ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-11-06, 05:53 AM
رأفت الحامد العدني رأفت الحامد العدني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-04
الدولة: عدن _ يمن الحكمة
المشاركات: 456
Post بيان السبب في جرح الرواة

المقدمـــة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا فمن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون .
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا .
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما .
إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
فإنني أقدم هذه الرسالة إلى الذين أصيبوا بشَرَهِ الغلو، فانتهكوا حرمات المسلمين ..
إلى بعض من انتسب إلى الحديث وأهله من الذين ضلوا وأضلوا ..
إلى كل من ينشد الحق في مسائل الحكم على الأشخاص والأعيان ..
فأقول : إن إصدار الأحكام على الآخرين بالجرح والتعديل أمر هام جداً في شريعتنا ،والإقدام عليه من غير علم ولا دراية أو تثبت ، يتسبب بنتائج وتبعات خطيرة لا تحمد عقباها ..
لذا أنصح كل من يتصدر للحكم على الآخرين بالجرح أن يلم _ قبل إصدار الأحكام _ بجميع قواعد المحدثين في علم الجرح والتعديل ،إلماماً وافياً شافياً ومن غير إهمال شيء منها ،فإن ما تطلقه قاعدة قد تقيده قاعدة أخرى ، أو تجريه عليها تعديلات بحسب الحالة المراد الحكم عليها .
وغالب الذين أخطؤا في هذا الجانب ، كان بسبب تعاملهم مع قاعدة أو قاعدتين من قواعد الجرح والتعديل متجاهلين القواعد الأخرى ،التي قد تلقي ضوءاً آخر على المسألة ،مما حدى بهم أن يقعوا في الغلو والإفراط ..
من يتأمل واقع الأمة يجد الأمور تسير إما إلى غلو وإفراط أو إلى جفاء وتفريط ، والوسط بينهما عزيز ، لكن الخير في هذه الأمة لا ينضب وهو باق إلى يوم القيامة بإذن الله .
وفي الآونة الأخيرة بزغت ظاهرة الغلو في التكفير والتفسيق والحكم على الأشخاص والأعيان ، وبشكل ملفت للانتباه، الحكم على الأشخاص والأعيان من دون مراعاة للضوابط والقواعد الشرعية ، مما أدى بهم عن قصد أو غير قصد أن يقفوا تحت مظلة الغلو.
وإني أعترف أنني ممن لم يعلو كعبهم في العلم ،ولولا شعوري بالضرورة الملحة للبحث في هذا الموضوع لما شرعت ولا تجرأت ، راجياً من الله تعالى التوفيق والسداد ،فإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان ،وأستغفر الله وإن أصبت فمن الله تعالى وحده .
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب،وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .


فصــل :
وقبل الشروع في موضوعنا هذا لابد علينا من فهم هذه المسألة حتى لا يكون هناك أي لبس في فهم مصطلحات علماء الحديث والجرح والتعديل ، ولأن كثير من الذين يتكلمون في هذا الموضوع ليست لهم عناية بمثل هذه الضوابط العلمية الهامة ، التي يكون لها الأثر الكبير في فهم القواعد .

كيف يُعرف الجرح المجمل والجرح المفسر ؟

قال الشيخ أبو الحسن السليماني المأربي : " سرُّ ذلك أن تعلم أن الراوي المجرّح يُتكلم فيه من وجهين : جهة العدالة وجهة الضبط فإذا علمت من الكلمة أن الطعن موجه إلى الراوي في إحدى الجهتين أو كليهما فإنه جرح مفسر وإلا فمجمل ،فقولهم في أحد الرواة ( ضعيف ،أو ليس بشيء أو متروك ،أو ساقط ...الخ ) ما كان من هذا السبيل هذه العبارات لو سألنا أنفسنا ، هل المقصود بها الجرح في العدالة أم في الضبط ؟ لَما ظهر لنا شيء ، ولذلك فهي جرح مجمل ولكن لو رأينا قولهم في أحد الرواة ( سيئ الحفظ أو له أوهام ،أو فاحش الغلط أو فاسق أو كذاب الخ ) ما كان من هذا السبيل وسألنا أنفسنا السؤال السابق لوجدنا للسؤال جواباً في كل لفظة فمن هنا قلنا : أنه جرح مفسر ".
إتحاف النبيل بأجوبة أسئلة المصطلح والجرح والتعديل ( 1/109-110 )

قال الشيخ مقبل في مقدمة هذا الكتاب : " فوجدت الكتاب مفيداً ميسراً ، لا أعلم له نظيراً في الأسئلة والأجوبة التي وضعت في المصطلح "..( 1/5 )

القاعـــــدة الأولى : الجرح لا يقبل إلا مفسراً مبيناُ السبب

اختلف أهل الحديث في قبول الجرح المبهم والتعديل المبهم على أقوال ، أصحها وأشهرها : أنه يقبل التعديل من غير ذكر سببه لأن أسبابه كثيرة ،وأما الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسراً مبيناً لسبب الجرح ، لأن الجرح يحصل بأمر واحد فلا يشق ذكره ،ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح فيطلق أحدهم الجرح بناءً على ما اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الأمر فلابد من بيان سببه ليظهر أهو قادح أم لا .

 وقد اكتفى ابن الصلاح في مقدمته (ص 86 ) على هذا القول دون غيره ،وقال : ذكر الخطيب الحافظ ( الكفاية ص 108-109 ) أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل البخاري ومسلم .
 واكتفى النووي في التقريب على هذا القول وقال : هو الصحيح المشهور . ( تدريب الراوي 1/305 ) ،وقرره في إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق ( 1/280 ) ، وفي مقدمة شرح صحيح مسلم ( 1/125 ) وقال : هذا مذهب الشافعي وكثيرون .
 وقال الزين العراقي في شرح ألفيته ( 1/300 ) في القول الأول : إنه الصحيح المشهور .
 وقال الطيبي في خلاصته ( ص 89 ) على هذا القول : على الصحيح المشهور .
 واختاره السيوطي في تدريب الراوي ( 1/305-306 ) .
 وقال محمد بن إبراهيم الوزير في العواصم من القواصم ( 1/364 ) : أنه المختار الصحيح .
 واختاره التهانوي كما في قواعد في علوم الحديث ( ص 167 ) .
 وقرر هذا القول محقق المحدثين ومحدث المحققين الحافظ ابن حجر كما في هدي الساري مقدمة فتح الباري ( ص 403 ) .
 ودافع عن هذا القول بشدة المحدث اللكنوي كما في الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ( ص 79-109 ) ،وقال : قال بدر بن جماعة في مختصره عند ذكر القول الأول _ يعني به هذا القول _ : هذا هو الصحيح المختار فيهما وبه قال الشافعي . ( الرفع والتكميل ص 96 ) .
 وهذا قول علي القاري كما في شرح النخبة ( ص 89 ) .
 وقال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام بأحاديث الأحكام : ومقتضى قواعد الأصول عند أهله أنه لا يقبل الجرح إلا مفسراً . ( الرفع والتكميل ص 97 ) .
 وذكره المناوي في اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر ( 2/364 ) وقال : على الصحيح عند الأئمة الشافعية ...
 وهذا الذي انتهى إليه اختيار الشيخ المحدث أحمد محمد شاكر كما في الباعث الحثيث ( ص 90 ) .

وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا القول هو اختيار البخاري ومسلم ، ومنهم :
 ابن الصلاح في مقدمته قال : ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة وعمرو بن مرزوق ،واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم ،وهكذا فعل أبو داود وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه ... مقدمة ابن الصلاح ( ص 86 )
 النـــووي في إرشاد طلاب الحقائق قال: ولهذا احتج البخاري في صحيحه بعكرمة مولى ابن عباس وإسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن علي وغيرهم ،ومسلم بسويد بن سعيد وغيره، وكل هؤلاء سبق الطعن فيهم وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا مفسر السبب ..
الإرشاد ( 1/283-284 )
 الخطيب البغدادي في الكفاية قال : أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل البخاري ومسلم .
( ص 108-109 ) .
 السخـاوي في فتح المغيث قال : هو الذي عليه الأئمة ( حفاظ الأثر ) أي الحديث ونقاده ( كالبخاري ومسلم ( شيخي الصحيح ) الذين كانا أول من صنف فيه وغيرهما من الحفاظ ( مع أهل النظر ) كالشافعي فقد نص عليه ... ( 1/ 332و334 )
 اللكنوي في الرفع والتكميل قال : إن هذا مذهب نقاد المحدثين منهم البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة المسلمين . ( ص 105 ) .

فائدة : وقد ذكر الحافظ في هدي الساري في الصفحة 484 وحتى الصفحة 488 جمعاً من رجال الصحيح ضعفوا بغير مستند ولا حجة ، وكذلك في الصفحة 405 وحتى الصفحة 479 ذكر أسماء من طعن فيهم والرد على هذه الطعون وبين أن أكثرها لا يعتبر طعناً عند التحقيق .

ذكر مقالات كبار الأئمة الموافقة لهذا القول :
 قال الإمام أحمد بن حنبل الشيباني : كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد ، حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه . تهذيب التهذيب ( 7/273 )
 قال الإمام البخاري : لم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم .... وتناول بعضهم في العرض والنفس ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة ولم يسقطوا عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة والكلام في هذا كثير . جزء القراءة خلف الإمام ( ص 39 ) باختصار
 قال الإمام محمد بن جرير الطبري : لو كان كل من ادعى عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعى به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك للزم ترك أكثر محدثي الأمصار لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه . هدي الساري ( ص 451 ) في ترجمة عكرمة

وأختم الكلام على هذه القاعدة بثلاث فوائد :
 أحدهما : أن قولهم : لا يقبل الجرح إلا مفسراً ،إنما هو في جرح من ثبتت عدالته (هدي الساري ( ص 403 ) واستقرت، فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له : ائت ببرهان عليه ، أو فيمن لم يعرف حاله لكن ابتدره جارحان ومزكيان فيقال للجارحين فسرا ما رميتماه به .
 الثانية : أنا لا نطلب التفسير من كل أحد بل حيث يحتمل الحال شكاً لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح أو نحوه مما لا يوجب سقوط قول الجارح ولا ينتهي أي الاعتبار به على الإطلاق بل يكون بين بين ،أما لو انتفت الظنون واندفعت التهم وكان الجارح حبراً من أحبار الأمة مبرءاً عن مظان التهمة أو كان المجروح مشهور الضعف فلا نتلعثم عند جرحه ولا نحوج الجارح إلى تفسير بل طلب التفسير منه لا حاجة إليه .... راجع اليواقيت والدرر للمناوي ( 2/383-384 )
 الثالثة : ذهب جمهور علماء أصول الفقه إلى أن الجرح لا يقبل إلا مع بيان سببه لاختلاف الناس فيما يحصل به الجرح فقد يظن الأمر قادحاً وهو ليس بقادح ،وقد قال به :
o الجويني كما في التلخيص في أصول الفقه ( 2/365 )
o ابن حزم كما في الإحكام في أصول الأحكام ( 1/140 )
o الشيرازي كما في اللمع في أصول الفقه ( ص 229 )
o أبي يعلى الفراء البغدادي كما في العدة في أصول الفقه ( ص 931 ) وقال : هذا ظاهر كلام أحمد .
o المزداوي كما في التحبير في شرح التحرير ( 4/1915 )
o ابن النجار كما في شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير ( 2/420 )
o الشنقيطي كما في مذكرة أصول الفقه ( ص 123 ) وقال : وعلى هذا جمهور أهل الأصول والحديث ...

القاعـدة الثانيـة : الجرح مجملاً ،والتفصيل في قبوله ،والرد على من قال به مطلقاً :

ذهب بعض أهل العلم بالحديث إلى أن الجرح المجمل إذا صدر من العارف بأسباب الجرح قبل ولو لم يبين الجارح سبب الجرح لأن عدالته تمنعه من الجرح بأمر غير قادح .
وهذا قول ابن كثير كما في مختصر علوم الحديث ( ص 90 الباعث ) والقاضي أبي بكر ونقله عن الجمهور واختاره الرازي والخطيب وصححه البلقيني في محاسن الإصلاح . ( تدريب الراوي 1/308 )

ويَـرد على هذا القول ما يلي :
هل من الواجب أن لا يكون جرح الجارح العارف بالأسباب و الاختلاف إلا عن علم بسبب موجب للجرح إجماعاً ؟ أو لا يحتمل أن يكون عن جهل أو غفلة أو ترجح عنده ما لا نوافقه عليه ؟
أو لم يختلف الفقهاء في الأسباب الموجبة للتفسيق .
فإذا بين السبب فقال مثلاً كذاب أو يدعي السماع ممن لم يسمع منه أ فليس إذا كان المتكلم فيه راوياً قد لا يكون المتكلم قصد الجرح وإنما هي فلتة لسان عن ثورة غضب أو كلمة قصد بها غير ظاهرها بقرينة الغضب ؟
أو ليس قد يستند الجارح إلى شيوع خبر قد يكون أصله كذبة فاجرة أو قرينة واهية كما في قصة الإفك .
وقد يستند المحدث إلى خبر واحد يراه ثقة وهو عند غيره غير ثقة .
أو ليس قد يبني المحدث بعض أحكامه على اجتهاد يحتمل الخطأ .
أو ليس قد يكون فلتة لسان عند سورة غضب .
إذا تدبرت هذا علمت أنه لا يستقيم ما استدل به الخطيب إلا حيث يكون الجرح مفسراً مثبتاً مشروحاً بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة إلى تعمد الكذب ، ويظهر أن المعدل لو وقف عليه كما عدّل فما كان هكذا فلا ريب أن العمل فيه على الجرح وإن كثر المعدلون ... قاله المعلمي اليماني كما في التنكيل ( 1/78 ) بتصرف

قال الحافظ : إن كان من جرح مجملاً قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائناً من كان إلا مفسراً لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه ونقدوه كما ينبغي وهم أيقظ الناس فلا ينقص حكم أحدهم إلا بأمر صريح وإن خلا عن التعديل ... النزهة ( ص 73 )

قال المناوي : أما إذا كان من جرح مجملاً قد عدله أحد من أئمة هذا الفن فلا يقبل الجرح فيه من أحد كائناً من كان إلا مبيناً له لأنه قد يثبت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي ..اليواقيت والدرر ( 2/367 )

قال الشيخ أحمد شاكر : والتفصيل الذي اختاره ابن حجر هو الذي يطمئن إليه الباحث في التعليل والجرح والتعديل بعد استقرار علوم الحديث وتدوينها . ( الباعث ص 90-91 )

قال المحدث اللكنوي : ومن الناس من ظن أن الجرح المبهم يقبل من العارف البصير ونسبه إلى الجماهير وأنه الصحيح عند المحدثين والأصوليين ،وقد عرفت أنه قول أبي بكر الباقلاني وجمع من الأصوليين وهو ليس قولاً مستقلاً عند المحققين وعلى تقدير كونه قولاً مستقلاً، لا عبرة به حذاء مذهب نقاد المحدثين منهم البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة المسلمين .. الرفع والتكميل ( ص 105 )

وقال أيضاً : فاحفظ هذه الفائدة الغريبة على المذهب الصحيح في باب الجرح المبهم من المذاهب الشهيرة ولا تبادر تقليداً بمن لا يفهم الحديث وأصوله ولا يعرف فروعه إلى تضعيف الحديث وتوهينه بمجرد الأقوال المبهمة و الجروح الغير مفسرة الصادرة من نقاد الأئمة وشأن الرواية وإلى الله المشتكى من طريقة أهل عصرنا المخالفين لشريعة الأئمة الذين مضوا قبلنا يبادرون إلى تضعيف القوي وتوهين السوي من غير تأمل وتفكر وتعمل وتبصر . الرفع والتكميل ( ص 108-109 )

القاعـــــدة الثـالثـة :التوقــف في حال من جرح جرحاً مجملاً حتى يتبين حاله .

قال الإمام ابن الصلاح في مقدمته : وأكثر ما يوجد في كتب الجرح والتعديل ( فلان ضعيف ) أو
( متروك ) ونحو ذلك فإن ذلك لم نكتف به انسدّ باب كبير في ذلك .
وأجاب عنه بقوله : بأنا إذا لم نكتف به توقفنا في أمره لحصول الريبة عندنا بذلك .

وقال الإمام النـووي : على مذهب من اشترط في الجرح التفسير نقول : فائدة الجرح فيمن جرح جرحاً مطلقاً أن يتوقف عن الاحتجاج به إلى أن يبحث عن ذلك الجرح ..
وقال في التقريب : وأما كتب الجرح والتعديل التي لا يذكر فيها سبب الجرح ففائدتها التوقف فيمن جرحوه فإن بحثنا عن حاله وانزاحت عنه الريبة وحصلت الثقة به قبلنا حديثه كجماعة في الصحيحين بهذه المثابة . شرح صحيح مسلم ( 1/125 ) والإرشاد ( 1/285 ) والتدريب ( 1-307 )

وقال السيوطي : ...لا يذكر فيها سبب الجرح ) فإنا وإن لم نعتمدها في إثبات الجرح والحكم به ( ففائدتها التوقف فيمن جرحوه ) عن قبول حديثه لما أوقع ذلك عندنا من الريبة القوية فيهم ... التدريب ( 1-307 )

قال الصنعاني : إن أكثر هذه العبارات في التجريح غير مبينة السبب فهي من باب الجرح المطلق ( فتكون غير مفيدة للجرح ) الموجب لإطراح الرواية ( ولكن ) تكون ( موجبة الريبة والوقف ) في قبول من قيلت فيه .. توضيح الأفكار ( 2/274 )

قال المعلمي اليماني ( ذهبي هذا العصر ) : هذا يدل على أن التوقف الذي ذكره ابن الصلاح والنووي يشمل من اختلف فيه فعدله بعضهم وجرحه غيره جرحاً غير مفسر وسياق كلامهما يقتضي ذلك بل الظاهر أن هذا هو المقصود فإن من لم يعدل نصاً أو حكماً ولم يجرح يجب التوقف عن الاحتجاج به ومن لم يعدل وجرح جرحاً مجملاً فلأمر فيه أشد من التوقف والارتياب .
فالتحقيق أن الجرح المجمل يثبت به جرح من لم يعدل نصاً ولا حكماً ويوجب التوقف فيمن قد عدل حتى يسفر البحث عما تقتضي قبوله أو رده . التنكيل ( 1/63-64 )

القاعـــــدة الرابعـة : متى يقبـل الجرح مجمـلاً ؟

قال الحافظ : فإن خلا المجروح عن التعديل قُبل الجرح فيه مجملاً غير مبين السبب إذا صدر من عارف على المختار لأنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حيز المجهول وإعمال قول المجرح أولى من إهماله ...
النزهة ( ص 73 ) والتدريب ( 1/308 ) والنكت على النزهة ( ص 193 ) وقال في التعليق : انظر الكفاية ( 109 ) والمستصفى ( 1/162 ) وميزان الاعتدال ( 2/232 ) وتهذيب التهذيب ( 2/323 ) واللسان ( 1/16 )
قلت : واختاره المناوي في اليواقيت والدرر ( 2/366 )
وقال المحدث اللكنوي : وهذا وإن كان مخالفاً لما حققه ابن الصلاح وغيره من عدم قبول الجرح المبهم بإطلاقه لكنه تحقيق مستحسن وتدقيق حسن ... الرفع والتكميل ( ص 110 )

وقال المعلمي : فالتحقيق أن الجرح المجمل يثبت به جرح من لم يُعدل نصاً ولا حكماً . التنكيل ( 1/64 )

القاعــدة الخامسـة :من ثبتت عدالته وإمامته في الدين لم يقبل فيه الجرح .

 قال الإمام أحمد بن حنبل الشيباني : كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد ، حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه . تهذيب التهذيب ( 7/273 )
 قال الإمام البخاري : لم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم .... وتناول بعضهم في العرض والنفس ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة ولم يسقطوا عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة والكلام في هذا كثير . جزء القراءة خلف الإمام ( ص 39 ) باختصار
 قال الإمام محمد بن جرير الطبري : لو كان كل من ادعى عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعى به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك للزم ترك أكثر محدثي الأمصار لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه . هدي الساري ( ص 451 ) في ترجمة عكرمة
 قال ابن عبد البر : الصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته على طريق الشهادات ،والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة . جامع بيان العلم ( ص 516 )
 قال السخاوي : وكذا قيد _ ابن السبكي _ في ترجمة أحمد بن صالح القول باستفسار الجرح ،بما إذا كان الجرح في حق من ثبتت عدالته ، وسبقه البيهقي فترجم باب لا يقبل الجرح فيمن ثبتت عدالته إلا بأن نقف على يجرح به . فتح المغيث ( 1/335 )
 قال التهانوي : من ثبتت عدالته وأذعنت الأمة لإمامته لا يؤثر فيه جرح ولو مفسراً واكن حديثه صحيحاً أو حسناً فقط . قواعد في الجرح والتعديل ( ص 176 )
 وقال المناوي : فإياك إياك والحذر الحذر من هذا الظن _ يعني أن الجرح مقدم على التعديل مطلقاً _ بل الصواب أن من ثبتت أمانته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لا يلتفت إلى الجرح فيه بل يعمل فيه بالعدالة وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا بتقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون . واليواقيت والدرر ( 2/368 ) ونص هذا الكلام تجده لابن السبكي كما في قاعدة في الجرح والتعديل ( ص 13-14 )
 قال الصنعاني في أثناء كلامه على الجرح غير مبين السبب وأنها غير مفيدة للجرح ولكن موجبة للريبة والوقف ولكنها في : حق المشاهير بالعدالة والأمانة فلا تؤثر فيهم .توضيح الأفكار(2/274)
قلت : وخلاصة القول في هذا أن الجرح لا يؤثر فيمن ثبتت له الإمامة في الدين حتى يأتي الجارح بجرح مفسر قوي بحيث لا يمكن دفعه يوازي قوة عدالته وإمامته فيقبل .

القاعـــــدة السادسـة :تعــارض الجرح والتعديــل .

قال النـووي : إذا اجتمع فيه جرح وتعديل فالجرح مقدم .

قال السيوطي : ولو زاد عدد المعدل هذا هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين ونقله الخطيب عن جمهور العلماء لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عنه ، وقيد الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح ولكنه تاب وحسنت حاله فإنه حينئذ يقدم المعدل ...واستثني أيضاً ما إذا عين سبباً _ أي الجارح _ فنفاه المعدل بطريق معتبرة ...
تدريب الرواي ( 1-309-310 ) ،واختاره ابن الملقن كما في المقنع في علوم الحديث ( 1/253 ) ،ونقله أحمد شاكر في الباعث مقراً ( ص 91 ) .

قال ابن كثيـر : أما إذا تعارض جرح وتعديل فينبغي أن يكون الجرح حينئذ مفسراً . الباعث الحثيث ( ص 91 )

قال الحـافظ : والجرح مقدم على التعديل ، وأطلق ذلك جماعة ولكن محله إن صدر مبيناً من عارف بأسبابه ،لأنه إن كان غير مفسر لم يقدح فيمن ثبتت عدالته وإن صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضاً . نزهة النظر ( ص 73 )

قال السخـاوي : ينبغي تقييد الحكم بتقديم الجرح على التعديل بما إذا فسروا ....وأما إذا تعارضا من غير تفسير فإنه يقدم التعديل ... فتح المغيث ( 1/337 )

قال المنـاوي : وأما فيمن لم يعرف حاله لكن ابتدره جارحان ومزكيان فيقال للجارحين فسرا ما رميتماه به . اليواقيت والدرر ( 2/383 )

قال الصنعانـي : ( ولا يغتر مغتر بأن الجرح مقدم على التعديل ) فإنهم وإن أطلقوا العبارة في ذلك ( فذاك الجرح المبين السبب ) لأن ما لم يبين سببه فلا يتحقق أنه جرح يوجب الرد . توضيح الأفكار ( ص 274 )

قال الشيخ مقبل الوادعي : ثم إن الجرح في أبي حنيفة مفسر كما سيأتي إن شاء الله ، والجرح المفسر الصادر من عالم بأسباب الجرح لا يعارض به التعديل كما هو معلوم من كتب المصطلح .. نشر الصحيفة في ذكر الصحيح من أقوال أئمة الجرح والتعديل في أبي حنيفة ( ص 5 )

قال اللكنـوي : وقد زلَّ قدم كثير من علماء عصرنا بما تحقق عن المحققين أن الجرح مقدم على التعديل لغفلتهم عن التقييد والتفصيل توهماً منهم أن الجرح مطلقاً أي جرح كان من أي جارح كان في شأن أي راو كان مقدم على التعديل مطلقاً أي تعديل كان من أي معدل كان في شأن أي راو كان وليس الأمر كما ظنوا بل المسألة مقيدة بأن يكون الجرح مفسراً فإن الجرح المبهم غير مقبول مطلقاً على المذهب الصحيح فلا يمكن أن يعارض التعديل وإن كان مبهماً . الرفع والتكميل ( ص 117 )

وقال أيضـاً : الحاصل أن الذي عليه كلمات الثقات وشهدت به جمل الأثبات هو أنه إن وجد في شأن راوٍ تعديل وجرح مبهمان قدم التعديل وكذا إن وجد الجرح مبهماً والتعديل مفسراً قدم التعديل وتقديم الجرح إنما هو إذا كان مفسراً سواء كان التعديل مبهماً أو مفسراً ،فاحفظ هذا فإنه ينجيك من المزلة والخطل ويحفظك عن المذلة والجدل . الرفع والتكميل ( ص 120 )
 الخلاصة :
أ‌. إذا تعارض جرح مفسر مع تعديل ، يقدم الجرح ولكن بشروط :
1. أن يكون الجرح مفسراً .
2. أن لا يقول المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح ولكنه تاب .
3. أن يبني الجارح قوله على أمر مقطوع متفق على أنه جارح .
4. واستثني أيضاً ما إذا عين الجارح شيئاً فنفاه المعدل بطريق معتبرة .

ب‌. إذا تعارض جرح مجمل مع تعديل ، يقدم التعديل إذا كان المجروح ممن قد وثق من قِبل أحد أئمة هذا الشأن وعُرف بعد البحث أنه لا يستحق الجرح ، وإذا كان المجروح ممن قد ثبتت له الإمامة والعدالة فلا يقبل فيه قول كائن من كان حتى يأتي ببينة عادلة جلية يستحيل دفعها ، فحينئذ ينظر .

ت‌. إذا تعارض جرح مبهم مع تعديل مبهم ، يقدم التعديل إذا لم يفسر الجرح .

فائـدة :
مذهب جمهور الأصوليين على أن الجرح يقدم على التعديل لأن المجرح اطلع على أمر خفي على المعدل وهذا إذا تساوى عدد المجرحين والمعدلين أو كان المجرحون أكثر أو حتى كان المعدلون أكثر على الصحيح لأن سبب تقديم الجرح علم المجرح بما خفي على المعدل .
قال الشوكانـي : وبه قال الجمهور كما نقله عنهم الخطيب والباجي ونقل القاضي فيه الإجماع وقال الرازي والآمدي وابن الصلاح إنه الصحيح ...
وقال ابن دقيق العيد : وهذا إنما يصح على قول من قال إن الجرح لا يقبل إلا مقسراً ،وقد استثني أصحاب الشافعي من هذا ما إذا جرحه بمعصية وشهد الآخر أنه تاب منها فإنه يقدم في هذه الصورة التعديل لأن معه زيادة علم . إرشاد الفحول ( ص 68 )
وبهذا قال : والغزالي في المستصفى (1/305 )،وابن حزم في الإحكام ( 1/140)،الشيرازي في اللمع واختاره( ص 229 ) ،والرازي كما في المحصول (1/201 ) ،والآمدي في الإحكام (1/317 ) ،والأصفهاني كما في شرح منهاج البيضاوي ( 2/554 ) .

ذكــر أوصـاف من يتصدر لجرح الـرواة

ذكر علماء الحديث جملة من الأوصاف التي يجب توفرها وانتفائها عمن يتصدر لجرح الراوة أو تعديلهم ، ومن هذه الأوصاف ما هو إيجابي يتحتم توفره ، ومنها ما هو سلبي يجب انتفائه ، فمن الإيجابي :

 العـدل والورع التـآمين مع الخبـرة والتيقـظ :
قال الذهبي : والكلام على الرواة يحتاج إلى ورع تام وبراءة من الهوى والميل وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله ... الموقظة ( ص 82 )
وقال أيضاً في ترجمة علي بن عبدالله المديني منكراً على العقيلي إدخاله في (الضعفاء ) وقد أطنب في تأنيب العقيلي لذلك ثم قال : فزن الأشياء بالعدل والورع .. ميزان الاعتدال ( 3/141 )
وقال أيضاً : يعجبني كثيراً كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل يتبين عليه الورع والمخبرة بخلاف رفيقه أبي حاتم فإنه جراح . سير النبلاء ( 13/81 )
قال الحافظ : وينبغي أن لا يقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ ... النزهة ( ص 72 )
قال اللكنوي : يشترط في الجارح والمعدل العلم والتقوى والورع والصدق والتجنب عن التعصب ومعرفة أسباب الجرح والتزكية ومن ليس كذلك لا يقبل منه الجرح ولا التزكية . الرفع ( ص 52 )

 ومن الأوصاف السلبية ما يلي وهي كثيرة :
 الهوى وحظ النفس :
قال الذهبي : ينبغي أن تتفقد حال الجارح مع من تكلم فيه ، باعتبار الأهواء فإن لاح لك انحراف الجارح ووجدت توثيق المجروح من جهة أخرى فلا تحفل بالمنحرف وبغمزه المبهم وإن لم تجد توثيق المغموز فتأن وترفق ... وهذه غمرة لا يخلص منها إلا العالم الوافي بشواهد الشريعة . الموقظة ( ص 88 )
قال الحافظ : و الآفة تدخل في هذا _ أي في جرح من لا يستحق الجرح _ من الهوى الفاسد وكلام المتقدمين سالم من هذا غالباً ... النزهة ( ص 73 )

 السخط وعدم الرضى :
قال المعلمي اليماني : والعالم إذا سخط على صاحبه فإنما يكون سخطه لأمر ينكره فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار وتهوى ما يناسبه ثم تتبع ما يشاكله وتميل عند الاحتمال و التعارض إلى ما يوافقه فلا يؤمن أن يقوى عند العالم جرح من هو ساخط عليه لأمر لولا السخط لعلم أنه لا يوجب الجرح وأئمة الحديث متثبتون ولكنهم غير معصومين عن الخطاء وأهل العلم يمثلون لجرح الساخط بكلام النسائي في أحمد بن صالح ولما ذكر ابن الصلاح ذلك في المقدمة عقبه بقوله : قلت : النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل وإذا نسب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أن عين السخط تبدي مساوئ لها في الباطن مخارج صحيحة تعمى عنها بحجاب السخط لا أن ذلك يقع من مثله تعمداً لقدح يعلم بطلانه .
وقال أيضاً : ومع هذا كله فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقاً بأن الجارح كان ساخطاً على المجروح ولا ترجيح الجرح مطلقاً بأن المعدل كان صديقاً له ، وإنما يُستدل بالسخط والصداقة على قوة احتمال الخطاء إذا كان محتملاً ، فأما إذا لزم من إطراح الجرح أو التعديل نسبة من صدر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله فهذا يحتاج إلى بينة أخرى لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطاً أو محباً . التنـكيل ( 1/58-59 )




 التعنـت والإفـراط والتشـدد :
قال الذهبي : ...ثم على الثقات الأثبات الذين فيهم بدعة أو الثقات الذين تَكلم فيهم من لا يُلتفت إلى كلامه في ذلك الثقة لكونه تعنت فيه وخالف الجمهور من أولي النقد والتحرير ،فإنا لا ندعي العصمة من السهو الخطأ في الاجتهاد في غير الأنبياء ... ميزان الاعتدال ( 1/3 )
وقال أيضاً في وفيات سنة ( 191-200 هـ ) ترجمة يحيى القطان : وإذا وثق يحيى بن سعيد شيخاً فتمسك به ، أما إذا ليّن أحداً فتأن في أمره ، فإن الرجل متعنت جداً،و قد ليّن مثل إسرائيل وغيره من رجال الصحيح . تاريخ الإسلام ( ص 470 )
وقال أيضاً في ترجمة أبي حاتم الرازي : إذا وثق أبو حاتم رجلاً فتمسك بقوله فإنه لا يوثق إلا رجلاً صحيح الحديث ،و إذا ليّن رجلاً ، أو قال فيه ( لا يحتج به ) فتوقف حتى ترى ما قال غيره فيه فإن وثقه أحد فلا تبن على تجريح أبي حاتم فإنه متعنت في الرجال قد قال في طائفة من رجال الصحاح ( ليس بحجة ، ليس بالقوي أو نحو ذلك ) . سير النبلاء ( 13/260 )
وقال أيضاً : وعن محمد بن مصعب العابد : قال : لسوط ضُربه أحمد بن حنبل في الله أكبر من أيام بشر الحارث . قلت : بشر عظيم القدر كأحمد ،ولا ندري وزن الأعمال إنما الله يعلم ذلك . سير النبلاء ( 11/201 )
قال الحافظ : فلا يقبل جرح من أفرط فيه مجرح بما لا يقتضي رد حديث المحدث ... النزهة( ص 72 )
قال التهـانوي : أن يكون الجارح من المتعنتين المشددين في الجرح ،فإن هناك جمعاً من أئمة الجرح والتعديل لهم تشدد في هذا الباب فيجرحون الرواي بأدنى جرح ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه فمثل هذا توثيقه معتبر وجرحه لا يُعتبر ما لم يوافقه غيره ممن يُنصف ويُعتبر ...قواعد في الجرح والتعديل ( ص 178 )
 التحــامل :
ففي العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل رواية المروذي ص 56 برقم 79 : وسألته عن إبراهيم بن المهاجر فيّن أمره سمعته يقول : تكلم يحيى بن معين معي بحضرة عبد الرحمن بن مهدي فقال : إبراهيم بن المهاجر وذكر رجلاً آخر فقال : ضعيفين مهينين ، فحمل عليه عبد الرحمن حملاً شديداً وجعل أبو عبدالله يعجب من هذا الكلام ويقول مهينين ؟؟ فأنكر عبد الرحمن مهدي تحامل ابن معين في القدح .

قال الحافظ : وأبعد ذلك كله من الاعتبار تضعيف من ضعف بعض الرواة بأمر يكون الحمل فيه على غيره أو التحامل بين الأقران . هدي الساري ( ص 404 )
و انظر إذا شئت في هدي الساري ( ص 484 ) فإن الحافظ ذكر من ضُعف بأمر مردود كالتحامل أو التعنت .
وكتب السخاوي في الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ( 8/18 ) ،وذكر فيه ( 3/66 ) أن السيوطي حين كان يتردد عليه اختلس منه بعض مؤلفاته ....
ورد عليه الشوكاني في هذا وفي غير هذا من التحامل على السيوطي ومن ثم قال كما في البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ( 1/333-334 ) : وعلى كل على فهو _ أي كلام السخاوي _ غير مقبول لما عرفت من قول أئمة الجرح والتعديل بعدم قبول ( كلام ) الأقران في بعضهم بعضاً مع ظهور أدنى منافسة فكيف بمثل المنافسة بين هذين الرجلين !!!! التي أفضت إلى تأليف بعضهم في بعض فإن أقل من هذا يوجب عدم القبول ، والسخاوي رحمه الله ، وإن كان - إماماً – غير مدوفع لكنه كثير التحامل على أكابر أقرانه كما يعرف ذلك من طالع كتابه الضوء اللامع فإنه لا يقيم لهم وزناً لا يسلم غالبهم من الحط منه عليه . اهـ

 العــداوة والمنافسـة :
قال الحافظ : وممن ينبغي أن نتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد ... ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب فكثيراً ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين وغيره ،فكل هذا ينبغي أن يتأنى فيه ويتأمل .لسان الميزان ( 1/16 )
قال المعلمي : قول ابن حجر ( ينبغي أن يتوقف ) مقصوده كما لا يخفى التوقف على وجه التأني والتروي والتأمل ... التنكيـل ( 1/95 )

 التســاهل :
قال الذهبي : وقد يكون نَفَس الإمام _ فيما وافق مذهبه أو في حال شيخه _ ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك والعصمة للأنبياء والصديقين وحكام القسط ... والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده وقوة معارفه فإن قدِّر خطؤه في نقده فله أجر واحد والله الموفق ... الموقظة ( ص 84 )

قال الحافظ : وليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل فإنه إن عدَّل أحداً بغير تثبت ،كان كالمثبت حكماً ليس بثابت فيُخشى عليه أن يدخل في زمرة " من روى حديثاً وهو يظن أنه كذب " ،وإن جرّح بغير تحرز فإنه أقدم على الطعن في مسلم بريء من ذلك ووسمه بميسم سوءٍ يبقى عليه عاره أبداً ... النزهة ( ص 73 )
 التطــاول :
قال الحافظ : وأشد من ذلك تضعيف من ضعف من هو أوثق من أو أعلى قدراً أو أعرف بالحديث فكل هذا لا يعتبر . هدي الساري ( ص 404 )

فصل : من المعايب في الجرح والتعديل

1. ذكر الجرح بدون ذكر التوثيق :
قال الذهبي في الميزان ( 1/16 ) في ترجمة أبان بن يزيد العطار : وقد أورده العلامة أبو الفرج ابن الجوزي في الضعفاء ،ولم يذكر فيه أقوال من وثقه ، وهذا من عيوب كتابه ،يسرد الجرح ،ويسكت عن التوثيق .
2. جرح من لم يجرح أصلاً :
قال الذهبي في الميزان ( 2/334 ) في ترجمة طالوت بن عباد : قال أبو حاتم صدوق ،وأما ابن الجوزي فقال من غير تثبت : ضعفه علماء النقل ، قلت : إلى الساعة أفتش فما وقعت بأحد ضعفه . وفي سير النبلاء (11/26) : فأما قول أبي الفرج بن الجوزي :ضعفه علماء النقل فهفوة من كيس أبي الفرج ،فإلى الساعة ما وجدت أحداً ضعفه ،وحسبك بقول المتعنت في النقد أبي حاتم فيه .
3. أن يلجاء إلى أشد جرح يجده في الراوي فيعتمده:
قال ابن الجوزي : هذا حديث لا يصح ( لعنت القدرية ..) فإن الحارث كذاب قاله ابن المديني وكذلك محمد بن عثمان . الواهيات ( 1/149-150 ) له .
علماً بأن الحارث قد وثقه ابن معين وأحمد بن صالح ،وقال النسائي : لا بأس به ، وذكره ابن شاهين في الثقات ، أما الكذب فقال أحمد بن صالح : لم يكن يكذب في الحديث وإنما كذب في رأيه ، واعتمده الذهبي ، والقول في الحارث أنه ضعيف من قبل حفظه .

فائـدة : هل من منهج السلف الصالح الاشتغال بجرح وتعديل الناس ؟

فتوى يجيب عليها سماحة الشيخ الوالد الإمام صالح الفوزان حفظه الله تعالى .
فقد أصدرت تسجيـلات التقوى الإسلامية بالرياض شريطاًًَُُُ بعنوان اللقاء الأسبوعي رقم 17 لسماحة الشيخ الوالد الإمام صالح الفوزان حفظه الله تعالى بتاريخ ليلة الثامن عشر من شهر الله المحرم عام 1423 هـ ، وقد احتوى على مجموعة من الفتاوى المتميزة ومنها كانت هذه الفتوى .
قال السائل : لاحظت أن كثيراً من طلبة العلم اليوم كان من شأنهم أن يخطئ الآخرين أو يحكم على الناس بأن هذا جاهل أو مخطئ أو هذا فلان أعرفه جيداً أو أحياناً يصل أن يقول فلان من الخوارج ، فهل هذا من منهج السلف الصالح ، وما رأي فضيلتكم في ذلك ؟

أجاب الشيخ :
ليس من منهج السلف الصالح الاشتغال بعيوب الناس وليس عند الإنسان إلا فلان طيب وفلان ما هو طيب وفلان كذا و..
الإنسان يشتغل بعيوب نفسه ويشتغل بعيوب أولاً .
إذا رأى على أحد خطاء ظاهراً فإنه ينصحه فيما بينه وبينه ،ويبين له لأن هذا من النصيحة ،والدين النصيحة ، أما أن يتكلم في الناس في المجالس ويمدح هذا ويذم هذا ويبدع هذا ويوثق هذا ، هذا لا يجوز ، الإنسان يشتغل بعيوب بنفسه ،لا ينظر إلى عيوب الناس .
ثانياً: إذا رأى على أحد خطاءً واضحا ظاهراُ يتحقق منه أنه خطاء ، فليسر إليه ويبين له الخطاء هذا من باب النصيحة ولا يتكلم عليه في المجالس وفي غيبته ، يكون من الغيبة المحرمة . نعم اهـ نص الفتوى

ثانياً : قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله في شريط ( نصيحة العباد لطلبة العلم اليمنيين ) المدينة النبوية يوم الخميس 18/8/1423 هـ :

أما ما يتعلق بالحاضرين وما يكون في الوقت الحاضر ففي الحقيقة الآن الجرح والتعديل ما سمعنا به إلا قريباً يعني الاشتغال بالجرح والتعديل وأن المشتغلين بالعلم يُعمل على تجريحهم أو على تعديلهم وغالباً ما يكون التجريح بحيث يكون شخص من الأشخاص وجد منه خطأ فيكون شأنه أنه يُجرح ثم يُحذر منه وهذا في الحقيقة ليس بطريق صحيح وإنما الواجب العدل والواجب هو الإنصاف وأن من أخطأ بخطأ يبين خطأه وإذا رجع عنه فلأمر كأن لم يكن ...وأما الاشتغال بالجرح والتعديل في هذا الزمان والاشتغال بأعراض الناس والكلام في الناس هذا يعود على صاحبه بالمضرة والإنسان بحاجة إلى حسناته ....اهـ

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:00 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.