ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 19-09-18, 11:31 AM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 23
افتراضي أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

يسرني أن أضع بين يدي إخواني هذا البحث في علم أصول الفقه والذي هو بعنوان: أسباب الاختلاف في مسائل أصول الفقه جمعا ودراسة، والمتمثل في القسم الأول منه في دراسة أسباب الخلاف المتعلقة بمسائل مبحث:الحكم الشرعي، ومبحث: الأمر والنهي، آملا منهم الإفادة والتوجيه والنصح.
المقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أَنْ لا إله إلَّا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه.
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ١٠٢﴾ [آل عمران].
﴿َٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا
زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ
بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١﴾ [النساء].
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١﴾ [الأحزاب].

أمَّا بعد:
فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
إن الوقوف على مدارك المسائل وأسسها، والعنايةَ بمعرفة أسبابها وعوامل نشأتها؛ من أهم الأصول التي ينبغي لطالب العلم تحصيلها والسعي في إدراكها؛ إذ بها تعرف الحقائق، وهي أساس الضبط الصحيح والفهم السليم، بها يعلم الحق من الباطل، ويُتبين الصحيح من الضعيف، والراجح من المرجوح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فإن معرفةَ أصول الأشياء ومبادئها، ومعرفةَ الدين وأصله وأصلِ ما تولد فيه من أعظم العلوم نفعا؛ إذ المرء ما لم يحط علما بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة»( ).
وإن من أهم الأصول التي يجدر العناية بها: معرفة أسباب الاختلاف في مسائل الفنون ومهماتها التي وقع فيها النزاع بين العلماء؛ لما في ذلك من فوائد عظيمة ترجع على الطالب من الجهة العلمية والترقي في مدارج العلم والكمال، ومن الجهة الخلقية في التعامل مع أراء العلماء وأقوالهم والموقف الصحيح من اجتهاداتهم.
ومن أهم العلوم الشرعية وكلياتها التي أجمع العلماء على ضرورة تحصيلها والعناية بضبطها: علم أصول الفقه؛ لكونه مدرك الاجتهاد وعمدة الاستنباط، والطريق الصحيح إلى تحقيق مرتبة الاتباع وترك التقليد ونبذ التعصب، ولما له من أثر واضح وجلي في الوقوف على المصالح التي يستهدفها الشارع الحكيم في الأوامر والنواهي وسائر التشريعات، وغير ذلك من الفوائد والثمار الجليلة.
وقد اختلف علماء أصول الفقه في جملة من مسائل هذا الفن؛ فتعددت أراؤهم وتنوعت في ذلك مشاربهم ومنازعهم، وانسحب ذلك الخلاف على مسائل الفقه والاستنباط؛ للترابط الوثيق بين الفقه وأصوله، وإذا كان هذا الخلاف الفقهي والنزاع الفرعي له أسباب يرجع كثير منها إلى الاختلاف الأصولي؛ فإن خلافهم الأصولي -أيضا- له مدراك وأسباب أدّت إليه، وإذا كان هذا الخلاف الفقهي متأثرا من حيث القوة والضعف والرجحان والمرجوحية بالأصل الفقهي؛ فإن الأصل الفقهي -أيضا- منوط من تلك الحيثية بمعرفة مدركه وسببه، ومن ها هنا وجبت العناية بعلم أسباب الخلاف والوقوف على المدارك التي أثرت في اختلاف العلماء في الفقه وأصوله.
وقد أكرمني الله جل وعلا أن درست شيئا ليس باليسير من مسائل الفقه وأصوله على يد شيخي الفقيه الأصولي أبي عبد المعز محمد علي فركوس –حفظه الله تعالى ومتَّعه بالصحة والعافية-، وكنت قد لاحظت حينها من خلال ما سطَّره في مؤلفاته وكان يذكره في مجالسه العلمية عنايتَه بذكر أسباب الخلاف والبناء عليها، ورأيت أن لذلك ثمرة عظيمة في تكوين الملكة العلمية والوصول إلى الحق والوقوف على الحقيقة؛ فحز في نفسي أن أتناول مسائل علمِ أصول الفقه بذكر أسباب الخلاف فيها على غرار ما صنعه الإمام ابن رشد الحفيد –رحمه الله- في كتابه «بداية المجتهد» مع مسائل الفقه، ولم يغب عن ناظري حينها كتاب الإمام الزركشي –رحمه الله- الفذ في هذا الباب الموسوم بـ«سلاسل الذهب»؛ إذ كان ضمن مقتنياتي الكتبية، لكني وجدته مختصر العبارة، يميل إلى حد الإلغاز، مع عدم تناوله للعديد من المسائل والأسباب، ولا زالت تلك الرغبة قائمة في النفس، يلهج بها الفؤاد، وتتمخض في العقل، وربما أفصحت بها لبعض الأصحاب والإخوان؛ إلى أن يسَّر الله تعالى الشروع في ذلك في غرة شهر شوَّال لعام 1434هـ بالمسجد الحرام، فله سبحانه الحمد والمنة على توفيقه وإنعامه، ومنذ ذلك الوقت وأنا أعمل على هذا البحث في فترات متفاوتة في المسجد الحرام ومكتبته؛ حتى اكتمل –بحمد الله تعالى- هذا القسم منه، والمتمثل في «أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه المتعلقة بالحكم الشرعي والأمر والنهي».
أهداف البحث:
1- يهدف البحث إلى بيان أسباب الخلاف التي أدت إلى اختلاف العلماء في جملة من مسائل أصول الفقه.
2- كما أنه يهدف إلى وضع منظومة متكاملة لمسائل أصول الفقه؛ بسد ثغرة مهمة وتلبية حاجة ملحة، لطالما يلحظها الباحث في مسائل أصول الفقه؛ وذلك بذكر الأسباب التي أدت إلى اختلاف العلماء، لما لذلك من فوائد وأهمية، سيأتي بإذن الله تعالى ذكر لبعضها.
3- محاولة إعطاء صورة تطبيقية لأسس الخلاف الأصولي ومداركه.
أهمية البحث:
وتكمن أهمية البحث فيما يلي:
1- أن هذا الموضوع له أهميته في الوقوف على الحقائق، بعيدا عن التعصب والإجحاف.
2- أن فيه بيانا لعمق التفكير الأصولي، وأسس قيام مناهجه.
3- أنه يسهم في تجلية ترابط العلوم الشرعية، وكونها خادمة لبعضها البعض؛ كما أنه يجلي العلاقة القائمة بين مسائل علم أصول الفقه.
4- أنه يسهم في تكوين الملكة الأصولية والمعرفية لدى الباحث، مما يؤدي إلى حسن الضبط وجودة الإدراك والفهم.
5- ما له من فوائد وثمار سيأتي ذكر لبعضها بإذن الله تعالى.
الدراسات السابقة في الموضوع:
وبعد البحث والاطلاع والتنقيب وجدت أن هذا الموضوع له جدّة من جهة الاستيعاب والتتبع للمسائل والأسباب؛ وإن وجدت كتب وأبحاث تناولت جوانب منه، ومما وقفت عليه:
1- كتاب «سلاسل الذهب» فلإمام الأصولي بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى، وهو كتاب بديع في بابه، لم ينسج مثله على منواله، اعتنى فيه رحمه الله بردِّ المسائل الأصولية إلى مآخذها من مسائل أصولية وعلم الكلام واللغة والفقه، وفي ذلك يقول: «فهذا كتاب أذكر فيه –بعون الله- مسائل من أصول الفقه، عزيزة المنال، بديعة المثال، منها ما تفرع على قواعد منه مبنية، ومنها ما نظر إلى مسألة كلامية، ومنها ما التفت إلى مباحث نحوية، قنصها الفكر وحرّرها، واطلع في آفاق الأوراق شمسها وقمرها؛ ليرى الواقف عليها صحة مزاجها، وحسن اندراج هذه العلوم وامتزاجها، وأن بناء هذا التصنيف على هذا الأصل المبتدع، والإتيان به على هذا النوع المفترع»( ).
ويأخذ الكتاب مكانته من محتواه العلمي الغزير، مع جلالة مؤلفه واضطلاعه بهذا العلم؛ فهو الأصولي النحرير والمدقق الكبير، ولكن أبى الله تعالى العصمة إلا لكتابه؛ إذ يلاحظ على الكتاب:
أ‌- أنه مختصر جدا إلى حدٍّ يصل إلى الإلغاز في كثير من المسائل، ويصعب الاستفادة منه لغير المتخصصين المطلعين على الخلاف الأصولي وما إليه.
ب‌- عدم شموليته، ويظهر ذلك من جهتين:
الأولى: من جهة المسائل الأصولية؛ إذ لم يتعرض لكثير من المسائل الأصولية التي وقع فيها الخلاف.
الثانية: -وهي الجهة الأهم- من جهة تناوله لأسباب الخلاف في المسألة الأصولية؛ إذ غالبا ما يقتصر على إيراد سبب واحد، ولا يزيد إلا في النادر، والواقع أن للمسألة أسبابا أخرى أوجبت الخلاف وأدت إلى النزاع، كما سنحاول بإذن الله تعالى بيانه في هذا البحث.
ومهما يكن من أمر فللإمام الزركشي رحمه الله تعالى أفضلية السبق والتحقيق؛ إذ هو من فتح الباب، وأرشد إلى أهمية العناية بهذا الموضوع، وأعطى صورة عملية له، وما هذا البحث إلا ثمرة من ثماره، واستكمال لما قام به رحمه الله تعالى، وقد استفدت منه كثيرا، جزاه الله خيرا ونفع بعلومه وجعلها في ميزان حسناته.
وهو بسبق حائز تفضيلا
مستوجب ثنائي الجميلا

2- كتاب: «بناء الأصول على الأصول –دراسة تأصيلية مع التطبيق على مسائل الأدلة المتفق عليها-»، للدكتور وليد بن فهد الودعان، وهو رسالة دكتوراه في أصول الفقه، مقدمة لكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، المملكة العربية السعودية، وهذه الدراسة مفيدة جدا، ولها علاقة وطيدة ببحثي هذا؛ إلا أنها أخص منه من جهة سبب الخلاف؛ إذ يقتصر فيها على بيان المأخذ والمدرك الأصولي دون غيره من أسباب الخلاف، وأسباب الخلاف أعم من ذلك، ومن جهة اقتصارها على باب الأدلة المتفق عليها، بخلاف هذا البحث فهو أعم؛ إذ يهدف إلى تناول مسائل أصول الفقه في جملة أبوابه على سبيل التدريج والتسلسل؛ ليكون سلسلة علمية بإذن الله تعالى.
3- كتاب: «تخريج الفروع على الأصول [في باب دلالات الألفاظ] عند الإمام الطوفي في شرح مختصر الروضة»، للدكتور محمد بن عبد الكريم المهنا، وهو رسالة دكتوراه تقدم بها إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ويلاحظ من خلال عنوانها أنها وإن كان لها علاقة بأصل البحث إلا أنها أخص منه، ولا تشترك معه في المضمون؛ إذ هي خاصة بعَلم من الأعلام في كتاب خاص في باب معين من أبواب أصول الفقه.
4- كتاب: «أسباب اختلاف الأصوليين –دراسة نظرية تطبيقية-» للدكتور ناصر الودعاني، وهو في الأصل رسالة دكتوراه تقدم بها إلى كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بالرياض المملكة العربية السعودية، وهو كتاب قيّم ونافع، اعتنى فيه الدكتور وفقه الله تعالى بذكر أسباب اختلاف الأصوليين مع التمثيل لها، وقد استفدت منه مع أني لم أحصل عليه إلا بعد اكتمال البحث من جانبه التطبيقي، وقد آثرت أن أذكر في الجانب الدراسي لهذا البحث ما وقفت عليه من أسباب الخلاف من خلال البحث التطبيقي الذي قمت به، وإني أحمد الله جل وعلا أن وفقني لاستقراء أسباب اختلاف الأصوليين على وجه وافقت فيه غيري، وكم فرحت وحمدت الله تعالى لما اطَّلعت على الكتاب المذكور ووجدت أن جل ما ذُكر في الدراسة من أسباب الخلاف قد وُفّقت في تقريره عمليا في ذكر أسباب الاختلاف، فلله الحمد والمنة، وظاهر أن الكتاب موضوع لتأصيل أسباب اختلاف الأصوليين مع التمثيل لها ببعض المسائل الأصولية، وأما هذا البحث فهو يهتم بالجانب التطبيقي بذكر أسباب الخلاف في المسائل الأصولية.
وتجدر الإشارة إلى أني لا أزعم أني أتيت بالجديد، أو ابتكرت من المعاني ما لم أسبق إليه، بل أقر بأن هذا العمل المتواضع إنما هو امتداد لما كتبه العلماء والباحثون في هذا المجال، ولم يكن عملي في الغالب متمثلا إلا في الجمع والتوفيق والتتبع لأقوال العلماء مع شيء من الترتيب والتهذيب؛ ولذلك فلا يستغرب الناظر فيه من كثرة النقول؛ فإن من بركة العلم عزوَه إلى قائله، ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.
خطة البحث:
وتتكون من مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول:
المقدمة: وتتضمن سبب اختيار الموضوع، وأهدافه وأهميته، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج المتبع فيه.
التمهيد: ويمثل الجانب الدراسي النظري للبحث، وهو عبارة عن مقدمة تأصيلية للموضوع؛ تتمثل في ذكر مباحث تتعلق بالجانب النظري لعلم أسباب اختلاف الأصوليين، وتتضمن المباحث التالية:
المبحث الأول: في تعريف علم أسباب اختلاف الأصوليين.
المبحث الثاني: في ذكر أسباب اختلاف الأصوليين على وجه إجمالي.
المبحث الثالث: في بيان فوائد وثمار علم أسباب اختلاف الأصوليين.
وأما الفصول الثلاثة والتي تمثل الجانب التطبيقي لهذا البحث؛ فهي في ذكر أسباب اختلاف الأصوليين في المسائل المتعلقة بتعريف علم أصول الفقه، ومسائل الحكم الشرعي، ومبحث الأمر والنهي، وهي على النحو التالي:
التمهيد: يذكر فيه العلاقة بين مبحث الأمر والنهي ومبحث الحكم الشرعي، ووجه الجمع بينهما في هذه الدراسة.
الفصل الأول: في ذكر أسباب اختلاف العلماء في تعريف علم أصول الفقه.
الفصل الثاني: في ذكر أسباب اختلاف الأصوليين في المسائل المتعلقة بالحكم الشرعي، ويتضمن تمهيدا وخمسة مباحث:
التمهيد: في أهمية الحكم الشرعي ضمن المباحث الأصولية، وبيان أركانه وأقسامه إجمالا.
المبحث الأول: في ذكر أسباب اختلاف العلماء في تعريف الحكم الشرعي، ويتضمن ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: هل يصح أن يسمى الكلام في الأزل خطابا؟
المسألة الثانية: الحكم هل هو نفس الخطاب، أم هو أثره ومدلوله؟
المسألة الثالثة: في تقسيم الحكم الشرعي.
المبحث الثاني: في ذكر أسباب اختلاف العلماء في المسائل المتعلقة بالحاكم، ويتضمن مسألة، وهي:
مسألة التحسين والتقبيح العقليين.
المبحث الثالث: في ذكر أسباب اختلاف العلماء في المسائل المتعلقة بالمحكوم فيه، ويتضمن أربعة مسائل:
المسألة الأولى: هل يصح التكليف بغير المقدور أم لا؟
المسألة الثانية: التكليف هل يتوجه حال مباشرة الفعل أو قبلها؟
المسألة الثالثة: في مقتضى التكليف في النهي.
المسألة الرابعة: هل يشترط في الفعل المكلف به أن يكون من كسب المكلف؟
المبحث الرابع: في ذكر أسباب اختلاف العلماء في المسائل المتعلقة بالمحكوم عليه، ويتضمن خمس مسائل:
المسألة الأولى: في صحة تكليف من قام به مانع من الموانع.
المسألة الثانية: في تكليف المكره.
المسألة الثالثة: في خطاب الكفار بفروع الشريعة.
المسألة الرابعة: في تكليف المعدوم.
المسألة الخامسة: في اشتراط علم المخاطب بالأمر.
المبحث الخامس: في ذكر أسباب اختلاف العلماء في أقسام الحكم الشرعي، ويتضمن فصلين:
الأول: في ذكر أسباب اختلاف العلماء في المسائل المتعلقة بالحكم التكليفي، ويتضمن سبع مسائل:
المسألة الأولى: في أقسام الحكم التكليفي.
المسألة الثانية: في تحقيق النسبة بين الفرض والواجب.
المسألة الثالثة: في إثبات الوجوب الموسع.
المسألة الرابعة: فرع في الواجب الموسع.
المسألة الخامسة: في الواجب المخير.
المسألة السادسة: إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز؟
المسألة السابعة: هل المباح مأمور به أم لا؟
الثاني: في ذكر أسباب الخلاف المتعلقة بالحكم الوضعي، ويتضمن أربع مسائل:
المسألة الأولى: في فاعلية السبب.
المسألة الثانية: في تعريف الصحة.
المسألة الثالثة: في التفريق بين الفاسد والباطل.
المسألة الرابعة: في موجب القضاء.
الفصل الثالث: في ذكر أسباب اختلاف الأصوليين في المسائل المتعلقة بالأمر والنهي، ويتضمن تمهيدا ومبحثين:
فأما التمهيد: ففي أهمية هذا المبحث، وذكر العلاقة بين الأمر والنهي.
وأما المبحث الأول: ففي ذكر المسائل المتعلقة بالأمر، ويتضمن ثلاث عشرة مسألة:
المسألة الأولى: الأمر حقيقة في ماذا؟
المسألة الثانية: هل للأمر صيغة تخصه؟
المسألة الثالثة: هل يشترط في الأمر الإرادة؟
المسألة الرابعة: هل يشترط في الأمر الرتبة؟
المسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به أم لا؟
المسألة السادسة: مدلول صيغة الأمر وموجبها؟
المسألة السابعة: في نوع القرينة التي تصلح لصرف صيغة الأمر عن مدلولها الحقيقي.
المسألة الثامنة: هل صيغة الأمر تقتضي التكرار؟
المسألة التاسعة: هل صيغة الأمر تقتضي الفور؟
المسألة العاشرة: ما لا يتم الواجب إلا به؛ هل هو واجب؟
المسألة الحادية عشر: الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟
المسألة الثانية عشر: الأمر هل يقتضي الإجزاء؟
المسألة الثالثة عشر: مقتضى صيغة الأمر بعد الحظر.
وأما المبحث الثاني: ففي ذكر المسائل المتعلقة بالنهي، ويتضمن مسألتين:
المسألة الأولى: الفعل الواحد هل يجوز أن يكون مأمورا به منهيا عنه؟
المسألة الثانية: في اقتضاء النهي الفساد.
منهج البحث:
وقد سلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي المبني على التتبع والاستنباط، وقد قرنته بدراسة ما وقفت عليه من أسباب للخلاف، وذلك وفق ما يلي:
- قد جعلت لكل مسألة عنوانا يترجم عنها.
- جعلت تحت كل مسألة ثلاثة مطالب:
1- المطلب الأول: في صورة المسألة وتحرير محل النزاع فيها.
2- المطلب الثاني: في ذكر الأقوال في المسألة واختلاف العلماء فيها.
3- المطلب الثالث: في ذكر سبب اختلاف العلماء في المسألة.
- جمعت في ذكر سبب الخلاف بين الجمع والاستنتاج والدراسة؛ بحيث أني أبحث في كل مسألة متتبعا أقوال العلماء؛ فإذا وجدت تصريحا أو إشارة من بعضهم للسبب ذكرته، وأتبعته بالدراسة، وإذا لم أجد من ذكر سبب الخلاف أو ظهر لي أن في المسألة أسبابا أخرى لم أطلع على من ذكرها أوردتها وأيدتها باستدلالات العلماء أو مناقشاتهم.
- اعتنيت ببيان مذهب أهل السنة والجماعة في الأصول العقدية المؤثرة على جملة من مسائل علم أصول الفقه.
- ذكرت في هامش كل مسألة؛ تحت مطلب: «الأقوال في المسألة واختلاف العلماء فيها» المصادر التي رجعت إليها في بحث المسألة.
- ذكرت في مواضع قليلة تنبيهات اقتضاها البحث.
- قدمت بين يدي كل مبحث تمهيدا يعطي صورة عنه، ويساعد في الربط بين المباحث والمسائل.
- اعتمدت في ذكر الآيات القرآنية على خط المصحف العثماني، مع عزوها إلى سورها، وذكر رقم الآية.
- قمت بتخريج الأحاديث النبوية من مصادرها.
- لم أترجم للعلماء المذكورين في البحث لكثرتهم، وشهرة أكثرهم عند المشتغلين بالفن.
- قمت بوضع فهرس للمصادر والمراجع المشار إليها في البحث، وفهرس للموضوعات.
هذا هو المنهج الذي سرت عليه في هذا القسم الأول من سلسلة: «أسباب اختلاف العلماء في مسائل أصول الفقه»، والمتعلق بمبحث الحكم الشرعي ومبحث الأمر والنهي، وسأسير عليه بإذن الله تعالى في سائر أقسام السلسلة، نسأل الله تعالى التوفيق والإعانة.
وإني أشكر الله تعالى وأحمده على لطفه وحسن توفيقه ومعونته؛ فله سبحانه الحمد على ما أنعم ويسَّر، ثم إني أشكر من حقهما بعد حقه تعالى: والدي الكريمين جزاهما الله تعالى خيرا على حسن التربية ودوام العناية والتوجيه، كما أني أتقدم بالشكر الجزيل لشيخي أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله تعالى، سائلا الله جل وعلا أن يجزيه خيرا وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأقدم شكري وامتناني لجميع مشايخي وأساتذتي جزاهم الله خيرا، وإلى كل من أعانني من الإخوان والأصحاب أجزل الله لهم الأجر والثواب، ولا يفوتني أن أشكر في هذا المقام القائمين على مكتبة المسجد الحرام، وما تقدمه الرئاسة العامة لشؤون الحرمين من خدمات جليلة لرواد بيت الله الحرام ومكتبته.
ويعد هذا البحث باكورة ما أقدمه للقراء الكرام؛ على قلة في الزاد وضعف في التحصيل، ولم آل جهدا في تقويمه وتصويبه، وقد أبى الله تعالى العصمة إلا لكتابه؛ فرحم الله تعالى امرءا أرشد إلى الخلل مع لطف وحسن ظن، فذلك من شيم الكرام الكبار نفوسهم، ونعوذ بالله تعالى من الشامتين المتصيدين لعثرات إخوانهم، والله تعالى هو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتبه: سفيان بن بلقاسم مجاري
في المسجد الحرام: بعد العصر من يوم الأحد: 14 ربيع الثاني 1437هـ
الموافق لـ:24/01/2016م.
يتبع ...
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19-09-18, 12:45 PM
إحسان القرطبي إحسان القرطبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-10-09
المشاركات: 1,210
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

لو تضع لنا الرسالة نحملها أفضل و نحتفظ بها
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-09-18, 04:40 PM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 23
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

التمهيد: في المقدمة الدراسية التأصيلية.
وتتضمن ثلاثة مباحث:
1- تعريف علم أسباب اختلاف الأصوليين.
2- أسباب اختلاف الأصوليين إجمالا.
3- فوائد وثمار معرفة أسباب الاختلاف.
وهذه المقدمة التمهيدية إنما اقتضاها البحث، ولم نجد بدا من إثباتها، وإلا فقد ألّف فيها الدكتور ناصر الودعاني دراسة مستقلة أعدها للدكتوراه؛ يمكن الرجوع إليها لاستزادة الاستفادة في الموضوع؛ ولذلك تناولت هذا الجانب التأصيلي على سبيل الإجمال والاختصار، واقتصرت على ذكر هذه المقدمة لتكون كالمدخل للبحث.

[SIZE="6"]المبحث الأول: تعريف علم أسباب اختلاف الأصوليين:[/SIZE]
وقبل تعريف هذا العلم باعتبار العلمية واللقبية، يجدر بنا أن نتعرض لبيان مفرداته وتوضيح أجزائه؛ لأثر ذلك على تصور حقيقة هذا العلم، والإحاطة بموضوعه وغايته.
تعريف «العلم»: هو في اللغة: الإدراك مطلقا، ويراد به ها هنا المعلومات التي من شأنها أن يقع عليها الإدراك، وقد ذكر الكفوي في «الكليات» أن لفظ العلم يطلق ويراد به ثلاثة معان؛ فقال: «والعلم يطلق على ثلاثة معان بالاشتراك:
أحدها: يطلق على نفس الإدراك.
وثانيها: على الملكة المسماة بالعقل في الحقيقة، وهذا الإطلاق باعتبار أنه سبب الإدراك، فيكون من إطلاق السبب على المسبب.
وثالثها: على نفس المعلومات، وهي القواعد الكلية التي مسائل العلوم مركبة منها، وهذا الإطلاق باعتبار متعلق الإدراك، إما على سبيل المجاز أو النقل»( )، والمعنى الثالث هو المراد هنا.
تعريف: «أسباب»: وهي جمع سبب، قال ابن منظور: «السبب: كل شيء يتوصل به إلى غيره»( )، ومنه سمي الطريق سببا والحبل سببا والباب سببا والشفيع سببا؛ لأن هذه الأشياء يتوصل بها إلى غيرها( ).
ويراد به هنا: الطريق والمأخذ الذي أدى إلى اختلاف الأصوليين في مسألة ما، ويُعبَّر عنه في كلام الأصوليين والفقهاء بعبارات مختلفة ترجع إلى معنى واحد، منها: البناء ومنه سمي هذا العلم بـ:بناء الأصول على الأصول، ومنها: التفريع، ومنه قولهم في حقيقة هذا العلم أنه تخريج الفروع على الأصول؛ باعتبار أن الأصل الفقهي فرع عن سببه ومنشأه، ومنها: الأصلية كقولهم: أصل المسألة هو كذا؛ لأن المسألة تبنى وتتفرع عنه فكان أصلا، ومنها: التخريج كقولهم: يُخرّج هذا الأصل على كذا، من الأصول والأسباب المؤدية إليه، ومنها: مأخذ الخلاف والنزاع، ومنها: منشأ الخلاف والنزاع، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على هذا المعنى( ).
تعريف «اختلاف»: الخلاف: التضاد والتنازع، قال الفيومي: «تقول: خالفت فلانا أخالفه مخالفة وخلافا، وتخالف القوم واختلفوا: إذا ذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر»( )، وقال ابن منظور: «الخلاف: المضادة»( )، وبقريب من هذا المعنى عُرّف في الاصطلاح، قال ابن عقيل: «[الخلاف هو:] الذهاب إلى أحد النقيضين من كل واحد من الخصمين، أصل ذلك من الذهاب في الجهات، كذهاب أحدهما يمينا والآخر شمالا، والخلاف في المذهب –وهو مقصدنا بالبيان هنا- أن يذهب أحدهما إلى جهة الإثبات والآخر إلى جهة النفي، كقولك: القياس حجة، وقول الآخر: ليس بحجة؛ فالقولان نقيضان لا يجتمعان في الشريعة؛ إذ لا يجوز أن يكون القياس حجة لا حجة لله في زمن واحد»( ).
تعريف «الأصوليين»: جمع أصولي، منسوب إلى علم أصول الفقه، والمراد به المستقل بأصول الفقه، العارف بقواعده، العالم بمباحثه ومسائله، المدرك لحقائقها، فـ«لا يكفي معرفة مسائل الأصول المقررة عند الأئمة، بل يلزمه إدراكها بنفسه كما أدركها الأئمة قبل تدوين علم الأصول، حتى يتسنى له ردّ الفروع إلى أصولها بأيسر طريق وأقل عمل»( )، «ومرادنا بـ: «الأصوليين» في هذه الدراسة من هم أعم من ذلك بحيث يتناول كل من أقيم خلافه في مسائل أصول الفقه ومصنفاته، سواء كان من أهل ملتنا أو غيرهم كاليهود، وسواء كان من أهل السنة أو البدعة كالإمامية، وسواء كان من المنسبين إلى المذاهب الفقهية أو غيرهم كالظاهرية.
ولا يتعارض هذا المنهج مع الإقرار بأن بعض من ذكر في مسائل أصول الفقه من الأشخاص والطوائف والمذاهب لا يعتد بخلافه؛ لأننا هنا نقيم واقعا ليس لنا أن نتخير فيه، ولأن في ذلك تعميما للفائدة وتكثيرا لها؛ ببيان الأسباب الداعية إلى مخالفتهم، والتنبيه على ما ترتبه أقوالهم، والتحذير من الاقتداء بهم، مثل ما نقل سبحانه مخالفة اليهود في النسخ بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ﴾ [البقرة: 142]، وهكذا فعل الأئمة والمصنفون في أصول الفقه وغيره»( ).

تعريفه باعتبار العلمية واللقبية:
لم أطّلع على من عرّف علم أسباب اختلاف الأصوليين بذكر حقيقة شاملة لموضوعه؛ وقد يرجع ذلك إلى جدّة هذا الفن وقرب العهد بنشأته؛ مع أن مفرداته قد تكفي في بيان حقيقته، وإذا أردنا أن نسوغ حقيقة هذا العلم بناء على معاني مفرداته وأجزائه ضمن قالب تعريفي؛ فإنه يمكن أن يقال: علم أسباب اختلاف الأصوليين هو: «علم يعني بتقعيد الأصول الكلية والمآخذ الإجمالية التي أدت إلى اختلاف علماء أصول الفقه ووجود المضادة بين أقوالهم في جملة من مسائل هذا العلم ومباحثه»، وسبب الخلاف عند الأصوليين هو: «المأخذ الذي أدّى إلى اختلاف العلماء ووجود التنازع بينهم في حكم مسألة أصولية ما».
... يتبع بإذن الله تعالى
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 22-09-18, 04:39 PM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 23
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

المبحث الثاني: أسباب اختلاف الأصوليين:
وقد اعتمدت في ذكر هذه الأسباب على المنهج الاستقرائي؛ عن طريق تتبع أسباب الخلاف في جملة من مسائل أصول الفقه المختلف فيها، والتي ضمنتها في هذا القسم من البحث، وقد اجتمع عندي على وفق ذلك التتبع أن أسباب اختلاف الأصوليين ترجع في الجملة إلى:
1- الاختلاف في الأصل العقدي: وهذا السبب هو من أبرز الأسباب التي أوجبت الاختلاف والتنازع في كثير من مسائل علم أصول الفقه؛ باعتبار أن علم الكلام والعقيدة أحد الأصول التي يستمد منها هذا العلم، ولا غرو حينئذ أن يختلف العلماء في مسائل منه بناء على اختلاف معتقدهم في الأصل الذي يستمد منه الفرع الأصولي؛ لوجود التلازم بين الأصل والفرع من جهة الإثبات والنفي، قال الطوفي: «أجمع الأصوليون والفقهاء على استمداد أصول الفقه من ثلاثة أشياء: علم الكلام لتوقف الأدلة الكلية الدالة على وجود الباري وبعثة الرسل عليه ...»( )، وقال الغزالي: «ووجه استمداده من الكلام أن الإحاطة بالأدلة المنصوبة على الأحكام مبناها على تقبل الشرائع وتصديق الرسل، ولا مطمع فيه إلا بعد العلم بالمرسل»( )، وقال ابن برهان: «وأما وجه استمداده في علم الكلام فهو أن هذا الفن يفتقر إلى الميز بين الحجة والبرهان والدليل؛ وهذا يقرر في فن الكلام»( )، ويبين لنا علاء الدين السمرقندي تاثير الاعتقاد على تقرير المسائل وتحريرها، ووقوع التأليف على حسبها بقوله: «اعلم أن أصول الفقه والأحكام فرع لعلم أصول الكلام، والفرع ما تفرع عن أصله، وما لم يتفرع عنه فليس من نسله؛ فكان من الضرورة أن يقع التصنيف في هذا الباب على اعتقاد مصنف الكتاب»( )، وتأثير هذا السبب في مسائل هذا العلم بيّن وظاهر في الكثير منها؛ حتى صار للأشاعرة والمعتزلة وغيرهم أراء خاصة في هذا العلم بنوها على أصولهم العقدية وأرائهم الكلامية، واشتد فيها النزاع بينهم وطال، خصوصا فيما يتعلق بموضوع هذا القسم من الدراسة في مباحث الحكم الشرعي والأمر والنهي.
بل إن كثيرا من مسائل علم الكلام أدخلت في علم أصول الفقه، وبحثت ضمن مسائله، والداعي لها أمران:
الأول: غلبة الكلام على طباع كثير من الأصوليين؛ لاشتغالهم به وبروزهم فيه، كما قال الغزالي: «وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم؛ فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة»( ).
الثاني: ابتناء الفرع الأصولي على ما تقرر في علم الكلام من حيث الإثبات والنفي؛ فيستطرد بعضهم في تقرير الأصل ليصح له الفرع، حتى ربما قرَّروا بعض مسائل علم الكلام وبحثوها ضمن مسائل علم أصول الفقه، وجعلوها مقدمات لمسائل أخر من هذا العلم، حتى صارت وكأنها من مباحثه الأصلية.
وإذا علمنا هذا اتضحت لنا أمور، منها:
- ضرورة الاهتمام بالمعتقد الصحيح المبني على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وفق فهم سلف الأمة وخيارها؛ ليصح البناء الأصولي، وتسلم تلك الفروع من مذاهب الزيغ والضلال.
- وجوب التنبه عند دراسة مسائل هذا العلم والمطالعة في كتب الأصول للأصول الكلامية التي قد تبنى عليها المسألة، فربما يستحسن القارئ أو الباحث رأيا أصوليا، وقد بني ذلك الرأي على أصل فاسد ورأي كاسد من معتقدات أهل البدع والضلال، «وهذه المسائل الكلامية الواردة في كتب الأصول لا يدرك ما تؤدي إليه من التزامات باطلة إلا القليل من طلبة العلم، ولا يعرف أصول هذه المسائل ومنشأ الخلاف فيها إلا أقل من ذلك القليل، ومعرفة أصل المسألة ومنشأ الخلاف ذو فائدة جليلة لمن أراد معرفة حقائق الأشياء؛ لأن طالب العلم ما لم يحط بأصل المسألة وأصل ما تولدت عنه يبقى في حيرة ولبس»( ).
- أهمية تصفية كتب الأصول ومسائله من الشوائب والدخيل؛ مما لا يتناوله موضوعه ولا تستدعيه مسائله مما هو من العواري؛ على حد قول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: «كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك؛ فوضعها في أصول الفقه عارية»( )، وقال المازري: «اعلم أن المطلوب من أصول الفقه الانتفاع بها في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية، وما لا منفعة فيه في الفقه فلا معنى لعدّه من أصوله»( ).
- أن كثيرا مما يزعمه بعض الأصوليين من كونه أصلا أو مدخلا لمسألة ما لا يصح الاعتماد عليه، ولا يعتبر في أصل الشريعة كذلك، بل هو من أرائهم العقلية ونظراتهم الفلسفية، ومن جملة ذلك مسائلُ علم المنطق، الذي يعتبر كالمدخل إلى الفلسفة والإلهيات، والذي جعله الأصوليون تبعا للغزالي وغيره من المبادئ الكلامية؛ التي لا بد من الإحاطة بها قبل تناول مسائل هذا العلم والولوج فيه.
- أن الأولى أن يقال في التعبير عن هذا السبب: «المسائل أو الأصول العقدية»؛ لاختصاص اسم العقيدة في عرف الشرع بالمسائل العلمية المأخوذة من الكتاب والسنة الصحيحة، بخلاف قولهم: «علم الكلام»؛ فإن الكلام قد اختلط بالعلوم العقلية وأصبح عماده على النظر المنطقي والفلسفة اليونانية.
- قد شاع عند المتأخرين تسمية علم العقيدة بـ: «أصول الدين»، وبالنظر إلى هذا السبب، ومراعاةً لهذه التسمية يمكن أن يقال في تسمية عملية تخريج المسائل على الأصول العقدية بأنها عملية: «تخريج الأصول على الأصول»، أو: «بناء الأصول على الأصول»، مع التنبيه إلى أن هذا التعبير يطلق ويراد به أحد ثلاثة معان:
الأول: تخريج مسائل أصول الفقه على أصول نشأتها؛ فيكون المراد بـ: «الأصول» في قولنا: «تخريج الأصول» أو «بناء الأصول»: مسائل أصول الفقه، ويكون المراد بـ: «الأصول» في قولنا: «على الأصول»: الأصول التي إليها مرجع مسائل هذا العلم، كما هو موضوع هذه الدراسة.
الثاني: بناء مسائل أصول الفقه على المسائل العقدية؛ فالمراد بـ: «الأصول» في الشق الثاني من الترجمة: هو الأصول العقدية، وهي المعروفة بـ: «أصول الدين».
الثالث: بناء مسائل من أصول الفقه على مسائل أخرى من أصول الفقه؛ فيكون المراد بـ: «الأصول» في كلا الموضعين: أصول الفقه، وكل هذه المعاني الثلاثة مستعملة.
2- الاختلاف في مسائل من اللغة العربية: وذلك أن اللغة العربية أحد المقومات والموارد التي تستمد منها مسائل علم أصول الفقه، بل إن اللغة العربية هي قوام هذا العلم وعماد جل وأهم مباحثه؛ إذ إن الأدلة الشرعية والأصول الكلية التي إليها المرجع في الاستدلال والاستنباط هي كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهما بلسان عربي مبين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ٢﴾ [يوسف]، قال الطوفي في معرض ذكره لمواد علم أصول الفقه: «والعربية؛ لتوقف معاني كلام الله وسنة رسوله عليها»( )، وقال أيضا: «علم العربية أصل من أصول أصول الفقه»( )، وهذا يعني أن فهم هذين الأصلين، -بل إن فهم الشريعة، وإدراك حقائقها- متوقف على الإحاطة بهذه اللغة ومعرفة أسرارها، وفي ذلك يقول الجويني: «الشريعة عربية ولن يستكمل المرء خلال الاستقلال بالنظر في الشرع ما لم يكن ريَّانا من النحو واللغة»( ).
وحينئذ فإنه سيكون للاختلاف في مسائل من اللغة العربية أثر مباشر وجلي في الاختلاف الشرعي، بما فيه الفقه وأصوله، وتأثير اللغة العربية على مسائل علم أصول الفقه أمر ثابت بالتتبع والاستقراء، خصوصا فيما يتعلق بجانب الألفاظ ووجوه دلالتها على المعاني والأحكام، وكان من جملة القواعد الأصولية المؤثرة في الأحكام الفرعية: «القواعد الأصولية اللغوية»، «وهي القواعد التي يكون مصدرها أدلة لغوية، بمعنى أنها موجودة في لغة العرب، ويعرف مدلولها باستقراء كلامهم، وهذه القواعد هي أكثر القواعد الأصولية، وببحث هذه القواعد ظهرت عبقرية الأصوليين اللغوية، بما فاقوا به اللغويين في عدد من المواضع؛ حتى أصبح اللغويون يرجعون في بحث هذه القواعد –مع أنها قواعد لغوية- إلى الأصوليين، معترفين لهم بالسبق والفضل في هذا الميدان ... وبمثل هذه القواعد يفهم مدلول الخطاب الشرعي؛ لأن الأصل جريانه على وفق لسان العرب، ولأجل عظم قدر هذه القواعد اشترط الأصوليون في المجتهد العلم باللغة العربية، وبيَّنوا ضابط ذلك؛ بأنه القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال، مما يتوقف عليه استثمار الحكم من الدليل»( )، وفي هذا يقول الشاطبي: «وغالب ما صنف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية»( ).
وهذا كله يعني أن الاختلاف في اللغة العربية مؤثر في الاختلاف في صياغة القاعدة الأصولية اللغوية وتقريرها، واختلاف اللغويين أمر معروف ومشهور، إما لاختلاف لغة العرب، وإما لاختلافهم في فهمهم لها وعلمهم بها، أو غير ذلك( )، وتبعا لذلك اختلف الأصوليون في جملة من مسائل هذا العلم.
وهذا مما يؤكد ضرورة اعتناء الأصولي بمعرفة قدر لازم من اللغة العربية وعلومها؛ حتى يتسنى له الوقوف على الصواب من الأقوال عند التنازع والاختلاف، وإلا كان مقلدا في تقرير المسائل أو متحكما في الترجيح بين الأقوال التي مردها إلى الاختلاف اللغوي، قال الزركشي: «إن الأصولي إنما احتاج إلى معرفة الأوضاع اللغوية ليفهم الأحكام الشرعية، وإلا فلا حاجة بالأصولي إلى معرفة ما لا يتعلق بالأحكام والألفاظ»( ).
3- وجود التنازع والاختلاف في بعض القواعد والمسائل الأصولية: وذلك أن من مسائل أصول الفقه ما هو فرع عن أصل فقهي آخر، وقد تكون العلاقة بين الأصلين التلازم؛ فيتأثر الفرع بأصله، وصحة الملزوم تابعة للوازمه، ووجود التداخل والتلازم بين مسائل هذا العلم أمر ملحوظ ومشاهد في كثير منها في مختلف أبوابه، وهذا يؤكد ترابط مسائل هذا العلم، وكونها متلازمة في البناء والاستدلال، وهو أمر له أهميته في الضبط والإدراك الجيد للمسائل والقواعد؛ فإن المرء كلما أدرك التداخل بين مسائل العلم، وفهم وجه انبناء بعضها على بعض حصلت له الملكة فيه، وصارت عنده كالعقد المنظوم والسلسلة المتكاملة، ويسلم بذلك من التناقض والاضطراب في التقرير والاستدلال، كما أن هذا البناء قد يكون طريقا من طرق الاستدلال عن طريق الفرعية واللزوم، وفي ذلك يقول الباجي: «فإن أراد أن يبني المسألة على غيرها جاز، وإنما كان كذلك لأن البناء بيان طريق من طرق المسألة؛ فهو بمنزلة سائر طرق المسألة»( )، والحاصل «أن استقراء الخلاف الأصولي كاف في إثبات بناء بعضه على بعض؛ فإن من تتبع كثيرا من خلافات الأصوليين وجدها متفرعة على خلافاتهم في مسائل أصول الفقه»( ).
وقد أشار الزركشي إلى هذا السبب في مقدمة كتابه «سلاسل الذهب» بقوله: «فهذا كتاب أذكر فيه –بعون الله- مسائل من أصول الفقه، عزيزة المنال، بديعة المثال؛ منها ما تفرع على قواعد منه مبنية...»( ).
وينبغي أن يلاحظ أن هذا التداخل والتلازم ليس أمرا محتوما من جهة لزوم البناء، بل قد يتخلف لوجود مانع اقتضى ذلك، وقد يتجاذب المسألة الأصولية أكثر من أصل؛ فتتوارد عليها عدة أصول؛ فيمتنع البناء على أحدها تحكما، ويلحق الفرع بأقواها من حيث النظر والاستدلال.
4- تأثير الفروع الفقهية في إنشاء القواعد الأصولية: والبحث في هذه السبب إنما هو بحث في مسألة: «حكم تخريج الفروع من الأصول»، وتتمثل إشكاليتها في: هل يصح وضع أصول فقهية بناء على ما ثبت في فروع الفقه وجزئياته من مسائل وأحكام، أم لا يصح ذلك؟ ولذلك عرَّف الدكتور يعقوب الباحسين حفظه الله علم تخريج الأصول من الفروع بقوله: «هو العلم الذي يكشف عن أصول وقواعد الأئمة من خلال فروعهم الفقهية وتعليلاتهم للأحكام»( )، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين( ):
الأول: القول بالمنع، وعدمِ صحة تخريج الأصول من الفروع، وهو القول المنسوب إلى جمهور الأصوليين، قال ابن برهان في مسألة أصولية: «لم ينقل عن الشافعي ولا عن أبي حنيفة رحمه الله نص في ذلك، ولكن فروعهم تدل على ذلك، وهذا خطأ في نقل المذاهب؛ فإن الفروع تبنى على الأصول، ولا تبنى الأصول على الفروع»( )، وقال الجويني: «الأصول لا تصح على الفروع؛ فإن تخلفت مسألة فلتمتحن بحقيقة الأصول، فإن لم تصح فلتطرح»( )، وقال ابن عقيل: «اعلم انه لا يجب نصرة أصول الفقه على مذهب فقيه؛ بل الواحب النظر في الأدلة، فما أداه الدليل إليه، كان مذهبه بحسبه، وبنى على ذلك الأصل، ونعوذ بالله من اعتقاد مذهب، ثم طلب تصحيح أصله، أو طلب دليله»( ).
الثاني: القول بصحة ذلك وجوازه، وهو قول منسوب إلى الحنفية؛ بناء على طريقتهم في التأصيل والتدوين لمسائل هذا العلم، قال الزركشي: «وقد يوجد الخلاف في الأصول من الخلاف في الفروع؛ وهذه طريقة الحنفية في كتبهم الأصولية، ويقيّدون منها القواعد الأصولية، وهذه الطريقة غير مرضية»( ).
وبالنظر في أدلة القوم وتعليلاتهم يمكن أن يقال: إن تخريج الأصول من الفروع له صورتان؛ بناء على طبيعة الفروع ومنشأها وطريق النظر فيها:
الأولى: أن تكون تلك الفروع فروعا فقهية مبنية على الاستنباط والاجتهاد، خاضعة للاختلاف والنزاع؛ فإنه في هذه الحالة يمنع أن تكون مصدرا لتأصيل الأصول الكلية للشريعة الإسلامية؛ إذ هي لا تدل إلا على أصل الإمام أو المجتهد، ويبقى النظر في صحة استخراج الأصل الفقهي للإمام أو المجتهد من خلال طبيعة الاستقراء، والذي يظهر هو صحة ذلك في الاستقراء التام المبني على النظر والملاحظة لجملة من الفروع الفقهية الواردة عن الإمام، وهذا صنيع معمول به عند سائر أصحاب المذاهب –وإن نسب إلى الحنفية خاصة-( )، لكنه قد ينازع في صحة نسبة بعض الأصول للأئمة بناء على وجود الخلل في الاستقراء؛ «فإن نسبة الأصول والقواعد إلى الأئمة يحتاج إلى مزيد من البحث والتأمل وتتبع ما نقل عنهم من تراث فقهي أو أصولي أو غير ذلك، والتعرف على الطريق الذي اتّبع في تخريج الأراء ونسبتها إليهم، لكننا ننبه هنا إلى أن كثيرا من الانتقادات المتعلقة بالنسبة؛ كانت لتخريجات مبنية على عدد محدود من الفروع، وربما كان بعضها مبنيا على فرع واحد، الأمر الذي أدى إلى نسبة الأراء المتعددة والمتناقضة إلى بعض الأئمة في بعض الأحيان، وفي المسألة الواحدة، ولو كان التخريج مبنيا على الاستقراء التام أو الواسع النطاق؛ باستقصاء كل ما ورد عن الإمام؛ فإن ذلك يصلح طريقا إلى التأصيل، ويحقق غلبة الظن بمآخذهم وما استندوا إليه في التفريع، وهذا المنهج هو الذي قامت عليه سائر العلوم، وبه استنبطت شروطها ووضعت ضوابطها، والله أعلم»( ).
الثانية: أن تكون تلك الفروع فروعا فقهية منصوصة، واردة في الكتاب والسنة؛ فإن استقراءها وملاحظة ما تشترك فيه بغية وضع أصل يشملها منهجٌ صحيح ومعتبر، بل هذا هو الأصل في نشأة الأصول الفقهية؛ فـ«إن هذا المنهج الاستقرائي هو الظاهرة الطبيعية في نشأة كثير من العلوم، سواء كانت في اللغة أو غيرها، وهو الطريق السليم إلى اكتشاف الروابط والأسس بين قضايا العلوم المتناثرة والجزئية»( )، فـ«قواعد أصول الفقه كانت مستكنة في حاضنة الفروع الفقهية، ولم تتميز عنها إلا لاحقا، «وقد جاء في كتب السلف من ضروب الجدل الفقهي ما هو من قواعد الأصول؛ لكنه عري عن الألقاب العلمية»[«أليس الصبح بقريب؟» للطاهر ابن عاشور (80)] ... [ثم إن] العلماء لحظوا أن هناك عناصر عامة مشتركة في عمليات الاستنباط الفقهي، وما كان منهم إلا إفرادها وتجديدها تحت اسم: أصول الفقه؛ فليس هذا العلم إلا منتزعا من موجودات الإرث الفقهي، وليس علما حادثا، ومن هنا كان ابن تيمية دقيقا حين استعمل مادة: «التجريد» في سياق حديثه عن أولية التدوين في هذا العلم، كقوله: «الشافعي هو أول من جرَّد الكلام في أصول الفقه» [«مجموع الفتاوى» (7/88)]»( )، ويؤيد هذا أنه كثيرا ما «يستدل الأصوليون بالفروع الفقهية لبيان أن الشرع قد أبطل حكما لغويا كليا بني على استقراء لغوي، وصار للشرع بذلك عرفه الخاص المخالف للحكم اللغوي السابق»( ).
هذا هو الذي ظهر لي في توجيه كلام العلماء القائلين بأن من مصادر أصول الفقه الفروعَ الفقهية؛ فإن الفروع الفقهية كانت مصدرا لتأصيل الأصول الكلية العامة، وتأصيل الأصول الخاصة بالأئمة، وأما ما ذكره بعض العلماء من أن وجه استمدادها من الفروع هو أنها تعين على تصور الفقه الذي أضيفت إليه الأصول، أو أنها مفيدة في التمثيل( ): فلم يظهر لي وجهه في تقرير الاستمداد أو المادة؛ فإن التمثيل والتصور لا يبرر استمداد علم أصول الفقه من الفروع الفقهية، ولا يعطي صورة لبيان وجه كون الفروع مادة لعلم الأصول؛ فإن الفروع الفقهية تذكر في كتب الأصول على ثلاثة أوجه:
«الأول: تمثيلي؛ بأن يذكر الفرع الفقهي مثالا للقاعدة الأصولية، وهذا الغرض لا يكاد يخلو منه كتاب أصولي ...
الثاني: التنبيه على الحق في المسألة، لا على سبيل الاستدلال.
الثالث: الاستدلالي؛ بأن تذكر الفروع الفقهية ليستدل بها على الحكم الكلي الذي يجمع ما بينها»( )، وهذا الأخير هو الذي يمكنه أن يعتبر مادة لمسائل أصول الفقه، ويجري فيه البحث السابق، والله أعلم.
5- عدم تحرير محل النزاع في المسألة: فإن الإخلال بتحرير محل النزاع وموضع البحث يوجب اختلافا في التصور وتضادا في التسمية، وإن الاستدلال المنطقي والمحاجة المبنية على قواعد المناظرة السليمة ينبغي أن يتقدمها تحرير لمحل النزاع حتى يقع الخلاف على موضعه، ويتبين محل البحث الذي يراد إثباته أو نفيه، وإقامة الحجج على ذلك، قال أبو بكر بن العربي: «من الواجب تنقيح محل النزاع حتى يتبين النزاع»( )، وقال الآمدي: «قبل الخوض في الحجاج لا بد من تلخيص محل النزاع»( ).
ومن آثار عدم تحرير محل النزاع قبل بحث المسألة حصولُ اللّبس فيها وتوسعة هوة الخلاف بين المتنازعين، وربما حصل بذلك نسبة بعض الأقوال للتناقض والبعد عن المنطق السليم، قال ابن القيم: «لا بد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ليزول الالتباس فيه»( )؛ فيكون تحرير محل النزاع طريقا لرفع الخلاف والتقريب بين الأقوال والتوفيق بينها في كثير من المسائل التي يحكى فيها الخلاف، ويقام عليها الحجاج، مما هو لفظي راجع إلى الإصطلاح والاعتبار، وفي كون محل النزاع ونوع الخلاف مؤثرا في اختلاف العلماء وسببا في تنازعهم يقول الدكتور النملة رحمه الله: «هذا البحث [أي: الخلاف اللفظي] يتيح للباحث فرصة الوقوف على منشأ الخلاف في المسألة أو تلك، وهذا يساعد في بناء الناحية العلمية لدى الباحث، وييسر له معرفة مقاصد العلماء فيما يقولون»( )، ومما يتعلق بهذا السبب سببٌ آخر، وهو:
6- اضطراب المسألة وغموض صورتها: فإن السبيل لإزالة ذلك الاضطراب وتوضيح الصورة هو تحرير محل النزاع فيها؛ إذ هو من أبرز أسبابه، وكثيرا ما يكون الاضطراب والغموض سببا للخلاف ومنشأً للنزاع؛ لكونه محل إجمال وموضع احتمال؛ فتتنازع العقول والأفكار في حل غموضه وتوضيح إشكاله، ولذلك كان مبحث التصور هو أول ما ينبغي العناية به قبل تناول أي مسألة بالبحث؛ فهو المدخل والباب الذي من ضله فقد ضل سعيه، ولم تحصل له الفائدة المطلوبة والنتيجة المرغوبة، و«من تصور ما يطلب هان عليه ما يبذل»( )، وعلى حسب التصور يكون القرب والبعد عن الحق والصواب، قال ابن تيمية: «هذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصورا تاما ظهر لهم الصواب، وقلَّت الأهواء والعصيان، وعرفوا موارد النزاع»( )، وبذلك يعلم «أن للتصورات الأثرَ البالغ في اختلافات الأصوليين في مسائل أصول الفقه، بل إنها السبب المقدم لكل ما يصدره الأصولي من أحكام، وما يتخذه من أراء يوافق غيره فيها أو يخالفه، كما يفهم ذلك من قول ابن خلدون: «التصورات أساس قصد الفعل»، ولهذا قرَّر الأصوليون قاعدتهم المشهورة التي تقول: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»، ويبين الإسنوي معنها بقوله: «الحكم بالإثبات أو النفي موقوف على التصور» [«نهاية السول» (1/46)]، وهذا يقتضي أمرين:
أحدها: «أن المحكوم عليه لا بد ان يكون متصورا» [«نفائس الأصول» (4/1555)].
والثاني: أن مبنى الحكم على التصورات، ومن ذلك: قول الأصولي وحكمه في المسألة الأصولية خلافا أو وفاقا؛ فإنه مبني على الصورة التي رسمها أو ارتسمت في ذهنه عنها»( ).
لأجل أهمية معرفة محل النزاع وتحريره والوقوف على صورة المسألة فإني التزمت في مقدمة كل مسألة أن جعلت أول مطالبها هو: «صورة المسألة وتحرير محل النزاع فيها».
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 24-09-18, 11:24 AM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 23
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

المبحث الثالث: فوائد وثمار معرفة أسباب الاختلاف:
وفي الوقوف على أسباب اختلاف العلماء في مسائل العلم عموما، ومسائلِ أصول الفقه خصوصا، فوائد جليلة وثمار مهمة، منها:
1- أن الوقوف على أسباب الخلاف طريق لإدراك مسائل أصول الفقه الإدراكَ الجيّد، وسبيل لضبطها على وجه يجنب طالب العلم من التناقض والحيرة؛ مما يحدو بطالب العلم إلى تحصيل الملكة التي تؤهله إلى الترقي في مدارج العلم والكمال، على وجه يوصله إلى الغاية المنشودة من ضبط العلم وجودة الفهم، قال الدكتور الصاعدي: «الوقوف على أسباب اختلاف العلوم يجنّب الطالب الحيرة والوقوع في المشكلات والمعضلات»( ( ) «أسباب اختلاف الفقهاء» (70)).
2- كما أن ذلك يُعرّف الطالب والباحث على أسس الأقوال وأصول المذاهب، ويطلعه على مناهج العلماء في الاختلاف، وأن اختلاف النتائج إنما هو بناء على اختلاف المقدمات، وتنوع المشارب والمنازع( ( ) انظر: «أسباب اختلاف الفقهاء» للتركي (43)، «أسباب اختلاف الفقهاء» لعلي الخفيف (7).).
3- أن ذلك سبيل من سبل تحقيق الاتباع للنصوص الشرعية والإنقياد للحق، بعيدا عن التقليد الأعمى والتعصب المذهبي.
4- أنه محور التماس العذر للعلماء، وتحقيق الاحترام والتقدير لهم ولآرائهم؛ إذ إن اختلافهم لم يكن نتيجة هوى أو تعصب؛ وإنما كان أثرا لاختلافهم في المقدمات، ونتيجةً لتنوع الأصول والأسس التي تبنى عليها أحكام المسائل.
5- وفي معرفة أسباب الخلاف إدراك للعلاقة بين العلوم الشرعية وترابطها وانسجامها؛ على وجه يظهر محاسن الشريعة الغراء، وأنها سلسلة متكاملة يفتقر بعضها إلى بعض.
6- كما أن ذلك يحقّق ترابط مسائل العلم الواحد، وأنها مبنية على بعضها البعض؛ وذلك خير عون لتحصيل الملكة الأصولية، والإدراكِ الجيّد لهذا العلم ومسائله.
7- وبذلك يُعرف نوع الخلاف وثمرته، ويُتحقق الفرق بين الخلاف المؤثر والخلاف اللفظي الراجعِ إلى العبارة والاصطلاح.
8- وبمعرفة أسباب الخلاف يتحرر محل النزاع، وتتضح صور المسائل.
9- كما أنه ينبئ عن مرتبة الأقوال والمذاهب من حيث القوة والضعف، والاعتبار والإلغاء، قال الدكتور على الخفيف رحمه الله: «لكي يكون لوجود المذاهب وتمييزها مع وجود الخلاف وضعٌ صحيح؛ يجب أن يكون وجودها مبنيا على اختلافهم في المبادئ والأصول التي قامت عليها أحكامها، أما بناؤه على نوع من العصبية لأصحاب هذه المذاهب وآرائهم ... فليس شيء من ذلك يصلح أن يصلح أساسا لوجود المذاهب وتكوينها وتمييزها؛ إذ إنه لا يوجد حينئذ إلا الاختلاف في الرأي، ومجرد الاختلاف في الرأي مع الاتفاق في المرجع والأساس لا ينبني عليه عدّ كل رأي مذهبا خاصا متميزا عن غيره بصفاته واتجاهه وطابعه»(«أسباب اختلاف الفقهاء» لعلي الخفيف (13). ).
10- وفي ذلك «تقريب شقة الخلاف بين المذاهب الإسلامية، ووضع حد للتعصب المذهبي أو الطائفي؛ الناشئ من التأثر بعوامل مفرَّقة، أهمها جهل علماء بعض المذاهب بأسس وركائز البعض الآخر»(«أسباب اختلاف الفقهاء» للزلمي (10). )، فيظهر أنّ «بيان ذلك وتعرُّف حقيقته له أهميته العظمى وأثره القوي في جواز التلفيق بين الآراء من المذاهب المختلفة، والخروج منها برأي موحد مؤلف من رأيين أو أكثر، أو عدم جواز ذلك؛ لأن أصول الآراء إذا كانت مختلفة متعارضة لم يكن من المقبول التلفيق بينها؛ بأخذ رأي في مسألة من المسائل يعتبر مزيجا من جملة آراء تتعارض أصولها بعضها مع بعض؛ لأن كل أصل اعتمدت عليه في ناحية يستلزم بطلان ما أخذت به في الناحية الأخرى من المسألة؛ إذ لا يصح أن ترى الشيء الواحد في وقت واحد صحيحا باطلا، ذلك مما لا يقبله عقل ولا يسوغه نظر، أما عند اتحاد الأصل فليس ثمة ما يمنع من ذلك»(«أسباب اختلاف الفقهاء» لعلي الخفيف (14). ).
11- «أن معرفة سبب الخلاف الأصولي تمد طالب العلم بطرق الجدل والمناظرة؛ لأنه لن يصل إلى ذلك ما لم يحرّر محل النزاع والأقوال، وينظر في الأدلة ومناقشاتها، ويدرك مبنى المسألة ومؤداها؛ فيطلع بذلك عمليا على طرق أصحاب المذاهب سؤالا وجوابا، مما يكسبه القدرة على محاكاتها والاقتداء بها عند الحاجة لمثلها»( «أسباب اختلاف الأصوليين» لناصر الودعاني (1/147).).
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 25-09-18, 11:15 AM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 23
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

القسم التطبيقي: ويتضمن تمهيدا وثلاثة فصول:
التمهيد: في بيان العلاقة بين مبحثي: الحكم الشرعي، والأمر والنهي.
الفصل الأول: في سبب اختلاف العلماء في تعريف علم أصول الفقه.
الفصل الثاني: في سبب اختلاف العلماء في المسائل المتعلقة بالحكم الشرعي.
الفصل الثالث: في سبب اختلاف العلماء في المسائل المتعلقة بالأمر والنهي.



التمهيد: في بيان العلاقة بين مبحثي: الحكم الشرعي، والأمر والنهي:
قد يسأل سائل: لم كان هذا القسم من «أسباب اختلاف العلماء في مسائل أصول الفقه» متضمنا لمبحثين قد عهدنا انفصالهما في الدراسات الأصولية المعاصرة؟ أليس من حق مبحث الأمر والنهي أن يكون ضمن الدلالات اللفظية اللغوية؟ وما هو السبب المقتضي للجمع بين المبحثين تحت قسم واحد؟
وإن الجواب على هذا السؤال والطرحِ الإشكالي يفتقر إلى إيضاح العلاقة بين الأمر الإلهي والحكم الشرعي، ويستوجب النظر في طبيعة تناول الموسوعة الأصولية لهذين المبحثين من عهد النشأة والتدوين إلى العصر الحاضر الذي عُني فيه بالتبويب والتقسيم والتمييز.
ويمكن تجلية هذه العلاقة، والجواب عن إشكالية هذا التمهيد ضمن النقاط التالية:
• الأمر والنهي يمثلان الجانب الذاتي للنصوص الشرعية: وذلك أن النص الشرعي اللفظي، لا يخرج عن أصل الوضع اللغوي ومدلوله، والكلام في لغة العرب من حيث مدلوله إما خبر وإما إنشاء، والقصد من وضع النصوص الشرعية هو إرشاد العباد إلى ما فيه مصالحهم؛ بأمرهم بما فيه الخير والصلاح، ونهيهم عما فيه الشر والفساد، ومقاصد التشريع الإسلامي وأنماط الوحي الإلهي راجعة إلى هذا المعنى؛ فكل ما في القرآن من وعد ووعيد وقصص وأمثال وأخبار إنما تؤول إلى معنى الأمر أو النهي؛ فالوعد والوعيد يتضمنان أمر العباد بسلوك الطرق المؤدية إلى تحصيل ما وعد الله به، ونهيَهم عن ولوج السبل التي توردهم ما أوعدهم الله به، والقصص إنما يراد منها أخذ العبرة المفضية إلى الأمر بسلوك سبيل الأنبياء والمرسلين والصالحين وأتباعهم، والنهيِ عن سلوك طريق المخالفين للرسل والمعاندين للشرع، المكذبين لدين الله تعالى، وهكذا الأمثال والأخبار إنما مآلها إما أمر وإما نهي، وذلك واضح لمن تعقله وعلم مقاصد تلك الأنواع من الوحي الإلهي؛ فعلم بذلك أن مآل الشرع إلى تحقيق الأمر والنهي، الذين هما شرع الله ودينه، والطريقُ إلى تحقيق الغاية التي خلق الخلق من أجلها من عبودية الله تعالى، والعبادة امتثال الأمر والاجتناب النهي؛ ولذلك كان الأمر والنهي يمثلان الجانب الذاتي للنصوص الشرعية في استنباط الأحكام والدلالة عليها، ومن هذه الناحية يتميَّز مبحث الأمر والنهي عن سائر دلالات الألفاظ؛ إذ هو سابق على الحكم، متقدم على باقي الدلالات، بخلافها فإنها متأخرة عن الأمر ومدلوله الذي هو الحكم، فالحقيقة والمجاز والمنطوق والمفهوم والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والنص والظاهر والنسخ وغير ذلك؛ كلها إنما ترد على الحكم بعد ثبوته بأمر أو نهي؛ فإنه إذا ثبت الحكم نظرنا في دلالة النص عليه وكيفيتها: هل هو نص فيها أم ظاهر؟ وهل هو منطوق به أم مفهوم؟ وهل هو عام أم خاص؟ وهل هو مطلق أم مقيد؟ وهل هو محكم أم منسوخ؟ فالأمر والنهي من الذاتيات بالنسبة للحكم، وأما باقي الدلالات فهي من عوارضه وصفاته، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام الرازي، فقال: «الدلالة القولية إما أن يكون النظر في ذاتها، وهي الأوامر والنواهي، وإما في عوارضها؛ إما بحسب متعلقاتها، وهي العموم والخصوص، أو بحسب كيفية دلالتها، وهي المجمل والمبين؛ والنظر في الذات مقدم على النظر في العوارض»( «المحصول» (1/167- 168))؛ فاتضح لنا بما ذكر أن «الأمر والنهي» و«الحكم الشرعي» أمران متلازمان في غاية التداخل، لكون الحكم مدلولا وأثرا للأمر والنهي دون باقي الدلالات اللفظية، ويوضح ذلك النقطة التالية:
الأحكام الشرعية هي مدلولات الأمر والنهي: إذ المقصود من الأمر والنهي إنما هو إثبات حكم يتعلق بأفعال المكلفين إيجادا أو إعداما؛ فثبت أن الأحكام هي آثار ومدلولات النص المقتضي للإيجاد أو الترك، وذلك يعني أن كلام الأصوليين عن الأحكام إنما هو في الحقيقة كلام عن مدلول صيغة الأمر وأثرها؛ ولذلك نجد أن جمهور الأصوليين من المتقدمين والمتأخرين إنما ذكروا جمل مسائل مبحث الحكم الشرعي ضمن المسائل المندرجة تحت مبحث الأمر والنهي، إشعارا منهم بما ذكر، بل إن حتى المتأخرين وبعض من تقدم ممن حاول الفصل بين المبحثين لم يستطع الانفصال عمليا عن الترابط والتداخل الوثيق بين مسائل المبحثين، ولم يجد بدا من تناول مسائل من المبحثين ضمن أحدهما، وغاية ما في الأمر أن يجعل الضابط في إدراج مسألة ما في أحدهما هو تغاير الاصطلاح واختلاف الاعتبار، ومن أمثلة ذلك: مسألة «القضاء هل يجب بأمر الأداء أم لا بد فيه من أمر جديد؟»؛ فمن راعى لفظ: «القضاء» -وهو حكم وضعي- أوردها ضمن المسائل المتعلقة بالحكم الشرعي، ومن راعى جهة الثبوت، وهي هل في أمر الأداء دلالة على وجوب قضاء الفوائت أم لا بد من أمر جديد؟ أثبت المسألة ضمن مسائل الأمر، وهكذا في العديد من المسائل؛ ولذلك لم يجد المتقدمون من الأصوليين أي إشكال في تناول جملة من المسائل المتعارف عليها بأنها من الحكم الشرعي في الوضع والاصطلاح المعاصر ضمن المسائل المتعلقة بالأمر والنهي؛ لأنهم يرونها من مسائله الأصلية، ومدلولاته التي يجري فيها البحث؛ باعتبار الأمر والنهي أنواعا للدليل الشرعي اللفظي.
• أركان الحكم الشرعي هي أركان الأمر الإلهي: وهذا تأكيد للنقطة السابقة من كون الحكم أثرا للأمر ومدلولًا له، بل كما تقدم إنما يراد من الأمر إثبات حكم طلبا للفعل أو الترك، ولا مدلول له إلّا هذا من حيث تعلقه بفعل المكلف، وإن وجدت له مدلولات أخرى ليس لها تعلق مباشر بفعل المكلف من حيث الطلب والترك، كدلالته على الفور والتكرار ونحو ذلك مما وقع فيه الخلاف هل هو من مدلولات الأمر أم لا؟
وإذا كان الأمر كذلك فإنا سنجد أن أركان الحكم هي أركان الأمر؛ فكل أمر لا بد فيه من آمر ومأمور ومأمور به وصفة للأمر، والآمر هو الحاكم، والمأمور هو المحكوم عليه، والمأمور به هو المحكوم فيه، وصفة الأمر هي مضمنة في أقسام الحكم الشرعي وأنواعه، ويؤكد ذلك أن جمهور الأصوليين يرون أن الحكم هو نفس الخطاب الذي تعلق بفعل المكلف؛ ونفس الخطاب إما أن يكون أمرا وإما أن يكون نهيا؛ فكان الأمر والنهي هما الحكم.
وقد جرى على هذا التعبير جملة من الأصوليين فقرَّروه نظريا بذكر تقسيماته، -وإن كان جمهور الأصوليين قد قرّروا ذلك عمليا؛ بالكلام عن جملة من مسائل الحكم ضمن المسائل المتعلقة بالأمر والنهي-، ومن المصنفين الذين تكلموا عن أركان الحكم تحت مسمى الأمر وأركانه تصريحا الإمام علاء الدين السمرقندي في كتابه: «ميزان الأصول» فقد جعل مبحث الأمر ضمن أقسام فقال: «الأمر خمس أقسام: فإنها ترجع إلى نفس الأمر، والآمر، والمأمور، والمأمور به وهو الفعل، والمأمور فيه وهو الزمان»( «ميزان الأصول» (1/120))، ومثله صفي الدين الهندي في كتابه: «نهاية الوصول إلى دراية الأصول»، فقد جعل مبحث الأمر في أربعة فصول: الأول في الأمر ومقتضاه، والثاني في الآمر، والثالث في المأمور به، والرابع في المأمور( انظر: «نهاية الوصول» (801 إلى 1161))، ولا يخفى علاقة هذه الأقسام بأركان الحكم الشرعي.
فإن قال قائل: لكن يبقى النظر في أقسام الحكم الشرعي وأنواع تلك الأقسام؛ هل ضمنها الأصوليون باب الأمر والنهي أم لا؟ فالجواب: أنه قد يبدوا لأول وهلة أن الأصوليين لم يتكلموا في ذلك، ولم يفصلوا فيه القول، وهو أمر له جانبه من الاعتبار خصوصا فيما يتعلق بالتقسيم والترتيب، وفيما يتعلق بالحكم الوضعي باعتبار أن البحث فيه يغلب عليه النظر الفقهي والبحث الفرعي لمن تأمل ذلك ونظر في مسائله، ولكن إذا نظرنا في مسائل أقسام الحكم الشرعي أيقنَّا أن جمل تلك المسائل مما تناولها الأصوليون في مبحث الأمر والنهي، ورأوا أنها راجعة إليه، ومن تلك المسائل تمثيلا لا حصرا: إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز؟ ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب؟ هل وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؟ فرض الكفاية هل يتعلق بالكل أو بالبعض؟ المندوب هل هو مأمور به؟ المكروه هل هو منهي عنه؟ المباح هل هو مأمور به؟ وغير ذلك؛ فإن هذه المسائل جلها مبحوث في كتب المتقدمين من الأصوليين ضمن المسائل المتعلقة بالأمر، مما يؤكد ترابط مسائل المبحثين وصعوبة الفصل بينهما، وأنهما متلازمان متداخلان تداخل الأصل وفرعه والشيء وأثره.
وكان من نتيجة هذا –مما هو في الحقيقة من دلائل ما ذكرنا- أنه كثيرا ما «يُعبَّر عن الحكم الشرعي بالأمر والنهي؛ ذلك لأن الأحكام الشرعية لا تخرج عن الأمر والنهي»( «معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة» للجيزاني (362))، ومن ذلك قول شيخ اللإسلام ابن تيمية: «حكم الله الشرعي: أمره ونهيه»(«مجموع الفتاوى» (17/134) )، وهو أغلب تعبير السلف؛ فإنهم لم يكونوا يطلقون لفظ الإيجاب أو الندب أو التحريم أو الكراهة أو غيرها من الأوصاف إلا نادرا، وإنما كانوا يعبرون بلفظ الأمر والنهي، كما هو معلوم لمن استقرأ نصوص الأحكام التي حكاها الصحابة رضي الله عنهم.
• التداخل بين المبحثين، وموضوع علم أصول الفقه: إذ الجمهور يرون أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الشرعية ومراتبها وأحوالها؛ وذلك يقتضي النظر في أنواع الأدلة وأجناسها وعوارضها، والأمر والنهي أحد أنواع الدليل الشرعي اللفظي، وتناوله كدليل يستوجب البحث في مدلولاته؛ ومن مدلولاتِه آثارُه من جهة دلالته على الحكم الشرعي طلبا للفعل أو الترك، فهذا هو الداعي لأكثر الأصوليين لبحث تلك المسائل ضمن مبحث الأمر والنهي؛ ولذلك نجد أن من تناول بعض هذه المسائل خارج مبحث الأمر إنما جعلها من قبيل المقدمات، وقرَّرها كمدخل واصطلاحات، ولم يجعلها من موضوع علم الأصول، ونظرة في كتب الأصول تنبئ القارئ الفطن على هذا؛ ومنه يتبين أن طريقة الأصوليين من جهة الموضوعية أحكم وأتقن؛ لأنها تبيِّن علاقة الحكم بالدليل الشرعي، وأنه من مدلولاته، كما أنها تعطي تبريرا واضحا في تناول مسائل الحكم ضمن مسائل علم الأصول، والله تعالى أعلم.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 28-09-18, 05:06 PM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 23
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

الفصل الأول: أصول الفقه: تعريفه، وسبب اختلاف العلماء في حده:
تمهيد: حقٌ على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم، بغيةَ التدرج في مسالكه، والترقي في منازله، أن يحيط علما بمقدماته ومبادئه، حتى يكون سيرُه في طريق الطلب والتحصيل موصلا إلى الغاية المنشودة، من دقة الفهم وجودة الضبط، وحسنِ الإدراك لموضوعات الفن ومسائله، ومبادئُ العلوم عشرة مشهورة، نظمها الصبان في قوله( ):
إنَّ مبادئ كل فن عشره
الحد والموضوع ثم الثمره

وفضله ونسبة والواضع
والاسم الاستمداد حكم الشارع

مسائل والبعض بالبعض اكتفى
ومن درى الجميع حاز الشرفا

غير أنَّ أعظم ما اعتُني به من تلك المبادئ تفهما وتعقلا ثلاثة مبادئ، هي: الحد والموضوع والثمرة.
وقد جرت عادة الأصوليين في بداية تصانيفهم، وذكرِهم لمسائل فن من الفنون، تقديمُهم لحد الفن وحقيقته، إذ إنَّه بالحد يتميز المحدود عن غيره، لما فيه من بيان حقيقة العلم وتجلية خصائصه ومميزاته، مع احتوائه وتنبيهه على موضوع الفن ومسائله، قال الآمدي: «حق على كل من حاول تحصيل علم من العلوم أن يتصور معناه أولا بالحد أو الرسم؛ ليكون على بصيرة فيما يطلبه»( «الإحكام» (1/7))، وقال الإسنوي: «اعلم أنه لا يمكن الخوض في علم من العلوم إلا بعد تصور ذلك العلم، والتصور مستفاد من التعريفات»( «نهاية السول» (1/7))، وقال تقي الدين السبكي: «ينبغي أن يُذكر في ابتداء كل علم حقيقةُ ذلك العلم؛ ليتصوَّرَها الذي يريد الاشتغال به قبل الخوض فيه، فمن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل»(«الإبهاج» (1/17) ).
وقد اشتدت عناية الأصوليين ببيان حد علم أصول الفقه، وتجلية حقيقته، وليس غرضنا هنا –بالأصالة- تعريفَ هذا العلم وبيانَ قيود ذلك التعريف ومحترزاتها، وإنما المقصود أنْ نبيّن أنَّ العلماء اختلفوا في تعريف هذا العلم بناءً على اختلاف نظرتهم في بعض مميزاته وخصائصه، ولذا سنحاول ها هنا بيان سبب اختلاف العلماء في تعريف علم أصول الفقه، وأظن أنَّه لا يخفى أنَّ المراد بالاختلاف هنا هو ذلك الاختلاف الذي كان له بناء وسبب مع احتمال أن يكون له أثر، أمَّا اختلاف العبارات وتنوع الاصطلاحات، فلا يكاد يخلو منه حد وتعريف.
وإذا تقرر هذا فإنَّا سنشرع –بإذن الله عزَّ وجلَّ- في ذكر أسباب الخلاف التي ظهر لنا أنَّها أثَّرت في تعريف هذا العلم، مع إيراد ما يؤيد ذلك من تعاريف العلماء، وما ذكروه من محترزات واعتراضات ومناقشات، مستلهمين التوفيق والسداد، والإعانة على الحق والصواب، من الله ربّ العباد.



سبب الخلاف في تعريف علم أصول الفقه:
وبعد جمع جملة من تعاريف العلماء لهذا العلم، والنظرِ فيها وإلى قيودها ومحترزاتها، ظهر –والله أعلم- أنَّ الخلاف بينهم يرجع إلى ما يلي:
1- هل أصول الفقه قطعية أم ظنية؟ وبعبارة أخرى: هل يجوز أن تكون أصول الفقه ظنية؟ فالقول المنسوب إلى الجمهور هو القول بقطعية أصول الفقه( انظر: «نظرية التقعيد الأصولي» (429))، وممن نصر هذا القولَ الجوينيُّ، ودافع عنه بشدة الشاطبيُّ في «الموافقات»، وقال: «إنَّ أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، والدليل على ذلك أنَّها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي»( «الموافقات» (1/17- 18))، ولذلك يُعَرّف أصحابُ هذا القول علمَ أصول الفقه بما يوافق القطع، كما صنع الجويني إذ عرفه بقوله: «فإن قيل: فما أصول الفقه؟ قلنا: هي أدلته، وأدلة الفقه هي: الأدلة السمعية، وأقسامها: نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع، ومستندُ جميعِها قولُ الله تعالى»( «البرهان في أصول الفقه» (1/85)، وانظر: «التحقيق والبيان» للأبياري (1/266- 267))، ومثله من عرَّفه بأنَّه: «الأدلة» أو «معرفتها» مع اعتقاده بأنَّ الدليل مخصوص بما سبيله القطع لا الظن، وفي ذلك يقول الإسنوي معلّقا على تعريف البيضاوي لعلم أصول الفقه في قوله [أي: البيضاوي]: «أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد»(«نهاية السول» للإسنوي (1/7) )، قال الإسنوي: «واعلم أن التعبير بـ:"الأدلة" مخرج لكثير من أصول الفقه، كالمقدمات وأخبار الآحاد والقياس والاستصحاب وغير ذلك، فإنَّ الأصوليين وإن سلموا العمل بها، فليست عندهم أدلةً للفقه، بل أماراتٌ له؛ فإنَّ الدليل عندهم لا يطلق إلا على المقطوع به»( «نهاية السول» (1/11)).
في حين يذهب كثير من العلماء إلى أنَّ أصول الفقه هي كلُّ ما صح ابتناء الأحكام عليه، سواء أكان قطعيا أم ظنيا، ولذلك يعرِّفون علم أصول الفقه بما يوافق رأيهم في ذلك، كما يقول ابن عقيل: «وأصوله [أي: أصول الفقه] هي: ما تُبنى عليه الأحكام الفقهية من الأدلة على اختلاف أنواعها ومراتبها، كالكتاب ومراتب أدلته؛ من نص وظاهر وعموم ودليل خطابه وفحوى خطابه، والسنة ومراتبها، والقياس، وقول الصحابي –على خلاف- واستصحاب الحال مع انقسامه، فهذه أصول تُبنى عليها الأحكام»( «الواضح في أصول الفقه» (1/7- 8))، ومنه قول الرازي: «أصول الفقه: عبارة عن مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل»، ثم قال في بيان محترزات التعريف: «وقولنا: "طرق الفقه" يتناول الأدلة والأمارات»( «المحصول في أصول الفقه» (1/94))، وهذا التعريف ذكره الجويني في «ورقاته» فقال في تعريف علم الأصول: «وأصول الفقه: طرقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها»( «غاية المرام» لابن زكري التلمساني (1/368))، ومثله قول ابن السمعاني: «أصول الفقه: طرق الفقه التي يؤدي الاستدلال بها إلى معرفة الأحكام الشرعية، وهي تنقسم إلى دلالة وأمارة»(«قواطع الأدلة في الأصول» (1/12) )، ومثله أيضا للزركشي(«البحر المحيط في أصول الفقه» (1/24) )، وكون بعض مسائل الأصول قطعية وبعضها ظنيا هو ما ذهب إليه ابن السبكي( انظر: «الخلاف اللفظي» للنملة (1/39)).
هذا، ويجدر بنا التنبيه إلى أنَّه لا يلزم من تعريف أصول الفقه بما هو شامل للأصول القطعية والظنية القول بأنه يجوز أن تكون الأصول ظنية، لجواز أن يكون إدخالها في الحد من باب المسامحة، أو لكون وجوب العمل بالأدلة المظنونة قطعيا مع توقف العمل بها على تصور حقائقها، كما سيأتي من كلام الجويني والأبياري –بإذن الله-.
وقد قرَّر الشيخ الطاهر بن عاشور –رحمه الله- فيما يظهر ظنيةَ القواعد الأصولية، مبينا سبب الخلاف في ذلك، فقال: «وقد وقع لإمام الحرمين رحمه الله في أول كتاب البرهان اعتذارٌ عن إدخال ما ليس بقطعي في مسائل الأصول، فقال: «فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يُلفى إلا في الأصول وليست قواطع، قلنا: حظ الأصولي إبانة القواطع في وجوب العمل بها، ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط بالدليل» [«البرهان» (1/86)](قال الأبياري في توضيح عبارة الحرمين هذه: «وجه ورود السؤال: أنَّه لما فسَّر أصول الفقه بأنها القواطع في عرف الأصوليين، قيل له: هذه مذكورة في الأصول وليست قواطع، فإن كانت من الأدلة لم يجمع الحد، فيكون مختلا، وإن لم تكن من الأدلة، فأي حاجة إلى ذكرها؟ فأجاب: بأنها ليست من الأدلة ولكن الأصولي مفتقر إلى إقامة الدليل على وجوب العمل عندها، فإن لم يتصور حقائقها تعذر الاستدلال عليها، فذكرت من هذه الجهة لا لكونها أدلة» [«التحقيق والبيان» (1/273)] )، وهو اعتذار واهٍ، لأنَّا لم نرهم دوَّنوا في أصول الفقه أصولا وقواطع يمكن توقيف المخالف عند جريه على خلاف مقتضاها، كما فعلوا في أصول الدين، بل لم نجد القواطع إلا نادرة، مثل ذكر الكليات الضرورية: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض، وما عدا ذلك فمعظم أصول الفقه مظنونة، وقد استشعر الإمام أبو عبد الله المازري ذلك فقال عند شرحه قول إمام الحرمين في البرهان: "وأقسامها -أي:أدلة الأحكام- نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع: اختلفت عبارات الأصوليين في هذا، فمنهم من لا يقيد هذا التقييد -أي: قيد كلمة:"نص"-، ويذكر الكتاب والسنة -أي: يقتصر على هاتين الكلمتين ولا يذكر كلمة "نص"- والإجماع، فإذا قيل لهم: فالظواهر وأخبار الآحاد، يقولون: إنما أردنا بذلك ما تحقق اشتمال الكتاب عليه، ولم نتحقق اشتمال الكتاب على الصورة المعينة من صور العموم، وكذلك يقولون في أخبار الآحاد: لم نتحقق كونها سنة، ومنهم من لا يقيد لإزالة هذا السبب، ومنهم من يقول: ما دل على الحكم ولو على وجه مظنون فهو دليل، فهذا لا يفتقر إلى التقييد"( هذا النص نسبه ابن عاشور للمازري، والذي يظهر أنه ليس له، وإنما هو للأبياري كما هو بلفظه وحروفه في «التحقيق والبيان» (1/269)، وإن كان للمازري اعتراض على إمام الحرمين ذكره الشاطبي، نصه: «وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلتَّحَاشِي عَنْ عَدِّ هَذَا الْفَنِّ مِنَ الْأُصُولِ وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا، عَلَى طَرِيقَةِ الْقَاضِي فِي أَنَّ الْأُصُولَ هِيَ أُصُولُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الظَّنِّيَّاتِ قَوَانِينُ كُلِّيَّاتٍ وُضِعَتْ لَا لِأَنْفُسِهَا، لَكِنْ ليُعْرَض عَلَيْهَا أَمْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ، قَالَ: فَهِيَ فِي هَذَا كَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، قال: ويحسن مِنْ أَبِي الْمَعَالِي أَنْ لَا يَعُدَّهَا مِنَ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ عِنْدَهُ هِيَ الْأَدِلَّةُ، وَالْأَدِلَّةُ عِنْدَهُ مَا يُفْضِي إِلَى الْقَطْعِ، وَأَمَّا الْقَاضِي؛ فَلَا يَحْسُنُ بِهِ إِخْرَاجُهَا مِنَ الْأُصُولِ، عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْه» [«الموافقات» (1/21)])»( «مقاصد الشريعة الإسلامية» (120))، ثم قال –رحمه الله-: «وأنا أرى أنَّ سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع هو: الحيرة بين ما ألفوه من أدلة الأحكام، وما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية، فهم قد أقدموا على جعلها قطعية، فلما دوَّنوها وجمعوها ألفوا القطعي فيها نادرا ندرة تكاد تُذهب باعتباره في عداد مسائل علم الأصول، وكيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه؟!»( «مقاصد الشريعة الإسلامية» (122)).
وأما نوع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة فقد ذهب بعض العلماء والباحثين إلى أنَّ الخلاف لفظي، لم يتوارد على محل واحد، وهو راجع إلى عدم تحرير محل النزاع في المسألة، وفي ذلك يقول الأستاذ الدكتور عبد الكريم النملة: «[و]عند التحقيق فإنَّ هذا الخلاف لفظي، أي: يعود الخلاف إلى خلاف في اللفظ، وذلك لأنَّ القطعية قد تكون في الدليل نفسه، كآيات القرآن والأحاديث المتواترة والإجماع المنقول تواترا, وقد تكون في الدلالة, وإن كان الدليل نفسه ظنيا، وقد تكون القطعية بالنظر إلى وجوب العمل، مثل: مظنون المجتهد.
فمن قال: إنَّ مسائل أصول الفقه جميعَها قطعيةٌ أراد هذا المدلول الأخير، لأنه لا يوجد أحد ينكر أنَّ الاستصحاب ومفاهيم المخالفة ونحوَها لا تفيد القطع في نفسها.
[و]مما يدل على ما قلته: قول إمام الحرمين في "البرهان": "فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يلفى إلا في الأصول وليست قواطع، قلنا: حظ الأصولي إبانة القواطع في وجوب العمل بها".
أما من قال: إنَّ بعض مسائل أصول الفقه قطعي، وبعضَها ظني، أراد الدليل نفسه، فإنَّ منه ما هو ظني, ومنه ما هو قطعي، كما هو واضح للعارف بأصول الفقه.
إذن لم يتوارد الفريقان على محل واحد؛ فكان الخلاف لفظيا، والله أعلم بالصواب»( «الخلاف اللفظي» (1/40)).
ويوضحه قول الدكتور أحمد الريسوني: «الخلاف في هذه القضية يبدو أنَّه راجع إلى عدم تحرير محل النزاع فقط، فالقائلون بأنَّ أصول الفقه قطعية، لا تحتمل الظنيات -ومنهم الشاطبي- يقصدون أصول الأدلة والقواعد الكلية للشريعة، ويعتبرون ما سوى ذلك من المباحث التفصيلية والاجتهادات التطبيقية، ليس من أصول الفقه، وإن بُحث في علم أصول الفقه وكتبه، وأمَّا القائلون بأنَّ أصول الفقه تشتمل على كثير من الظنّيات، فإنَّما يتكلمون عن علم أصول الفقه، حيث أدرجت فيه كثير من الظنيات، ودليلُ ظنيتِها كثرةُ الخلاف فيها، وهو ما سعى الشاطبي إلى إقصائه من أصول الفقه، وافتتح كتابه بالتأكيد على أنَّ أصول الفقه قطعية لا ظنية »( «نظرية المقاصد» (152)).
ويقول الدكتور نعمان جغيم: «ليس مقصود الشاطبي هنا بأصول الفقه: تفاريع علم أصول الفقه كما استقرت مباحثها في كتب هذا العلم، ولكن مقصوده الأصول والقواعد العامة التي انبنى عليها هذا العلم، مثل: مصدرية القرآن والسنة النبوية، وحجية السنة النبوية بآحادها ومتواترها، وحجية الإجماع والقياس، وكون الشريعة قاصدة إلى تحقيق مصالح العباد في الدراين، وكون الشريعة قاصدة إلى حفظ الكليات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وغيرها من الأصول الكلية والقواعد العامة»(«تيسير الموافقات» (16) ).
وقد نعى شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-على الأصوليين تفريقَهم بين الفقه وأصوله، وجعلَهم الأول من باب الظنون، والآخر من قبيل العلم؛ «فجعلوا الفقه الذي هو ثمرة أدلة الشرع ظنيا، وقواعد الأصول التي استنبطوها ووضعوها علما»(«القواعد الأصولية عند ابن تيمية» (1/72) ), فضلا عن تعظيم «أَمر الْكَلَام الَّذِي يسمونه أصُول الدّين حَتَّى يجْعَلُونَ مسَائِله قَطْعِيَّة، ويوهنون من أَمر الْفِقْه الَّذِي هُوَ معرفَة أَحْكَام الْأَفْعَال حَتَّى يَجْعَلُوهُ من بَاب الظنون لَا الْعُلُوم»( «الاستقامة» (1/48- 49))، وقد بيَّن شيخ الإسلام فسادَ قولهم: «أنَّ الفقه من باب الظنون» مع قولهم: «قد دلت الأدلة القطعية على وجوب العمل بأخبار الآحاد والقياس والظواهر وغيرها» فجعلوا الفقه هو العلم بوجوب العمل بهذه الظنون والاعتقادات الحاصلة عن أمارات الفقه على اصطلاحهم، مبينا أن ذلك إنما هو من أصول الفقه لتعلقه بالكليات لا من الفقه الذي هو متعلق بالجزئيات، وفي ذلك يقول: «وَمَعْلُوم أَن هَذَا الْعلم [أي: العلم بوجوب العمل بهذه الظنون]: هو من أصول الفقه، وهو لا يخص مسألة دون مسألة، ولا فيه كلام في شئ من أحكام الأفعال، كالصلاة والجهاد والحدود وغير ذلك، وهو أمر عام كلي؛ ليس هو الفقه باتفاق الناس كلهم؛ إذ الفقه يتضمن الأمر بهذه الأفعال والنهي عنها إما علما وإما ظنا.
فعلى قولهم الفقه هو ظن وجوب هذه الأعمال وظن التحريم وظن الاباحة؛ وتلك الظنون هي التي دلت عليها هذه الأدلة التي يسمونها الأمارات، كخبر الواحد والقياس، فإذا حصلت هذه الظنون حصل الفقه عندهم، وأما وجوب العلم بهذا الظن فهذاك شئ آخر، وهذا الذي ذكروه إنما يصلح أن يذكر في جواب من يقول: كيف يسوغ لكم العمل بالظن؟ فهذا يورد في أصول الفقه في تقرير هذه الطرق إذا قيل: إنها إنما تفيد الظن، قيل: وكيف يسوغ اتباع الظن مع دلالة الأدلة الشرعية على خلاف ذلك؟
فيقولون في الجواب المتبع: إنما هو الأدلة القطعية الموجبة للعمل بهذا الظن، والعامل بتلك الأدلة متبع للعلم لا للظن، أما أن يجعل نفس الفقه الذي هو علم ظنا؛ فهذا تبديل ظاهر، وأتباعهم الأذكياء تفطنوا لفساد هذا الجواب.
وقد تجيب طائفة أخرى كأبي الخطاب وغيره عن هذا السؤال بأن العلم يتناول اليقين والاعتقاد الراجح، كقوله تعالى: ﴿فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ﴾ [سورة الممتحنة:10]، وأن تخصيص لفظ العلم بالقطعيات اصطلاح المتكلمين، والتعبير هو باللغة لا بالاصطلاح الخاص.

والمقصود هنا ذكر أصلين هما:
[الأول:] بيان فساد قولهم: الفقه من باب الظنون، وبيان أنه أحق باسم العلم من الكلام الذي يدعون أنه علم، وأن طرق الفقه أحق بأن تسمى أدلة من طرق الكلام.
والأصل الثاني: بيان أن غالب ما يتكلمون فيه من الأصول ليس بعلم ولا ظن صحيح؛ بل ظن فاسد وجهل مركب ... فنقول الفقه هو: معرفة أحكام أفعال العباد، سواء كانت تلك المعرفة علما أو ظنا أو نحو ذلك»(«الاستقامة» (1/53- 55)).
وقال أيضا: « وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْفِقْهُ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ: فَقَدْ أَجَابَ طَائِفَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ بِجَوَابِ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ الظَّاهِرُ وَإِنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ﴾ [سورة الممتحنة:10]، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ عَنْهُ جَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: جُمْهُورُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا النَّاسُ وَيُفْتُونَ بِهَا هِيَ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ, وَإِنَّمَا يَقَعُ الظَّنُّ وَالنِّزَاعُ فِي قَلِيلٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ, وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ, وَكَثِيرُ مَسَائِلِ الْخِلَافِ هِيَ فِي أُمُورٍ قَلِيلَةِ الْوُقُوعِ وَمُقَدَّرَةٍ, وَأَمَّا مَا لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ مِنْ الْعِلْمِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَيَحْرُمُ وَيُبَاحُ فَهُوَ مَعْلُومٌ مَقْطُوعٌ بِهِ, وَمَا يُعْلَمُ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً جُزْءٌ مِنْ الْفِقْهِ, وَإِخْرَاجُهُ مِنْ الْفِقْهِ قَوْلٌ لَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَهُ, وَلَا احْتَرَزَ بِهَذَا الْقَيْدِ أَحَدٌ إلَّا الرَّازِي وَنَحْوُهُ, وَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ يَذْكُرُونَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ, وَوُجُوبَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ, وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْفَوَاحِشِ, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: الْفِقْهُ لَا يَكُونُ فِقْهًا إلَّا مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَدِلِّ, وَهُوَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ أَرْجَحُ، وَهَذَا الظَّنَّ أَرْجَحُ، فَالْفِقْهُ هُوَ عِلْمُهُ بِرُجْحَانِ هَذَا الدَّلِيلِ وَهَذَا الظَّنِّ؛ لَيْسَ الْفِقْهُ قَطْعَهُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ، أَيْ: بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ, بَلْ هَذَا الْقَطْعُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالْأُصُولِيُّ يَتَكَلَّمُ فِي جِنْسِ الْأَدِلَّةِ, وَيَتَكَلَّمُ كَلَامًا كُلِيًّا، فَيَقُولُ: يَجِبُ إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَنْ يُحْكَمَ بِأَرْجَحِهِمَا، وَيَقُولُ أَيْضًا: إذَا تَعَارَضَ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ فَالْخَاصُّ أَرْجَحُ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُسْنَدُ وَالْمُرْسَلُ فَالْمُسْنَدُ أَرْجَحُ، وَيَقُولُ أَيْضًا: الْعَامُّ الْمُجَرَّدُ عَنْ قَرَائِنِ التَّخْصِيصِ شُمُولُهُ الْأَفْرَادَ أَرْجَحُ مِنْ عَدَمِ شُمُولِهِ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ, فَأَمَّا الْفَقِيهُ: فَيَتَكَلَّمُ فِي دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ فِي حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: قَوْلَهُ: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ [المائدة: 05] خَاصٌّ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ﴾ [البقرة: 221]، وَتِلْكَ الْآيَةُ لَا تَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ, وَإِنْ تَنَاوَلَتْهُمْ فَهَذَا خَاصٌّ مُتَأَخِّرٌ؛ فَيَكُونُ نَاسِخًا وَمُخَصِّصًا, فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ دَلَالَةَ هَذَا النَّصِّ عَلَى الْحِلِّ أَرْجَحُ مِنْ دَلَالَةِ ذَلِكَ النَّصِّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهَذَا الرُّجْحَانُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ قَطْعًا، وَهَذَا الْفِقْهُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْفَقِيهُ هُوَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ لَا ظَنِّيٌّ, وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ كَانَ مُقَلِّدًا لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ،...وَاعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ لَيْسَ بِفِقْهِ ... فَهَذَا النَّظَرُ وَأَمْثَالُهُ هُوَ نَظَرُ الْفَقِيهِ الْعَالِمِ بِرُجْحَانِ دَلِيلٍ وَظَنٍّ عَلَى دَلِيلٍ, وَهَذَا عِلْمٌ لَا ظَنٌّ, فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الظَّنَّ لَهُ أَدِلَّةٌ تَقْتَضِيهِ، وَأَنَّ الْعَالِمَ إنَّمَا يَعْلَمُ بِمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالرُّجْحَانِ، لَا بِنَفْسِ الظَّنِّ إلَّا إذَا عَلِمَ رُجْحَانَهُ, وَأَمَّا الظَّنُّ الَّذِي لَا يُعْلَمُ رُجْحَانُهُ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ, وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ بِهِ مَنْ قَالَ فِيهِ: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾ [الأنعام:116], فَهُمْ لَا يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ, وَلَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِأَنَّهُ ظَنٌّ رَاجِحٌ؛ لَكَانُوا قَدْ اتَّبَعُوا عِلْمًا, لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَتَّبِعُ إلَّا الظَّنَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ»( «مجمٍوع الفتاوى» (13/117), وانظر: «القواعد الأصولية عند ابن تيمية» للتمبكتي (1/73)).
2- هل الأصول هذه الحقائق أنفسُها أو العلم بها؟( «البحر المحيط» للزركشي (1/25))، أي: هل أصول الفقه: أدلته الدالة عليه، أو العلم بتلك الأدلة؟(«الخلاف اللفظي» للنملة (1/33) ): والقول المنسوب إلى أكثر الأصوليين وجمهورِهم هو أنَّ أصول الفقه هو الأدلة نفسها لا العلم بها، وبه قال القاضي أبو يعلى والجويني وابن عقيل والغزالي وابن قدامة والآمدي والرازي وغيرهم، ولذلك يعرفون أصول الفقه بـ: «الأدلة»، قال الجويني: «فإن قيل: فما أصول الفقه؟ قلنا: هي أدلته»( «التحقيق والبيان» للأبياري (1/266))، وقال الغزالي: «أصول الفقه: عبارة عن أدلة هذه الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل، فإنَّ علم الخلاف في الفقه أيضا مشتمل على أدلة الأحكام ووجوه دلالتها، لكن من حيث التفصيل»(«المستصفى» (1/61) )، وقال أبو الوليد الباجي: «أصول الفقه: ما انبنت عليه معرفة الأحكام الشرعية»( «إحكام الفصول» (1/175))، ومثله للقاضي أبي يعلى( «العدة في أصول الفقه» (1/70)).
وذهب كثير من الأصوليين إلى أنَّ أصول الفقه هو العلم بتلك الأدلة لا الأدلة نفسها، وبه قال البيضاوي وابن التلمساني، وجعله الزركشي مقتضى كلام القاضي أبي بكر الباقلاني، قال البيضاوي: «أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد»( «نهاية السول» للإسنوي (1/7))، وقال ابن التلمساني: «علم أصول الفقه هو: العلم بأدلة الأحكام الشرعية من حيث الإجمال، وكيفية دلالتها على الأحكام، وحال المستدل»( «شرح المعالم» (1/137))، وقال عبد الحميد ابن باديس: «علم الأصول: معرفة القواعد التي يعرف بها كيف تستفاد أحكام الأفعال من أدلة الأحكام»(«الفتح المأمول» لشيخنا أبي عبد المعز (29- 30) ).
وأما سبب الخلاف وحقيقته فيبينه لنا الزركشي بقوله: «والتحقيق أنه لا خلاف في ذلك، ولم يتواردوا على محل واحد، فإنَّ من أراد اللقبي، وهو كونه عَلَما على هذا الفن حدَّه بـ: "العلم"، ومن أراد الإضافي حدَّه بـ: "نفس الأدلة"»( «البحر المحيط» (1/25))، وبيانه: أنه لما كان أصول الفقه مركبا باعتبار الأصل، مفردا باعتبار العلمية، اختلف العلماء في الجهة التي يحد منها هل هي التركيب أم العلمية؟ فذهب بعض العلماء-وهم أصحاب القول الأول- إلى تعريفه باعتبار التركيب والإضافة، فقالوا: «أصول الفقه» مركب من مضاف ومضاف إليه، والمضاف هو: «أصول» جمع «أصل» والأصل: الدليل، فأصول الفقه أدلته، في حين رأى جمع من العلماء أن أصول الفقه قد تركب على وجه العلمية، فصار المضاف والمضاف إليه بمثابة اللفظ الواحد المفرد، فلم يحتج إلى تعريفه باعتبار التركيب، وإنما ينظر فيه إلى العلمية واللقبية لا غير، قال الإسنوي: «والفرق بين اللقبي والإضافي من وجهين:
أحدهما: أن اللقبيَّ هو العلم –كما سيأتي-، والإضافيَّ موصل إلى العلم.
الثاني: أن اللقبيَّ لا بد فيه من ثلاثة أشياء: معرفة الدلائل: وكيفية الاستفادة، وحال المستفيد، وأما الإضافيَّ فهو الدلائل خاصة»( «نهاية السول» (1/7-8)), وقال الشنقيطي العلوي: «واختلف في المركب الإضافي: هل يتوقف حده اللقبيُّ على معرفة جزأيه أو لا؟ إذ التسمية به سلبت كلا من جزئيه عن معناه الإفرادي، وصيَّرت الجميع اسما لمعنى آخر»(«نشر البنود» (1/16) )، ومن ها هنا رأى بعض العلماء أنه لا حاجة داعية إلى تعريف علم أصول الفقه باعتبار التركيب، وإنما ينظر فيه إلى العلمية واللقبية، وهو ظاهر صنيع البيضاوي في «المنهاج» وعبد الحميد ابن باديس في «مبادئ الأصول»؛ فإنهم اقتصروا على تعريف علم أصول الفقه باعتباره علما ولقبا، ولم يتعرضوا لتعريفه باعتبار الإضافة والتركيب، وجعلوا من قيوده: «المعرفة» أو «العلم»، وقد قال الشيخ المطيعي معقبا على قول الإسنوي: «اعلم أن معرفة المركب متوقفة على معرفة مفرداته، فكان ينبغي له [أي: البيضاوي] أن يذكر تعريف الأصل وتعريف الفقه قبل تعريف أصول الفقه»( «نهاية السول» (1/8))، قال المطيعي معقبا: «أقول: إنما ينبغي ذلك لو كان غرضه أن يعرف المركب الإضافي باعتبار معناه التركيبي، فإن بيان هذا المعنى هو الذي يتوقف على بيان معنى جزأيه، وأما بعد أن نقل هذا التركيب، وصار لقبا وعلما على الفن المدون الخاص؛ فلم يبق لواحد منهما بانفراده معنى أصلا، بل صار كل جزء منهما كالزاي في "زيد"، وليس الغرض من التعريف هنا إلا شرح مسمى هذا الاسم، وبيان معناه اللقبي فقط، ليكون الشارع فيه على بصيرة منه، وذلك لا يتوقف على معرفة أجزاء المركب الإضافي، ولا حاجة إليه في بيان المقصود، فالمصنف [أي: البيضاوي] قصد بترك تعريف جزأي اللفظ المركب الإضافي الإعراض عما قال الإمام والايجي وغيرهما، كما رآه من كذلك لا حاجة له، وإنَّ ذِكره قبل تعريف الفن وشرح مسماه المراد من الحد اللقبي، تطويل بلا طائل»(«سلم الوصول» (1/56- 57) )، وهذا هو الذي صوبه الزركشي بقوله: «أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ يُطْلَقُ مُضَافًا وَمُضَافًا إلَيْهِ، وَيُطْلَقُ عَلَمًا عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الْخَاصِّ، وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ: فَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَ الْإِضَافِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَ اللَّقَبِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
وَالصَّوَابُ: تَعْرِيفُ اللَّقَبِيِّ وَلَيْسَ ثَمَّ غَيْرُهُ، وَأَمَّا جُزْآهُ حَالَةَ التَّرْكِيبِ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَدْلُولٌ عَلَى حِدَتِهِ؛ إنَّمَا هُوَ كَـ: "غُلَامِ زَيْدٍ" إذَا سَمَّيْت بِهِ، لَمْ يَتَطَلَّبْ مَعْنَى الْغُلَامِ، وَلَا مَعْنَى زَيْدٍ، وَلَيْسَ لَنَا حَدَّانِ إضَافِيٌّ وَلَقَبِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ اللَّقَبِيُّ فَقَطْ»(«البحر المحيط» (1/27) ).
ولكن دعوى أنه عَلَم بحت لم يُراع فيه التركيب والإضافة، كما أنه لا حاجة للنظر فيها، مما نازع فيه الأستاذ أبو زهرة، فقال: «أصول الفقه: مركب إضافي، وهو في ذاته: اسم لعلم خاص، ولكن تركيبه الإضافي يكون جزءا من حقيقته، فهو ليس اسما خالصا قد انقطع عن أصل الإضافة التي تتكون من المضاف والمضاف إليه؛ ولذا كان لا بد في تعريفه من تعريف جزئيه»(«أصول الفقه» (6) ).
وبناء على ما تقرر من كون الخلاف لم يتوارد على محل واحد، وأن سببه هو اختلاف الاعتبار في الجهة التي يراد منها الحد؛ جمع بين الحدين والاعتبارين جملة من العلماء، خصوصا المتأخرين كابن الحاجب والطوفي وابن السبكي وغيرهم، قال ابن الحاجب: «وأما حده لقبا: فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية، وأما حده مضافا: فالأصول الأدلة الكلية»( «منتهى الوصول والأمل» (3))، وقال الطوفي: «فأصول الفقه بالاعتبار الأول، أي: باعتبار تعريفه من حيث هو مركب، هو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية»( «شرح مختصر الروضة» (1/120))، وقال: «وأصول الفقه بالاعتبار الثاني: وهو تعريفه باعتبار كل واحد من مفرداته؛ لأن المادة التي تركب منها لفظ أصول الفقه، وهي الأصول والفقه، فهما مفرد ذلك المركب، فيحتاج في تعريفه التفصيلي إلى تعريف كل واحد منهما على حدته، فالأصول: الأدلة الآتي ذكرها، يعني: الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما في خلال ذلك من القواعد الأصولية»( «شرح مختصر الروضة» (1/123))، وهذا هو الذي رجحه الأستاذ عبد الوهاب خلاف عمليا فعرف علم الأصول بقوله: «علم أصول الفقه في الإصطلاح الشرعي هو: العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، أو هو: مجموعة القواعد والبحوث...»(«علم أصول الفقه» (15) ).
ويوضح لنا الشيح محمد الأمين الجكني المرابط حقيقة الخلاف بقوله: «[وأصول الفقه] اختلف في حقيقتها بسبب أن أسماء العلوم كالنحو والبيان مثلا، قد يراد بها:
قواعد ذلك الفن، وإلى هذا المعنى نظر الأكثرون؛ فجعلوا أصوله هي القواعد الباحثة عن الأحوال التي تتصف بها دلائل الإجمال، كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والدليل الإجمالي هو الذي لا يفيد مسألة جزئية، كقاعدة مطلق الأمر والنهي والإجماع والقياس، والقاعدة قضية كلية تعرف منها أحكام جزئياتها.
وقد يراد بأسماء العلوم: إدراك قواعدها، وإليه نظر بعضهم فقال: معرفة أدلة الفقه الإجمالية»( «مراقي السعود إلى مراقي السعود» (58)).
هذا، وقد أثر الخلاف في هذه المسالة على الحد والموضوع من جهة شموله لطرق الاستنباط وكيفية استخراج الأحكام، وما يتبع ذلك من معرفة مراتب الأدلة وطرق دفع التعارض بينها وحال المجتهدين،فمن رأى بأن أصول الفقه هو الأدلة لم يجعل تلك المباحث من أصول الفقه أصالة، كما أنه لم يجعلها من جملة الحد، ومن ذكرها منهم إنما ذكرها باعتبار كونها من عوارض المحدود لا لأنها من تمام الحد، قال ابن زكري التلمساني: «فخرج من كلامه [أي: الجويني] أن حد أصول الفقه هو طرق الفقه الإجمالية فقط، وقوله: "وكيفية..."الخ ليس هو من تمام الحد، بل هو من عوارضه، ويحتمل أن يكون من أجزائه»( «غاية المرام» (1/375)).
وهذا هو الذي ذكره لنا الإسنوي فيما نقلناه عنه سابقا، لما فرق بين الحد اللقبي والإضافي، فقال في الوجه الثاني: «أن اللقبي: لا بد فيه من ثلاثة أشياء: معرفة الدلائل، وكيفية الاستفادة، وحال المستفيد، وأما الإضافي فهو: الدلائل خاصة»(«نهاية السول» (1/8) )، فـ«أصول الفقه باعتبار كونه مركبا تركيبا إضافيا معناه مفرد، هو أدلة الأحكام أو أدلة العلم بالأحكام، أما أصول الفقه باعتبار كونه علما لهذا الفن؛ فمعناه مركب من: أدلة الأحكام، واستنباط الأحكام، وقواعد لكيفية استنباط الأحكام، ومستنبط للأحكام، وقواعد لكيفية استنباطه، أو أنه مركب من المعرفة بهذه الأمور»( «علم أصول الفقه» للربيعة (56- 57).).
3- موضوع علم أصول الفقه: هذه هي المسألة الثالثة من المسائل المؤثرة على حد علم أصول الفقه وحقيقته، وقد اختلف العلماء في موضوع علم أصول الفقه على ثلاثة أقوال:(انظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني (1/54)، «الحكم التكليفي» للبيانوني (17)، «المهذب» للنملة (1/38)، «علم أصول الفقه» للربيعة (231)، «أصول الفقه الميسر» لشعبان إسماعيل (1/14)، «علم أصول الفقه معالمه وأعلامه» (70)، «دروس في علم أصول الفقه لغير الحنفية» (22) )
الأول: هو أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة الشرعية ومراتبها وأحوالها، وهو قول الجمهور، قال الآمدي: «وَأَمَّا مَوْضُوعُ أُصُولِ الْفِقْهِ، فَاعْلَمْ أَنَّ مَوْضُوعَ كُلِّ عِلْمٍ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَبْحَثُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ عَنْ أَحْوَالِهِ الْعَارِضَةِ لِذَاتِهِ.
وَلَمَّا كَانَتْ مَبَاحِثُ الْأُصُولِيِّينَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِيهِ، وَأَقْسَامِهَا، وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ منْهَا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ؛ كَانَتْ هِيَ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْأُصُولِ»( «الإحكام» (1/18))، وقال المرداوي: «فموضوع أصُول الْفِقْه: أدلته من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَنَحْوهَا، لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهَا عَن الْعَوَارِض اللاحقة لَهَا، من كَونهَا عَامَّة أَو خَاصَّة، أَو مُطلقَة أَو مُقَيّدَة، أَو مجملة أَو مبينَة، أَو ظَاهِرَة أَو نصا، أَو منطوقة أَو مفهومة، وَكَون اللَّفْظ أمرا أَو نهيا، وَنَحْو ذَلِك، وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ مسَائِله»( «التحبير» (1/143)).
الثاني: أن موضوع علم الأصول هو مجموع الأدلة والأحكام، وبه قال صدر الشريعة والتفتازاني والشوكاني وغيرهم، قال صدر الشريعة: «فَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْأَحْكَامُ؛ إذْ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ الْعَوَارِضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ إثْبَاتُهَا للْحُكْمَ، وَعَنْ الْعَوَارِضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَحْكَامِ، وَهِيَ ثُبُوتُهَا بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ»( «شرح التلويح على التوضيح» (1/38))، وقال الشوكاني: «وَجَمِيعُ مَبَاحِثِ أُصُولِ الْفِقْهِ رَاجِعَةٌ إِلَى إِثْبَاتِ أَعْرَاضٍ ذَاتِيَّةٍ لِلْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ، مِنْ حَيْثُ إِثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ، وَثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِالْأَدِلَّةِ، بِمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ مَسَائِلِ هَذَا الْفَنِّ هُوَ الْإِثْبَاتُ وَالثُّبُوت»( «إرشاد الفحول» (1/54))، وهو الذي رجحه الدكتور وهبة الزحيلي( «أصول الفقه الإسلامي» (1/36)).
الثالث: أن موضوع علم أصول الفقه هو الأحكام من حيث ثبوتها بالأدلة، وهو قول بعض الحنفية، وظاهر اختيار ابن جزي المالكي( انظر: «تقريب الوصول» (33)، «تيسير التحرير» (1/19)، «أصول الفقه، معالمه واعلامه» (70) ).
و«أغلب العلماء رجحوا المذهب الأول، وهو أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الشرعية الكلية الإجمالية من حيث إثباتها للأحكام الكلية؛ وذلك لأن أصول الفقه إنما يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة، وأما الأمور الأخرى من الأحكام وصفات المستدل والمكلف فإن البحث عن عوارضها إنما يأتي بالتبع؛ نظرا لتوقف كثير من المباحث عليها، وأيضا فإن بعض من رجحوا أن موضوعه الأدلة والأحكام كيحيى الرهاوي اعترفوا بأن مباحث الأدلة أهم وأكثر، وإن رأوا أن ذلك لا يقتضي الأصالة والإستقلال»( «علم أصول الفقه» للربيعة (244))، كما أن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابع له.
وللأستاذ عبد الوهاب خلاف -رحمه الله- كلام جميل جدا يشرح فيه موضوع علم الأصول أحببت أن أورده هنا لأهميته في معرفة المقصود من الأدلة والأحكام في موضوع علم أصول الفقه، قال فيه رحمه الله: «وأما موضوع البحث في علم أصول الفقه، فهو الدليل الشرعي الكلي من حيث ما يثبت به من الأحكام الكلية، فالأصولي يبحث في القياس وحجيته، والعام وما يقيده، والأمر وما يدل عليه، وهكذا، وإيضاحا لهذا أضرب المثل الآتي: القرآن هو الدليل الشرعي الأول على الأحكام، ونصوصه التشريعية لم ترد على حال واحدة، بل منها ما ورد بصيغة الأمر، ومنها ما ورد بصيغة النهي، ومنها ما ورد بصيغة العموم أو بصيغة الإطلاق، فصيغة الأمر، وصيغة النهي، وصيغة العموم وصيغة الإطلاق، أنواع كلية من أنواع الدليل الشرعي العام، وهو القرآن، فالأصولي يبحث في كل نوع من هذه الأنواع ليتوصل إلى نوع الحكم الكلي الذي يدل عليه، مستعينا في بحثه باستقراء الأساليب العربية والاستعمالات الشرعية، فإذا وصل ببحثه إلى أن صيغة الأمر تدل على الإيجاب، وصيغة النهي تدل على التحريم، وصيغة العموم تدل على شمول جميع أفراد العام قطعا، وصيغة الإطلاق تدل على ثبوت الحكم مطلقا، وضع القواعد الآتية: الأمر للإيجاب، النهي للتحريم، العام ينتظم جميع أفراده قطعا، المطلق يدل على الفرد الشائع بغير قيد.
وهذه القواعد الكلية وغيرها مما يتوصل الأصولي ببحثه إلى وضعها يأخذها الفقيه قواعد مسلمة، ويطبقها على جزئيات الدليل الكلي، ليتوصل بها إلى الحكم الشرعي العملي التفصيلي، فيطبق قاعدة: الأمر للإيجاب على قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [المائدة: 01]، ويحكم على الإيفاء بالعقود بأنه واجب، ويطبق قاعدة: النهي للتحريم على قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ﴾ [الحجرات: 11]، ويحكم بأن سخرية قوم من قوم محرمة، ويطبق قاعدة: العام ينتظم جميع أفراده قطعا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ﴾ [النساء: 23]، ويحكم بأن كل أم محرمة، ويطبق قاعدة المطلق يدل على أي فرد على قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ﴾ [المجادلة: 03]، ويحكم بأنه يجزئ في التكفير أية رقبة مسلمة أو غير مسلمة.
ومن هذا يتبين الفرق بين الدليل الكلي والدليل الجزئي، وبين الحكم الكلي والحكم الجزئي.
فالدليل الكلي هو النوع العام من الأدلة الذي تندرج فيه عدة جزئيات مثل الأمر والنهي، والعام والمطلق، والإجماع الصريح والإجماع السكوتي، والقياس المنصوص على علته والقياس المستنبطة علته، فالأمر يندرج تحته جميع الصيغ التي وردت بصيغة الأمر، والنهي، فالأمر دليل كلي، والنص الذي ورد على صيغة الأمر دليل جزئي، والنهي دليل كلي، والنص الذي ورد على صيغة النهي دليل جزئي.
وأما الحكم الكلي فهو النوع العام من الأحكام التي تندرج فيه عدة جزئيات، مثل الإيجاب والتحريم والصحة والبطلان، فالإيجاب حكم كلي يندرج فيه إيجاب الوفاء بالعقود، وإيجاب الشهود في الزواج، وإيجاب أي واجب، والتحريم حكم كلي يندرج فيه تحريم الزنا والسرقة وتحريم أي محرم، وهكذا الصحة والبطلان فالإيجاب حكم كلي، وإيجاب فعل معين حكم جزئي، والأصولي لا يبحث في الأدلة الجزئية، ولا فيما تدل عليه من الأحكام الجزئية، وإنما يبحث في الدليل الكلي، وما يدل عليه من حكم كلي ليضع قواعد كلية لدلالة الأدلة كي يطبقها الفقيه على جزئيات الأدلة لاستثمار الحكم التفصيلي منها، والفقيه لا يبحث في الأدلة الكلية، ولا فيما يدل عليه من أحكام كلية، وإنما يبحث في الدليل الجزئي، وما يدل عليه من حكم جزئي»( «علم أصول الفقه» (15- 18)).
وإذا تقرر هذا؛ فإن الخلاف في موضوع علم الأصول كان له أثر في حد علم أصول الفقه وبيان حقيقته، فمن رأى أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الشرعية عرفه بما يقتضي ذلك، كقول الآمدي: «أصول الفقه هي: أدلة الفقه، وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية»(«الإحكام» (1/8) )، وقول البيضاوي: «معرفة دلائل الفقه إجمالا»( «نهاية السول»(1/7))، وأما من رأى أن موضوع علم أصول الفقه هو مجموع الأدلة والأحكام، فقال: «هو علم يعرف به أحوال الأدلة الشرعية من حيث إثباتها للأحكام، وأحوال الأحكام الشرعية من حيث ثبوتها بالأدلة»، وأما من قال موضوعه هو الأحكام الشرعية الكلية فقد عرف علم الأصول بمثل ما عرفه به ابن جزي في قوله: «وأما أصول الفقه: فهو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية على الجملة، وبأدواتها، والاجتهاد فيها وما يتعلق به»( «تقريب الوصول» (33).)، وفي ذلك يقول الشيخ المطيعي: «وأما طريقة الحنفية فموضوع الأصول ما ذكره الشافعية والأحكام، فما ذكر الشافعية من الأدلة الإجمالية وطرق الاستفادة وحال المستفيد من موضوع الأصول من حيث إثبات الأحكام بها، والأحكام من موضوعه أيضا من حيث أنها تثبت بالأدلة الإجمالية ... فتعريف أصول الفقه على طريقة الشافعية هو ما ذكره المصنف [أي: البيضاوي]، وعلى طريقة أكثر الحنفية هو العلم بالأدلة الإجمالية للفقه وطرق استفادتها منها وحال مستفيدها، من حيث تثبت بها الأحكام الشرعية الكلية... الخ، والأحكام من حيث تثبت بتلك الأدلة»(«سلم الوصول» (1/15). ).
كما أنه «يترتب عن الاختلاف المتقدم في موضوع الأصول في ترتيب الفنون والمباحث الأصولية المتفق عليها، وليس للتعليل بالاختيار في تقديم أحد المباحث وتأخيرها كبير فائدة، سوى اعتبار أحد هذه الفنون أصلا والآخر فرعا تبعا له، وأن بعض المباحث تدرس ذاتيا والأخرى عرضا»( من كلام شيخنا فركوس في مقدمة تحقيقه على «تقريب الوصول» (30).).
ولذلك كان الخلاف -في الجملة- لفظيا، كما قال التفتازاني: «وفي ظني أنه لا خلاف بينهما في المعنى؛ لأن من جعل الموضوع الأدلة جعل المباحث المتعلقة بالأحكام راجعة إلى أحوال الأدلة، ومن جعله الأحكام جعل المباحث المتعلقة بالأدلة راجعة إلى أحوال الأحكام، تقليلا لكثرة الموضوع؛ فإنه أليق بالعلوم، ومن جعله كلا الأمرين فقد أراد التوضيح والتفصيل»( ( ) نقله الدكتور شعبان إسماعيل في تحقيقه على«إرشاد الفحول» (1/55).).
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 28-09-18, 07:14 PM
إحسان القرطبي إحسان القرطبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 10-10-09
المشاركات: 1,210
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

جيد وفقكم الله أخي الفاضل
خبذا لو تجعل البحث كله في ملف بي دي أف للتحميل
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30-09-18, 01:09 PM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 23
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

الفصل الثاني: أسباب الخلاف في المسائل المتعلقة بالحكم الشرعي.
تمهيد: الحكم الشرعي: حقيقته، أركانه وأقسامه:
يعتبر الحكم الشرعي الكلي من أهم المباحث الأصولية التي يتناولها علم أصول الفقه، إما باعتباره الغاية والثمرة من الأدلة الشرعية الإجمالية والقواعد الكلية التي يتناولها علم الأصول، وإما باعتباره موضوعا لهذا العلم أو جزءا منه.
وللحكم الشرعي حقيقة وأقسام وأركان، اعتنى العلماء ببيانها وتجلية حقائقها، وقد وقع بينهم خلاف في بعض تلك المباحث، وله أسباب ومقتضيات، وهذا ما سنحاول تناوله في هذا الفصل.
ونبدأ في مقدمة ذلك بتعريف الحكم الشرعي، وذكر الخلاف الواقع بين العلماء في حده وتعريفه؛ إذ به تتضح حقيقته، وتتجلى لنا أقسامه وأركانه.

المبحث الأول: تعريف الحكم الشرعي، وسبب اختلاف العلماء فيه:
تمهيد: قد تعددت أراء العلماء في تعريف الحكم الشرعي، وتنوعت عباراتهم في ذلك بناء على اختلاف نظرتهم إلى بعض أركان الحكم وشروطه ومتعلقاته، وبجمع جملة من تعاريف العلماء له والنظر فيها، مع ما قيل وأورد عليها من اعتراضات ومناقشات ظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف بينهم يرجع إجمالا إلى ثلاث مسائل، هي:
1- هل يصح أن يسمى الكلام في الأزل خطابا؟
2- الحكم هل هو نفس الخطاب، أم هو أثره ومدلوله؟
3- في تقسيم الحكم الشرعي.
وسنتناول هذه الأسباب على شكل مسائل نحاول تقريرها وبيان أسباب الخلاف فيها؛ لكونها في ذاتها مباحث أصولية –في الجملة-.


المسألة الأولى:
هل يصح أن يسمى الكلام في الأزل خطابا أم لا؟
صورة المسألة وتحرير محل النزاع فيها:
تعتبر هذه المسألة من مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه، والذي أدى بعلماء الأصول لبحثها هو: أنهم لما جعلوا لفظ «الخطاب» مأخوذا في حد الحكم الشرعي الفرعي، وكان هذا اللفظ من صيغ المفاعلة التي تقتضي وجود مخاطِب ومخاطَب، وخطاب الله المقصود في الحكم الشرعي هو كلامه، مع ما علم من اختلاف في حقيقة كلامه سبحانه وتعالى هل هو قديم أم لا؟ -ولما كان الأمر كذلك- فالقائلون بقدمه اختلفوا في تسميته «خطابا»؛ لأزلية المخاطِب وهو الله تعالى، وذلك ينافي قدمه، ولذلك فإنه إذا تتبعنا أصل حدوث المسألة، ونشأة الكلام فيها عند الأصوليين، نجد بأنه عبارة عن اعتراض من المعتزلة القائلين بأن كلام الله مخلوقٌ وحادثٌ أوردوه على الأشاعرة القائلين بقدم الكلام وأزليته، ومفاد ذلك الاعتراض راجع إلى لزوم حدوث الخطاب المنافي لقدم الله تعالى من جعله قيدا في تعريف الحكم مع تعلقه بأفعال المخلوق الحادث.
ويبين لنا الطوفي –رحمه الله- أسئلة هذا الاعتراض من المعتزلة فيقول: «الْمُعْتَزِلَةَ أَوْرَدُوا عَلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ أَسْئِلَةً:
مِنْهَا: أَنَّ الْخِطَابَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَدِيمٌ عِنْدَكُمْ، وَالْحُكْمُ يُعَلَّلُ بِالْعِلَلِ الْحَادِثَةِ، نَحْوَ قَوْلِنَا: حَلَّتِ الْمَرْأَةُ بِالنِّكَاحِ، وَحَرُمَتْ بِالطَّلَاقِ، وَالْمُعَلَّلُ بِالْحَوَادِثِ حَادِثٌ، فَيَلْزَمُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَكُمْ حَادِثٌ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ صِفَةُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ، وَهَذَا فِعْلٌ وَاجِبٌ، وَصِفَةُ الْحَادِثِ تَكُونُ حَادِثَةً، فَإِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ الْحُكْمَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْفِعْلِ الْحَادِثِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى حَادِثًا.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْأَحْكَامَ مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ، إِذْ يُقَالُ: حَلَّتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَلَالًا، وَحَرُمَتْ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَرَامًا، وَحَرُمَ الْعَصِيرُ بِالتَّخْمِيرِ، وَحَلَّ بِالِانْقِلَابِ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَالْمَسْبُوقُ بِالْعَدَمِ حَادِثٌ، فَاحْتَاجَ الَّذِينَ عَرَّفُوا الْحُكْمَ بِالْخِطَابِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ»(«شرح مختصر الروضة» (1/255) )، فالأشاعرة «قائلون بقدم الكلام وجعلوا الحكم هو الخطاب، فيلزم إما نفي قدم الكلام، وإما إثبات قدم المكلف»( «مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» (1/379)).
وإذا اتضح هذا علمنا بأن الخلاف إنما هو بين القائلين بقدم الكلام وأزليته: هل يصح أن يسمى ذلك الكلام خطابا أم لا؟ كما أن محل النزاع هو: هل يسمى بذلك حقيقة، أما جواز تسميته خطابا مجازا فهو متفق عليه( «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1/246))، قال العطار معلقا على قول جلال الدين المحلي في المسألة في قوله: «(وَالْكَلَامُ) النَّفْسِيُّ (فِي الْأَزَلِ قِيلَ لَا يُسَمَّى خِطَابًا) حَقِيقَةً لِعَدَمِ مَنْ يُخَاطِبُ بِهِ إذْ ذَاكَ وَإِنَّمَا يُسَمَّاهُ حَقِيقَةً فِيمَا لَا يَزَالُ عِنْدَ وُجُودِ مَنْ يَفْهَمُ وَإِسْمَاعِهِ إيَّاهُ بِاللَّفْظِ كَالْقُرْآنِ أَوْ بِلَا لَفْظٍ كَمَا وَقَعَ لِمُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِي»، قال العطار: «قَوْلُهُ: (حَقِيقَةً) مُتَعَلِّقٌ بِـ:(يُسَمَّى)، وَهُوَ تَحْرِيرٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ، وَأَنَّهُ فِي الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةٌ، لَا فِي مُطْلَقِ الْإِطْلَاقِ الشَّامِلِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ الْمَجَازِيَّةَ اعْتِبَارُ مَا تُؤَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا»( «حاشية العطار» (1/179)).


الخلاف في المسألة وأقوال العلماء فيها:
لقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:( انظر الخلاف في المسألة وأقوال العلماء فيها في ما يلي: «ميزان الأصول» للسمرقندي (161), «المحصول» للرازي (1/108), «نفائس الأصول» للقرافي (1/218), «شرح مختصر الروضة» للطوفي (1/255)، «الكاشف عن المحصول» لللأصفهاني (1/194)، «التحبير» للمرداوي (803)، «البحر المحيط» للزركشي (1/126), «تشنيف المسامع» له (1/174), «سلم الوصول» للمطيعي (1/50), «المسائل المشتركة» للعروسي (225), «الحكم الشرعي» للباحسين (30)، «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» لفاديغا موسى (1/234), «مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» لخالد عبد اللطيف (1/378))
القول الأول: هو القول بمنع تسمية الكلام في الأزل خطابا، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، ونسبه الزركشي إلى الآمدي(«سلاسل الذهب»(93) )، وهو مشكل لأن الآمدي جعل "الخطاب" من جملة قيود حد الحكم لما عرفه بقوله: «[هو]خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية»( «الإحكام» (1/85))، ولذلك قال الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي: «[فـ]لعل هذا القول ذكره في بعض كتبه في العقائد»( في تحقيقه على «سلاسل الذهب» (93))، كذا قال؛ ثم إني وجدت الإسنوي ينسب هذا القول للآمدي مبينا موضعه من كتابه الأصولي «الإحكام»، فقال: «قال الآمدي في مسألة أمر المعدوم: "الحق أنه لا يسمى بذلك"»( «نهاية السول» (1/50))، وهو نقل لكلامه بالمعنى، وعبارة الآمدي في المبحث المذكور هي قوله: «وهل يسمى التكليف بهذا التفسير في الأزل خطابا للمعدوم وأمرا له عرفا؟ الحق أنه يسمى أمرا، ولا يسمى خطابا»(«الإحكام» (1/132) )، وهذا القول اختاره الغزالي فقال:«ولا يسمى هذا المعنى في الأزل خطابا، وإنما يصير خطابا إذا وجد المخاطب وأسمع»( «المستصفى» (1/234)), وحجة هؤلاء أن الخطاب اسم للمشافهة، فلا بد من حضور المأمور فيكون حادثا، قال الشيخ العروسي: «وهذا الإنكار لتسمية الخطاب(كذا قال، ولو قال: «الكلام» لكان أحسن، والله أعلم ) من الله سبحانه خطابا هو قول الأشاعرة، واستدلوا بأن صيغة المخاطبة تقتضي مفاعلة بين اثنين؛ فلا يجوز أن يستعمل إلا إذا كان هناك من يشاركه في المخاطبة، فهذا الإطلاق يقتضي أنه تعالى مخاطب للمعدوم»(«المسائل المشتركة» (226) ).
القول الثاني: هو القول بجواز تسمية الكلام في الأزل خطابا، وهو قول منسوب إلى الجمهور، وقد نسبه علاء الدين السمرقندي إلى عامة المشايخ( «ميزان الأصول» (161))، ونسبه الإسنوي إلى البيضاوي ورجحه، وصححه المطيعي(«سلم الوصول» (2/55) )، قال ابن حلولو المالكي: «اختلف أئمتنا في تسمية الكلام في الأزل خطابا: فظاهر إطلاق الأكثر الجواز، وصرح الغزالي ونحوه للقرافي بعدم تسميته بذلك أزلا؛ لأن الخطاب لغة يقتضي مخاطَبا موجودا»( «الضياء اللامع» (1/268)).



سبب الخلاف بين العلماء في المسألة:
يرجع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة –والله أعلم- إلى ما يلي:
1- في المراد بـ: «الكلام» وحقيقته: وهي مسألة عقدية وقع فيها الخلاف بين المذاهب الكلامية، وسيأتي –بإذن الله- في «مباحث الأمر» الكلامُ عن حقيقة «الكلام» وما جرى فيه من خلاف، غير أنا سنحاول ها هنا تفسير المسألة وتوضيحها على وجه يعين على فهم الأصل الذي تخرج عليه؛ فنقول وبالله التوفيق: لقد وقع اختلاف في كلام الله عز وجل: هل هو صفة من صفاته، أم هو فعل من أفعاله المخلوقة؟ وهل يكون بصوت وحرف، أم هو اسم للمعنى القائم بالنفس؟ فالمعتزلة يرون بأن الكلام صفة فعل يخلقه الله عز وجل بائنا منفصلا عنه، وأما الأشاعرة فيرون أنه صفة ذات، وهو معنى واحد قائم بالنفس لا يتعدد ولا يتجدد، وأنه ليس بحرف ولا صوت، وذهب سلف الأمة وأهل السنة والجماعة إلى إثبات صفة الكلام على الوجه اللائق به سبحانه، وأنه صفة ذات وفعل؛ فلم يزل الله عز وجل متكلما ولا يزال، وهو سبحانه يتكلم متى شاء بما شاء، وأن كلامه بصوت وحرف، وأنه مفرق مفصل يتبعض ويتعدد، ولسنا بهذا الصدد في مقام تقرير أحقية قول أهل السنة والجماعة والتدليل عليه من الكتاب والسنة، بل هو إجماع سلف الأمة، فهذا له موضعه في الكتب التي عنيت بتقرير المسألة على وفق معتقد أهل السنة والجماعة والرد على المخالفين، وإنما المقصود هنا تخريج هذه المسألة على الأقوال المذكورة، وبناء على المذاهب في مسألة الكلام: قال المعتزلة بأن الحكم حادث، ولا يمتنع أن يسمى في الأزل خطابا؛ لأن الكلام عندهم مخلوق، والإشكال إنما يرد على الأشاعرة الذين قالوا بقدم الحكم وأزلية الكلام، ولذلك اضطروا للكلام عن لفظ «الخطاب» وتأويله –كما سيأتي بيانه-، وأما أهل السنة والجماعة فالكلام عندهم قديم النوع حادث الأفراد فلا يرد عليهم ما يرد على الأشاعرة.
وفي تخريج الخلاف في هذه المسألة على هذا الأصل يقول الدكتور خالد عبد اللطيف: «والذي جرَّ الإشكال على هؤلاء المتكلمين هو قولهم بأن كلام الله نفسي وأنه قديم أزلي، مع منعهم تعلق كلامه بمشيئته، فأوقعهم ذلك في الإرتباك»(«مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» (1/381) )، وقال الزركشي: «ولها التفات أيضا إلى أن الكلام النفسي: هل يسمع»( «سلاسل الذهب» (94))، وقال السمرقندي في تعليل القول بأزلية الخطاب: «ولكن الصحيح قول العامة؛ لأن الأمر وصف ذاتي للكلام لكونه قولا مخصوصا، والوصف الذاتي لا يجوز عليه التغير؛ فتكلم المشايخ في أنه خطاب في الأزل أم لا؟»( «ميزان الأصول» (161).)، وقال الشيخ الشنقيطي: «واعلم أن عبارات الأصوليين اضطربت في تعريف الحكم، وسبب اضطرابها ... زعمهم أن الخطاب هو نفس المعنى الأزلي القائم بالذات المجرد عن الصيغة»( «المذكرة» (17))، بمعنى: أن الأشاعرة لما جعلوا كلام الله تعالى قديما أزليا، وذكروا «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم، والخطاب مفاعلة بين اثنين: مخاطِب ومخاطَب، أُورد عليهم بسبب ذلك كما مضى ذكره عن المعتزلة، فاعتراض المعتزلة مركب من أمرين: الأول: قول الأشاعرة بقدم الكلام، والثاني: تعريف الحكم بأنه خطاب، والخطاب يقتضي الحدوث على وفق ما سبق تفسيره، ولو أن الأشاعرة قالوا بمذهب أهل السنة والجماعة لنجوا من هذا الاعتراض، ولما تكلفوا عنه، قال الدكتور فاديغا موسى: «والنزاع في هذه المسالة مبني على أن كلام الله نفسي فقط، ليس بحرف ولا صوت، وهو خلاف الصواب، فالله يتكلم إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء بحرف وصوت يسمع، وإنه تكلم مع من شاء من رسله وملائكته وسمعوا كلامه حقيقة ... ومما سبق يتبين لنا أن الاختلاف في المسألة هذه كله راجع إلى القول بأزلية الحكم أو عدم أزليته»(«تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1/248) ).
2- في المراد بـ:«الخطاب»: وهو من متممات المسألة السابقة؛ لأن الأشاعرة مجمعون على أزلية كلام الله تعالى وقدمه، ولذلك ورد عليهم الإشكال في جعل «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم الشرعي، فاضطروا إلى تفسير «الخطاب» وبيان المراد به.
و«الخطاب» في اللغة: مصدر خاطبه بالكلام يخاطبه مخاطبة وخطابا، فهو من أبنية المفاعلة( «شرح مختصر الروضة» للطوفي (1/250).)، ويُعنى به: توجيه الكلام للغير بقصد الإفهام، ويراد به أيضا الكلام الذي وقع به التخاطب، وهو معنى مجازي.
وأما في اصطلاح الأشاعرة فقد اختلفوا فيه على قولين: على وفقهما وقع الخلاف في جواز تسمية الكلام في الأزل خطابا، وفي ذلك يقول الزركشي : «في تسمية كلام الله في الأزل خطابا، فيه خلاف ينبني على تفسير "الخطاب" ما هو؟ فإن قلنا: ما يقصد به إفهام من هو متهيء للفهم؛ فلا يسمى خطابا، وإن قلنا: ما يقصد به الإفهام في الجملة؛ يسمى خطابا»( «سلاسل الذهب» (96))، وقال الشوشاوي: «وسبب هذا الخلاف: اختلافهم في معنى"الخطاب"، قيل: معناه الكلام الذي قصد به إفهام الغير في الحال، وقيل: معناه الكلام الذي قصد به إفهام الغير في الحال والاستقبال؛ فعلى الأول لا يسمى خطابا، وعلى الثاني يسمى خطابا»( «رفع النقاب» (1/646)).
فمن قال إن الخطاب هو الكلام الموجه نحو المتهيء للإفهام، أو هو اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيء للإفهام في الحال؛ منع أن يسمى الكلام خطابا، لأنه على هذا التفسير لا بد من وجود المخاطَب وهو المكلف، ووجوده يستلزم قدمه، وهو محال( انظر: «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» لفاديغا موسى (1/245).
وأما من رأى بأن «الخطاب» هو قول يفهم منه من سمعه شيئا مفيدا ولو فيما بعد؛ فأجاز أن يسمى الكلام في الأزل خطابا، ويكون معنى «الخطاب» عندهم: «قيام طلب فعل أو ترك بذات الرب تعالى ممن سيوجد ويتهيأ لفهمه، وقالوا: أنه لا استحالة في الطلب من المعدوم إذا لم يطلب منه فعله حال عدمه، بل طلب منه أن يفعله بعد وجوده، وحين يوجد ويتهيأ لفهمه يتعلق به تعلقا آخر، والباقلاني والآمدي يوافقان على صحة هذا المعنى لكن لا يسميان ذلك خطابا، بل أمرا ونهيا»( «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1(244- 245))، وهناك من حمل لفظ «الخطاب» على المعنى المجازي له في اللغة من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، فيكون المقصود به الكلام المخاطب به ، لا توجيه الكلام، وقد جعل هذا المعنى الطوفي حقيقة عرفية في «الخطاب»، فقال في جوابه عن اعتراض القرافي على جعل «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم ومنعه ذلك؛ بناء على أنه سبحانه قديم فلا يصح أن يكون معه في الأزل من يخاطبه، فقال الطوفي -في جوابه-: «لا يلزم من مخاطبة الله سبحانه وتعالى، وخطابه لخلقه أن يكونوا معه أزلا ... وقد بينا أن الخطاب صار في الاصطلاح بمعنى الكلام»( «شرح مختصر الروضة» (1/251- 252))، وقال المطيعي معلقا على قول الإسنوي: «فأطلق المصدر وأريد به ما خوطب به على سبيل المجاز» قال: «أقول إن ذلك بحسب الأصل صار بعد اصطلاح الأصوليين عليه حقيقة عرفية»(«سلم الوصول» (1/47) )، وتفسير الخطاب بالمعنى المصدري لا خلاف فيه( انظر: «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1/246))، ويكون الخلاف حينئذ بين الأشاعرة خلافا في اللفظ ومنازعةً في الاصطلاح؛ لاتفاق الجميع على أزلية كلام الله تعالى وحكمه، إلا أن بعضهم أجاز تسمية كلامه خطابا حقيقة، وبعضهم منعها حقيقة وأجازها مجازا: إما لأن المراد بها اسم المفعول الذي هو الكلام المخاطب به، وإما لكون الخطاب عندهم له معنى آخر لا يستقيم على مذهب الجميع في كلام الله تعالى وأزليته( انظر: «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1/236)، «مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» (1/380))، والذي أجاز تسميته خطابا حقيقة: إنما أجازه عن طريق تنزيل المعدوم الذي سيوجد فيما بعد بشرائط التكليف منزلة الموجود، فوقع الخطاب بعد التنزيل حقيقة، ومن منع تسميته خطابا حقيقة: إنما منعه لاستلزام الخطاب عنده وجود المخاطب، فلم يتوارد النزاع على محل واحد، وكان لفظيا اصطلاحيا.
ويجدر بالتنبيه إلى أن بعض الأشاعرة لم يسلموا أن إطلاق «الخطاب» على سبيل تنزيل المعدوم منزلة الموجود يكون حقيقة، بل هو مجاز، قال العطار: «وأنت خبير أن التنزيل المذكور ينافي كون التسمية حقيقية؛ لأنه يقتضي أنها مجاز لعلاقة الأول، أو إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة»( «حاشية العطار» (1/180))، وقال الكوراني معلقا على جلال الدين المحلي: «وما ذكره بعض الشارحين من أن الأصح أنه خطاب حقيقة بتنزيل المعدوم منزلة الموجود؛ فشيء لا يعقل، ولا يلتفت إليه»( «الدرر اللوامع» (1/301)).
وعلى كل حال فقد ثبت أن الأشاعرة الذين أجازوا تسمية الكلام في الأزل خطابا، وجعلوه جنسا في تعريف الحكم الشرعي، لا يرد عليهم قول المعتزلة واعتراضهم المبني على حقيقة الخطاب اللغوية؛ لأن لهم -أي: للأشاعرة- اصطلاحا خاصا لـ:«الخطاب»، يتوافق مع معتقدهم في أزلية الكلام وقدمه، ولهذا قال الكوراني: «اختلف في الكلام في الأزل، أي: المعنى القديم القائم بذاته تعالى، هل يسمى خطابا أم لا؟ وهذا بحث لفظي، إذ هو مبني على تفسير "الخطاب"»(«الدرر اللوامع» (1/300) )، وقال الأصفهاني في شرحه لكلام الرازي في «المحصول» قال: «وأما قوله: "المخاطبة إنما تتصور بين المخاطِب والمخاطَب"، قلت: والمعني بالخطاب المعنى القائم بالذات، واستعمال هذا اللفظ في هذا المعنى من باب الاصطلاح، ولا مناقشة في الاصطلاحات ولا حجر»( «الكاشف عن المحصول» (1/211).).
هذا في تفسير «الخطاب»، ولكن بقي إشكال آخر يرد على الأشاعرة، وهو في جعلهم «الخطاب» -وهو قديم عندهم- متعلقا بفعل المكلف وهو حادث، فكيف يتعلق القديم بالحادث؟ وقد أورد هذا الإشكال الإسنوي فقال: «فإن قيل: اشتراط التعلق في حد الحكم يقتضي أنه لا حكم عند عدم التعلق، والتعلق حادث على رأيه؛ فيلزم أن لا يكون الحكم ثابتا قبل ذلك، وهو باطل، فإن الحكم قديم»( «نهاية السول» (1/32))، والإسنوي في قوله: «والتعلق حادث على رأيه» أشار إلى الخلاف في التعلق هل هو قديم أم حادث؟ فمذهب الرازي والبيضاوي وغيرهما هو أنه حادث، في حين يذهب تقي الدين السبكي وغيره إلى أنه قديم، والإشكال يرد على من قال بحدوثه، قال السبكي: «وهذا اختيار من المصنف أن التعلق حادث، وهو المذكور في المحصول هنا [أي: في جواب الاعتراضات عن المعتزلة]، وفي موضع آخر خلافه وهو المختار، ولو كان التعلق حادثا لكان الخطاب المتعلق حادثا ضرورة أخذ التعلق قيدا فيه، ويلزم على هذا أن يكون الحكم حادثا وهو قد فر منه، وأن الكلام في الأزل لا يسمى حكما، ومن ضرورته ألا يكون أمرا ولا نهيا، ونحن لا نقول به»( «الإبهاج» (1/117))، كما أنه يلزم على ذلك تعدد الكلام وتنوعه؛ لتعلقه بأفعال المكلفين وتصرفاتهم، وهي متعددة، وهذا ينافي عقيدة الأشاعرة في كون الكلام الأزلي شيئا واحدا لا تعدد فيه ولا تنوع( انظر: «الدرر اللوامع» للكوراني (1/302))، وقد تنوعت أجوبة الأشاعرة على هذا الإشكال: فبعضهم منع حدوث التعلق، وقال: هو قديم، وبعضهم قال: لا يوصف بحدوث ولا قدم، وبعضهم رأي التعلق من الأمور النسبية الاعتبارية، وهو ما اختاره السبكي والزركشي، قال تقي الدين السبكي: «فالمختار أن الإحلال مثلا قديم، وكذلك تعلقه، وأن التعلق نسبة، فهو يستدعي حصول متعلقه في العلم لا في الخارج، وإنما الذي يحدث بعد ذلك الحل، وهو غير الإحلال، وإنما ينشأ عنه بشروط كلما وجدت وجد؛ كما لو قلت: "أذنت لك أن تبيع عبدي هذا يوم الخميس"، فالإذن قبل الخميس موجود متعلق به وأثره يظهر يوم الخميس، وعلى هذا يجب أن يحمل قولهم بحدوث التعلق، فلا يكون بين الكلامين مخالفة في المعنى، وكأن للتعلق طرفين: من جهة المتكلم يتقدم، ومن جهة المخاطب قد يتأخر»( «الإبهاج» (1/117- 118))، وقال الزركشي: «والتحقيق أن للتعلق اعتبارين:
أحدهما: قيام الطلب النفسي بالذات، وهو قديم.
والثاني: تعلق تنجيزي، وهو حادث، وحينئد فلا يبقى خلاف»(«البحر المحيط» (1/118- 119) )، وهو الذي اختاره العلوي الشنقيطي فقال: «قولهم: "المتعلق" يعني تعلقا معنويا قبل وجود المكلف متصفا بشروط التكليف من البلوغ والعقل ومن العلم بالبعثة وبلوغ الأحكام وغير ذلك، وتنجيزيا بعد ذلك»( «نشر البنود» (1/23)).
«وهذا الإشكال أورده الأشاعرة ومن وافقهم من غيرهم من أتباع الأئمة ممن يقول بقدم كلام الله سبحانه، وأنه سبحانه لا يتكلم متى شاء.
ولا يرد على المعتزلة؛ لأنهم يعتقدون أن كلام الله مخلوق، فلا إشكال عندهم.
وهذا الإشكال لا يرد على أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الله سبحانه يتكلم متى شاء، وأن كلامه سبحانه صفة ذات وصفة فعل، كصفة الإرادة والخلق، ثم إن قلنا: إن المراد بـ:"التعلق" هو موجبه، وهو طلب الفعل، فطلب الفعل قد يكون منعا كالتحريم والكراهة، لوجود الحرمة القائمة بالفعل، سواء قلنا: إنها صفة عينية وهو الحق، وقد يكون إثباتا كالإيجاب والندب والاستحباب، لوجود الوصف المقصود القائم بالفعل، فالأول كتحريم الخمر والسرقة، والثاني كالصدقة والصدق والأمانة.
والله سبحانه لما حكم بتحريم هذا الفعل حكم بذلك لعلمه سبحانه بما فيه من المفسدة، لا أن نفس الفعل هو الذي أثّر بالحكم حتى يوصف تعلق القديم الحادث كما ظهر ذلك من أجوبة الأصوليين، وكذلك لما حكم سبحانه بإيجاب الصدق وبر الوالدين طلب ذلك سبحانه لعلمه ما في هذه الأفعال من المصالح، لا أن هذه المصالح هي الباعثة على الإيجاب أو الندب فيرد إشكال التعلق.
فخطاب الله الموجب للعقوبة أو الموجب للثواب والمدح، هو حكمه، وعلمه المتعلق بفعل المكلف ثابت بكل حال، قبل فعل المكلف وبعده، لكن لا يحصل موجب هذا الحكم والعلم، وهو الثواب والعقاب، إلا بعد ظهور الفعل في الخارج، فلا يؤاخذ العبد إلا بعد الفعل، وبهذا يتبين أن إشكال التعلق يختص بمن يعتقد أن كلام الله سبحانه قديم، والله أعلم»(«المسائل المشتركة» للعروسي (100- 101) ).
3- هل يصح تعلق الأمر بالمعدوم أم لا؟ وهذا السبب ذكره الزركشي فقال: «وكنت أحسب أن الخلاف لفظي، ثم ظهر لي أن لهذه المسألة أصلا وفرعا، فأصلها أن الأمر يشترط فيه وجود المأمور أم لا؟»(«سلاسل الذهب» (96) )، وقال الشيخ العروسي: «هذه المسألة مبنية على مسألة أن المأمور: هل يصح تعلق الأمر به؟»( «المسائل المشتركة» (225))، ثم قال موضحا: «وهؤلاء أشكل عليهم أن يخاطب الله سبحانه في الأزل من ليسوا موجودين، وقد بينا في كتابنا هذا وجه الحق في مسألة خطاب المعدوم، وملخص ما قيل، إنه إذا قصد أن يخاطب المعدوم في الخطاب بخطاب يفهمه ويمتثله فهذا محال، إذ من شرط المخاطَب أن يتمكن من الفهم والفعل، والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل؛ فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه، بمعنى: أنه يطلب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل، وهذ الجانب من الخطاب هو الذي جعل الأشعري والباقلاني ينكران خطاب المعدوم»( «المسائل المشتركة» (226))، وستأتي مسألة «خطاب المعدوم» بالتفصيل بإذن الله تعالى.

وجه تأثير مسألة: «هل يصح تسمية الكلام في الأزل خطابا؟» على تعريف الحكم الشرعي:
قد اختلف العلماء في جواز إطلاق لفظ «الخطاب» على الحكم الشرعي، وجعله قيدا من قيوده؛ بناء على اختلافهم في مسألة «صحة تسمية الكلام في الأزل خطابا»: فمن منع صحته خطَّأ من جعل «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم الشرعي، ولذلك اعترض القرافي على الرازي لما عرَّف الحكم بأنه: «خطاب الله»، فقال -أي: القرافي-: «"المخاطبة" مفاعلة لا تكون إلا من اثنين، فتكون مختصة بالحادث، فمخاطبة الله تعالى حادثة، وكلامه قديم، والحكم عندنا قديم، فتفسيره بالحادث لا يصح؛ فيجب على هذا أن نقول في الحد: "هو كلام الله تعالى القديم..." إلى آخره، فـ:"الكلام" احتراز عن الخطاب الحادث»(«نفائس الأصول» (1/218- 219) )، وقال أيضا: «إني اتبعت في هذا الحد الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى مع أني غيرت بالزيادة في قولي: "القديم"، ومع ذلك فلفظ: "الخطاب"، والمخاطبة إنما يكون لغة بين اثنين، وحكم الله تعالى قديم، فلا يصح فيه "الخطاب"، وإنما يكون ذلك في الحادث، والصحيح أن يقال: "كلام الله القديم"»( «شرح تنقيح الفصول» (159)).
وفي تخريج الخلاف في جواز جعل «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم قيدا من قيوده على هذه المسألة يقول الزركشي: «هل الحكم الشرعي: خطاب الله تعالى أو كلامه القديم؟ طريقتان، والجمهور على الأولى، وصحح القرافي الثانية، وهما مبنيان على أن الكلام في الأزل هل يسمى خطابا؟ فيه قولان حكاهما ابن الحاجب من غير تخريج؛ فإن قلنا بالمنع –وهو الصحيح- كما قاله الآمدي وجزم به القاضي أبو بكر وغيره –لأن المخاطبة مفاعلة تستدعي وجود اثنين، ولا أحد في الأزل مع الله تعالى- لم يصح جعله جنسا، ووجب التجريد بـ: "الكلام"»( «سلاسل الذهب» (93- 94))، وقال الطوفي: «وَقَدْ عَدَلَ الْقَرَافِيُّ فِي «شَرْحِ التَّنْقِيحِ» عَنْ لَفْظِ: "خِطَابِ اللَّهِ" إِلَى لَفْظِ: "كَلَامِ اللَّهِ"، قَالَ: "لِأَنَّ الْخِطَابَ وَالْمُخَاطَبَةَ لُغَةً، إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ، فَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْخِطَابُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَادِثِ"، وَكَانَ هَذَا مِنْهُ بِنَاءً عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ عِنْدَهُ، فَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَكُونَ خِطَابًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدِيمٌ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْأَزَلِ مَنْ يُخَاطِبُهُ.
وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ - هُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي اللُّغَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْخَطْبُ فِيهِ يَسِيرٌ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَخِطَابِهِ لِخَلْقِهِ، أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ أَزَلا، إِذْ قَدِ اتَّفَقْنَا وَالْأَشَاعِرَةُ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ، بِمَعْنَى تَوَجُّهِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَيْهِ إِذَا وُجِدَ، فَكَذَا يَتَوَجَّهُ الْخِطَابُ إِلَيْهِ إِذَا وُجِدَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِطَابَ صَارَ فِي الِاصْطِلَاحِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ، نَعَمِ؛ الْعُدُولُ عَنْ لَفْظِ "الْخِطَابِ" إِلَى لَفْظِ "الْكَلَامِ" يَكُونُ مِنْ بَابِ أَوْلَى»( «شرح مختصر الروضة» (1/251- 252))، وقال السبكي: «وفي تسمية كلام الله تعالى في الأزل خطابا خلاف، قال القاضي أبو بكر: الكلام يوصف بأنه خطاب دون وجود مخاطب، ولذلك أجزنا أن يكون كلام الله في أزله، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم في وقته مخاطبة على الحقيقة، وأجزنا كونه أمرا أو نهيا، وعلى هذا لا يقال للموصي: إنه مخاطِب بما يودعه وصيته: ويقال: أمر من تفضي إليه الوصية انتهى، فعلى هذا لا يصح أن يؤخذ "الخطاب" في حد الحكم لأن الحكم عندنا قديم، ويجب أن يقال "الكلام"»( «الإبهاج» (1/112))، كما أن بعضهم عدل عن لفظتي: «الخطاب» و«التعلق» المقصودِ به حال كونه متعلقا بفعل المكلف، حتى لا يرد عليه الاعتراض من الجهتين، كما فعل الشنقيطي العلوي في «مراقي السعود» إذ عرَّف الحكم بقوله:
كلام ربي إن تعلق بما
يصح فعلا للمكلف اعلما

من حيث إنه مكلف
فذاك بالحكم لديهم يعرف

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «وإنما عدل المؤلف عن عبارة الأصوليين بقولهم: "المتعلق بفعل المكلف" إلى قوله: "بما يصح أن يكون فعلا للمكلف" ليدخل المعدوم وقت كلام الله بذلك الحكم»(«نثر الورود» (1/38) ).
وعلى تفسير «الخطاب» بـ«الكلام» يبقى على الأشاعرة إشكال آخر راجع إلى إطلاق لفظ «الخطاب» أو «الكلام» من غير تقييد له، لما علم من أن الأشاعرة يقسمون الكلام إلى قسمين: قديم وحادث، فالأول: أزلي غير مخلوق، وهو المعنى القائم بذات الله تعالى، والثاني: حادث مخلوق، وهو العبارات والأقوال الدالة على ذلك المعنى القائم بالنفس؛ ولذلك قيد القرافي الحكم بأنه: «خطاب الله القديم» أو «كلام الله القديم»، قال الشوشاوي: «فقوله [أي: القرافي]: "خطاب الله تعالى القديم" احترازا من خطاب الله تعالى الحادث، وذلك أن: "كلام الله تعالى" يقال للمعنى القائم بذات الله تعالى، ويقال أيضا للفظ الدال على المعنى القائم بذات الله تعالى، وذلك اللفظ الدال على المعنى المذكور هو حادث، ومنه احترز المؤلف بقوله: "القديم" لأن ذلك اللفظ الذي يدل على المعنى القائم بالذات حادث؛ لأنه حادث بعد أن لم يكن، وأما المعنى القائم بذات الله تعالى فهو قديم، لأنه صفة ذات الله تعالى، وصفاته قديمة لا تفاوت ذاته جل وعلا»( «رفع النقاب» (1/634))، وقال القرافي: «و "الكلام القديم" احترازا من الكلام الحادث الذي هو آيات القرآن، فإنها أصوات حادثة، وهي الأدلة، وأما الحكم فمدلول قديم قائم بذات الله تعالى»( «نفائس الأصول» (1/219))، كما أن من لم يقيد «الكلام» أو «الخطاب» بكونه قديما من الأشاعرة في تعريف الحكم الشرعي بل وفي غيره؛ فإنه إذا فسرهما يفسرهما بكلام النفس القديم الأزلي، قال الدكتور الباحسين: «إن جمهور الأصوليين من الأشاعرة يفسرون خطاب الله الوارد في التعريف بكلام النفس القديم الأزلي، وأن الكلام اللفظي ليس حكما، بل هو دال على الحكم»(«الحكم الشرعي» (30) ).
ولا يخفى أن هذا من الأشاعرة مبني على معتقدهم في كلام الله تعالى، وهو معتقد مخالف لما عليه سلف الأمة وأهل السنة والجماعة؛ فإن القرآن كلام الله حقيقة، ألفاظه ومعانيه، تكلم الله عز وجل به وسمعه جبريل منه، وسمعه من جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه سمعه صحابته رضوان الله عليهم( انظر في هذا ما كتبه الشيخ الدكتور محمد عبد القادر العروسي تحت عنوان: «هل يقال عن القرآن الكريم أو الحكم الشرعي بأنه قديم؟» في كتابه النفيس: «المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين» (217)، وأيضا انظر: «مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» (1/325).).
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13-10-18, 10:18 AM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 23
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

المسالة الثانية:
الحكم هل هو نفس الخطاب أم أثره ومدلوله؟

صورة المسألة وتحرير محل النزاع فيها:

يطلق الحكم في كلام العلماء ويراد به تارة خطاب الشارع وكلامه، الذي ثبت مدلوله في حق المكلف، ويراد به تارة أخرى ذلك المدلول والأثر، فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [المزمل: 20] يقال: هو حكم الله، وأثره المستفاد من الأمر-الذي هو خطابه- يقال عنه: حكم أيضا، وهو هنا وجوب الصلاة، فهل إطلاقه عليهما إطلاق حقيقي أم هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟ بمعنى: هل الحكم حقيقة في الخطاب أم في أثره؟ أما إطلاق أحدهما على الآخر على سبيل التجوز والمسامحة فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف، والله أعلم.







الخلاف في المسألة وأقوال العلماء فيها:

ولقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:(انظر المسألة في المصادر التالية: «شرح التلويح على التوضيح» للتفتازاني (1/24)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (1/333)، «الحكم التكليفي» للبيانوني (28)، «المهذب» للنملة (1/130)، «الخلاف اللفظي» له (1/80)، «الحكم الشرعي» للباحسين (31)، «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» لفاديغا موسى (1/249) )
الأول: أن الحكم هو نفس الخطاب، وهو مذهب جمهور الأصوليين؛ ولذلك يعرفون الحكم بأنه: «خطاب الله تعالى».
الثاني: وهو قول عامة الفقهاء وبعض الأصوليين من أن الحكم حقيقة هو مدلول الخطاب وأثره لا الخطاب نفسه؛ ولذلك يعرفون الحكم بذلك، قال الفتوحي: «الحكم الشرعي في اصطلاح الفقهاء: مدلول خطاب الشارع»( «شرح الكوكب المنير» (1/333))، ورجحه الطوفي، فقال: «والأولى أن يقال: مقتضى خطاب الشارع»( «شرح مختصر الروضة» (1/247))، واختاره ابن بدران( «المدخل» (146))؛ فالنص عندهم دليل على الحكم لا أنه الحكم.




سبب الخلاف بين العلماء في المسألة:

الذي يظهر –والله أعلم- أن سبب الخلاف بين العلماء في هذه المسألة راجع إلى ما يلي:
1-صفة الكلام، وهل يصح أن يسمى الكلام في الأزل خطابا أم لا؟ وقد مضى معنا ذكر المسألة وبحثها، والمقصود هنا: أن بعض العلماء لما رأى لفظ «الخطاب» مشكلا، يرد عليه من الاعتراضات والأسئلة ما ينقضه عدل عن تعريف الحكم بـ«الخطاب» إلى قوله: «مقتضى الخطاب أو أثره أو مدلوله»، ولا مانع حينئذ من تعلق ذلك المقتضى بفعل المكلف، ويستقيم الحد ويسلم من الاعتراضات، وفي ذلك يقول الطوفي بعد ان ذكر اعتراضات المعتزلة على الأشاعرة في تعريفهم الحكم بـ«الخطاب» والجوابِ عنها لديهم، قال: «قُلْتُ: فَإِذَا قُلْنَا: الْحُكْمُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ، لَمْ تَرِدْ عَلَيْنَا هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ، لِأَنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّلَ بِالْحَوَادِثِ هُوَ نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْكَلَامِ وَمُقْتَضَاهُ، إِذِ الْكَلَامُ إِمَّا مَعْنًى نَفْسِيٌّ، أَوْ قَوْلٌ دَالٌّ، وَمُقْتَضَى الْكَلَامِ هُوَ مَدْلُولُ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَالْمَطْلُوبُ بِهِ»(«شرح مختصر الروضة» (1/257) ).
وقد اتضح معنا في المسألة السابقة أن الحكم حقيقة عند الأشاعرة هو المعنى القائم بالنفس، وهو المراد بخطاب الله وكلامه، وأما النصوص الشرعية كالقرآن فهو دليل على الحكم وليس حكما حقيقيا، وإن سمي حكما مجازا، وإذا فسر الحكم بأنه: «مقتضى الخطاب» فُرِّق بين الدليل وحكمه، فيسلم التعريف من الاعتراض القائل: أنه على جعل الخطاب حكما «لا تغاير [حينئذ] بين الحكم والدليل لأنه نفس قوله: "افعل"»( «شرح التلويح» (1/226))، وفي ذلك يقول الدكتور البيانوني مبيِّنا سبب ترجيحه لتعريف الفقهاء: «والسبب لترجيحي لهذا الاصطلاح على غيره هو: أن هذا التعريف ميَّز بين الحكم الشرعي وبين دليله تمييزا واضحا؛ فجعل الحكم ما ثبت بالخطاب، والدليل الخطاب نفسه، خلافا لتعريف جمهور الأصوليين الذي دمج بينهما تقريبا، بجعل الخطاب الشرعي دليلا وحكما في آن واحد، وإن فرقوا في زعمهم بينهما؛ فقالوا: إن الحكم عبارة عن القول النفسي المناسب لمعناه المصدري، وإن الدليل عليه عبارة عن القول اللفظي المناسب لمعنى المفعول»(«الحكم التكليفي» (29)، انظر: «شرح التلويح» للتفتازاني (1/226) )، والذي يظهر –والله أعلم- أن مأخذ القائلين بأن الحكم هو: «مقتضى الخطاب» هو التفريق بين الكلام اللفظي والكلام النفسي، أي: بين اللفظ والمعنى، وفي ذلك يقول الطوفي: «[إنا] نعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ نَظْمَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 43] ، فِي الْأَمْرِ،﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 32] ، فِي النَّهْيِ، لَيْسَ هُوَ الْحُكْمُ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ هُوَ مُقْتَضَى هَذِهِ الصِّيَغِ الْمَنْظُومَةِ وَمَدْلُولُهَا، وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾، وَتَحْرِيمُ الزِّنَى الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ﴾، وَإِذَا كُنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ، لَيْسَ هُوَ الْحُكْمُ، فَلَا مَعْنًى لِتَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ»( «شرح مختصر الروضة» (1/257))، ولذلك قيد بعضهم الكلام أو الخطاب بـ:«القديم» كما فعل القرافي إذ يقول: «و "الكلام القديم" احترازا من الكلام الحادث الذي هو آيات القرآن، فإنها أصوات حادثة، وهي الأدلة، وأما الحكم فمدلول قديم قائم بذات الله تعالى»( «نفائس الأصول» (1/219)).
وإذا كان الكلام عند أهل السنة والجماعة اسما للفظ والمعنى ينتظمهما معا، فليس هو اللفظ المجرد ولا المعنى المجرد، فيصح أن يقال على هذا: اللفظ حكم، والمعنى حكم؛ كما صح أن يقال: الإنسان جسم، والإنسان روح مع أن الإنسان يتكون منهما.
2- عدم تحرير محل النزاع في المسألة: وذلك أن الاعتراض إنما ورد على تعريف الأصوليين للحكم لأنهم أرادوا تعريفه عند الفقهاء، وبيانه: أن الأصوليين لما تعرضوا لتعريف الفقه باعتباره أحد جزأي الإضافة في قولهم: «أصول الفقه»؛ فعرفوه بأنه: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية» اضطروا إلى بيان محترزات التعريف المذكور، ومن جملة قيوده «الحكم»؛ فلما فسروه بـ:«الخطاب» اعترِض عليهم بأن الحكم عند الفقهاء ليس «الخطاب»، وإنما أثره، لأنه هو الذي يكون وصفا لفعل المكلف، والفقه إنما يتعلق بأفعال المكلفين، وأما حده بـ:«الخطاب» الذي هو وصف للدليل فهو محل نظر الأصولي لا الفقيه، فلم يتوراد خلافهم على محل واحد، وفي ذلك يقول صدر الشريعة: «يرد عليه –أي: على تعريف الحكم: وهو خطاب الله تعالى...الخ- أن الحكم المصطلح عليه بين الفقهاء ما ثبت بالخطاب لا هو، أي: لا خطاب، فلا يكون ما ذكر تعريفا للحكم المصطلح عليه بين الفقهاء، وهو المقصود بالتعريف هنا»(«شرح التلويح» (1/24) )، ولذلك كان الخلاف بين الفريقين لفظيا، لأن الحكم وأثره شيء واحد بالذات مختلفان بالاعتبار لأن «الخطاب صفة للحاكم متعلق بفعل المكلف، فباعتبار إضافته إلى الحاكم سمي إيجابا، وإلى الفعل سمي وجوبا، والحقيقة واحدة والتغاير اعتباري»( التفتازاني: «شرح التلويح» (1/24))، قال الأستاذ الدكتور النملة: «الخلاف بين أصحاب المذهب الأول –وهم الأصوليون القائلون: إن الحكم الشرعي هو خطاب الله- وبين أصحاب المذهب الثاني –وهو الفقهاء القائلون: إن الحكم الشرعي هو أثر خطاب الله- خلاف اللفظي لا أثر له يرجع إلى تفسير وبيان المراد من الحكم الشرعي والنظر إليه:
فمن نظر إلى الحكم الشرعي على أن له مصدرا يصدر عنه، وهو الله تعالى، عرَّفه بأنه: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا، وهو مذهب الأصوليين.
ومن نظر إلى أن الحكم الشرعي له محل يتعلق به، وهي الأفعال التي تصدر من المكلفين، ويكون الحكم وصفا شرعيا لها، عرَّفه بأنه: ماثبت بالخطاب الشرعي، أو الصفة التي هي أثر ذلك الخطاب من الشارع، وهو مذهب الفقهاء.
والحاصل: أن الخطاب وما يترتب عليه متلازمان، فلا أثر لهذا الخلاف ما دام أن المعنى متفق عليه»(«الخلاف اللفظي» (1/82). )، «فلفظ "مدلول" أو ما في معناه: ملفوظ في تعريف الفقهاء، وملحوظ في تعريف الأصوليين؛ إذ لا يمكن اعتبار الخطاب حكما بدون نظر إلى مدلوله وأثره ... فالخطاب له أثران: أثر مباشر وهو الإيجاب والتحريم الخ، وهذا الأثر صفة للخطاب الذي هو صفة للحاكم، وأثر غير مباشر؛ لأنه أثر للأثر الأول وهو الوجوب والحرمة الخ، وهذا الأثر صفة لفعل المكلف»( «الصحة والفساد عند الأصوليين» (75)).
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:50 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.