ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #21  
قديم 16-04-16, 09:10 AM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

آمين، جزاك الله خيرا.
وعذرا أخي على الانقطاع، فقد وجدتني شغلت عن أمر هو أولى وأكثر نفعا. فقلت أترك الباب مفتوحا للزيادة ولو بعد عام..
حتى أنشدت لنفسي:
رأيت "النِّـــتَّ" يــشغـــلــني كثيــرا ... وخــيــر منه إكمال "الــعــتــيــق"
وذلــــــك بِــــرّنا بــهـــمُ ودَِيــــــنٌ ... وهـجــر كــلامـهـم شــر العـقـوق
وأكثر من يمـــــاري سوف يدري ... لَـتـنشرحــــنْ صدورٌ بعد ضـيــق.
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 16-04-16, 09:17 AM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: في كلامهم في القياس.
ومما يعاب على القوم إغراقهم في تعظيم القياس، لأنه من الأمور العقلية المنطقية. وربما استدلوا بالقياس والبيانُ موجود في الكتاب والسنة. وما أقل ما يُحتاج إليه، فأنت ترى الفقيه في أكثر المسائل لا يعدم حجة من كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لذلك نفق كثير من اعتراض الظاهرية. وربما مثّلوا لإفهام القياس بمثل الخمر، في تخريج المناط وتنقيحه، والحديث فيه بيّن لا يحتاج إلى تخريج ولا تنقيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام. وهو من جوامع الكلم.
وأحكام الشريعة منها حلال، ومنها حرام، ومنها عفو أي في زمان التشريع، فإذا كان الشيء من أمور الناس واقعا زمن النبي ثم سكت عنه فهو عفو، حكمه الجواز ولا حرج في فعله، ولا يفتش فيه بقياس أو استنباط .. إنما القياس - أي للمتأخرين - في ما بعد التشريع من النوازل الحادثة، أما ما كان زمنَ النبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يتكلم فيه ولا أحد من فقهاء أصحابه فقد تبين قصد العفو عنه. وهذا كالريح الخارجة من قُبُل المرأة، هو فطرة أكثر النساء، والمقتضي للأمر بالوضوء منه زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان قائما، ثم عفا عنه، ومن جعله من نواقض الوضوء قياسا على الريح الخارجة من الدبر غلط.
نعم في النوازل قد يحتاج إلى القياس، وهي مظنته، وهو سنة كانت في الأولين، كقولهم في ضرب شارب الخمر، جعلوه بمنزلة أخف الحدود لما تقاصر الناس العقوبة، وهذا مما حدث بعد أن لم يكن، كما رأوه في عمل النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة أخف من الزنا، فألحقوه بأخف الحدود، لعلهم يتقون..
ومن ارتوى بالأثر علم مظان ذلك. فإن المِراس بالمسائل والأقضية المسنونة وتتبعها هو الذي يجعل في القلب فرقانا ومعرفة بالمظان وحسن الفهم في النوازل إذا وقعت، لا تعلُّمُ القوانين الكلية والاستدلال لها ثم تنزيلها على المسائل الحادثة، وهي طريقة المتكلمين، والطريقة الأولى طريقة السابقين الأولين، وهي أعلم وأحكم وأيسر، لذلك كانوا يأخذون العلم والفقه والأقضية بالمصاحبة، ويستغنون بجوامع الكتاب والسنة.
وإذ قد عرفنا إحاطة القرآن بعلم النوازل، فالواجب على من استعمل القياس في شيء من ذلك أن يذكر دلالة من القرآن أو السنة على قياسه، حتى يستقيم له الوزن بالقسط. قال سبحانه (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) فدل على أن النوازل موجودة دلالتها في القرآن والسنة. بهذا لا يصح من مسالك العلة التي يذكرون في الأصول إلا ما كان منصوصا، وتفهمه العرب، فإن الشرع إذا قصد التعليل بمعنًى لا بد أن ينصب دلالة على ذلك، هذا مقتضى البيان. لا أعني عموم اللفظ وحده، ولكن للعلة عموم أيضا في المعنى، كقوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ كأنه قال: كل ما ينقص عن وزنه أو كيله إذا يبس بحيث يتفاضل المكيلان فهو ربا. والله أعلم.
لطيفة: قال ابن تيمية في المجموع (19/ 200): وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة. الخ ما قال رحمه الله.
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 16-04-16, 09:28 AM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: ومنه ما يذكر في "المصلحة المرسلة" فإنها ضرب من القياس على غير أصل معلوم.
ولكن الأصل هو السنة أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في النوازل، فإن اتخاذه الخاتم لرسائله إلى الملوك لما قيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما، فاتخذ خاتما نقشه محمد رسول الله، هو من هذا الباب، سن لنا الأخذ بمثل هذه الوسائل إذا احتيج إليها. ومنه جمع الصحابة المصحف، ونظائر ذلك، كلها أصول لما يسميه المتأخرون بالمصلحة المرسلة، فهذا حقيقته عمل بالسنة، كما قال علي بن أبي طالب في شارب الخمر: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة. رواه مسلم.
من هذا الباب ما جاء عن شريح أنه تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وهذا كما ضمّنوا الصناع والأجراء لما أحدثوا التهاون فيها.
فالمعنى المناسب الذي يُذكر فيها دليله في القرآن والسنة هو أصل الفتيا، والحجة على صحتها، كقوله تعالى في القصاص (لعلكم تتقون). لذلك كان الصحابة مستغنين بالكتاب والسنة عن غيرهما. فلا معنى لجعل المصلحة دليلا مستقلا. فتنبه.
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 16-04-16, 09:30 AM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: وأما الاستحسان عند من يثبته وهو إخراجٌ من العموم، عكس القياس الذي هو ضرب من العموم بإلحاق النظير، فالصواب تسميته بالترخص، كان رسول الله ربما ترخص بالشيء.. هو سنة للوارثين بعده في مثله، وهذا كما فعل يوم الحديبية، وبعده علي بن أبي طالب، ومن أخَّرَ الحد في الغزو، ونظائر ذلك، كلها من هذا الباب.
وهو أيضا قياس على ما ثبت في السنة من الترخص، بل عمل بالسنة .. ولا يكون إلا بدلالة من كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلا كان إحداث دين لم يأذن به الله. ولا يصلح أن يجعل دليلا مستقلا، والصواب تسميته ترخصا. والله أعلم.
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 16-04-16, 09:32 AM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: ومنها استصحاب الحال والبراءة الأصلية، فإنه من الأدلة العقلية أيضا.
فاعلم أنه ما من كلية إلا وفي القرآن عموم محكم يغني عنها، والاستصحاب لا يخرج عن ذلك. ففي الحلال والحرام، تجد قوله سبحانه (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) وقال سبحانه (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) يغني عن ذكر ما سواه. فإن العموم في ما لم يوجد فيه نص تحريم مرجع يستدل به على الإباحة. وهكذا في سائر ما يذكر، لم نخرج عن محكمات الكتاب والسنة، فليس الاستصحاب دليلا يفرد بالذكر.
والأصول الشفاء والغَناء فيها هو ما كان عند السابقين الأولين، فينبغي الرجوع إلى فقههم. والله المستعان.
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 16-04-16, 09:43 AM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: وأما ما قالوا في شرع من قبلنا، فما كان الصحابة يسألون أهل الكتاب عن شيء، بل ثبت عنهم النهي، وإنما ترخص من ترخص بالتحديث عن بني إسرائيل في الأخبار لا السنن، (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).
والشأن في ما في القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخبر عن بني إسرائيل، فقد كان الصحابة يأخذون منه الفقه، كقول ابن عباس في سجدة (ص). ذكر مجاهد أنه سأل ابن عباس أفي ص سجود؟ قال: نعم. ثم تلا (ووهبنا له) حتى بلغ (فبهداهم اقتده) قال: هو منهم. وقال ابن عباس: رأيت عمر قرأ "ص" على المنبر فنزل فسجد فيها، ثم رقي على المنبر اهـ رواه البخاري وغيره. وهذا النزع من ابن عباس هو من انتزاعهم السنن من القرآن، ورد الاستدلال إليه، كما تقدم.. في سبيل الاستغناء بالقرآن :
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=363382
فلا معنى لجعل "شرع من قبلنا" دليلا يفرد بالذكر، لأن العبرة بما في القرآن والسنة. والعلم كله في كتاب الله، والسنة بيانه. ما بعد ذلك هو اتباع لمحمد صلى الله عليه وسلم في الفتوى في نحو ما أفتى والقضاء في نحو ما قضى من كتاب الله تعالى.
والقوم حين يؤصلون الأصول يجعلون كلام الله وكلام رسوله - أعني الآيات والأحاديث- هو أدلتها التي تنتجها، كأن كلام الله ورسوله بمنزلة "المادة الخام"، ثم يكون تحرير النتائج الصالحة للاستعمال بعد التنقيح والتحرير...
فهذا مما ينبغي أن يعاد فيه النظر حين تقريب ضوابط الفقه للمتعلمين، لمن رام أن يكون على درب السابقين الأولين.. والله المستعان.
يتبع..

__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 17-04-16, 09:12 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: لم يعطوا الترك حقه إلا قليلا. نعم تكلم فيه ناس من أهل السنة بأخرة..
لكن هنا فوائد زوائد:
- منها أن الاستنان بالترك سنة عتيقة، إنما أنكره ناس من المتأخرين زمانا وعلما، وقد كان الصحابة ينقلون تروك النبي بالعمل والرواية كسائر السنن، وقد قال الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فدخل فيه التأسي به في ترك ما ترك. وفي الصحيح عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد، قال: جلس إليَّ عمر في مجلسك هذا، فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك، قال: هما المرآن يُقتدى بهما اهـ أي يقتدى بهما في الترك. وفيه عن عبد الله بن عمر قال: قيل لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم وزاد قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غير مستخلف. فتأسى بالترك. وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه رأى ناسا يُسَبّحون في السفر فقال: لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي، إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). فاحتج بالترك واستدل له بالآية. وسئل عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر ولا يرى صيامهما اهـ رواه البخاري. وفي الباب غيرها كثير.
- ومنها أن من مظان معرفة الترك الآثار الموقوفة، فإنهم نقلوا الترك بالعمل كما نقلوه بالرواية.
وما ذكروا من الترك إنما حدَّثوا به لمناسبة أدركوها ليس شيئا تصدى له أحدهم ابتداء، كأن يُسأل عن الشأن في العيدين فيخبر أنه لم يكن يُؤَذن لها، أو إذا رأى ما ينكر كأن يخبر أن النبي لم يكن يسرد الحديث.. فالترك ترك النبي إنما نقل بالترك منهاجا موروثا، وإنما نبهوا عليه بالقول لأحوال شهدوها، وما لم ينقل بالقول أضعاف أضعافِ ما نقل حكاية، وإنما تركوه اتباعا للسنة. فتتبع عملهم مما يستدل به على هذا الأمر. ومن اشترط الإسناد لإثبات الترك فاته علم كثير، وأخطأ سننا ثابتة. وتأمل هذا في رواية جابر وابن عباس -وهما ممن عاش بعد زمان الخلافة- أن رسول الله كان يخرج يوم العيد فيصلي بغير أذان ولا إقامة، إنما حدثوا بهذا لما أحدثت بنو أمية خلاف السنة، وكانوا قبل ذلك أكثر من ثلاثين سنة لا يحدّثون بذلك، إنما يعملون بالسنة، يتركون الأذان والإقامة، كما كان نبي الله يفعل ذلك دون أن يخبرهم أن سنة اليوم ترك الأذان..
- معلوم أن الترك فعل من الأفعال.. يزاد على أدلة ذلك من القرآن : قول الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) ولم يقل وتركوا السيئات، لأن ترك السيئات عمل صالح. ونظائرها في القرآن. وقوله سبحانه (ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) الآية، إن لم تفعلوا: إن لم تذَروا ما بقي من الربا، ووَذَرَ بمعنى ترك، فهو كقولك "إن لم تتركوا". وقوله تعالى (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) يفعل ذلك: يترك ذكر الله، لأن الذم في الآية متجه إلى ترك ذكر الله لا مجرد القيام بالأموال والعيال. وقول الله تعالى (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) بيس فعلهم: أي تركهم الإنكار. وقال سبحانه (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله) ومِن فعل الخير ترك الرفث والفسوق والجدال في الحج. وقال تبارك وتعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) فدخل في ما تعملون كتمان الشهادة وهو ترك. ومثله قوله سبحانه (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) ولها في القرآن نظائر.
ومن الحديث قول نبي الله: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي. الحديث. وفي لفظ "يترك طعامه وشرابه وشهوته". رواه البخاري ومسلم. فجعل الترك عملا. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه - فاقتص الحديث ثم قال - وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء فقالت لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار فسعيت حتى جمعتها. فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه! فقمت وتركتها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة. الحديث. وفي مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: عمدا صنعته يا عمر اهـ صنعت أي تركت الوضوء لكل صلاة.
ومما جاء عن الصحابة ما روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث. سمى تركها الكلام عملا. وفي الصحيح عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد اللهِ بن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها! قال: وما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ورأيتك تلبس النعال السِّبْتِيَّة ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل أنت حتى يكون يوم الترويةِ. الحديث. وفي البخاري عن عكرمة عن ابن عباس قال: .. فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك. يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب اهـ فسمى الاجتناب فعلا.
- ما ثبت للفعل من أحكام ثبت للترك، إذ كلاهما ليس له عموم، ولا مفهوم. وكما أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم سنة، كذلك تركه سنة. لكنهما إذا اجتمعا في سياق افترقا كما في الحديث: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات. رواه الترمذي. وإذا أطلق الفعل دخل فيه الترك كما قال أهل العلم في مسمى الإيمان ودخول العمل فيه.
- ومنها أن المتروك في السنة -أي مع وجود الداعي- غير مقصود للتشريع، إذ لو قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطر في ذهنه بكلامه العام، فلا بد إذن أن يفعله، ولو فواقا (سويعة) في سنوات التشريع، أو لحض عليه خاصة ليعمل به أصحابه، أو لنبه على فضل هذا العمل ومقدار ثوابه على سَنَن التشريع. إذ كيف يكون مطلوبا فعله بذلك الأمر العام ثم لا يفعله الذي أمر به في عموم خطابه صلى الله عليه وسلم، ويرى أصحابه لا يفعلونه ثم لا ينبههم، هذا محال، وللقائل به لوازم منكرة .. فكان في الترك دلالة بينة على عدم التشريع. فالتعبد به على خلاف المقاصد. وما هذا شأنه لا يستحسن من العمومات بوجه. وسواء علينا اعتبرنا فرقا بين الترك والكف أم لا - والكف ما تعمد تركه وهو أخص- فإنه على كل حال لم يقصد فعله. فاستوى من هذه الجهة القصد إلى عدم التشريع، وعدم القصد إلى التشريع، فتدبر. وقد تقدم نحو هذا الوجه في وظائف الأدلة. والمستدل بالعموم ونحوه على جواز فعل ما تُرك في السنة إنما هو متعبد عند نفسه ممتثل زاعم بذلك أن عمله مقصود من العموم. فمتى وُقف على هذا المعنى لزمه أن يرجع إلى السنة أو أن يلتزم لوازم قوله، من ضياع بعض البيان، ونحو ذلك..
- ومنها العلم بأن من البدع ما يكون بالترك كما يكون بالعمل إذا أراد صاحبها خيرا، كما في حديث أبي إسرائيل، ففي الصحيح عن ابن عباس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه. فنهاه عن ترك ما لا يُتعبد بتركه. وخبر أبي بكر مع المرأة التي حجت مصمتة ونظائرِه. فمن تعبد بتركٍ مثلِ ذلك فقد عمل عملا ليس عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
- ومنها أن الترك أي مع وجود مَظنة العمل ينبغي اعتباره مع الحديث المروي في الباب، وأن يدخل في جمع النصوص، فإن من الناس ممن يحتج بالترك لا يُعمِله إلا إذا عدم الخبر في المسألة كالقول في المولد أنه لا يشرع لأن الداعي كان موجودا فهُجر العمل به، لكن إذا صح الحديث عنده أعمله على الإطلاق وذهل عن تتبع العمل والترك. والصواب أنه ينبغي اعتباره مع الحديث نفسه في ما دل عليه الحديث، كما كان الصحابة يراعون ذلك كله، كما قال أبو سعيد: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم. فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر. وقال ابن مسعود في عاشوراء: كنا نصومه ثم ترك. وقال علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد. رواها مسلم، وفي الباب غيرها. وهذا كما قال مالك في الجهاد من الموطأ وسئل عمن قتل قتيلا من العدو أيكون له سلبه بغير إذن الإمام قال: لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين اهـ فرأى أن ترك النبي الإذن في ذلك بعد حنين مع وجود المقتضي هو من أمره الذي ينبغي أن يُنظر في مجموعه. ومن هنا كان نظر الليث بن سعد في إنكاره الجمع في المطر في رسالته إلى مالك بن أنس قال: .. وقد عرفتُ أن مما عبت إنكاري إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله عز و جل لم يجمع إمام منهم قط في ليلة المطر وفيهم خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ. ويقال: يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة، وشرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح وقد كان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وبحمص سبعون من أهل بدر وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود وحذيفة وعمران بن حصين ونزلها علي بن أبي طالب سنين بمن كان معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط اهـ يريد استدلال مالك بحديث ابن عباس: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر، قال مالك: أرى ذلك كان في مطر. وهذا كما قال ربيعة وردَّ حديثَ بسرة في مس الذكر: وَيْحَكُم مثل هذا يأخذ به أحد؟ ونعمل بحديث بسرة؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذه النعل لما أجزت شهادتها. إنما قوام الدين الصلاة, وإنما قوام الصلاة الطهور, فلم يكن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقيم هذا الدين إلا بسرة؟اهـ والغرض هنا ملحظ ربيعة، أنه وجدهم يتركون الوضوء من مس الذكر.. ولهذا نظائر تكثر. فينبغي مراعاة الترك عند وجود مظنة العمل مع الرواية في بابها.
وهنا فائدة تترتب على هذا الوجه:
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 17-04-16, 09:21 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: لما أغفلوا مباحث الترك، فاتهم بسبب ذلك معرفةُ ما وُقّت مما لم يوقت، وهذا لا تجدهم يذكرونه، وهو عند السف كثير، وإنما يُعلم هذا في السنة بتتبع الترك حيث مظنة العمل أو نقل العمل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما حد فيها سنة معلومة تلتزم وربما لم يوقت، وهو الأكثر، وتتبع العمل الجاري والترك هو الذي يبين ذلك. كما قيل لابن مسعود: إن إخوتك بالشام يكبرون على جنائزهم خمسا فلو وَقَّتُّم لنا وقتا نتابعكم عليه. فأطرق عبد الله ساعة ثم قال: انظروا جنائزكم فكبروا عليها ما كبر أئمتكم لا وقت ولا عدد. رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
وعن عثمان بن شماس أن مروان سأل أبا هريرة: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنازة، قال: سمعته يقول: أنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها تعلم سرها وعلانيتها جئناك شفعاء فاغفر لها اهـ رواه ابن أبي شيبة. وأبو هريرة لم يكن يوقت فيه شيئا.
فإذا لم ينقل في الباب شيء من الأفعال فاعلم أنه مما فهموا أنه لم يوقَّت فيه حد وليس فراغا يملأ بالاستدلال والنظر. وهذا مثل هيئة اليدين بين السجدتين وبعد الركوع لم ينقل الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما شيئا لعلمهم أنه لم يجعل فيها سنة يلتزم بها. ولهذا لم ينقلوا ألفاظ رسول الله في بيعه وشرائه، وفي نكاحه وإنكاحه.. لما علموا أنه لم يوقت ثَمّ شيئا..
ومن هنا كان ملحظ مالك حين قال: وليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف وليس لذلك صفة معلومة ولكن يغسل فيطهر اهـ قاله بعدما أخرج حديث أم عطية في الموطأ، فلم يكن سنة لأنه لم يتكرر العمل به والدلالة عليه في من غسلوا من الموتى. ومن هنا كان الزهري يقول: من أين أخذ الناس القنوت؟ ويتعجب ويقول: إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما ثم ترك ذلك. رواه عبد الرزاق. وأمثلته كثيرة جدا، منها القول في تعزية المصاب، فإن رسول الله لم يكن يتحرى قولا معينا، ولم يكن العمل على شيء مخصوص. ومثله القول بين الركنين في الطواف بالبيت..
والمتأخرون إنما يعولون على الرواية، حتى إذا ثبتت عندهم أعملوها على كل حال. والسنة أن تنظر في مجموع العمل، لتعلم هل كان موقتا عندهم أم فُعل أحيانا.
من هذا الباب قول ابن المسيب في الدعاء للميت، وقول إبراهيم النخعي في القول بين السجدتين: ليس فيه شيء موقت. وروى سليمان التيمي عن أبي مجلز عن ابن عمر عمل الحج، وذكر سكوته يدعو بين الجمار، قال فقلت لسالم أو نافع : هل كان يقول في سكوته شيئا؟ قال: أما من السنة فلا اهـ ونظائره في الأثر كثير، تدل على أنهم تتبعوا العمل فلم يجدوا مواظبة على شيء مخصوص فيه، فقالوا: لم يوقت..
ومن مسالك معرفة ما وقت مما لم يوقت اختلاف الأعمال فيه، مثل مسافة القصر، لما اختلفت الآثار فيها ولم يكن العمل على سنة مطردة عُلم أن النبي لم يحد فيها شيئا إلا ما كان فيه مخايل السفر وهو العرف على أصح الأقوال، وهو معنى قول عثمان وغيره أن السفر ما حملت فيه الزاد والمزاد. ومثل ما جاء في الدعاء بعد التشهد، والدعاء للميت، والقول في سجدة التلاوة.. جاءت آثار مختلفة، اختلافها دليل على أنه لم يوقت فيها شيء مخصوص. وبالجملة، فعند كل مسألة ينظر في مجموع العمل ومعه الترك ليستدل بذلك على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فلا يكفي في إثبات السنة حديثٌ واحد، ولكن مجموع الأخبار الدالة على الفعل والترك، حتى يستبين ما يُواظب عليه مما يُفعل أحيانا، وأن يعرف قصد النبي صلى الله عليه وسلم من فعله. فإذا ثبت خبر فيه عمل فلا تجعله سنة تُتعاهد ويواظَب عليها حتى تراها تتكرر في العمل الأول، وقد عرفتَ أن الفعل بفطرته لا يدل على العموم، وأن مأخذ السنن من جهة العمل.
من هذا الباب قول من استحب أعمالا مطلقا أي من غير توقيت، وهو الذي يقال في مثله: لا بأس به.. مثل من وسّع من التابعين في قراءة القرآن في الطواف على أنه من العمل المستحب مطلقا في الطواف وغير الطواف، من غير دوام عليه فيه، أي من غير أن يُجعل من سنة الطواف، لذلك أنكره من أنكره منهم مع المواظبة والإظهار إذ لم يكن العمل المواظبة عليه هناك. ومثله ما قالوا في المنديل بعد الوضوء ونظائره..
فأشكلت على من احتج بها على البدع، ظن أنهم استحسنوا ما لم يكن في العمل من قبل، وإنما ذلك في ما لم يوقت فيه شيء، أي هو جائز من غير توقيت..
ومثله ما جاء عن بعض الصحابة زمان رسول الله، كما في الصحيحين عن رفاعة قال: كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده. قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا. قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول اهـ استدل به من جهل طريقة الصحابة على جواز الابتداع، وإنما هو من هذا الباب، بل من الأدلة على أنهم علموا أنه لم يوقَّت شيء بعد قول المؤتم: ربنا ولك الحمد.
وهذا الوجه يسميه ناس من المتأخرين تخصيصا (بزمان أو مكان..)، والأولى تسميته توقيتا. فهذه مما ينبغي أن يذكر في الأصول..
ولما كان هذا الباب على المتكلمين عسيرا لقلة علمهم بالأثر، عدلوا عنه، واكتفوا بالعمومات وما يستنبط منها.. ففاتهم خير كثير. ورحم الله مالكا حيث قال: العلم الذي هو العلم معرفة السنن والأمر المعروف الماضي المعمول به اهـ
يتبع..
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 19-04-16, 11:43 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: لم يعتنوا بدلالات الإشارات المصاحبة للبيان، وهي فيصل في معرفة المقاصد من الخطاب، وهي عمدة باب الدلالات..
وفي الصحيح ذكر النبي صلى الله عليه وسلم البكاء على الميت وقال: ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه اهـ وقال: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه. الحديث. وقال: إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا. يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين اهـ وفي الباب غيرها، راجع كتاب العلم من صحيح البخاري باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس. وكتاب الطلاق باب الإشارة في الطلاق والأمور.
وهذا مما يستدل به على الإثبات في الصفات، وهي أيسر سبيل في ذلك، كما في الصحيح ذكر نبي الله الدجال وقال: إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور -وأشار بيده إلى عينه- وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية اهـ وفي السنن عن سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) إلى قوله تعالى (سميعا بصيرا) قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع إصبعيه اهـ وفي صحيح مسلم عن عبيد الله بن مِقسَم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يأخذ الله عز وجل سمواته وأرضيه بيديه فيقول: أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك. حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟اهـ في الباب غيرها كثير.. فمثل هذا من أبين الأدلة على إثبات معاني الصفات، وأخصم لمن خالف السنة في ذلك، وزعم أن القوم كانوا على تفويض المعاني..
والإشارة من جنس الأقوال، لذلك كانوا يقولون: فقال بيده.. كما قال عمارة بن رؤيبة ورأى بشرَ بن مروان على المنبر رافعا يديه: قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبحة اهـ رواه مسلم. وقال ابن عمر: كان عمر بن الخطاب يؤتى بخبزه ولحمه ولبنه وزيته وبقله وخله فيأكل، ثم يمص أصابعه ويقول هكذا، فيمسح يديه بيديه ويقول: هذه مناديل آل عمر. رواه ابن أبي شيبة. وفي الترمذي عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله إن صفية امرأة، وقالت بيدها هكذا كأنها تعني قصيرة فقال: لقد مَزجتِ بكلمة لو مَزجتِ بها ماء البحر لمزج! اهـ فكانت الكلمة التي قالتها شيئا تلفظت به وإشارة يدٍ عيرت صفية بها، كل ذلك هو الكلمة. وعلى هذا فالاستثناء في قول الله تعالى (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) متصل. وفي الموطأ قال يحيى الليثي: وسئل مالك عن الإشارة بالأمان أهي بمنزلة الكلام فقال نعم وإني أرى أن يتقدم إلى الجيوش أن لا تقتلوا أحدا أشاروا إليه بالأمان لأن الإشارة عندي بمنزلة الكلام اهـ الموطأ كتاب الجهاد باب ما جاء في الوفاء بالأمان.
هذه الإشارات قرائن الخطاب (من نبرة الصوت وملاحظ الوجه وعمل اليدين..) هي جزء من البيان، ومَن عَدِمه لم يكمل فهمه للبيان، وكان الفضل في العلم والفهم لمن عاين ذلك، وهم أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم.
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد ذكر قصة صلاة أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن امكث مكانك. فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك اهـ فسمى الإشارة المفهمة أمرا. فهذه الفائدة تضاف إلى صيغ الأمر المستدة من العربية، فإن الأصوليين لم يعرجوا عليها.
بيد أن هذه القرائن عند الخطاب منها ما ينقل ومنه ما لا ينقل، فقد ذكر الشاطبي في الموافقات [4/ 146] أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال، حالِ الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع. إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام، لفظه واحد، ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك ، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها. ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه.. الخ ما قال رحمه الله.
لذلك ينبغي الرجوع إلى فهم السابقين الأولين، فقد كانوا على السنة وعلم بالمقاصد، علموا ما لم نعلم، ففهموا ما لم نفهم.. وليس الخبر كالمعاينة.
هذا النوع من البيان لم يَضِع..
أين يلتمس؟ في الموقوفات في فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، تجد هذا بيّنا في هذا الباب:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=363732
فانظر كم ضيع من أعرض عن الآثار .. والله المستعان.
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 21-04-16, 10:00 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: في دلالة الأمر على الوجوب أو غيره..
ذهب أكثر الأصوليين إلى أن الأصل في صيغة "افعل" الوجوب إلا لقرينة. وليس هذا بسنة، ولكن العبرة بالعزم عند الخطاب، هذه طريقة السابقين الأولين.
والشأن في كل حديث أن يُنظر في سياقه كله لمعرفة مراده صلى الله عليه وسلم، فتارة يأمر بالأمر يبين أن مراده الوجوب في المقام نفسه باللفظ والحال.. وتارة يأمر بالأمر يُفهم أصحابَه أنه إباحة في المقام نفسه ..
ومن لسان العرب البيان بالإشارة إشارة اليد والوجه.. وهو فيصل في معرفة المراد من الخطاب، وبعض ذلك لا ينقل، وقد تقدم ذكره. وقد عرفت أن الكلام الواحد يختلف المراد منه بحسب الحال والمخاطَب.. كصيغة الاستفهام، صيغة واحدة، ويراد منها معانٍ مختلفةٌ من تقرير وتوبيخ وتعجب وتنبيه وأمر ووعيد.. والأمر صيغة واحدة، ثم قد تكون طلبا للفعل، أو إباحة أو تهديدا أو تعجيزا أو إهانة أو دعاء أو التماسا.. وصيغة النهي كذلك قد تكون نهيا وهو طلب الترك، وقد يكون للتهديد أو دعاءً.. وكل ذلك إنما يدل على معناه قرائن الأحوال، من إشارة اليد ونبرة الصوت في سائر سياق الكلام.
وكل هذه المعاني يَفهمها المخاطَبُ من الكلام بسياقه، لا يأتي على حرف منه يحمله على معنى ثم ينظر في السياق هل يصرف عما حمله عليه ابتداء. كذلك سائر كلام الناس، ألا ترى أنّا في لساننا اليوم نتخاطب بكلام نَفهم في المقام نفسه الظاهرَ المراد، لا نفكّك السياق إلى حروف مفردة. وَرُبّ لفظِ أمرٍ يخاطِب به الرجلُ ابنه يَفهم منه الطلب بنبرة الصوت، وبها يفهم أنه إباحة.. والحرف واحد. وهذا شيء يعسر وصفه بالكتاب، ولكنه بيّنٌ لمن تنبه له.
والعرب تسمي الجملة التامة كلمة كقول الله تعالى (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) والكلمة هي قوله لأبيه وقومه (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) وهي لا إله إلا الله، وقول النبي في الصحيح: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل اهـ وقول عبد الله بن مسعود في الصحيح: قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة اهـ فالعبرة بمجموع الكلمة لا باللفظ وحده، ومن الكلمة الإشارات المصاحبة للبيان، كما عرفت.
وقد قال جابر بن عبد الله في سياق حجة الوداع: فلما قدمنا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نَحِلَّ، وقال: أحلوا وأصيبوا من النساء. قال: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم. الحديث في الصحيحين. فقوله لم يعزم عليهم، دليل على أنه لما نطق بالأمر قاله كهيئة الـمُخَيِّر المبيح، ونبرة الصوت وقرائن الخطاب تدل على ذلك. ولو عزم لقالها بالجزم، بهيئة لا يمكن وصفها بالقلم، لذلك لم تنقل، ولكن نقل لنا جابر معناها ..
وقالت عائشة في الضحية: كنا نملّح منه، فنقدم به إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام. وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يُطعم منه. رواه البخاري. ومن الناس من قال في هذا الحديث: لا حجة في هذا الخبر، لأن قول القائل "ليست بعزيمة" ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وغاب عنه ما علمه مَن عاين خطاب النبي صلى الله عليه وسلم..
وذكر أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُرَغّب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه البخاري ومسلم، فالعزم إذاً هو الدال على الوجوب.
ومن هذا الباب قول أبي سعيد الخدري: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم. فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبّحو عدوِّكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة، فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر اهـ رواه مسلم. ولو كان مجرد الأمر دالا على الوجوب لما احتاج أن يقول: وكانت عزمة. فالعبرة عندهم بالعزم عند الخطاب.
ومن هذا الباب كان قول النبي صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة اهـ معناه لأمرتهم أمر وجوب، فلقد كان يأمر به كما في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالسواك، فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب عز وجل اهـ وقال أربدة التميمي: سألت ابن عباس عن السواك، فقال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا به حتى خشينا أن ينزل عليه فيه. رواه الطيالسي وغيره. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء اهـ رواه النسائي وغيره، وصححه الحاكم والذهبي. فكان معنى قوله "لأمرتهم" لعزمت عليهم، ولفرضت عليهم، فحرفُ الأمر وحده لا يدل على معنى حتى يكون عزما، يدل عليه سياقه كله الذي منه نبرة الصوت ولمحة العين.. الذي منه ما لا ينقل، وحُفظ في فهم الصحابة، فإنه لما خاطبهم أفهمهم، كما يُفهِم اليوم بعضُنا بعضا في المقام نفسه، فهماً يعلم المخاطَبُ مِنّا مراد صاحبه.
ولا ينبغي أن يكتفى هنا بالعمومات لاستخراج قواعد، ولكن ينبغي النظر في العمل كيف كانوا يفهمون، كمن احتج بقول الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) إنما هو الأمر الذي هو الشأن واحد أمور، وهو أعم من الأمر الذي هو قول واحد أوامر، لذلك قال قبله (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) وكقوله (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به).
ومن الباب قول موسى لأخيه (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري) ومثله قول الله سبحانه وتعالى لإبليس الخبيث. كل ذلك من الأمر الذي اجتمعت فيه الدلالة على الوجوب، وهذه حوادث أعيان، لا جوامع للكلم. ومثل ذلك قول نبي الله للصديق يوم أم الناسَ: يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك. فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله.. علم الصديق لما التفت أن الأمر كان رخصة..
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:17 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.