتناول أحكامَ المريضِ ونحوِه المتعلِّقة بالمواقيت، والأحكام المتعلِّقة بشروطِ الصلاة ذات الصِّلة بالمريض، والأحكامَ المتعلِّقة بالجمعة والجماعة.
- وبحْث الأحكام الفقهيَّة الطبية المتعلِّقة بالزكاة، تناول فيه الباحثُ تعريفَ الزكاة، وحُكم الزكاة من مالِ المريض، وحُكم دفْع الزكاة إلى مريضٍ بسببِ معصيَّة، وغيرها من المسائل.
- وبحْث الأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالصيام، وفيه تحدَّث الباحث عن أثَر الإجراءاتِ الطبيَّة المؤثِّرة في الصِّيام، وحُكم قضاء الصِّيام للمريض ومَن في حُكمه.
- وبحْث الأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالحجِّ، وتناول فيه الباحثُ تعريفَ الحجِّ، وشروطه، ثم تحدَّث عن أثر الإغماء في الحجِّ، ومسألة الاشتراط عند الإحرام، ومشروعيَّة النيابة عن المريض في الحجِّ، وأحكام مبيت المريض بمزدلفة، والمبيت بمنًى أيامَ رمْي الجمرات، وما حُكم ما تتناوله المرأةُ من عقاقيرَ لقطع الحيض لأجْل الحج.
- وخُتِم هذا المحور بأحكام عِيادة المريض، وحُكم عيادة المريض مسلمًا كان أو غير مسلم، وأخلاقيات المريض مع زائرِه، وأخلاقيات زائرِ المريض، وحُكم عِيادة المريض بمرَضٍ مُعدٍ، وعزْله.

• والمحور الخامس جاء للحديث عن الأحكام الفقهيَّة المتعلِّقة بالفَحص والتشخيص والأدوية:
وتدور أبحاثُه حولَ أحكام التداوي، وضوابطه، والأحكام العامَّة للفَحْص والتشخيص الطبِّي، ومسألة الاستحالة ومفهومها وأحكامها، ومسألة التداوي بالهيبارين، وأحكام صناعة الدَّواء، وتجرِبة الدواء قبل تقديمه للجمهور، ومُضاعفات الدواء وآثاره الجانبيَّة، والأثر الفِقهي المترتِّب على تناول الدَّواء، وغيرها من المسائل.

• وتناولتْ أبحاثُ المحور السادس الأحكامَ الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالجراحة
فتكلَّمتْ عن دليل مشروعيَّة الجراحة وحُكمها، وشروط جواز الجراحة الطبيَّة، وأقسام الجراحة من حيثُ المشروعيَّةُ وعدمُها، وآداب العمليَّات الجراحيَّة.
ثم فصَّلت الحديث عن مسائل الجراحة التجميليَّة وأنواعها، وأحكام الجراحة التجميليَّة التحسينيَّة، والجراحة التجميليَّة التقويميَّة، والجراحات التقويميَّة العضويَّة، ثم تناول مسألة الجراحة التجميليَّة المتعلِّقة بالجنس.
ثم أحكام التخدير، وأنواعه، وآلية التخدير وأنواع الأدوية المخدِّرة، وحُكم تناول المخدِّرات، وضوابط تداولها، وحُكم التصرُّفات أثناء التخدير.
ثم تناولت بالحديث أحكامَ زِراعة الأعضاء بأنواعها، وتحدَّث عن الغَرس الذاتي والغرس المتجانِس، وضوابط مشروعيَّة نقل الأعضاء من الناحية الطبيَّة والشرعيَّة، ومسألة انتفاع الإنسان بعضو إنسانٍ ميِّت، وحُكم طهارة العضو المتبرَّع به ونجاسته.

وفي بحث الجِنس بين التغيير والتثبيت، تناولت مفهومَ تغيير الجنس أو تثبيته مع بيان أيُّهما أصح، والطرق الطبيَّة لإزالة إشكال الخُنثى، والأُسس الشرعيَّة في ذلك، ومدى مشروعيَّة الأعمال الطبيَّة لتغيير الجِنس أو تثبيته، والقيود الشرعيَّة لإزالة إشكال الخُنثى، والآثار الشرعيَّة لجراحة تغيير الجنس أو تثبيته.
ثم مسائل إعادة الأعضاء المبتورة في حدٍّ أو قصاص؛ إمكانيتها وحُكمها، وتصوُّرات مسألة زَرْع الأعضاء فِقهيًّا وحُكمها.
وأحكام الرَّتق العُذري، وحقيقة غشاء البَكارة وأنواعه، وأسباب تمزُّق غشاء البكارة، والآثار المترتبة على التمزُّق، وأحكام نقْل الدَّم والتبرُّع به؛ والتصوُّر الطبِّي لنقْل الدَّم، والدَّم من حيث الطهارةُ والنجاسة، وحُكم نقل الدم من إنسانٍ إلى آخَر.

• وجاءت أبحاث المحور السَّابع عن الأحكام المتعلِّقة بالنِّكاح والنَّسل والإنجاب؛ فتحدَّثت عن الأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالحامل، وأقل مُدَّة للحمل وأكثرها، وحيض الحامل وصومها، واستعمال الدَّواء للحامل، وتحديد نَوْع الجنين، وأثر الجِماع في الحامل.
ثم تحدَّثت عن الأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالعُقم، وأسباب العُقم، وطُرُق معالجتها وحُكمها.
وعن مسألة الفَحص الجِيني قبل الزواج؛ فوائده وأضراره وحُكمه، وحُكم كشْف سِرِّ الفَحص الجِيني.
ثم جاء الحديث عن وسائل منْع الحمل؛ أنواعها وأحكامها، وتكلّم فيه عن بعض وسائل منْع الحمل، ومنها: التعقيم، وذكر اتِّفاق أهل العِلم على عدَم جواز منْع الحمل بشكلٍ نِهائيٍّ إلَّا لضرورة.
وتحدَّثت أيضًا عن وسائل منْع الحمل بصِفة مؤقَّتة، وذكرت منها العَزْل، مع ترجيح جوازه، كما تناولت هذه الأبحاث أيضًا علاماتِ البلوغ الفقهيَّة والطبيَّة، والآثار المترتِّبة على البلوغ. ثم الأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالإجهاض، موضِّحة مراحل تكوين الجنين، وأقسام الإجهاض وأحكامه، والمسؤوليَّة الجنائيَّة وتبعاتِها.

ثم جاء بحث مسائل البنوك الطبيَّة، والأُسس لعمل مصارف الأعضاء، والكلام عن بنوك الأنسجة والعظام والقرنيَّة، وبنوك المنويات والبويضات، وبنوك الحليب، وبنوك الخلايا الجذعيَّة، وبنوك البَصمة الوراثية DNA.
- كما تحدَّثت أيضًا عن الأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلِّقة بالاستنساخ، فعرفت الاستنساخ، وما هي طرق الاستنساخ البشري، وحُكمها، مع توضيح بعض الأمور المهمَّة عن الاستنساخ البشري.
- وشملت الحديث عن أحكام الهندسة الوراثيَّة والعلاج الجِيني، والتطبيقات الطبيَّة المستخدَمة في العلاج الجِيني، موضِّحة حُكم نقل الجين إلى الخلية التناسليَّة، وحُكم نقْل الجين إلى الخلية الجسديَّة.
وأيضًا البصمة الوراثية وعلائقها الشرعيَّة (ثبوت النسب)؛ متحدِّثة عن حاجة المفتي والمستفتي للاقتناع بدَلالة البصمة الوراثيَّة، وضوابط ممارسة البَصمة الوراثيَّة، والأحكام التكليفيَّة لها، وبعض الملفات الفقهيَّة الجديدة التي تَطرُقها البصمة الوراثية.

ثم جاء الكلام عن مسائل عيوب النِّكاح الطبيَّة، وذكر أشهر عيوب النكاح عند الفقهاء، وحُكم الخيار في عقْد النِّكاح، والعيب الطبي، وضابطه وأثَره في الخيار في عقْد الزواج، وأثر التدخُّل الطبي في ثبوتِ خيار التفريق بالعيوب الطبيَّة.

• وأما المحور الثامن فتدور أبحاثه حولَ الأحكام المتعلِّقة بأمراض نهاية الحياة وما في حُكمها، كأحكام موت الدِّماغ، وتوضيح حقيقة الموت عند الفقهاء والأطبَّاء، والتصوير الطبي لموت الدِّماغ، وهل يُعدُّ موت الدماغ موتًا شرعيًّا؟
ومسألة ما يعرف بـ(قتْل الرحمة)، والأسباب الداعية له، وموقف الشريعة الإسلاميَّة منه، ومخاطر تَقنينه. كما جاء الحديث عن الأحكام الفقهيَّة الطبيَّة المتعلقة بالإنعاش الاصطناعي القلبي الرِّئوي، وتعريف الإنعاش الاصطناعي وذِكر حالاته، ومتى يجوز إيقافُ أجهزة الإنعاش، والمسؤوليَّة المترتِّبة على الإنعاش الاصطناعي في حال الوفاة، وتحديد وقْت الوفاة تحتَ الإنعاش وآثاره.

• وأخيرًا المحور التاسع، وخُصِّص لأبحاث المسؤوليَّة ونِظام المهنة الطبيَّة، فجاء الكلام فيه عن تصرُّفات المريض عند مرَضَ الموت، وذكر تعريف مرَض الموت ومعياره، وأقوال الفُقهاء في تأثير مرض الموت، وأقسام تصرُّفات المريض مرَضَ الموت. والحديث كذلك عن الأخطاء الطبيَّة، ومعيار الخطأ الطبِّي، والمسؤوليَّة المشتركة في الخطأ الطبي.
وأيضًا الكلام عن الوقف الصحِّي؛ تعريفه ومشروعيَّته، وأنواعه، وحُكم ذلك الوقف، ومجالاته. كما تناولت الأبحاث التأمين الصحِّي؛ أقسام التأمين الصحِّي، وخصائص التأمين، وحُكمه.
وأخيرًا جاء الحديث عن شهادة الطبيب، والتقرير الطبِّي الشرعي؛ حقيقته وتكييفه الشَّرعي، وأنواع التقارير الطبيَّة، والشُّروط اللازم توفُّرها في الطبيب، وحُكم العمل بالتقرير الطبِّي.

وهذه الموسوعة تُعد فريدة في نوعهاوطريقة تأليفها.
المصدر: مؤسسة الدرر السنية
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23-02-15, 11:23 AM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
افتراضي عرض ونقد لكتاب الخلافات السِّياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم#محمد بن المختار الشنقيطي

عنوان الكتاب

الخلافات السِّياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم

اسم المؤلف

محمد بن المختار الشنقيطي

الناشر

مركز الراية المعرفية - السعودية - جدة

الطبعة

الثانية

سنة الطبع

1427هـ - 2007م

عدد الصفحات

288

عرض ونقد

القِسم العِلمي بمؤسَّسة الدُّرر السَّنية




أولًا: عرض الكتاب:

كتاب هذا الشَّهر، هو واحد من تلك الكتُب التي لاقت رواجًا واسعًا في السَّاحة الفكريَّة، وتناولته دراسات ومباحثات، بل ومناظرات، وساعد على ذلك أمور، منها: طبيعة موضوع الكتاب، ومنها: طريقة عرْض المؤلِّف له وجُرأته في الطَّرح، ومنها: تقديم الشَّيخ راشد الغنوشي للكتاب بمقدِّمة أثنى فيها على الكتاب وأشاد به، وبما توصَّل إليه من نتائج!

ومؤلِّف هذا الكتاب هو باحث وشاعر، ومحلِّل سياسي، ومهتمٌّ بالفقه السِّياسي، والأدب الإسلامي، ويُقيم بالولايات المتحدَّة الأمريكيَّة.

والكتاب عليه مؤاخذات عِلميَّة ومنهجيَّة كثيرة، ينبغي التنبُّه إليها، والحذر من مِثل هذا المسلك الذي سلَكه المؤلِّف فيه، خصوصًا في مثل هذا الموضوع الشائك المتعلِّق بخير جيل عرفَتْه الدُّنيا بعد الأنبياء والمرسَلين، وهم صحابة نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، ورضي عنهم أجمعين. ونحن في هذا العرض والنقد نُشير إلى أهمِّ تلك النِّقاط مع التعليق عليها باختصار.

وقد تألَّف الكتاب - بعد مقدِّمة الشَّيخ الغنوشي - من مدخل، واثنين وعشرين قاعدة، ممثِّلًا على صِحَّة تلك القواعد بذِكر بعض الأمثلة تحتها، وعقد المؤلِّف بعد ذكر القواعد فصلًا لملاحظاته على منهج ابن تيميَّة، وفصلًا آخر للحوارات مع مَن سمَّاهم: مدرسة (التشيُّع السُّني) ابن العربي وتلامذته من المعاصرين كمحبِّ الدِّين الخطيب ومن بعده - على حسب المؤلِّف - ثم الخاتمة:

تحدَّث في المدخل: عن بعض النِّقاط التي توضِّح منهجيَّة الدِّراسة، كالتأصيل الشَّرعي والوعي التاريخي، وجدليَّة المَثل والمِثال، وعِبرة من قَصص القرآن الذي يذكُر نقاط القوَّة والضَّعف حتى عند ذِكره للأنبياء المعصومين، وعن درس بليغ من الصحابي الجليل عمَّار بن ياسر رضي الله عنه، كما ذَكر أسباب اختياره لابن تيميَّة خُصوصًا، وأهل الحديث عمومًا؛ ليكونوا عُمدتَه في دِراسته، كما تحدَّث عن منهج العلم والعدل، وعن بعض الأصول المنهجيَّة.

ثم دلَف إلى سرْد القواعد، وهي كالتالي:

القاعدة الأولى: التثبُّت في النَّقل والرِّواية.

القاعدة الثَّانية: استصحاب فضل الأصحاب.

القاعدة الثَّالثة: التَّمييز بين الذَّنب المغفور والسَّعي المشكور.

القاعدة الرَّابعة: التَّمييز بين المنهج التأصيليِّ والمنهج التاريخيِّ.

القاعدة الخامسة: الاعتراف بحدود الكمال البشريِّ.

القاعدة السَّادسة: الإقرار بثِقل الموروث الجاهليِّ.

القاعدة السَّابعة: اجتماع الأمانة والقوَّة في الناس قليل.

القاعدة الثَّامنة: الأخذ بالنِّسبية الزَّمانيَّة.

القاعدة التَّاسعة: عدم الخَلط بين المشاعر والوقائع.

القاعدة العاشرة: الابتعاد عن اللَّعن والسبِّ.

القاعدة الحادية عشرة: الابتعاد عن التَّكفير وعن الاتِّهام بالنِّفاق.

القاعدة الثَّانية عشرة: التحرُّر من الجدل وردود الأفعال.

القاعدة الثَّالثة عشرة: إدراك الطَّبيعة المركَّبة للفتن السِّياسيَّة.

القاعدة الرَّابعة عشرة: الترَّكيز على العوامل الداخليَّة.

القاعدة الخامسة عشرة: اجتناب الصِّياغة الاعتقاديَّة للخلافات الفرعيَّة.

القاعدة السَّادسة عشرة: الابتعاد عن منهج التَّهويل والتَّعميم.

القاعدة السَّابعة عشرة: التَّمييز بين السَّابقين وغير السَّابقين.

القاعدة الثَّامنة عشرة: اجتناب التكلُّف في التأوُّل والتأويل.

القاعدة التَّاسعة عشرة: التَّدقيق في المفاهيم والمصطلحات.

القاعدة العشرون: التَّمييز بين الخطأ والخَطيئة، بين القصور والتَّقصير.

القاعدة الواحدة والعشرون: التَّمييز بين الخِطاب الشَّرعي والخطاب القدَري.

القاعدة الثَّانية والعشرون: الحُكم بالظواهر والله يتولَّى السرائر.

ثم يأتي بعد تلك القواعد الحديثُ عن ملاحظات المؤلِّف على منهج ابن تيميَّة والذي يَسمِه المؤلِّف بالاضطراب، وإنْ كان أقلَّ من غيره بكثير.

ثمَّ بعد ذلك تأتي الحوارات مع مدرسة (التشيع السني)، فيذكر المؤلِّف في هذا الفصل مآخِذَ منهجيَّة على ابن العربيِّ وطبيعة شخصيَّته، ومآخِذ العلماء عليه، وملاحظات على كتاب (العواصم)، وقد تنوَّعت هذه الملاحظات؛ فمنها: ملاحظات على أحكام ابن العربيِّ على النُّصوص، ومنها: ملاحظات على أحكامه على الوقائع، ومنها: ملاحظات على أحكامه على الرِّجال، ثمَّ ختَم المؤلِّف هذا الفصل بالحديث عن ابن العربيِّ متكلِّمًا وقاضيًا، واصفًا إيَّاه بالانفعال والشدَّة وغير ذلك حينما يتحدَّث بنفَس المتكلِّم، أمَّا عندما يتحدَّث بنَفَس القاضي فيوصف بالدِّقَّة والتحرِّي.

ثمَّ تأتي الخاتمة: فيؤكِّد المؤلِّف فيها على أنَّ رؤيةَ التاريخ لها أثر كبير في تصوُّرنا للمبدأ والالتزام به، مُشِيدًا بمنهج ابن تيميَّة ومنهج المحدِّثين، ومفضِّلًا إيَّاه على منهج ابن العربي وتلامذته من المعاصرين.

ثانيًا: نقد الكتاب:

في هذا الكتاب جملةٌ حسنة من القواعد نتَّفق معها إجمالًا، كما أنَّ فيه محاولة جيِّدة من المؤلِّف حاول فيها أن يلتزم العدل والإنصاف والحياديَّة، وفيه محاولة للفَصل بين قداسة المبدأ ومكانة الأشخاص، ولكن لم يَسلَم للمؤلِّف ما أراده؛ فثمَّة مؤاخذات علميَّة، ومؤاخذات منهجيَّة على المؤلِّف، نُشير إلى أهمِّها بما يتناسب مع المقام:

من هذه المؤاخذات:

1- الولوج فيما نُهينا عن الحديث فيه، والتَّأصيل للجُرأة في الكلام على ذِكر أخطاء الصَّحابة الأكابر وإذاعتها على الملأ؛ بحُجَّة أنَّ هذا للتَّحليل والاعتبار، وأنَّ هذا نُصرة للمبادئ على الأشخاص، وأنَّه عامل مهمٌّ لكيفيَّة معالجة الواقِع، وعدم التناقُض في الإنكار على انحرافات الخلَف مع تبريرها للسَّلف:

يقول المؤلِّف - عن كتابه وهدف دراسته - (ص: 19): (هذه رسالة خفيفة الوزن، كثيفة المادَّة، تستهدف تجديد القول في دراسة الخلافات السِّياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم، والخروج من دائرة الجدل والمناظرة في قضايا المفاضلة بين الصَّحابة، وشرعيَّة خلافة الخلفاء الراشدين - وهي قضايا نظريَّة استنزفت العقل المسلم في غير طائل - إلى دائرة التَّأصيل والتَّحليل والاعتبار).

ويقول (ص: 24): (فإنَّ الأولوية اليوم هي كشفُ فضائح المستبدِّين، وتجريدهم من أيِّ شرعيَّة أخلاقيَّة أو تاريخيَّة، إضافة إلى أنَّ البِدع السياسيَّة لا تقلُّ خطورةً عن بدع الاعتقاد، كما تشهد به عبرة أربعة عشر قرنًا من تاريخ الإسلام. لكن كشف فضائح المستبدِّين المعاصرين غير ممكن ما دام الحديث عن الانحرافات السياسيَّة التي بدأت في عصر الصَّحابة مطبوع بطابع التبرير والدِّفاع، لا بطابع الدِّراسة المجرَّدة الهادفة إلى الاعتبار، وما دام الحديث عن تلك الفتن والخلافات السياسيَّة يتحكَّم فيه فقهُ التحفُّظ، لا فقه التقويم؛ ذلك أنَّ من طبيعة المبدأ الأخلاقي العموم والاطِّراد، فليس من الممكن تحريم الظُّلم السِّياسيِّ على الخَلَف، وإباحته للسَّلف، دون وقوع في تناقُض فكري وأخلاقي).

التعقيب: موضوع الكتاب وعنوانه الذي اختاره المؤلِّف ليكون مادَّة لبحثه (الخلافات السِّياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم)، هو موضوع شائك، وفِتنة قلَّ مَن يَسلَم عند الحديث عنها، وليس بخافٍ على المؤلِّف وأمثاله النُّصوصُ الواردة في فضل الصَّحابة والنَّهي عن الحديث في مِثل هذه الأمور، وإجماع أهل السُّنة على الكفِّ عن الحديث فيما شجر بين الصَّحابة الكرام، إلَّا للعالم المتحقِّق المتبصِّر، ويكون حديثه لغرض صحيح، كالدِّفاع عنهم، والردِّ على أهل البِدع والذامِّين للصَّحابة الكرام، وما شابه، وسننقل بعض نقول أئمَّة الحديث الذين تبنَّى منهجَهم المؤلِّفُ في كتابه ذلك؛ ليتبيَّن خطر المسلك الذي سلَكه، ومخالفتُه للعلماء الذين تبنَّى هو منهجهم:

قال الإمام أبو عثمان الصَّابوني في ((عقيدة السَّلف وأصحاب الحديث)) (ص: 129) عن السَّلف وأصحاب الحديث: (ويَرون الكفَّ عمَّا شجَر بين أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتطهير الألسنة عن ذِكر ما يتضمَّن عيبًا ونقصًا فيهم، ويرون الترحُّم على جميعهم والموالاة لكافَّتهم).

وقال الإمام الذهبيُّ في ((سير أعلام النبلاء)) (10/ 92): (...كما تقرَّر عن الكفِّ عن كثير ممَّا شجر بين الصَّحابة، وقتالهم - رضي الله عنهم أجمعين - وما زال يمرُّ بنا ذلك في الدَّواوين، والكتُب، والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع، وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيُّه وإخفاؤه، بل إعدامُه؛ لتصفوَ القلوب، وتتوفرَّ على حبِّ الصَّحابة، والترضِّي عنهم، وكتمان ذلك متعيِّن عن العامَّة، وآحادِ العلماء، وقد يُرخَّص في مطالعة ذلك خلوةً للعالم المنصِف، العري من الهوى، بشَرْط أن يستغفر لهم، كما علَّمنا الله تعالى).

وقال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/ 34): (واتَّفق أهلُ السُّنة على وجوب منع الطَّعن على أحد من الصَّحابة بسببِ ما وقع لهم من ذلك، ولو عُرِف المحِقُّ منهم؛ لأنَّهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلَّا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطِئ في الاجتهاد، بل ثبَت أنَّه يُؤجر أجرًا واحدًا، وأنَّ المصيب يُؤجَر أجرينِ).

ونقَل في ((لوامع الأنوار البهية)) (2/ 387 - 388) عن ابن حمدان موافقةً لغيره من أهل السُّنة أنَّه قال: (يجب حبُّ كلِّ الصَّحابة، والكفُّ عمَّا جرى بينهم كتابةً، وقراءةً وإقراءً، وسماعًا وتسميعًا، ويجب ذِكر محاسنهم، والترضِّي عنهم، والمحبَّة لهم، وترك التحامُل عليهم، واعتقادُ العُذر لهم، وأنَّهم فعلوا ما فعلوا باجتهاد سائغ لا يُوجِب كفرًا ولا فِسقًا، بل ربَّما يُثابون عليه؛ لأنَّه اجتهاد سائغ، ثمَّ قال: وقيل: المصيب عليٌّ، ومَن قاتله فخطؤه معفوٌّ عنه...)، ثم قال: (وقال بعض المحقِّقين: البحث عن أحوال الصَّحابة - رضوان الله تعالى عنهم أجمعين - وعمَّا جرى بينهم من الموافقة والمخالفة، ليس من العقائد الدِّينيَّة، ولا من القواعد الكلاميَّة، وليس هو ممَّا يُنتفع به في الدِّين، بل ربَّما أضرَّ باليقين، وإنَّما ذكر العلماء نُتفًا في كتبهم؛ صونًا للقاصرين عن التأويل عن اعتقاد ظواهر حكايات الرَّافضة ورِواياتها؛ ليتجنبَ مَن لا يصل إلى حقيقة عِلمها، ولأنَّ الخوض في ذلك إنَّما يصلح للتَّعليم، وللردِّ على المتعصِّبين، أو لتدريس كتُب تشتمل على تلك الآثار، فيُؤوِّل ذلك، ويُبيِّنه للعوامِّ؛ لفرْط جهلهم بالتأويل)... وكلام أهل العلم في ذلك أكثر من أن يُحصى..

نقول: فهل بعد ذلك يجوز أن يجدَّد (القول في دراسة الخلافات السياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم) ولو كان (تأصيلًا وتحليلًا واعتبارًا)؟!

حتَّى إنْ كان هذا جائزًا بشُروطه، من تحرِّي العدل والإنصاف، ولزوم التَّأويل الصَّحيح لأفعالهم الذين اجتهدوا فيها حتى وإنْ أخطؤوا؛ لئلَّا يقع شيء في القلب مِن هؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضُوا عنه، أو يتأتَّى التنقُّص لهم، واتِّهامهم وغير ذلك، والمؤلِّف نفسه لم يتجاهل هذه النُّصوص أثناء حديثه ولا كان غافلًا عنها، بل حاول أن ينتقد هذا المنهج الذي سماه فقه التحفُّظ، وحاول أن يبتعدَ في حديثه عن التنقُّص لمقام الصَّحابة الكِرام، وعن الوقوع في السَّبِّ لهم، واتِّهامهم بما هم منه براء - نقول: إنْ جاز هذا بشُروطه، مع اجتناب المحاذير؛ فالسُّؤال: هل وُفِّق المؤلِّف في تحقيق هذه الشُّروط، واجتناب تلك المحاذير التي حذَّر منها العلماء السابقون واللاحقون أثناء الحديث عن الصَّحابة الكرام واختلافاتهم السِّياسيَّة - على حدِّ تعبيره؟

الجواب - بكلِّ أسف -: لا! وسنذكر من كلامه وتحليلاته واستدلالته ما يدلُّ على أنَّه وقع في التنقُّص من قدْر أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وطعَن في نيَّاتهم؛ فعلى حسب رأي المؤلِّف وتحليلاته: عثمان بن عفَّان رضي الله عنه تأوَّل في الأموال وآثر أقاربه بالولايات! وعليٌّ رضي الله عنه تخلَّف عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنَّه كان يُريد الإمارة لنفْسه، وبعد ذلك تأوَّل في الدِّماء! وأمَّا معاوية فقد كان طامحًا للمُلك، وخالطتْه وعمرَو بنَ العاص شهوةُ المُلك وحبُّ الدُّنيا!

ثمَّ نقول: فماذا يا تُرى تؤدِّي إليه الدِّراسةُ المجرَّدة الهادفة إلى الاعتبار، والحديثُ الذي يتحكَّم فيه فقه التقويم لا فقه التحفُّظ؟ وما طبيعة هذه الانحرافات السِّياسيَّة التي بدأت في عصر الصَّحابة؟! وهل يجوز أن يُوصف عصر الصَّحابة بهذا أصلًا؟ وهل يقول المؤلِّف بأنَّ السَّلف (الصحابة الكرام) وقعوا في الظلم السِّياسي الذي يُنكره ويحرِّمه على الخلَف؛ لكي لا يكون متناقضًا؟! تساؤلات واستشكالات سيتضح الجواب عنها من كلام المؤلِّف وتحليلاته، مع التَّعقيب على بعضها باختصار شديد:

يقول المؤلِّف أيضًا (ص: 25): (ومهما يعترض معترض أو يجادل مجادل بأنَّ الكتابة في موضوع الخلافات السياسيَّة بين الصَّحابة نَكْءٌ لجراح الماضي السَّحيق، وجدل نظري في غير طائل، وفتح لباب التطاول على الأكابر... فإنَّ الأمَّة لن تخرج من أزمتها التاريخيَّة إلَّا إذا أدركت كيف دخلت إليها).

ويقول أيضًا (ص: 32): (ومهما يرهق الباحث نفسه في تأصيل العدل في الحُكم والقَسْم، فسيجد من المصابين بداء التَّجسيد من يحتجُّ عليه قولًا أو فعلًا بعمل بعض الأكابر الذين آثَروا أقاربَهم بالولايات والأموال [يقصد: عثمان رضي الله عنه]. ومهما يُرهق نفسه في الحديث عن حقِّ الأمَّة في اختيار قادتها، فسيجد مَن يُحاججه قولًا أو فعلًا بعمل بعض الأكابر الذين ورثَّوا أبناءهم السُّلطة [يقصد: معاوية رضي الله عنه]. وليس من حلٍّ لهذه الأزمة الفكريَّة والعمليَّة سوى التقيُّد بوصية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي ذرٍّ رضي الله عنه بـ (قلِ الحقَّ وإن كان مرًّا)، وتسميةِ الأخطاء بأسمائها دون مواربة، وخصوصًا أخطاء الأكابر الذين هم محلُّ القُدوة والأُسوة من أجيال الأمَّة).

التعقيب: ما أعظمَ هذه الجُرأةَ على تبرير ذِكر أخطاء الأكابر وإذاعتها على الملأ! فضلًا عن كونها أخطاءً متصوَّرة في الذِّهن، وشُبُهًا متهافتة، تَهافَتُ كالزُّجاج يَخَالُها المرءُ لأوَّل وهلةٍ حَقًّا، وعند التأمُّل يتَّضح أنَّ كلَّها كاسرٌ مكسور. وفَهمُ الأمر على وجهه يُخرجها عن كونها أخطاء واتِّهامات إلى كونها تصرُّفات صحيحة صائبة، أو على الأقلِّ اجتهادات وللمُخطئ فيها أجر، وحتى ما صحَّ من أخطاء فالقوم فيه معذرون، وخَطؤهم مغفور؛ فهل يجوز بعد ذلك أن نذكُر انحرافاتِهم على أساس أنَّ هذا من قول الحقِّ، ومن العمل بوصية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فأين قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: ((دَعُوا لي أصحابي)) رواه أحمد (13812)، وقوله: ((لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي)) رواه البخاري (3673)، ومسلم (2540)؟! بل أين قول الله تعالى في وصفهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح:29] وغير ذلك كثير؟!

ويقول المؤلِّف (ص: 167): (وفي دراسة الخلافات السياسيَّة بين الصَّحابة رضي الله عنهم حريٌّ بالباحثين أن يتذكَّروا أثر التكلُّف في التأويل والتأوُّل في طمس معالم المبادئ الإسلاميَّة، وتمييع المعايير الشرعيَّة، وهو أمر يقود إلى استسهال الناس الإتيانَ بكلِّ الموبقات السياسيَّة، من قتْل الأنفس المحرَّمة، والاستبداد بالأمر، والإيثار والاستئثار بالسُّلطة والثروة، والتساهُل مع الظُّلم والبغي، وتجاهل قِيم الشُّورى والعدل في القَسم والحُكم.. إلخ بسبب التَّبرير الذي يقوم به البعضُ لأعمال بعض الأكابر والأصحاب، ممَّن استزَّلهم الشَّيطان في بعض المواقع، فلم يلتزموا بتعاليم الإسلام في بعض المواقف السياسيَّة).

نقول: نحن مع المؤلِّف في إنكار التكلُّف في التأويل، ولكن أفعال الصَّحابة الذين رضي الله عنهم، وأثنى عليهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، واتَّفقت الأمَّة وأجمعت على عدالتهم وفضلهم لا تحتاج إلى هذا التكلُّف في التأويل، فقط فَهْم الأمور على وجهها الصَّحيح، كما فعل عثمان رضي الله عنه حينما وضَّح عُذره للذين ينقمون عليه؛ فالأموال التي ادُّعي عليه أنه يؤثِر بها أقرباءَه هي أموالُه الخاصَّة، وليست أموال الدَّولة، ومَن حَكم في ماله فما ظلم! وغير ذلك... حتى وإن تحقَّقنا الخطأ فيكفينا أن نقول: ولقد عفا الله عنهم؛ لشرف الصُّحبة، ولأنَّ للقوم فضائلَ وأعمالًا ليستْ لغيرهم!

ويقول في (ص: 139 - 140): (لقد درَج العديد من الأقدمين والمعاصرين على تفسير الفتنة بالعوامل الخارجيَّة، أعني نظرية التآمُر، مغفِلين أهمَّ العوامل التي سبَّبت الفتنة، وهي العوامل النابعة من أحشاء المجتمع الإسلاميِّ الأوَّل، وقد وجد هؤلاء في شخصيَّة عبد الله بن سبأ أحسنَ تفسير لما جرى... وكيف لعاقل أن يُصدِّق أنَّ الصَّحابة الذين بنَوا دولة الإسلام، وهزَموا أقوى الجيوش في العالم، وهدُّوا عروش كسرى وقيصر، يستطيع غِرٌّ يهوديٌّ التلاعُب بعقولهم لهذه الدَّرجة؟! ومع ذلك يوجد من يتبنى هذا الطَّرح بحسن نيَّة؛ خوفًا من مواجهة الحقيقة المُرَّة. لكن نظرية المؤامرة لا تستقيم، وكثيرًا ما يضطرُّ أصحابها إلى إعمال الخيال والافتراض لسدِّ الثغرات فيها. فبدلًا من تفسير حرب صفِّين بأسبابها الحقيقيَّة، وهي مطامح الملك لدى معاوية وعمرو، وتجاوزهما حدودَ الشَّرع في الدِّماء والجنايات في الطَّريقة التي طالبَا بها الأخْذ بدم عثمان، ثمَّ رفْضهما ما ارتآه أبو موسى الأشعريُّ من الصُّلح وتأمير عبد الله بن عمر، وخلع كلٍّ من عليٍّ ومعاوية، يحاول الكثيرون إيجاد عناصر متآمرة داخل المعسكرين هي المسؤولة عن كلِّ شيء).

نقول:

أولًا: أمَّا ما استبعده من التفسير بالعوامل الخارجيَّة، وإنكار دور ابن سبأ في الفتنة، وزعمه بأنَّ أهمَّ أسباب الفتنة العوامل النابعة من أحشاء المجتمع الإسلامي الأوَّل، فهذا خللٌ عقديٌّ ومنهجيٌّ، وذلك من وجوه

أولها: أنَّ في هذا اتِّهامًا للمجتمع الإسلاميِّ الأوَّل بأنَّ الفتنة نبعت من أحشائه، وهو مخالفٌ لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب)!

ثانيها: أنَّ هذا مخالف لما ثبَت في كتُب المحدِّثين والعلماء الذين اعتمَد منهجَهم المؤلِّف مِن ذِكر ابن سبأ وإثبات دَوره الخطير هو وأتْباعه في إحداث الفتنة، ومن ذلك قولُ شيخ الإسلام ابن تيميَّة في ((الفتاوى الكبرى)) (1/ 71): (وكذلك كان ابن سبأ يهوديًّا، ففسد ذلك، وسعى في الفِتنة؛ لقصد إفساد الملَّة، فلم يتمكَّن، لكن حصل بين المؤمنين تحريشٌ وفتنة قُتل فيها عثمان رضي الله عنه، وجرى ما جرى من الفِتنة...)، والعجيب أنَّ المؤلِّف يستدلُّ بكلام آخَر لابن تيميَّة في موطن آخَرَ له وجهُه في ذلك الموطن، ثمَّ يقول (ص: 140): (لقد رأينا منذ قليل كيف فسَّر ابن تيميَّة مقتل عثمان رضي الله عنه بأسباب داخليَّة، كلُّها ترجع إلى تسيير الدولة، وما طرأ على المجتمع من مسالك وتطورات، دون أن يُشير من قريب أو بعيد إلى ابن سبأ أو غيره من العناصر الخارجيَّة)؛ فها هو ابن تيميَّة يصرِّح ويجزم - لا يُشير فقط - بدور عبد الله بن سبأ؛ فما قول المؤلِّف بعد ذلك؟!

ويُنظر أيضًا على سبيل المثال لا الحصر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (10/ 263)، و((الإصابة في تمييز الصحابة)) لابن حجر (1/ 63).

وإنكار المؤلِّف لهذا الأمر فيه طعنٌ على أمانة هؤلاء العلماء الذين اعتمدَهم هو في كتابه!

ثالثها: أنَّ ابن سبأ لم يُغرِّر بالصحابة الكرام، ولم يتلاعَب بعقولهم، إنَّما غرَّر بالأغمار من أهل مصر وغيرها، يوضِّحه:

رابعها: أنَّ في كلام ابن حجر - الذي نقله واستشهد به المؤلِّف نفسُه على نفي العوامل الخارجيَّة في الفِتنة - ما يدلُّ على ذلك؛ فليتأمَّل قول ابن حجر: (... إلى أنْ رحل أهل مصر يَشكُون من ابن أبي سرح، فعزله، وكتب له كتابًا بتولية محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق، فرضُوا بذلك، فلمَّا كانوا في أثناء الطريق رأَوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنَّه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب ورجَعوا وواجهوه به، فحلف أنَّه ما كتب ولا أذِن، فقالوا: سلِّمنا كاتبَك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مَرْوان بن الحَكَم، وهو ابن عمِّه، فغضِبوا وحصروه في داره...)؛ نقول: فمن هذا الراكب الذي ألَّب أهل مصر بعدما رضُوا، وغرَّر بهم، وتلاعَب بعقولهم، وأوقع الفِتنة؟! أهو نابع من أحشاء المجتمع الإسلاميِّ الأوَّل؟! أم هو عنصر خارجيٌّ متآمر غرَّر بأهل مصر الذين لم يتثبَّتوا وكان من أمرهم ما كان؟!

ثانيًا: تعقيبًا على قول المؤلِّف (خوفًا من مواجهة الحقيقة المُرَّة)، وزعمه أنَّ الأسباب الحقيقيَّة لحرب صفين (هي مطامح المُلك لدى معاوية وعمرو، وتجاوزهما حدود الشَّرع...).

نقول: ليست هناك بحمد الله تعالى في المجتمع الإسلاميِّ الأوَّل حقيقة مرَّة يُخشى من مواجهتها، ولكنَّها حقيقة ناصعة تشهد بفضلهم، وعلوِّ منزلتهم عند ربِّهم، ولكن لمن يفهم الأمور على وجهها الصَّحيح، وليستْ أسباب حرب صفِّين (هي مطامح الملك لدى معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما)، وهما لم (يتجاوزَا حدود الشرع في طريقة طلبهم بدم عثمان رضوان الله عليه)، بيان ذلك من كلام العلماء والمحدِّثين الذين تبنَّى المؤلِّف منهجهم وغفَل عنه ما يأتي:

قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (10/ 492): (... وطلب معاويةُ عمرَو بن العاص ورؤوس أهل الشَّام فاستشارهم، فأبوا أن يُبايعوا حتى يَقتُل [عليٌّ رضي الله عنه] قَتَلَةَ عثمان، أو أن يُسلم إليهم قَتلةَ عثمان، وإن لم يفعل قاتلوه ولم يبايعوه حتى يقتلَهم عن آخرهم...).

وقال ابن حجر في فتح الباري (1/ 542): (فإن قيل: كان قتْلُه [عمار] بصفِّين وهو مع عليٍّ، والذين قتلوه مع معاويةَ، وكان معه جماعة من الصَّحابة؛ فكيف يجوز عليهم الدُّعاء إلى النار؟ فالجواب: أنَّهم كانوا ظانِّين أنَّهم يَدْعون إلى الجنَّة، وهم مجتهدون لا لومَ عليهم في اتِّباع ظنونهم، فالمراد بالدُّعاء إلى الجنة الدُّعاء إلى سببها، وهو طاعة الإمام، وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة عليٍّ، وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك، وكانوا هم يدْعون إلى خِلاف ذلك، لكنَّهم معذورون للتأويل الذي ظهَر).

وقال أيضًا (13/ 288): (حُجَّة عليٍّ ومن معه ما شُرِع لهم من قتال أهل البغي، حتى يرجعوا إلى الحقِّ، وحُجَّة معاوية ومن معه ما وقع من قتْل عثمان مظلومًا، ووجود قتلته بأعيانهم في العَسكر العراقيِّ، فعظمت الشُّبهة حتى اشتدَّ القتال وكثُر القتل في الجانبين إلى أن وقع التَّحكيم، فكان ما كان...).

وقال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (3/ 140): (جاء أبو مسلم الخولانيُّ وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تُنازِع عليًّا، أم أنت مثلُه؟ فقال: لا والله، إنِّي لأعلم أنَّه أفضلُ مني، وأحقُّ بالأمر منِّي، ولكن ألستُم تعلمون أنَّ عثمان قُتل مظلومًا، وأنا ابن عمِّه، والطَّالب بدمه، فائتوه، فقولوا له، فليدفعْ إليَّ قتلة عثمان، وأسلِّم له. فأتوا عليًّا، فكلَّموه، فلم يَدفعْهم إليه) [قال المحقِّقون: رجاله ثقات].

ولم نذكرْ كلام شيخ الإسلام هنا - وهو كثيرٌ ومحكَم؛ لأنَّ المؤلِّف أنكر عليه حينما تأوَّل لمعاويةَ ومَن معه ووصفه بالاضطراب والتكلُّف في التأويل، بخلاف التأوُّل للسَّابقين في حرب الجمل الذي كان له مسوِّغاته، وسيأتي مزيد بيان لهذه النُّقطة فيما يلي..

وأمَّا ما زعمه المؤلِّف من كون الصحابة (معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما) الذين قاتلوا عليًّا رضي الله عنهم جميعًا (تجاوزا حدود الشَّرع في الدِّماء والجنايات في الطريقة التي طالبَا بها الأخذ بدم عثمان...)، وقد كرَّر ذلك أيضًا عن أهل الجمل قائلًا (ص: 191): (فخرج عليه أهلُ الجمل، وهم نفرٌ من الأكابر ساءَهم مقتل الخليفة الشهيد، واستعجلوا أمرَهم دون التزام ما يلزم من إجراءات جنائيَّة شرعيَّة تقتضي رفْع الدعوى من طرف أولياء القتيل، والتقاضي لدى السُّلطة الشرعيَّة، ثمَّ خرج على الخليفة الراشد أهلُ الشام، وهم قوم مزَجوا شُبهة مقتل الخليفة الشهيد بشهوةِ المُلك ومطامح الدُّنيا...).

فلسْنا في حاجة لإطالة الردِّ على هذا ونقلِ كلام أهل العلم في ذلك، ويكفي من ذلك أنَّ عليًّا رضي الله عنه لم ينكر عليهم تلك المطالبة، ولا قال لهم: أنتم لستم أولياء للمقتول، بل اعتذر عن ذلك بأنَّه لا يقدِر على ذلك الآن؛ لأنَّ وراءَهم مَن وراءهم، وكان ما كان من غير إرادتهم، كذلك قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما - وكان مع عليٍّ رضي الله عنهم -: (لو لم يطلب الناسُ بدَم عثمان، لرُموا بالحجارة من السَّماء). قال ابن كثير: وقد رُوي من غير هذا الوجه عنه. ((البداية والنهاية)) (10/ 332).

والمؤلِّف هنا يُسوِّي بين أهل الجمل وأهل صفِّين في مخالفة حدود الشَّرع في تلك المطالبة،. ويُضيف اتِّهامًا خطيرًا، وانتقاصًا مكررًا لأهل الشَّام (معاوية وعمرو بن العاص ومن معهم)، ويطعن في نيَّتهم بأنَّهم (مزجوا شُبهة مقتل الخليفة الشَّهيد بشهوة الملك ومطامح الدُّنيا) وقد سبق الردُّ على هذا.

ومن المؤاخذات على المؤلِّف في هذه المسألة أيضًا قوله (ص: 206): (فإذا كان سعد [بن عُبادة] غيرَ منزَّه عن الهوى، وعليٌّ غير منزَّه عن التأوُّل في الدِّماء، وعثمان غير منزَّه عن التأوُّل في الأموال بحسب تحليل ابن تيميَّة.. فلماذا لا نعترف أنَّ معاويةَ وعَمرًا غير منزَّهين عن مطامح الملك، ولدينا من الدَّلائل على ذلك كثير؟!).

وهذه العبارة التي فيها انتقاصٌ للصَّحابة الكرام عقَّب بها المؤلِّف على نقْلٍ نقلَه لشيخ الإسلام ابن تيميَّة، واستنتج منه ما وصل إليه، وألْقى باللَّائمة على ابن تيميَّة ووصَفه بأنَّه اضطرب إذ تأوَّل لفِعل معاويةَ ومَن معه، و(لم يتأوَّل للخليفتين الرَّاشدين عثمان وعليٍّ، وصرَّح بأنَّ كلًّا من عثمان وعليٍّ ترخَّص بعض الترخُّصات، وعمِل ما لا يُقتدى به فيه)، (وكان حريًّا بابن تيميَّة هنا أن يعترف - كما فعل دائمًا - بالطبيعة المركَّبة للفتنة، وباختلاط الشُّبهات والشَّهوات فيها، ويَقبل أنَّ دوافع معاوية وعمرو لم تكن مجرَّد شُبهة الاقتصاص للخليفة الشَّهيد، بل خالطتْها شهوةُ الملك وحبُّ الدُّنيا) - كما يقول المؤلِّف.

نقول: هذا الكلام، وهذا التَّحليل، وهذا الاتِّهام خطأ من وجوه:

أوَّلها: أنَّ هذا الكلام مخالفٌ أيضًا لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب)، مع أنَّه لا يقول بعصمة الصَّحابة أحدٌ من أهل السُّنة قاطبة، إلَّا أنَّ هذا الذي ذكر مخالفٌ لما عُرف من فضلهم وتحرِّيهم وخوفهم من الله عزَّ وجلَّ، فلو صحَّ أنَّ تحليل كلام المؤلِّف لكلام ابن تيميَّة على وجهه، لقلنا: لقد أخطأ ابن تيميَّة في هذا؛ فمقام الأصحاب أرفعُ من مقام مَن جاء بعدهم، خصوصًا الخلفاء الرَّاشدين!

ثانيها: أنَّ تأمُّل السِّياق الذي تكلَّم فيه شيخ الإسلام عن تأوُّل عثمان وعليٍّ لا يوهم انتقاصًا لهما، وذِكر نصِّه بسياقه ولحاقه، والتعقيب عليه يطول؛ فلينظر وليتأمَّل في ((مجموع الفتاوى)) (35/ 23)، وفضلًا عن أنَّ هذا التأوُّل أصلًا ليس عيبًا يُنزَّه عنه الأصحاب، بل هو اجتهادٌ كما صرَّح بذلك شيخ الإسلام، وقد كان عليٌّ رضي الله عنه مُسدَّدًا موفَّقًا، وهو أَوْلى الطائفتين بالحقِّ، وهو مجتهد له أجران، وأمَّا تأوُّل عثمان رضي الله عنه في الأموال - إن صحَّ أنَّه تأوَّل أصلًا؛ لأنَّه ثبت أنَّه يُعطي أقرباءَه من ماله الخاص لا من مال المسلمين العامِّ كما مرَّ - فيقال فيه ما قيل في حقِّ تأوُّل عليٍّ رضي الله عنه. أمَّا الزعم بأنَّ (دوافع معاوية وعمرو لم تكن مجرَّد شبهة الاقتصاص للخليفة الشَّهيد، بل خالطتها شهوة الملك وحب الدنيا) فهذه منقصةٌ ظاهرةٌ واضحةٌ، نبرأ إلى الله عزَّ وجلَّ أن يتَّصف بها أحد من هؤلاء، وقد ذَكرنا من كلام المحدِّثين والعلماء ما يَنفي ذلك، ومن كلام معاويةَ نفسه بنقل الذَّهبي وابن كثير، فضلًا عمَّا ثبَت في حقِّ معاوية وعمرو بن العاص من فضل في الإسلام والجِهاد..

ومن المؤاخذات المنهجيَّة:

أنَّ المؤلِّف نصَّ على أنَّه اعتمد في منهجه في هذا الكتاب على تُراث شيخ الإسلام ابن تيميَّة وأقواله وتحليلاته في كتُبه عمومًا، وفي كتاب ((منهاج السُّنة النبويَّة)) خصوصًا، كما أنَّه اعتمد على منهج المحدِّثين، وخُصوصًا الذهبي وابن كثير وابن حجر، وذكر أسباب ذلك في مدخل الكتاب ومقدِّمته، ولن نناقشه في تلك الأسباب والدَّواعي.

وبالتأمُّل في الكتاب وآراء المؤلِّف نجد خَللًا واضحًا في المنهج الذي تعامل به المؤلِّف مع شيخ الإسلام ابن تيميَّة؛ فأحيانًا ينسُب إليه أمورًا لا تصحُّ نسبتُها إليه، وأحيانًا يَفهم من كلامه غيرَ مراده، وأحيانًا يُحلِّل كلامه بما يخالف كلامَ الشَّيخ وآراءه المشهورة عنه، كما أنَّه غفَل كثيرًا عن منهج المحدِّثين الذي اعتمد عليهم، بل أتى بما يُناقض آراءَهم صَراحةً، وقد مضى معنا أمثلةٌ لهذه الغفلة، وهذا الخَلل الواضح في الاستدلال، وسنذكر هنا أمثلةً أخرى مِن كلام المؤلِّف؛ ليتَّضح ذلك الخَللُ المنهجيُّ أكثرَ، ويتبيَّن وجه الحقِّ في المسائل التي عرَضها المؤلِّف على أنَّها آراء لابن تيميَّة:

المثال الأوَّل: قول المؤلِّف (ص: 46): (ولم يجعل ابن تيميَّة مسألة (الكف عمَّا شجر بين الصَّحابة) مسألة اعتقاديَّة - كما فعل بعض من لا يُميِّزون بين الوحي والتاريخ - وإنما بيَّن أن جماع الأمر كله هو العلم والعدل، فلا مانع عنده أن يخوض المسلم في ذلك (إن أمكن الكلام بينهما بعلم وعدل، وإلَّا تكلَّم بما يعلم من فضلهما ودينهما، وكان ما شجر بينهما وتنازعَا فيه أمره إلى الله).

الرد: نكتفي في الردِّ على هذا الزَّعم بنقل كلام شيخ الإسلام نفسه في العقيدة الواسطية التي هي زُبدة وخُلاصة لعقيدة أهل السُّنة والجماعة، وقد نصَّ فيها على أصولهم وطَريقتهم، ومنها قوله: (ويُمسكون عمَّا شجر بين الصَّحابة...)، وقوله في ((منهاج السُّنة النبوية)) (4/ 448): (ولهذا كان من مذاهب أهل السُّنة: الإمساك عمَّا شجر بين الصَّحابة)، وتفصيل هذه العبارة وشروط ذلك من كلام شيخ الإسلام يطول، فليراجع في مظانِّه.

المثال الثاني: قول المؤلِّف (ص: 73): (لقد بيَّن ابن تيميَّة جوانب الضَّعْف البشري هذه لدى العديد من الأكابر؛ فهو يُعلِّل امتناع عليِّ بن أبي طالب من بيعة الصِّدِّيق في الشُّهور الستَّة الأولى من خِلافته بأنَّ عليًّا (كان يريد الإمْرةَ لنفسه) [هامش: منهاج السنة 7/450]).

وقد كرَّر المؤلِّف هذا الزَّعم (أنَّ شيخ الإسلام يقول بأنَّ تأخُّر بيعة علي رضي الله عنه بسبب أنَّه كان يريد الإمْرة لنَفْسه) أكثرَ من مرَّة في كتابه، وبنَى عليه تحليلاتٍ كثيرة، كما في (ص: 81)، و(ص: 203).

الردُّ: وكلام المؤلِّف هذا خطأٌ من وجهين:

أوَّلهما: أنَّ ابن تيميَّة لم يقُلْ هذا أصلًا! وإنَّما ذكَر هذه الكلمة في سياق حديثه عن تخلُّف بيعة سعد بن عُبادة رضي الله عنه، وعنَى بمن يُريد الإمرة لنفسه سعدًا لا عليًّا رضي الله عنهما، وكلامه كاملًا كالتالي: (ولم يتخلَّف عن بيعته [يعني: الصِّدِّيق] إلَّا سعد بن عُبادة، وأمَّا عليٌّ وسائر بني هاشم فلا خلاف بين الناس أنَّهم بايعوه، لكن تخلَّف؛ فإنَّه كان يُريد الإمرة لنفسه رضي الله عنهم أجمعين)، والضَّمير هنا عائد على سعد ابن عُبادة بلا ريب؛ فإنَّه الذي ذكر تخلُّفه، وهو يُعلِّل سبب تخلُّفه هذا. ويوضِّحه أكثر قول شيخ الإسلام في ((منهاج السنة)) أيضًا (1/ 536 - 537): (وأمَّا أبو بكر فتخلَّف عن بيعته سعد؛ لأنَّهم كانوا قد عيَّنوه للإمارة، فبقِي في نفسه ما يبقَى في نفوس البشر، ولكن هو مع هذا - رضي الله عنه - لم يعارضْ، ولم يدفع حقًّا ولا أعان على باطل.... ثم ذكَر حديث السَّقيفة، وفيه: أنَّ الصِّدِّيق قال: ولقد علمتَ يا سعدُ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال وأنت قاعد: ((قريشٌ ولاةُ هذا الأمر، فبَرُّ الناس تبَعٌ لبَرِّهم، وفاجرهم تبَعٌ لفاجرهم» قال: فقال له سعد: صدقتَ، نحن الوزراء، وأنتم الأمراء)) فهذا مرسل حسن، ولعلَّ حُميدًا أخذه عن بعض الصَّحابة الذين شهدوا ذلك، وفيه فائدةٌ جليلة جدًّا، وهي: أنَّ سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأوَّل في دعوى الإمارة، وأذعن للصِّدِّيق بالإمارة، فرضِي الله عنهم أجمعين)، ويُنظر كذلك (4/ 388)، و(8/ 330).

ثانيهما: أنَّ هذا الكلام إنْ صحَّ أنَّ شيخ الإسلام قاله - وحاشاه - فهو غير صحيح؛ إذ هو مخالفٌ لما عُرِف عن عليٍّ بن أبي طالب من فضل، وزهد وورع، يستحيل معه أن يطمع في الإمرة لنفْسه ويتخلَّف عن بيعة مَن اختاره المسلمون واعترف هو نفسه بفضله وأحقيَّته بالخلافة. وإنْ كان هذا يجوز أن يُقال عن سعد رضي الله عنه؛ لأنَّه عُيِّن للإمارة، ومع ذلك اعتذر عنه شيخ الإسلام ووضَّح أنَّه نزل عن مقامه الأوَّل في دعوى الإمارة، وأذعن للصِّدِّيق بالإمارة، وأمارات ذلك مذكورة في القصَّة - فلا يجوز أن يقال هذا بحال عن عليٍّ رضي الله عنه؛ لأنَّه دخول في النيَّات وحُكم على السَّرائر، وهو ما قعَّد المؤلِّف بالنهي عنه بقوله في القاعدة الأخيرة من كتابه (الحُكم بالظواهر والله يتولَّى السَّرائر)، وهو طعنٌ صريحٌ أيضًا مخالف لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب)!

المثال الثَّالث: قول المؤلِّف (ص: 195 - 196): (ومن مظاهر هذا الاضطراب والتكلُّف تَكرار ابن تيميَّة في (منهاج السنة) وغيره أنَّ معاوية لم يَسعَ إلى الخلافة في حياة عليٍّ، ولا نازع عليًّا الخلافة، وهو أحيانًا يُطلق، فيقول - مثلًا - متحدِّثًا عن عليٍّ: (.. ولا ادَّعى أحد قط في زمن خلافته أنَّه أحقُّ بالإمامة منه)، وأحيانًا يتحفَّظ بعض الشيء، فيصرِّح أنَّ منازعة معاوية لعليٍّ في الإمامة إنَّما حدثت بعد حُكم الحَكمين، فيقول: (... وكذلك معاوية لم يبايعْه أحد على الإمامة، ولا حين كان يقاتل عليًّا بايعه أحد على الإمامة، ولا تسمَّى بأمير المؤمنين، ولا سمَّاه أحد بذلك، ولا ادَّعى معاوية ولايةً قبل حُكم الحَكمين)، وكل هذا تكلُّف في التأوُّل، يناقض نصوصًا صحيحة صريحة).

ثم يقول المؤلِّف: (إنَّ الدلائل على مطامح الملك لدى معاوية أثناء الفتنة كثيرة وافرة، وهي كلُّها تدلُّ على أنَّ قصده من الخروج على الخليفة الرابع لم يكن مجرَّد الثأر للخليفة الثَّالث، بل كانت مطامح الملك حاضرةً في سعيه منذ أوَّل وهلة...)، ثم ذكر بعض النُّصوص التي يستدلُّ بها على ذلك الزَّعم الخاطئ، منها حديث البخاري في قصَّة التحكيم، ورسالة أبي موسى لمعاويةَ التي ذكرها الذَّهبي في ((السير)).

ثم قال في (ص: 203): (إنَّ كلَّ هذه النصوص تدلُّ على أنَّ معاوية سعى إلى الملك بالفعل وبالقول، وصرَّح بمطامحه في قيادة الأمَّة دون لبس. فالقول بعد ذلك: إنَّه لم يُنازِع عليًّا الخلافة ولا سعى إليها.. تكلُّف بارد، كان الأولى بشيخ الإسلام ابن تيميَّة أن يتنزَّه عنه).

الرد:

أولًا: أنَّ الذي ادَّعاه المؤلِّف على شيخ الإسلام من الاضطراب والتكلُّف غير مسلَّم له؛ فكلام شيخ الإسلام أصحُّ وأضبط، والنُّصوص التي استدلَّ بها المؤلِّف الشنقيطيُّ على طلب معاوية للخلافة كانت بالفِعل بعد حُكم الحَكمين، فما في البخاريِّ صريحٌ في أنَّه بعد حُكم الحَكمين، وكذلك صنيع الذَّهبي في ((السِّير))؛ إذ ذكر هذه الرِّسالة بعد ذِكر اختيار عليٍّ لأبي موسى في التَّحكيم، فصحَّ كلامُ شيخ الإسلام، وبطَل كلام المؤلِّف.

ويدلُّ على ذلك أيضًا قول ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (10/ 656): (وقد كانوا استفحل أمرُهم حين انصرف عليٌّ من صفِّين، وكان من أمر التحكيم ما كان، وحين نكَل أهلُ العراق عن قتال أهل الشَّام معه. وقد كان أهل الشام لما انقضت الحُكومة بدومة الجندل سلَّموا على معاوية بالخلافة، وقوِي أمرهم جدًّا).

وقول الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (3/ 140): (لمَّا بلغ معاوية هزيمة يوم الجمل، وظهور عليٍّ، دعا أهل الشام للقتال معه على الشُّورى، والطلب بدَم عثمان، فبايعوه على ذلك أميرًا غير خليفة).

ثانيًا: أنَّ اتِّهام المؤلِّف لمعاوية رضي الله عنه بأنَّ مطامح الملك حاضرة في سعيه منذ أوَّل وهلة، فيه وقوعٌ صريح فيما نهى العلماء عنه عند الحديث عمَّا شجر بين الصَّحابة، ومنهم ابن تيميَّة نفسُه، وهو التنقُّص من قدْر الأصحاب الكرام، وأنَّهم طلَّاب مُلك ودُنيا، وفيه مخالفة أيضًا لما قعَّده في المؤلِّف بقوله: (استصحاب فضل الأصحاب)؛ فأيُّ فضل يبقى، وأيُّ نقيصة أعظم من أن يُتَّهم الصحابيُّ الجليل بأنَّ دلائل مطامح الملك حاضرة لديه أثناء الفِتنة كانت كثيرة وافرة؛ فتُراق الدماء، ويُقتل أفاضل الأصحاب بسبب الملك؟! ولا أحسن من ردِّ شيخ الإسلام على المؤلِّف إذ يقول في ((منهاج السنة النبوية)) (4/ 383): (ولم يكن معاويةُ قبل تحكيم الحَكمين يدَّعي الأمر لنفسه، ولا يتسمَّى بأمير المؤمنين، بل إنَّما ادَّعى ذلك بعد حُكم الحَكمين، وكان غيرُ واحد من عسكر معاوية يقول له: لماذا تقاتل عليًّا وليس لك سابقتُه ولا فضله، ولا صِهره، وهو أوْلى بالأمر منك؟ فيعترف لهم معاوية بذلك. لكن قاتلوا مع معاويةَ؛ لظنِّهم أنَّ عسكر عليٍّ فيه ظَلَمة يعتدون عليهم كما اعتدَوا على عثمان، وأنَّهم يقاتلونهم دفعًا لصِيالهم عليهم، وقتال الصَّائل جائز؛ ولهذا لم يبدؤوهم بالقتال حتى بدأهم أولئك...).

ومن المؤاخذات كذلك المفارقة بين القاعدة والأمثلة:

يخالف المؤلِّف القواعد التي قعَّدها هو في كتابه بذكر الأمثلة إما تحت القاعدة نفسها أو يخالف قاعدة عند الحديث عن قاعدة أخرى والتمثيل لها، كما رأينا ذلك في مخالفة المؤلِّف لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب) في كثير من المواطِن، وكمثال لمخالفة القواعد أيضًا: أنَّ المؤلف خالف قاعدته الأولى وهي (التثبت في النَّقل والرِّواية) فجاء في القاعدة السَّادسة (الإقرار بثِقل الموروث الجاهلي) (ص: 81) ليستدلَّ بأثر رواه عبد الرزَّاق، على أنَّ (معايير التنظيم الاجتماعي والسياسي ظلَّت مشوبةً عند كثيرين منهم [الأعراب] وعند بعض مسلمة الفتح - وحتى من السَّابقين أحيانًا - بشوائبِ الجاهليَّة، وكان ذلك سببًا من أسباب الفتن السياسيَّة والعسكريَّة التالية بين المسلمين)!

ونصَّ هذا الأثر مع تعقيب المؤلِّف عليه كالتالي: (ومن أمثلة ذلك ما رواه عبد الرزَّاق (لما بُويع لأبي بكر رضي الله عنه جاء أبو سفيان إلى عليٍّ، فقال: غلبكم على هذا الأمر أذلُّ أهل بيت في قريش، أمَا والله لأملأنَّها عليكم [كذا بزيادة عليكم، وليست كذلك فيما وقفنا عليه في نسخة ((مصنَّف عبد الرزاق))] خيلًا ورجالًا» قال: فقلت: ما زلتَ عدوًّا للإسلام وأهله فما ضرَّ ذلك الإسلام وأهله شيئًا؛ إنَّا رأينا أبا بكر لها أهلًا). والظاهر أنَّ هذه المحاورة بين علي وأبي سفيان - إن صحَّت - جاءت متأخِّرةً عن بيعة عليٍّ للصِّدِّيق بعد ستة أشهر من خلافته، وإلَّا فإنَّ عليًّا اعترض على بيعة الصِّدِّيق ابتداءً، وإن كان من منطلق مختلف عن منطلق أبي سفيان) اهـ كلام المؤلِّف.

التعقيب:

أولًا: كيف يستشهد المؤلِّف على قاعدة خطيرة بأثَر هو نفسُه يشكُّ في صحَّته، ويقول: (إن صحَّ)؟! والأثر إسنادُه ضعيف.

ثانيًا: ثمَّ إنَّ هذا الكلام أيضًا فيه مخالفة لقاعدة (استصحاب فضل الأصحاب)؛ إذ يُظهر أبا سفيان معاديًا للإسلام وأهله حتى بعد إسلامه! والثابت أنَّ أبا سفيان قد حسُن إسلامه، وقد خرج مع جيش المسلمين بإمرة أبي بكر مجاهدًا في سبيل الله تعالى.

ثالثًا: أنَّ قول المؤلِّف (وإلَّا فإن عليًّا اعترض على بيعة الصِّدِّيق ابتداءً) مخالفٌ لقاعدة (اجتناب التكلُّف في التأول والتأويل)؛ لأنَّه تأويل متكلِّف لتلك الحادثة على فرْض صحَّتها؛ إذ لا نعلم تاريخها، ولا دليلَ على زعم المؤلِّف أنَّ عليًّا اعترض على بيعة الصِّدِّيق ابتداءً، بل الدليلُ على خِلافه كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7/ 495): (وقد تمسَّك الرافضة بتأخُّر عليٍّ عن بيعة أبي بكر إلى أن ماتت فاطمة، وهذيانهم في ذلك مشهور، وفي هذا الحديث ما يدفع في حُجَّتهم، وقد صحَّح ابنُ حبَّان وغيرُه من حديث أبي سعيد الخدريِّ وغيرِه: أنَّ عليًّا بايع أبا بكر في أوَّل الأمر، وأمَّا ما وقع في مسلم عن الزهريِّ: (أنَّ رجلًا قال له: لم يبايع عليٌّ أبا بكر حتى ماتتْ فاطمة؟ قال: لا، ولا أحد من بني هاشم)، فقد ضعَّفه البيهقيُّ بأنَّ الزهريَّ لم يسنده، وأنَّ الرِّواية الموصولة عن أبي سعيد أصحُّ، وجمع غيره بأنَّه بايعه بيعةً ثانية مؤكِّدة للأولى؛ لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث - كما تقدَّم، وعلى هذا فيُحمل قول الزهري لم يبايعه عليٌّ في تلك الأيَّام على إرادة الملازمة له، والحضور عنده، وما أشبه ذلك؛ فإنَّ في انقطاع مثله عن مثله ما يُوهِم مَن لا يعرف باطنَ الأمر أنَّه بسبب عدم الرِّضا بخلافته، فأطلق مَن أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر عليٌّ المبايعةَ التي بعد موت فاطمة عليها السلام لإزالة هذه الشُّبهة). ولا يُعكِّر عليه ما ذكَره المؤلِّف من تساهُل ابن حبَّان في التَّصحيح، فقد أقرَّه ابن حجر على صحَّة هذا التَّصحيح، ونسبه لغيره أيضًا، واحتجَّ له بتضعيف البيهقيِّ للرواية المعارضة له عن الزُّهري، بل ذكَر أنَّ غيره جمع بين الرِّوايتين.

رابعًا: أنَّ هناك أمرًا غريبًا كيف لم يتنبه له المؤلِّف؟! فقد ساق بعد هذا الأثر كمثال ثانٍ على قاعدة (الإقرار بثقل الموروث الجاهلي) (ص: 82) أثرًا آخَر، وفيه: أنَّ خالد بن سعيد حين ولَّاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اليمن، قدِم بعد وفاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتربَّص ببيعته [أبي بكر] شهرين، يقول: قد أمَّرني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ لم يعزلْني حتَّى قبضه الله عزَّ وجلَّ، وقد لقي عليَّ بنَ أبي طالب وعثمانَ بن عبد مناف، فقال: يا بني عبد مناف، طِبتم نفسًا عن أمركم يليه غيرُكم...إلخ، وقال المؤلِّف في الهامش [رواه الحاكم في المستدرك (3/279) وقال: صحيح على شرْط مسلم، ولم يخرجاه].

وواضحٌ في هذا الأثَر أنَّه يثبت أنَّ عليًّا رضي الله عنه - كغيره من الصَّحابة - طابت نفسه لولاية أبي بكر، وهذه الحادثة بعد شهرين فقط وليس بعد ستَّة أشهر؛ فليتأمَّل كيف جمع المؤلِّف بين المتناقضات؟!

ومن المؤاخذات كذلك:

تهويل المؤلِّف من أخطاء ما سمَّاه (مدرسة التشيُّع السُّني)، ويعني به ابن العربي المالكي، وتلامذته المعاصرين على حدِّ تعبيره، كمحب الدين الخطيب وغيره، في الفصل الذي عقده للحوارات مع مدرسة التشيع السني في آخر كتابه، مع تناسي الدَّور الكبير الذي قاموا به في مواجهة انحراف الروافض، ومَن لفَّ لفَّهم، مع أنَّ الله تعالى يأمر بالعدل، وقد أثْنى المؤلِّف كثيرًا على ما يتَّصف به شيخُ الإسلام ابن تيميَّة من العدل والإنصاف؛ فهل من العدل أن تُذاع أخطاء هؤلاء الأعلام الذين اشتهروا في الأمَّة بالخير، ويُشنَّع عليهم، دون مراعاة لظروفهم وطبيعة عصرهم الذي تَسلَّط فيه أهلُ البدع من الروافض، ودون أدْنى إشارة إلى ما قاموا به في الردِّ على الكَذِب الصُّراح، والافتراءات الكاذبة على خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين، وهم صحابة نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، ورضي الله عنهم أجمعين؟!

وختامًا: نقول للمؤلِّف ولمن دار في هذا الفلك، واقتنع بفِكرة نشْر ما جرى للصَّحابة رضي الله عنهم: ماذا جنَتِ الأمَّة من نشْر ما جرى من أخطاء مزعومة متوهَّمة لخير جيل عرفتْه البشريَّة، والذين شهِد لهم الله تعالى بأنَّهم خير أمَّة أُخرجت للنَّاس، وشهِد لهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّهم خير النَّاس؟! لا تجني إلَّا احتقار الأفاضل، وفُقدان الثِّقة في الأماثل، وانعدام القُدوة في الأماجِد!

ونقول له: ألَا يَسعُنا ويَسعُك ويَسع جميعَ الدارسين والمحلِّلين والمعتبرين قولُ عمر بن عبد العزيز، والإمامِ أحمد، وغيرِ غير واحد من السَّلف عمَّا جرى بين عليٍّ ومعاويةَ رضي الله عنهما: (تلك دماء طهَّر الله منها يدي، فلا أحبُّ أن أخضبَ بها لساني)، وأنَّ: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]، كما في ((منهاج السنة النبوية)) (6/ 254) و((البداية والنهاية)) (11/ 427)؟!

وقولُ مَن اعتمدتَه منهجًا في دراستك وهو ابن تيميَّة عن أهل السُّنة قاطبةً: أنَّهم (يقولون: إنَّ هذه الآثار المرويَّة في مساويهم؛ منها ما هو كذب، ومنها ما قد زِيد فيه ونُقص، وغيِّر عن وجهه، والصَّحيح منه: هم فيه معذورون؛ إمَّا مجتهدون مصيبون، وإمَّا مجتهدون مخطِئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أنَّ كلَّ واحد من الصَّحابة معصومٌ عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجُملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرةَ ما يصدُر منهم - إنْ صدر - حتَّى إنَّه يغفر لهم من السِّيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأنَّ لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبَت بقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّهم: ((خير القرون))، وأنَّ ((المُدَّ مِن أحدهم إذا تصدَّق به كان أفضلَ من جبل أُحُد ذهبًا ممَّن بعدهم))، ثم إذا كان قد صدَر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، الذي هم أحقُّ النَّاس بشفاعته، أو ابتُلي ببلاء في الدُّنيا كُفِّر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحقَّقة؛ فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم؟! ثمَّ القدْر الذي يُنكر من فعل بعضهم قليلٌ نَزرٌ مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصَّالح) ((متن العقيدة الواسطيَّة)) (ص: 120 - 121)، وهو في ((مجموع الفتاوى)) (3/ 155).

والله الموفِّق وهو الهادي إلى سواء السَّبيل، ونسأله سبحانه أن يجعل لنا نصيبًا من قوله عزَّ مِن قائل: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23-02-15, 11:31 AM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
افتراضي طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام

عنوان الكتاب: طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام
اسم المؤلف: أ.د. محمد عمارة
الناشر: مجلة الأزهر - هدية شهر ذي القعدة 1435هـ.
سنة الطبع: 1435هـ
عدد الصفحات: 192

التعريف بموضوع الكتاب
كثيرون هم الكُتَّاب والمفكِّرون الذين أثاروا الجدلَ حول ما قدَّموا من أفكار، لكن طه حسين كاد ينفرد بأنَّ كل حياته الفكريَّة - التي جاوزت نِصف قرن - قد كانت بكاملها معركةً فكريَّة شديدةً وعنيفة حول ما قدَّمه الرجل من أفكار وآراء! بل إنَّ الكثيرَ من أفكاره وآرائه لا تزالُ مثيرةً للجَدَل إلى يومِنا هذا، وبعدَ موتِه بثلاث عقود من الزَّمَن!
وكتاب هذا الأسبوع جاء ليتلمَّس التطوُّرَ الفكري الذي مرَّ به طه حسين على امتداد عمره الفِكري، ويتتبع تلك التطورات، وأيضًا المتناقضات التي مثَّلت مخاضًا فكريًّا طويلًا وعميقًا.

بدأ المؤلِّف الكتاب بـ(بطاقة حياة) لطه حسين، فيها عرضٌ موجَز لحياته، وهي على وجازتها إلَّا أنها أرَّخت لأهمِّ الأحداث الحياتيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة لطه حسين، منذ ولادته، وبداياته التعليميَّة، وشيوخه، ودِراسته بالأزهر، وارتباطاته الحزبيَّة، ومواقفه السياسيَّة، مرورًا بسفره لفرنسا، وزواجه من امرأة فرنسيَّة.
وأهمُّ ما اشتملتْ عليه هذه البطاقةُ الوجيزة: ذِكْر المؤلِّف لأهمِّ إنتاج طه حسين الفِكري وأبرزه، مؤرِّخًا لكلِّ كتاب بتاريخ نشره؛ ممَّا له أكبر فائدة في تتبُّع هذا التطوُّر الفكري لطه حسين.
ثم عَرَضَ في فصل موجز عَنْوَنه بــــــــــــــ(لماذا هذا الكتاب) أكَّد فيه أنَّ رسالة هذا الكتاب هي: إنصاف طه حسين من أنصاره وخصومه جميعًا.

وقد أراد المؤلِّف من هذا الكتاب شيئًا مهمًّا، وهو سحب البساط من تحت أقدام أسرى التغريب والعلمانيَّة والغزو الفِكري الذين يتمسَّحون بهالات طه حسين، كأنَّه يقول لهم: اتَّقوا الله قبل أن تَندموا؛ فهذا أستاذُكم عادَ ورجَع، فلا تنسبوا إليه شيئًا ممَّا رجَع عنه، وعودوا أنتم أيضًا قبل فوات الأوان. كما أراد أن يتعلَّم الإسلاميُّون المنهاجَ العِلمي في دراسة تاريخ الأفكار، فيستردُّون الرموز بدَلَ التفريط فيها..



وقد جاء الكتاب مليئًا بنصوص طه حسين، خاصَّة تلك النصوص التي مثَّلت نماذج مراحله الفكريَّة، وقضايا هذه المراحِل التي أثارتِ الجدل الشديد، وشغَلت الناس بطه حسين، وهذه المراحِل التي توزعتْها حقب أربعة تُعدُّ هي فصول الكتاب:

أُولاها: بداياته الفكريَّة قبل السَّفر إلى فرنسا سنة 1914م..وعَنون لها المؤلف بـ: مرحلة الشيخ طه (1908-1914 م).

تكلم فيها عن تردُّد طه حسين بين مذهب (حزب الأمَّة) ومفكِّره أحمد لطفي السيِّد، الذي يدعو إلى الوطنية المصريَّة الرافضة للعروبة القوميَّة والانتماءِ الحضاري الإسلامي، وبين اتجاه (الحزب الوطني) حزب مصطفى كامل باشا، الذي كان يقوده يومئذٍ بمصر الشيخُ عبد العزيز جاوييش، ذو الهوية الإسلاميَّة، والمدافع عن الجامعة الإسلاميَّة، فكان طه حسين في السياسة مع (حزب الأمة)، وفي (الفِكر الإسلامي مع (الحزب الوطني).
وفي هذه المرحلة يرفض طه حسين العلمانيَّة، بل يذهب إلى ضرورة التزام المسلمين بنشْر الإسلام والتوحيد ومحو الشرك، وعندما يكتُب عن إصلاح أحوال المرأة يُعلن أنَّ معايير هذا الإصلاح هي ثوابت الدِّين.

وثانيتها: المرحلة التي عاد فيها من فرنسا (مبهورًا) بالغرب، التي امتدَّت لتشمل حِقبة العشرينيَّات من القرن العشرين (1919- 1930 م).
وهي مرحلة المعارك الفكريَّة الشديدة، وأهم هذه المعارك:
معركة عَلمنة الإسلام، وعلاقة طه حسين بكتاب (الإسلام وأصول الحُكم) لعلي عبد الرازق، الذي قال فيه طه حسين: (لقد قرأتُ كتاب الشيخ علي (الإسلام وأصول الحكم) قبل طبعه ثلاثَ مرَّات، وعدَّلت فيه كثيرًا).
وقد ذكَر المؤلف عددًا من القرائن التي تُحدِّد الجانب الذي أسهم به طه حسين في كتاب (الإسلام وأصول الحكم)، وأنَّه القسم الخاص (بجعل الشريعة الإسلامية رُوحيَّةً محضه، لا علاقة لها بالحُكم والتنفيذ في أمور الدنيا).

ومن هذه القرائن: أنَّ الشيخ علي عبد الرازق كان دائمَ الإعلان عن أنَّ هذا الرأي ليس رأيَه، وقد كتب مقالًا تحت عنوان (الاجتهاد في الإسلام) أكَّد فيه أنَّ عبارة (إنَّ رسالة الإسلام رُوحانيَّة فقط) لم تكُن رأيَه يوم نشَر الكتاب، وأنَّها عبارة ألْقاها الشيطان على لسانه!
ومن أهمِّ هذه القرائن: أنَّ هذه الفكرة، وهذا الرأي هو رأي طه حسين نفْسه في كتاباته في هذه الحِقبة، وغيرها من القرائن.
ومن المعارك الشديدة أيضًا في هذه الحِقبة: معركة العدوان على المقدَّسات، التي تمثَّلت في كِتابه (في الشِّعر الجاهلي) المنشور 1926م، وهي معركة مشهورة معروفة، وقد ردَّ عليه كثيرون منهم: الشيخ محمد الخضر حسين، والأستاذ محمد فريد وجدي.

ثالثتها: تلك المرحلة التي امتدَّت من بدايات الثلاثينيَّات، وحتى قيام ثورة يوليو سنة 1952م، وهي مرحلة الإياب التدريجي، والمخاض الحافل بالتناقُضات لطه حسين (1932-1952م).
وأهمُّ معالمها خُلوُّ كتاباته من أيَّة إساءة إلى الإسلام، والتوجُّه إلى الكتابة في الإسلاميَّات، فكتب كتابه على (هامش السِّيرة) بأجزائه الثلاثة (1933: 1938)، قدَّم فيه مقالًا في العقل مثَّل تطورًا كبيرًا وحاسمًا إزاءَ موقفه القديم، وفيه دعَا إلى إصلاح العقل بالمعجزة القرآنيَّة التي يفهمها العقلُ فلا يستطيع إنكارها، ويُكْبرها فلا يستطيع عليها تمردًا ولا طغيانًا.
وفي سنة 1933 خاض بفروسية وشجاعة مبهِرة، معركةً شرسة ضدَّ التنصير والمنصِّرين، فكتَب ستَّة مقالات ضدَّ زلزال التنصير، هي: (عدوان)، (هزل)، (حزم)، (فتنة)، (توفيق)، ((تجن))، في صحيفة (كوكب الشرق) بتواريخ 10، 12، 16، 18، 19، 25 يونية 1933م.

ومن أهمِّ معالِم هذه المرحلة كذلك: كلامُه حولَ دعوة الإمام المجدِّد محمَّد بن عبد الوهاب، وهي كلماتُ ذات وقْع، يجدُر الوقوف عندها؛ لِمَا نراه من بعض المتمسِّحين بطه حسين ممَّن ينقُد وينتقد هذه الدعوة، حيث قال في مجلة الهلال، عدد مارس لعام 1933م: (إنَّ مذهب محمَّد بن عبد الوهَّاب جديدٌ قديم معًا، جديد بالنسبة للمعاصرين، ولكنَّه قديمٌ في حقيقة الأمر؛ لأنَّه ليس إلَّا الدعوة القويَّة إلى الإسلام الخالِص النقي المطهَّر من كلِّ شوائب الشرك والوثنيَّة، هو الدعوةُ إلى الإسلام كما جاء به النبيُّ، خالصًا ممَّا أصابه من نتائج الجهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرَب؛ فقد أنكر محمد بن عبد الوهَّاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا إليه من جاهليَّة في العقيدة والسِّيرة، كانوا يُعظِّمون القبورَ ويتَّخذون الموتى شفعاءَ، ويُعظِّمون الأشجارَ والأحجار ويرَون أنَّ لها من القوة ما ينفع وما يضرُّ.
ثم قال: ومن الغريب أنَّ ظهور هذا المذهب الجديد في نجد قد أحاطتْ به ظروفٌ تُذكِّر بظهور الإسلام في الحجاز؛ فقد دعا صاحبُه إليه باللِّين أولَ الأمر فتبِعه بعضُ الناس، فلمَّا أَظهر دعوتَه أصابه الاضطرابُ وتعرَّض للخطر، ثم أخَذ يعرِض نفْسَه على الأمراء ورؤساء العشائر كما عرَض النبيُّ نفْسَه على القبائل، ثم هاجر إلى الدِّرعية وبايعه أهلُها على النصر، كما هاجَر النبيُّ إلى المدينة، ولكن ابن عبد الوهاب لم يُرِدْ أن يشتغلَ بأمور الدنيا، فترك السياسةَ لابن سعود، واشتغل هو بالعِلم والدِّين، واتَّخذ السياسةَ وأصحابَها أداةً لدعوته...

ولولا أنَّ الترك والمصريِّين اجتمعوا على حرْب هذا المذهب، وحاربوه في داره بقوَّة وأسلحةٍ لا عهدَ لأهل البادية بها، لكان من المرجوِّ جدًّا أن يوحِّد هذا المذهبُ كلمةَ العرب في القرن الثاني عشر للهجرة، كما وحَّد ظهورُ الإسلام كلمتَهم في القرن الأوَّل، ولقد ترَك هذا المذهبُ أثرَه في الحياة العقليَّة والأدبيَّة عند العرب، وكان هذا الأثر عظيمًا خطيرًا في نواحٍ مختلفة؛ فهو قد أيقظ النفسَ العربية، ووضع أمامها مثلًا أعْلى أحبَّتْه، وجاهدت في سبيله بالسيف والقلم واللِّسان، وهو قد لفَت المسلمين جميعًا، وأهلَ العراق والشام ومصر بنوعٍ خاصٍّ إلى جزيرة العرب، ولقد استدعى الصِّراعُ الفكري بين الوهابيِّين وخصومهم الرجوعَ إلى كتُب التراث ونشْر الرسائل والكتُب التي يُؤيِّد بها كلُّ فريق مذهبَه، فنُشِرت كتُب ابن تيمية وابن القيِّم، واستفاد العالم العربيُّ كله من هذه الحركة العقليَّة الجديدة) أ.هـ

وكذلك في هذه الحِقبة المهمة كتَب الكثيرَ من المقالات التي تُناقِض ما جاء في كتاب (الإسلام وأصول الحُكم)، وما جاء كذلك في كتاب (مستقبل الثقافة في مصر)، اللَّذين يتغنَّى بهما أنصارُه ومريدوه والمتعصِّبون له، فقال في (مجلة الهلال-ديسمبر 1940م): (فالدِّين الإسلامي كان وسيكون دائمًا أساسَ الحياة الخُلقية للأمَّة الإسلاميَّة، وقد كان في عصر طويل أساسَ الحياة السياسيَّة والعلميَّة لهذه الأمة أيضًا، وهو الآن وسيكون دائمًا أساسًا لهذه الحياة السياسيَّة والعلميَّة إلى حدٍّ بعيد).

ويقول في (مسامرات الجيب 1947) متحدِّثًا عن أبطال الإسلام الذين عايشهم في إسلامياته: (وليست الخلوةُ إلى النفس شيئًا ميسرًا، وأكاد أعتقد أنِّي لا أظفر بها إلا نادرًا، وإنما الخلوة إلى النَّفس عندي هي أنْ أخلوَ إلى كتاب، فأُعاشِرَ قومًا لا عهد لي بهم، وقد عاشرتُ أثناء هذه الرحلة قومًا أُحبُّ عشرتهم أشدَّ الحب، وهم أولئك الذين نشَروا في الأرض نورَ الإسلام، وأقاموا فيها مجدَ العرَب).

رابعتها: مرحلة الإياب الفِكري الصريح والحاسم إلى أحضان العروبة والإسلام (1952-1960م):
وفيها ظهرت تحوُّلات في فِكر طه حسين أكثرَ فأكثرَ نحو العروبة والإسلام، ومن أبرز هذه التحولات:

- تأكيدُه على حاكميَّة القرآن.

- والانتقال من الفِرعونيَّة إلى العروبة التي صاغَها الإسلام.
- وثناؤه على العلماء المجدِّدين الذين (حاولوا أن يُعمِلوا عقولهم، ويُثبتوا شخصيتَهم، وينشروا النور من حولهم.... ثم قال: وانظر إن شئتَ سِيرة ابن تيمية وما أصابه ...)، في حين يرى المتعصِّبون لطه حسين أنَّ ابن تيمية رأسُ الجمود، بل والإرهاب!
- وزيارته لأرض الحجاز 1955م، وما حصَل فيها من أجواء إيمانية، وقد سُئل فيها عن إحساسه في هذه اللحظات، وعن الدعاء الذي دعا به ربَّه؟ فردَّ قائلًا: (أُوثر أن يُترك الجواب على هذين السؤالين لِمَا بين الله وبيني من حِساب، وإنَّه لعسير. أرجو أن يجعلَ اللهُ من عسره يُسرًا).
- وعندما طلَب زيارة المسجد النبوي، وكان الطريق البري مُغلَّقًا لأجل السيول، صمَّم على الذهاب ولو بالطائرة - وهو لا يركب الطائرة أبدًا -، وعندما طلب منه رفيقُه أمين الخولي أن يؤجِّل الزيارة قال له: (لن أغفرَ ذلك لنفسي أبدًا).
- وقال عند الزيارة للمسجد النبوي: (صليت في المسجد النبوي، وشعرتُ بسمو رُوحي، ووددتُ أنْ لا أبرحَ المسجد، أتابع صلاة الظهر بصلاة العَصر، فلا أُريد غِذاءً ولا طعامًا ولا شرابًا).
- و كتابة كِتابه (مرآة الإسلام) 1959م، الذي يكشف فيه عن ألوانٍ من إعجاز النظم القرآني.
- ثم ختَم بكتابه (الشيخان) 1960م.

ومِن الجدير بالذكر أنَّ طه حسين أوصى أن يُحفَر على القبر الذي دُفن فيه هذا الدُّعاءُ النبويُّ - الذي كان أثيرًا إلى قلبه، قريبًا من لسانه -:
((اللهمَّ لك الحمد، أنت نور السَّموات والأرض ومَن فيهنَّ، ولك الحمد، أنت قيُّوم السموات والأرض، ولك الحمد، أنت ربُّ السموات والأرض ومن فيهنَّ، أنت الحقُّ، ووعدك الحقُّ، والجَنَّة حقٌّ، والنار حقٌّ، والساعة حقٌّ، والنبيُّون حقٌّ، اللهمَّ لك أسلمتُ، وعليك توكلتُ، وبك آمنتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنتَ إلهي لا إله إلَّا أنتَ)).

هذا ما ذكره المؤلف أ.د محمد عمارة في كتابه هذا عن الدكتور طه حسين وقد أفضى الرجل إلى ربه وهو يتولى السرائر.
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 24-02-15, 02:02 AM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
Lightbulb مقال: الدعوة# للمنفلوطي

الدعوة
مصطفى لطفي المنفلوطي

ما من قائم يقوم في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعيًا إلى ترك ضلالة من الضلالات، أو بدعة من البدع، إلا وقد آذن نفسه بحرب لا تخمد نارها، ولا يخبو أوارها حتى تهلك، أو يهلك دونها.
ليس موقف الجندي في معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد في معترك الدعوة، وليس سلب الأجسام أرواحها، بأقرب منالًا من سلب النفوس غرائزها وميولها.. ولا يضنُّ الإنسان بشيء مما تملك يمينه ضنَّه بما تنطوي عليه جوانحه من المعتقدات، وأنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما سالت الدماء، ولا تمزقت الأشلاء في موقف الحروب البشرية، من عهد آدم إلى اليوم إلا حماية للمذاهب، وذودًا عن العقائد.
لذلك كان الدعاة في كلِّ أمة أعداءها وخصومها؛ لأنهم يحاولون أن يرزؤوها في ذخائر نفوسها، ويفجعونها في أعلاق قلوبها.
الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة، وقلوب صابرة على احتمال المصائب والمحن التي يلاقونها في سبيل الدعوة؛ حتى يبلغوا الغاية التي يريدونها أو يموتوا في طريقها.

الدعاة الصادقون لا يبالون أن يسميهم الناس خونة أو جهلة أو زنادقة أو ملحدين، أو ضالين، أو كافرين؛ لأن ذلك ما لا بد أن يكون.
الدعاة الصادقون يعلمون أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم، عاش بين أعدائه ساحرًا كذابًا، ومات سيد المرسلين ... فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياء وأمواتًا.
سيقول كثير من الناس: وما يغني الداعي دعاؤه في أمة لا تحسن به ظنًّا، ولا تسمع له قولًا، إنَّه يضرُّ نفسه من حيث لا ينفع أمته، فيكون أجهل الناس، وأحمق الناس.
هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين، وهذا هو الداء الذي ألمَّ بنفوس كثير من العلماء، فأمسك ألسنتهم عن قول الحق، وحبس نفوسهم عن الانطلاق في سبيل الهداية والإرشاد، فأصبحوا لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما يعلمون، ويعيدوا عليهم ما يحفظون، فجمدت الأذهان، وتبلدت المدارك، وأصبحت العقول في سجن مظلم، لا تطلع عليه الشمس، ولا ينفذ إليه الهواء.
الجهل غشاء سميك يغشي العقل، والعلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويدًا رويدًا، فلا يزال العقل يتألم لحرارتها، ما دام الغشاء بينه وبينها، حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء، فرأى النار نورًا، والألم لذة وسرورًا.
لا يستطيع الباطل أن يصرع الحقَّ في ميدان؛ لأنَّ الحقَّ وجود والباطل عدم، إنما يصرعه جهل [بعض] العلماء بقوته، ويأسهم من غلبته، وإغفالهم النداء به، والدعاء إليه.
محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد متعددون، في عصور متعددة، فيهزه الأول هزة تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقض الثاني منه حجرًا، والثالث آخر. وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر.

الجهلاء مرضى، والعلماء أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي فرارًا من إزعاج المريض، أو خوفًا من صياحه وعويله، أو اتقاء لسبِّه وشتمه، فإنَّه سيكون غدًا أصدق أصدقائه، وأحبَّ الناس إليه.
وبعد: فقليل أن يكون الداعي في الأمة الجاهلة حبيبًا إليها إلا إذا كان خائنًا في دعوته، سالكًا سبيل الرياء والمداهنة في دعوته، وقليل أن ينال حظَّه من إكرامها وإجلالها، إلا بعد أن تتجرع مرارة الدواء، ثم تشعر بحلاوة الشفاء.

الدعاة في هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء، وكظة [الكظة: البطنة] الأرض والسماء، ولكن لا يكاد يوجد بينهم داع واحد؛ لأنَّه لا يوجد بينهم شجاع واحد!
أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء الجامع وخطباء المنابر، كلُّهم يدعون إلى الحقِّ، وكلُّهم يعظون وينصحون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل في سبيل الدعوة ضرًّا، أو يلاقي في طريقها شرًّا.
رأيت الدعاة في هذه الأمة [إلا من رحم الله] أربعة:
- رجلًا يعرف الحقَّ، ويكتمه عجزًا وجبنًا، فهو ساكت طول حياته، لا ينطق بخير ولا شرٍّ.
- ورجلًا يعرف الحقَّ وينطق به، ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة في دعوته، فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها، وكان خيرًا له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المرَّ في (برشامة)؛ ليسهل تناوله وازدراده.
- ورجلًا لا يعرف حقًّا ولا باطلًا، فهو يخبط في دعوته خبط الناقة العشواء في بيدائها، فيدعو إلى الخير والشرِّ، والحقِّ والباطل، والضارِّ والنافع في موقف واحد، فكأنَّه جواد امرئ القيس الذي يقول فيه:
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا
- ورجلًا يعرف الحقَّ، ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجدِّ المجتهد، وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة؛ لأنَّه صاحب هوى، يرى أنَّه لا يبلغ غايته منه، إلا إذا أهلك الأمة في سبيله، فهو عدوها في ثياب صديقها؛ لأنَّه يوردها موارد التلف والهلاك، باسم الهداية والإرشاد، فليت شعري من أي واحد من هؤلاء الأربعة تستفيد الأمة رشدها وهداها؟!
ما أعظم شقاء هذه الأمة، وأشد بلاءها! فقد أصبح دعاتها [إلا من رحم الله] في حاجة إلى دعاة، ينيرون لهم طريق الدعوة، ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها، فليت شعري متى يتعلمون ثم يرشدون؟
------------------------------
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 24-02-15, 02:34 AM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
Lightbulb التَّفسيرُ المُحرَّرُ للقُرآنِ الكَريم - المجلد الأول

التَّفسيرُ المُحرَّرُ للقُرآنِ الكَريم - المجلد الأول

هذا المؤلَّفُ في تفسيرِ القُرآنِ الكريم، يَجمَعُ بين صِحَّة المعلومة، وسُهولةِ العبارة، مع جودةِ السَّبك، وحُسنِ التَّرتيب والتَّبويب، وقدِ اعتُمِد فيه على تَرجيحاتِ المحقِّقين من عُلماء التَّفسير؛ فجاءَ مشتملًا على شَرْح غريبِ القُرآن، وإعرابِ مُشكِلِه، وبَيانِ معناه الإجمالي، وتَفسيرِ آياتِه، مع ذِكر المناسباتِ بينَ الآيات، وذِكْر القِراءاتِ التي لها أثرٌ في التَّفسير، وعَرْضِ ما في آياتِ الذِّكرِ الحَكيمِ مِن فوائدَ تربويةٍ، ولَطائفَ عِلميَّةٍ، ومَحاسِنَ بلاغيَّةٍ. صدَر منه الجزءُ الأوَّل (سورة الفاتحة والبَقرة)، على أن تَتتابَع أجزاؤُه بإذنِ اللهِ تعالى.
تفاصيل الكتاب
العنوان التَّفسيرُ المُحرَّرُ للقُرآنِ الكَريم - المجلد الأول .
المؤلف القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية .
إشراف علوي بن عبدالقادر السقاف.
الطبعة الأولى.
سنة الطبع 1436 هـ.
عدد الأجزاء 1.
عدد الصفحات 944.
السعر (داخل المملكة) 35 ( سعر مخفض ).
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 28-02-15, 08:15 AM
أبو زيد محمد بن علي أبو زيد محمد بن علي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-09
المشاركات: 984
افتراضي القَواعِدُ الأُصوليَّةُ المؤثِّرةُ في فِقهِ الأَمْرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَر

القَواعِدُ الأُصوليَّةُ المؤثِّرةُ في فِقهِ الأَمْرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَر:

هذا الكتابُ فريدٌ من نوعِه، تتبَّع فيه مؤلِّفُه قواعدَ أصول الفقه التي لها أثرٌ في مجال الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكَر، ودَرَسها دراسةً أصوليَّة تطبيقيَّة؛ بحيث يأتي بالقاعدة الأصوليَّة، ويشرحها شرحًا مجملًا، مع ذِكر بعض الأمثلة التوضيحيَّة، وذِكر الخلاف إنْ وُجِد، وتحرير محلِّ النِّزاع، والاستِدلال بها، ثم يُورد الفروعَ المتعلِّقة بموضوع الدِّراسة تحتَ قواعدها الأُصوليَّة، ذَاكرًا أقوالَ الفقهاء بأدلَّتها باختصار، مُعتمِدًا على ما كتَبَه الجهابذة المتقدِّمون، ومستفيدًا ممَّا دوَّنه المتأخِّرون، وأصلُ هذا الكتابِ: رسالةٌ علميةٌ حصل بِها المؤلِّف على درجة العالَميَّة العالية (الدكتوراه)، بدرجة 100 %، وتقدير ممتاز مع مرتبةِ الشَّرفِ الأُولى والتوصية بطِباعتها.
تفاصيل الكتاب
العنوان القَواعِدُ الأُصوليَّةُ المؤثِّرةُ في فِقهِ الأَمْرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَر: .
المؤلف ناصر بن علي العلي الغامدي.
إشراف علوي بن عبدالقادر السقاف.
الطبعة الأولى.
سنة الطبع 1436 هـ.
عدد الأجزاء 1.
عدد الصفحات 1350.
السعر (داخل المملكة) 50 ريال (سعر مخفض).
__________________
مالا يسع المتفقه الحنبلي جهله
https://t.me/fakehhanbly
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:15 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.