ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-09-19, 07:25 PM
حمد الكثيري حمد الكثيري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-06-16
المشاركات: 166
افتراضي كلمات في الصدق

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 262)
قال الجنيد: الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة. والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة.
وهذا الكلام يحتاج إلى شرح. وقد يسبق إلى الذهن خلافه، وأن الكاذب متلون. لأن الكذب ألوان، فهو يتلون بتلونه. والصادق مستمر على حالة واحدة. فإن الصدق واحد في نفسه، وصاحبه لا يتلون ولا يتغير.
لكن مراد الشيخ أبي القاسم صحيح غير هذا. فإن المعارضات والواردات التي ترد على الصادق لا ترد على الكاذب المرائي. بل هو فارغ منها. فإنه لا يرد عليه من قبل الحق موارد الصادقين على الكاذبين المرائين. ولا يعارضهم الشيطان. كما يعارض الصادقين. فإنه لا أرب له في خربة لا شيء فيها. وهذه الواردات توجب تقلب الصادق بحسب اختلافها وتنوعها. فلا تراه إلا هاربا من مكان إلى مكان ومن عمل إلى عمل. ومن حال إلى حال. ومن سبب إلى سبب. لأنه يخاف في كل حال يطمئن إليها. ومكان وسبب: أن يقطعه عن مطلوبه. فهو لا يساكن حالة ولا شيئا دون مطلوبه. فهو كالجوال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء. والأحوال والأسباب تتقلب به، وتقيمه وتقعده، وتحركه وتسكنه، حتى يجد فيها ما يعينه على مطلوبه. وهذا عزيز فيها. فقلبه في تقلب، وحركة شديدة بحسب سعة مطلوبه. وعظمته وهمته أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسم أو حال، أو يساكن شيئا غيره. فهو كالمحب الصادق، الذي همته التفتيش على محبوبه. وكذا حال الصادق في طلب العلم، وحال الصادق في طلب الدنيا. فكل صادق في طلب شيء لا يستقر له قرار. ولا يدوم على حالة واحدة.
وأيضا: فإن الصادق مطلوبه رضا ربه، وتنفيذ أوامره، وتتبع محابه. فهو متقلب فيها يسير معها أين توجهت ركائبها. ويستقل معها أين استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو، ثم في حج. ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره، من أنواع النفع. ثم في أمر بمعروف، أو نهي عن منكر. أو في قيام بسبب في عمارة الدين والدنيا، ثم في عيادة مريض، أو تشييع جنازة. أو نصر مظلوم - إن أمكن - إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع.
فهو في تفرق دائم لله، وجمعية على الله. لا يملكه رسم ولا عادة ولا وضع. ولا يتقيد بقيد ولا إشارة. ولا بمكان معين يصلي فيه لا يصلي في غيره. وزي معين لا يلبس سواه. وعبادة معينة لا يلتفت إلى غيرها، مع فضل غيرها عليها، أو هي أعلى من غيرها في الدرجة. وبعد ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض.
فإن البلاء والآفات والرياء والتصنع، وعبادة النفس، وإيثار مرادها، والإشارة إليها: كلها في هذه الأوضاع، والرسوم والقيود، التي حبست أربابها عن السير إلى قلوبهم. فضلا عن السير من قلوبهم إلى الله تعالى. فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه وزيه وقيده وإشارته - ولو إلى أفضل منه - استهجن ذلك. ورآه نقصا، وسقوطا من أعين الناس، وانحطاطا لرتبته عندهم. وهو قد انحط وسقط من عين الله.
وقد يحس أحدهم ذلك من نفسه وحاله. ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيه وقيوده: أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه. وهذا شأن الكذاب المرائي الذي يبدي للناس خلاف ما يعلمه الله من باطنه، العامل على عمارة نفسه ومرتبته. وهذا هو النفاق بعينه. ولو كان عاملا على مراد الله منه، وعلى الصدق مع الله: لأثقلته تلك القيود. وحبسته تلك الرسوم. ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه. ولما بالى أي ثوب لبس، ولا أي عمل عمل، إذا كان على مراد الله من العبد.
فكلام أبي القاسم الجنيد حق، كلام راسخ في الصدق، عالم بتفاصيله وآفاته، ومواضع اشتباهه بالكذب.
__________________
اللهم اهدِني لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ إنَّكَ تهدي من تشاءُ إلى صِراطٍ مستقيمٍ .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:08 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.